Feeds:
تدوينات
تعليقات

Sula_book

نحو جماليات الرائحة، أو الكريه والعطر في الأدب المعاصر.

دانوتا فجيلستيد[1]

بالرغم من كثافة الاهتمام النقدي بالجسد، ما زلنا متشبثين بالجماليات التي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي البصر والسمع. في محاولة لتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد تدرس المقالة المشاهد ذات العلاقة بالشم في كل من رواية توني موريسون (سولا )1973 ومذكرات أمي لجامايكا كينكايد (1996) ومكتوب على الجسد لجينيت وينترسن(1992) لإظهار ما تقدمه هذه الروايات من صور آسرة للغاية عن الشَّم، الجنس (الجندر)، والإثنية.

 يكشف التحليل عن اشتراك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم: الروائح الكريهة التي دلت خلال عصر التنوير على اللا منطق، الجنون، الهمجية، والحيوانية، قدمت مجدداً من قبل الكاتبات الثلاث بمعاني الحب والقربى، في حين أن الروائح العطرة صارت تشير إلى الَبهتان والموت. استفادت كل من موريسون، كينكايد، ووينترسن من التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول مؤنثة) وفضحن التقليدية في تقديم النساء بمصطلحات الروائح “اللطيفة” سواء من خلال إشارات صريحة لقوة العطور الجنسية وبتحميل الروائح “غير السارة” ما للعطور من قدرة على الجذب الجنسي. أخيراً تقترح المقالة أن حاسة الشم قد تكون بديلاً معرفياً متميزاً عن البصر والسمع.

 

اكتب، الغائط ليس له رائحة.

-رولان بارت

في فعل الرؤية يبقى المرء نفسه، في الشَّم يتحلل.

-ماكس هوركهايمر وتيودور أودورنو.

 

تركز صناعة العطور بملايين الدولارات، والاهتمام المتنامي بطب الروائح، والإعلانات التجارية والتلفزيونية العديدة التي تقدم تشكيلة من مزيلات الرائحة-انتباهنا بقوة على ما يتعلق بالشم، العطر، والرائحة الكريهة في حياتنا اليومية. بإبادة الروائح الكريهة وتعزيز العطور الجذابة، نحن جميعاً نتورط يومياً بالتلاعب بعالمنا الشَّمي وبالهويات الشَّمية لأجسادنا.

هذه الرؤية العامة للشَّم (إني أخلط مجازاتي) ظاهرة حديثة. على مدى قرون، كان لما يتعلق بالشم أهمية هامشية في المحادثات الفلسفية، الدينية، العلمية. نبذُ كانط لحاسة الشم مثال عن كيف كانت حاسة الشم ” معيبةً من قبل الفلاسفة”: “لأي حاسة عضوية ندين بأقل ما يمكن ويبدو أنها غير ضرورية تقريباً؟ حاسة الشم. إنها لا تدفعنا لتهذيبها أو تنقيتها رغبة في كسب المتعة، يمكن لهذه الحاسة أن تلتقط ما يبعث على الاشمئزاز أكثر مما يسبب المتعة (لاسيما في الأماكن المزدحمة) إلى جانب أن المتعة المتأتية من حاسة الشم لا يمكن أن تكون إلا زائلة وقصيرة المدى.”

أشار العديد من النقاد إلى أن تهميش حاسة الشم يمكن ربطه بهدف المشروع التنويري لإزالة روائح وتوحيد الفضاءات العامة والخاصة وإلى تعميم الميل لمنح الفكر حظوة على حساب الجسد. كان تطهير الروائح مصحوباً باهتمام طبي متعاظم بالضوء، الذي مع حلول منتصف القرن التاسع عشر أدى إلى ” انقلاب عظيم في المواقف لمنح البصر تفوقاً غير متنازع عليه” كان انكفاء الشم يعتبر جزءً ضرورياً من العملية الحضارية بحسب كل من داروين وفرويد. افترض سيجموند فرويد، على سبيل المثال، صلة مباشرة بين الشم والجنسانية، يرى أن تحجيم الإثارة الشمية ارتبط بانتصاب قامة الانسان. كان الضمور التدريجي للشم، بحسب زعمه، مصحوباً بدور متصاعد للإثارة البصرية في الانجذاب الجنسي.

ظل الاهتمام العلمي حتى يومنا هذا قليل نسبياً بالشم، بالرغم من أن المرء يمكنه أن يجد بعض ما يدل على التغيير. منذ أقل من عقدين كانت الرائحة موضوعة على الخريطة التاريخية الاجتماعية التي وضعها آلان كوربين بدراسته الرائعة، الكريه والعطر: الرائحة و المخيلة الاجتماعية الفرنسية (نشرت في الأصل في فرنسا عام 1982، وترجمت إلى الإنجليزية في العام 1986)، وفيها يتتبع الكاتب التغيرات في ملاحظة الروائح في الدراسات الطبية، الصحة العامة، والمدنية، والمحادثات الأدبية في فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يبدي عالم النفس الهولندي بيت فرون في كتابه الشهير -الرائحة: المغوي السِّري (1994)، أن حاسة الشم حيوية لمعرفتنا للعالم. في ” عضو جاكوبسن ” (2000)، تستقصي ليال واتسن الأدوار المتنوعة للرائحة في البشر، النباتات، والحيوانات. هذه الكتب وكتب أخرى تشير إلى الاهتمام المتنامي بالشم بين العلماء.

لا شك أن حاسة الشم في النقد الأدبي واحدة من أكثر المواضيع تجاهلاً. يبدو أن التحقيق الوحيد على شكل كتاب في المخيلة الأدبية للشم حتى اليوم هو كتاب هانز ج. رينديسباخر ” رائحة الكتب: دراسة تاريخية ثقافية عن حاسة الشم في الأدب (1992)، الذي يناقش في معظمه النصوص الألمانية والفرنسية مع إشارة عرضية إلى الأدب الإيطالي والروسي. انعدام التحري النقدي عن تصوير حاسة الشم في الأدب مفاجئ بشكل خاص في ضوء الاهتمام العام المركز على تصوير الجسد في الثقافة الغربية. مع الكتابات الكثيرة عنه في المقالات النقدية المعاصرة، تم تصنيف الجسد جنسياً، عرقياً، طبقياً، لكنه يبقى بشكل غريب جسداً عديم الرائحة.

ومع ذلك يمكن للمرء أن يجد الكثير من الإشارات إلى حاسة الشم في الأدب. من المسلم به أن حاسة الشم نادراً ما تلعب دوراً بنيويا هاماً وموضوعياً في النصوص لاسيما في أدب ما قبل الحداثة. في الحداثة تظهر حاسة الشم أولاً كعنصر أساسي في حبكة الرواية. يذهب رينديسباخر إلى حد أنه ينشد في حاسة الشم السمة المعرفة للحداثة. بالفعل، حتى القارئ العادي للرواية الحديثة سيتذكر الوظيفة الفعالة للرائحة كمحور دارت عليه رواية بروست الضخمة “في تذكر الأشياء”. تشكل الروائح في رواية عوليس لجويس كوناً بنفسها: يبدو أن نتن الجسد المتفسخ في رواية “بينما أرقد محتضرة” لفوكنر ينبثق من صفحات الرواية كما لو أن الكتاب يحتوي على رقعة “اخدش وتنشق”، تشترك الروائح والعطور بشكل فعال في خلق الفضاء المخنث لرواية بارنيز “Nightwood“، في رواية “عالم جديد شجاع” لهكسلي تظهر كيف أن التلاعب بالروائح يمكن أن يستعمل لضبط العواطف.

بأية حال، الرواية التي تتمحور حول حاسة الشم هي رواية باتريك زوسكيند العطر، المنشورة في ألمانيا عام 1985، وترجمت إلى الإنجليزية بعد سنة واحدة، في عام 1986. رواية زوسكيند استثنائية في استعمالها للرائحة كموضوعة أساسية وأداة بناء. ” لم تكن حاسة الشم قبل زوسكيند مستعملة أبداً إلى هذا الحد في حمل بنية حبكة القصة”، يقول رينديسباخر. الرواية أيضاً استثنائية في تغليبها الشم على التخيلات البصرية، وفي غناها بالمفردات المرتبطة بحاسة الشم. أنه لمن الآسر أن ترى رواية العطر “كانعطافة شمية” مبشرة في الأدب.

في محاولة التبشير في هذه الانعطافة وتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد، أستطلع فيما يلي المشاهد المتعلقة بالشم في كل من رواية توني موريسون سولا (1973)، ورواية جامايكا كينكايد سيرة أمي (1996)، ورواية جينيت وينترسن الكتابة على الجسد (1993) لأظهر كيف أن هذه الروايات تقدم صوراً فاتنة عن الشم، الجنس (الجندر)، والإثنيات. بصورة مؤثرة، مركزة على تدمير الروايات الثلاث للترميز التنويري للشم، أريد أن أعرض أن مواكبة حاسة الشم تساعدنا بشكل أفضل على فهم الآثار المزعزعة لمواضيع السرد عند موريسون، وينترسن، وكينكايد. ومن نافل القول، أن الشم في الأدب تماماً كالتذوق واللمس -ليست متاحة حسياً، إنها دوماً عبر وسيط لغوي. ليس للغة رائحة، كما عبر بارت عن ذلك مؤكداً. ولهذا استقصاءاتي عن حاسة الشم في الأدب تستتبع تفحص أية أفكار، رغبات، مشاعر، ومعتقدات سيَّرتها الإشارات النصية للرائحة في الروايات الثلاث.

دعني أبدأ بالقول إنَّ العوالم الشمية في الروايات الثلاث تدعو القارئ لإعادة النظر بالروابط التقليدية بين الغائط والموت، وانعدام الرائحة والحياة. بشكل غير تقليدي، غالباً ما يشير انعدام الرائحة و/ أو العطر في الروايات للموت، الجدب، والظلم في حين ينحو النتن ليكون مقدماً كحامل للحب، الحيوية، والتحرر من الأعراف الاجتماعية. علاوة على ذلك، تتحرر الراويات وغالباً ما تتصدين للترميز التنويري السائد للرائحة، طبقاً لـ ” يبدو أن الأنقاض التي تفوح منها رائحة نتنة تهدد النظام الاجتماعي، في حين يعد النصر المطمئن للصحية والعطر بدعم استقراره” (كوربين).

الفضلات ولاسيما الجسدية منها، منذ أن عرف في أواخر القرن الثامن عشر بأنها خطر على الصحة العامة، فهي محتواة في الثقافة الغربية المعاصرة في أماكن خاصة (مراحيض) تبعد الفضلات عن أعين العامة وأنوفهم وتخلق حوامل مادية ورمزية بين الحياة والموت، عامة وخاصة، نظيفة وقذرة، ومتحضرة وبدائية. في رواية سولا هناك فقرات طويلة عديدة مرتبطة بالمرحاض والحمام أو المرحاض الخارجي، أصبحت الفضلات والقذارة، لو جازفت بالقول، عنصراً بنيوياً في الرواية. رحلة هيلين ونيل الصادمة جنوباً، إنقاذ إيفا لحياة الطفل بلوم، استراق سولا السمع لاعتراف أمها عن إعجابها بها وليس حبها لها، رد فعل نيل المقرف تجاه خيانة زوجها وسولا، خذلان آجاكس لسولا، كل هذه الحوادث موسومة بإشارة إلى المرحاض الخارجي/ فضلات الجسد. أيضاً المعاني التي ينسجها النص معاً غالباً ما أفسدت الترميز الثقافي للبخر الجسدي والنتن بما يدل على الفنائية والتحلل.

على سبيل المثال في واحد من المشاهد اللافتة، تشكل الرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي الوسط الشمي لتصرف إيفا بحب أمومي. توقف تغوط ابنها الرضيع بلوم ويتقيأ الطفل وهو يصرخ متألماً، تأخذه ايفا إلى المرحاض الخارجي:

قرفصت في عمق ظلمته والرائحة الكريهة الشديدة البرودة، قلبت الطفل على ركبتيها، كشفت عجيزته وأقحمت آخر قضمة تملكها من الطعام في العالم (إلى جانب ثلاث شمندرات) في مؤخرته. مسهلة الإقحام بقطع من شحم الخنزير، جست بإصبعها الوسطى لتسهل تغوطه. تلقف ظفرها ما بدا أنه حصاة سحبتها وتبعتها أخر. توقف بلوم عن البكاء عندما ارتطم الغائط الأسود بأرض متجمدة. والآن بانتهائه، قرفصت ايفا هناك مستغربة لماذا كان عليها أن تمضي إلى هناك لتفرغ غائطه وما الذي كانت تفعله على وركيها مع طفلها المحبوب المدفأ بجسدها في ظلمة كلية بساقين وأسنان متجمدة ومنخرين يسيلان.

ما نراه هنا هو حبكة نصية لشبكة غنية من الصلات بين الطعام، الحياة، الحب، الموت، والغائط. يسم نتن المرحاض الخارجي منطقة الحد الأخير للحياة، إنه يشكل حداً بين الحياة والموت. في هذه المنطقة الشمية للتحلل تبعث إيفا المقرفصة الحياة في ابنها مجدداً.

لا يرتبط حب ايفا الأمومي فقط بالرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي لكن أيضاً، مضاعفاً، برائحة أخرى هي رائحة “اللحم المطهي”. في الحادثة الأولى تصب الكيروسين على ابنها البالغ مدمن المخدرات بلوم وتشعل النار. لكن قبل أن توقد به النار تضم بلوم بين ذراعيها وتهزه كما لو أنه طفل رضيع. قتل ايفا لابنها هو فعل حب كما يطرحه النص، وهو أيضاً مفسر كذلك من قبل بلوم الذي يجد رائحة الكيروسين ” جذابة على نحو عميق” ويشعر بأنه معمد بها ومبارك. في المثال الثاني، رائحة لحم هانا المحترق يجعل ايفا بساقها الوحيدة ترمي بنفسها من النافذة في محاولة بطولية لإنقاذ ابنتها.

في حين تنشر روائح اللحم المطبوخ والغائط مشاهد الحب الأمومي، عطور زهور تصحب الموت والفساد الأخلاقي في عالم “سولا” الشمي. الرائحة الشذية للغاردينيا التي تشمها أم هيلين المومس من أجواء موكب جنازة جدة أم نيل. وجدت ايفا مع ابنتها الميتة بجانب شجيرات الفورسيثيا، البازلاء الحلوة، والبرسيم. ربما المثال الأكثر صراحة لإعادة الترميز النصية للرائحة هذه هو عنقود من صور شمية تدور حول ممارسة سولا للحب مع آجاكس. تنتهي علاقتهما الشغوفة بتنظيف سولا للحمام وترتيب السرير. بالنسبة لأجاكس تبعث النظافة الجديدة للمكان “رائحة العش”، معلية مخاوفه من أن يقع في فخ أسلوب الحياة العادية. الذروة تأتي عندما يرى آجاكس سولا “مستلقية على ملاءات بيضاء يانعة، ملتفة في الرائحة القاتلة لكولونيا مطبقة مؤخراً” ويقرر تركها. رائحة الكولونيا نفرت آجاكس، إنها تشير إلى خيانة سولا لكل ما كانت تعنيه حتى ذلك الحين، وأكثر ما خانته هو قدرتها على الرؤية من خلال(وتجاهل) قشرة سلوك الطبقة الوسطى المتحضرة. هذه القدرة الخارقة لسولا مستدعاة بتركيبة مدهشة من البصري والشمي عندما يزعم واحد من السكان الخائفين في الأسفل أن سولا تنظر إلى الناس كما لو أنها “تشمك بعينيها ولا تعجبها رائحة صابونك”.

حزينة بعد رحيل آجاكس، تغني سولا لنفسها لتنام في ” قشعريرة المرمر” التي تغادرها لتعود إلى “رائحة الصلصال الكريهة، العبقة، المظلمة “.  هذه الرائحة النتنة العبقة المظلمة للصلصال مرتبطة بالمشهد الذي تتقاسم فيه نيل وسولا الإثارة الجنسية وهما تحفران حفرة في الأرض بأغصانهما قبل وقت قصير من موت تشيكن ليتل. يفسر المشهد في الكثير مما كتب من نقد لرواية سولا على أنه علاقة جنسية بين سحاقيتين.  المهم في سياق تحليلي هو حقيقة أن الهالة الشمية للمشهد تصبح سمة في علاقات نيل وسولا. متألمة من اكتشاف علاقة الحب بين زوجها وسولا، تنسحب نيل إلى حمامها على أمل أن تتخلص من حزنها: ” جلست مرة في الداخل، على بلاط الأرضية بالقرب من المرحاض. على ركبتيها، يدها على الحافة الباردة لحوض الاستحمام، انتظرت حدوث شيء، في الداخل. كان هناك إثارة، حركة وحل وأوراق ميتة، فكرت بالنساء في جنازة تشيكن ليتل، النساء اللاتي زعقن على النعش وحافة القبر المفتوحة.” بخلاف النساء، لم تستطع نيل مع ذلك أن تتخلص من ألمها بالبكاء:” انتظرت. انزاح الطين، تحركت الأوراق، غلفتها رائحة الأشياء الخضراء المتفسخة وأعلنت عن طلائع عويلها. لكنه لم يخرج. الرائحة تبخرت، الأوراق كانت ساكنة، استقر الوحل. وأخيراً لم يكن هناك شيء سوى رقاقة من شيء جاف ومقرف في حلقها. نهضت خائفة.” لم تفهم نيل إلا بعد موت سولا أنها كانت حزينة على صديقتها وليس على زوجها جودي. عند هذا الحد، في نهاية الرواية، تشير الرائحة إلى عودة علاقة سولا ونيل منطلقة في صرخة الحزن:” الأوراق تهيج، الوحل يتقلب، كان هناك رائحة أشياء متفسخة خضراء…” يا رب، سولا” نيل تصرخ، يا فتاة، يا فتاة، يا فتاة،” كانت صرخة ممتازة، عالية وقوية-لكن لم يكن لها قعر ولا قمة، فقط حلقات وحلقات من الحزن”.

تحليلي يكشف حتى الآن أن الرائحة الكريهة، المشادة طوال عصر التنوير كدلالة على الجنون، الحماقة، الهمجية، والحيوانية، صيغت مجدداً من قبل موريسون كدالة على الحب والقربى. تصبح الروائح العطرية من ناحية أخرى، علامات على البهتان والموت.  ولو أن قول هذا هو اقتراب محفوف بالمخاطر من ثنائية الروائح الفطرية مقابل المدنية، ولرؤية رواية سولا كتظهير لعالم الفطرية. الكون الشمي في سولا ليس بسيطاً جداً، إنه لا يقدم فقط إبطالاً للترميز التقليدي للروائح. روائح الزهور تنتمي للمملكة الفطرية، ولو أنها في الرواية ترتبط بالموت. موريسون أيضاً تصعب التمييز البسيط بين الروائح بالمحافظة على المعاني المتعارف عليها للشم. بالنسبة لشادراك على سبيل المثال، الرائحة الحلوة للدم مرعبة بالطريقة التي تقدح فيها زناد الذاكرة للقائه التصادمي مع الموت أثناء الحرب. موت تشيكن ليتل هو أيضاً مرتبط برائحة رهيبة.

البنية في سولا هي منظر شمي أدبي مليء بالتوتر والإبهام، موريسون تجعل القارئ يتجول في متاهة من الرغبات المحرمة. عملية مشابهة جداً يمكن أن ترى في رواية كينكايد “مذكرات أمي”. حبها لروائح جسدها هو بالنسبة لخويلا، بطلة الرواية وراويتها، طريقة لمقاومة الأحكام المحيطة بها، على أنها تافهة، غير محبوبة، ومستهجنة. في عيون الآخرين، تقول، “الشكل البشري والرائحة كانا فرصة لتكديس الازدراء “عليها، طريقتها في استرجاع الاعتراف والتقدير لنفسها بتأكيد متكرر لشذاها الشخصي أو لرائحة الجسد بالقول مراراً وتكراراً: ” أحب رائحة القذارة الرقيقة خلف أذني، رائحة فمي غير المغسول، رائحة ذلك العقيق بين ساقي، الرائحة في ثنية ذراعي، رائحة قدمي غير المغسولة.”  يمكن القول إن خويلا تدعي مكاناً لذاتها المختلفة عرقياً، بجذب انتباه القارئ لروائح جسدها الشخصية، إنها تصر على صلاح “جواز مرورها الشمي” بحسب تعبير فرون.  هي أيضاً تدعي مكاناً لجنسانيتها بالتأكيد على الشخصية المغرية لروائحها: ” تغيرت رائحة إبطي وما بين ساقي وهذا التغير سرني.  في تلك الأماكن تصبح الرائحة لاذعة، حادة، كما لو أن شيئاً ما يجري تخميره، ببطء، وفي السر، بين الحين والآخر، لم تغادر يداي هذه الأماكن، وعندما كنت بين الناس، لم تكن هاتين اليدين بعيدتان عن أنفي دوماً. وهكذا استمتعت على طريقتي في شمها، بين الحين والآخر.”

كما في سولا، عبث مشابه في “المذكرات”، العطور والروائح “الطيبة” مختبرة من قبل خويلا كشؤم ووعيد: ” أشم من إبطي ليز عطراً. صنع من عصير الزهور، هذه الرائحة ستعبق في الغرفة، ستعبق في منخري، تنتقل إلى معدتي، وتخرج من فمي، في موجات من التقيؤ…” رائحة والدها، تلك المشابهة ” لرائحة اليود ونبات كف الذئب البنفسجي وحمض الكاربوليك،” تبدو “منظمة ومعقولة” وتدعم إحساسها بكونه سجان وشرطي أكثر من كونه أباً.

في سياق دراستي المسألة المثيرة هي ما إذا كان مثل هذا السرد المخل بنيوياً كما في “مكتوب على الجسد”، التي تعلن صراحة ارتباطها بالجسد من خلال عنوانها، أيضا يتعدى على أعراف الصور الحسية، لاسيما من ناحية حاسة الشم التي في منزلة متدنية. الإجابة هي أنه، فيما يتعلق بالشم، رواية “مكتوب على الجسد” سرد يتبع في معظمه المتعارف عليه في الدلالة على الحب من خلال روائح الزهور وعلى التنافر عبر الروائح الكريهة، وإيهان وفضح هذه الأعراف بطريقة غير متوقعة ليس سوى في فصل ” الحواس الخاصة”، في نهاية الرواية. بخلاف “سولا “أو “مذكرات أمي”، في “مكتوب على الجسد” البيئة النظيفة الصحية والبرجوازية العديمة الرائحة تتقاطع عرضياً فقط مع روائح المبولة، الغائط، الدم الطمثي والبخر الجنسي.

تقدم الحكاية في الجزء الأكبر منها، لويز العاشقة المثالية (لأنها اختفت بغموض) وهي تشم الحطب، الزهور، والبحر. ينبثق هذا النمط من المخيلة الشمية التي تصل النساء بنبات اليوفي بدلاً من ربطها بعالم من روائح حيوانية كرائحة المسك، في القرن التاسع عشر ليصبح منتجاً رئيسياً للتصوير الفيكتوري للنساء. كان التحول عن عطر الحيوان وصعود موضة روائح الزهور بنتيجة رؤية جديدة للتصورات الأخلاقية للرائحة. عندما يعد التواضع فضيلة أنثوية أساسية، ” حلت صور نباتية محل تلك المقترضة من دورة اللواحم”، في حين “البخار الثخين للحم المشبع، روائح ثقيلة، ومساحيق مسكية كانت (لائقة) بحجرات المومسات أو حتى للمبغى”، يكتب كوربين. في قصة حب وينترسن تفوح لويز بالبراءة. براءتها تطرح رمزياً من خلال نظافتها: تخرج عدد مفاجئ من المرات من حمامها برائحة الصابون والزيوت العطرية. التقليدي (على الأقل بالنظر لتصوير النساء) هو أيضاً الربط النصي للويز برائحة القهوة والخبز. الطبيعة والبيت مكانين فيهما تموقع صور الراوي عن الرائحة لويز. مزالة الرائحة ورومانسية، لويز الشمية هي المرأة الفيكتورية الجامعة لا يمكن أن توصف رائحتها أبعد من الإشارة المكررة ثلاثاً إلى “رائحة لويز”.

بخلاف لويز النظيفة التي تفوح منها رائحة البحر، تتسم جاكلين، التي يتخلى عنها الراوي من أجل حبيبة جديدة، برائحة حيوان: لها رائحة حديقة الحيوان التي تعمل فيها. تستحم لتزيل الرائحة، وليس لتعطر جسدها. تصوير الراوي لجاكلين بمفردات روائح الحيوان بدلاً من الزهور التي تومي إلى معنى أنها قذرة ودنيئة. هذه التضمينات مكتشفة في واحدة من فقرات الرواية المحورية. أشير إلى المشهد الذي يعود فيه الراوي إلى البيت بعد ليلة أمضاها مع لويز ليجد أن شقته/ها خراباً. جاكلين خربت ما استطاعت، وقد حولت الغرفة إلى قن دجاج، والحمام إلى مكان يبدو كما لو أنه كان هدفاً لسباك سادي ومنحرف. اكتشاف الراوي لآثار حضور لجاكلين الغائبة الآن يبلغ منتهاه في إلقائه نظره على باب الحمام ليرى كلمة اللعنة مكتوبة بالغائط على ما يبدو من قبل جاكلين. هذا يسمح للراوي التعرف إلى مصدر الرائحة التي عبقت في الشقة. تصبح رائحة الغائط توقيعا للمرأة التي يربطها الراوي بعالم الحيوان: ” إنها غير متحضرة، فظة، وشاذة، إن المرأة الظريفة الفيكتورية هي أخرى. حيث بخر جسدها يعبق بالغرفة، يتجاوز حدود الأنا ويعتدي عليه. هكذا رائحة الغائط الذي اشارت به جاكلين إلى خروجها ليس فقط إمضاءاً رمزيا لموت الحب. يجتاح عالم الحب الناشئ بين الراوي ولويز، إنه ينتهك الحدود المتفق عليها بين الحياة والموت، يدمغ التحلل المادي إلى جنس، ويكتب عنفاً بالجسد، أو على نحو أصح ببقايا الجسد.

الروائح موظفة إذن من قبل الراوي أو ربما بشكل أصح من قبل وينترسن-ليسم حبيباته بشكل تقليدي إلى حد ما عندما يتخلص آلجين زوج لويز من حبوب النعناع التي تلقاها من أبيه، يخسر ماضيه ويقايض روائح طفولته اليهودية بأجواء مختبر طبي سويسري عديم الرائحة. انعدام رائحة آلجين نصياً مرتبط بعجزه العام وحياته الفارغة. عندما ينظف الراوي حمامه من غائط جاكلين ينهي علاقاته الجنسية المغامرة ويرسو للتقليدية ولقصة حب شاعرية. تعرف جدة لويز الراوي بأنه له” مظهر شيء من قسم النظافة.”

خلاصة القول، في معظم الصور الشمية في “مكتوب على الجسد” المنقولة ضمن المعارضات الثنائية التقليدية: الروائح ” السيئة”، تكون من الغائط أو الحيوانات، تنافر لافت، انحراف، فقر، وموت (الحب)، ” الروائح “الطيبة” (للزهور، خشب الصندل، والبحر) مرتبطة بالإثارة الجنسية والفضيلة، أو ربما بطريقة أصح، الشهوانية المتعففة، في حين انعدام الرائحة هو مساوي لانعدام الحياة.

مع نهاية الرواية، الروائح غير التقليدية المشار إليها رغبة في تحديد جسد لويز والإفصاح عن رغبة الراوي بها. في فصل “حواس خاصة”، يمعن الراوي في روائح لويز الجنسية مشيراً إلى” رائحة الخميرة” الصادرة عن لويز بعد ممارسة الجنس. ويلحظ كيف أن روائح لويز تتغير أثناء دورتها الشهرية.  عندما تكون لها “رائحة البارود”. يصور الراوي كون لويز الشمي كخليط من روائح الغائط والبخر. إنها “مركب غبش من قش ماشية شذي وبخور مريم. إنها لبان ومر روائح من الموت والايمان.” بتعبير آخر يكسر استعمال وينترسن للتخيلات الشمية التقاليد باكتشاف واضح لدور الرائحة في الانجذاب الجنسي. إقدام الراوي المحتمل على الانتهاك مرتبط بالشم أيضاً. قبل أن يصبحا عاشقين بقليل، يشعر الراوي بغواية تناول سروال لويز من سلة الغسيل ليشمه. هذا الانتهاك الجنسي توقف بسبب دخول لويز الغرفة تفوح منها “رائحة صابون خشب خام”.  لكن مع غياب جسد لويز، يصبح الراوي شفهياً “شمام سروال” لا يمكن له أن يكونه في حضور لويز كما لو أن الغياب فقط يمكن أن يثير إمكانية الشم الآثمة.

واحدة من المسائل التي لم أبحثها هي تجنيس الروائح في رواية “مكتوب على الجسد”، “مذكرات أمي” و “سولا”. كما هو معروف، بدءاً من عصر التنوير، أصبحت حاسة البصر بشكل متزايد محسوبة على الرجال،” الذين هم من المستكشفين، العلماء، السياسيين، أو الصناعيين-كان ينظر إليهم كمكتشفين ومسيطرين على العالم من خلال نظرتهم المتحمسة.” بخلاف البصر كانت حاسة الشم تعد “حاسة الإلهام والمشاعر، من الأعمال المنزلية والإغواء، كلها كانت تحسب على النساء”.  استغلت موريسون، كينكايد، ووينترسن هذا التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول أنثوية) لكن بطرق مختلفة في كل من سولا ومذكرات أمي، ارتبطت الروائح الكريهة غالباً بالحقل الدال على الحب، الفردانية، والوحدة، في حين أن الروائح “الطيبة” ارتبطت بالموت والانفصال. في “مكتوب على الجسد” وثانية في “مذكرات أمي” العرف في تصوير النساء بمصطلحات الروائح “الطيبة” كشف سواء بإشارات واضحة على القدرة الجنسية للعطور وبمنح الروائح “كريهة” نفس القوة الجنسية التي للعطور. تشترك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم. شيرة إلى أهمية الشم في المحادثات الأدبية، بالرغم من أن الحدود الدقيقة للخريطة الشمية للأدب لم ترسم حتى الآن.

من المفاجئ أنه برغم الاهتمام النقدي الشديد بالجسد وبالرغم من الادعاء بأن” علم الجمال ولد ليكون خطاباً عن الجسد”، نتشبث بشدة بالجماليات الذي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي النظر والسمع. حان الوقت لمراجعة هذه الجماليات بتضمين حاسة الشم وهي وفقاً لبعض النقاد حاسة ما بعد حداثية بامتياز معولين على مفاهيم بودريارد عن مافوق الواقع والصور الزائفة “المحاكاة”، Classen et alيكتب: ” العطور المركبة اليوم مثيرة لأشياء ليست موجودة، لحضرات غائبة… هذه الروائح المصطنعة هي إشارة دون مرجع، دخان بلا نار، صورة شمية نقية”. في حين لا أملك حجة لوجهة نظرهم عن الرائحة في الواقع اليومي ما بعد الحداثي، في رأيي إن الظهور المتنامي لحاسة الشم (لأخلط العيني والشمي مرة ثانية) والنقد المتنامي لترميزها التنويري (الترميز المتضمن للجندر، العرق، والطبقة) قد يسمح لنا بالتفكير بالشم باعتبارها حاسة ما بعد حداثية. الشم، هذه الحاسة الأكثر شعورية من بين الحواس، تحمل إمكانية عظيمة مدمرة في قدرتها على التعدي على الحدود، مهاجمة العقلانية، وتحرض مشاعر الاشمئزاز والانجذاب بفعالية. في الروايات التي تمت مناقشتها هنا، يهاجم الشم التراتبية المؤسسة على العرق، الإثنية، الجنس، والتوجه الجنسي. إنها تغير الاقتصاد العاطفي، تعيد تنظيم العالم الاجتماعي والأخلاقي، وتنتهك الانفصال. إن إعادة الترميز للشم هذه أيضاً كاكتشاف لقدراتها التدميرية التي أجدها واحدة من الظواهر المثيرة في أدب ما بعد الحداثة.

لابد من التأكيد على أن الأهمية المنسوبة للروائح هي ثقافة وزمن محددان. وطالما أن الروائح مستثمرة بقيم ثقافية، يطرح ترميزها الثقافي نماذجاً لوسم وتفسير الآخرين على أنهم آخرون ولكتابة مخطوطات عن التفاعل المتبادل بين الذات والآخر.  علاوة على ذلك، طالما أن حاسة الشم مثلها مثل باقي الحواس، متلاعب بها ومتأثرة بمعتقداتنا، كما أشار ميلر، تغيير المعتقدات عن الشم في عالمنا ما بعد الاستعماري المليء بـ”الآخرين”، إعادة ترميز الرائحة قد يكون لها أثر سياسي بعيد ونتائج اجتماعية، لاسيما لو قبلنا أن فعل الشم هو ذوبان ذاتي واندماج مع الآخر، كما يؤكد أودورنو و هوركهايمر. يبدو أن هناك بديلاً معرفياً مميزاً تقدمه الرائحة، البديل أيضاً مكتشف في “عطر” زوسكيند، الراوي مرتبط بشدة بالرائحة كارتباط الراوي الأوديبي بالنظر واللمس. حان الوقت للبدء باستكشاف البديل المعرفي الخاص بالشم والأرضية العاطفية، الأخلاقية، والمعرفية التي يمكن لها أن ترسمها.

http://cvc.cervantes.es/literatura/cauce/pdf/cauce24/cauce24_37.pdf

[1] أستاذة الدراسات الأميركية وما بعد الاستعمارية في معهد بليكنج في السويد.

9780140120837-1

أفضل عشرة كتب ترتبط بالرائحة-لارا فايجل[1].

  • في تذكر الأشياء-مارسيل بروست.

لا تزال لهذا الكتاب الكلمة الفصل في أدب الرائحة. ليس فقط لاشتماله على مجموعة كبيرة من الروائح المميزة (الزعرور المزهر، البنزين، عطر امرأة جميلة)، لكن لأنه يبرهن بقوة أيضاً على أن حاسة الشم هي الحاسة الأكثر بروزاً وإثارة للذكريات من بين باقي الحواس: ” لما كان لا شيء يدوم من الماضي البعيد، بعد موت البشر، بعد تحطم الأشياء وتبددها، تظل حاستا التذوق والشم وحدهما، أكثر هشاشة لكن أكثر ثباتاً، الأكثر روحانية، الأكثر ديمومة، الأكثر إخلاصاً، صامدتين لوقت طويل، كالأرواح.” لا تخيفنَّك ضخامة كتاب بروست: ابدأ بالمجلد الأول وسوف تمضي قدماً.

  • فلاش -فرجينيا وولف.

تهيمن الرائحة على السيرة التي كتبتها وولف عن كلب-“السبنيلي”-اليزابيت باريت براونينج. بالنسبة لفلاش، ” الحب قبل كل شيء هو رائحة، الشكل واللون رائحة. ..إن وصف تجربته المعتادة مع شريحة اللحم اليومية أو البسكويت يفوق قدرتنا.” مع ذلك، بذلت أفضل ما بوسعها لوصف روائح لندن وفلورنسا، البشر والكلاب، وفلاش تحفة أدبية فيما يخص حاسة الشم.

  • العطر-باتريك زوسكيند.

سوف لن تكون هذه القائمة مكتملة دون رواية العطر، وهي قطعة كلاسيكية عن الكتابة المختصة بالرائحة. إن زوسكيند عميد النثر الشمي وتتضمن هذه الرواية بعض صور تتميز ببراعة فائقة عن الروائح الكريهة التي كانت تفوح في فرنسا في القرن الثامن عشر وعن الشذا الاستثنائي للفتاة الجميلة التي يمثل عطرها ” قطعة من حرير رقيق لماع” متحد مع ” فطيرة مغموسة في حليب محلى بالعسل.” كان اسم زوسكيند في كل مكان لحظة إطلاق فيلم تيم تيكور، الذي لم يرتق لمستوى الرواية تماماً للأسف، في قدرتها على استحضار الرائحة، لذا اقرأ الكتاب قبل مشاهدته.

  • سر الرائحة -لوكا تورين.

عالم، هاوٍ للعطور، كاتب، وله أنف استثنائي، لوكا تورين واحد من أكثر كتاب الرائحة إثارة في أيامنا هذه. لقد أثار عاصفة في عالم العطور بدليله العطري، parfum، المكتوب عام 1992 أثناء استراحة قصيرة من المتابعات العلمية. هذا يقرأ حال الانتهاء من التذكر البروستي للعطور: عطر Nombre Noir ” في منتصف المسافة بين الورد والبنفسج”، ” يلتمع بطراوة سائلة جعلت ألوانه تتوهج مثل نافذة زجاجية ملونة”. يتضمن كتابه الجديد، سر الرائحة، بعض التوصيفات الغنائية للعطر وهو أيضاً كتابة علمية جريئة. إنه يلغي متمرداً المفهوم المقبول على نطاق واسع عن أن رائحة الجزيء تعتمد فقط على شكله، مؤكداً بدلاً من ذلك على أن التذبذبات ضمن الجزيء تلعب دوراً حاسماً.

  • الطريق إلى ويجان بير -جورج أورويل.

كان معروفاً عن جورج أورويل وهو الكاتب التوثيقي الاشتراكي الصريح، تعطشه للروائح. كنت لأختار أياً من كتبه هنا: كل واحد منها فيه على الأقل وصف مثير للرائحة الطيبة أو للرائحة الكريهة. اخترت ويجان بير بسبب وصفه البارز لرائحة الأحياء العشوائية، وتصديه الجريء للطبقة الوسطى البريطانية التي تعتقد، على حد زعمه، أنها رائحة الطبقة الكادحة.

  • خبز محمَّص –نايجل سليتر.

سيرة سليتر الأخيرة هي أمر لابد منه لعشاق الكتب المتعلقة بحاسة الشم. لا شك أن الطعام والرائحة رفيقان بالفطرة، وهما يتخللان ذكريات طفولة سليتر. رائحة الخبز والزبدة في حلوى البودينغ، رائحة البرتقال وكبش القرنفل وبول عمته فانتي جميعها مستقصاة بمحبة عبر أنفه الحساس.

  • مشاكل-أرسطو.

في كتاب أرسطو عن المعضلات فصلان عن الرائحة: فصل عن المسائل المتعلقة بالروائح الكريهة، وواحد عن تلك المتعلقة بالروائح الطيبة. مع أن الكتاب تم تأليفه في القرن الرابع قبل الميلاد، إلا أن المشاكل مدهشة بحداثتها، تذكرنا كيف أن الروائح تربطنا بأسلافنا القدماء.” لماذا،” يسأل أرسطو،” هل الإبط هو أكثر المناطق التي تفوح منها رائحة كريهة؟ هل هذا لأن قدراً أقل من الهواء يصل إليه؟ لماذا تصبح رائحة البول أكثر سوءاً كلما طالت مدة بقائه في الجسد، في حين أن رائحة الروث تصبح أقل رداءة في نفس الحالة؟”

  • أزهار الشر-بودلير.

” عندما تعوم عقول الآخرين في الموسيقى،” كتب بودلير في الغيبوبة ” يسبح عقلي في عطرك.” كانت الحسية طاغية على شعر بودلير وهذه المجموعة متبَّلة بأنشودة تسبيح للرائحة.  هو يمجد روائح ” الوعود، العطور، القبل الخالدة” في “الشرفة” والرائحة الشذية تصدر عن فراء قطة شقراء وبنية اللون في ” القطة”. حسناً إنه يستحق القراءة.

9-الحانة-إميل زولا.

كما جورج أورويل، يمكنني أن أختار أياً من كتب زولا هنا. في رواية نانا بعض الصور الرائعة عن الروائح العطرية لـ” جنون اللحم” الذي اجتاح باريس في مساء ماطر، عندما “زفرت المدينة المبللة رائحة كريهة تذكر بسرير مهمل”. تصور “غلطة القس موريه” رجلاً يبكي على رائحة الزهور في يدي محبوبته. أختار “الحانة” لأن زولا يستعمل في هذ الرواية الرائحة في الحبكة والشخصية كما يستعملها في الوصف. رائحة الغسيل القذر الكريهة عفنة ومسكرة بالنسبة لكل من كليمنص وحبيبها، والإشارة الأولى للتدهور بطيء لحياتهما المشتركة تقع عندما يصاب كلاً منهما بالخدر الناجم عن الأبخرة القوية الصادرة عن الغسيل.

10-الكريه والعطر: الرائحة في المخيلة الاجتماعية الفرنسية لـ آلان كوربين.

وفر كتاب كوربين لزوسكيند الكثير من الأبحاث عن العطر، وهو تقرير شامل عن المسالخ كريهة الرائحة، المجارير، المستنقعات، الجثث وسجناء القرن الثامن عشر في فرنسا، أيضا للأمراض الشائعة والمبادرات لفعل شيء بشأنها. هو أيضاً يتناول تغير المواقف نحو الروائح المختلفة بمرور الزمن، وهناك شذرات آسرة خالدة عن تفاصيل الرائحة. وفقا لكوربين، كان يعتقد في القرن الثامن عشر أنَّ للذكر والأنثى رائحة دم مختلفة وأن دم الحيض مكن الأمهات من ملاحظة وظائف أعضاء بناتهن، في حين أن مني الرجل شكل جوهر الحياة. يا للروعة!

http://www.theguardian.com/books/2006/dec/19/top10s.smelly.books

[1] لارا فايجل هي مدرسة الأدب الإنكليزي في جامعة ساسكس ومؤلفة كتاب باقة زهر صغيرة: رحلة أدبية من العَطِر إلى الكريه (منشورات أولد ستريت). تختار هنا ما تفضله من الكتابات عن موضوع الرائحة، والتي ظهرت جميعها في كتابها.

cerberus-blake_jpg_600x662_q85

كلاب دانتي-ألبرتو مانجويل.

عن نيويورك ريفيو أوف بوكس

 

من بين كل التشبيهات المهينة والمنتقصة التي يطلقها دانتي في الكوميديا على كل من الأرواح التائهة والشياطين الشريرة، هناك تشبيه يتكرر على الدوام. الغاضبون، وفقاً لفرجيل، جميعهم “كلاب” منذ ذلك الحين، في الملاحظات التي دونها عن رحلته إلى مملكة الموتى، يردد دانتي صدى مفردات معلمه القديمة. وهكذا، يخبرنا دانتي أن المبذرين في الحلقة السابعة تطاردهم “كلبات عجولات مجوَّعات سوداوات”، ويتصرف المرابون المحترقون الذين يهرعون تحت وابل النار “مثل الكلاب التي تقاتل في الصيف الذباب والبراغيث بمخالبها وخطومها”، الشيطان الذي يلاحق مخادعاً مثل “كلب ضخم مطلق سراحه،” وشياطين أخرى مثل “كلاب تطارد شحاذاً فقيراً” وأكثر قسوة مما يفعل “كلب مع الأرنب الذي اصطاده.” صرخة ألم هيكوبا[1] محقرة كالنباح” تماماً كالكلب”، دانتي يخشى “الوجوه الشبيهة بوجوه الكلاب” التي للخونة الذين وقعوا في فخ ثلج قابيل، بوكا غير التائب “ينبح” مثل كلب معذب، والكونت أوجولينو ينخر جمجمة الكاردينال روجيرو “بأسنانه، / التي كانت قوية كما الكلاب أمام العظام.

الغضب، الجشع، الوحشية، الجنون، القسوة: هذه هي الصفات التي يبدو أن دانتي يراها في الكلاب ويطلقها على أهل الجحيم. أن تدعو شخصاً ” بالكلب” أمر شائع وإهانة باهتة تقريباً في كل اللغات، بما فيها بالـتأكيد، الإيطالية المحكية في توسكانيا دانتي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. لكن التعابير المبتذلة غائبة عند دانتي: عندما يستخدم تعبيراً عادياً، لم يعد يفسر على أنه عادي. تحمل الكلاب في الكوميديا دلالات غير الإهانة المجردة، لكن لو بالغنا بالقول فإن جميعها تطرح شيئاً مرذولاً ودنيئاً. وهذه القسوة تتطلب استيضاحاً.

في زمن دانتي، ظلت حياة أغلب عائلات توسكاني بسيطة نسبياً وغير رسمية. تظهر تصاوير المناظر الداخلية في فلورنسا، سيينا، ومدن توسكانية أخرى في القرن الثالث عشر، غرفاً مؤثثة بشكل بسيط، مزينة أحياناً ببعض قماش النجود ولوحات الترومبلويل، غالباً مع مزهريات ملونة ملآى بالزهور. كانت الحيوانات الأليفة شائعة. الطيور معلقة في الأقفاص بمحاذاة النافذة، كما تظهر في لوحات الفريسكو التي رسمها مازاتشيو ولورينزيتي. القطط مستكينة بالقرب من الموقد في غرفة النوم. (نصح فرانكو زاكيتي الفلورنسي الرجال بأن ينهضوا عراة من على الأسرة ليتأكدوا من أن القطة لم تخطيء وتظن ” أشياء متدلية معينة” ألعاباً.) حتى الإوز كان يربى أحياناً في الداخل، ينصح ليون باتيستا ألبرتي، في كتاب الأسرة، باستعمال الإوز لحراسة المنزل. وبالتأكيد، كان هناك كلاب.

كلاب تكورت عند قدم السرير أو على الأرض بمحاذاة الموقد، كلاب تراقب قرب العتبات أو تنتظر الفتات تحت الطاولة. كلاب الحِجر ظلت صحبة السيدات قرب المغزل، والكلاب السلوقية انتظرت بصبر أن يذهب سادتها للصيد. لحظ برونيتو لاتيني في “كتاب الكنز” أن الكلاب تحب البشر أكثر مما يفعل أي حيوان آخر، فقط الكلاب المولدة من اتحاد إناث الكلاب والذئاب كانت شريرة. أغلب الكلاب كانت مخلصة حتى الموت: كان شائعاً أن تحرس الكلاب جثث أصحابها ليل نهار، وأحياناً حتى الموت حزناً. وفقاً للاتيني، يمكن للكلب فهم صوت الانسان.  بير دو بوفيه، المعاصر لدانتي، رأى في كتابه الوصفي أن الكلاب التي تلعق جراحها لتشفيها، هي في هذا مثل الكهنة الذين يسمعون اعترافاتنا ويشفون أحزاننا. ازيدور اوف سيفيل، في الإثمولوجيا، شرح أن الكلب (CANIS) حصل على اسمه لأن نباح الكلب كان مثل غناء (CANOR) الكلمات الغنائية التي ألفها الشعراء.

وفقا لمأثرة قديمة، من المفترض أن تتعرف الكلاب على الحضور الملائكي قبل أن يراه البشر. الكلب الذي رافق طوبيا بن طوبيا في الرحلة مع الملاك، واحد من هذه الأمثلة (والكلب الوحيد الجيد في كامل الأدب الإنجيلي). لا يمكن للكلاب أن تعي المقدسات فقط، هي بنفسها يمكنها أن تكون أيضاً مقدسة. في القرن الثالث عشر، في منطقة ليون، كان كلب الصيد مبجلاً تحت اسم القديس جوينفورت. وفقاً للتقليد، كان الكلب جوينفورت متروكاً ليعتني بطفل في مهده. حاولت أفعى أن تهاجم الطفل، فقتلها جوينفورت. عندما عاد صاحبه، رأى الكلب مغطى بدم الأفعى وظنَّ أنه هاجم الطفل. قتل جينفورت المنقذ مغتاظاً، ومن ثم اكتشف أن الطفل بأمان ومعافى. مبرراً كشهيد اكتسب الكلب رتبة قديس تطلب شفاعته لحماية الأطفال.

الكلب الوحيد المشار إليه في الكوميديا كتجسيد للصفات الكلبية الإيجابية هو الفيلترو، أو كلب الصيد، المعلن عنه أولاً من قبل فرجيل في بداية رحلتهما ولاحقاً في التقدير المستحضر من قبل دانتي نفسه: الكلب الذي سوف يتبع يوماً ما ويقتل الذئبة الشريرة. يشبه أكثر المعلقين كلب الصيد بإمبراطور لوكسمبورغ هنري السابع، المقدر كثيراً من قبل دانتي، وقد دعاه” وريث قيصر وأغسطس.” بأية حال، كلب الصيد هو ليس كلباً بقدر ما هو رمز لرجاء الخلاص، “disio” رغبة جمعية أو مجتمعية.

كتبت جميع كتب دانتي تقريباً في المنفى، في منازل لم يستطع أبداً أن يعتبرها منازله لأنها لم تكن في فلورنسا، التي أحبها وكرهها في ذاكرته كخليلة خائنة، مقدراً جمالها ومنكلاً بها لذنوبها. يكشف مفتتح قصيدته عن الرباط التواصلي المزدوج: ” هنا تبدأ كوميديا دانتي اليجيري، فلورنسي الجنسية، وليس الأخلاق.” لا شك أن مستضيفاه-كانجراندي، جويدو نوفيلو، والآخرون-كانوا لطفاء معه ووفروا له الغرف المريحة والمحادثات ذكية، لكن البيت كان دوماً في مكان آخر، مكان الغياب. ممنوعاً عن فلورنسا، لابد أنه شعر أن بوابة المدينة ربما كانت معارضة ساخرة لبوابة الجحيم: قد لا تكون لافتتها ” أفقد كل أمل أيها الداخل” لكن ” أفقد كل أمل أيها المغادر.” ومع ذلك دانتي، مثل كلب يبكي، لم يكن قادراً على هجر كل أمل في العودة إلى الوطن.

في فيرونا وآزارو، بادوا ورافيينا، جلس دانتي إلى طاولته المقترضة، مفعماً بالرؤية التي تمنى أن يصوغها في كلمات وواعياً بألم أن بداية رحلته مثل غابة،” في قول ما كان صعباً قوله” لأن اللغة البشرية، بخلاف الكلاب، هي مخلوق غير مخلص.  الأنظمة المربكة والواسعة لعلم اللاهوت، علم الفلك، الفلسفة، والشعر أثقلت كاهله وفرضت قواعدها ومعتقداتها. ببطء، حول الشخصية التي تحمل اسمه، دانتي استحضر شخصيته: شاعره المحبوب المفضل، فرجيل، موضوعاً لرغبته، بياتريس الميتة، الرجال والنساء الذين سكنوا ماضيه، الأبطال الوثنيون الذين سكنوا كتبه: القديسون على التقويم الكنسي. أيضاً أماكن ومشاهد: متذكراً الشوارع والمباني، الجبال والوديان، سماوات الليل وأوقات الفجر، العمال في الحقل وفي القرية، الحانوتيون والحرفيون، حيوانات المزرعة، بهائم البرية، ولا سيما الطيور التي تحلق بين غيوم فلورنسا-كلها موضحة بالرسوم، على أفضل نحو، ما عرفه لا يمكن أن يوصف بدقة بلغة البشر.

مثقلاً بسيل من الصور المتذكرة، ربما نظر دانتي إلى أسفل ثانية نحو الكلب. عندما التقت عيناهما، دانتي الذي كل تجربة بالنسبة له مقياساً لأخرى ولكل ذكرى ارتباط في سلسلة لا نهائية من الذكريات، ربما تذكر الكلب (أو عدة كلاب) تجول في منزل أهله عندما كان طفلاً، الكلب الذي يستلقي بجانبه حزيناً على أمه وهو في عمر خمس سنوات، ولاحقاً، كلب آخر ظل برفقته عندما كان دانتي الفتى يراقب جثة أبيه الهزيلة. كلب يهرول بجانب عروسه بعد أربع سنوات في الطريق إلى الكنيسة حيث تزوجا، كلب شهد ولادة ابنه الأول، جيوفاني، كلب جلس بهدوء في زاوية عندما علم دانتي أن بياتريس بورتيناري الهاربة التي لا تنسى ماتت زوجة لرجل آخر. حزمة من كلاب متذكرة: كلاب فلورنسية، كلاب فيرونية، كلاب فينيسا ورافيينا، كلاب قابلها في طرقات مضجرة، في خانات قذرة، طابور طويل من الكلاب ينسج ببطء، مثل أشكال متغيرة من لصوص معاقبين في الحلقة الثامنة في الجحيم، من كلب إلى كلب إلى كلب، بما فيهم مضيفه وحاميه، كانجراند (كلب كبير) ديلا سكالا، الذي أهدي الفردوس له ربما.

ناقش توما الإكويني أنه بعد الموت، عندما تغادر الروح الجسد، إذ لم يعد الناس بحاجة للطعام، لن يكون هناك حيوانات في الجنة. وهكذا، فيما عدا بعض البهائم المجازية-العقاب، الفتخاء-فردوس دانتي مقسم بين الحيوانات ذات الفراء أو ذات الريش. القديس أوغسطين (وكلامه الشهير عن أن الحيوانات لا تعاني) طرح أنه بالرغم من أن الحيوانات البليدة لا يمكن أن تنافس الجمال السماوي، فهي بلا شك تساههم بتزيين عالمنا الأرضي. ” سيكون هذا سخيفاً،” كتب،

بالنظر إلى عيوب البهائم، الأشجار، وسواها من الأشياء الفانية والمتحولة التي تفتقر للذكاء، الإحساس، أو الحياة، فهي تستحق الاستهجان. مثل هذه العيوب تؤثر فعلاً على فساد طبيعتها، التي هي عرضة للانحلال، لكن هذه المخلوقات تلقفت طريقتها في الوجود بإرادة من خالقها، والغرض منها أن تكمل جمال الجزء الأسفل من الكون باستبدالها وتوارثها عبر الفصول وهذه هي خصوصية جمالها، واجدة لها مكاناً في أجزاء مؤسسة هذا العالم.
كان  هناك اعتقاد شائع عن أن الشر يظهر نفسه عادة على شكل مخلوق بليد غير عقلاني”: أفعى، ماعز، كلب. مع ذلك، العديد من آباء الكنيسة، من مثل القديس أمبروزيو في كتابه هيكساميرون، أصر على أننا على الأقل نتعلم الامتنان من الكلاب.

ماذا سأقول عن الكلاب التي تظهر بطبيعتها الغريزية امتناناً وتسهر على حراسة أسيادها؟ لذلك يصرخ الكتاب المقدس للبغيض، المتكاسل، والجبان: ” الكلاب الغبية، ليس لها القدرة على النباح.” للكلاب، علاوة على ذلك، بالنظر لقدرتها على النباح دفاعاً عن أصحابها ومنازلها. لهذا عليكم أن تتعلموا استعمال صوتكم لأجل المسيح، عندما تهاجم الذئاب الضارية حظائر الغنم.

بالرغم من أن التجربة تعلمنا أن أغلب الكلاب هم خدم شاكرون (نتوقع في فضائل الحيوانات غالباً ما نفتقر إليه في أنفسنا)، الامتنان هو جانب في الكلاب يظهر نادراً في القصص الشهيرة. في حكايا القرن الثاني عشر الشعبية عن ماري دو فرانس (التي ربما قرأها دانتي)، تظهر قصة واحدة فقط مثالاً عن الكلب الوفي، تظهر الكلاب في جميع القصص الأخرى شرسة، حسودة، ثرثارة، وجشعة. إنه جشعها (كما يشير المعلق) الذي يجعلها تعود إلى قيئها. تجسد الكلاب أيضاً الغضب: لذلك السبب، سيربيروس ذو الرؤوس الثلاثة في الميثولوجيا القديمة، استبدل بدانتي لحراسة حلقة حيوان النهم،” اخدش الأرواح، واسلخ الجلد ومزقهم إرباً.” كان هناك خرافة في فلورنسا عن الحلم بكلب لاسيما كلب يقضم كعبيك، كان منذراً بالمرض أو حتى بالموت. أيضاً عن الولادة: والدة القديس دومينيك، الحبلى بالمؤسس المستقبلي للنظام الدومنيكاني، حلمت بكلب يحمل شعلة تحترق في فمه، بعد موته استبدل نظامه بإضاءة مشاعل محاكم التفتيش.

كوميديا دانتي هي رؤية رجل واحد لكنها تنجح في أن تكون كونية. تجارب دانتي الحميمة، قناعاته، شكوكه ومخاوفه، مفاهيمه الخاصة عن الشرف والواجب الوطني منقوشة في نظام ليس من صنعه، كون مخلوق من قبل إله الذي لا يرقى إليه شك، يسمح حبه الرهيب للشاعر بأن يلقي بنظرة لا توصف على خلقه، مماثلاً لشخص الله الثلاثي الأقانيم. لابد أن دانتي اختار من كتلة هائلة من التجارب، وترك جانباً الوقائع الواضحة والملهمة. في أي مكان في الكوميديا زوجته أو أطفاله، على سبيل المثال، وهؤلاء ليسوا سوى ثنائية من العدم المتعمد في قصيدة من المفترض أن تعقد عالم الشاعر بأجمعه. ومن بين التجارب التي تركها دانتي، للأسف الشديد، هي تجربة الكلب الأنيس.

وبعد، ليس الكلب نفسه لكن معرفة اللطف والوفاء والكرم المعروف بها الكلب، شيء ما يحاول أن يفهم ويتبع ويطيع، يظهر من وقت لآخر في الكوميديا. من المقطع الأول عن الجحيم أو مقطع إلى المقطع السابع والعشرين عن المطهر، دانتي البطل الموجه والمحمي من قبل فرجيل، الذي من خلال قدرات محدودة لشخص مستنير ليس بالإيمان لكن بالتعليم العقلي. وصيته أن يثق بمنطقه، يستعمل ذاكرته، ويمنح معنى لحبه.  التوجيه والحماية هي واجبات تقليدياً منفذة من قبل الكلاب، لكن هنا، في العلاقة المختلقة بين الشاعر المسيحي التائه وشاعر روما القديمة، هو الشخص الموجه، دانتي، الذي يتصرف مثل وحش ضال، واحد من كلاب فينوس هؤلاء التي تجسد الرغبة والشخص الذي يشغل وظيفة الحارس هو فيرجيل، ” معلمي” كما يدعوه دانتي منذ البداية.

عالياً على جبل المطهر، على عتبة الفردوس الأرضي، قبل وقت قصير من استئذانهم بالرحيل، يصف دانتي نفسه كعنزة رباها فرجيل راعي الماعز. ” ماعز” تلائم المشهد الرعوي، لكن دانتي يمكن أن يسمى نفسه أيضاً كلب صيد فرجيل لأن فرجيل طوال رحلتهما المحفوفة بالمخاطر، كان دوماً هو الذي يلقي الأوامر، فرجيل الذي ينطق الكلمة الصحيحة أو يؤدي الإشارة الواضحة، فرجيل الذي أشاد أو استنكر حكم دانتي وتصرفاته، فرجيل الذي، لنقل،” امتلك” دانتي، منتدباً من قبل بياتريس ليعتني به حتى يمكن إرساله إلى الوجود المقدس. آخر كلمات فرجيل لدانتي قبل أن يفترقا هي تلك التي يخاطب بها المدرب كلباً مدرباً تدريباً جيداً: ” لا تنتظر بعد الآن كلمتي أو إشاراتي، حكمك الآن حر، مستقيم ومعافى.” دانتي، الذي يعرف كيف يتصرف، يدخل” بستان عدن الإلهي”، الذي غنى عنه الشعراء القدامى عندما تكلموا عن العصر الذهبي. مثل المخلص، أصبح المخلوق المحب، دانتي ينظر مرة جديدة إلى معلمه، الذي يواصل الابتسام عند حافة البستان، ومن ثم التفت مطيعاً نحو سيدة جميلة ستقوده إلى ربته الجديدة الحبلى.

الكوميديا هي قصيدة من الدلائل والأشياء الدقيقة التي تكاد تكون مستترة، من الدلالات الصريحة والضمنية، من اللاهوت الأرثوذكسي والتـأويلات المدمرة، من الهرمية الصارمة والرفقة الندية. لبناء معمارها الذي يفوق التصور، اقترضت الكلمات من كل مفردة متوفرة، من اللاتينية والبروفنسالية، من الخطاب الشائع والشعر اللوجستي الجديد، من الأحاديث المندثرة وثرثرة الأطفال، من الرطانة العلمية ولغة الأحلام-كلمات تجردت من وظيفتها الأصلية ومع ذلك تردد صدى دلالات موروثة، تخدم وتكشف نفسها في تعددية لا نهائية من المعاني. لاشيء في الكوميديا هو شيء واحد فقط. كما أن الغابة المعتمة هي ليست غابة فحسب، دانتي ليس مجرد دانتي، الكلب مستعمل لشتم الخبيث ليس فقط كلباً خبيثاً: إنه أيضاً بطل قصيدة، الشاعر الرحالة دانتي نفسه، ضائعاً مثل كلب ضال في برية وغابة متوعدة. مع أبيات الكوميديا الأولى (أدرك القراء فجأة باستغراب) دخل الكلب عند قدمي دانتي، بكل ما فيه من جوهر الشعري، القصيدة سراً.

مقتطف من كتاب ألبرتو مانجويل الجديد” فضول”.

[1] ملكة طروادة.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/mar/10/dantes-dogs/

1

المرأة في اللوحة-جولييت جاك.

تظل لوحة “بورتريه شخصي مع موديل” أشهر أعمال الفنان الألماني كريستيان شاد، الملقب بـ ” الرسام ذو المشرط” بسبب الطبيعة الباترة التحقيقية لأعماله. ابناً للمحامي البافاري الثري، ولد شاد عام 1894 وفرَّ إلى سويسرا عام 1915 هرباً من الخدمة العسكرية. انخرط هناك مع الدادائيين، متردداً إلى ملهاهم الأسطوري “فولتير” في زيوريخ، قبل أن ينتقل إلى إيطاليا وينتهج أسلوب تيار (الموضوعية الجديدة) الذي حل محل المذهب التعبيري عندما كان الشكل الحداثي يسود ألمانيا منذ أواسط عشرينات القرن العشرين.

رسمت اللوحة في عام 1927 وهي معروضة حالياً في معرض الفن المعاصرthe tate في لندن، مقترضة من جامع لوحات سرّي، ذاع صيت لوحة “البورتريه الشخصي” لما فيها من الشك والعدائية، والانفصال بين الفنان و”موديله”، التي ظلت هويتها سراً على الدوام. هي ليست زوجته في ذلك الحين، مارسيلا اركانجيلي، ابنه أستاذ الطب الإيطالي التي تزوجها عام 1923. ادعى شاد أنه رأى الموديل في متجر للقرطاسية في فيينا، حيث عاش بين عامي 1925 و1927، لكن الاكتشاف اللافت لليوميات في مفكرتين تضمنتا يوميات عامي 1926 و1927 “لمتحولة جنسياً” معروفة فقط باسم “هايكه”، المضيفة في نادي إلدورادو الليلي في برلين التي عملت كخادمة في معهد العلوم الجنسية لماجنوس هيرشفيلد، غيرت جذرياً التصورات عن عمل شاد. وجدت اليوميات في علية في مدينة نيس، بالقرب من منزل هيرشفيلد بعد نفيه من ألمانيا. مع رسائل شاد إلى أصدقائه الدادائيين، المكتشفة مؤخراً من قبل طلاب الفن، تشرح كيف أن “هايكه” كانت هي المرأة في اللوحة، وتوفر رؤية رائعة في حياة المتحولين جنسياً في جمهورية فايمار.

في يوم الجمعة الواقع في 4/2/1927، ذهبت “هايكه” إلى الإلدورادو، نادي المثليين في برلين الذي كان قد انتقل حينها إلى شونبيرغ، مقابل مسرح السكالا للمنوعات. كتبت في اليوم التالي:

في الإلدورادو الليلة السابقة، مع دورا والفتيات.  صففت شعري مثل آستا نيلسن في فيلم The Joyless Street، وارتديت فستاني الطويل الأسود مع الخرز الذي جلبته ماري في عيد ميلادي. كونراد (فيدت) كان هناك، يثمل مع مارلين (ديتريش) قبل أن يحين دورها. صعدت إلى المنصة وقدمت مارلين. ظل رجل في المقدمة يحدق بي. رأيته يتوجه إلى البار ويشتري بعض الرقائق ثمناً لرقصة.  خطف يدي لدى نزولي، أخبرني أنه انتقل لتوه إلى برلين، أخذني إلى البار واشترى زجاجة من الآفسنتين.

 ” أنت أجمل النساء التي رأيتهنَّ أبداً،” قال لي.

 ” اسمع،” قلت، ” أنا خنثى.”

 ” هذا قد يكون حكم الدكتور هيرشفيلد،” صرخ، ” لكنك تتجاوزين الجنس!” دعاني إلى مرسمه في فينا ليرسمني. قلت بأني أرغب بالعمل في السينما لكن كونراد قال لي أن هذا لن يحدث أبداً.

 ” تجاهلي ذلك المسرنم الرخيص! عندما يرون لوحتي، ما من مخرج سيقوى على مقاومتك! وفيما يتعلق بالأفلام-فأنت امرأة!”

 رقصنا. ظل يحدق في عيني، يبتسم. حاولت تقبيله.

 ” أنا متزوج،” قال.

 أعطاني بطاقة عليها عنوانه، قال لي أن أكتب له ومن ثم غادر. سألت دورا عما حدث. ” لاشيء،” قلت.

بعد العمل في 25 شباط، رتبت هايكه لقاء مع شاد. فكرت بأن يذهبا لتناول العشاء ومن ثم إلى المسرح، وتفصل في يومياتها أحلامها عن ترك العائلة كي تصبح ممثلة، لكن مكتوب شاد لريتشارد هولسنبيك، المرسل في وقت سابق من ذلك الأسبوع، يبين بأنه لم ينوِ أبداً لقائها في العلن.

عالم-دادا

ذهبت إلى الدورادو لأجد الموديل-هايكه. إنها/إنه-ملهمة-متحولة جنسياً-لكن أفكر بأني سأجعلها بولا نيجري جديدة-سآخذها إلى الفندق-لأرى ما يمكن أن يتمخض.

.

يوميات هيك عن يوم الثلاثاء 1/3 تقدم روايتها عن لقائهما في فندق آدلون في برلين.

ذهبت إلى آدلون في الساعة الخامسة مساء. من الصباح حتى منتصف الليل مع جورج كايزر في Neues Schauspielhaus، واستأذنت بالمغادرة. ” أحتاج وقتاً لأرسمك،” قال كريستيان. رأيت أن حامل اللوحات كان منصوباً سلفاً. سحب الستارة” اخلعي ملابسك واستلقي على السرير” قال لي. ” هل سيسمح لي أحدهم بالتمثيل إذا ما اشتهرت بسبب عريي؟” سألت. ” كيف تظنين أن جاربو وصلت إلى التمثيل في فيلم جويلس ستريت؟” أجاب ضاحكاً. ” اخلعي ملابسك واستلقي.” حملق بي وأنا أخلع قبعتي. نظر إلى حد الشعر على جبهتي، ومن ثم نظر في عيني. استدرت وخلعت قميصي، ومن ثم حذائي وتنورتي، وبدأت أسحب جواربي.” لا تخليعها،” قال. استدرت نحوه.” فقط الجوارب.” خلعت حمالة الصدر والملحقات، وحدق بي وأنا ألقي بها على الأرض. ومن ثم خلعت ثيابي الداخلية واستلقيت على السرير. نظر إلى عضوي الذكري. فكرت بأنه سيكون من هؤلاء الرجال الذين يشمئزون، لكنه وقف هناك، يتنفس بصعوبة. ” فكرت بأنك قلت بأنا نتجاوز الجنس.” صمت. ” يقول الطبيب بأنا أكثر جمالاً من نساء أخريات، لأن لدينا-” رماني على السرير. ” يكفي كلاماً عن هيرشفيلد!” قبلني. فكرت بأنه سيقتلني، كان فظاً للغاية وقاسياً-ولم يكن ليتوقف. أخيراً، تعب. ” أعلم بما تفكرين،” قال، وهو ينظر إلى عضوي ثانية. ” لا أستطيع.” ” لماذا،” ” سيرسلون بي إلى السجن!” نظر في عيني. ” أنا لست مثلياً!” ” لا أنت لست كذلك،” قلت. ” أنا امرأة، وحالما يصل الدكتور ابراهام إلى هناك مع دورا سأكون مكتملة.” ضحك. ” أنتن كلكن متشابهات، ألستن كذلك؟ هيرشفيلد ابراهام-دعهن يملكنك!” ضربت يده.” هل تغار منهم؟” قلت.  قلبني وضاجعني مضاجعة أعنف من أي مضاجعة عرفتها سابقاً. صرخت. ” اهدئي،” همس،” قد يسمعنا أحد.” ومن ثم توقف وضرب وجهي بالمخدة. نهضت ونظرت إليه.

صفعني بقوة على خدي. جلس مديراً لي ظهره. ” زوجتي… ابني…”

حدقت بالجدار.

” أنا آسف،” قال.

” سأتحدث إلى كونراد ومارلين،” أجبت. ” سيقدمونني إلى بابست ولانغ. سأبدأ بأدوار صغيرة لكنهم سيرون، وعندما يفعلون، سأدفع ثمن فنك، سأ-“

” اخرسي، أيتها البلهاء!” قال. ” ربما يصنعون أفلاماً عن المخابيل لكنهم لا يشركونهم في التمثيل!”

” ظننت أنك معجب بالمخابيل،” قلت، مذكرة إياه بأن ماري رأته في الاونكل بيلي.

” ليس عندما يستدرجنني!” صرخ. وقف فوقي.

” هل عليَّ أن أغادر؟” سألت. هز رأسه. ” سأذهب،” قلت،” لكن لا تضربني مجدداً.” لم يتحرك. ” سأرتدي ثيابي، ودعني أخرج!” صمت

” ماذا عن اللوحة؟” سألت.

” يمكنني أن أرسمها من ذاكرتي،” قال.

 ذهب ووقف بمحاذاة النافذة. لبست وذهبت نحو الباب.

” وداعاً إذن.” نظر إليَّ ومن ثم استدار. سمعته يفتح الستائر وأنا أغادر.

بعد ذلك بوقت قصير، رسم شاد لوحته الشخصية. ظهرت للمرة الأولى في معرض مشترك لفناني الموضوعية الجديدة في،) المنزل الجديد لنقابة الفنانين في برلين) the Neues Haus des Vereins Berliner Künstler. بالرغم من أنا نعرف أن هايكه لم تكن مدعوة. أرسل لها شاد رسالة مؤرخة في يوم الاثنين 3/10/1927، مقتبسة في يوميات هيك بعد يومين.

هايكه،

افتتح المعرض في النيوز هاوس الليلة-آسف لأنك لم تكوني هناك، وعما جرى في الآدلون، لكن ما من أحد استطاع أن يعرف بأنك المرأة التي في اللوحة. آمل أنك تفهمين. مارسيلا وأنا انتهينا-ربما سأراك في الإلدورادو.

كريستيان.

 

اللوحة التي رسمها لنفسه استرعت انتباه النقاد في الحال، الذين أشاروا إليها باعتبارها من أكثر أعمال شاد إثارة للاهتمام. في واحدة من كتاباته الأولى في دوريته عن السياسة والفن وتأثيرهما المسماة Die Weltbühne المسرح العالمي، قارنها الصحفي وعالم النفس رودولف ارنهايم، مع لوحة أخرى من أعمال شاد، التي أضيف إليها بعداً جديداً منذ اكتشاف يوميات هايكه.

4410917531_261b2f8306

لوحة “بورتريه شخصي مع موديل” مدهشة، وكريستيان شاد واضعاً نفسه بين هواة الفن، البوهيميين، المنحلين والمخابيل الذين سكنوا عالمه، والمدينة المتدهورة في الخلفية، شاد في المقدمة، يرتدي قميصاً شفافاً يبرز عريه.  يحدق الفنان في المشاهد، كما لو أنه يقتحم عنوة بشكل شخصي لحظة شاد السرية الحميمة، وجهه مفعم بالاشمئزاز، مضاعفاً بالنرجسية المصوبة نحوه، من المرأة القريبة خلفه. هو يحجب جذعها، ربما حماية لحشمتها، أو ربما ليخفي شيئاً عن عين المتدخل. غير أنثوية بالرغم من نهديها المكورين، عارية إلا من شريط أسود حول رسغها وجورب أحمر، تشيح بنظرها عن الفنان، مندهشة إن لم نقل خائفة. يبدو كلاهما وحيدين: لا تفصلهما سوى بضعة بوصات، ومع ذلك المسافة كبيرة، ومن المستحيل ألا تتساءل إذا لم يكن اشمئزاز شاد يتعلق بالندبة على خدها.

“الموديل” مجهولة الاسم، لكن فيها شبهاً مدهشاً بالمخنثة في لوحة شاد Count St. Genois d’Anneaucourt التي تصور ارستوقراطياً واقع بين صورته العامة ورغباته، وبين الفضيلة والرذيلة. الكونت يقف في الوسط، مضطرباً، يأمل على ما يبدو أن يساعد المشاهد في حل معضلته: المرأة الرزينة، المحترمة إلى يمينه، أو المتحولة جنسياً الطويلة على يساره، خداها مصطبغان باللون الأحمر، هيكلها الضخم بالكاد يغطيه فستان أحمر شفاف يكشف عن مؤخرتها؟ بأي من الطرق، المظهر المخنث لـ”لمرأة” في البورتريه الشخصي لافت بالرغم من أن شاد يدعي أنه اختار الموديل مصادفةً في فيينا.

رأت “هايكه” البورتريه الشخصي في وقت متأخر من ذلك الأسبوع، مدونة أفكارها في آخر تدوينه في تلك اليوميات التي عثر عليها.

ذهبت إلى نيوز هاوس لأرى معرض كريستيان. كنت وحيدة-ما من واحدة من الفتيات استطاعت أن ترافقني-وحالما وصلت إلى هناك، جمع من نساء المجتمع حدقن بي، ومن ثم عدت إلى اللوحات. بالتأكيد كن يتوددن إلى واحد من المتغندرين الذي ترغب بممارسة الجنس مع المضيفة من الدورادو لكنه لم يستطع لأن هذا ليس محترماً. ” شجاع جداً!” واصلن القول. ” مقدام!”

قررت أن أجد لوحتي، مع أن دورا قالت لي بألا أفعل. كان ينبغي أن أصغي إليها. حاولت ألا أتوقع شيئاً، لكن أملت أن يكون قد حاول أن يخرج شيئاً مني-شيء ما أريه لمارلين وكونراد، أو حتى للفتيات-لكن حينها رأيت لوحة “بورتريه شخصي مع موديل”.

حدقت بها. رمقتني امرأة كما لو أني كنت قذرة، عدت إلى اللوحة ومن ثم ابتعدت. لقد كان الشبه كبيراً به، لكنه أنزل حد الشعر وغير التسريحة، جعل أنفي أكبر ورسمني بنهدين. عرف كم تمنيت أن يكون نهداي كذلك! بالتأكيد، رسمهما لأنه لا يريد أن يُعرف مدى إعجابه بالمخنثين، وفي اللوحة، كان يحجب جسدي من الخصر. تذكر جواربي-كان يرغب بشدة ألا أخلعهم-وأضاف زهرة. قال أحد زوار المعرض،” إنها نرجسية، إنها تمثل التكبر.” ومن ثم لحظت الندبة على خدي-هز الزائر رأسه عندما سألت عن معناها. قال رجل أنه كان شائعاً في جنوب إيطاليا أن يضعها الرجال الغيورون على زوجاتهم. شعرت بأني سأبكي، عدت إلى المعهد وبكيت وقلت لدورا بأني لا أريد أن أرى كريستيان أو لوحاته مجدداً.

في صيف عام 1932، التقى شاد مرة أخرى مع هايكه-تقريباً اللقاء الأخير. نعرف هذا من رسالة أخرى إلى هولسنبيك، مؤرخة يوم الأحد 7/8.

عالم- دادا

عاهدت نفسي بأ لا أذهب مجدداً، لكن الليلة الماضية وجدت نفسي في الإلدورادو. لقد مضى خمس سنوات، كنت هناك لعشر دقائق فقط عندما لم يكن على الخشبة سوى هايكه، التي في لوحتي. ارتدت هذا الفستان الأحمر البراق، الشفاف تقريباً، وشعرت بالخوف. عندما نزلت، ناديتها. عرفتني وحاولت أن تهرب إلى البار. أمسكت بمعصمها.

لن أؤذيك.

نظرت إلي، مرتجفة. جاء بعض المثليين. ” أنا بخير،” قالت، وجلست معي. فكرت عندما قلت أن كوني معها ستكون نظرة دادئية مثالية لأنها كانت قبيحة بشكل مذهل في اللوحة، لكني كنت مندهشاً كيف كانت تبدو شديدة الحسن-تماماً كما كانت عندما قابلتها لأول مرة.

” تبدين رائعة،” قلت لها. شكرتني.” لا أستطيع أن أصدق أن مارلين في هوليوود وأنت لا تزالين هنا.”

” هل أنت بخير،” قالت،” إنهم لا يسمحون للمخابيل بالتمثيل.”

صمت.

” هل الدكتور هيرشفيلد..”

” ذهب الطبيب ابراهام إلى هناك مع دورا،” قالت.” أنا الرابعة في الطابور. السنة القادمة، يأملون، إذا هدأت الأمور.”

” أية أمور.”

” يقول أدولف هتلر أن الطبيب هيرشفيلد الرجل الأكثر خطورة في ألمانيا،” قال لي،” وإذا ما دخل…”

” مهنتي انتهت،” قلت.

مهنتك وحياتي!” صرخت.” النادي، العملية، المعهد، كل شيء!” صمت. ” قد أموت على طاولة العمليات، بأية حال، مثل ليلي.” دخنت السيجارة.” هذا قد لا يكون سيئاً.” ” أنت لا تحتاجين إلى عملية،” قلت،” أنت جميلة كما أنت.” ” إذا كان كذلك، لم تغطيني؟” سألت. ” لم يكن خطأ-يمكنني أن أعرف من تلك الندبة التي وضعتها على وجهي.”

” كنت أنفصل عن مارسيلا،” قلت لها. ” لم أرغب في إيذائها بجعلها تعرف بأني كنت معك.”

” سر الكونت الشائن،” قالت. ” سرك المشين.”

” إنها ميتة،” قلت.” غرقت. ليس من حاجة للبقاء هنا. تعالي معي.”

” أين يمكنني الذهاب؟”

 بدأت بالبكاء. أمسكت بيدها وكنت آسفاً. عادت إلى أصدقائها. شككت بأني لن أراها ثانية. سأعمل على رسم مشاعري حول هذا. لنتحدث قريباً.

كريستيان.

في أكتوبر عام 1932، فرانز فون بابن، مستشار الجمهورية اليميني، حظر ثنائيات المثليين من الرقص في العلن معاً، يفتك بشكل فعال بالنوادي التي عملت فيها هايكه. وصل النازيون إلى السلطة بعد ثلاثة أشهر، وكما عقدوا العزم على تصعيد هجمتهم على سكان ألمانيا من المثليين، عزموا أيضاً على تدمير الثقافة الحديثة.

ربما الأمر الذي يدعو للاستغراب أن شاد لم يكن مستهدفاً، وبخلاف الكثير من أصحابه الدادائيين ومن تيار الموجة الموضوعية الجديدة المعاصرين الذين ظهرت أعمالهم في المعرض الفني الشهير على أنه منحل أخلاقياً، بقي في برلين حيث سمح له أن يتقدم للمعرض الألماني العظيم عام 1934. تزوج ثانية في عام 1947 بعد خمس سنوات من لقائه بالممثلة الشابة بيتينا ميتلشتاد. في عام 1934 كان مرسمه مدمراً بنتيجة القصف وعندما عاود الرسم في الخمسينات أصبح أسلوبه رخيصاً. مات في شتوتغارت في عام 1982 عن عمر 87عاماً.

لا نعرف عن هايكه شيئاً من بعد رسالة شاد، هاجم النازيون معهد هيرشفيلد في 6/5/1933 وقد أخذوا سجلاته وأحرقوا مكتبته قبل أن يقوموا بتحويل المبنى وجعل الالدورادو مركزاً رئيسياً لجيش الخلاص. حاولت دورا ريتشر أن تترك ألمانيا لكنها فشلت ولم تُرَ ثانية بعد الهجوم، لا يمكننا إلا أن نستنتج أن هايكه اختفت معها.

عن مجلة Five Dials الإلكترونية.

Chiasson-Poets-And-Peacock2-690

عن مجلة النيويوركر الأمريكية.

 

في الثامن عشر من كانون الثاني، 1914، أقام عزرا باوند، مستعيناً بوليم بتلر ييتس، وبمساعدة سرية من راعية ييتس وصديقته، ليدي جريجوري، مأدبة غداء لويلفريد سكيوين بلنت، الرجل الذي عدَّه باوند ” كبير الكبار ” وآخر الفيكتوريين العظماء،” في عزبة بلنت الواقعة غرب ساسكس. لابد أن قائمة الضيوف كانت بمثابة تقريع لكل من يبالغ في تقدير شهرته الأدبية، إذ أن الشخصيات الأخرى فيما عدا ييتس وباوند، -بمن فيهم بلنت، الشهير في عصره-كانوا جميعاً منسيين تقريباً: فيكتور بلير، توماس ستورجي موري، ريتشارد الدينجتون، ف.س. فلينت.

كانت الحيلة الأساسية وليدة أفكار ليدي جيرجوري، وتتجلى في شواء طاووس وتقديمه إلى جانب ريشه على صينية، لمسةٌ متممة ” للمتاريس المرصعة الحديدية،” ” آثار القرون الوسطى المقدسة،” و ” نسيج بورن جونز” في منزل بلنت، كما شرح باوند لاحقاً في رسالة لأمه. قدمت للشاعر الأكبر سناً علبة حجرية صغيرة مليئة بالقصائد التي كتبها الرجال الأصغر سناً، قصائد بدت له “كمسائل رياضية”: معاصرة بطريقة مبهمة، معظمها على طريقة الشعر الحر. بعد الوجبة، الحفلة-وقف بلنت والشعراء الستة الآخرون، بمن فيهم باوند وييتس-أمام جدار حجري قديم لالتقاط الصورة التي ذاع صيتها لاحقاً. استنفرت الصحف، وانتشرت الأخبار عن المأدبة في كل مكان، من اللندن تايمز إلى بوسطن المسائية.

كان باوند عظيماً في رعاية الحفلات، وكانت هذه الموهبة من أهم وأدهى ألاعيبه. الحداثة التي كان يخطط حينها لتكون تحدياً للثقافة الأدبية الفيكتورية ووريثة لها أيضاً، كان الفيكتوريون، ولو أنهم أضحوا قلة من النبلاء الأحياء، مهما كانت مبالغاتهم في التعبير والوجدانيات، أقرب مثال للعظمة. سعى للانضمام “للخلافة الرسولية” للشعراء من خلال بلنت، الذي رتب قبل جيل أو جيلين، بدهاء أمور سلالته، متزوجاً حفيدة لورد بايرون وأصبح بايرونياً مغروراً-يطعم، يصفف خصل شعره، ويكتسي بملابس مزخرفة على نمط الملابس التركية والألبانية. كان باوند (الذي كان يرتدي ستراً مخملية بأزرار من اللؤلؤ وكان وفقاً لروبرت فروست، ” فكر عظيم مزهرٌ في شَعر”) يعيش خلال تلك السنوات في كوخ ييتس الحجري وكان يعمل محرراً له، ينضد ويصحح قصائده.

كان هؤلاء الشعراء جميعهم ذكوراً، كلهم متألقون في الصور، وميالون إلى القيام بتصرفات لافتة-كما حصل في إحدى الأمسيات، عندما أكل باوند زينة المائدة (من زهور التوليب، ولو أن البعض قال إنها كانت وروداً) في حانة تدعى تشيشاير تشيز عندما كان ييتس يشرح أساسيات النظم الشعري. نحن لسنا ببعيدين عن نجوم الأفلام الصامتة الأوائل، من كانت أمسياتهم مصممة غالباً للاستهلاك العام. مناورات الشعراء والأدباء، الذين يتنافسون على الشهرة خلف التعايش الظاهر للعلن، قديمة قدم روما، بل أكثر، لكن باوند كان موهوباً في العلاقات العامة.

تعيد لوسي ماكديارميد في ” الشعراء ووليمة الطاووس: التاريخ الأدبي لوجبة.” بتفانٍ جمع أجزاء حكاية مأدبة الطاووس، وهو ثاني الكتب الفاخرة التي ظهرت في السنة الماضية عن وليمة شهيرة على شرف شعراء: وصف ستانلي بلوملي في “أمسية خالدة” الليلة التي قام فيها الرسام الشهير بينيامين روبرت هايدون بتكريم وردزورث، كيتس، ولامب، إذ وقفوا جميعاً للوحة هايدون العتيدة “دخول المسيح إلى أورشليم.” كان لدى الكتاب سبب وجيهاً للاعتقاد بأن ظهورهم في لوحة هايدون سيمثل قمة شهرتهم، وكما حصل، يذكر عمل هايدون غالباً بسبب ارتباطه بالشعراء، ولاسيما كيتس، الذي وجه بعض أشهر رسائله إلى “عزيزي هايدون”. تجديد هذه الليالي البعيدة على هيئة كتاب، ينبع من نفس الدافع الذي جمع الضيوف على مائدة الغداء في الأصل: ساعين للحصول على نبذة مادية من عبقري سابق. أعجب باوند ببلنت لكن بدا أنه يعمل في ظل خاصية عبقري معدية، مفتوناً”بالفيكتوريين وأخوية ما قبل الرفائيلية ورجال التسعينات” التي عرف بها بلنت، وبهالة الارتباط مع “براونينج الأكبر” أو (ينزلق شيلي على درابزينه الأمامي ” بسرعة تكاد لا تصدق”).

في الواقع إن قصة مأدبة الطاووس هي عن الأشكال الأدبية الاحترافية التي تناولها الشعراء قبل أن يتمكنوا من تعلم مهنتهم في المدارس، أولاً من خلال مباحث أدبية وفيما بعد، عبر ورشات الكتابة. كان ييتس يحظى بأهمية خاصة بين الشعراء من الجيل الأصغر بقليل، وتشكل قصص عن لقاء ييتس (مع رجال، تذكروا) نوعاً أدبياً يتميزون به. (قال أصغرهم سناً، الشاعر جون بيريمان، إن الخلوص إلى دعوته كان كمن يسأل “هل بين جونسون هنا؟”) وحظي باوند في آخر أيام حياته، عندما كان يعيش في البندقية، بإعجاب الكثير من الشبان. يفهم الشعراء ربما أكثر من أي جماعة سواهم من المبدعين، فنهم رأسياً، كخلافة إما أن يرغب المرء في الانضمام إليها أو مقاطعتها. شعر باوند بكلاً من الدافعين، كما فعل ييتس قبله بقليل وبعدهما، كتَّاب من مثل بيريمان وروبرت لويل. إنها تركة الماضي، قلق التأثير. في ظل ظروف مثلى، دخلت هذه اللقاءات الأدب، كما في العديد من مرثيات بيريمان ولويل المدهشة للشعراء الذين كانوا يرحلون في الوقت الذي كانا هما يهمان فيه بالانطلاق.

يعيش البعض في الماضي، ويعيش الشعراء غالباً في مستقبل مثالي، متخيلين تصرفاتهم الحالية من وجهة نظر استحضار مستقبلي. ذكرت وليمة الطاووس مرتين في نشيد بيزان لباوند الذي كتبه، مستعيناً بذاكرته فقط، بعد عقود لاحقة عندما كان معاقباً بالحبس على جرم الخيانة في قفص بطول ستة أقدام وعرض ستة أقدام.

لكن أن تقدم بدل من أن تحجم

ليس غروراً

أو أنك طرقت بلياقة

فكان على بلنت أن يفتح

أو جمعت من الهواء تقليداً حياً

أو شعلة لم تقهر من عين جميلة خبيرة

ليس هذا بغرور.

الخطأ هنا ممثل في كل ما لم ينجز

في الحياء الذي تردد…

يمكنك من خلال هذه الأسطر أن تسمع قطيعة باوند مع الماضي، مطهراً نفسه من” التكبر” و “الخطأ”: ذلك الشاب المتهور الذي أكل التوليب اتخذ من نفسه الباسلة الكبرى مدافعاً سريع الغضب. كل شيء في باوند اللاحق نابض بذلك البحث عن “تقليد حي” يضم الآن رجولته المبكرة. يتذكر في النشيد 83 سماعه لييتس مصادفة وهو يؤلف “الطاووس” في الطابق السفلي من الكوخ الحجري، طوال تلك السنوات الماضية:

لكن كان العم وليم في الواقع

يكتب في الطابق السفلي

عن أنه صنع طاووساً عظيماً

معتزاً بنفسه

صنع طاووساً عظيماً في الـ…

صنع طاووساً عظيماً

معتزاً بنفسه

معتزاً بنفسه.

كينو-هاروكي موراكامي.

كينو-هاروكي موراكامي.

عن مجلة النيويوركر الأمريكية

haruki-murakami-kino

اعتاد الرجل الجلوس على نفس المقعد، أكثر المقاعد بعداً على طول النُّضُد. أي عندما لا يكون مشغولاً، لكنه كان معظم الوقت شاغراً. فالحانة لم تكن تزدحم إلا فيما ندر، لاسيما أن ذلك المقعد لم يكن ظاهراً للعيان ولم يكن مريحاً كباقي المقاعد. كان السقف مائلاً وخفيضاً بسبب درج خلفي، فكان من الصعب الوقوف عنده دون أن تخبط رأسك. ومع أنه طويل القامة، لكنه فضَّل تلك البقعة الضيقة والمحصورة لسبب من الأسباب.

تذكر كينو قدوم الرجل إلى حانته لأول مرة. لأن ظهوره استرعى انتباهه في الحال-برأسه الحليق الضارب إلى الزرقة، أكتافه الهزيلة والعريضة، البريق الحاد في عينه، العظام البارزة في الوجنتين والجبهة العريضة. بدا أنه في مقتبل ثلاثينياته، يرتدي معطفاً مطرياً طويلاً رمادي اللون، حتى وإن لم تكن تمطر.  ظنه كينو في البداية عضواً في عصابة ياكوزا[1] ، ولم يأمن جانبه. كانت الساعة السابعة والنصف في مساء بارد منتصف شهر نيسان، والحانة فارغة. اختار الرجل المقعد عند طرف النضد، خلع معطفه، وطلب كاساً من البيرة بصوت هادئ، ثم راح يقرأ بصمت في كتاب كبير الحجم.  بعد نصف ساعة، انتهى من شرب البيرة، رفع يده مقدار بوصة أو اثنتين مومئاً لكينو، وطلب ويسكي.” أي نوع من الويسكي؟” سأل كينو، فقال بأن ليس من نوع مفضل لديه.

” حسبه أن يكون من الأنواع المعروفة. مزدوج.  أضف كمية مساوية من الماء والقليل من الثلج، لو سمحت.”

صب كينو القليل من ويسكي  ” وايت ليبل” في كأس، أضاف مقداراً مساوياً من الماء ومكعبي ثلج صغيرين جميلين. أخذ الرجل رشفة من الكأس، ممعناً النظر فيه. ” هذا سيفي بالغرض.”

قرأ لمدة نصف ساعة أخرى، نهض ودفع فاتورته نقداً. عدَّ النقود المطلوبة بالضبط بحيث لا يستعيد أي قدر من الفكة. شعر كينو ببعض الارتياح آن خروجه من الباب. لكن حضور الرجل ظلَّ رغم مغادرته. كان كينو في وقوفه خلف النضد، يحدق بين الفينة والأخرى نحو المقعد الشاغر، يكاد يتوقع أن يراه هناك، رافعاً يده مقدار بوصتين ليطلب شيئاً.

راح الرجل يتردد بانتظام على حانة كينو. مرة أو مرتين أسبوعياً على الأكثر. اعتاد أن يطلب البيرة أولاً، ثم الويسكي. قد يتفحص قائمة طعام اليوم على اللوح الأسود ويطلب وجبة خفيفة أحياناً.

نادراً ما يتفوه الرجل بكلمة. يأتي دوماً أول المساء، متأبطاً كتاباً، يضعه على النُّضد. عندما يتعب من القراءة (على الأقل بحسب ظنّ كينو)، يرفع نظره عن الصفحة ويتفحص زجاجات الشراب المصفوفة أمامه على الرفوف، كما لو أنه يتفحص سلسلة من حيوانات محنطة غريبة من أراضٍ قصيَّة.

عندما اعتاد كينو على الرجل، لم يشعر بالضيق منه قط، حتى حين يكونان بمفردهما.  لم يبادر كينو إلى الحديث أبداً، ولم يجد صعوبة في التزام الصمت في حضرة الناس. الرجل يقرأ وكينو يقوم بعمله وحيداً-يغسل الأطباق، يحضر الصلصات، يختار التسجيلات، أو يتصفح جريدة.

لا يعرف كينو اسم الرجل. كان واحداً من زبائن الحانة وحسب، يستمتع بشرب البيرة والويسكي، يقرأ صامتاً، يدفع نقداً، ويغادر. لم يزعج أحداً بتاتاً. ما الذي يحتاج كينو لمعرفته عنه سوى ذلك؟

في أيام الكلية، كان كينو عداءً بارزاً في المسافات المتوسطة، لكن في السنة الأولى أصيب بتمزق في وتر العرقوب وكان عليه التخلي عن فكرة الانضمام إلى فريق المسار المشترك. بعد التخرج، أخذ بنصيحة مدربه وعمل في شركة تنتج المعدَّات الرياضية، مدة سبع عشرة سنة. كانت مهمته في العمل تتلخص في إقناع المتاجر الرياضية التموّن بالأحذية التي يبيعها وتسويقها بين الرياضيين. الشركة متوسطة المستوى مقرها في أوكاياما، لم تكن ذائعة الصيت، وتفتقر للملاءة المالية التي لشركات مثل نايكي أو أديداس فلم يكن بمقدورها الحصول على عقود حصرية مع أفضل العدائين العالميين. إلا أنها صنعت أحذية متقنة يدوية الصنع لأرقى الرياضيين، وقد أشاد عدد لا بأس به منهم بمنتجاتها. كان شعار مؤسس الشركة ” اعمل عملاً صادقاً ولسوف يثمر “، وهذا النهج البسيط، الذي لا يكاد يناسب العصر توافق وشخصية كينو. فكان وهو الرجل الصموت غير الاجتماعي قادراً على تحقيق النجاح في المبيعات. في الحقيقة، وثق المدربون به بسبب شخصيته وأحبه الرياضيون. أصغى باهتمام لجميع حاجات العداء، وحرص على موافاة إدارة المصنع بجميع التفاصيل. لم يكن المرتب كبيراً جداً لكنه وجد العمل جذاباً ومرضياً. بالرغم من عدم قدرته على الجري، إلا أنه سعد برؤية العدائين يتسابقون حول المضمار، شكلهم نموذج مثالي.

عندما ترك كينو عمله، لم يكن بداعي الاستياء من العمل لكن لاكتشافه خيانة زوجته له مع أفضل أصدقائه في الشركة. كان كينو يمضي وقتاً في السفر أكثر من الوقت الذي يمضيه في بيته في طوكيو.  يحشو حقيبة رياضية كبيرة بنماذج الأحذية ويقوم بجولات على متاجر السلع الرياضية في أرجاء اليابان، زار أيضاً كليات محلية وشركات ترعى فرق الجري. نشأت علاقة زوجته بزميله أثناء سفره. لم يكن ممن يستدلون على القرائن بسهولة.  ظن أن زواجه على ما يرام، ولم يكن في أقوال زوجته أو أفعالها ما يثير شكوكه. لو لم يعد إلى البيت باكراً ذات يوم من رحلة عمل لم يكن ليكتشف أبداً ما كان يجري.

عندما عاد إلى طوكيو ذلك اليوم، ذهب مباشرة إلى شقته في كاساي، ليجد زوجته وصديقه عاريين متضافرين في غرفة نومه، في سرير الزوجية. كانت زوجته في الأعلى، وعندما فتح الباب جاء وجهاً لوجه معها وكان نهداها الجميلين يتنططان صعوداً وهبوطاً. كان يبلغ من العمر آنئذٍ تسعة وثلاثون عاماً، وزوجته خمسة وثلاثون. لم يكن لديهما أطفال.  أخفض كينو رأسه، أغلق باب غرفة النوم، غادر الشقة، ولم يعد أبداً. في اليوم التالي ترك العمل.

كان لكينو خالة عزباء، الأخت الكبرى لوالدته. كانت تعامله بلطف منذ أن كان طفلاً.  كان لها علاقة بصديق يكبرها سناً امتدت لسنوات (” عاشق” قد تكون الصفة الأكثر دقة)، وقد قدم لها بسخاء منزلاً صغيراً في أوياما. سكنت في الطابق الثاني من المنزل، وفتحت مقهى في الطابق الأول. كان المنزل يطل على حديقه صغيره وشجره صفصاف تثير الإعجاب بأغصان تتدلى مورقة. كان المنزل يقع في شارع ضيق خلف متحف نيزو، ليست المنطقة الفضلى لجلب الزبائن على وجه الدقة، لكن خالته كانت موهوبة في اجتذاب الناس، وعاد مقهاها بدخل لائق.

بعد أن بلغت الستين من العمر، مع إصابتها بألم في الظهر، كانت مشقتها في إدارة المقهى بمفردها تزداد أكثر فأكثر. قررت أن تنتقل إلى شقة خاصة للتصييف في هضاب أوزو كوجين. ” كنت أتساءل إذا ما كنت ترغب في إدارة المقهى؟” سألت كينو. هذا كان قبل ثلاثة أشهر من اكتشافه خيانة زوجته. ” أثمّن العرض،” قال لها،” لكني الآن سعيد في عملي.”

بعد أن قدم استقالته من العمل، اتصل بخالته ليسأل عما إذا كانت قد باعت المقهى. كان مدرجاً لدى وكيل لبيع العقارات، قالت له، لكن لم تقدم أية عروض جدية حتى الآن.” أود أن أفتح حانة هناك لو يمكنني،” قال كينو.” هل يمكنني أن أدفع لك الإيجار شهرياً؟”

” لكن ماذا عن عملك؟” سألت.

” تركته منذ يومين.”

” أليس لزوجتك اعتراض على ذلك؟”

” قد ننفصل قريباً.”

لم يشرح كينو السبب، وعمته لم تسأل كذلك. حل الصمت لوهلة على الطرف الثاني من الخط. ومن ثم حددت خالته مقدار الإيجار الشهري، أقل بكثير مما كان يتوقع. ” أظن أن بمقدوري دفع هذا المبلغ،” قال لها.

لم يتحدث مع خالته حديثاً بهذا الطول من قبل (حذرته أمه من التقرب منها)، لكن بدا دوماً أن لديهما نوع من تفاهم مشترك. عرفت أن كينو لم يكن ممن يحنثون بالوعد.

صرف كينو نصف مدخراته لتحويل المقهى إلى حانة. اشترى أثاثاً بسيطاً، ووضع نضداً طويلاً متيناً. ألصق ورق جدران جديد بلون يبعث على الهدوء، جلب مجموعة تسجيلاته من المنزل، وصفَّ التسجيلات على أحد الرفوف في الحانة. كان يملك ستيريو من نوع لائق-جهاز أسطوانات من نوع تورينز، مضخماً من نوع loxman، ومكبرين للصوت صغيرين ثنائيي الاتجاه من نوع JBL–اشتراها عندما كان عازباً، كان ثمنها باهظاً في ذلك الحين. لكنه كان يستمتع دوماً بالاستماع لتسجيلات الجاز القديمة. فهي هوايته الوحيدة، الهواية التي لا يتشاركها مع أي شخص عرفه. أثناء دراسته، كان يعمل نادلاً في حانة بدوام جزئي في روبونجي، لذلك كان ضليعاً جداً في فن مزج المشروبات.

أطلق على حانته اسم كينو.  لم يستطع التوصل إلى اسم أفضل. في الأسبوع الأول من الافتتاح، لم يدخلها زبون، لكن لم ينزعج. ففي النهاية هو لم يروج للمكان، ولم يضع لافتة تجذب الانتباه أيضاً. ببساطة انتظر بصبر أن يعثر الفضوليون على الحانة الخلفية.  لا يزال يملك القليل من مدخراته، ولم تطالب زوجته بأية نفقة. كانت تعيش مع زميله السابق، وقررا هي وكينو بيع شقتهما في كاساي. عاش كينو في الطابق الثاني لمنزل خالته، وبدا مع ذلك أنه بمرور الوقت سيكون قادراً على تدبر أموره.

عندما كان ينتظر أول زبائنه، استمتع كينو بسماع الموسيقى التي يحبها وقراءة الكتب التي كان يرغب بقراءتها. كما ترحب الأرض الجافة بالمطر، غارقاً في العزلة، الصمت، والوحدة.  استمع إلى كثير من معزوفات آرت تاتوم على البيانو. التي بدت بطريقة ما مناسبة لمزاجه.

لم يعرف سبباً لعدم شعوره بالغضب أو بالعداء تجاه زوجته، أو تجاه زميله الذي خانته معه. كانت الخيانة صادمة بالتأكيد لكن مع مرور الوقت راوده شعور بأنها كان من المتعذر تفاديها، كما لو أن هذا كان مكتوباً له. فهو لم ينجز شيئاً في حياته، في نهاية الأمر، ولم يكن منتجاً على الإطلاق. لم يستطع أن يسعد أحداً، كما لم يسعد نفسه بالـتأكيد. السعادة؟ لم يكن يعرف معناها. لم يكن لديه معنى واضحاً أيضاً لعواطف مثل الألم، أو الغضب، الخذلان، والاستسلام. وكيف ينبغي أن تشعر بها. جلَّ ما كان بمستطاعه هو خلق مكان حيث قلبه-خالياً الآن من أي عمق أو ثقل يمكن أن يقيده، ويمنعه من التجوال بلا هدف. هذه الحانة الصغيرة، كينو، المطوية في شارع خلفي أصبحت ذلك المكان. وأصبحت أيضاً-ليس قصداً، مكاناً مريحاً بشكل غريب- بالضبط.

tumblr_n1bvj6ksUa1r79yxho1_500

لم يكن إنساناً من اكتشف أولاً الراحة الكبيرة في حانة كينو بل قطة ضالة. هرة رمادية صغيرة لها ذيل طويل جميل. فضلت الهرة أن تتكور على نفسها في خزانة للعرض مغمورة في إحدى زوايا الحانة وتنام فيها. لم يكترث كينو كثيراً للقطة متصوراً أنها ستغادر ذات يوم من تلقاء نفسها. أطعمها وبدل لها الماء لكن لا شيء أكثر من ذلك، وصنع باباً صغيراً لتتمكن من الدخول والخروج متى شاءت.

ربما جلبت القطة معها بعض الحظ الجيد، فمن بعد ظهورها تبعتها ثلة من الزبائن. بعضهم راح يأتي على نحو منتظم-ممن راقتهم هذه الحانة الخلفية الصغيرة، بشجرة الصفصاف المعمرة الرائعة، وبصاحبها الهادئ المتوسط العمر، التسجيلات الكلاسيكية التي تغزل على سطح الفونوغراف، والقطة الرمادية المحشورة في الزاوية. وجلب هؤلاء الناس أحياناً بعض الزبائن الجدد.  الحانة التي لم تكن تحقق الأرباح على الأقل عادت بالإيجار. كان هذا كافياً بالنسبة لكينو.

جاء الشاب حليق الرأس إلى الحانة بعد افتتاحها بحوالي شهرين. ولم يتعرف كينو إلى اسمه إلا بعد مرور شهرين، كاميتا.

كان المطر خفيفاً في ذلك اليوم، المطر الذي لا تكون متيقناً لدى هطوله من حاجتك لمظلة. كان هناك ثلاثة زبائن في الحانة، كاميتا ورجلان يرتديان بدلاً. كانت الساعة السابعة والنصف. وكاميتا كالعادة في المقعد القصي عند طرف النضد، يرتشف كأساً من ويسكي “وايت ليبل” ممزوجاً بالماء ويقرأ. كان الرجلان جالسين إلى طاولة، يشربان زجاجة نبيذ أحمر من نوع “بينوت نوار”. جلباها معهما، واستأذنا كينو في شربها هناك، مقابل خمسة آلاف ين ثمناً للخدمة. كانت المرة الأولى بالنسبة لكينو، لكنه لم يجد سبباً للرفض. فتح الزجاجة ووضع قدحين والقليل من المكسرات المشكَّلة. ليس الكثير من الإزعاج بتاتاً.  دخن الرجلان كثيراً، ولو أن هذا بالنسبة لكينو الذي يكره دخان السجائر، كان سبباً لجعلهما غير مرحب بهما قليلاً. ولما لم يكن عليه القيام بالكثير من العمل جلس كينو على مقعد واستمع لأسطوانة كولمان هاوكينز التي تحتوي على مقطوعة ” Joshua Fit the Battle of Jericho.”  وجد غناء ماجور هولي المنفرد بصوته الجهير مدهشاً.

في البدء، بدا الرجلان في حال ممتاز، مستمتعان بنبيذهما، لكن فيما بعد نشأ خلاف في الرأي على موضوع ما-ولم يكن لدى كينو فكرة عنه-وصار الرجلان أكثر انفعالاً بشكل مطرد. عند حد معين، وقف أحدهما، خبط على الطاولة ورمى المنفضة الممتلئة وواحد من أقداح الخمر على الأرض. أسرع كينو بالمكنسة، وكنس الأرض، ووضع كؤوساً نظيفة ومنفضة على الطاولة.

من الواضح أن كاميتا-مع أن كينو لم يكن يعرف اسمه حينذاك-كان مشمئزاً من سلوك الرجال. لم تتغير ملامحه، لكنه راح ينقر بأصابع يسراه بخفة على النضد، كما يتفحص عازف بيانو المفاتيح.  لابد أن أسيطر على الوضع، فكر كينو. ذهب نحوهما. ” آسف،” قال بتهذيب،” لكن أتساءل إذا لم يكن لديكما مانعاً من أن تخفضا صوتيكما قليلاً.”

رمقه أحدهما وبريق بارد يلتمع في عينيه ثم نهض.  لم يكن كينو قد لحظ ضخامته حتى ذلك الحين. ليس فارع الطول، عريض الصدر، بذراعين هائلين، البنية التي تتوقعها لمصارع من مصارعي السومو.

كان الآخر أقصر طولاً. نحيلاً وشاحباً، بسحنة داهية، النمط الذي يبرع في تحريض الناس. نهض ببطء من مقعده، ووجد كينو نفسه وجهاً لوجه مع كليهما. قرر الرجلان فيما يبدو أن يستغلا الفرصة لإيقاف شجارهما والعمل معاً لمواجهة كينو. كانا على وفاق تام، كما لو أنهما كانا ينتظران سراً ظهور هذه الحالة.

” إذن، هل تظن أن بإمكانك مقاطعتنا واعتراضنا؟” قال الأضخم بينهما، بصوت خشن وخفيض.

بدت البدل التي يرتديانها غالية الثمن، لكن بعد نظرة فاحصة لها تجد أنها مصنوعة على نحو رديء ومبهرج. ياكوزا غِرّ، مهما كان العمل الذين ينخرطان فيه فقد كان واضحاً أنه ليس عملاً محترماً. للرجل الأضخم شعر قصير، في حين كان شعر رفيقه مصبوغاً بلون بني ومسرحاً للخلف على شكل ذيل فرس مرتفع.  شد كينو من عزيمته منتظراً الأسوأ. وراح العرق يتصبب من إبطيه.

” أعذراني،” قال صوت آخر.

التفت كينو ليجد كاميتا واقفاً خلفه.

” لا تلوما الإدارة،” قال كاميتا، مشيراً إلى كينو. ” أنا من طلب أن تخفضا صوتيكما. كان من الصعب عليَّ التركيز ولم أتمكن من قراءة كتابي.”

كان صوت كاميتا أهدأ، وأكثر ضعفاً من المعتاد. لكن شيء غير مرئي كان يبدأ بالتقلب.

” لا يمكنني قراءة كتابي،” قال الأصغر مردداً، كما لو أنه يتأكد من عدم وجود خطأ قواعدي في الجملة.

” ماذا، أليس لديك بيتاً؟” سأل الرجل الأضخم كاميتا.

” بلى،” أجاب كاميتا. ” أعيش في مكان قريب من هنا.”

” إذن لم لا تذهب إلى بيتك وتقرأ هناك؟”

” أحب القراءة هنا،” قال كاميتا.

تبادل الرجلان النظرات.

” أعطني الكتاب،” قال الرجل الأقصر.” سأقرأه لك.”

” أحب أن أقرأ بنفسي، بهدوء،” قال كاميتا.” وأكره لو أخطأت في تهجئة الكلمات.”

” ألست تحفة،” قال الرجل الضخم.” يا له من رجل مسل.”

” ما اسمك بأية حال؟” سأل صاحب الشعر الطويل.

” اسمي كاميتا،” قال.” إنه مكتوب بنقوش ” إله”-كامي-و “حقل”: ” حقل الله.” لكنه لا يلفظ “كاندا،” كما قد تتوقع.  بل ” كاميتا.”

” سأتذكر ذلك،” قال الرجل الضخم.

” فكرة حسنة، قد تنفع الذاكرة،” قال كاميتا.

” بأية حال، ماذا رأيك بالخروج؟” قال الرجل القصير. ” حيث يمكنك أن تقول ما تريده تماماً.”

” جيد بالنسبة لي،” قال كاميتا.”  في أي مكان تحددانه. لكن قبل ذلك هل يمكن أن تدفعا ثمن الأضرار فأنتما لا ترغبان في أن تتسببا للحانة بأية مشاكل.”

طلب كاميتا من كينو أن يأتي بفاتورتهما، ووضع ثمن مشروبه على النضد. أخرج صاحب ذيل الفرس عشرة آلاف ين من محفظته ورمى بها على الطاولة.

” لا أحتاج أن تعيد لي شيئاً،” قال صاحب ذيل الفرس لكينو.” لكن لم لا تشتري كؤوساً أفضل من هذه؟ إنه نبيذ ثمين، وكؤوس مثل هذه تجعل طعمه كالبراز.”

” صحيح. حانة رخيصة وزبائن مثلها،” قال كاميتا. ” إنها لا تناسبكما.  سيكون مكان آخر مناسب لكما. ولا أعرف أين يكون.”

” الآن، أولستَ رجلاً حكيماً،” قال الرجل الضخم.”  أنت تثير ضحكي.”

” فكر بذلك فيما بعد، وأضحك كثيراً ما شاء لك الضحك،” قال كاميتا.

” الآن لم لا تخبرني أين يجب أن أذهب،” قال ذيل الفرس. وهو يلعق شفتيه ببطء، كأفعى تمعن النظر في فريستها.

فتح الرجل الضخم الباب وخرج، تبعه ذيل الفرس. ربما استشعرت التوتر في الجو، قفزت القطة، بالرغم من هطول المطر، إلى الخارج في إثرهما.

” هل أنت واثق من أنك بخير؟” قال كينو لكاميتا.

” لا داع للقلق،” قال كاميتا، بابتسامة خفيفة.” لا تحتاج لأن تفعل شيئاً، سيد كينو.  فقط ابق على حالك، سرعان ما سينتهي هذا الأمر.”

خرج كاميتا مغلقاً الباب. كانت لا تزال تمطر، أكثر غزارة بقليل من ذي قبل. جلس كينو على مقعد وانتظر. كان الجو في الخارج لا يزال غريباً، ولم يتمكن من سماع شيء. كتاب كاميتا مفتوح على النضد، مثل كلب مدرب ينتظر سيده. بعد عشر دقائق، فتح الباب، ودخل كاميتا وحيداً.

” هلا ناولتني منشفة؟” سأل.

ناوله كينو منشفة نظيفة، مسح كاميتا رأسه. ومن ثم وجهه وعنقه وأخيراً يديه.” شكراً لك. كل شيء على ما يرام الآن،” قال. ” لن يظهر وجه واحد من هؤلاء هنا ثانية.”

” ما الذي حدث؟”

اكتفى كاميتا بهز رأسه، كما لو أنه يقول،” من الأفضل ألا تعرف.” مضى إلى مقعده، شرب ما بقي من الويسكي، وأخذ كتابه من حيث تركه.

في المساء، بعد أن ذهب كاميتا، خرج كينو وطاف بالحي. كان الزقاق خالياً وهادئاً. ما من أثر لشجار، ولا للدم. لم يتخيل ما حدث. عاد إلى الحانة لينتظر زبائن آخرين، لكن لم يأت أحد تلك الليلة. لم تعد القطة أيضاً. صبَّ لنفسه القليل من ويسكي” وايت ليبل”، أضاف قدراً مساوياً من الماء ومكعبين صغيرين من الثلج، تذوقها. لاشي مميز، كما قد تتوقع. لكن جسده في تلك الليلة كان بحاجة لجرعة من الكحول.

بعد مرور ما يقارب الأسبوع على الحادثة، نام كينو مع زبونة. كانت أول امرأة يمارس معها الجنس منذ أن ترك زوجته. كانت في الثلاثين من عمرها، أو ربما أكثر قليلاً. لم يكن على يقين من إمكانية تصنيفها كجميلة، لكن كان فيها شيئاً مميزاً، شيئاً بارزاً.

سبق أن جاءت المرأة إلى الحانة عدة مرات، وفي كل مرة برفقة رجل من نفس العمر تقريباً يضع نظارات ذات إطار على شكل درع سلحفاة وسكسوكة كالتي كان يطلقها جيل البيت في الخمسينات. كان له شعر أشعث ولم يرتد أبداً ربطة عنق، لذا فقد حسب كينو أنه ربما لم يكن من موظفي الشركات النموذجيين. ارتدت المرأة دوماً فستاناً ضيقاً يظهر جسدها الأهيف والجميل. جلسا إلى النضد، يتبادلان بين الحين والآخر كلمة أو كلمتين هادئتين وهما يرتشفان المشروب الكحولي أو الخمر الإسباني. لم يطيلا المكوث أبداً. تصور كينو أنهما كانا يشربان قبل ممارسة الحب. أو ربما بعدها. لم يستطع أن يحدد لكن طريقتهما في الشراب ذكرته بالجنس. جنس كثيف مطول.  كان كلاهما جامدي الملامح على نحو غريب، لاسيما المرأة، التي لم يرها كينو تبتسم أبداً. حدثته أحياناً، دوماً عن الموسيقى التي كان يشغلها. تحب الجاز وكانت تجمع التسجيلات بنفسها. ” كان أبي يستمع إلى هذه الموسيقى،” قالت له.” سماعها يعيد لي الكثير من الذكريات.”

لم يعرف كينو من خلال نبرتها إذا ما كانت ذكريات عن الموسيقى أو عن والدها. لكنه لم يجسر على السؤال.

حاول كينو في الواقع ألا يختلط كثيراً بالمرأة. كان بيناً أن الرجل لم يسر كثيراً بتودده إليها.  جرت بينه وبينها مرة محادثة طويلة -تبادلا المعلومات عن المتاجر التي تبيع التسجيلات المستعملة في طوكيو وأفضل طريقة للعناية بالتسجيلات المصنوعة من مادة الفينيل وبعد ذلك راح الرجل يرمقه بنظرات باردة مرتابة. كان كينو في العادة يتفادى المشاكل بحرص. لم يكن هناك أسوأ من الغيرة والغرور، ولكينو العديد من التجارب الرهيبة بسبب واحد منهما. كثيراً ما صدم أن به ما يثير الجانب المظلم في الناس.

تلك الليلة، حينما جاءت المرأة إلى الحانة بمفردها. لم يكن هناك زبائن سواها، وعندما فتحت الباب انسلَّ هواء ليلي منعش. جلست إلى النضد، طلبت براندي، والتمست من كينو تشغيل بعضاً من أغاني بيلي هوليداي. ” شيء قديم بالفعل، لو سمحت.” وضع كينو أسطوانة كولومبيا على الجهاز، تلك التي تحوي أغنية” “جورجيا في بالي.” استمعا بصمت. ” هل يمكنك أن تشغل الوجه الآخر أيضاً؟” سألت عندما انتهت الأغنية، واستجاب لطلبها.

شربت على مهلٍ ثلاثة كؤوس من البراندي، تستمع لبعض من التسجيلات الأخرى -” مونجلو” لإيرول جارنر، ” لا يمكنني أن أبدأ.” لبودي ديفرانكو. أولاً، ظن كينو أنها تنتظر الرجل، لكنها لم تنظر إلى ساعتها ولو مرة. جلست هناك تستمع إلى الموسيقى، غارقة في التفكير ترتشف البراندي.

” ألن يأتي صديقك اليوم؟” قرر كينو أن يسأل مع اقتراب وقت الإغلاق.

” ليس بآتٍ. إنه مسافر،” قالت المرأة. نهضت عن المقعد ومشت إلى حيث تنام القطة. مسدت ظهرها برؤوس أصابعها. استمرت القطة في نومها هادئة.

” قد لا نلتقي مجدداً،” قالت المرأة.

لم يعرف كينو بم يجيب، فلم يقل شيئاً، وظل واقفاً خلف النضد.

” لست أدري كيف أعبر،” قالت المرأة. توقفت عن ملاطفة القطة وعادت إلى النضد، تصدر طقطقة عن كعبها العالي. ” علاقتنا ليست طبيعية تماماً.”

” ليست طبيعية تماماً.” كرر كينو كلماتها دون اعتبار لمعانيها حقيقة.

أنهت القدر القليل من البراندي المتبقي في كأسها.” هناك ما أود أن أريك إياه يا سيد كينو،” قالت.

لم يرغب كينو برؤية شيء. كان واثقاً من ذلك. لكن الكلمات لم تسعفه.

خلعت المرأة سترتها الصوفية ووضعتها على المقعد.  مدت يديها إلى الوراء وفتحت سحَّاب الفستان. أدارت ظهرها لكينو. رأى تحت إبزيم حمالة صدرها البيضاء تماماً نثار متفرق من علامات فحمية باهتة اللون، مثل كدمات. ذكرته بالكواكب النجمية في سماء الشتاء. صفٌ داكن من نجوم مستنزفة.

لم تقل المرأة شيئاً، فقط كشفت عن ظهرها لكينو. كمن يمكنه فهم معنى السؤال الذي سأله ، حدق كينو بالعلامات. أخيراً، أغلقت السحاب وأدارت له وجهها. لبست سترتها ورتبت شعرها.

” هذه حروق سجائر،” قالت ببساطة.

ضاع الكلام من كينو. ولما كان عليه أن يقول شيئاً. ” من فعل بك ذلك؟” سأل بصوت جاف.

لم تجب المرأة، ولاحظ كينو أنه لم يكن يأمل الإجابة.

” يوجد سواها في أماكن أخرى أيضاً،” قالت أخيراً، بصوت خال من التعبير. ” رجاء، تلك يصعب الكشف عنها.”

شعر كينو، منذ البداية، أن هناك شيئاً خارجاً عن المألوف في تلك المرأة. شيء ما أثار رد فعل غريزي، محذراً إياه من التورط معها. كان في الأساس شخصاً حذراً. لو احتاج بالفعل لمعاشرة امرأة، يمكنه دوماً أن يفعل مع محترفة.  أضف إلى ذلك أنه لم يكن يشعر بالجاذبية نحو هذه المرأة.

لكنها تلك الليلة في حالة من اليأس رغبت أن يحبها رجل-وبدا أنه كان هذا الرجل. كانت عيناها ضحلتين، توسعت الحدقتان بغرابة، لكن البريق القاطع فيهما لم يكن يحتمل أي تراجع. ليس لكينو القدرة على المقاومة.

أغلق الحانة، وصعدا الدرج. في غرفة النوم، خلعت المرأة فستانها بسرعة، وسروالها الداخلي، وأرته الأماكن التي كان من الصعب الكشف عنها. أزاح كينو بصره أولاً، لكن فيما بعد عاد لينظر. لم يفهم ولم يكن لديه الرغبة في أن يفهم عقل الرجل الذي يقدم على فعل شيء بهذه القسوة، أو كيف تتحمل امرأة طوعاً. كان مشهداً متوحشاً من كوكب قاحل. عاش كينو بعيداً عن عنه مسافة سنوات ضوئية.

أخذت المرأة يده وأرشدتها نحو آثار الحروق، ليلمس كل واحد بدوره. كان هناك آثار على صدرها، وبالقرب من عضوها التناسلي.  تتبع تلك العلامات الغامقة القاسية كما لو أنه يستعمل قلماً ليصل بين النقاط. بدا أن العلامات تتخذ شكلاً ذكره بشيء ما، لكنه لم يتمكن من التوصل لمعرفته.

مارسا الجنس على الأرض المفروشة. لم يتبادلا كلمة، ولا مداعبة، لم يكن هناك وقت لإطفاء الضوء أو لفرش الحشية. انزلق لسان المرأة على حنجرته، حفرت أظافرها في ظهره. تحت الضوء، مثل حيوانين جائعين يلتهمان اللحم المشتهى. عندما انبلج الفجر في الخارج، زحفا على الحشية وناما، كما لو أنهما محمولان نحو الظلمة.

استيقظ كينو قبيل الظهر، كانت المرأة قد رحلت. شعر أنه رأى حلماً شديد الواقعية، لكن بالتأكيد لم يكن حلماً. كانت الخدوش تخط ظهره، وعلى ذراعيه آثار العضات، يعتصر عضوه ألم جاف. بضع شعرات طويلة التفت على مخدته البيضاء، وللملاءات رائحة قوية لم يشمها من قبل.

جاءت المرأة إلى البار عدة مرات بعد ذلك، برفقه الرجل ذو السكسوكة دوماً. يجلسان إلى النُّضد، يتحدثان بأصوات منخفضة وهما يشربان كأساً أو اثنين ويغادران. قد تتبادل المرأة بضع كلمات مع كينو حول الموسيقى غالباً. كانت نبرتها كالسابق كما لو أنها لا تتذكر شيئاً مما حدث بينهما تلك الليلة. مع ذلك، استطلع كينو وميض الرغبة في عينيها، مثل ضوء خافت عميق في منجم. كان متأكداً.  وأعاد إليه بقوة كل شيء-  خدوش أظافرها على ظهره واللسعة في عضوه، لسانها الطويل الزاحف، رائحتها على فراشه.

وهو يتحدث مع المرأة، تتبع مرافقها بإمعان تعابير كينو وتصرفاته. أحس كينو بشيء لزج يحيط بهما، كما لو أن هناك سراً عميقاً لا يعرفه سواهما.

في آخر الصيف، تم طلاق كينو والتقى بزوجته في حانته ذات أصيل، قبل موعد افتتاحها، للاهتمام ببعض المسائل العالقة.

تم الاتفاق على القضايا القانونية سريعاً، ووقع كلاهما الوثائق الضرورية. كانت زوجة كينو ترتدي فستاناً أزرق جديداً، بتسريحة شعر قصيرة. بدت في حال أحسن وأكثر سروراً مما رآها في أي وقت مضى.  لا شك أنها بدأت حياة جديدة أكثر إرضاءاً. نظرت في أرجاء الحانة.” يا للمكان الجميل،” قالت. ” هادئ، نظيف، وساكن-يشبهك.” تبع ذلك صمت قصير.” لكن لا شيء هنا حقيقة يثيرك”: تخيل كينو أن تلك كانت الكلمات التي رغبت بقولها.

” هل تودين أن تشربي شيئاً؟” سأل.

” القليل من النبيذ الأحمر، إذا كان لديك.”

أخرج كينو كأسين وصب بعضاً من نبيذ “نابا زينفاندل”. شربا بصمت. لم يزمعا على شرب نخب طلاقهما. تقدمت القطة وقفزت فجأة في حضن كينو. الذي داعبها خلف أذنيها.

” أستميحك عذراً،” قالت زوجته أخيراً.

” على ماذا؟” سأل كينو.

” لأني أذيتك،” قالت.” كنت مجروحاً، قليلاً، أليس كذلك؟”

” أفترض ذلك،” قال كينو، بعد أن استغرقه بعض التفكير.” أنا إنسان، في النهاية، كنت مجروحاً، لكن لا أعرف إن كان كثيراً أو قليلاً.”

” أردت أن أراك لأعتذر منك.”

أومأ كينو.” اعتذرت وقبلت اعتذارك. لا داعي للقلق بهذا الشأن بعد اليوم.”

” أردت أن أقول لك ما كان يحدث، لكني لم أعثر على الكلمات.”

” لكن ألم نكن لنصل إلى نفس النهاية بأية حال؟”

” أظن ذلك،” قالت زوجته.

رشف كينو النبيذ.

” إنه ليس خطأ أحد،” قال.” لم يكن علي القدوم باكراً إلى البيت. أو كان عليَّ أن أعلمك بقدومي. وبذلك لم نكن لنقع في هذا.”

لم تقل زوجته شيئاً.

” متى بدأت ترين ذلك الرجل؟” سأل كينو.

” لا أظن أن علينا أن نخوض في ذلك.”

” هل تعنين أنه من الأفضل لي ألا أعرف؟ ربما أنت محقة في ذلك،” اعترف كينو. وواصل ملاطفته للقطة، التي هرَّت بشدة.

” ربما ليس لي الحق لأقول هذا،” قالت زوجته،” لكني أظن من الأفضل أن تنسى ما حصل وتجد شخصا جديداً.”

” ربما،” قال كينو.

” أعلم أنه لابد من وجود امرأة تناسبك. ليس من الصعب إيجادها. لم أكن قادرة على أن أكون ذلك الشخص بالنسبة لك، وفعلت أمراً رهيباً. أشعر بالفظاعة نحوه. لكن كان هناك ثمة خطب فيما بيننا منذ البداية، كما لو أنا زررنا الأزرار بطريقة خاطئة، أظن أن عليك أن تكون قادرا على أن تحيا حياة سعيدة أكثر طبيعية.

زررنا الأزرار بطريقة خاطئة، فكر كينو.

نظر إلى الفستان الجديد الذي كانت ترتديه. كانا يجلسان متقابلين، فلم يتمكن من معرفة إذا ما كان يوجد سحاب أو أزرار على ظهره. لكن لم يستطع الامتناع عن التفكير بما قد يراه إذا ما فك سحاب أو أزرار ملابسها. لم يعد جسدها ملكاً له، فكل ما كان بمستطاعه هو التخيل. عندما أغلق عينيه، رأى آثاراً عديدة لحروق بنية غامقة اللون تتلوى على ظهرها الناصع البياض، مثل سرب من الديدان. هز رأسه ليطرد تلك الصورة، بدا أن زوجته أساءت التفسير.

وضعت يدها على يده بلطف.” أنا آسفة،” قالت.” أنا آسفة بحق.”

حلَّ الخريف واختفت القطة.

لم ينتبه كينو لرحيلها إلا بعد بضعة أيام. هذه القطة-التي لا تزال بلا اسم-كانت تجيء إلى الحانة عندما ترغب وأحياناً كانت تختفي لفترة، فإذا مر أسبوع ولم يرها كينو، أو حتى عشرة أيام، لم يكن ينتابه قلق واضح. كان مولعاً بالقطة، وبدا أن القطة تثق به. كانت أيضاً مثل حظ جيد ساحر للحانة. كان يشعر كينو بالاطمئنان طالما هي نائمة في الزاوية. لكن عندما مر أسبوعان بدأ يقلق. بعد ثلاثة أسابيع، حدس كينو حدثه بأن القطة لن تعود.

في غياب القطة بدأ كينو يلحظ أفاعي في الخارج، قرب المبنى.

كانت أول أفعى رآها طويلة وبنية. في ظل شجرة الصفصاف في الباحة الأمامية، تزحف بروية. كينو، ممسكاً بكيس البقالة، لم يكن قد أقفل الباب عندما لمحها. من النادر أن ترى أفعى وسط طوكيو. تفاجأ قليلاً، لكنه لم يقلق بشأنها. كان متحف النيزو يقع خلف بنايته بحدائقه الكبيرة. لم يكن مستبعداً وجود أفعى هناك.

لكن بعد يومين، وهو يفتح الباب قبل الظهر تماماً ليأخذ الصحيفة، رأى أفعى مختلفة في نفس المكان. كانت زرقاء، أصغر من الأخرى، ولها منظر قذر. عندما رأت الأفعى كينو، توقفت، رفعت رأسها قليلاً، وحدقت به، كما لو أنها تعرفه. تردد كينو، غير متيقن مما يتوجب عليه فعله، والأفعى أخفضت رأسها ببطء واختفت في الظل. الأمر برمته أصاب كينو بالذعر.

بعد ثلاثة أيام، لمح الأفعى الثالثة. كانت تحت شجرة الصفصاف في الباحة الأمامية. هذه كانت أصغر من الأخريات بشكل ملحوظ وسوداء. لا يعرف كينو شيئاً عن الأفاعي، لكن هذه صدمته باعتبارها الأكثر خطورة. بدت سامة بشكل ما. أحست بحضوره بسرعة، زحفت مبتعدة في الأعشاب. ثلاث أفاعي في المكان خلال أسبوع، لا يهم كيف تعتبرها كانت عديدة شيء ما غريب كان يجري.

اتصل كينو بخالته في ايزو. بعد إعلامها بما يجري في الحي، سألها إذا ما رأت من قبل أفاعي حول المنزل في ايوياما.

” أفاعي؟” قالت خالته بصوت مرتفع، متفاجئة. ” عشت هناك لوقت طويل لكني لا أتذكر أني رأيت أفعى. أو ليست علامة على حدوث زلزال أو شيء ما. تستشعر الحيوانات بالكوارث وتتصرف بغرابة.”

” إذا هذا حقيقي، ربما من الأفضل أن أتمون بكميات كبيرة،” قال كينو.

” هذه ربما فكرة جيدة. قد يضرب طوكيو زلزالاً ضخماً يوماً ما.”

” لكن هل الأفاعي تستشعر بحدوث الزلازل؟”

” لا أعلم بم تستشعر،” قالت خالته.” لكن الأفاعي مخلوقات ذكية. في الأساطير القديمة، غالباً ما تساعد الناس وترشدهم. لكن، عندما تقودك الأفعى لا تعرف فيما إذا كانت تأخذك في اتجاه جيد أو سيء، في أغلب الحالات هو خليط من الخير والشر.”

” هذا غامض،” قال كينو.

” تماماً. الأفاعي مخلوقات ملتبسة بشكل أساسي. في هذه الأساطير، الأفعى الأكبر والأذكى تخفي قلبها في مكان ما خارج جسدها. وبهذا لا يمكن أن تقتل. إذا ما أردت أن تقتل تلك الأفعى، عليك أن تذهب إلى مخبئها عندما لا تكون فيه، وتجد القلب الخفاق، وتقطعه إلى اثنين. ليست مهمة سهلة، بالتأكيد.”

كيف تعرف خالته كل هذا؟

” في ذلك اليوم كنت أشاهد برنامجاً على قناة يقارن بين أساطير مختلفة حول العالم،” شرحت،” وكان أستاذاً من جامعة ما يتحدث عن هذا. يمكن أن يكون التلفاز مفيداً تماماً-عندما يكون لديك متسعاً من الوقت عليك أن تشاهد التلفاز.”

صار كينو يشعر كما لو أن المنزل محاط بالأفاعي. شعر بحضورها الهادئ. في منتصف الليل، عندما أغلق الحانة، كان الحي ساكناً، دونما صوت آخر سوى الإنذارات التي تصدر أحياناً. هادئ جداً حتى أنه استطاع أن يسمع صوت الأفاعي وهي تزحف. أخذ لوحاً وأغلق بإحكام الباب الذي صنعه للقطة، بحيث لا يمكن للأفاعي أن تدخل المنزل.

ذات ليلة ظهر كاميتا قبيل الساعة العاشرة.  تناول البيرة، وتبعها بكأسه المعتاد من ويسكي وايت ليبل المزدوج، وتناول طبقاً من محشي الكرنب. لم يكن من عادته أن يأتي متأخراً، ويبقى طويلاً. أحياناً، كان يرفع بصره عن قراءته ليحدق بالجدار المواجه له، كما لو أنه يتأمل شيئاً. بحلول وقت الإغلاق  ظل حتى غادر آخر الزبائن.

” سيد كينو،” قال كاميتا برسمية بعد أن دفع حسابه.” أجد أنه من المؤسف أن يصل الأمر إلى هذا الحد.”

” يصل إلى هذا الحد؟” أجاب كينو.

” إذ يتوجب عليك إغلاق الحانة وإن إلى حين.”

حدق كينو بكاميتا، غير عارف بم يجيبه. أغلق الحانة؟

نظر كاميتا في أرجاء الحانة الفارغة، ومن ثم عاد إلى كينو. ” ألم تستوعب ما أقول أليس كذلك؟”

” لا أظن.”

” أنا معجب كثيراً بهذه الحانة فعلاً،” قال كاميتا، كما لو أنه يأتمنه على سر. ” كانت هادئة، بحيث تمكنت من القراءة، واستمتعت بالموسيقى. كنت سعيداً جداً عندما افتتحت الحانة هنا. للأسف، مع ذلك هناك أشياء ناقصة.”

” ناقصة؟” قال كينو. لم يكن لديه فكرة عما تعنيه.  كل ما استطاع تصوره كوب شاي ورقاقة صغيرة في حافته.

” تلك القطة الرمادية لن تعود،” قال كاميتا.” في هذا الوقت على الأقل.”

” لأن هذا المكان ينقصه شيء؟”

لم يجب كاميتا.

تبع كينو نظرة كاميتا، ونظر بحذر في أرجاء الحانة، لكن لم ير شيئاً غير مألوف. ومع ذلك أحس بفراغ المكان أكثر من أي وقت مضى، مفتقراً للحيوية واللون. شيء يتجاوز المعتاد، مقفلة لتوها مع حلول الليل.

رفع كاميتا صوته.” سيد كينو، أنت لست من النوع الذي يرتكب الخطأ من تلقاء نفسه. أعرف ذلك تمام المعرفة. لكن أحياناً في هذا العالم لا يكون كافياً ألا ترتكب الأخطاء. بعض الناس يستعملون هذه المساحة الخالية كمهرب. هل تفهم ما أقول؟”

كينو لم يفهم.

“فكر بذلك بعناية،” قال كاميتا، محدقاً مباشرة في عيون كينو. ” إن هذه المسألة شديدة الأهمية، تستحق بعض التفكير الجدي. ولو أن الجواب لن يأتي بهذه السهولة ربما.”

” تقول بأن مشكلة خطيرة قد حدثت، ليس لأني ارتكبت خطأ لكن لأني لم أفعل الأمر الصائب؟ ثمة مشكلة تتعلق بهذه الحانة، أو بي؟”

أومأ كاميتا.” يمكنك أن تصوغه بتلك الطريقة. لكن لا ألومك سيد كينو.  أنا مخطئ أيضاً، لأني لم ألحظ هذا سابقاً.  كان عليَّ أن أهتم أكثر. لم يكن هذا المكان مريحاً لي وحسب لكن للجميع.”

” إذن ماذا عليَّ أن أفعل؟” سأل كينو.

” أغلق الحانة لفترة وابتعد. لا شيء آخر يمكنك فعله في هذه المرحلة. أظن من الأفضل أن تغادر قبل أن يكون لدينا نوبة أخرى طويلة من المطر. أعذرني على السؤال، لكن هل لديك ما يكفي من المال للذهاب في رحلة طويلة؟”

” أظن أن بإمكاني تحمل نفقات الرحلة لفترة.”

” جيد. يمكنك أن تفكر بما يأتي بعد ذلك عندما تصل إلى تلك المرحلة.”

“من أنت بأية حال؟”

” أنا مجرد رجل اسمه كاميتا،” قال كاميتا.” يكتب بالأحرف كامي، ” إله،” وتا، ” حقل،” لكن لا يقرأ “كاندا.” أعيش هنا منذ زمن طويل.”
قرر كينو أن يمعن في السؤال أكثر. ” سيد كاميتا، لدي سؤال. هل رأيت أفاعٍ هنا من قبل؟”

لم يجب كاميتا. “إليك ما عليك فعله. ابتعد، ولا تبقى في مكان واحد طويلاً. وأرسل يومي الاثنين والخميس بطاقة بريدية. لأعرف أنك بخير.”

” بطاقة بريدية؟”

” أي نوع من البطاقات المصورة من مكان تواجدك.”

” لكن لمن عليَّ أن أرسلها؟”

” يمكنك أن ترسلها إلى خالتك في ايزو. لا تكتب اسمك أو أي رسالة بتاتاً. ضع العنوان الذي ترسل إليه فقط. هذا هام جداً، لا تنسى.”

نظر كينو نحوه متفاجئاً. ” تعرف خالتي؟”

” نعم، أعرفها حق المعرفة. في الحقيقة، طلبت مني الاهتمام بك لتكون على يقين من عدم حصول ما هو سيء. يبدو أني فشلت في المهمة مع ذلك.”

من يكون هذا الرجل؟ سأل كينو نفسه.

” سيد كينو، سأتصل بك عندما أعرف أن الأمور مناسبة لعودتك. ابق بعيداً عن هنا، حتى ذلك الحين. هل تفهم؟”

حزم كينو حقائب الرحلة في تلك الليلة، من الأفضل أن تغادر قبل نوبة طويلة أخرى من المطر. كان التصريح مفاجئاً جداً، لم يدرك مغزاه. لكن قدرة كلمات كاميتا على الإقناع كانت تتخطى المنطق. لم يسئ كينو الظن به. حشا حقيبة كتف من القياس المتوسط ببعض الملابس والمستحضرات، نفس الحقيبة التي كان يستعملها في رحلات العمل. عند طلوع الفجر، ثبت ملحوظة على الباب الأمامي: ” نعتذر لأن الحانة ستكون مغلقة في الوقت الحالي.” بعيداً، قال له كاميتا. لكن لم يكن لديه فكرة حقيقة عن المكان الذي ينبغي أن يتوجه إليه.  هل يتجه شمالاً؟ أو جنوباً؟ قرر أن يبدأ بتتبع المسار الذي كان يسلكه غالباً عندما كان يبيع الأحذية الرياضية. استقل باص الطريق السريع ذاهباً إلى تاكامتسو. سيطوف في شيكوكو ثم يتوجه إلى كيوشو.

توقف في فندق لرجال الأعمال بالقرب من محطة تاكاماتسو وبقي فيه ثلاثة أيام. تجول في المنطقة وذهب لمشاهدة الأفلام. كانت صالات السينما خالية آناء النهار، والأفلام دون استثناء مخدرة للعقل ليلاً، عاد إلى غرفته وشغل التلفزيون. تبع نصيحة خالته وشاهد برامج تعليمية، لكن لم يحصل منها على معلومة مفيدة. كان اليوم الثاني في تاكاماتسو خميساً، فاشترى بطاقة بريدية من المتجر، ألصق الطابع، وأرسلها إلى خالته. كما أشار عليه كاميتا، كتب اسمها والعنوان.

” فكر به ملياً،” قال له كاميتا.” هذه مسألة في غاية الأهمية، تستحق بعض التفكير الجدي.” لكن مع أن كينو فكر بجدية بالغة إلا أنه لم يتوصل لمعرفة المشكلة.

بعد بضعة أيام، كان كينو يقيم في فندق رخيص بالقرب من محطة كوماموتو، في كيوشو. سقف منخفض، ضيق، سرير رديء، جهاز تلفاز صغير، مغطس حمام صغير، ثلاجة صغيرة قذرة. شعر كأنه عملاق أخرق، مشوش. مع ذلك، فيما عدا الذهاب إلى متجر الوجبات السريعة القريب، بقي متوارياً في الغرفة طوال اليوم. اشترى من المتجر زجاجة صغيرة من الويسكي، مياه معدنية، وبعض البسكويت لوجبة خفيفة. استلقى على سريره يقرأ. عندما يتعب من القراءة، يشاهد التلفزيون. عندما يتعب من مشاهدة التلفزيون، يقرأ.

إنه يومه الثالث في كوماموتو. لا يزال يملك مالاً في حساب التوفير، وكان بمقدوره لو رغب أن ينزل في فندق أفضل بكثير. لكنه شعر أن هذا المكان يناسبه في الوقت الحاضر. إقامته في مكان صغير مثل هذا، ستعفيه من التفكير بما ليس ضرورياً، وكل شيء يحتاجه في المتناول. كان ممتناً لهذا على غير انتظار. كل ما تمناه كان بعض الموسيقى.  تيدي ويلسون، فيك ديكنسون، باك كلايتون-تاق أحياناً توقاً شديداً للاستماع إلى مقطوعاتهم القديمة من موسيقى الجاز، بتقنياتهم الثابتة الموثوقة وأوتارهم الصريحة. رغب بأن يشعر بالفرح الخالص الذي كانوا يشعرون به وهم يعزفون، وتفاؤلهم الرائع. لكن تسجيلاته كانت بعيدة. تخيل حانته، هادئة منذ أن أغلقها. الزقاق، شجرة الصفصاف الكبيرة. الناس وعم يقرؤون الملحوظة التي كتبها وغادر. ماذا عن القطة؟ لو عادت ستجد بابها مغلقاً، وكانت الأفاعي لا تزال تذرع المنزل صامتة؟

أمام نافذته مباشرة في الطابق الثامن كانت نافذة في مبنى عمومي يرى من خلالها أناساً يعملون من الصباح إلى المساء، لم يكن لديه فكرة عن نوع هذا العمل. رجال بربطات عنق يدخلون ويخرجون في حين أن النساء يطرقن على لوحات مفاتيح الحواسيب، يجبن على الهاتف، يصنفن المستندات، ليس مشهداً من النوع الذي يلفت الانتباه تماماً. كانت قسمات وملابس العاملين عادية، بل مبتذلة. راقبهم كينو لساعات لسبب بسيط واحد: لم يكن لديه ما يفعله.  ووجد أنه من غير المتوقع، والمفاجئ، كم تبدو عليهم السعادة أحياناً. ينفجر بعضهم بالضحك بين الحين والآخر، لماذا؟ يعملون طوال اليوم في مثل هذا المكتب الذي يفتقر إلى الجاذبية، يقوم بأشياء بدت (على الأقل بالنسبة لكينو) غير ملهمة على الإطلاق -كيف يمكنهم القيام بهذا ويشعرون مع ذلك بهذا القدر من السعادة؟ هل كان هناك ثمة سر خفي لم يستطع فهمه؟

كان موعد انتقاله مجدداً على وشك الحلول. لا تبق في مكان واحد طويلاً، قال له كاميتا. ومع ذلك لم يستطع كينو إرغام نفسه على مغادرة هذا الفندق الصغير السيء في كوماموتو. لم يكن راغباً بالذهاب إلى أي مكان. كان العالم محيطاً شاسعاً دون معالم، وكينو مركب صغير فقد خريطته البحرية ومرساته. عندما فرد خريطة كيوشو، احتار إلى أين يمضي، شعر بالغثيان، بدوار البحر. استلقى في السرير وقرأ كتاباً، يرفع بصره بين الفينة والأخرى ليشاهد الناس في المكتب المقابل.

كان يوم الاثنين، فاشترى بطاقة بريدية من متجر للهدايا في الفندق مع صورة لقلعة كوماموتو، كتب اسم خالته والعنوان، وألصق الطابع. أمسك بالبطاقة لفترة، محدقاً بالقلعة بنظرة خاوية. صورة نمطية، من النوع الذي تنتظر أن تراه على بطاقة بريدية: القلعة تتسامق بغرور أمام السماء الزرقاء والغيوم البيضاء المنفوخة. أطال كينو النظر في الصورة، إلا أنه لم يجد جدوى من الاتصال بينه وبين تلك القلعة. بدافع ما قلب البطاقة وكتب رسالة إلى خالته:

كيف حالك؟ وكيف حال ظهرك هذه الأيام؟ كما ترين أنا لا أزال أرتحل وحيداً. أحياناً أشعر كما لو أني نصف شفاف بحيث يمكنك رؤية أعضائي الداخلية، مثل حبار مصطاد للتو. فيما عدا ذلك أنا بخير أتمنى أن أزورك يوماً ما. كينو.
لم يكن كينو متيقناً من دافع كتابة ذلك. فقد منع كاميتا ذلك بحزم. لكنه لم يستطع تمالك نفسه. عليَّ بطريقة ما أن أتواصل مع الواقع مجدداً، فكر، وإلا لن أكون أنا. سأصبح رجلاً غير موجود. وقبل أن يغير رأيه، سارع إلى صندوق البريد قرب الفندق وزلق البطاقة بداخله.

عندما استيقظ، كانت الساعة التي بجوار سريره تشير إلى الثانية والربع. كان أحدهم يطرق على بابه. ليس طرقاً عالياً لكن بصوت حازم، ضاغط كما يدق نجار ماهر مسماراً. انتزع الصوت كينو من نوم عميق حتى أن صحوه كان صافياً على نحو كامل وشديد أيضاً.

عرف كينو ما يعنيه هذا الطرق. وعرف أن عليه النهوض من السرير ليفتح الباب فمهما فعل الطارق لن يكون من القوة بحيث يتمكن من فتح الباب من الخارج. كان ينبغي أن يفتحه كينو.

خطر له أن هذه الزيارة كانت ما تمناه تماماً، وفي نفس الوقت، ما كان يخشى قبل كل شيء. هذا كان غامضاً: الانتظار في فراغ بين حدين.” كنت مجروحاً قليلاً أليس كذلك؟” سألته زوجته.” أنا إنسان، في النهاية. كنت مجروحاً،” أجاب. لكن لم تكن الحقيقة. بل نصفها على الأقل كان كذبة. لم أكن جريحاً إلى الحد الذي يجب أن أكون عليه، اعترف كينو لنفسه.  عندما كان عليَّ الشعور بألم حقيقي خنقته. لم أرغب بتحمله، فتجنبت مواجهته. لهذا قلبي فارغ الآن. خطفت الأفاعي تلك البقعة في محاولة لإخفاء قلوبها الخافقة ببرود هناك.

” لم يكن المكان مريحاً بالنسبة لي فقط لكن للجميع،” قال كاميتا. فهم كينو أخيراً ما عناه.

شد كينو الغطاء عليه، أغلق عينيه، وغطى أذنيه بيديه. لن أنظر، لن أصغي، قال لنفسه. لكنه لم يستطع أن يتخلص من الصوت. حتى لو ركض إلى أقصى أركان الأرض وسدَّ أذنيه بالطين، ستتبعه تلك الطرقات دونما شفقة طالما لا يزال حياً. لم يكن طرقاً على باب في فندق. بل طرقاً على باب قلبه. أحداً لا يمكنه التملص من ذلك الصوت.

لم يكن يعرف على وجه اليقين كم مضى من الوقت، لكنه أدرك أن الطرق قد توقف. كانت الغرفة ساكنه كالجهة الأخرى من القمر. مع ذلك، بقي كينو تحت الأغطية. كان عليه أن يبقى متأهباً. فالكائن الذي يقف ببابه لن يستسلم بسهولة. لم يكن هناك داع للعجلة. لم يكن هناك قمر. سوى مجموعة شاحبة من النجوم تناثرت في السماء على نحو كئيب. انتمى العالم لمدة أطول لتلك الكائنات الأخرى. لديهم طرق مختلفة كثيرة. يمكنهم الحصول على ما يريدون بكل الوسائل. الجذور المظلمة يمكن أن تنتشر في كل مكان تحت الأرض. بصبر تأخذ وقتها باحثة عن نقاط ضعف، لقد كسروا الصخرة الأكثر صلابة.

أخيراً، كما توقع كينو، بدأ الطرق من جديد. لكن هذه المرة سُمع من اتجاه آخر. أكثر قرباً من ذي قبل. أياً يكن الطارق فقد كان خارج النافذة المحاذية لسريره تماماً. يتشبث بحائط المبنى الشفاف، بارتفاع ثماني طوابق، تاب-تاب- يطرق على الزجاج الذي يخطه المطر.

تواصل الطرق على نفس المنوال. مرتين. ومن ثم اثنتين مجدداً.  دون توقف. كخفق قلب ينبض بالمشاعر.

كانت الستارة مفتوحة. قبل أن يغط في النوم، كان يشاهد الأشكال التي شكلتها قطرات المطر على الزجاج. تخيل كينو ما سيراه الآن، لو أخرج رأسه من تحت الأغطية. لا-لم يتمكن من تخيله. كان عليه أن يخمد القدرة على تخيل أي شيء. ليس عليَّ أن أنظر إليه، قال لنفسه. ليس مهماً أن يكون فارغاً، فهو قلبي مع ذلك. لا يزال فيه بعض الدفء الانساني. ذكريات، مثل طحلب يلتف حول دعائم على الشاطئ، ينتظر صامتاً المد العالي.  إذا ما جرحت المشاعر ستنزف.  لا يمكنني أن أدعها تجول في مكان ما يتجاوز إدراكي.

” يمكن أن تكون الذكريات معيناً،” قال كاميتا. خطرت فكرة فجائية لكينو: أن كاميتا كان بشكل ما متصل مع شجرة الصفصاف المعمرة أمام منزله.  لم يعي كيف يكون هذا معقولاً، بالضبط، لكن عندما استحوذت عليه الفكرة أصبحت الأشياء مفهومة. تصور كينو فروع الشجرة، مورقة خضراء، متدلية بثقل، تكاد تلامس الأرض. في الصيف، وفرت ظلاً بارداً للباحة. في الأيام المطيرة، تلألأت قطيرات ذهبية على أغصانها الغضة. في الأيام العاصفة، تأرجحت مثل قلب متعب، وحلقت طيور صغيرة عالياً، يصرخ بعضها لبعض، تحط بأناقة على الأغصان النحيلة الغضة، فقط لتحلق مجدداً.

تحت الملاءات، التف كينو كدودة، أغلق عينيه بإحكام، وفكر بالصفصافة.  تخيل أوصافها-لونها وشكلها وحركاتها واحدة تلو الأخرى. وصلى أن يطلع الفجر.  كل ما استطاع فعله كان الانتظار هكذا بصبر حتى انبلاج النور والطيور استيقظت وبدأت يومها. كل ما فعله كان الثقة بالطيور، بكل الطيور، بأجنحتها ومناقيرها. حتى ذلك الحين لم يستطع أن يفرغ قلبه. ذلك الفراغ، الخواء الذي أنتجه، سيستجرها. عندما لم تكن شجرة الصفصاف كافية، فكر كينو بالقطة النحيلة الرمادية، وولعها بالطحلب المشوي. تذكر كاميتا عند النضد، غارقاً في كتاب، عداؤون شبان في تدريبات قاسية متكررة على المضمار، مقطوعة البيانو الجميلة لبين ويبستر ” رومانسيتي.” تذكر زوجته في فستانها الأزرق الجديد، شعرها بقصته القصيرة. أمِل أنها تعيش حياة سعيدة معافاة في منزلها الجديد. أمل ألا يكون على جسدها أية ندوب.  استسمحتني وجهاً لوجه، وقبلت اعتذارها، فكر. أحتاج أن أتعلم الصفح وليس النسيان.

لكن بدا أن حركة الزمن ليست مثبتة كما ينبغي. كان ثقل الرغبة الدامي ومرساة الندم الصدئة يعيقان تدفقه الطبيعي. المطر المتواصل، عقارب الساعة المربكة، الطيور النائمة، ساعي البريد المجهول يفرز بصمت البطاقات البريدية، نهدا زوجته الجميلان يتنططان بعنف في الهواء، شيء ما يطرق بعناد على النافذة. كما لو أنه يستدرجه نحو أعماق متاهة مثيرة، هذا الطرق المنتظم اللانهائي. تاب تاب تاب تاب، ومرة أخرى-تاب تاب. “لا تنظر بعيداً، انظر مباشرة نحوه،” همس أحدهم في أذنه.” هذا هو شكل قلبك.”

هز نسيم الصيف المبكر أغصان الصفصافة. في غرفة صغيرة مظلمة، في مكان داخل كينو، كانت يد دافئة تحاول الوصول إليه. بعيون مغلقة، شعر بتلك اليد على يده، ناعمة وحقيقية. لقد نسي هذا، وقد فارقه منذ زمن بعيد. نعم، أنا مجروح. عميقاً جداً جداً. قال هذا لنفسه. وبكى.

لم يتوقف المطر طوال الوقت، مبللاً العالم بقشعريرة باردة. ♦

150223_r26182-881

ترجمها عن اليابانية فيليب جابرييل.

ترجمة أماني لازار.

http://www.newyorker.com/magazine/2015/02/23/kino

[1] منظمة إجرامية يابانية انخرطت في أعمال غير قانونية مثل الإتجار بالمخدرات، الدعارة، والابتزاز.

ورعٌ أقلّ- خابيير مارياس.

ورعٌ أقلّ

خابيير مارياس.

كنت في أشد الحاجة للنقود حتى أني تقدَّمت منذ يومين لاختبار سينمائي بهدف المشاركة في فيلم “بورنو” وصعقت لدى رؤيتي ذلك العدد الكبير من النساء اللاتي رغبنَ في الحصول على واحد من تلك الأدوار التي لا تشتمل على الحوار قطعاً، أو بالأحرى الأدوار التي لا تتطلب سوى الصياح. ذهبت إلى هناك خجلةً متحرِّجة، أقول لنفسي بأنه يتوجب عليَّ تأمين الغذاء لابنتي، وأن الأمر لم يكن على ذلك القدر من الأهمية فمن غير المرجَّح أن يشاهد الفيلم أيٌّ من معارفي، بالرغم من علمي أن الجميع دوماً يكتشفون ما حدث في نهاية الأمر. ارتبت مع ذلك، من أني لن أكون أبداً شديدة الأهمية مستقبلاً ما يجعلني أتعرض للابتزاز بشأن ماضيّ. إلى جانب أن هناك ما يكفي سلفاً لهذا.

عندما رأيت الطوابير داخل المنزل، على الدَّرج وفي غرفة الانتظار (كانت اختبارات الشاشة مثل التصوير السينمائي، تعقد في منزل مؤلفٍ من ثلاث طبقات، في مكان ما حول توربيديرو توكومان، وهي منطقة لا أعرفها)، ساورني الخوف من أنهم لن يختاروني، ولو أني حتى ذلك الحين كنت أخشى أن يفعلوا، وكان ما آمله حقيقة هو ألا يفعلوا، وأني لن أكون جميلة في نظرهم إلى حد يمكّنهم من قبولي، أو ذات موهبة جيدة بما يكفي لمنحي الدور. لم يكن ذلك ممكناً، فلطالما كنت محط الأنظار دوماً، طوال حياتي، أنا لا أغالي فهذه حقيقة، ولم يكن في هذا الكثير لصالحي.

“من المرجح ألّا أحصل على هذا العمل أيضاً،” فكرت عندما رأيت جميع النساء الطامحات. ” إلا إذا كان الفيلم يتضمن مشهد جنس جماعي هائل يحتاجون فيه لعدد كبير من الممثلين.” كان هناك الكثير من الفتيات في عمري ومنهن أيضاً من يصغرنني أو يكبرنني، سيدات لهنَّ مظهر مألوف جداً، ربما هن أمَّهات مثلي، لكن أمهات لهن أولاد، يتعذر إصلاح محيط خصورهن، تلبسن جميعاً تنانير قصيرة وكعوب عالية وستر ضيقة سيئة الصنع، كما هي ملابسي، وقد كان هذا سخيفاً بحق، طالما أننا سنظهر عراة، ما إذا تمّ اختيارنا. منهن من اصطحبن أطفالهن معهن، وكانوا يذرعون الدرج صعوداً ونزولاً، وقد كانت نساء أخريات يلعبن معهم حين يمرون بهن.

كان هناك الكثير من الطالبات أيضاً، ببناطيل الجينز والقمصان القصيرة الأكمام، لابد أن لهنَّ أهلاً، ما الذي يفكر به الأهل فيما لو تم اختيار بناتهن وصادف أن شاهدوا الفيلم يوماً ما، حتى لو تم بيعه فقط على أشرطة الفيديو، ليفعلوا ما يشاؤون بها بعد ذلك، ففي النهاية سيتم عرضه على شاشة التلفزيون في ساعات الصباح القليلة، وأب مؤرق قادر على فعل أي شيء، وأم أقل بقليل. الناس بحاجة حقيقةً وهناك الكثير من العاطلين عن العمل: يغوصون في أرائكهم أمام التلفزيون ويشاهدون أي شيء يعرض بهدف قتل الوقت والفراغ، لا شيء يصدمهم، فعندما لا يكون لديك شيء، يبدو كل شيء مقبولاً، تبدو الوحشية طبيعية ويصبح أي ورع أخلاقي نسياً منسياً، وفي آخر الأمر، لا يتسبب هذا النوع من القذارة بأي أذى، بل يمكن أن يكون مسلياً أحياناً. يمكنك أن تطّلع على بعض الأمور.

خرج رجلان من الغرفة العلوية التي كانوا يجرون فيها اختبارات الشاشة، خلف غرفة الانتظار، وعندما شاهدوا الطابور، أمسكا رأسيهما بأيديهما وقررا تفحصه بروية-بالتدريج-. ” يمكنك الذهاب،” قالوا لإحدى السيدات. ” أنت لست مناسبة، لست ملائمة، ما من فائدة من الانتظار،” قالوا لنساء أخريات، وكذلك لشابات بدون شديدات الخجل وبالغات السمنة، خاطبونا جميعا بـ ” أنتِ”. وطلبوا أيضاً من فتاة أن تبرز بطاقتها الشخصية. ” لم أجلبها معي،” قالت. ” إذن بإمكانك أن تخرجي، لا نريد أية مشاكل مع فتيات لم يبلغنَ السن القانونية بعد،” قال الرجل الأطول، الذي دعاه الآخر “مير”. للرجل الأقصر شارب وبدا أكثر تهذيباً وأكثر مراعاة لشعور الآخرين. اختصروا الطابور إلى ثلاثة أرباعه، فكان هناك فقط ثماني أو تسع فتيات ودخلنا جميعاً الواحدة تلو الأخرى. خرجت الفتاة التي تتقدمني بعد بضع دقائق باكية، لا أعرف ما إذا كان بكاؤها ناجم عن رفضهم لها أو لأنهم جعلوها تقوم بشيء مهين. ربما قد تسلوا بجسدها. لكن ما إذا دخلت من أجل هذه الأمور، لا بد أن تكون على علم بما قد ينتظرها. لم يفعلوا لي شيئاً، أولاً طلبوا مني كالعادة أن أخلع ملابسي قطعةً فقطعة. كانوا جالسين إلى طاولة، مير والرجل القصير ورجل آخر له شعر مربوط كذيل الفرس، لجنة تحكيم ثلاثية، ومن ثم زوج من التقنيين، ورجل واقف ببنطال أحمر، ووجه كالقرد، وذراعين مطويين، لا أعرف ما الذي كان يفعله، ربما كان صديقاً تم إدخاله لحضور الجلسة، متلصص، مهووس جنسي، بدا مثل شخص مهووس بالجنس. صوروا بعض أفلام الفيديو، تفرسوا بي جيداً، من هذه الناحية وتلك الناحية، مباشرة وعبر الشاشة، استديري، ارفعي يديك، كالعادة، من الواضح أنني كنت محرجة قليلاً، لكني شعرت برغبة بالضحك عندما رأيتهم يدونون بجدية الملاحظات على بطاقات، كما لو أنهم مدرسون في امتحان شفهي، يا إلهي.

“يمكنك أن ترتدي ملابسك،” قالوا فيما بعد.” كوني هنا بعد غدٍ في الساعة العاشرة. لكن تأكدي من أن تحصلي على قدر جيد من النوم، لا تعودي بهالات داكنة تحت عينيكِ، إنها تظهر فعلاً على الشاشة.”  قال مير ذلك، وكان محقاً، بالفعل هناك هالات تحت عيني، نمت نوماً قلقاً طوال الليل وأنا أفكر باختبار الشاشة. كنت على وشك المغادرة عندما ناداني الرجل ذو الشعر المربوط كذيل الفرس، الذي دعاه الآخران كوستاردوري، ” هيه،” قال،” فقط كوني هنا دون أي مفاجأة أو مشاكل كي لا تخيبينا في اللحظة الأخيرة: سيكون عليك القيام بالقليل من الفرنسي، القليل من الكوبي والمضاجعة، تمام؟”

التفتَ نحو الرجل الطويل ليؤكد هذا: ” ليس عليها أن تفعل أي شيء يوناني، أليس كذلك؟” ” لا، ليس معها، ألا ترى أنها مبتدئة،” قال مير.  فرد الرئيس يديه وصالبهما ثانية مبادلاً بينهما، منزعجاً، يا إلهي، أي منظر كان له ببنطاله الأحمر. حاولت أن أتذكر بسرعة، سمعت هذه المصطلحات، أو رأيتها في الإعلانات الجنسية في الصحف، ربما عرفت معناها نوعاً ما. لا يوجد يوناني كما قالوا، لكن هذا لا يهم، على الأقل حالياً. كان من الواضح أن الفرنسي هو الجنس الفموي، لكن الكوبي؟

” ماذا تعني بالكوبي؟” سألت.

نظر الرجل القصير نحوي مستنكراً.

” تعرفين،” قال، ورفع يديه إلى ثدييه غير الموجودين. لم أكن واثقة من أني فهمت تماماً، لكن تجرأت على طرح سؤال آخر:

” هل اخترتم شريكي؟” شعرت بأني راغبة بالقول ” زميلي الممثل”، لكني فكرت أنهم قد يظنون بأنني أسخر.

” نعم، ستلتقيه بعد غدٍ. لا تقلقي، هو صاحب خبرة كبيرة وسيتولى القيادة.” ذلك كان التعبير الذي استعمله الرجل القصير، كما لو أنه يصف قاعة للرقص، في حين كان من المنطقي أن يقول: ” سأتولى القيادة.”

ها أنا قد عدت، وأنا مجدداً في غرفة الانتظار، بانتظار أن يبدأ التصوير مع شريكي الذي قدم للتو، صافحني. جلسنا على الأريكة الضيقة قليلاً، كانت صغيرة جداً حتى أنه انتقل فجأة إلى الكرسي المقابل رغبة في الحصول على راحة أكبر. كان الرجال الطويل والقصير وصاحب الشعر المربوط كذيل الفرس والتقنيين يصورون زوجاً آخر (كنت آمل ألا يكون هناك ذلك المهووس بالجنس، لقد أخافني بعينيه المنتفختين، وأنفه المفلطح وبنطاله الشنيع). في الأفلام، كما سمعت، يُصوّر كل شيء في الفيلم للأبد ويتأخر كل شيء أثناء ذلك، وهكذا قالوا لنا أن ننتظر ونتعارف وهذا ما كان سخيفاً.” لا أعرف هذا الرجل مطلقاً وبعد عدة دقائق سأمارس معه الجنس الفموي،” فكرت ولم أستطع التوقف عن التفكير في تلك الكلمات الدقيقة.

” ما الفكرة من تعارفنا ومحادثتنا.” تجرأت بالكاد على النظر إليه، فعلت ذلك بطرف عيني، هجمة مشؤومة من التواضع إلى حد ما. عندما قدموني إليه قالوا: ” هذا لورين، شريكك.” كنت أفضل لو سموه ” شريكي في البطولة”، لكني أفترض بأن في ذلك بعض التباهي. كان عمره يناهز الثلاثين، يرتدي بنطالاً وقبعة و”جزمة” راعي بقر، يبالغ الممثلون دوماً في “تأمركهم”، حتى وإن كانوا لا يظهرون سوى في أفلام “بورنو”. هكذا يبدأ الكثير منهم، ربما يصبح ممثلاً كبيراً يوماً ما. لم يكن سيء المظهر على الإطلاق، مستخفاً بالمظاهر، من النوع الرياضي، من يذهب إلى النادي الرياضي باستمرار، له أنف معقوف قليلاً وعينان رماديتان، هادئتان وباردتان، وفم ظريف، لكن ربما لن يكون ذلك الفم الظريف هو ما سيتوجب عليَّ تقبيله.

بدا غير متأثر تماماً، كان جالساً مصالباً ساقيه مثل الكاوبوي وكان يتصفح جريدة، لم يكترث بي كثيراً. ابتسم عندما تم تقديمنا لبعضنا البعض، كان هناك فراغات بين أسنانه منحت وجهه منظراً طفولياً. بعدها خلع قبعته، لكنه أعادها في الحال، ربما قد يبقيها أثناء التصوير. قدم لي بعض الحلوى المصنوعة من السوس، لكني رفضت، كان يمص اثنتين في آن، ربما من الأفضل ألا نتبادل القبل على الإطلاق. ارتدى في رسغه طوقاً مصنوعاً من جلد الفيل، كان ضيقاً جداً. هي ليست بالسوار تماماً. أفترض أنه بدا عصرياً، بينما بدوت فجأة موضة قديمة بتنورتي الضيقة، ثوبي الضيق الأسود وكعبي، لا أعرف ما الذي دعاني لارتداء أعلى كعب لدي، ربما، لو انتبهوا له، لرغبوا بألا أخلعه، يحب الكثير من الرجال رؤية النساء بهذا الشكل، عاريات وبكعوب عالية، جميع تلك التخيلات طفولية بعض الشيء، هو بقبعته وأنا بكعبي العالي. أدركت بأني كنت أشد تنورتي قليلاً للأسفل، لأنها كانت ترتفع عندما أجلس، وهذا جعلني أبدو سخيفة. حتى شريكي في البطولة لم ينتبه لفخذي، وقد كان على حق، فخلال فترة  قصيرة، لن يكون هناك تنورة، ولا أي شيء.

” اعذرني،” قلت حينها، ” لقد قمت بمثل هذا العمل من قبل أليس كذلك؟”

نظر من فوق الصحيفة، لكنه لم يضعها جانباً، كما لو أنه لم يكن واثقاً من رغبته في أن يشرع بمحادثة حقيقية، أو بالأحرى كما لو أنه كان واثقاً من أنه لا يريد.

” نعم،” قال،” لكن ليس إلى حد كبير، مرتان، لا، ثلاث مرات، منذ فترة وجيزة. لكن لا تقلقي، إنسي أمر الكاميرا مباشرة. قالوا لي أنك هنا للمرة الأولى.” كنت ممتنةً لأنه عبر عن الأمر بتلك الطريقة، بدلاً من أن يدعوني مبتدئة كما فعل مير الطويل الأصلع. ” لا تشعري بالحرج، هذا قاتل، فقط اتبعيني وحاولي أن تستمتعي قدر استطاعتك، ولا تكترثي للآخرين.”

” سهل القول وصعب التطبيق،” أجبت.”  آمل أن يكونوا صبورين فيما لو توترت. أنا عصبية بعض الشيء.”

ابتسم الممثل لورنزو لي ابتسامه عريضة. كان يقرأ صفحات الرياضة. بدا واثقاً بنفسه إذ قال:

” انظري، أنت لن تلحظي حتى أنهم يصورون. سأعتني بذلك.” قال ذلك بنبرة تنم عن الصراحة وليس الفخر، لأن ليس ذلك ما كان يقلقني، لكن ما أقلقني أنه لم يخطر له أن مراقبة الناس ليست هي السبب الرئيسي لإثارة أعصابي في موقع التصوير.

” صحيح، ” قلت، لم أجرؤ على التشكيك به، ربما من الخوف.” سيكون هناك استراحات أليس كذلك؟ بسبب اللقطات المختلفة وهلم جراً. وما الذي يحدث حينها؟ ما الذي تفعله فيما بينهما؟”

” لا شيء، يمكنك أن ترتدي الثوب لو تحبين وتشربي الكوكا كولا. لا تقلقي،” قال ثانية.” هناك أمور أسوأ. وبالتأكيد هناك بضعة صفوف من الكوكا لو رغبت.”

” أوه، إذن هناك أشياء أكثر سوءاً؟” قلت مستفزة قليلاً بسبب بروده المفرط. ” من الواضح أني لم أصادفها بعد، هيا أخبرني المزيد.” أخيراً وضع الصحيفة وأضاف بسرعة: ” أنا لا أقول ذلك بسببك. لم أقصدك، هل تفهمين ذلك، أتفهمين؟  أنا أفعل ذلك من أجل المال، لكنك لن تقولي لي بأنه مع ذلك ليس أمراً فظيعاً تماماً ما أقوم به. حسناً، أنا لا أعرف رأيك، لكن هذا من ناحيتي.”

تجاهل لورين محاولاتي في عدم إهانته وركز على ما قلته سابقاً. نظر إليَّ بعينيه الهادئتين، لكنه بدا الآن ساخطاً بعض الشيء، كما لو أنه قد استفز أو كما لو أنه كان شخصاً ليس لديه أية قابلية للشعور بالاستفزاز، ولم أعرف أي نبرة صوت أستعمل. كانت عيناه الرماديتان متوسعتين قليلاً أيضاً، بعيدتان تماماً عن أنفه المعقوف، الذي بدا أنه يشد شفتيه للأعلى، بمنخرين من النوع الذي يبدو صاحبهما دوماً كما لو أنه يعاني من البرد.

” هناك أمر سيء،” قال. ” وسأخبرك عنه الآن. عملي السابق كان أكثر سوءاً، لا يعني هذا أني سأستمر في هذا العمل إلى الأبد، لكن لا بأس في أن تمضي به إلى أن يلوح شيء ما في الأفق، وليس لديك فكرة كم ستكون المقارنة عظيمة مع ما كنت أفعله سابقاً.”

” ماذا كنت تفعل إذن؟  هل رمى أحدهم السكاكين عليك في السيرك؟”

لا أعرف لمَ قلت ذلك. لابد أنه بدا مسيئاً كما لو أن الممثل لورنزو حتماً ينتمي لمنزلة أدنى في عالم الترفيه. في النهاية، كنت أفعل تماماً ما يفعله، وخسرت عملي منذ سنتين وزوجي السابق اختفى ورحل، وابنةٌ عليَّ أن أعتني بها. ربما كان له ابنةً أيضاً. أضف إلى ذلك أنه لا يوجد عروض مثل تلك الآن، تلك القبعة القديمة، لم يعد هناك الكثير من فرق السيرك الآن.

“انظري، أيتها المتذاكية،” قال، لكن بدون أدنى تأنيب ودون أن ينوي إهانتي، لست واثقة إذا ما كان ذلك واضحاً لأنه كان شديد التسامح أو لأنه لم يكن بارعاً. قالها بطريقة الأطفال في المدرسة: ” لا، أيتها المتذاكية. كنت حارساً.”

“حارساً؟ ماذا تعني بحارس؟ حارس ماذا؟” هذه كانت آخر كلمة توقعت أن أسمعها من شفتيه ولم أتمكن من إخفاء مفاجأتي، التي قد تبدو مسيئة. نظرت ممعنة في وجهه، حارس، بدا مثل شخص خارج من فيلم من أفلام “الويسترن”.

لمس حافة قبعته بارتباك، كما لو أنه يسويها.

” حسناً، أقصد، هناك شخص تحت حراستي وحمايتي. كما لو أني مرافق، لكن بشكل مختلف.”

” أوه، مرافق شخصي،” قلت، وارتسم على وجهي تعبير ينم عن أني أضعه في منزلة أدنى.” وما السيء في ذلك؟ كان عليك باستمرار أن تمنع الرصاصات من إصابة رئيسك أو شيء ما؟” لم يكن لدي سبب لعدائيتي نحوه، لكني واصلت الإجابة بهذا الشكل الصلف، ربما كنت قد بدأت أشعر بالاشمئزاز من فكرة أني قريباً سيتوجب عليَّ ممارسة الجنس الفموي دون تمهيد معه، كان الوقت يمر. نظرت كرهاً إلى عضوه، وفي الحال أبعدت نظري. فكرت به ثانية مستعملة ذلك الفعل، ” أمصُّه،” يجعل هذا العصر الحديث لجميعنا لساناً بذيئاً، أو ربما لا نهتم كثيراً لو كنا كذلك، أو ربما هو الفقر وحسب: طالما أنك تملك القليل من المال فلديك ورع أقل أيضاً. وعندما نتقدم في العمر لا يبقى لنا من الحياة سوى القليل، ولن يكون أمامنا الكثير.

” لا، لم أكن حارساً من ذلك النوع، لست بلطجياً،” قال،” لست على الإطلاق، ضعي جانباً سخريتي، لكن لنتحدث بجدية، بصراحة، بشفافية. كان عليَّ أن أراقب مريضة، أن أمنعها من إيذاء نفسها، كان أمراً صعباً. عليك مراقبتها أربعاً وعشرين ساعة يومياً، أن تكوني متنبهة طوال الوقت ولا يمكنك دوماً أن تنجحي في ذلك.”

” من تكون؟ ما الذي حدث لها؟”

خلع لورين قبعته وخبط قمتها بساعده الأيمن، بالطريقة التي يفعلها الكاوبوي في الأفلام. ربما كانت إيماءة تعبر عن الوقار. كان شعره خفيفاً.

” كانت ابنة رجل ثري، مليونيراً كبيراً، لا يصدق، واحد من رجال الأعمال الذين لا يعرفون كم يملكون من المال. لابد أنك تعرفين اسمه، لكن من الأفضل ألا أخبرك. كانت الابنة مجنونة، هستيرية لديها ميول انتحارية، كانت تقدم بين الحين والآخر على قتل نفسها. تعيش لأسابيع حياة طبيعية كما يبدو وثم فجأة من دون سابق إنذار تقطع أوردة معصميها في الحمام. كانت مجنونة تماماً. لم يرغبوا في إدخالها المستشفى لأن هذا سيكون قاسياً جداً، وسيعرف العالم بمجمله وزوجته بالأمر في النهاية، في حين أن بعض الناس، الناس الذين كانوا أكثر قرباً منها، عرفوا بمحاولات الانتحار. لذا وظفوني رغبة في منع حدوث ذلك، وهكذا نعم كنت حارساً شخصياً لكن ليس لأحميها من الآخرين كما يفعل الحراس الشخصيون عادة لكن لأحميها من نفسها. اعتبرني أصدقاؤها حارساً شخصياً عادياً، لكني لم أكن كذلك. كان عملي مختلفاً، أكثر شبهاً بالوصي.”

فكرت بأنه ربما عرف تلك الكلمة لأنه تكبد العناء ليجد الكلمة التي تصف دوره. تعرف عليها عندما وجدها.

” أرى،” قلت.” وذلك كان أسوأ من هذا. كم عمرها؟ لمَ لم يأتوا بممرضة تعتني بها؟”

مرر لورين ظاهر يده تحت ذقنه، بالاتجاه المعاكس، كما لو أنه أدرك فجأة بأنه لم يحلق جيداً. كان سيقبلني في كل مكان. لكن كان يبدو لي أنه قد حلق حلاقة جيدة، كنت أشعر بالغواية في أن ألمس وجهه لكني لم أجرؤ، فقد يعتبرها ملاطفة.

” لنفس السبب، لأن الممرضة أكثر وضوحاً، ما الذي تفعله شابة طوال اليوم مع ممرضة تتسكع في المكان؟ يمكنك أن تفهميها أن لديها حارساً شخصياً، كون والدها فاحش الثراء. يمكنها أن تعيش حياة طبيعية، كما ترين، كانت تذهب إلى الجامعة، في العشرين من عمرها، ذهبت إلى الحفلات، وبالتأكيد إلى الطبيب النفسي أيضاً، لكنها لم تكن مكتئبة طوال اليوم أو ما شابه، لا. كانت لتبدو طبيعية لفترة، وودودة. تنتابها فجأة هجمة وكانت دوماً هجمة انتحارية، ولا يمكنك أبداً أن تعرفي ما الذي حصل.

لم يكن هناك أدوات حادة في غرفة نومها، لا مقصات، لا مديات، لا شيء، لا أحزمة يمكنها أن تشنق نفسها بها، ما من حبوب في أي مكان، ولا حتى الاسبرين، ما من أحذية بكعوب عالية أيضاً، كانت أمها تحرص دوماً ألا يكونوا بالغي الحدة منذ أن خدشت ابنتها خديها بواحد منها، كان عليهم أن يجروا لها عملية تجميلية، لا يمكنك أن تعرف، لكنها جرحت نفسها جرحاً بليغاً فادحاً. لم يكن مسموحاً لها أن تنتعل أحذية فهي أسلحة حقيقية بالفعل. بهذا المعنى، عاملوها كسجينة، ليس مسموحاً بأدوات خطرة. كان أبيها على وشك أن يخلع نظارتيه الشمسيتين عندما رأى الجزء الثالث من فيلم العراب الذي يقتل فيه شخص رجلاً آخر بنظارتيه، بالحافة الحادة للذراع، صدقاً، كانوا يفتشون الرجل تفتيشاً كاملاً بحثاً ومضى وقطع حنجرة الرجل الآخر بذلك. هل رأيت العراب 3؟”

” لا لم أفعل. رأيت الجزء الأول.”

” يمكنني أن أعيرك إياه، إن رغبت،” قال لورين بدماثة. ” إنه الأفضل بين الثلاثة إلى حد كبير.”

” لا أملك جهاز فيديو. هيا أكمل،” قلت، خائفة من أن يُفتح الباب في أية لحظة ليكشف عن وجه مير الطويل أو الوجه الهزيل لكاستردوري أو شارب الرجل القصير، ليطلبوا منا أن نبدأ بتصوير مشاهدنا.  لن نكون قادرين على الكلام أثناءها، ليس بنفس الطريقة، كان علينا أن نركز، ونواصل العمل.

” على أية حال، كان عليَّ أن أبقى حولها طوال اليوم وأنام بنصف إغماضة، كانت غرفتي مجاورة لغرفتها، وكان يصل بينهما باب أملك مفتاحه، تعلمين، كما يحدث في الفنادق أحياناً، كان المنزل ضخماً. لكن بالتأكيد هناك طرق لا تعد ولا تحصى يمكنك أن تؤذي نفسك بواسطتها، إذا ما أراد المرء فعلاً أن يقتل نفسه، سيفعل ذلك في النهاية، تماماً كالقاتل، إذا ما أراد شخص قتل آخر، سينتهي إلى فعل ذلك مهما كانت ضحيته محمية، حتى لو كان رئيس الوزراء، أو الملك، إذا ما قرر شخص القتل ولا يهتم للنتائج سيقتل، لا شي يمكنك فعله بهذا الشأن ليس لديهم شيئاً ليخسرونه، لو لم يهتموا بما سيحدث فيما بعد.

انظري إلى كنيدي، انظري إلى الهند، هناك بالكاد سياسي واحد باقٍ على قيد الحياة هناك. حسناً، إنه نفس الأمر مع من يريد قتل نفسه. الإقدام على الانتحار يثير بي الضحك. كانت الأميرة سترمي نفسها برعونة على السلم المتحرك في متجر كبير لنمسك بها وجرح بليغ في جبهتها وخدوش في ساقيها، من حسن الحظ أني كنت هناك.  أو أنها كانت سترمي بنفسها على واجهة العرض، على نافذة المتجر في وسط الشارع، ليس لديك فكرة كيف يكون هذا، مغطاة بالجروح تلتصق بها مئات الشظايا من الزجاج ، في حالة من الجنون التام، وتعوي من شدة الألم، لأنك لو لم تتمكني من قتل نفسك فهذا يتسبب بألم حقيقي.

لم يتمكنوا من حبسها أيضاً، لأن هذا لم يكن فيه شفاءها. كنت أرى الخطر في كل مكان، هذا رعب حقيقي، أن تري العالم كله كتهديد، لا شيء بريء وكل شيء ضدك، رأيت أعداء في أكثر الأشياء المسالمة، كان على تخيلاتي أن تسبق تخيلاتها، كان عليَّ أن أمسك بذراعها في كل مرة نعبر فيها الطريق، واثقاً من أنها لن تقترب من أي نوافذ عالية، شديد الحذر في أحواض السباحة، أخرجها من الحوض بعيداً عن أي عامل قد يحمل قضيباً وهو يمشي لأنها قد تحاول أن تخوزق نفسها به، حسناً هكذا كنت أرى الأشياء، كانت قادرة على أي شيء، بدأت بالارتياب بكل شيء، الناس، الأشياء، الجدران.”- “هكذا كنت عندما كانت ابنتي صغيرة،” فكرت، ” أنا لا زلت كذلك حتى الآن إلى حد ما، ولم أرتح تماماً. أعرف كيف يكون هذا. نعم، إنه مريع.”-” مرة، حاولت أن ترمي نفسها تحت حوافر الأحصنة في السبط الأخير في السباقات، لحسن الحظ، استطعت أن اختطفها من كاحلها عندما كانت على وشك أن تدوس على المسار، خاطرت فقد كنت أراهن وانزلقت مبتعدة عني، يا إلهي، يا لهذا الرعب الذي شعرت به حتى وجدتها تركض نحو الأحصنة.”

توقف الممثل لورنزو شفهياً، لكن ليس عقلياً، استطعت أن أرى أنه كان لا يزال يفكر بما كان يقوله وما سيقوله.” يمكنني أن أؤكد لك، أنه كان أكثر سوءاً من هذا، ضغط رهيب، قلق مستمر، لا سيما بعد أن ضاجعتها، ضاجعتها مرتين: حسناً، الباب الواصل، وبحوزتي المفتاح، أمضيت الليالي دوماً نصف مستيقظ ومتوثب، كان شيئاً لا مفر منه. إلى جانب أنه عندما أكون معها لم يكن هناك خطر، لا شيء يمكن أن يحدث لها وأنا فوقها وذراعي حولها، وأنا فوقها كانت آمنه، كما ترين.”-” الجنس هو المكان الأكثر أمناً،” فكرت،” تتحكم بالآخر، تبقيه مشلولاً وآمناً.”

كان قد مضى وقت طويل منذ أن كنت في ذلك المكان الآمن. – ” لكن بالتأكيد، تضاجع امرأة مرتين وتتعلق بها. حسناً، ليس ذلك التعلق، كان لدي حبيبة أيضاً، لكن ليس لأن من المتوجب عليّ ذلك، لكن الأمر مختلف، لقد لمستها، قبلتها ولم تعد تنظر إليها بنفس الطريقة أبداً، وهي عاملتك بحب أيضاً.” تساءلت فيما إذا كنت سأعامله بحب بعد الجلسة التي تنتظرنا. أو سيتعلق بي بسبب ذلك. لم أقاطعه.” لذا بعيداً عن الضغط الذي ينطوي عليه العمل، كان هناك أيضاً القلق، لا أقول الذعر، لا أريد أن يحدث لها أي شيء، ذلك كان آخر شيء في العالم أرغبه. باختصار، كان مزعجاً حقيقة، عدا ذلك، مهمة سهلة.”

” مزعج” و ” مهمة سهلة”، تسمع تلك الكلمات أقل وأقل، بدتا فكهتان في الغالب.

” نعم،” قلت. ” ما الذي حدث، هل اشمأزت؟” سألت، غير متوقعة منه أن يجيب مؤكداً. في الواقع، قد قال لي ما حدث وتوقف متفكراً قبل أن يخبرني بالبقية.

وضع لورين قبعته وتنفس بصعوبة من خلال المنخرين الرطبين كما لو كان يستجمع القوة قبل أن يفعل شيئاً يتطلب جهداً. غطت حافة قبعته عينيه الرماديتين الباردتين، لم يكن وجهه الآن سوى أنف وشفتين، الشفتان الظريفتان اللتان لن أقبلهما. لم يكن هناك قبل على الفم في أفلام “البورنو”.

” لا، خسرت عملي. فشلت. ذبحت الأميرة نفسها في مطبخ منزلها منذ ثلاثة أسابيع، عند منتصف الليل، ولم أسمعها تغادر غرفة النوم حتى، ما رأيك في ذلك؟ بقيت دون أحد أعتني به، كارثة، كارثة محققة” للحظة، كانت تستولي عليَّ فكرة أن الممثل لورنزو كان ربما يتصرف رغبة في إلهائي وإراحة أعصابي. فكرت للحظة بفتاتي الصغيرة، التي تركتها مع إحدى الجارات. وقف، مشى حول الغرفة، في نفس الوقت شد بنطاله الجينز. توقف بجانب الباب المغلق الذي سنعبر من خلاله. فكرت بأنه كان سيلكمه، لكنه لم يفعل. قال بعصبية: ” متى سنبدأ، ليس لدي كل اليوم لأمضيه منتظراً.”

وُلدَ خافيير مارياس في مدريد عام 1951. له أكثر من اثنتي عشرة رواية وتُرجِمَت أعماله إلى أربعين لغة، كما حصد عدداً كبيراً من الجوائز العالمية. من رواياته “ملك الزمان”، و”القرن”، و”كل الأرواح”، و”قلب أبيض جداً”، و”فكر فيّ غداً أثناء المعركة”.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet ʘϪʘ O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

"Black Mist and other stories"

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

اداچيو

الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

The Civilized Frontier

A Journal of Thoughts concerning Life, Liberty, and the Pursuit of Sanity in a World of Chaos

RANDOM MAGIC

to divine is sublime

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 374 other followers