Feeds:
المقالات
التعليقات

كنت منذ عدة أيام أتصفح مدونتي لأرى ماذا كنت قد نشرت في مثل هذه الأيام السنة الماضية كي أعيد مشاركة هذه التدوينات إن كانت مناسبة، فوجدت قصيدة للمغني والشاعر الكندي ليونارد كوهين التي تحمل عنوان ” إلى أي، جي، بي” وعلى الأغلب أن المقصود بهذا الإهداء هو ادوين جون دوف برات المولود في العام 1882 والمتوفى في العام 1964 وقد كان شاعراً كندياً من الرواد في زمنه، وفاز ثلاث مرات بجائزة الحاكم العام للبلاد وكان قد سمي بالشاعر الكندي الأول في النصف الأول من القرن العشرين.
لكن في الحقيقة عندما أعدت قراءة ترجمتي للقصيدة وجدت أن الترجمة بحاجة للمراجعة لأني وجدت غموضاً وأنها لا تزال غير مفهومة لي تماماً، يبدو أني تسرعت في ترجمتها كما يحدث في كثير من الأحيان، ولا سيما في البداية عندما يتحدث ليونارد عن قصائد صينية وكؤوس النبيذ، فذهبت إلى التسجيل على يوتيوب حيث يقرأ ليونارد القصيدة بصوته لأعيد الاستماع إليها حيث يقول:

I once believed a single line
in a Chinese poem could change
forever how blossoms fell
and that the moon itself climbed on
the grief of concise weeping men
to journey over cups of wine

اعتقدت فيما مضى أن بيتاً واحداً من الشعر
في قصيدة صينية بوسعه أن يغير
إلى الأبد كيفية تساقط الأزهار
وأن القمر بنفسه تسلق
حزن رجال ضئال القامة يذرفون الدموع
ليرتحل فوق أكواب مترعة بالنبيذ


وهكذا إلى آخر القصيدة التي يمكنكم قراءتها على المدونة بالطبع، لكن لحسن الحظ وجدت تعليقا على الفيديو حيث يقرأ ليونارد القصيدة بصوته وفيه يشير الشَّخص صاحب التعليق إلى ما قصده ليونارد بحديثه عن النبيذ والقصائد الصينية الا وهو ما يسمى باجتماع خيمة الأوركيد!
منذ 1600 عام كان اجتماع خيمة الأوركيد حدثاً ثقافياً وشعرياً أثناء حكم أسرة جين بين العامين 266-420 من عصر السلالات الست الحاكمة في الصين. يحظى هذا الحدث نفسه باهتمام موروث وشعري فيما يخص تطور الشِّعر المكتوب في وصف الطبيعة والأفكار الفلسفية للفيلسوف الصيني جوانزي. يشتهر اجتماع خيمة الأوركيد أيضاً بمهارة وانغ شي جي الفنية في فن الخط الكاليغرافي، وكان وانج أحد المشاركين بالإضافة إلى كونه المؤلف والخطاط للتصدير للقصائد التي تم تأليفها عند خيمة الأوركيد.
في العام 353 التقى الخطاط المعروف وانغ شي جي307–365 Wang Xizhi مع أصدقائه عند خيمة الأوركيد للاحتفاء بمهرجان الربيع وأقاموا مسابقة شعرية. كان عددهم 42 على جبل كوايجي تماماً جنوب منطقة كوايجي ، في اليوم الثالث من الشَّهر الثالث، لتأليف القصائد وشرب خمر هوانغ جو وهو نبيذ الأرز. انخرط الرجال في مسابقة للشرب عرفت باسم الكؤوس الطافية على مجرى مائي متعرج، كانت أكواب مملوأة بنبيذ الأرز تطوف على جدول صغير متعرج بينما كان الرجال يجلسون على طول ضفتيه، كلما توقف كأس كان على الرجل الأقرب إليه إفراغه وكتابة قصيدة. في النهاية، ألف ستة وعشرون من المشتركين سبعة وثلاثين قصيدة. عندما انتهى وقت كان احد عشر رجلا من بين المشاركين قد ألف كل واحد منهم قصيدتين وخمسة عشر رجلا ألف كل واحد منهم قصيدة واحدة، الرجال الستة عشر الذين لم يتمكنوا من تأليف أي شيء ومن بينهم خيانجي، ابن وانغ عوقبوا بشرب ثلاث كؤوس إضافية من النبيذ. صور الرسام الصيني تشيان غو Qian Gu هذا الحدث الأدبي الشهير حوالي العام 1556، عامت كؤوس النبيذ على وجه المياه بينما اصطف الشعراء على كلا الضفتين شربوا بحرية وكافحوا لإنهاء قصائدهم.

يمكنكم الاستماع إلى هذه التدوينة على ساوند كلاود هنا:

وهذا الرابط على يوتيوب:

عن الكتابة- ريموند كارفر

في منتصف السِّتينات وجدت أني لم أعد قادراً على صبِّ تركيزي لوقت طويل بغرض تأليف كتاب روائي طويل. واجهت لفترة من الوقت صعوبة في محاولة قراءة مثل هذه الكتب، ناهيك عن تأليفها. كانت سعة انتباهي قد فارقتني، ما عدت أتحلى بالصَّبر لمحاولة تأليف الروايات. إنها قصَّة معقَّدة، مملة للغاية فلن أتحدث عنها هنا. لكني أعلم الآن أنها تتعلق إلى حدٍّ بعيد بما يدعوني لكتابة الشِّعر والقصص القصيرة. ادخل، واخرج. لا تتباطأ. امض في طريقك. قد يكون الأمر أني افتقدت لأي مطامح عظيمة في الوقت نفسه تقريباً عندما كنت في أواخر عشريناتي. إذا كان هذا صحيحاً، أعتقد أن حدوثه كان جيداً. الطموح وقليل من الحظ أشياء من الجيد لكاتب امتلاكها. يمكن للكثير من الطموح والحظ السيء، أو دون حظ على الإطلاق، أن تكون قاتلة. لا بد من وجود موهبة.
يتمتع بعض الكتاب بعدد من المواهب، جميع الكتاب الذين أعرفهم يتمتعون بها. لكن طريقة مميزة ودقيقة بالنظر إلى الأمور وإيجاد السِّياق الصَّحيح للتعبير عن تلك الطريقة فإنه أمر آخر. العالم بحسب غارب هو بالطبع العالم البديع وفق جون ايرفينغ. يوجد عالم آخر بحسب فلانري أوكونر، وآخر بحسب وليم فوكنر وارنست هِمينغواي. هناك عوالم بحسب شيفر، ابدايك، سينجر، ستانلي الكين، آن بيتي، سينثيا اوزيك، دونالد بارثيلم، ماري روبنسن، وليم كيتريدج، باري هانا، اورسولا ك. لو جوين. يخلق كل كاتب عظيم، أو حتى كل كاتب ممتاز عالماً وفق مواصفاته الخاصة.
ما أتحدث عنه قريب من الأسلوب، لكنه ليس الأسلوب وحده. إنه إمضاء الكاتب الخاص والجلي على كل ما يكتبه. إنه عالمه وليس عالم أي شخص سواه. هذا واحد من الأمور التي تميز كاتباً عن الآخر. وليس الموهبة. يوجد الكثير من ذلك هنا وهناك. لكن الكاتب الذي يتمتع بطريقة خاصة بالنظر إلى الأمور ويسبغ تعبيراً فنياً على تلك الطريقة: قد يكون ذلك الكاتب موجوداً لحين من الزمن.
قالت ايساك دنسن إنها كتبت كل يوم القليل، بلا أمل أو يأس. ذات يوم سوف أدون ذلك على بطاقة صغيرة وأعلقها على الحائط قرب مكتبي. لدي بعض البطاقات المشابهة على الجدار الآن. ” الدقة الأساسية بالتعبير هي الفضيلة الوحيدة المنفردة للكتابة “. عزرا باوند. إنها ليست كل شيء بأي شكل من الأشكال، لكن إذا امتلك الكاتب “دقة أساسية في التعبير”، فإنه على الأقل على الطريق الصَّحيح.
أعلق على حائطي بطاقة مدون عليها هذا الجزء من عبارة تضمنتها قصة ألفها تشيخوف: “وفجأة اتضح له كل شيء “. أجد هذه الكلمات مفعمة بالدهشة والامكانية. أحب وضوحها البسيط، والتلميح عن الكشف المضمر. يوجد غموض أيضاً. ما الذي لم يكن واضحاً من قبل؟ لماذا فقط الآن يصبح واضحاً؟ ما الذي حدث؟ ماذا الآن؟ – أكثر من أي شيء آخر. هناك عواقب كنتيجة لمثل هذه الصحوات المفاجئة. ينتابني إحساس حاد بالارتياح والترقب.
سمعت الكاتب جيفري وولف يقول لمجموعة من طلاب صف الكتابة: “لا للخدع الرخيصة”. ينبغي تدوين تلك العبارة على بطاقة صغيرة. قد أعدلها قليلاً لـتصبح” لا للخدع”. نقطة. أكره الخدع. ما إن أرى العلامة الأولى على خدعة أو وسيلة للتحايل في قطعة أدبية، سواء كانت خدعة رخيصة أو حتى خدعة مدروسة، أميل للتوقف عن القراءة. الخدع مملة للغاية، وأنا شخص سريع الملل، هذا قد يتماشى مع عدم قدرتي على إطالة التركيز. لكن كتابة ذكية مفرطة في البهرجة ، أو حتى مجرد كتابة سخيفة بسيطة، تصيبني بالنعاس.
لا يحتاج الكتَّاب إلى الخدع أو وسائل للتحايل أو حتى بالضَّرورة ليسوا بحاجة لأن يكونوا الأكثر ذكاءً من بين زملاءهم. عرضة لخطر الظهور بمظهر الأحمق قد يكون الكاتب بحاجة أحياناً إلى مجرد القدرة على الوقوف والاندهاش لرؤية هذا الأمر أو ذاك- غروب أو حذاء قديم- باستغراب بسيط وقطعي. قال جون بارث منذ بضعة أشهر في مجلة نيويورك تايمز بوك ريفيو إنه منذ عشر سنوات معظم الطلاب في ندوته الدراسية المخصصة للكتابة الأدبية كانوا مهتمين بـ”الابتكار الشكلي”، ويبدو أن الحال لم يعد كذلك. هو يشعر ببعض القلق من أن الكتاب سوف يبدؤون بتأليف روايات سخيفة في الثمانينات. هو قلق من أن التجريب قد يكون مشارفاً على الانتهاء بالإضافة إلى التحررية. يصيبني بعض التوتر إذا ما وجدت نفسي على مرمى السَّمع من نقاشات كئيبة حول “الابتكار الشكلي” في كتابة الأدب. في كثير من الأحيان “التجريب” رخصة لكي تكون متهاوناً، سخيفاً، أو زائفاً في الكتابة. بل أسوأ، رخصة لمحاولة تغريب القارئ أو تجريده من انسانيته.
في كثير من الأحيان لا تقدم لنا مثل هذه الكتابة أية اخبار عن العالم، وإلا تصور منظراً صحراوياً و هذا كل ما في الأمر- بعض كثبان رملية و سحالي هنا وهناك، لكن ما من أشخاص، مكان غير مسكون بأي شيء بشري على نحو يمكن ادراكه، مكان لا يهم إلا بعض المختصين بالعلم. يجب أن نلحظ أن التجريب الحقيقي في الأدب أصيل، ومكتسب بمشقة و باعث على الابتهاج. لكن طريقة شخص آخر بالنظر إلى الأمور، بارثيلم على سبيل المثال، يجب ألا تتبع من قبل كتاب آخرين. لأنها لن تنجح. يوجد بارثيلم واحد فقط، وإن محاولة كاتب آخر تملك حساسية بارثيلم الخاصة أو أسلوبه في رسم المشاهد تحت اسم الابداع ليس إلا فوضى وكارثة بل ما هو أسوأ، خداع الذات. يجب على التجريب الحقيقي أن يجعله جديد، كما أصر باوند، و في غضون ذلك عليه أن يجد أشياء تخصه. لكن إذا لم يفقد الكتاب أصالة الرأي ، هم أيضاً يرغبون بالبقاء على اتصال معنا، يرغبون بنقل الأنباء من عالمهم إلى عالمنا.
من الممكن في قصيدة أو في قصَّة قصيرة، أن تكتب عن أمور وأشياء مألوفة مستعملاً لغة مألوفة لكن دقيقة ولتمنح هذه الأشياء- سواء كانت كرسياً، ستارة نافذة، شوكة، حجراً، قرط امرأة- قوة هائلة، بل حتى مروعة. من الممكن أن تكتب سطراً من حوار غير مؤذ ظاهرياً وتجعله قادراً على أن يصيب القارئ بالقشعريرة- مصدر البهجة الفنية، كما كان لنابوكوف أن يفعل. هذا النوع من الكتابة الذي يثير اهتمامي أكثر من أي نوع سواه. أكره الكتابة القذرة أو الاتفاقية سواء كانت ترفرف تحت راية التجريب وإلا بخلاف ذلك حسبها أن طوعت الواقعية على نحو غير متقن. في قصة اسحق بابل القصيرة “غي دو موباسان” كان لدى الراوي هذا ليقوله عن كتابة الأدب: “ما من مسمار يمكن له أن يثقب القلب بعنوة كما تفعل النقطة موضوعة في المكان المناسب تماماً “، هذا أيضا يجب أن يدون على بطاقة.
قال ايفان كونيل ذات مرة إنه عرف أنه قد انتهى من كتابة قصة قصيرة عندما وجد نفسه يعيد مراجعتها ويحذف فواصل ثم يعيد قراءة القصَّة مرة ثانية ويعيد وضع الفواصل في الأماكن نفسها. أحب تلك الطريقة في العمل على شيء ما. أحترم ذلك النَّوع من الاهتمام بما تم انجازه. هذا كل ما لدينا أخيراً الكلمات، ومن الأفضل أن تكون الكلمات المناسبة، مع وضع علامات الترقيم في الأماكن الصحيحة فيمكنها أن تكون أفضل تعبير عما هو معني بها أن تقوله. إذا كانت الكلمات مثقلة بعواطف الكاتب الجامحة، أو إذا كانت غامضة وخاطئة لسبب آخر- إذا الكلمات بأية طريقة غير واضحة- سوف تمر عليها عينا القارئ ولن يتم تحقيق شيء. ببساطة لن يكون إحساس القارئ الفني منخرطاً. دعا هنري جيمس هذا النوع من الكتابة البائسة “توصيف ضعيف”.
أخبرني بعض من أصدقائي إنه كان عليهم الإسراع في تأليف كتاب فقد كانوا بحاجة إلى النقود، كان المحرر الخاص بهم، أو الزوجة، تضغط عليهم أو تتركهم- شيء ما، ثمة التماس للعذر لأن الكتابة ليست في أحسن أحوالها. “كان يمكن أن يكون أفضل لو أني أخذت الوقت”. كنت مدهوشاً عندما سمعت روائياً صديقاً يقول هذا. أنا ما زلت، لو فكرت في الأمر، لكني لا أفكر به. إنه ليس من شأني. لكن إذا لم يكن ممكنا للكتابة أن تتم بشكل جيد كما هي في داخلنا، إذن لماذا نكتب؟ في النهاية، الرضا عن بذل قصارى جهدنا، وبرهان هذا الجهد، هو الأمر الوحيد الذي يمكننا أن نحمله معنا إلى القبر. أردت القول لصديقي، بربك اذهب وافعل شيئا آخر. لا بد أن يكون هناك طرق أسهل وربما أكثر صدقاً لمحاولة كسب القوت. وإلا فقط افعلها بأفضل ما لديك من مؤهلات، ومواهب ثم لا تبرر أو تقدم الأعذار. لا تتذمر، لا تشرح.
في مقالة دعيت بمقدار كاف من البساطة “كتابة القصص القصيرة”، تتحدث فلانري أوكونر عن الكتابة كفعل اكتشاف. تقول أوكونر إنها في أغلب الأحيان لم تعرف إلى أين كانت ماضية عندما جلست لكتابة قصة قصيرة. تقول إنها تشك أن الكثير من الكتاب يعرفون أين هم ذاهبون عندما يبدؤون بشيء ما. تستخدم قصتها القصيرة “ريفيون صالحون” كمثال على كيفية جمعها للمام قصة قصيرة لم تتمكن حتى من تخمين نهايتها سوى قبل أن تبلغها بقليل:
عندما بدأت كتابة تلك القصَّة لم أعرف أنه سيكون فيها حاصلة على شهادة دكتوراه في الفلسفة ذات ساق خشبية. حسبي أني وجدت نفسي ذات صباح أكتب وصفاً لامرأتين عرفت عنهما شيئاً، وقبل أن أدرك الأمر كنت قد زودت واحدة منهما بابنة لها ساق خشبية. أتيت ببائع اناجيل، لكن لم يكن لدي أدنى فكرة ماذا كنت سأفعل معه. لم أعرف أنه كان سيسرق تلك السَّاق الخشبية حتى قبل عشر أو اثنتا عشر سطرا من قيامه بذلك، لكن عندما عرفت أن هذا ما سيحدث أدركت أنه كان محتماً.
شكل هذا بالنسبة لي عندما قرأته منذ عدة سنوات بمثابة صدمة أنها، أو أي شخص بهذا الخصوص، كتبت قصصاً على هذا النمط، اعتقدت أن هذا كان سري غير المريح، وقد كنت منزعجا بعض الشيء بسببه. بالتأكيد اعتقدت أن هذه الطريقة في العمل على قصة قصيرة بطريقة ما كشفت مواطن الضعف عندي. أتذكر أني تشجعت بشكل هائل بقراءة ما قالته حول الموضوع.
جلست ذات مرة لأكتب ما تبين أنها قصَّة جيدة إلى حدٍّ كبير، ولو أن العبارة الأولى فقط في القصة قدمت لي نفسها عندما بدأتها. كنت لعدَّة أيام أدور هذه العبارة في رأسي: “كان يشغل المكنسة الكهربائية عندما رن الهاتف”، عرفت أن هناك قصة وأنها ترغب بأن تروى. لقد شعرت بقوة في قرارة نفسي أن قصة انتمت لتلك البداية، لو يمكنني فقط أن أجد الوقت لكتابتها. وجدت الوقت، يوما بكامله- اثنتا عشرة، خمسة عشرة ساعة حتى- لو أردت أن استعملها. فعلت، وجلست في الصَّباح وكتبت العبارة الأولى، وعبارات أخرى بدأت فجأة تتوالى. صنعت القصة تماما كما قد أصنع قصيدة، سطر ثم الآخر، والذي يليه. سرعان ما كان بوسعي أن أرى قصة، وعرفت أنها قصتي، القصة التي كنت أرغب بكتابتها.
يعجبني الأمر عندما يكون ثمة شعور بالتهديد أو إحساس بالتوعد في القصص القصيرة. أعتقد أن قليل من التهديد لا بأس أن تتضمنه قصة. إنه من ناحية جيد من أجل الرواج. يجب أن يكون هناك توتر، إحساس بأن شيء ما على وشك الحدوث، وأن أمورا بعينها في حركة لا هوادة فيها، وإلا، في غالب الأحيان، ببساطة لن يكون هناك قصة. الذي يخلق التوتر في قطعة أدبية هو جزئيا كيف تتصل الكلمات المتماسكة معا لتصنع الحدث المرئي للقصة. لكن أيضا الأمور التي تم التخلي عنها، تلك المضمنة، المنظر تماما تحت السطح الأملس للأمور (لكن المكسور والمتقلقل أحياناً).
يعرِّف ف.س بريتشت القصَّة القصيرة على أنها “شيء ما تلمحه بطرف العين بشكل عابر”. لاحظ جزئية “اللمحة” في هذا. أولاً اللمحة. ثم اللمحة منحت حياة، تحولت إلى شيء ما ينير اللحظة ويمكن، إذا حالفنا الحظ – تلك الكلمة ثانية- أن تمتلك نطاقاً أوسع من النتائج والمعنى. مهمة كاتب القصة القصيرة هي استثمار اللمحة بكل ما أوتي من قوة. سوف يستخدم ذكاءه ومهارته الأدبية لدعم (موهبته)، احساسه بالتناسب واحساسه بملائمة الأمور: عن حقيقة الأمور الموجودة بالفعل وكيف يرى تلك الأمور- كما لا يراها سواه. وهذا يتم من خلال استعمال لغة محددة وواضحة، اللغة المستعملة رغبة في إحياء التفاصيل التي ستجعل القصة سلسة للقارئ. فلكي تكون التفاصيل متماسكة وتنقل المعنى، يجب على اللغة أن تكون دقيقة ومقدمة بوضوح. يمكن للكلمات أن تكون دقيقة للغاية لدرجة أنها قد تبدو مسطحة، لكنها مع ذلك يمكن أن تستحوذ على المشاعر، إذا ما استعملت بشكل صحيح، يمكنها أن تترك الأثر المرغوب.

يمكنكم الاستماع إلى هذه المقالة بصوتي على حسابي على ساوند كلاود هنا:

كما يمكن الاستماع إليها على قناتي على يوتيوب هنا:

 
في المطبخ، صبَّ كأساً آخر ونظر إلى أثاث غرفة النَّوم في حديقته الأمامية. كانت الحشيَّة مجرَّدة من الملاءات المخططة كالحلوى والموضوعة إلى جانب وسادتين على خزانة الأدراج. فيما عدا ذلك، بدت الأشياء كما كانت في غرفة النوم ــ طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي ينام عليها من السَّرير، طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي تنام عليها من السَّرير.

جهته، جهتها.
تفكَّر في هذا وهو يرتشف الويسكي. كانت خزانة الأدراج تبعد بضعة أقدام عن قدم السَّرير. كان قد أفرغ الأدراج في صناديق من الورق المقوَّى ذلك الصَّباح، وكانت الصَّناديق في غرفة الجلوس. كان هناك سخَّان نقَّال بالقرب من خزانة الأدراج. وعند قدم السَّرير كرسي من الخيزران ووسادة مزخرفة. أخذ طقم المطبخ المصنوع من الألمنيوم الملمَّع حيِّزاً من الدَّرب. غطَّى مفرش عريض جداً من قماش الموسلين الأصفر الطَّاولة، وتدلَّى على كل جانب من جوانب الطاولة، كان هدية. على الطاولة سرخس مزروع في أصيص جنباً إلى جنب مع صندوق يحتوي على الأواني الفضية ومسجِّلة، هدايا أيضاً.
وضع جهاز تلفزيون كبير من الطَّراز الشبيه بخزانة على منضدة قهوة، وكان يوجد على مسافة بضعة أقدام منه أريكة وكرسي ومصباح أرضي. كان المكتب مدفوعاً نحو باب المرآب. كان هناك بعض الأواني على المكتب، مع ساعة جدارية ولوحتين مؤطرتين. كان هناك في الدَّرب المؤدي إلى المنزل أيضاً صندوق يحتوي على فناجين وكؤوس وأطباق، كل قطعة منها ملفوفة بأوراق الصُّحف. كان قد أخرج الملابس ذلك الصَّباح وفيما عدا الصَّناديق الثلاثة في غرفة الجلوس، كانت جميع الأشياء خارج المنزل. كان قد مدَّ سلكاً وتم وصل كل شيء. عملت الأشياء بنفس الطريقة التي كانت تعمل فيها عندما كانت في الدَّاخل.

تريثت سيارة بين الحين والآخر وحدَّق الأشخاص منها. لكن لم يتوقف أحد.
خطر له أنه لن يتوقف أيضاً.
قالت الفتاة للفتى: «لا بدَّ أن تكون هذه الأشياء في الحديقة معروضة للبيع».
كان كل من الفتاة والفتى يؤثثان شقَّة صغيرة.
قالت الفتاة: «لنرَ أي ثمن يطلبون مقابل السَّرير».
قال الفتى: «والتِّلفاز».
قاد الفتى السَّيارة باتجاه الدَّرب وتوقَّف أمام طاولة المطبخ.
ترجلَّا من السَّيارة وبدأا يستطلعان الأشياء، تلمّست الفتاة مفرش الموسلين، الفتى يشغِّل الخلاط ويدير القرص نحو «الفَرم»، تحمل الفتاة موقد تسخين الطعام الصَّغير، يشغِّل الفتى التلفاز ويجري عمليات الضَّبط. جلس على الأريكة ليشاهد. أشعل سيجارة، وأجال بصره من حوله، ونقف عود الثَّقاب على العشب. جلست الفتاة على السَّرير. خلعت حذاءها واستندت إلى الوراء. خيِّل إليها أنها رأت نجمة المساء.
قالت: «تعال إلى هنا، جاك. جرِّب هذا السَّرير. هاتِ واحدة من تلك الوسائد».
قال: «كيف هو؟».
قالت: «جرِّبه».
نظر من حوله. كان المنزل مظلماً.

قال: «أشعر بالسُّخف. من الأفضل أن نرى إذا كان يوجد أحد في البيت».
نطَّت على السَّرير.
قالت: «جربه أولاً».
استلقى على السَّرير ووضع الوسادة تحت رأسه.
قالت الفتاة: «كيف يبدو؟».
قال: «يبدو متيناً».
التفتت جانبياً ووضعت يدها على وجهه.
قالت: «قبِّلني».
قال: «لننهض».
قالت: «قبِّلني».
أغمضت عينيها. عانقته.
قال: «سأرى إذا كان يوجد أحد في المنزل».
لكنه استقام في جلسته ولزم مكانه، يتظاهر بأنه كان يشاهد التلفاز.
أضيئت المصابيح في المنازل على امتداد الشَّارع.
قالت الفتاة: «أما كان له أن يكون مسلياً إذا…» كشَّرت ولم تنهِ كلامها.
ضحك الفتى، ليس لسبب وجيه. ودون سبب وجيه أضاء مصباح القراءة.
طردت الفتاة بعوضة، وعند ذاك نهض الفتى وسوَّى قميصه داخل بنطاله.
قال: «سأرى إذا ما كان هناك أحد في البيت. لا أظن أنه يوجد أحد. لكن إذا كان، سأرى كيف تسير الأمور».
قالت: «مهما طلبوا، اعرض مبلغاً أقل بعشرة دولارات. إنها دوماً فكرة سديدة. وعدا ذلك لا بد أن يكونوا يائسين أو شيء ما».
قال الفتى: «إنه تلفاز جيد للغاية».
قالت الفتاة: «اسألهم عن الثَّمن».
سار الرجل على الرَّصيف يحمل في يده كيس مشتريات. معه شطائر وبيرة وويسكي. رأى السَّيارة في الدَّرب الخاص بمنزله والفتاة على السَّرير. رأى التلفاز يعمل والفتى على الشُّرفة.
قال الرجل للفتاة: «مرحباً. وجدتِ السَّرير. هذا جيد».
قالت الفتاة: «مرحباً» ونهضت. مهَّدت السَّرير وأضافت: «كنت أجربه فقط. إنه سرير جيد جداً».
قال الرجل: «إنه سرير جيد». وضع الكيس وأخرج البيرة والويسكي.
قال الفتى: «اعتقدنا أنه لا يوجد أحد. نحن مهتمان بالسَّرير وربما بالتلفاز والمكتب».
«كم تريد ثمناً للسرير؟».
قال الرجل: «كنت أفكر بخمسين دولاراً مقابل السَّرير».
سألت الفتاة: «هل توافق على بيعه بأربعين؟».

قال الرجل: «حسنًا سآخذ أربعين».
أخرج كأساً من الصُّندوق. نزع الصحيفة عنه. وفتح سدادة زجاجة الويسكي.
قال الفتى: «ماذا عن التلفاز؟».
«خمس وعشرون».
قالت الفتاة: «هل تقبل بخمسة عشر؟».
قال الرجل: «لا بأس بخمسة عشر. يمكنني القبول بخمسة عشر».
نظرت الفتاة إلى الفتى.
قال الرجل: «أيها الولدان، هل تريدان شراباً. الكؤوس في الصُّندوق. أنا سأجلس. سأجلس على الأريكة».
جلس الرجل على الأريكة، استند إلى الوراء، وحدَّق بالفتى والفتاة.
عثر الفتى على كأسين وصبَّ الويسكي.
قالت الفتاة: «هذا يكفي. أظن أني أريد أن أضيف الماء إلى كأسي».
سحبت كرسياً وجلست إلى طاولة المطبخ.
قال الرجل: «يوجد ماء في الحنفية هناك».
«أدر تلك الحنفية».
عاد الفتى بالويسكي بعدما أضاف إليه الماء. تنحنح وجلس إلى طاولة المطبخ. كشَّر. لكنه لم يشرب شيئاً. تدافعت طيور في الجو سعياً وراء الحشرات، طيور صغيرة تحركت بسرعة قصوى.

حدَّق الرجل بالتلفاز. أنهى شرابه وصبَّ آخر، وعندما مدَّ يده ليشعل المصباح الأرضي وقعت سيجارته من بين أصابعه وحطَّت بين الوسائد.
نهضت الفتاة وساعدته على ايجادها.
قال الفتى للفتاة: «إذن ماذا تريدين؟».
أخرج الفتى دفتر الشِّيكات وألصقه بشفتيه كما لو أنه يفكر.
قالت الفتاة: «أريد المكتب. كم ثمن المكتب؟».
لوَّح الرجل بيده إزاء هذا السُّؤال السَّخيف.
قال: «قولي رقماً».
نظر إليهما حيث هما جالسان إلى الطاولة. في ضوء المصباح، كان هناك أمر في وجهيهما. لم يعرف بالضَّبط فيما إذا كان لطيفاً أو كريهاً.
قال الرجل: «سوف أطفئ هذا التلفاز وأشغِّل المسجلة. هذه المسجلة للبيع أيضاً. رخيصة. قدم لي عرضاً».
صبَّ المزيد من الويسكي وفتح علبة بيرة.
«كل شيء للبيع».
مدَّت الفتاة كأسها وصبَّ الرجل الشَّراب.
قالت: «شكراً لك. أنت لطيف للغاية».

قال الفتى: «سوف تثملين. لقد أسكَرتني». رفع كأسه وهزَّه.
أنهى الرجل شرابه وصبَّ آخر، ثم وجد صندوق التَّسجيلات.
قال الرجل للفتاة: «اختاري شيئاً» ومدَّ التسجيلات نحوها.
كان الفتى يكتب الشِّيك.
قالت الفتاة وهي تلتقط شيئاً: «هنا»، كانت تلتقط أي شيء لأنها لم تتعرف إلى الأسماء المكتوبة على هذه التسجيلات. نهضت عن الطاولة وجلست ثانية. لم ترغب في أن تظل ساكنة.
قال الفتى: «سأجعل الشِّيك صالحاً للدفع نقداً».
قال الرجل: «بالتأكيد».
شربوا. وأصغوا إلى التَّسجيل. من ثمَّ وضع الرجل تسجيلاً آخر.
قرر أن يقول، لماذا لا ترقصان؟ من ثم قالها: «لماذا لا ترقصان؟»
قال الفتى: «لا أظنُّ ذلك».
قال الرجل: «هيا. إنها حديقتي الخاصَّة. يمكنكما الرقص إذا كنتما ترغبان بذلك».
ذرع الفتى والفتاة الدَّرب جيئة وذهاباً متعانقين، ينضغط جسد كل منهما على جسد الآخر. كانا يرقصان. وعندما انتهى التَّسجيل، أعاداه ثانية، وعندما انتهى ذلك التسجيل قال الفتى: «أنا ثمل».
قالت الفتاة: «أنت لست ثملة».

قال الفتى: «حسناً، أنا ثمل».
قلب الرجل الأسطوانة وقال الفتى: «أنا كذلك».
قالت الفتاة للفتى: «ارقص معي». من ثم للرجل، وعندما وقف الرجل تقدمت منه بذراعين مفتوحتين.
قالت: «هؤلاء الناس هناك إنهم يشاهدون».
قال الرجل: «لا بأس. إنه بيتي. يمكننا أن نرقص».
قالت الفتاة: «دعهم يراقبون».
قال الرجل: «هذا صحيح. اعتقدوا أنهم رأوا كل شيء هنا. لكنهم لم يروا هذا، هل فعلوا؟».
شعر بأنفاسها على عنقه وقال: «آمل أن يعجبك سريرك».
أغمضت الفتاة عينيها ثم فتحتهما. أقحمت وجهها في كتف الرجل. وقرَّبت الرَّجل منها أكثر.
قالت: «لا بد أن تكون يائساً أو شيء ما».
قالت بعد أسابيع: «كان الرجل في خريف العمر تقريباً. كل أشيائه هناك في حديقة منزله. صدقاً. ثملنا ورقصنا. في الدَّرب. أوه يا إلهي. لا تضحك. شغَّلَ لنا تلك التسجيلات. انظر إلى هذه المُسجلة. أعطاها لنا الرجل المسنّ. تلك التَّسجيلات الرَّديئة أيضاً. هلَّا نظرت إلى هذا الهراء؟».
تحدَّثت دون توقف. أخبرت الجميع. كان هناك أكثر من ذلك، لكنها لم تتمكن من البوح بكلِّ شيء. كفَّت عن المحاولة بعد حين.

ملاحظة: سبق أن نشرت هذه الترجمة في ملحق كلمات الصادر مع جريدة الأخبار اللبنانية في أحد أعداد شهر شباط العام 2017. القصة من المجموعة القصصية “ما الذي نتحدث عنه عندما نتحدث عن الحب”.

غي دو موباسان-اسحق بابل.

غي دو موباسان-إساك(اسحق) بابل
ترجمة عن الإنكليزية
أماني لازار


غي دو موباسان-إساك(اسحق) بابل
ترجمة عن الإنكليزية
أماني لازار
في شتاء العام 1916 وجدت نفسي في بطرسبرغ معدماً مع وثائق مزورة. آواني الكسي كازانتسيف وهو مدرس لفقه اللغة الروسية.
كان يقيم في شارع شديد البرودة، وشاحب، وكريه الرائحة في بيسكي . عمل في الترجمة عن اللغة الاسبانية كي يزيد من دخله الضَّئيل – في تلك الأيام التي كان فيها نجم بلاسكو ايبانيز في صعود.
لم يكن قد سبق لكازانتسيف أن زار اسبانيا قط ولو حتى مرة واحدة، لكن كيانه بالكامل كان يفيض بالحب للبلد- عرف كل قلعة اسبانية، وكل متنزه ونهر. فيما عداي، توافد عليه عدد كبير من الرجال والنساء الذين تقطعت بهم سبل الحياة. عشنا في فقر مدقع. ظهرت من حين إلى آخر المواد التي كتبناها حول الأحداث الجارية في الصحافة الشعبية بشكل غير ملحوظ.
تسكعت في الصَّباحات في معارض الجثث ومخافر الشُّرطة. لكن كان كازانتسيف أسعدنا جميعاً. كان لديه الوطن الأم اسبانيا.
في شهر نوفمبر عُرض عليَّ العمل ككاتب في مصنع الاوبوخوفسكي ، ليس عملاً سيئاً، جالباً معه استثناء من التجنيد الاجباري.
رفضت أن أصبح كاتباً.
حتى في تلك الأيام وكنت في العشرين من عمري، قلت لنفسي: أن أعاني الجوع والسِّجن والتَّشرد أفضل من الجلوس إلى مكتب كاتب عشر ساعات في اليوم. لا ينطوي هذا العهد الذي أخذته على نفسي على جرأة استثنائية لكني لم أحنث به حتى يومي هذا، ولن أفعل. كانت حكمة أسلافي راسخة في: كنا مفطورين على التمتع بالعمل والقتال والحب. لهذا السبب ولدنا وليس لأي شيء سواه.
ربَّت كازانتسيف على شعره الأصفر القصير وهو يصغي إلى موعظتي. كان الرعب في عينيه ممزوجاً بالنشوة. ابتسم الحظ لنا في عيد الميلاد. قرر بينديرسكي وهو محام كان يملك داراً للنشر تدعى هيلسيون، أن يصدر طبعة جديدة من أعمال موباسان. كان مزمعاً أن تعمل زوجته، وتدعى رايسا، على الترجمة. لكن لم يكن قد تأتى شيء بعد عن المشروع الكبير.
سئل كازانتسيف بصفته مترجماً عن اللغة الاسبانية إذا ما كان يعرف أحداً يمكنه مساعدة رايسا ميخايلوفنا. فاقترح كازانتسيف اسمي.
انطلقت في اليوم التالي إلى دارة آل بيندرسكي متشحاً برداء رجل آخر. كانوا يقيمون في ملتقى شارع نيفسكي بروسبكت بنهر مويكا، في منزل مبني من الغرانيت الفنلندي المزين بالأعمدة الزهرية، وكوى في الجدران، وشعارات النبالة. قبل الحرب كان مصرفيون يهود ممن ليس لديهم عائلة أو ذرية، متحولين إلى المسيحية ممن اغتنوا من المهنة قد أشادوا عدداً كبيراً من مثل هذه القلاع المبتذلة الزائفة المهابة في بطرسبرغ.
امتدت سجادة حمراء على الدَّرجات. انتصبت دببة محشوة على قوائمها الخلفية على سفرات الأدراج. شعَّت مصابيح كريستالية في فكوكهم المفتوحة على اتساعها. أقامت عائلة بيندرسكي في الطابق الثَّالث. فتحت خادمة ذات نهدين بارزين الباب معتمرة قلنسوة بيضاء. قادتني إلى غرفة الجلوس المزينة على طراز سلافي قديم. عُلقت على الجدران لوحات زرقاء رسمها روريتش ، وصخور من عصور ما قبل التاريخ، ووحوش. كانت أيقونات عتيقة معروضة على مناصب صغيرة في كل ركن من الأركان. تحركت الخادمة ذات الثديين البارزين في أرجاء الغرفة بشكل رسمي. كانت ذات بنية قوية، حسيرة البصر، ومتكبرة.
كانت الغواية قد تجمَّدت في عينيها الرماديتين المفتوحتين على اتساعهما. كانت تحركاتها متثاقلة. فكرت كيف أنها لابد تجامع بخفة ضارية أثناء ممارستها للحب. تمايلت السِّتارة المزركشة التي تدلت على الباب. دخلت غرفة المعيشة امرأة زهرية العينين سوداء الشَّعر يتقدمها ثدياها الكبيران، لم أستغرق من الوقت سوى لحظة لأرى أن عائلة بينديرسكايا كانت واحدة من تلك السُّلالة السَّاحرة ليهود كييف أو بولتافا، من البلدات المتخمة بالسُّهوب الزاخرة بأشجار الأكاسيا وكستناء الحصان. تحوِّل هاتيك النسوة نقود أزواجهن الدُّهاة إلى دهن زهري وفير على بطونهن ومؤخرات أعناقهن وأكتافهن المدورة. ابتساماتهن الناعسات رقيقة وماكرة تثير جنون ضباط الحاميات العسكرية.
“موباسان هو شغف حياتي الوحيد”، قالت لي رايسا.
غادرت الغرفة وهي تكافح كي تكبح تأرجح وركيها العريضين، وعادت بترجمتها لـ”الآنسة هارييت”. لم يكن في الترجمة أي أثر لنثر موباسان المنساب بطلاقة بالإضافة إلى روح الشَّغف القوية التي يتحلى بها. كتبت بينديرسكايا بسداد جامد ومرهق وافتقرت للأسلوب- نحو ما اعتاد اليهود في الماضي أن يكتبوا اللغة الروسية.
أخذت المخطوط معي إلى البيت إلى علية كازانتسيف حيث كنت أعمل طوال الليل بين أصدقائه النائمين على تصحيح قسط كبير من ترجمة بينديرسكايا. هذا العمل ليس سيئاً إلى الدَّرجة التي قد يبدو عليها. عندما تولد عبارة، فإنها جيدة وسيئة في الوقت نفسه. يكمن سرُّ نجاحها في نقطة أساسية ليست قابلة للإدراك إلا بالكاد. لابد لأنامل المرء أن تمسك بالمفتاح وتسخنه برفق. ثم لابد أن يدار المفتاح مرة واحدة وليس اثنتين.
في الصَّباح التالي أعدت المخطوطة المصححة. لم تكن رايسا قد كذبت بتحدثها عن شغفها بموباسان. جلست متحجرة وأنا أقرأ لها، يداها مشبوكتان معاً. تدلت ذراعاها الناعمتان نحو الأرض، شحبت جبهتها وانحرف الرباط بين نهديها المكابرين وارتجف.
“كيف فعلت هذا؟”
حدَّثتها عن الأسلوب، عن جحفل الكلمات، جيش تنتشر فيه كل أنواع الأسلحة. لا يمكن لمسمار حديدي أن يخرق قلباً بشرياً ببرودة كما تفعل النقطة في المكان الصحيح. أصغت برأس مائل وشفتيها المطليتين منفرجتين. شعَّ وميض أسود في شعرها الملمع، المفروق والمشدود إلى الخلف بنعومة. كانت ساقاها المجوربتان ببطتيهما القويتين الرقيقتين منغرستين على السَّجادة وهما متباعدتين.
جلبت الخادمة الفطور على صينية مشيحة بعينيها اللتين تحجرت الغواية فيهما.
اتكأت شمس بطرسبورغ الزجاجية على السَّجادة الباهتة غير المستوية. وضع تسعة وعشرون كتاباً لموباسان على رف فوق الطاولة. مسَّت الشَّمس بأصابعها الذائبة أغلفة الكتب المصنوعة من الجلد المغربي -سرداب القلب البشري العظيم.
قُدمت لنا القهوة في فناجين صغيرة زرقاء وبدأنا نترجم “ايديل”. من في وسعه أن ينسى حكاية النجار الشَّاب الجائع يمتص الحليب من النهدين الغامرين للمرضعة السَّمينة. حدث هذا على متن قطار ذاهب من نيس إلى مرسيليا في ظهيرة قائظة في أرض الزهور حيث تمتد بساتين الورد نزولاً حتى شواطئ البحر.
غادرت منزل آل بينديرسكي ومعي خمسة وعشرين روبلاً كدفعة على الحساب. تلك الأمسية سكرنا جميعاً في بيسكي كما لو أننا سرب من الإوز السَّكران. غرفنا من أفضل أنواع الكافيار وألحقناه بالسُّجق المحشو بالكبد. بدأت أتشدق عن تولستوي وقد زاد المشروب من غلواي.
“لقد أصابه الهلع، كونتنا فعل! لقد افتقر للشجاعة! لقد كان خوفاً ذلك الذي دفعه لكي يتحول إلى الدين! خائفاً من الشيخوخة الباردة، خاط الكونت لنفسه قميصاً من العقيدة!”
“تابع”، قال كازانتسيف وهو يهز رأسه الشبيه بالطائر.
غلبنا النوم فرقدنا على الأرض قرب سريرينا. حلمت بكاتيا، المرأة الغسَّالة ذات الاثنين وأربعين ربيعاً التي أقامت في الطابق الذي يقع تحت طابقنا. كنا نذهب في الصباحات ونجلب الماء المغلي من عندها. لم يسبق لي أن نظرت ملياً في وجهها مطلقاً، لكن في حلمي كاتيا وأنا فعلنا ما لا يعلمه إلا الله. استنفد واحدنا الآخر بالقبلات. الصباح التالي لم أتمكن من مقاومة الرغبة في الذهاب إليها للحصول على الماء المغلي.
تقابلت وجها لوجه مع امرأة ذاوية، شال مربوط عبر صدرها وخصلات مجعدة شعثاء شائبة ويدين مشبعتين بالماء.
منذ ذلك الحين تناولت الفطور يومياً في منزل آل بينديرسكي. صار لدينا الآن في عليتنا موقد جديد، سمك مملح، وشوكولا. قادتني رايسا مرتين نحو الجزر . لم أتمكن من مقاومة إخبارها عن طفولتي. وقد تفاجأتُ أن حكايتي بدت محزنة. حدقت عيناها المفزوعتان المتلألئتان فيَّ من تحت قبعتها المصنوعة من الفراء. ارتعشت شعيرات أهدابها المحمرة بحزن.
التقيت بزوج رايسا وهو يهودي شاحب الوجه أصلع وله جسد قوي معروق بدا على الدوام مستعداً كي يندفع في الهواء.
كان هناك شائعات عن أنه كان مقرباً من راسبوتين. المكاسب التي حققها من الإمدادات العسكرية منحته منظر رجل مختل. سرحت عيناه – كان نسيج واقعه ممزقاً. كانت رايسا محرجة من تقديم زوجها لأناس جدد، لأني كنت شاباً استغرقني من الوقت أسبوع أكثر مما ينبغي لأدرك هذا.
بعد رأس السَّنة جاءت أختا رايسا من كييف. ذهبت ذات يوم إلى منزلها مع مخطوط “الاعتراف” ولما لم أجدها هناك مررت ثانية في المساء. كانوا في غرفة الطعام إلى طاولة العشاء. سمعت صلصلة أدوات المائدة وقصف أصوات الرجال المبتهجة بإفراط. تناول الطعام عاصف على الدوام في المنازل الثرية التي تفتقر للأصالة. كان صخبهم يهودياً، مع جلجلة الرعد وزخارف لحنية. خرجت رايسا لملاقاتي في فستان سهرة عاري الظهر. ترنحت قدماها في حذاء جلدي مفتوح متمايل.
“أوه كم أنا ثملة!” ومدت ذراعيها المكسوتين بسلاسل من البلاتينيوم ونجوم زمردية.
تمايل جسدها مثل جسد حية تنهض على صوت الموسيقى نحو السَّقف. هزت رأسها ذو الشَّعر المجعد، رنت خواتمها، وفجأة هبطت في كرسي ذو نقش روسي عتيق. ومضت ندب على ظهرها المطلي بالمساحيق.
سمعت فرقعة أخرى من ضحك النساء في الغرفة قرب الباب. جاءت من غرفة الطعام أختاها بشاربيهما الصَّغيرين، مثلهما مثل رايسا في طول القامة وحجم النهدين. كانت نهودهما مندفعة إلى الأمام، انسدل شعرهما الأسود حراً. كانتا كلتاهما متزوجتين من رجلين من آل بينديرسكي. امتلأت الغرفة بالحيوية الأنثوية المتنقلة، حيوية نساء ناضجات. لف الأزواج الأخوات بمعاطف من جلد الفقمة، بشالات اورنبيرغ وألبسوهن أحذية سوداء. كانت خدودهن الملتهبة المحمرة، أنوفهن الرخامية، وعيون ببريق سامي حسير تبدو للعيان من حجب شالاتهن الثلجية. بعد القليل من الضجة الحية غادروا إلى المسرح حيث شالايبين كان يظهر في جوديث.
“أريد أن أعمل”، قالت رايسا بغير وضوح وهي تمد ذراعيها العاريتين. “لقد هدرنا الأسبوع بكامله”.
جلبت قنينة وكأسين من غرفة الطعام. تراخى نهداها بحرية في فستانها الحريري الفضفاض. تصلبت حلمتاها وقد اعترض الحرير طريقهما.
“خمر معتقة غالية”، قالت رايسا وهي تصب النبيذ. “نبيذ موسكاتل 83 . سيقتلني زوجي عندما يعرف!”
لم يسبق لي من قبل قط أن شربت موسكاتل 83 ولم أتردد في إفراغ ثلاث كؤوس واحداً بعد الآخر. كنت في الحال مدفوعاً نحو شارع صغير جانبي حيث رفرف لهب برتقالي وعزفت الموسيقى.
“أوه كم أنا ثمل… ماذا سنفعل اليوم؟”
“اليوم سنعمل على l’ aveu “.
بمعنى آخر “الاعتراف”. بطلة هذه الحكاية هي الشَّمس، Ie soleil de France. قطرات براقة من الشَّمس تنحدر على سيليستي الصهباء لتتحول إلى نمش. نبيذ، شراب التفاح، والشَّمس بأشعتها الحادة صقلت وجه بوليت الحوذي. مرتين في الأسبوع قادت سيليستي إلى البلدة لتبيع القشدة والبيض والدجاج. دفعت لبوليت عشرة بنسات مقابل التوصيلة وأربعة لحمل سلتها. وفي كل مرة غمزها بوليت وسأل، “متى سوف نحظى ببعض المرح يا جميلتي؟”
“ماذا تعني بذلك يا سيد بوليت؟”
“أن نمرح تعني أن نحظى بالمرح، اللعنة!” شرح بوليت وهو يتنطط على المقعد. “رجل وامرأة، لا حاجة للموسيقى!”
“لا أحب هذا النوع من المزاح يا سيد بوليت”، أجابت سيلستي وسحبت طيات ثوبها التي تدلت على بطتي ساقيها القويتين المكسوتين بالجوارب الحمراء بعيداً عن الشاب.
لكن بوليت الشيطان ظل يقهقه ويسعل. “سوف نمرح ذات يوم يا جميلتي!” وسالت دموع الفرح على وجهه الذي كان بلون الدم الأحمر الصدئ والنبيذ.
شربت كأسا أخرى من موسكاتيل الغالي. قرعت رايسا كأسها بكأسي.
عبرت الخادمة ذات العينين المتجمدتين الغرفة واختفت.
Ce diable de Polyte …خلال مدة سنتين دفعت سيليستي له ثمانية وأربعين فرنكاً. أقل من خمسين بفرنكين! ذات يوم في نهاية السنة الثانية عندما كانا وحيدين معاً في العربة، بوليت الذي كان قد شرب قليلاً من شراب السيدر قبل أن ينطلقا سألها كعادته، “ماذا عن بعض المرح اليوم يا آنسة سيليستي؟”
“أنا في خدمتك يا سيد بوليت”.
ضحكت رايسا بصوت مرتفع وهي تهبط على الطاولة. هذا الشيطان بوليت.
كانت العربة مربوطة إلى فرس بيضاء. مشت الفرس البيضاء مشية بطيئة، شفتاها زهريتان بسبب الشيخوخة. احتوت شمس فرنسا المتهللة العربة المعزولة عن العالم بغطاء بني شاحب. الشاب والفتاة لم يكونا بحاجة إلى الموسيقى.
ناولتني رايسا كأساً. كانت الخامسة.
“نخب موباسان، شيخي !”
“ألن نحظى ببعض المرح اليوم يا جميلتي؟”
اقتربت من رايسا وقبلتها على الشفتين. ارتعشتا وانتبجتا.
“أنت مضحك للغاية”، تمتمت رايسا عبر أسنانها، متداعية إلى الوراء.
ضغطت نفسها على الجدار فاردة ذراعيها العاريتين.
توهجت لطخ على ذراعيها وكتفيها. كانت الأكثر فتنة من بين جميع الآلهة التي صلبت.
“تحلى باللطف واجلس يا سيد بوليت”.
أشارت إلى الكرسي السلافي الأزرق المضطجع. كان ظهره مصنوعاً من خشب منقوش مضفور كانت حواشيه مطلية. تعثرت نحوه.
اعترض الليل طريق شبابي بقنينة من موسكاتل 83 وتسعة وعشرين كتاباً، تسعة وعشرين منجنيق محشوة بالشَّفقة والعبقرية والشغف. وثبت فخبطت بالكرسي واصطدمت بالرف. راح تسعة وعشرون مجلداً تتساقط على السجادة، ووقعت على كعبها، صفحاتها تتطاير بجموح… ومشت فرس قدري البيضاء الهوينى.
“أنت مضحك للغاية”، دمدمت رايسا.
غادرت منزل الغرانيت على قناة المويكا بعد الحادية عشرة تماماً قبل أن يعود زوجها وأختاها من المسرح. كنت صاحياً وكان بوسعي أن أمشي باتزان لكن التعثر كان أفضل بكثير وتمايلت من جانب إلى آخر مغنياً بلغة اخترعتها للتو.
تدحرجت غشاوات الضباب في موجات عبر أنفاق الشوارع المطوقة بسلسلة من مصابيح الشارع. زأرت وحوش خلف الجدران المضطربة. جرحت الطرق السيقان التي سارت عليها.
في البيت كان كازانتسيف نائماً. نام جالساً، امتدت ساقاه المنهكتان في حذاء من اللباد. كان شعره الأشقر منفوشاً على رأسه. كان قد غط في النوم قرب الموقد محدباً على طبعة 1624 من دون كيشوت. كان هناك إهداء على صفحة الغلاف لدوك دو بروجليو. استلقيت بهدوء كي لا أوقظ كازانتسيف، سحبت المصباح نحوي وبدأت أقرأ كتاب ادوارد دو مانيال حياة وأعمال غي دو موباسان .
تحركت شفتا كازانتسيف وتدلى رأسه إلى الأمام.
تلك الليلة علمت من ادوارد دو مانيال أن موباسان ولد في العام 1850 لرجل نبيل نورماندي ولورا لو بواتيفيري، ابنة عم فلوبير. في عمر الخامسة والعشرين هاجمه مرض السيفلس الخلقي لأول مرة. قاتل المرض بكل ما يملك من عزم وحيوية. عانى في البداية من آلام الرأس ونوبات الوسواس. ثم لاح له شبح العمى. أصبح بصره أضعف. تطورت أعراض البارانويا، الانطواء، والعدوانية. كابر بشغفه، دار حول البحر الأبيض المتوسط على يخته، سافر إلى تونس والمغرب وإفريقيا الوسطى وكتب دون توقف.
بعد أن اكتسب الشهرة، قطع حنجرته في عمر الأربعين، نزف بغزارة لكنه عاش. حبسوه في مشفى للمجانين. زحف على أربعته وأكل غائطه. تعلن آخر تدوينة في تقريره الطبي المحزن: “السيد دو موباسان ينحلُّ إلى حالة حيوانية”. مات في الثانية والأربعين من عمره. عمَّرت أمه أكثر منه.
قرأت الكتاب كاملاً حتى النهاية ونهضت من سريري. كان الضباب قد وصل إلى النافذة مخفياً الكون. انقبض قلبي. كنت متأثراً بواجس الحقيقة.

الهوامش:

  1. من ضواحي بطرسبرغ الفقيرة.
  2. فيسنتي بلاسكو إيبانيز، 1867-1928، كان روائياً إسبانياً وسياسياً مناهضاً للملكية. كانت رواياته، بموضوعاتها المتعلقة بالحرب والظلم الاجتماعي، تحظى بشعبية خاصة في روسيا السوفيتية.
  3. مصانع للصلب تأسست في عام 1863. كان للعاملين فيها والذين بلغ عددهم ما يقرب من اثني عشر ألف عاملاً دوراً مهماً في الثورة.
  4. كان نيكولاي كونستانتينوفيتش رويريتش، 1874-1947، رساماً روسياً وصوفياً مشهوراً. اكتسب شهرة عالمية لمجموعاته التي صممها لفرقة دياجيليف الباليه الروسية.
  5. جزر النيفا وخليج فنلندا التي بنيت عليها سان بطرسبرغ.
  6. شالات من الدانتيل الرقيق، كانت مألوفة في روسيا في ذلك الوقت، كانت تحاك من صوف على يد تتار اورنبرغ .
  7. t Chaliapin ، مغني الأوبرا الشهير (1820-1871). جوديث أوبرا من تأليف ألكسندر نيكولايفيتش سيروف.
  8. ذلك اللعين بوليت.
  9. بالفرنسية في الأصل.
  10. نشر كتاب حياة وعمل غي دو موباسان من قبل جمعية ميركوري الفرنسية 1906.
  11. إسحق ايمانويلفيتش بابل 1894 – 1940 كان كاتباً روسياً، ولد في أوديسا، توفي في سجن بيتالك، عن عمر يناهز 46 عاماً، رمياً بالرصاص.

يمكن الاستماع إلى القصة بصوتي على ساوند كلاود على الرابط التالي:
https://soundcloud.com/amani-lazar/iviw3fpzqwog

كما يمكنكم الاستماع إليها على يوتيوب على الرابط التالي

فرار أبي الأخير- برونو شولتز

حدث ذلك في الفترة المتأخِّرة والبائسة من اضطراب كلي، إبَّان سدادنا لديون عملنا. رُفعت اللافتة التي تعلو متجرنا، أنزلت المصاريع حتى المنتصف، وكانت أمي داخل المتجر تباشر تجارة غير مرخصة بالمخلفات. سافرت آديلا إلى أمريكا وسرت شائعة عن غرق المركب الذي أبحرت على متنه وعن هلاك جميع ركابه. لم نستطع التَّأكد من صحتها، لكن فقدنا كل أثر للفتاة ولم نسمع عنها مجددًا أبدًا. بدأت حقبة جديدة فارغة، رصينة، وكئيبة، مثل صفحة ورق بيضاء. كانت المستخدمة الجديدة، جينيا، تعاني من فقر الدَّم، ترتحل بين الغرف، شاحبة وضعيفة. تتلوَّى عندما يربِّت أحد على ظهرها وتتمدد مثل أفعى، أو تخرخر مثل قطَّة. بشرتها بيضاء شاحبة اللون وحتى بطانة جفنيها كانت بيضاء اللون. كانت شديدة الذُّهول حتى أنها حضَّرت أحيانًا صلصة بيضاء من رسائل وفواتير قديمة: كانت مثيرة للغثيان وغير صالحة للأكل.
كان أبي حينئذٍ ميتًا بلا شك. حدث أن احتضر عدة مرات، لطالما ترافقت بشكوك دعتنا إلى إعادة النظر في موقفنا من حادثة وفاته. وكان لهذا مزاياه. جعلنا أبي نألَف موته بتجزئته إلى دفعات. تدريجًا، لم نعد نبالي بعودته التي كانت تزداد قصرًا وتعاسة في كلِّ مرة. كانت قسماته قد تبعثرت في جميع أنحاء الغرفة التي عاش فيها وكانت تتبرعم فيها، مبتكرة في بعض الأماكن صورًا غريبة من التشابهات، كانت معبِّرة إلى حٍّد بعيد. بدأ ورق الجدران في عدة أماكن يحاكي عِرَّته العصبية الاعتيادية، اتخذت تصاميم الزهور شكل ابتسامته الكئيب، متناظرة مع النقش المتحجِّر لحيوان مفصلي منقرض. لفترة من الوقت، منحنا مساحة واسعة لمعطفه المصنوع من الفراء المبطَّن بجلد الظربان. فاحت رائحة المعطف المصنوع من الفراء. عبر به ذعر الحيوانات الصَّغيرة المدروزة إلى بعضها البعض، يتشبَّث واحدها بالآخر في تيارات ضعيفة، وضاع في طيَّات الفراء. إذا ما قرَّب المرء أذنًا منه، قد يسمع تناغم الخرخرة الشجيَّة الصَّادرة عن الحيوانات أثناء نومها. صمد أبي سنوات عديدة في هذا الشَّكل المدبوغ جيدًا وسط الرائحة الخفيفة للظربان، القتل، والتزاوج الليلي. لكنه لم يدم.
عادت أمي ذات يوم من البلدة مغتمةً. قالت: “انظر يا جوزيف، يا للصدفة السَّعيدة. ضبطته على الدَّرج يقفز من درجة إلى أخرى”-ورفعت المنديل الذي يغطي شيئًا في طبق. تعرَّفت إليه في الحال. كان التشابه صادمًا بالرغم من أنه كان حينها سرطانًا أو عقربًا كبيرًا. تبادلتُ وأمي النظرات: كان التشابه لا يصدق بالرغم من التحول في الشكل.
سألت: “هل هو حي؟”.
قالت أمي: “بالتأكيد. بالكاد يمكنني الإمساك به. سأضعه على الأرض”.
وضعت الطبق أرضًا، وانحنينا عليه وراقبناه عن كثب. كان يوجد مكان مجوف بين قوائمه العديدة المقوسة التي كان يحركها قليلاً.
بدت ملاقطه المرفوعة ومجسَّاته تصيخ السَّمع، أملتُ الطبق وسار أبي على الأرض باحتراس وبشيء من التردد. وحالما مسَّ السَّطح المستوي تحته، انطلق فجأة بجميع قوائمه في حين أصدرت مفاصله صوت طقطقة. أعقته فتعثر متحققًا من العقبة بمجساته، ثم رفع ملاقطه واستدار جانبياً، جعلناه يجري في الاتجاه الذي اختاره حيث لم يكن من أثاث ليتخذ منه ملجأ، يركض في اختلاجات متموجة على قوائمه الكثيرة، وصل إلى الجدار وقبل أن نتمكَّن من إيقافه ركض برشاقة متسلقًا إياه، دون أن يتوقف في أي مكان، نفرت مرتجفًا على نحو غريزي وأنا أراقب تقدمه على ورق الجدران. في هذه الأثناء بلغ أبي خزانة صغيرة في المطبخ، تعلق للحظة بحافتها مختبرًا المجال بملاقطه، ثم دخلها زاحفًا.
كان يعيد استكشاف الشَّقة من وجهة نظر سرطان، يظهر أنه تحسس جميع الأشياء بواسطة حاسة الشم لديه فعلى الرغم من تفحُّص دقيق لم أجد أي عضو بصري لديه. بدا أنه يراعي الأشياء التي تعترض طريقه بحذر، متوقفًا ليتحسسها بمجساته، ثم يحتضنها بملاقطه، كما لو ليختبرها ويتعرَّف إليها، ليغادرها بعد حين ويواصل سيره جارًا جوفه وراءه يعلو الأرض بقليل، وهذا ما فعله مع قطع الخبز واللحم التي كنا نرميها له على الأرض، آملين أن يأكلها، كان يتفحصها لا مباليًا ويواصل السَّير جاهلاً أنها صالحة للأكل.
قد يستنتج المرء من خلال مراقبته لهذا الاستطلاع الصبور للغرفة أنه يبحث، بحثًا حثيثًا، عن شيء ما دونما كلل. يجري من حين إلى آخر نحو زاوية المطبخ، زاحفًا تحت برميل الماء الذي كان يرشح، ويشرب من بركة صغيرة.
أحيانًا اختفى لأيام متواصلة. بدا أنه يتدبر أمره تمامًا بغير طعام، لكن هذا لم يبدُ أنه يقلل من حيويته. بمزيج من الخزي والاشمئزاز أخفينا نهارًا خوفنا السِّري من زيارته لسريرنا ليلًا. لكن هذا لم يحدث أبدًا، بالرغم من أنه قد يتجول في النهارات على الأثاث، إلا أن البقاء في الفراغات بين الخزائن والجدار راق له بشكل خاص.
لم نستطع أن نغضَّ الطَّرف عن عدة مظاهر من التعقل وحس دعابة أيضًا. فعلى سبيل المثال لم يتلكأ أبي أبدًا عن الظهور في غرفة الطعام أثناء الوجبات، بالرغم من أن مشاركته فيها كانت بحت رمزية. إذا صودف أن كان باب غرفة الطعام مغلقاً أثناء تناول وجبة العشاء، وقد ترك في الغرفة المجاورة، خربش أسفل الباب يجري جيئة وذهابًا على طول الفرجة حتى نفتحه له. تعلَّم مع مرور الوقت كيف يدخل ملاقطه وقوائمه من فرجة الباب السفلية وبعد عدة مناورات متقنة نجح أخيرًا في دس جسده عبرها جانبيًا ليدخل غرفة الطعام. بدا هذا مبعثاً لمتعته. ثم بعد ذلك قد يتوقف تحت الطاولة مستلقيًا بهدوء بجوف ينبض قليلًا، ولم نستطع تصوُّر ما قد تعنيه هذه النبضات الإيقاعية. ومع أنها بدت فاحشة وخبيثة لكنها عبَّرت في الوقت نفسه عن ارتياح صارخ وشهواني. كان كلبنا نمرود يقترب منه ببطء ودون اقتناع، يشتمه باحتراس ويعطس، ثم يبتعد بغير اكتراث دون أن يتوصل إلى أي استنتاجات.
كان التثبيط في عائلتنا يتنامى في هذه الأثناء. تنام جينيا طوال اليوم، يموج جسدها النحيل الضَّعيف مع أنفاسها العميقة. غالبًا ما كنا نجد في الحساء بكرات قطنية رمتها، غافلة، مع الخضار. كان متجرنا مفتوحًا ليل نهار باستمرار. عمليات بيع متواصلة حدثت في خضم مساومات معقدة ومباحثات. توَّج ذلك كله مجيء العم تشارلز للإقامة.
كان مكتئبًا وصامتًا على نحو غريب. أعلن متنهدًا عن قراره بتغيير طريقة عيشه بعد تجاربه الأخيرة التعسة وتكريس نفسه لدراسة اللغات. لم يخرج مطلقًا، بل ظلَّ حبيس الغرفة القصيَّة وقد أزالت جينيا منها جميع السجاجيد والسَّتائر، إذ لم يستسغ زائرنا وجودها. أمضى وقته في قراءة قوائم أسعار قديمة. حاول عدة مرات أن يدوس أبي بوحشية. طلبنا منه صارخين هلعًا أن يكفَّ عن ذلك. فيما بعد، اكتفى بابتسامة ساخرة لنفسه، في حين كان أبي يتسكع ويتفحَّص بعض البقع على الأرض غير مدرك للخطر الذي يحدق به.
كانت لأبي السَّريع والمتنقل كما عهده عندما كان يقف على قدميه، سمات جميع القشريات، فعندما كان ينقلب على ظهره يتجمد جمودًا شديدًا، ستشعر بالحزن والشَّفقة إذا ما رأيته وهو يحرك جميع قوائمه ويدور حول نفسه بعجز. كنا نرغم أنفسنا بصعوبة على النظر إلى آلية تركيبه البنيوي اللافتة والمخجلة إلى حدٍّ ما، المكشوفة تمامًا تحت البطن الممفصل الأجرد. في مثل تلك اللحظات لم يكن في وسع العم تشارلز منع نفسه عن أن يطأ أبي، وكنا نهرع لإنقاذه ببعض الأشياء التي في متناول اليد، فيتشبث بها بملاقطه ويستعيد سريعًا وقفته المعتادة، بعدئذ، في الحال، يشرع بجري خفيف متعرج، بسرعة مضاعفة كما لو أنه راغب في إلغاء ذكرى سقطته القبيحة.
يتعين عليَّ إرغام نفسي على رواية المأثرة، التي لا تصدَّق، رواية صادقة، ما زالت ذاكرتي تنتفض بسببها حتى الآن. حتى يومنا هذا لم أستطع فهم تحولنا إلى جناة عمدًا. لا بد من أن فاجعة غريبة أفضت بنا إلى ذلك، لأن القدر لا يتفادى الوعي أو الإرادة بل يجتاحهما في آليته، بحيث نكون قادرين على الاعتراف والقبول بأمور-كما لو في غيبوبة منومة-كانت لتملأنا رعبًا في ظل ظروف طبيعية.
بارتعاش شديد سألت أمي يائسًا مرارًا وتكرارًا: ” كيف أمكنك فعل ذلك؟ يا ليتها كانت جينيا من أقدم على ذلك-لكن أنت بنفسك؟” انتحبت أمي مقلِّبة راحتيها ولم تحر جوابًا. هل ظنَّت أن أبي سيكون أفضل حالًا؟ هل رأت في عملها الحل الوحيد لحالة ميؤوس منها، أو أنها أقدمت على ذلك عن خفة وطيش لا يمكن تخيلهما؟ عندما يختار القدر أن يفرض علينا أهواءه غير المعقولة، لديه ألف مكيدة. تعتيم مؤقت، لحظة سهو أو عمى كاف ليدس عمله عندما يتوجَّب الاختيار بين أمرين أحلاهما مر. بعد ذلك تأملنا طويلًا بإدراك متأخر ذلك الفعل شارحين دوافعنا، محاولين اكتشاف نوايانا الحقيقية، لكن ما فعلناه لا يمكن الرجوع عنه.
عندما جُلب أبي على طبق ثُبنا إلى رشدنا وفهمنا تمامًا ما الذي حدث. تمدد عريضًا ومنفوخًا بعد سلقه، رماديًا شاحبًا وقد صار هلاميًا. جلسنا في صمت وذهول. وحده العم تشارلز رفع شوكته نحو الطبق، لكنه وضعها من فوره مترددًا، ينظر نحونا شزرًا. أمرت أمي بحمله إلى غرفة الجلوس. فيما بعد وضع هناك على طاولة مغطاة بمفرش مخملي، إلى جانب ألبوم صور العائلة وصندوق سجائر موسيقي. معرضين عنه جميعًا، وضع هناك فقط.
لكن جولات والدي الأرضية لم تكن قد بلغت منتهاها بعد، والدُّفعة التالية-يتجاوز نطاق القصة الحدود المباحة-هي الأكثر إيلامًا على الإطلاق. لماذا لم يستسلم، لماذا لم يعترف بهزيمته عندما كان يملك أسباب الاعتراف جميعها، وعندما لم يعد في وسع القدر أن يوغل في إزعاجه مطلقًا أيضًا؟ بعد عدة أسابيع من السُّكون في غرفة الجلوس، استجمع قواه بطريقة ما وبدا أنه يتعافى ببطء. ذات صباح وجدنا الطبق فارغًا. قائمة ملقاة على حافته، انتشرت آثار فراره في صلصة طماطم متخثرة وهلام. وبالرغم من أنه كان مسلوقًا، تتناثر قوائمه على الطريق، جرَّ نفسه بما بقي له من قوة إلى مكان ما كي يبدأ تجوالًا شريدًا ولم نره مجددًا.

ترجمة: أماني لازار.
سمعت هذه القصة من أوجي رين. وإذ أن أوجي لم يَخلُص فيها إلى خاتمة حسنة، ليس كما كان يرغب على الأقل، فقد طلب مني عدم استخدام اسمه الحقيقي. بخلاف ذلك، فإن كل شيء عن المحفظة المفقودة والمرأة العمياء وعشاء عيد الميلاد هو تماماً بحسب ما قال لي.
يقرب عمر تعارفي مع أوجي حتى الآن من إحدى عشرة سنة. هو يعمل خلف طاولة بيع في متجر لبيع السيجار في شارع المحكمة وسط بروكلن، وحيث أنه المتجر الوحيد الذي يبيع السيجار الهولندي الذي أحب تدخينه، فكثيراً ما أتردد إلى هناك. لوقت طويل، لم ألقِ كثير بالٍ إلى أوجي رين. لقد كان ذلك الرجل الغريب الضئيل الحجم، الذي يرتدي سترة بغطاء للرأس زرقاء اللون ويبيعني السيجار والمجلات، الشخص العابث، صاحب الردود البارعة، إذ لديه دوماً شيئاً مضحكاً يقوله عن الطقس، عن فريق الـ Mets[1]أو عن السياسيين في واشنطن، وذلك كان جلّ ما في الأمر.
لكن في أحد الأيام، منذ عدة سنوات، حصل أنه كان يتصفح مجلة في المتجر، وقد تعثَّر بمراجعة لواحد من كتبي. عرف أنه كتابي بفضل صورة مرفقة بالمراجعة، وبعد ذلك تغيرت الأمور بيننا. لم أعد مجرد زبون من زبائنه، بل أصبحت شخصاً مميزاً. قلة من الناس فقط بإمكانهم تجاهل الكتب والكُتَّاب، لكن تبين أن أوجي كان يعتبر نفسه فناناً. الآن وقد كشف سرَّ هويتي، فقد عانقني كحليف، كأحد المقربين، كأخ في السلاح. لنقل الحقيقة، لقد وجدت الأمر محرجاً إلى حد ما. بعدها بشكل يكاد يكون حتمياً، حانت اللحظة التي سألني فيها عما إذا كنت أرغب بإلقاء نظرة على صوره الفوتوجرافية. ولما كان عليه من حماسةٍ وحسن النية، كان من الصعب تخييب ظنه.
الله أعلم بما كنت أتوقعه. على أقل تقدير، لم يكن ما أظهره لي أوجي في اليوم التالي. في غرفة صغيرة، بلا نوافذ، في القسم الخلفي من المتجر، فتح صندوقاً من الورق المقوى، وأخرج اثني عشر ألبوماً من الصور المتشابهة. هذا كان عمل حياته، كما قال، وأن القيام به لم يكلفه أكثر من خمس دقائق يومياً. كان يقف في كل صباح، على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، عند تقاطع جادة الأطلنطي وشارع كلينتون في الساعة السابعة تماماً، ليلتقط صورة واحدة ملونة للمشهد نفسه. حقق المشروع حتى الآن أكثر من أربعة آلاف صورة فوتوجرافية. يمثل كل ألبوم سنة مختلفة، وكانت الصور جميعها موضوعة في تسلسل، من1 يناير حتى 31 ديسمبر، بتواريخ مسجلة بعناية تحت كل منها.
بينما كنت أقلب في الألبومات وأهمُّ بتفحص عمل أوجي، لم أعلم بم أفكر. كان انطباعي الأول أنه أكثر الأمور التي رأيتها غرابةً وإرباكاً. كل الصور متشابهة. كان المشروع برمته هجمة عنيفة مخدرة من التكرار، نفس الشارع والأبنية، مراراً وتكراراً، هذياناً لا يهدأ من الصور الفائضة عن الحاجة. لم أستطع التفكير بأي شيء لأقوله لأوجي، لذا فقد واصلت في تقليب الصفحات، مومئاً برأسي في تقدير زائف. أما أوجي فقد بدا هادئاً، يرقبني وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، لكن بعد أن رأى أنه مضى عليَّ بضع دقائق، قاطعني فجأة قائلاً، إنك تقلب بسرعة كبيرة. أنت لن تراها قط إذا لم تخفف من سرعتك.
كان محقاً، بطبيعة الحال. فإذا لم تأخذ وقتك في النظر، لن يكون بإمكانك أن ترى شيئاً أبداً، تناولت ألبوماً آخر وأرغمت نفسي على المضي بتأن أكثر. ألقيت انتباهاً أكبر على التفاصيل، ملاحظاً تبدل الطقس، مراقباً الزوايا المتغيرة للضوء مع تقدم الفصول. أخيراً كنت قادراً على كشف الفروق الدقيقة في تدفق حركة المرور، توقع إيقاع الأيام المختلفة، فوضى صباحات أيام العمل، السكون النسبي لعطلات نهاية الأسبوع، التناقض بين أيام السبت والآحاد، ومن ثم بدأت شيئاً فشيئاً تمييز وجوه الناس في الخلفية، العابرين في طريقهم إلى العمل، نفس الأشخاص في نفس البقعة كل صباح، يعيشون هنيهة من حياتهم في مجال آلة تصوير أوجي.
عندما بدأت بالتعرف عليهم، رحت أتفحص وضعياتهم، طريقتهم في الانتقال من صباح إلى آخر، محاولاً استكشاف أمزجتهم من هذه الإشارات الظاهرية، كما لو أني تمكنت من تخيل قصصهم، من اختراق الدراما المخفية، المقفل عليها داخل أجسادهم. تناولت ألبوماً آخر. لم أعد سئماً، ولا مربكاً كما كنت في البدء. كان أوجي يصور الزمن، أدركت ذلك، كلاً من الزمن الطبيعي والزمن الإنساني، ولقد كان يفعل ذلك بغرس نفسه في زاوية صغيرة واحدة من العالم راغباً في جعلها ملكاً له، بالوقوف حارساً في المكان الذي اختاره لنفسه. وهو يرقبني وأنا أتأمل عمله، واصل أوجي الابتسام بسرور. ومن ثم تقريباً كما لو أنه يقرأ أفكاري، بدأ بتلاوة بيت من شعر شكسبير. “غداً وغداً وكل غد”، تمتم هامساً، “يزحف الزمن بهذه الخطى الحقيرة “، فهمت حينها أنه يعرف تماماً ما كان يفعله.
كان ذلك منذ ما يزيد على ألفي صورة، منذ ذلك اليوم، تحدثت مع وأوجي عن عمله مرات عدة، لكني لم أعلم سوى في الأسبوع الماضي عن قصة اقتنائه لآلة التصوير وشروعه بالتقاط الصور من بدايتها. ذلك كان موضوع القصة التي أخبرني بها، وأنا لا أزال أكافح لفهمها.
في وقت سابق من ذلك الأسبوع، اتصل بي رجل من صحيفة النيويورك تايمز وسألني عما إذا كنت على استعداد لكتابة قصة قصيرة ستظهر في الصحيفة صبيحة عيد الميلاد، كان رغبتي الأولى هي الإجابة بالرفض، لكن الرجل كان جذاباً جداً ومثابراً، وفي نهاية المحادثة أخبرته بأني سأحاول. في اللحظة التي أغلقت فيها الهاتف، بأية حال، ساورني ذعر شديد، ما الذي أعرفه عن عيد الميلاد؟ سألت نفسي. ما الذي أعرفه عن كتابة القصص القصيرة بالطلب؟
أمضيت الأيام القليلة التالية يائساً، أحارب أشباح ديكنز، أو هنري، وآخرين من سادة روح عيد الميلاد. كان للعبارة ذاتها “قصة عيد الميلاد”، ارتباطات بغيضة عندي، تستحضر سيولاً كريهة من النفاق الزائف والفائض عن الحاجة، حتى في أفضل أحوالها، لم تكن قصص عيد الميلاد أكثر من أحلام بتحقيق الأماني، حكايات للكبار، ولسوف أكون ملعوناً إذا ما سمحت لنفسي بكتابة شيء من هذا القبيل، وأيضاً، كيف يمكن الطلب من شخص ما كتابة قصة عيد ميلاد غير عاطفية؟ كان اجتماعاً للفظتين متناقضتين، استحالة، كانت أحجية بالكامل، قد يخيل للمرء أيضاً جواد سباق بدون أرجل، أو دوري بدون أجنحة.
لم أصل إلى نتيجة. خرجت يوم الخميس في نزهة طويلة، على أمل أن يساهم الهواء في تصفية أفكاري. توقفت بعد الظهر تماماً عند متجر السيجار لأسدَّ النقص في مؤونتي، وكان أوجي هناك واقفاً خلف طاولة البيع كالمعتاد. سألني عن حالي. دون أن أرمي إلى ذلك حقيقةً، وجدت نفسي أفضي بهمي إليه، قصة عيد ميلاد؟ قال بعد انتهائي. هل هذا كل شيء؟ لو تدعوني على وجبة الغداء يا صديقي، سأخبرك بأفضل قصة عيد ميلاد سمعت بها أبداً. مع ضمانتي أن كل كلمة فيها هي حقيقة.
سرنا نحو المبنى حيث يوجد فرع من فروع سلسلة مطاعم Jack’s، أطعمة محضرة منعشة ومرصوصة في شطائر البسطرمة الطيبة وصور لفرق دودجرز القديمة معلقة على الجدران. وجدنا طاولة في الخلف وطلبنا طعامنا، ومن ثم بدأ أوجي برواية قصته.
لقد كان صيف عام 1972، قال. جاء ولد في أحد الصباحات وراح يسرق أشياءً من المتجر، لا بد أنه كان في التاسعة عشرة أو العشرين من عمره، ولا أظن أني رأيت قط سارقاً أكثر إثارة للشفقة منه في حياتي. واقفاً بالقرب من رف الكتب على طول الجدار البعيد يدس الكتب في جيوب معطفه المطري، لقد كان المكان مزدحماً حول الطاولة في وقتها فلم أره في البداية، لكن عندما لحظت ماذا كان يفعل بدأت بالصراخ، ولى هارباً كأرنب بري، ومع الوقت تمكنت من الخروج من خلف الطاولة، كان بالفعل يعبر جادة الأطلنطي. لحقت به ما يقارب نصف كتلة سكنية ومن ثم استسلمت، لقد رمى شيئاً على الطريق، وحيث أني لم أشعر بالرغبة في الجري أكثر، انحنيت لأرى ما الذي سقط منه.
تبين أنها كانت محفظته، لم يكن بداخلها أي نقود، كانت شهادة القيادة هناك مع ثلاث أو أربع صور فوتوجرافية. تخيلت أنه بإمكاني استدعاء الشرطة لتوقيفه، لدي اسمه والعنوان من الشهادة، لكني شعرت بنوع من الأسف عليه، لقد كان مجرد غلام تافه صغير، وعندما نظرت إلى تلك الصور في محفظته لم أستطع إرغام نفسي على الغضب منه. روبرت جودوين، ذلك كان اسمه. في واحدة من الصور، كما أتذكر، كان يقف وذراعه حول أمه أو جدته، في أخرى كان يجلس بعمر التاسعة أو العاشرة وهو يرتدي ثياب البيسبول وابتسامة عريضة على وجهه، لم يطاوعني قلبي ببساطة. ربما كان تحت تأثير المخدر في ذلك الوقت، خيل لي. ولد مسكين من بروكلن من دون التقصي كثيراً عنه، ومن يهتم بشأن بضعة كتب تافهة بأية حال؟
وهكذا احتفظت بالمحفظة. عدة مرات بين الحين والآخر كانت تلح عليَّ رغبة صغيرة في إرسالها له، لكني ظللت أؤجل ولم أفعل شيئاً بشأنها. ومن ثم جاء عيد الميلاد ولم أكن قد فعلت شيئاً بعد. كان رب العمل يدعوني عادة إلى منزله لقضاء اليوم، لكن في تلك السنة كان هو وعائلته في فلوريدا يزورون أقارباً لهم، لذا فقد كنت جالساً في شقتي ذلك الصباح أشعر ببعض الأسى على نفسي. ومن ثم رأيت محفظة روبرت جودوين ملقاة على رف في المطبخ، خطر لي أن حسناً، لم لا أفعل شيئاً ما لطيفاً ولو لمرة، فارتديت معطفي وخرجت لأعيد المحفظة بنفسي.
كان العنوان على تلة بوروم، في مكان ما في المساكن الشعبية، كان الجو شديد البرودة ذلك اليوم، وأتذكر أني أضعت طريقي عدة مرات وأنا أحاول إيجاد البناء الصحيح، كل شيء يبدو متشابهاً في ذلك المكان، وأنت تواصل المضي على نفس الأرض، ظاناً بأنك في مكان آخر. بأية حال وصلت أخيراً إلى الشقة التي أبحث عنها وقرعت الجرس. لم يحدث شيء. استنتجت أن ما من أحد هناك، لكني أحاول مجدداً فقط لكي أتأكد. انتظرت لوقت أطول قليلاً، وعندما كنت على وشك الاستسلام تماماً، سمعت شخصاً يجر أقدامه نحو الباب. صوت امرأة مسنة يسأل من الطارق، وقلت بأني أبحث عن روبرت جودوين. “هل هذا أنت، روبرت؟ “قالت المرأة العجوز، ومن ثم فكت حوالي خمسة عشر قفلاً وفتحت الباب.
كانت لا بد في الثمانين، وربما التسعين من عمرها، أول ما لاحظته هو أنها كانت كفيفة. “عرفت أنك ستأتي، روبرت،” قالت. “عرفت أنك لن تنسى جدتك ايثل في عيد الميلاد.” ومن ثم فتحت ذراعيها كما لو أنها على وشك معانقتي.
لم يكن لدي كثير من الوقت للتفكير، كما ترى. كان عليَّ أن أقول شيئاً ما بسرعة كلية، وقبل أن أستوعب ما كان يحدث، استطعت سماع الكلمات تخرج من فمي. “هذا صحيح، جدتي ايثل،” قلت. “لقد عدت لرؤيتك في عيد الميلاد.” لا تسألني لماذا فعلت ذلك. ليس لدي أدنى فكرة. ربما لم أرغب في تخييب ظنها أو ما شابه، لا أعرف. لقد حصل ما حصل بتلك الطريقة وحسب، ومن ثم فجأة كانت هذه المرأة المسنة تعانقني هناك أمام الباب، وعانقتها بالمقابل.
لم أقل بالضبط أني كنت حفيدها. ليس صراحة على الأقل، لكن هذا كان المضمون. لم أحاول خداعها مع ذلك. لقد كانت مثل لعبة قرر كلانا لعبها دون مناقشة القواعد. أعني أن تلك المرأة عرفت بأني لست حفيدها روبرت. لقد كانت مسنة ومضطربة لكنها لم تكن واهنة إلى درجة أنها لا تستطيع التمييز بين الغريب وبين من هو من لحمها ودمها. لكن هذا التظاهر جعلها سعيدة، وطالما أنه ليس لدي شيء أفضل لأفعله، بأية حال، فقد كنت سعيداً في مسايرتها.
هكذا دخلنا الشقة وأمضينا اليوم معاً. كان المكان قذراً فعلاً، وقد أقول أكثر، لكن ماذا يمكن أن تنتظر من امرأة كفيفة تقوم بأعمالها المنزلية بنفسها؟ كنت في كل مرة تسألني فيها سؤالاً عن حالي أكذب عليها. قلت لها أني وجدت عملاً في متجر لبيع السيجار، قلت لها أني أنوي الزواج، حكيت لها مئات القصص الجميلة، وكانت كما لو أنها تصدق كل واحدة منها. هذا رائع، روبرت، كانت تقول، مومئة برأسها ومبتسمة. لطالما عرفت أن الأمور ستنحو معك نحو الأفضل.
بدأت أشعر بعد حين ببعض الجوع. لم يكن يبدو أنه هناك في المنزل الكثير من الطعام، لذا فقد خرجت إلى متجر في الحي وجلبت الكثير من الأشياء. دجاجة مطهية، حساء الخضار، ودلو يحتوي على سلطة البطاطا، كعكة الشوكولا، وكل أنواع الأشياء. كان لدى إيثل زجاجتين من النبيذ مخبأتين في غرفة نومها، وبالتالي تدبرنا فيما بيننا تجهيز عشاء ميلاد مرضٍ إلى حد مقبول. كلانا ترنح قليلاً من النبيذ، كما أذكر، وبعد انتهائنا من الوجبة خرجنا للجلوس في غرفة المعيشة، حيث كانت الأرائك مريحة أكثر. كان عليَّ أن أتبول، فقد التمست العذر لنفسي وذهبت إلى الحمام، تحت في البهو. هناك حيث الأشياء أخذت منقلباً آخر أيضاً. لقد كان في القيام بحيلتي الصغيرة على أني حفيد ايثل ما يكفي من الحماقة، لكن ما فعلته فيما يلي كان جنوناً بكل تأكيد، ولم أسامح نفسي عليه أبداً.
دخلت الحمام، ووقفت مقابل الحائط بجانب الدوش، رأيت كومة من ست أو سبع آلات تصوير. آلات جديدة تماماً 35 ملم، لا تزال في علبها، سلع من أجود الأنواع. لقد تصورت أن هذا عمل روبرت الحقيقي، مخزن لواحدة من غنائمه الأخيرة. أنا لم ألتقط صورة في حياتي أبداً، وبالتأكيد لم أسرق شيئاً أيضاً، لكن في اللحظة التي رأيت فيها آلات التصوير تلك موضوعة في الحمام، جزمت أني أريد واحدة لنفسي. في الوقت نفسه. وبدون حتى توقف للتفكير بالأمر، تأبطت واحدة من تلك العلب وعدت إلى غرفة المعيشة.
لم يكن قد مضى على غيابي أكثر من ثلاث دقائق، لكن كانت الجدة ايثل قد غفت في أريكتها في تلك الأثناء. الكثير من النبيذ الإيطالي[2]، كما خيل لي. ذهبت إلى المطبخ لأغسل الصحون، وهي نامت في راحة تامة، تغط كالطفل الرضيع. لم يظهر هناك ما يشير إلى انزعاجها، لذا فقد قررت المغادرة. لم أتمكن حتى من كتابة ملحوظة تقول وداعاً، بالنظر إلى كونها كفيفة وكل شيء، لذا فقد غادرت وحسب. لقد وضعت محفظة حفيدها على الطاولة، تناولت آلة التصوير ثانية، وخرجت من الشقة. وهذه هي نهاية القصة.
“هل عدت لرؤيتها في وقت من الأوقات؟” سألت.
“مرة واحدة،” قال. “بعد حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر. شعرت بالسوء كثيراً لسرقة آلة التصوير، لم أكن قد استعملتها بعد. أخيراً قررت إعادتها، لكن ايثل لم تعد هناك. لا أعرف ما الذي حل بها، لكن شخصاً آخر انتقل إلى الشقة، لكنه لم يتمكن من إخباري عن مكانها.”
“ربما ماتت.”
“نعم، ربما.”
“هذا يعني أنها أمضت آخر عيد ميلاد لها معك.”
“أعتقد ذلك، أنا لم أفكر أبداً بذلك على هذا النحو.”
“كان عملاً صالحاً أوجي، لقد كان لطفاً منك ما فعلته من أجلها.”
“لقد كذبت عليها، ومن ثم سرقتها، أنا لا أفهم كيف يمكنك أن تدعوه عملاً صالحاً.”
“لقد جعلتها سعيدة، وآلة التصوير كانت مسروقة بأية حال، وهذا مختلف عن حالة أخذها من الشخص الذي يملكها حقيقة.”
“أي شيء لخاطر الفن، ايه، بول؟”
“أنا لم أقل ذلك، لكن على الأقل فقد استخدمت آلة التصوير استخداماً حسناً.”
“والآن لديك قصة عيد الميلاد، أليس كذلك؟”
“نعم،” قلت،” أعتقد ذلك.”
توقفت للحظة، متفحصاً أوجي وابتسامة عريضة عابثة منبسطة على وجهه. لم أستطع أن أكون واثقاً، لكن النظرة في عينيه في تلك اللحظة كانت جد ملغزة، مفعمة كثيراً بوهج من انشراح داخلي ما، حتى باغتتني فجأة فكرة أنه قد اختلق الأمر برمته. كنت على وشك سؤاله إذا ما كان يتظاهر عليَّ، لكني بعدها أدركت بأنه لن يقول أبداً. لقد تورطت في تصديقه، وهذا كان الأمر الهام الوحيد. فليس من قصة لا يمكن أن تكون حقيقة، طالما أن هناك شخصاً واحداً يصدقها.
“أنت ممتاز أوجي،” قلت. “شكراً لكونك متعاوناً جداً.”
“مرحباً بك،” أجاب. ولا يزال ينظر إلي وذلك الضوء الممسوس في عينيه. “في النهاية، إذا كنت لا تستطيع أن تتقاسم أسرارك مع أصدقائك، فأي نوع من الأصدقاء أنت؟”
“أظن بأني مدين لك بواحد.”
“لا، لست كذلك. فقط دونها كما أخبرتك إياها، ولست مديناً لي بشيء.”
“ما عدا الغداء.”
“هذا صحيح، فيما عدا الغداء.”
قابلت ابتسامة أوجي بابتسامة مني، ومن ثم ناديت النادل وطلبت الحساب.
الهوامش:
[1] فريق بيسبول امريكي.
[2] Chianti.
المؤلف:
بول بنجامين أوستر، 1947، ولد في نيوارك، نيوجرسي، الولايات المتحدة الأمريكية. من أصول بولونية. روائي ومخرج، من أعماله ثلاثية نيويورك، حماقات بروكلن، بلد الأشياء الأخيرة.
تم تحويل “قصة أوجي رين عن عيد الميلاد” إلى فيلم بعنوان “smoke” في العام 1995.

أفضل وقت في اليوم- ريموند كارفر
ليالي الصَّيف المنعشة.
النَّوافذ مفتوحة.
المصابيح تتَّقد.
فاكهة في الطَّبق.
ورأسك على كتفي.
تلك أسعد اللحظات في اليوم.
بعد ساعات الصَّباح الأولى،
بالتأكيد. والوقت
الذي يسبق الغداء مباشرة.
وبعد الظُّهر، وساعات المساء الأولى.
لكني أحب
ليالي الصَّيف تلك.
أكثر حتى، بحسب ظني،
من تلك الأوقات الأخرى.
عمل اليوم استُكمل.
وما من أحد يمكنه الوصول إلينا الآن.
أو في أي وقت آخر.
ترجمة أماني لازار

ورعٌ أقلّ | خابيير مارياس

كنت في أشد الحاجة للنقود حتى أني تقدَّمت منذ يومين لاختبار سينمائي بهدف المشاركة في فيلم “بورنو” وصعقت لدى رؤيتي ذلك العدد الكبير من النساء اللاتي رغبنَ في الحصول على واحد من تلك الأدوار التي لا تشتمل على الحوار قطعاً، أو بالأحرى الأدوار التي لا تتطلب سوى الصياح. ذهبت إلى هناك خجلةً متحرِّجة، أقول لنفسي بأنه يتوجب عليَّ تأمين الغذاء لابنتي، وأن الأمر لم يكن على ذلك القدر من الأهمية فمن غير المرجَّح أن يشاهد الفيلم أيٌّ من معارفي، بالرغم من علمي أن الجميع دوماً يكتشفون ما حدث في نهاية الأمر. ارتبت مع ذلك، من أني لن أكون أبداً شديدة الأهمية مستقبلاً ما يجعلني أتعرض للابتزاز بشأن ماضيّ. إلى جانب أن هناك ما يكفي سلفاً لهذا. 

عندما رأيت الطوابير داخل المنزل، على الدَّرج وفي غرفة الانتظار (كانت اختبارات الشاشة مثل التصوير السينمائي، تعقد في منزل مؤلفٍ من ثلاث طبقات، في مكان ما حول توربيديرو توكومان، وهي منطقة لا أعرفها)، ساورني الخوف من أنهم لن يختاروني، ولو أني حتى ذلك الحين كنت أخشى أن يفعلوا، وكان ما آمله حقيقة هو ألا يفعلوا، وأني لن أكون جميلة في نظرهم إلى حد يمكّنهم من قبولي، أو ذات موهبة جيدة بما يكفي لمنحي الدور. لم يكن ذلك ممكناً، فلطالما كنت محط الأنظار دوماً، طوال حياتي، أنا لا أغالي فهذه حقيقة، ولم يكن في هذا الكثير لصالحي.

“من المرجح ألّا أحصل على هذا العمل أيضاً،” فكرت عندما رأيت جميع النساء الطامحات.” إلا إذا كان الفيلم يتضمن مشهد جنس جماعي هائل يحتاجون فيه لعدد كبير من الممثلين.”كان هناك الكثير من الفتيات في عمري ومنهن أيضاً من يصغرنني أو يكبرنني، سيدات لهنَّ مظهر مألوف جداً، ربما هن أمَّهات مثلي، لكن أمهات لهن أولاد، يتعذر إصلاح محيط خصورهن، تلبسن جميعاً تنانير قصيرة وكعوب عالية وستر ضيقة سيئة الصنع، كما هي ملابسي، وقد كان هذا سخيفاً بحق، طالما أننا سنظهر عراة، ما إذا تمّ اختيارنا. منهن من اصطحبن أطفالهن معهن، وكانوا يذرعون الدرج صعوداً ونزولاً، وقد كانت نساء أخريات يلعبن معهم حين يمرون بهن.

كان هناك الكثير من الطالبات أيضاً، ببناطيل الجينز والقمصان القصيرة الأكمام، لابد أن لهنَّ أهلاً، ما الذي يفكر به الأهل فيما لو تم اختيار بناتهن وصادف أن شاهدوا الفيلم يوماً ما، حتى لو تم بيعه فقط على أشرطة الفيديو، ليفعلوا ما يشاؤون بها بعد ذلك، ففي النهاية سيتم عرضه على شاشة التلفزيون في ساعات الصباح القليلة، وأب مؤرق قادر على فعل أي شيء، وأم أقل بقليل. الناس بحاجة حقيقةً وهناك الكثير من العاطلين عن العمل: يغوصون في أرائكهم أمام التلفزيون ويشاهدون أي شيء يعرض بهدف قتل الوقت والفراغ، لا شيء يصدمهم، فعندما لا يكون لديك شيء، يبدو كل شيء مقبولاً، تبدو الوحشية طبيعية ويصبح أي ورع أخلاقي نسياً منسياً، وفي آخر الأمر، لا يتسبب هذا النوع من القذارة بأي أذى، بل يمكن أن يكون مسلياً أحياناً. يمكنك أن تطّلع على بعض الأمور.

خرج رجلان من الغرفة العلوية التي كانوا يجرون فيها اختبارات الشاشة، خلف غرفة الانتظار، وعندما شاهدوا الطابور، أمسكا رأسيهما بأيديهما وقررا تفحصه بروية-بالتدريج-. ” يمكنك الذهاب،” قالوا لإحدى السيدات. ” أنت لست مناسبة، لست ملائمة، ما من فائدة من الانتظار،” قالوا لنساء أخريات، وكذلك لشابات بدون شديدات الخجل وبالغات السمنة، خاطبونا جميعا بـ ” أنتِ”. وطلبوا أيضاً من فتاة أن تبرز بطاقتها الشخصية. ” لم أجلبها معي،” قالت. ” إذن بإمكانك أن تخرجي، لا نريد أية مشاكل مع فتيات لم يبلغنَ السن القانونية بعد،” قال الرجل الأطول، الذي دعاه الآخر “مير”. للرجل الأقصر شارب وبدا أكثر تهذيباً وأكثر مراعاة لشعور الآخرين. اختصروا الطابور إلى ثلاثة أرباعه، فكان هناك فقط ثماني أو تسع فتيات ودخلنا جميعاً الواحدة تلو الأخرى. خرجت الفتاة التي تتقدمني بعد بضع دقائق باكية، لا أعرف ما إذا كان بكاؤها ناجم عن رفضهم لها أو لأنهم جعلوها تقوم بشيء مهين. ربما قد تسلوا بجسدها. لكن ما إذا دخلت من أجل هذه الأمور، لا بد أن تكون على علم بما قد ينتظرها. لم يفعلوا لي شيئاً، أولاً طلبوا مني كالعادة أن أخلع ملابسي قطعةً فقطعة. كانوا جالسين إلى طاولة، مير والرجل القصير ورجل آخر له شعر مربوط كذيل الفرس، لجنة تحكيم ثلاثية، ومن ثم زوج من التقنيين، ورجل واقف ببنطال أحمر، ووجه كالقرد، وذراعين مطويين، لا أعرف ما الذي كان يفعله، ربما كان صديقاً تم إدخاله لحضور الجلسة، متلصص، مهووس جنسي، بدا مثل شخص مهووس بالجنس. صوروا بعض أفلام الفيديو، تفرسوا بي جيداً، من هذه الناحية وتلك الناحية، مباشرة وعبر الشاشة، استديري، ارفعي يديك، كالعادة، من الواضح أنني كنت محرجة قليلاً، لكني شعرت برغبة بالضحك عندما رأيتهم يدونون بجدية الملاحظات على بطاقات، كما لو أنهم مدرسون في امتحان شفهي، يا إلهي.

” يمكنك أن ترتدي ملابسك،” قالوا فيما بعد.” كوني هنا بعد غدٍ في الساعة العاشرة. لكن تأكدي من أن تحصلي على قدر جيد من النوم، لا تعودي بهالات داكنة تحت عينيكِ، إنها تظهر فعلاً على الشاشة.”  قال مير ذلك، وكان محقاً، بالفعل هناك هالات تحت عيني، نمت نوماً قلقاً طوال الليل وأنا أفكر باختبار الشاشة. كنت على وشك المغادرة عندما ناداني الرجل ذو الشعر المربوط كذيل الفرس، الذي دعاه الآخران كوستاردوري، ” هيه،” قال،” فقط كوني هنا دون أي مفاجأة أو مشاكل كي لا تخيبينا في اللحظة الأخيرة: سيكون عليك القيام بالقليل من الفرنسي، القليل من الكوبي والمضاجعة، تمام؟” 

التفتَ نحو الرجل الطويل ليؤكد هذا: ” ليس عليها أن تفعل أي شيء يوناني، أليس كذلك؟” ” لا، ليس معها، ألا ترى أنها مبتدئة،” قال مير.  فرد الرئيس يديه وصالبهما ثانية مبادلاً بينهما، منزعجاً، يا إلهي، أي منظر كان له ببنطاله الأحمر. حاولت أن أتذكر بسرعة، سمعت هذه المصطلحات، أو رأيتها في الإعلانات الجنسية في الصحف، ربما عرفت معناها نوعاً ما. لا يوجد يوناني كما قالوا، لكن هذا لا يهم، على الأقل حالياً. كان من الواضح أن الفرنسي هو الجنس الفموي، لكن الكوبي؟

” ماذا تعني بالكوبي؟” سألت.

 نظر الرجل القصير نحوي مستنكراً.

” تعرفين،” قال، ورفع يديه إلى ثدييه غير الموجودين. لم أكن واثقة من أني فهمت تماماً، لكن تجرأت على طرح سؤال آخر: 

” هل اخترتم شريكي؟” شعرت بأني راغبة بالقول ” زميلي الممثل”، لكني فكرت أنهم قد يظنون بأنني أسخر. 

” نعم، ستلتقيه بعد غدٍ. لا تقلقي، هو صاحب خبرة كبيرة وسيتولى القيادة.” ذلك كان التعبير الذي استعمله الرجل القصير، كما لو أنه يصف قاعة للرقص، في حين كان من المنطقي أن يقول: ” سأتولى القيادة.”

ها أنا قد عدت، وأنا مجدداً في غرفة الانتظار، بانتظار أن يبدأ التصوير مع شريكي الذي قدم للتو، صافحني. جلسنا على الأريكة الضيقة قليلاً، كانت صغيرة جداً حتى أنه انتقل فجأة إلى الكرسي المقابل رغبة في الحصول على راحة أكبر. كان الرجال الطويل والقصير وصاحب الشعر المربوط كذيل الفرس والتقنيين يصورون زوجاً آخر (كنت آمل ألا يكون هناك ذلك المهووس بالجنس، لقد أخافني بعينيه المنتفختين، وأنفه المفلطح وبنطاله الشنيع). في الأفلام، كما سمعت، يُصوّر كل شيء في الفيلم للأبد ويتأخر كل شيء أثناء ذلك، وهكذا قالوا لنا أن ننتظر ونتعارف وهذا ما كان سخيفاً.” لا أعرف هذا الرجل مطلقاً وبعد عدة دقائق سأمارس معه الجنس الفموي،” فكرت ولم أستطع التوقف عن التفكير في تلك الكلمات الدقيقة.

“ما الفكرة من تعارفنا ومحادثتنا.” تجرأت بالكاد على النظر إليه، فعلت ذلك بطرف عيني، هجمة مشؤومة من التواضع إلى حد ما. عندما قدموني إليه قالوا: ” هذا لورين، شريكك.” كنت أفضل لو سموه ” شريكي في البطولة”، لكني أفترض بأن في ذلك بعض التباهي. كان عمره يناهز الثلاثين، يرتدي بنطالاً وقبعة و”جزمة” راعي بقر، يبالغ الممثلون دوماً في “تأمركهم”، حتى وإن كانوا لا يظهرون سوى في أفلام “بورنو”. هكذا يبدأ الكثير منهم، ربما يصبح ممثلاً كبيراً يوماً ما. لم يكن سيء المظهر على الإطلاق، مستخفاً بالمظاهر، من النوع الرياضي، من يذهب إلى النادي الرياضي باستمرار، له أنف معقوف قليلاً وعينان رماديتان، هادئتان وباردتان، وفم ظريف، لكن ربما لن يكون ذلك الفم الظريف هو ما سيتوجب عليَّ تقبيله.

 بدا غير متأثر تماماً، كان جالساً مصالباً ساقيه مثل الكاوبوي وكان يتصفح جريدة، لم يكترث بي كثيراً. ابتسم عندما تم تقديمنا لبعضنا البعض، كان هناك فراغات بين أسنانه منحت وجهه منظراً طفولياً. بعدها خلع قبعته، لكنه أعادها في الحال، ربما قد يبقيها أثناء التصوير. قدم لي بعض الحلوى المصنوعة من السوس، لكني رفضت، كان يمص اثنتين في آن، ربما من الأفضل ألا نتبادل القبل على الإطلاق. ارتدى في رسغه طوقاً مصنوعاً من جلد الفيل، كان ضيقاً جداً. هي ليست بالسوار تماماً. أفترض أنه بدا عصرياً، بينما بدوت فجأة موضة قديمة بتنورتي الضيقة، ثوبي الضيق الأسود وكعبي، لا أعرف ما الذي دعاني لارتداء أعلى كعب لدي، ربما، لو انتبهوا له، لرغبوا بألا أخلعه، يحب الكثير من الرجال رؤية النساء بهذا الشكل، عاريات وبكعوب عالية، جميع تلك التخيلات طفولية بعض الشيء، هو بقبعته وأنا بكعبي العالي. أدركت بأني كنت أشد تنورتي قليلاً للأسفل، لأنها كانت ترتفع عندما أجلس، وهذا جعلني أبدو سخيفة. حتى شريكي في البطولة لم ينتبه لفخذي، وقد كان على حق، فخلال فترة قصيرة، لن يكون هناك تنورة، ولا أي شيء.

” اعذرني،” قلت حينها، ” لقد قمت بمثل هذا العمل من قبل أليس كذلك؟” 

 نظر من فوق الصحيفة، لكنه لم يضعها جانباً، كما لو أنه لم يكن واثقاً من رغبته في أن يشرع بمحادثة حقيقية، أو بالأحرى كما لو أنه كان واثقاً من أنه لا يريد.

” نعم،” قال،” لكن ليس إلى حد كبير، مرتان، لا، ثلاث مرات، منذ فترة وجيزة. لكن لا تقلقي، إنسي أمر الكاميرا مباشرة. قالوا لي أنك هنا للمرة الأولى.” كنت ممتنةً لأنه عبر عن الأمر بتلك الطريقة، بدلاً من أن يدعوني مبتدئة كما فعل مير الطويل الأصلع. ” لا تشعري بالحرج، هذا قاتل، فقط اتبعيني وحاولي أن تستمتعي قدر استطاعتك، ولا تكترثي للآخرين.” 

” سهل القول وصعب التطبيق،” أجبت.”  آمل أن يكونوا صبورين فيما لو توترت. أنا عصبية بعض الشيء.”

      ابتسم الممثل لورنزو لي ابتسامه عريضة. كان يقرأ صفحات الرياضة. بدا واثقاً بنفسه إذ قال:

” انظري، أنت لن تلحظي حتى أنهم يصورون. سأعتني بذلك.” قال ذلك بنبرة تنم عن الصراحة وليس الفخر، لأن ليس ذلك ما كان يقلقني، لكن ما أقلقني أنه لم يخطر له أن مراقبة الناس ليست هي السبب الرئيسي لإثارة أعصابي في موقع التصوير.

” صحيح، ” قلت، لم أجرؤ على التشكيك به، ربما من الخوف.”سيكون هناك استراحات أليس كذلك؟ بسبب اللقطات المختلفة وهلم جراً. وما الذي يحدث حينها؟ ما الذي تفعله فيما بينهما؟”

” لا شيء، يمكنك أن ترتدي الثوب لو تحبين وتشربي الكوكا كولا. لا تقلقي،” قال ثانية.” هناك أمور أسوأ. وبالتأكيد هناك بضعة صفوف من الكوكا لو رغبت.”

” أوه، إذن هناك أشياء أكثر سوءاً؟” قلت مستفزة قليلاً بسبب بروده المفرط. ” من الواضح أني لم أصادفها بعد، هيا أخبرني المزيد.” أخيراً وضع الصحيفة وأضاف بسرعة: ” أنا لا أقول ذلك بسببك. لم أقصدك، هل تفهمين ذلك، أتفهمين؟  أنا أفعل ذلك من أجل المال، لكنك لن تقولي لي بأنه مع ذلك ليس أمراً فظيعاً تماماً ما أقوم به. حسناً، أنا لا أعرف رأيك، لكن هذا من ناحيتي.”

      تجاهل لورين محاولاتي في عدم إهانته وركز على ما قلته سابقاً. نظر إليَّ بعينيه الهادئتين، لكنه بدا الآن ساخطاً بعض الشيء، كما لو أنه قد استفز أو كما لو أنه كان شخصاً ليس لديه أية قابلية للشعور بالاستفزاز، ولم أعرف أي نبرة صوت أستعمل. كانت عيناه الرماديتان متوسعتين قليلاً أيضاً، بعيدتان تماماً عن أنفه المعقوف، الذي بدا أنه يشد شفتيه للأعلى، بمنخرين من النوع الذي يبدو صاحبهما دوماً كما لو أنه يعاني من البرد.

” هناك أمر سيء،” قال. “وسأخبرك عنه الآن. عملي السابق كان أكثر سوءاً، لا يعني هذا أني سأستمر في هذا العمل إلى الأبد، لكن لا بأس في أن تمضي به إلى أن يلوح شيء ما في الأفق، وليس لديك فكرة كم ستكون المقارنة عظيمة مع ما كنت أفعله سابقاً.”

“ماذا كنت تفعل إذن؟  هل رمى أحدهم السكاكين عليك في السيرك؟”

لا أعرف لمَ قلت ذلك. لابد أنه بدا مسيئاً كما لو أن الممثل لورنزو حتماً ينتمي لمنزلة أدنى في عالم الترفيه. في النهاية، كنت أفعل تماماً ما يفعله، وخسرت عملي منذ سنتين وزوجي السابق اختفى ورحل، وابنةٌ عليَّ أن أعتني بها. ربما كان له ابنةً أيضاً. أضف إلى ذلك أنه لا يوجد عروض مثل تلك الآن، تلك القبعة القديمة، لم يعد هناك الكثير من فرق السيرك الآن.

      “انظري، أيتها المتذاكية،” قال، لكن بدون أدنى تأنيب ودون أن ينوي إهانتي، لست واثقة إذا ما كان ذلك واضحاً لأنه كان شديد التسامح أو لأنه لم يكن بارعاً. قالها بطريقة الأطفال في المدرسة: ” لا، أيتها المتذاكية. كنت حارساً.”

” حارساً؟ ماذا تعني بحارس؟ حارس ماذا؟” هذه كانت آخر كلمة توقعت أن أسمعها من شفتيه ولم أتمكن من إخفاء مفاجأتي، التي قد تبدو مسيئة. نظرت ممعنة في وجهه، حارس، بدا مثل شخص خارج من فيلم من أفلام “الويسترن”.

لمس حافة قبعته بارتباك، كما لو أنه يسويها.

” حسناً، أقصد، هناك شخص تحت حراستي وحمايتي. كما لو أني مرافق، لكن بشكل مختلف.”

” أوه، مرافق شخصي،” قلت، وارتسم على وجهي تعبير ينم عن أني أضعه في منزلة أدنى.” وما السيء في ذلك؟ كان عليك باستمرار أن تمنع الرصاصات من إصابة رئيسك أو شيء ما؟” لم يكن لدي سبب لعدائيتي نحوه، لكني واصلت الإجابة بهذا الشكل الصلف، ربما كنت قد بدأت أشعر بالاشمئزاز من فكرة أني قريباً سيتوجب عليَّ ممارسة الجنس الفموي دون تمهيد معه، كان الوقت يمر. نظرت كرهاً إلى عضوه، وفي الحال أبعدت نظري. فكرت به ثانية مستعملة ذلك الفعل، ” أمصُّه،” يجعل هذا العصر الحديث لجميعنا لساناً بذيئاً، أو ربما لا نهتم كثيراً لو كنا كذلك، أو ربما هو الفقر وحسب: طالما أنك تملك القليل من المال فلديك ورع أقل أيضاً. وعندما نتقدم في العمر لا يبقى لنا من الحياة سوى القليل، ولن يكون أمامنا الكثير.

” لا، لم أكن حارساً من ذلك النوع، لست بلطجياً،” قال،” لست على الإطلاق، ضعي جانباً سخريتي، لكن لنتحدث بجدية، بصراحة، بشفافية. كان عليَّ أن أراقب مريضة، أن أمنعها من إيذاء نفسها، كان أمراً صعباً. عليك مراقبتها أربعاً وعشرين ساعة يومياً، أن تكوني متنبهة طوال الوقت ولا يمكنك دوماً أن تنجحي في ذلك.”

” من تكون؟ ما الذي حدث لها؟” 

خلع لورين قبعته وخبط قمتها بساعده الأيمن، بالطريقة التي يفعلها الكاوبوي في الأفلام. ربما كانت إيماءة تعبر عن الوقار. كان شعره خفيفاً.

” كانت ابنة رجل ثري، مليونيراً كبيراً، لا يصدق، واحد من رجال الأعمال الذين لا يعرفون كم يملكون من المال. لابد أنك تعرفين اسمه، لكن من الأفضل ألا أخبرك. كانت الابنة مجنونة، هستيرية لديها ميول انتحارية، كانت تقدم بين الحين والآخر على قتل نفسها. تعيش لأسابيع حياة طبيعية كما يبدو وثم فجأة من دون سابق إنذار تقطع أوردة معصميها في الحمام. كانت مجنونة تماماً. لم يرغبوا في إدخالها المستشفى لأن هذا سيكون قاسياً جداً، وسيعرف العالم بمجمله وزوجته بالأمر في النهاية، في حين أن بعض الناس، الناس الذين كانوا أكثر قرباً منها، عرفوا بمحاولات الانتحار. لذا وظفوني رغبة في منع حدوث ذلك، وهكذا نعم كنت حارساً شخصياً لكن ليس لأحميها من الآخرين كما يفعل الحراس الشخصيون عادة لكن لأحميها من نفسها. اعتبرني أصدقاؤها حارساً شخصياً عادياً، لكني لم أكن كذلك. كان عملي مختلفاً، أكثر شبهاً بالوصي.” 

فكرت بأنه ربما عرف تلك الكلمة لأنه تكبد العناء ليجد الكلمة التي تصف دوره. تعرف عليها عندما وجدها.

” أرى،” قلت.” وذلك كان أسوأ من هذا. كم عمرها؟ لمَ لم يأتوا بممرضة تعتني بها؟”

مرر لورين ظاهر يده تحت ذقنه، بالاتجاه المعاكس، كما لو أنه أدرك فجأة بأنه لم يحلق جيداً. كان سيقبلني في كل مكان. لكن كان يبدو لي أنه قد حلق حلاقة جيدة، كنت أشعر بالغواية في أن ألمس وجهه لكني لم أجرؤ، فقد يعتبرها ملاطفة.

” لنفس السبب، لأن الممرضة أكثر وضوحاً، ما الذي تفعله شابة طوال اليوم مع ممرضة تتسكع في المكان؟ يمكنك أن تفهميها أن لديها حارساً شخصياً، كون والدها فاحش الثراء. يمكنها أن تعيش حياة طبيعية، كما ترين، كانت تذهب إلى الجامعة، في العشرين من عمرها، ذهبت إلى الحفلات، وبالتأكيد إلى الطبيب النفسي أيضاً، لكنها لم تكن مكتئبة طوال اليوم أو ما شابه، لا. كانت لتبدو طبيعية لفترة، وودودة. تنتابها فجأة هجمة وكانت دوماً هجمة انتحارية، ولا يمكنك أبداً أن تعرفي ما الذي حصل.

لم يكن هناك أدوات حادة في غرفة نومها، لا مقصات، لا مديات، لا شيء، لا أحزمة يمكنها أن تشنق نفسها بها، ما من حبوب في أي مكان، ولا حتى الاسبرين، ما من أحذية بكعوب عالية أيضاً، كانت أمها تحرص دوماً ألا يكونوا بالغي الحدة منذ أن خدشت ابنتها خديها بواحد منها، كان عليهم أن يجروا لها عملية تجميلية، لا يمكنك أن تعرف، لكنها جرحت نفسها جرحاً بليغاً فادحاً. لم يكن مسموحاً لها أن تنتعل أحذية فهي أسلحة حقيقية بالفعل. بهذا المعنى، عاملوها كسجينة، ليس مسموحاً بأدوات خطرة. كان أبيها على وشك أن يخلع نظارتيه الشمسيتين عندما رأى الجزء الثالث من فيلم العراب الذي يقتل فيه شخص رجلاً آخر بنظارتيه، بالحافة الحادة للذراع، صدقاً، كانوا يفتشون الرجل تفتيشاً كاملاً بحثاً ومضى وقطع حنجرة الرجل الآخر بذلك. هل رأيت العراب 3؟”

“لا لم أفعل. رأيت الجزء الأول.”

“يمكنني أن أعيرك إياه، إن رغبت،” قال لورين بدماثة. ” إنه الأفضل بين الثلاثة إلى حد كبير.”

       ” لا أملك جهاز فيديو. هيا أكمل،” قلت، خائفة من أن يُفتح الباب في أية لحظة ليكشف عن وجه مير الطويل أو الوجه الهزيل لكاستردوري أو شارب الرجل القصير، ليطلبوا منا أن نبدأ بتصوير مشاهدنا.  لن نكون قادرين على الكلام أثناءها، ليس بنفس الطريقة، كان علينا أن نركز، ونواصل العمل.

      ” على أية حال، كان عليَّ أن أبقى حولها طوال اليوم وأنام بنصف إغماضة، كانت غرفتي مجاورة لغرفتها، وكان يصل بينهما باب أملك مفتاحه، تعلمين، كما يحدث في الفنادق أحياناً، كان المنزل ضخماً. لكن بالتأكيد هناك طرق لا تعد ولا تحصى يمكنك أن تؤذي نفسك بواسطتها، إذا ما أراد المرء فعلاً أن يقتل نفسه، سيفعل ذلك في النهاية، تماماً كالقاتل، إذا ما أراد شخص قتل آخر، سينتهي إلى فعل ذلك مهما كانت ضحيته محمية، حتى لو كان رئيس الوزراء، أو الملك، إذا ما قرر شخص القتل ولا يهتم للنتائج سيقتل، لا شي يمكنك فعله بهذا الشأن ليس لديهم شيئاً ليخسروه، لو لم يهتموا بما سيحدث فيما بعد.

 انظري إلى كنيدي، انظري إلى الهند، هناك بالكاد سياسي واحد باقٍ على قيد الحياة هناك. حسناً، إنه نفس الأمر مع من يريد قتل نفسه. الإقدام على الانتحار يثير بي الضحك. كانت الأميرة سترمي نفسها برعونة على السلم المتحرك في متجر كبير لنمسك بها وجرح بليغ في جبهتها وخدوش في ساقيها، من حسن الحظ أني كنت هناك.  أو أنها كانت سترمي بنفسها على واجهة العرض، على نافذة المتجر في وسط الشارع، ليس لديك فكرة كيف يكون هذا، مغطاة بالجروح تلتصق بها مئات الشظايا من الزجاج ، في حالة من الجنون التام، وتعوي من شدة الألم، لأنك لو لم تتمكني من قتل نفسك فهذا يتسبب بألم حقيقي.

لم يتمكنوا من حبسها أيضاً، لأن هذا لم يكن فيه شفاءها. كنت أرى الخطر في كل مكان، هذا رعب حقيقي، أن تري العالم كله كتهديد، لا شيء بريء وكل شيء ضدك، رأيت أعداء في أكثر الأشياء المسالمة، كان على تخيلاتي أن تسبق تخيلاتها، كان عليَّ أن أمسك بذراعها في كل مرة نعبر فيها الطريق، واثقاً من أنها لن تقترب من أي نوافذ عالية، شديد الحذر في أحواض السباحة، أخرجها من الحوض بعيداً عن أي عامل قد يحمل قضيباً وهو يمشي لأنها قد تحاول أن تخوزق نفسها به، حسناً هكذا كنت أرى الأشياء، كانت قادرة على أي شيء، بدأت بالارتياب بكل شيء، الناس، الأشياء، الجدران.”- “هكذا كنت عندما كانت ابنتي صغيرة،” فكرت، ” أنا لا زلت كذلك حتى الآن إلى حد ما، ولم أرتح تماماً. أعرف كيف يكون هذا. نعم، إنه مريع.”-” مرة، حاولت أن ترمي نفسها تحت حوافر الأحصنة في السبط الأخير في السباقات، لحسن الحظ، استطعت أن اختطفها من كاحلها عندما كانت على وشك أن تدوس على المسار، خاطرت فقد كنت أراهن وانزلقت مبتعدة عني، يا إلهي، يا لهذا الرعب الذي شعرت به حتى وجدتها تركض نحو الأحصنة.”

توقف الممثل لورنزو شفهياً، لكن ليس عقلياً، استطعت أن أرى أنه كان لا يزال يفكر بما كان يقوله وما سيقوله.” يمكنني أن أؤكد لك، أنه كان أكثر سوءاً من هذا، ضغط رهيب، قلق مستمر، لا سيما بعد أن ضاجعتها، ضاجعتها مرتين: حسناً، الباب الواصل، وبحوزتي المفتاح، أمضيت الليالي دوماً نصف مستيقظ ومتوثب، كان شيئاً لا مفر منه. إلى جانب أنه عندما أكون معها لم يكن هناك خطر، لا شيء يمكن أن يحدث لها وأنا فوقها وذراعي حولها، وأنا فوقها كانت آمنه، كما ترين.”-” الجنس هو المكان الأكثر أمناً،” فكرت،” تتحكم بالآخر، تبقيه مشلولاً وآمناً.”

كان قد مضى وقت طويل منذ أن كنت في ذلك المكان الآمن. – ” لكن بالتأكيد، تضاجع امرأة مرتين وتتعلق بها. حسناً، ليس ذلك التعلق، كان لدي حبيبة أيضاً، لكن ليس لأن من المتوجب عليّ ذلك، لكن الأمر مختلف، لقد لمستها، قبلتها ولم تعد تنظر إليها بنفس الطريقة أبداً، وهي عاملتك بحب أيضاً.” تساءلت فيما إذا كنت سأعامله بحب بعد الجلسة التي تنتظرنا. أو سيتعلق بي بسبب ذلك. لم أقاطعه.” لذا بعيداً عن الضغط الذي ينطوي عليه العمل، كان هناك أيضاً القلق، لا أقول الذعر، لا أريد أن يحدث لها أي شيء، ذلك كان آخر شيء في العالم أرغبه. باختصار، كان مزعجاً حقيقة، عدا ذلك، مهمة سهلة.”

“مزعج” و ” مهمة سهلة”، تسمع تلك الكلمات أقل وأقل، بدتا فكهتان في الغالب.

“نعم،” قلت. ” ما الذي حدث، هل اشمأزت؟” سألت، غير متوقعة منه أن يجيب مؤكداً. في الواقع، قد قال لي ما حدث وتوقف متفكراً قبل أن يخبرني بالبقية.

 وضع لورين قبعته وتنفس بصعوبة من خلال المنخرين الرطبين كما لو كان يستجمع القوة قبل أن يفعل شيئاً يتطلب جهداً. غطت حافة قبعته عينيه الرماديتين الباردتين، لم يكن وجهه الآن سوى أنف وشفتين، الشفتان الظريفتان اللتان لن أقبلهما. لم يكن هناك قبل على الفم في أفلام “البورنو”.

“لا، خسرت عملي. فشلت. ذبحت الأميرة نفسها في مطبخ منزلها منذ ثلاثة أسابيع، عند منتصف الليل، ولم أسمعها تغادر غرفة النوم حتى، ما رأيك في ذلك؟ بقيت دون أحد أعتني به، كارثة، كارثة محققة” للحظة، كانت تستولي عليَّ فكرة أن الممثل لورنزو كان ربما يتصرف رغبة في إلهائي وإراحة أعصابي. فكرت للحظة بفتاتي الصغيرة، التي تركتها مع إحدى الجارات. وقف، مشى حول الغرفة، في نفس الوقت شد بنطاله الجينز. توقف بجانب الباب المغلق الذي سنعبر من خلاله. فكرت بأنه كان سيلكمه، لكنه لم يفعل. قال بعصبية: ” متى سنبدأ، ليس لدي كل اليوم لأمضيه منتظراً.”

___________________________________________

خابيير مارياس

كنتُ أراهما بشكلٍ يوميّ على مدى ثلاثة أسابيع، ولا أعرف ما حلَّ بهما. ربما لن أراهما مجدّدًا قطّ ـــ أو لن أراها هي على الأقلّ. يميل المرءُ إلى الظنّ أنّ محادثات الصيف، وأسرارَه أيضًا، لن تؤدّي إلى أيّ مكان. لا يملك أحدٌ أن يعترض على ذلك، ولا أنا نفسي؛ ومع ذلك أتساءل عنهما أو ربّما أفتقدُهما قليلًا. فقط قليلًا جدًّا، كما يفتقد المرءُ كلَّ ما يختفي.

كنتُ أراهما على الشاطئ بشكلٍ دائمٍ تقريبًا، حيث يتعذّر أن تنظر إلى أيّ شخصٍ نظرةً فاحصةً، لاسيّما في حالتي، لكوني مصابًا بحسر البصر، وأفضّل رؤيةَ الأشياء من خلال غشاوةٍ على أن أعود إلى مدريد بما يشبه قناعًا أبيضَ على وجهي المسمرّ في باقي نواحيه. ولم أضَعْ يومًا عدستيّ اللاصقتيْن عند ذهابي إلى الشاطئ أو البحر، حيث يمكن أن تضيعا إلى الأبد. إلا أنّني، منذ اللحظة الأولى، انتابني إغراءُ التنقيب في الحقيبة التي تحتفظ فيها زوجتي لويزا بعلبة نظاراتيّ ـــ حسنًا، في الحقيقة كانت هي مَن أغراني بذلك، لأنّها ـــ إذا استطعتُ أن أصف الأمرَ على هذا النحو ــــ كانت تنقل إليَّ باستمرارٍ ما يقوم به أكثرُ السابحين المحيطين بنا غرابةً من ضروب النشاط الأكثر غرابة.

“نعم، أستطيع رؤيته، لكنْ على نحو غامض فقط. لا أستطيع تمييزَ قسماته الفعليّة،” أقول بصوت خفيض على غير حاجة، نظرًا إلى ارتفاع الضجيج على الشاطئ، حين تشير إلى شخصٍ وجدتْه مسلّيًا بصورةٍ خاصّة. وقد أؤذي عينيّ بشدّةٍ حين أمتنعُ عن إخراج نظارتيّ لمجرّد أنّني لا أريد إعادتَهما إلى مخبئهما حال إشباع فضولي. وذاتَ يوم مرّرتْ لي لويزا  ــــ التي تعرف أغربَ الأشياء وأقلَّها أهميّةً وتفاجئني دومًا بنُبَذٍ من معارفَ مفيدة ــــــ قبّعتَها المصنوعةَ من القشّ، وهي أقربُ إلى يدي من النظّارتيْن المخفيّتيْن لأنها كانت على رأسها ــــــ ونصحتني بأن أنظر من خلال خيوطها. فاكتشفتُ أنني أستطيع، بالتحديق من خلال هذا “المنخل،” أن أرى كما لو كنتُ أضع عدستيّ اللاصقتين تقريبًا، بل بشكلٍ أوضحَ في الواقع، بالرغم من أنّ مجال رؤيتي قد صغر إلى حدٍّ كبير. منذ ذلك الحين، لا بدّ من أنّني أصبحتُ، أنا نفسي، أحدَ أكثر روّاد الشاطئ تميّزًا أو غرابةَ أطوارٍ، علمًا أنّني غالبًا ما كنتُ أعتمر قبّعةً نسائيّةً مصنوعةً من القشّ، مزيّنةً بشرائط، مثبتةً إلى وجهي بيمنايَ، فيما أنا أمسح بناظريَّ طولَ الشاطئ وعرضَه قرب [خليج] فورنيلس، حيث كنّا نقيم. اشترت لويزا ــــــ من دون أن تنبس بكلمةٍ تنمّ عن تذمّر أو إشارةٍ إلى ضيق ــــــ قبّعةً أخرى لم تحبّها كثيرًا، لأنّ القبّعة الأولى التي كانت تنوي استعمالَها لتحمي وجهَها ــــــ وجهَها الحسنَ الملامح، السمحَ، الخالي حتى الآن من التجاعيد ــــــ أصبحتْ لي، ليس من أجل رأسي، بل من أجل عينيّ: إنّها القبّعةُ التي رأيتُ من خلالها.

ذات يوم، كنّا نستمتع بمتابعة مغامرات بحّارٍ إيطاليٍّ صغير، متمرّدٍ، عمرُه سنة فقط، لا يرتدي إلّا قبّعةَ بحار. وكان يتجوّل فيما نحن نتبادل الأخبارَ، هنا وهناك، مدمِّرًا ليس فقط التحصيناتِ الرمليّةَ التي بناها إخوتُه وأقرباؤه الأكبرُ سنًّا ومن دون شك بعضٌ من أصدقاء أسلافِه منذ زمن طويل. وكان يفعل ذلك بالثقة التي شرب فيها الماءَ المالحَ (بدا أنه ابتلع جالوناتٍ منه)، من دون أيّة مبالاةٍ من طرف العائلات التي كانت ترافقه. كان يضيع قبّعته البحريّة مرارًا وتكرارًا ليبقى بعدئذ في عريٍ تامّ، مستلقيًا على الشاطئ مثلَ كيوبيد مطرود. وفي يومٍ آخر، تتبّعنا الانتقاداتِ الاستبداديّة والذهاباتِ والإياباتِ المتثاقلةَ لكهلٍ إنكليزيّ ــــــ وكانت الجزيرةُ تموج بالبريطانيين ــــــ واصل إبداءَ التعليقات المتتالية عن الحرارة، والرمل، والرياح، والأمواج، بكلامٍ واثقٍ وطنّانٍ كما لو أنّه ينطق بسلسلةٍ من الحِكَم أو الأمثال العميقةِ المدروسة مليًّا. كانت لديه فضيلةُ الاعتقاد ــــــ من النوع الذي أمسى نادرًا على نحوٍ متزايد ــــــ أنّ كلّ شيءٍ مهمٌّ، أو بالأحرى أنّ كلَّ ما ينبع من المرء يمتلك فضيلةَ أن يَعرف فرادته. كانت طبيعتُه الخاملة بيّنةً في طريقته في الجلوس ــــــ ساقاه مبسوطتان دومًا على نحوٍ غير أنيق ــــــ وفي حقيقةِ أنّه لم يخلعْ قطُّ الكنزة الخضراء التي حمى بها صدرَه العريضَ من الشَّمس، ولو لم ينزل إلى الماء. وغنيّ عن القول إنّه لم يسبحْ قطّ، وعندما خاض في البحر لم يبتعدْ كثيرًا أبدًا، وقد فعل ذلك فقط كي يلْحق بأحد أولاده كي يلتقط له أو لها صورةً فوتوغرافيّةً مقرّبة أو من زاوية تصويرٍ جيّدة. وقد يعود إلى الشَّاطئ وبطنُه الأخضرُ، لا صدرُه على سبيل المثال، قد بلّلته الأمواجُ، متمتمًا بمزيدٍ من التصاريح التي لا تُنسى، وقد بدّدتها الريحُ في الحال، ويضغط آلةَ التصوير على أذنه، كأنّها مذياع، قلقًا على ما يبدو من أن تكون قد تبلّلتْ؛ وهذه على ما أتصوّر طريقةٌ بدائيّةٌ للتحقّق من أنّها لم تصب بأذًى. أو أنها كانت آلة تصوير ومذياعًا في آن، كما اعتقدنا.

ثم رأيناهما ذاتَ يوم. أقصد أنّهما لفتا انتباهَنا ــــــ حسنًا، انتباهَ لويزا أولًا، وأنا من بعدها من خلال قبّعتي الناظرة. منذ ذلك الحين أصبحا الأثيريْن لدينا، وفي كلّ صباح، ومن دون إدراك، صرنا نبحث عنهما قبل اختيار مكان جلوسنا، ومن ثم نتّخذ مكانًا قريبًا إليهما. مرّةً سبقناهما في الوصول إلى الشاطئ، لكنْ سرعان ما رأيناهما يَصْخبان على درّاجة هارلي دايفيدسون هائلةِ الحجم: هو وراء المقود يرتدي خوذةً سوداء (أربطتُها مرخيّة)، وهي متشبّثة به، يتطاير شعرُها الطويلُ خلفها. أظنّ أنّ ما دفعنا إلى ابتغاء رفقتهما هو أنّهما قدّما لنا فرجةً نادرةً، من النوع الذي يصعب عليك دومًا أن تشيح ببصركَ عنه: مشهدًا لكائنٍ بشريّ مولعٍ بآخر. وتبعًا للقاعدة القديمة والصحيحة حتى الآن، كان الرجل هو القائمَ بفعل الولع، وكانت المرأة هي المعبودة اللامبالية كما ينبغي (أو ربما كانت سئمةً فقط وتتمنّى لو أنّ لديها ما تشتكي منه). كانت جميلة، متكاسلة، مستسلمة، وبطبعها خاملة. وطوال الساعات الثلاث التي أمضيناها على الشاطئ يوميًّا (هما مكثا فترةً أطول، وربما يقضيان قيلولتهما هناك، ومَن يعلم، فقد يبقيان حتى الغروب)، لم تكد تتحرّك، ولم تكن مهتمّةً، بالطبع، سوى بتجميل نفسها وبنظافتها. أغفت أو كانت، مهما يكن من أمر، مستلقيةً وهي مغمضةُ العينين، على بطنها، أو ظهرها، أو جنبها، أو على الجنب الآخر، مكسوّةً بالواقي الشمسيّ، ذراعاها النيّران وساقاها ممدودةٌ دومًا بحيث لا يبقى أيُّ جزءٍ من جسمها إلّا مسفوعًا؛ ما من ثنيةٍ في جلدها، ولا حتى إبطيْها أو حقوها (أو من نافل القول، ردفيْها)، لأنّ القطعة السفليّة من لباسها البحريّ كانت بالغةَ الصغر وكشفتْ عن خلوّها من الشعر تمامًا، ما يدفع المرءَ إلى التفكير (حسنًا، دفعني أنا إلى التفكير) أنّها لا بدّ من أن تكون قد استَعملت الشمعَ البرازيليّ قبل قدومها. قد تعتدل في جلستها بين الحين والآخر، ومن ثم تقضي وقتًا طويلًا وركبتاها مرفوعتان، في ما هي تطلي أظافرَها، أو تتفحّص وجهَها أو كتفيْها بمرآةٍ صغيرةٍ في يدها، باحثةً عن الشوائب أو الشعر غيرِ المرغوب. كان مستغربًا أن تراها ممسكةً بالمرآة لتوجِّهها أمام الأجزاء الأقلّ توقعًا من جسدها (لا بدّ من أنها كانت مرآةً مكبّرة)، لا نحو كتفيْها فقط، أقصد، بل نحو مرفقيْها، وبطّتيْ ساقيْها، ووركيْها، ونهديْها، وباطنِ فخذيْها، بل سرّتها أيضًا. أنا واثقٌ بأنّ الزغب لم يتجمّعْ يومًا في سرّتها، وربما ما أرادته سيّدتُها هو أن تخفيه تمامًا. عدا عن لباسها البحريّ (البكيني) البالغِ الصغر، كانت تلبس أساورَ، وعدّة خواتم لا تقلّ عن ثمانية، موزّعةٍ على أصابعها. لم أرها تجازف في خوض الماء إلّا نادرًا. قد يسهل القولُ إنّ جمالها كان تقليديًّا، لكنه سيكون وصفًا هزيلًا، أو فضفاضًا أو غامضًا أكثرَ ممّا ينبغي. الأحرى أنّ جمالها كان غير حقيقيّ، وهذا يعني أنّه كان مثاليًّا. إنّه ما يظنّ الأطفالُ أنّه الجمال، وهو دومًا تقريبًا (ما لم يكن الأطفالُ قد انحرفوا) جمالٌ نقيٌّ غيرُ مشوب، مستريحٌ، سهلٌ، بلا حراك، ببشرةٍ ناصعةِ البياض، ونهدين كبيرين، وعينين مستديرتين، أو على الأقلّ ليستا لوزيّتين، وشفتين متماثلتين، وهذا يعني أنّ الشفة العلويّة والسفليّة متطابقتان، كما لو أنّ كلتيْهما شفةٌ سفلى: إنّه الجمال الذي تراه في الرسوم المتحرّكة، أو إذا شئتَ، في الإعلانات… وليس في أيّ إعلان، بل في الإعلانات التي تراها في الصيدليّات، خاليةً بشكلٍ متعمّد من أيّ تلميحٍ إلى الشهوانيّة التي قد تزعج نساءً أخرياتٍ أو تزعج الكبارَ في السن، وهم الأكثرُ تردّدًا على الصيدليّات. ولكنّه لم يكن كذلك جمالًا بتوليًّا. وبالرغم من أنّني لن أقول إنّه كان جمالًا شاحبًا كالحليب ــــــ أو ربما “قشديّ” هي الكلمة المناسبة إذ كان من النوع الذي يستغرق وقتًا كي يتحوّل إلى بنّيّ (كان جلدُها لامعًا، لكنْ ليس ذهبيًّا) ــــــ مثل جمال لويزا، فقد كان جمالًا سلسًا، حسيًّا، لكنْ ليس من النوع الذي يصْرخ لك بأن تلمسه (إلّا عندما يُكسى بالملابس ربّما)، كما لو أنّه قد يذوب لدى أدنى اتصال، كما لو أنّ مجرد ملامسةٍ أو قبلةٍ رقيقةٍ يمكن أن تتحوّل إلى عنفٍ أو اغتصاب.

لا ريب في أنّ مُرافقها شعر الشعورَ نفسَه، على الأقلّ خلال ساعات النهار. كان في وسعك أن تدعوه سمينًا أو حتى ضخمًا أو بدينًا، ولا بدّ من أنّه كان يكبرها بأكثر من ثلاثين سنةً. ولقد خالَ، مثلَ الكثير من الرجال الصلعان، أنّ في وسعه تعويضَ ما ينقصه من شَعرٍ بتسريح القليل ممّا لديه إلى الأمام، على الطريقة الرومانيّة (التي لم تنجح يومًا)، وبتنمية شاربٍ كثّ. واعتقدَ أيضًا أنّه يستطيع إخفاءَ عمره، في هذا المكان بالتحديد، بارتداء لباسِ بحرٍ ذي لونين، أي الساق اليمنى خضراءُ زيزفونيّة اللون، واليسرى أرجوانيّة، على الأقلّ تلك كانت ملابسَه المختارة في ذلك اليوم الأول، لأنّه، مثلها، نادرًا ما ارتدى لباسَ البحر نفسَه مرتين. بدا اللونان (طرازُ السروال لم يتنوّع أبدًا، فقط الألوان) متعارضيْن بثبات، بالرغم من أنّهما كانا دومًا توليفيْن مبتكريْن جدًّا: أزرقَ رماديًّا ومشمشيًّا، خوخيًّا وبلون زهرة الخبيزة، لازورديًّا وأخضرَ نيليًّا. كانت السراويل ضيقةً بقدْرِ ما يسمح به جسدُه المنتفخ ــــــ لم يكن صائبًا، في الحقيقة، القولُ إنّ للسراويل ساقين ــــــ وهذا عنى أنّ تحرّكاته كانت مقيّدةً على نحوٍ طفيفٍ بالخوف من تمزّقِ لباس البحر في أيّ وقت. ذلك لأنّه كان في حركةٍ دائمةٍ رشيقة، ممسكًا بآلة التصوير. وفي حين بقيتْ رفيقتُه ثابتةً تمامًا أو متبطّلةً لساعاتٍ بلا توقف، فإنّه لم ينقطع عن الطواف حولها، وهو يصوّرها بلا كلل: قد يقف على أطراف أصابع قدميْه، ينثني، يستلقي على الأرض، على ظهره أو بطنه، يلتقط لقطاتٍ محوريّة، متوسّطةَ المدى، صورًا مقرّبةً، متعاقبةً، وبانوراميّة، من الأعلى ومن الأسفل، للوجه، ومن الجانب، ومن الخلف (من كلا الجانبيْن)؛ صوّر وجهَها الهامد، كتفيْها المدوّريْن بنعومة، نهديْها الضخميْن، وركيْها العريضيْن نوعًا ما، فخذيْها المشدوديْن، قدميْها الأبعد من أن تكونا ضئيلتيْن، وأظافرهما المطليّة بعناية، باطنَ قدميْها، بطّتيْ ساقيْها، حقويْها وإبطيْها الحليقة. صوّر قطراتِ العرق التي أثارتها الشمسُ، ربما صوّر مسامَها أيضًا ــــــ بالرغم من أنّ جلدها الناعمَ المتّسق ذاك بدا عديمَ المسام، من دون تغضّناتٍ أو كدمات، ولم تكدّر ردفيْها أيّةُ علامةِ مطّ. صوّرها الرجلُ السمينُ كلّ يوم على مدى ساعات، مع بعض الاستراحات، المشهدَ نفسَه دومًا: سكونَ الجمال المصطنع الذي يصحبه، وضجرَه. لم يكن مهتمًّا بالرمل أو بالماء، الذي يتغيّر لونُه مع تقدّم ساعات النهار، أو بالأشجار، أو بالصخور البعيدة، أو بطائرةٍ ورقيّةٍ تحلّق، أو بمركبٍ يبتعد، أو بالنساء الأخريات، أو بالبحّار الصغير الإيطالي، أو بالإنجليزيّ المستبدّ، أو بلويزا. لم يطلب من الشابّة أن تفعل شيئًا ــــــ أن تلعب الألعاب، أن تبذل جهدًا أو أن تتّخذ وضعيّةً خاصّةً. بدا قانعًا بتسجيلٍ بصريّ، يومًا بعد يوم، لتلك الشخصيّة العارية المنحوتة، ولذلك اللحمِ الطيّع المتواني، ولذلك الوجهِ غير المعبِّر، ولتلك العيون المغلقة أو ربما المتأنِّفة، لركبةٍ تنثني، أو لنهدٍ يميل، أو لسبّابةٍ تمسح ببطءٍ بقعةً من على خدّ. كان جليًّا أنّ ذلك المنظرَ الرتيب يشكّل مصدرًا خالدًا للدهشة والجِدّة بالنسبة إليه. وحيث لم تكن لويزا أو أنا أو أيُّ شخصٍ آخر لنرى سوى تكرارٍ ومللٍ، كان لا بدّ من أنّه في كلّ لحظةٍ يرى مشهدًا لافتًا، متعدّدَ الأشكال، متنوّعًا، ومستحوِذًا، كحالِ لوحةٍ فنيّةٍ حين ينسى المشاهدُ أمرَ لوحاتٍ أخرى تنتظره ويفقد كلَّ إحساسٍ بالزمن، ويفقد أيضًا، من ثمّ، عادةَ النظر، التي استُبدلتْ أو حلّت محلَّها ــــــ أو ربّما استُبعدتْ ــــــ بالمقدرة على الرؤية، وهذا ما لا نفعله أبدًا تقريبًا لأنه على خلافٍ كبيرٍ مع الزمنيّ الصرف. ذلك لأنّ المرء حينئذٍ يرى كلَّ شيء، الأشخاصَ والخلفيّة، الضوءَ، التركيبَ والظلال، الأبعادَ الثلاثة والمستوي، الصباغَ والخطّ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كلّ ضربةِ فرشاة. أي إنّ المرء يرى، في آنٍ معًا، ما هو مرسومٌ والسَّطح الخشن للكانفاس، وحينها فقط يمكن أن يرسم الصورة ثانيةً بعينيه.

تحدّثا قليلًا، وبين الحين والآخر فقط، بجملٍ قصيرةٍ لا تتحوّل أبدًا إلى محادثةٍ أو حوار، إذ مات أيُّ تلميحٍ إليهما من تلقاء نفسه، يقطعُه الاهتمامُ الذي كانت المرأةُ تمنحه جسدَها، الذي كانت غارقةً فيه تمامًا، والاهتمامُ غيرُ المباشر الذي كان الرجل يمنحه جسدَها أيضًا، من خلال آلة تصويره. في الواقع، لا أذكر أنّه توقف قطّ لينظر إليها مباشرةً، بعينيه، من دون أن يَحُول شيء بين عينيه وبينها. وفي هذا كان مثلي، لأنّني رأيتُهما، بدوري أيضًا، إمّا من خلال غشاوة حسر بصري، أو من خلال قبّعتي المقرِّبة. من بيننا نحن الأربعة، كانت لويزا وحدها التي رأت كلَّ شيء من دون صعوبة أو وساطة لأنني لا أظنّ أنّ المرأة نظرتْ أو رأت أيَّ شخص، وهي نفسُها استعملتْ مرآتها غالبًا كي تتفحّص وتفتّش فقط، وغالبًا ما كانت تضع نظارة شمسيّة عصريّة باهظة الثمن.

“الشَّمس حارّة اليوم، أليست كذلك؟ يجب أن تضعي كميّةً إضافيّةً من الواقي الشَّمسيّ، أنت لا ترغبين في الاحتراق،” يقول الرجلُ البدين، في وقفةٍ عابرةٍ عن جولاته الدائريّة حول جسد معبودته. وعندما لا يلقى جوابًا فوريًّا سينطق باسمها، كما تنطق الأمُّ بأسماء أولادها: “إينيس. إينيس.”

“نعم، إنّها بالتأكيد أكثرُ حرارةً من البارحة، لكني وضعتُ بعض الواقي الشمسيّ رقم 10، فلن أحترق،” أجاب الجسدُ، إينيس، على مضضٍ، وبصوتٍ يكاد لا يُسمع، وهي تنتف شعيْرةً من ذقنها بملقطٍ صغير.

وستنتهي المحادثة عند هذا الحدّ.

وذاتَ يوم قالت لويزا (فنحن تبادلنا الأحاديث فعلًا):

“بصراحة، لا أعرف إنْ كنتُ سأستمتع بأن أتصوّر، حالَ المسكينة إينيس. هذا قد يثير قلقي، مع أنّني إخالُ أنّني سأعتادُه في النهاية إنْ كان أحدُهم سيفعل ذلك طوال الوقت كما يفعل الرجلُ البدين. ومن ثمّ ربّما سأعتني بنفسي كما تفعل، بالرغم من أنّها قد تكون يقظةً إلى هذا الحدّ فقط لأنّها عرضةٌ للتصوير باستمرار، أو لأنّها ستشاهد نفسها لاحقًا على شاشة، أو ربّما تفعل ذلك لأجل الذريّة.”

فتّشتْ لويزا في حقيبتها، فأخرجتْ مرآةً صغيرة، وتفرّستْ في عينيها، اللتين كان لونُهما في الشمس بلون الخوخ، وفيهما نقاطٌ قزحيّةُ اللون. “ومن جديد، أيُّ ذريّةٍ سوف تريد أن تضيع وقتَها في مشاهدة هذه الأشرطة المصوّرة المملّة؟ هل تظنّ أنّه يصوّرها بقيّة اليوم أيضًا”؟

“ربّما،” قلت. “ولماذا يحدّ نفسَه بالشَّاطئ؟ أشكّ في أنّه يحتاج إلى ذريعة كي يراها عارية.”

“لا أظنّ أنه يصوّرها لأنّها عارية، بل طوال الوقت، ربما حتى وهي نائمة. إنه لأمرٌ مؤثّرٌ حقيقةً. فمن الواضح أنّه لا يفكّر إلّا فيها. لكنّني لا أعرف إنْ كان ذلك سيعجبُني. المسكينة إينيس. لا تبدو أنّها تمانع.”

***

تلك الليلة، عندما أوينا إلى سريرنا المزدوج في الفندق، في وقتٍ واحد، كلٌّ على جهته، استلقيتُ وأنا أفكّر في الأشياء التي قلناها ودوّنتُها للتو. عاجزًا عن النوم، أمضيتُ وقتًا طويلًا أراقب لويزا نائمةً في الظلمة، وليس يضيئها سوى نورِ القمر. “مسكينة إينيس،” كانت قد قالت. كانت تنفّسُها خافتًا جدًّا، لكنّه لا يزال مسموعًا في صمتِ الغرفةِ والفندقِ والجزيرة. وكان جسدُها ثابتًا، بصرف النظر عن جفنيْها، اللذين كانت عيناها تتحرّكان تحتهما بلا شكّ، كأنّهما لم تستطيعا أن تأْلفا ألّا تفعلا ليلًا ما كانتا تفعلانه آناءَ النهار. فكّرتُ: ربّما يكون الرجلُ البدين هو الآخر يقظًا، يصوّر جفنَي الجميلة إينيس الساكنيْن تمامًا، أو ربّما يسحب الملاءاتِ عنها، وبحذرٍ شديدٍ يسوّي جسدَها في وضعيّاتٍ مختلفةٍ ليصوّرها في نومها: برفع قميص نومها ربّما، أو بمباعدةِ ساقيْها إذا لم تكن ترتدي قميصَ نومٍ أو بيجاما. ولويزا لم ترتدِ في الصيف قميصَ نومٍ أو بيجاما، بل لفّت الملاءةَ من حولها مثل ثوبٍ رومانيّ (توجة)، تضمّها إليها بيديْها معًا، مع أنّ إحدى كتفيْها أو نقرةَ عنقها قد تنكشف أحيانًا، وحينها ــــــ إذا لحظتُ ذلك ــــــ أغطّيها دائمًا. أحيانًا كان عليّ أن أناضل قليلًا لأتأكّدَ من وجود جزءٍ كافٍ من الملاءة على جانبي من السرير. لكنْ حدث هذا في الصيف فقط.

نهضتُ ومضيتُ نحو الشُّرفة لقتل الوقت حتى يأتيني النَّوم. ومن هناك، مستندًا إلى الدرابزين، تطلّعتُ إلى السَّماء، ثمّ إلى أسفل. حينها خُيّل إليَّ أنّني رأيتُ البدينَ جالسًا بمفرده، بمحاذاة حوض السِّباحة، في العتمة، والمياهُ لا تعكس إلّا النجوم. لم أتعرّف إليه أوّلَ الأمر، لأنّه كان من دون الشَّارب الذي اعتدتُ رؤيتَه كلّ يوم، بما في ذلك هذا الصباحَ نفسَه، ولأنّه كان على عيوننا أن تكيّف نفسَها لكي ترى شخصًا، اعتدنا رؤيتَه عاريًا، ولكنّه الآن بكسوته الكاملة. كانت ملابسُه مثلَ ثوب السباحة الثنائيّ اللون، قبحًا وتنافرًا. كان يرتدي قميصًا فضفاضًا، بدا أسودَ اللون من شرفتي (من بعيد) لكنّه ربّما كان مشجّرًا، وبنطالًا واسعًا زاهيَ اللون، بدا لونُه أزرقَ فاتحًا جدًّا، وربما كان ذلك بسبب انعكاس الماء القريب غير المرئيّ، الذي كان يمكن لشدّة قربه أن يبلّله بالرذاذ لو كانت ثمّة أمواج. وكان ينتعل خفًّا أحمرَ، وبدت جواربُه (تخيّل ارتداءَ جوارب على جزيرة!) من لون بنطاله، لكنّ ذلك أيضًا قد يكون بتأثير انعكاس ضوء القمر على المياه. كان يوسّد رأسَه إحدى يديْه، والمرفقُ المقابلُ على ذراع كرسيّ شاطئ، مزيّنٍ برسوم من الزهور (كان هناك نموذجان متاحان من الكراسيّ قرب الحوض: مخطّطٌ ومزهر). لم تكن معه آلةُ التصوير. لم أكن أعرف أنّهما كانا يقيمان معنا في الفندق نفسه، إذ إنّنا لم نرهما سوى على الشاطئ المجاور، شمالَ فورنيلس، في الصباحات. كان بمفرده، هامدًا مثلَ إينيس، مع أنّه بين الحين والآخر كان يبدّل وضعيّةَ الرأس والمرفق المسترخية تلك بوضعيّةٍ أخرى معاكسةٍ فيما يبدو، فيغدو وجهُه مدفونًا بين يديْه، وقدماه ممدودتيْن، كأنّه منهك أو متوتّر أو ربّما يضحك بينه وبين نفسه. عند نقطة معيّنة خلع فردةً من حذائه، أو أفلتتْ منه من دون قصد، لكنّه لم يبسط قدمَه في الحال لاستعادتها، بل مكث على هذه الحال وقدمُه المجوْربةُ على العشب، ما جعله يبدو بائسًا؛ على الأقلّ هذا ما رأيتُه من مكاني في الطابق الرابع.

كانت لويزا نائمةً، وقد تكون إينيس نائمة أيضًا؛ فهي ربّما تحتاج إلى عشر ساعات على الأقلّ من النوم لكي تحافظ على جمالها الثابت. ارتديتُ ثيابي في الظلمة حريصًا على عدم إصدار أيّ ضوضاء، وتـأكّدتُ من أنّ لويزا ملتحفةٌ جيّدًا في ملاءتها التي تلفّها عليَّها مثل توجة (toga). ومع أنّها غفلتْ عن مغادرتي السرير، فإنّها لا بدّ من أن تكون قد أحسّت بذلك أثناء نومها، لأنّها باتت الآن تستلقي على نحوٍ مائل، غازيةً مساحتي من السرير بساقيْها. نزلتُ بالمصعد من دون أن أتحقّق من الوقت، ومررتُ بالحارس الليليّ الذي كان نائمًا على نحوٍ غير مريح، رأسُه على النضد كأنّه موضوعٌ تحت مقصلة.

كنت قد تركتُ ساعتي في الغرفة، وكان السكونُ يعمّ المكان، بمعزلٍ عن الضجّة الخفيفة التي أحدثتُها بخفّي الأسود (وأنا لم أكن أرتدي جواربَ). فتحتُ البابَ الزجاجيّ الذي يفضي إلى حوض السباحة، وحالما صرتُ على العشب في الخارج أغلقتُه في الحال. رفع الرجلُ البدينُ رأسه. ألقى نظرةً إلى الباب، فلحظني من فوره، على الرغم من أنّه لم يتمكّن من تمييزي، أقصد أنّه لم يتعرّف إليَّ في الضوء الشاحب. لهذا السبب، لأنّه لحظني في الحال، تحدّثتُ إليه، فيما أنا أمشي نحوه، وفيما بدأت انعكاساتُ القمر في المياه تكشفني وتُغيّر ألواني كلّما اقتربتُ.

“لقد حلقتَ شاربك،” قلتُ، وأنا أمرِّر سبّابتي على المكان الذي ينبت فيه الشاربُ عادةً، غيرَ واثقٍ تمامًا بضرورة الإدلاء بتعليقٍ كهذا. بحلول اللحظة التي كان يمكن أن يجيبَني فيها كنتُ قد وصلتُ إلى جانبه وجلستُ على كرسيِّ بحرٍ آخرَ، مخطّطٍ، إلى جواره.  كان قد اعتدل في جلسته، مسندًا يديْه على ذراعَي الكرسيّ، وهو ينظر إليّ مربكًا بعض الشيء، ومن دون أيّ شبهةِ تشكيك، كما لو أنّه لم يفاجأْ مطلقًا برؤيتي، أو برؤية أيّ شخصٍ آخر، هناك. أظنّ أنّها كانت تلك هي المرّةَ الأولى التي أرى فيها وجهَه مباشرةً ــــــ من دون أن تكون آلةُ التصوير على عينيْه أو القبّعةُ على عينيّ ــــــ أو عن قربٍ، ببساطة. وكان بصري قد اعتاد الآن الضوءَ الخافتَ، بعد الفترة الوجيزة التي أمضيتُها في التحديق من الشرفة.  كان ذا وجهٍ أليفٍ، وعينيْن يقظتيْن، ولم تكن قسماتُه قبيحةً؛ حسبُه أنّه بدين. ولقد بدا لي مثلَ أولئك الرجال الصلعان الوسيمين، كالممثّل ميشيل بيكولي، أو ريتشر عازفِ البيانو. بدا أصغر سنًّا من دون شاربه، أو ربّما كان كذلك بسبب الخفّ الأحمر، الذي كانت إحدى فردتيه مقلوبةً على العشب. ولكنْ لا بدّ من أنّه كان في الخمسين من عمره على أقلّ تقدير.

“أوه هذا أنت. لم أتعرّفْ إليك أوّل الأمر وأنت في ملابسك؛ فنحن كنّا نرى بعضنا بعضًا عادةً في ثياب البحر.” قال بالضبط ما سبق أن فكّرتُ فيه عندما كنتُ في غرفتي فوق. فلقد أمضيْنا تقريبًا ثلاثة أسابيع نرى بعضنا بعضًا يوميًّا، ومن المستحيل ألّا تكون عيناه المشغولتان قد تريّثتا، ذاتَ لحظة، بالرغم من كلّ شيء، عليَّ أو على لويزا. “ألا يمكنك النوم؟”

“لا،” قلت. “المكيّف في الغرفة لا يساعد دومًا. الأفضل الخروج إلى هنا. هل تمانع في انضمامي إليك لفترة؟”

“كلّا، بالتأكيد كلّا، أُدعى ألبرتو فيانا،” وصافحَني،” أنا من برشلونة.”

“أنا من مدريد،” قلتُ وأخبرتُه باسمي. ران صمتٌ، وتساءلتُ إنْ كان عليَّ أن أبدي ملاحظةً تافهةً حول الجزيرة أو العُطَل أو ملحوظةً أخرى من النوع التافه نفسِه عن النشاطات التي شهدناها على الشاطئ. كان فضولي بشأن تلك النشاطات هو ما قادني إلى جانبه عند حوض السباحة ــــ حسنًا، فضولي ذاك وأرَقي، على الرغم من أنّه كان بإمكاني مواصلة النضال مع أرقي في الغرفة، أو حتى بإيقاظ لويزا، لكنّني لم أفعل. كنتُ أتحدّث بما يشبه الهمسَ. وكان مستبعدًا أن يسمعَنا أحد، لكنّ رؤيةَ لويزا والحارسِ الليليِّ غارقيْن في النوم منحتني شعورًا بأنّ رفعي لصوتي سوف يقلق نومَهما. وفي الحال أصابت نبراتُ صوتي الهادئةُ فيانا بالعدوى، أو هي أثّرت في طريقته في الكلام.

“لاحظتُ أنّك مولعٌ جدًّا بآلات تصوير الفيديو،” قلتُ بعد تلك الوقفة وذلك التردّد.

“آلات تصوير الفيديو؟” قال متفاجئًا بعضَ الشيء، أو كأنّه كان راغبًا في كسب الوقت. “آه، فهمتُ. لا، ليس تمامًا. أنا لا أهوى جمعَ الأشياء. ليست آلةُ التصوير في حدّ ذاتها هي ما يثير اهتمامي، بالرغم من استخدامي إيّاها كثيرًا، بل صديقتي، التي رأيتَها بالتأكيد. أنا لا أصوّر غيرَها، ولا شيءَ سواها. أنا لا أمارس التجاربَ مع آلات التصوير على الإطلاق، وأتصوّر أنّ ذلك بيّنٌ إلى حدٍّ ما. ربما لحظتَ ذلك.” وضحك ضحكةً قصيرةً، نصفَ لاهٍ، نصفَ محرَج.

“نعم، بالتأكيد، لاحظنا ذلك أنا وزوجتي معًا. أظنّ أنّها تشعر بالحسد قليلًا من الاهتمام الذي تُغْدقه على صديقتك. وهذا غيرُ مألوفٍ كثيرًا. أنا لا أملك ولو آلةَ تصويرٍ عاديّةً. لكنْ، من ناحية أخرى، مضى على زواجنا وقتٌ طويل.”

“لا تملك آلةَ تصوير؟ ألا تودّ أن يكون في وسعك أن تتذكّر أمورًا ما؟” سألني فيانا هذا السؤال بارتباكٍ صادق. وكما كنتُ أتصوّر فقد كان قميصُه مشجّرًا، مزيجًا من أشجارِ نخيلٍ متعدّدةِ الألوان ومَراسٍ ودلافينَ ومقدِّماتِ سفن، لكنّ اللون الطاغي هو الأسود الذي سبق أن رأيتُه من غرفتي في الأعلى. لونُ بنطاله وجواربه ما يزال يبدو أزرقَ شاحبًا، أكثرَ زرقةً من بنطالي الأبيض، الذي كان الآن مثلَ بنطاله، معرّضًا لا لضوءِ القمر وحده، بل لانعكاس القمر الشاحب على المياه أيضًا.

“نعم، أودُّ ذلك بالتأكيد، لكنْ يمكنكَ أن تتذكّر الأمورَ بطرقٍ أخرى، أفلا تظنّ ذلك؟ جميعُنا يَملك آلةَ تصويره الخاصّة في ذاكرته، إلا أنّنا لا نتذكّر دومًا ما نريد أن نتذكّره، ولا ننسى ما نفضّل نسيانَه.”

“أيّ هراءٍ هذا،” قال فيانا. كان رجلًا صريحًا، وليس من النوع الحذر على الإطلاق، وقد يقول أمورًا من دون أن يسيءَ إلى محدِّثه. ضحك ضحكةً أخرى مقتضبة. “كيف يمكن أن تقارن ما تستطيع أن تتذكّره بما تستطيع أن تراه، بما تستطيع أن تراه مجدّدًا، تمامًا كما حدث؟ بما تستطيع أن تراه مرارًا وتكرارًا، إلى الأبد، بل تستطيع أن تضغطَ على زرّ التوقف، وهو ما لم تستطع فعلَه عندما رأيتَ ما رأيتَ في الواقع؟ أيّ هراء!” قال مكرّرًا.

“نعم، أنت محقّ،” وافقتُ.” لكنّني لا أظنّ أنّك تخبرني بأنّك تصوّر صديقتك طوال الوقت كي تتمكّنَ من أن تتذكّرها لاحقًا حين تشاهدها على الشاشة. أو لعلّها ممثّلة. فلن يكون لديها الوقتُ حقًّا، بالنظر إلى أنك تصوّرها يوميًّا كما يبدو. وإذا كنتَ تصوّرها يوميًّا فلن يكون هناك وقتٌ لأن يبدأ ما سجّلتَه في مشابهة النسيان، ولأن تشعرَ أنتَ بالحاجة إلى تذكّرها على ذلك النحو المخلص بمشاهدتها ثانيةً على شريط فيديو. إلّا إذا كنتَ تحتفظ بالأفلام إلى الزمن الذي تصبحان فيه طاعنيْن في السنّ وترغب في إحياء ذكرى إقامتك هنا في مينوركا ساعةً بساعة.”

“أوه، أنا لا أحتفظ بجميع أفلامي المصوّرة، لا، فقط بعض الأجزاء الموجزة، ربما ما يقدَّر بشريطٍ واحدٍ كلَّ ثلاثة أشهرٍ أو أربعة. لكنّها جميعها محفوظة في برشلونة. ثم إنّها ليست ممثّلة وما تزال صغيرةً جدًّا. ما أفعله هنا (وفي بلادي أيضًا) هو أنّي أنتظر يومًا قبل أن أمحوَ شريطَ اليومِ السابق، إذا كنتَ تفهم ما أعنيه. لم أستعملْ طوال هذا الوقت سوى شريطين، ودومًا الشريطين نفسيهما. فأسجّلُ على واحدٍ اليوم وأحتفظُ به، ثم أسجّلُ على الآخر غدًا وأحتفظُ به، ومن ثم، في اليوم الذي يليه، أسجّل فوق الأوّل، فأمحوه بتلك الطريقة، وهكذا دواليك، إذا كنتَ تفهم ما أعنيه. انتبهْ: لا أظنّ أنه سيكون لديّ الوقتُ لأصوّر الكثيرَ غدًا لأنّنا سنعود إلى برشلونة. لقد انتهت عطلتي.”

“آه، فهمت. لكنْ ماذا ستفعل عند عودتك؟ ستصنع توليفةً من كلِّ ما صوّرتَه؟”

“لا، أنت لم تفهم. الفيديوهات الفنيّة شيء، وقد صُنعتْ لكي تُحفظَ جانبًا؛ توضع جانبًا، [بمعدّل] شريطٍ واحدٍ كلّ أربعة أشهر تقريبًا. أما الأشرطة اليوميّة فمسألةٌ منفصلة؛ فهذه تُمحى كلّ يومين.”

***

ربّما بسبب تأخّر الوقت (فقد تركتُ ساعتي في الغرفة) كنتُ أشعر بأنّني ما زلتُ غيرَ مستوعبٍ للأمر تمامًا، لا سيّما الجزء الثاني من شرحه. ولم أكن مهتمًّا إلى حدٍّ كبير بالاتجاه الذي نَحتْ إليه المحادثة ـــ حول الفيديوهات الفنيّة (فهذا ما قاله، وقد سمعته) والأشرطةِ الممحوّة، أيْ أشرطة كلِّ يومٍ بيومه. فكّرتُ في أن أقول له “ليلةً سعيدةً” وأعود إلى غرفتي، لكنّني لم أكن أشعر بالنعاس بعد. وفكّرتُ في أنّني لو عدتُ فعلًا فقد ينتهي بي الأمرُ إلى إيقاظ لويزا لمجرّد أن تتحدّثَ إليّ، وهذا لن يكون عدلًا. وبدا من الأفضل التحدّثُ إلى شخصٍ مستيقظٍ سلفًا.

“لكنْ…” قلتُ، “لماذا تصوّرها كلَّ يوم إذا كنتَ ستمحو الأشرطةَ فيما بعد؟”

“أصوّرُها لأنّها ستموت،” قال فيانا. كان قد مدّ قدمَه المجورَبة، وغمس إبهامَها في المياه، محرِّكًا إيّاه ببطءٍ، جيئةً وذهابًا، وساقُه ممدودةٌ بالكامل، لأنّه لم يستطع أن يبلغ أبعدَ من السطح. صمتُّ بضعَ ثوانٍ، ثمّ سألته، وأنا أراقبه وهو يحرّك المياهَ ببطء:

“أهي مريضة؟”

زمّ فيانا شفتيْه ومرّر يدَه على رأسه الأصلع، كأنّه ما يزال يملك شعرًا كان يُملّسه، في الماضي. كان يفكّر. تركتُه يفكّر، لكنّه استغرق وقتًا طويلًا جدًّا. تركتُه يفكّر. أخيرًا تحدّث ثانيةً، لا ليجيب عن سؤالي الأخير، بل عن الذي سبقه.

“أصوّرُها كلَّ يوم لأنّها ستموت، وأرغبُ في أن يكون لديّ تسجيلٌ ليومها الأخير، لما قد يكون يومَها الأخير، فأتمكّن من تذكّره حقيقةً، وأستطيع بعد موتها رؤيتَه من جديدٍ في المستقبل كلّما رغبتُ في ذلك، جنبًا إلى جنب مع الفيديوهات الفنيّة. ذلك لأنّني أحبّ فعلًا أن أتذكّر الأشياء.”

“لكنْ هل هي مريضة؟” سألتُ ثانيةً.

“لا، ليست مريضة،” قال هذه المرّة من دون وقفةٍ للتفكير. “أقلّه على حدّ علمي. لكنّها ستموتُ يومًا ما. أنت تعلم، كما يعلم الجميع، أنّ كلّ الناس سيموتون، بمن فيهم أنا وأنت، وأرغبُ في حفظ صورتها. إنّ آخرَ يومٍ في حياةِ أيّ شخص لهوَ يومٌ مهمّ.”

“بالتأكيد،” قلتُ وأنا أنظر إلى قدمه. “أنت شخصٌ محتاطٌ فحسب. فلربّما تصاب صديقتك في حادث، على سبيل المثال.” وفكّرتُ (لكنْ لوهلةٍ فقط) أنّ لويزا لو ماتت في حادثٍ فلن يكون لديّ الكثيرُ من الصور لتذكّرني بها، بل لا صور تقريبًا. كانت هناك صورٌ متفرقةٌ حول المنزل ـــ صور عاديّة، بالتأكيد، لا فنيّة ـــ لكن القليل منها فقط. وأنا لا أملك بالتأكيد أيّةَ تسجيلاتٍ بصريّةٍ لها.  وبغير قصد، رمقتُ عاليًا الشرفةَ التي كنتُ أراقب منها فيانا. لم تكن هناك أضواءٌ على أيّة شرفةٍ أو غرفة، ومن ثمّ لا أضواء أيضًا في الغرفتين اللتين تخصّان إينيس وفيانا. لم أكن هناك على شرفة غرفتنا الآن. لم يكن هناك أحد.

كان فيانا غارقًا في التفكير مجدّدًا، على الرغم من أنّه رفع قدمَه من الماء وأعادها ثانيةً ـــ كان طرفُ الجورب رطبًا وداكنًا ـــ على العشب. بدأتُ أفكّر في أنّ منحى المحادثة ربّما لم يعجبْه، وفكّرتُ من جديدٍ في أن أقول “ليلةً سعيدةً” وأصعدَ إلى غرفتي. نعم، فجأةً أردتُ الصعود إلى غرفتي لأرى من جديدٍ صورةَ لويزا نائمةً ـــ لا ميتةً ـــ ملتحفةً بغطائها، وربّما إحدى كتفيها مكشوفة. لكنّ المحادثات، عندما تبدأ، لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة. لا يمكن تركُها معلّقةً، باستغلال لحظةِ ذهولٍ أو صمتِ، إلّا إذا كان أحدُ المتحدثيْن غاضبًا. ولم يبدُ فيانا غاضبًا، بالرغم من أنّ عينيه اليقظتيْن بدتا أكثرَ تيقّظًا وحدّةً ممّا كانتا عليه أصلًا؛ وكانت تصعب معرفةُ لونهما في الضوء الذي يسلّطه القمرُ على المياه. أظنّ أنّهما كانتا بنيّتيْن. لا، لم يبدُ غاضبًا، وإنّما منغمسًا فقط في ذاته قليلًا. وكان يقول شيئًا، لا همسًا الآن، بل كأنّه يدمدم لنفسه.

“آسف، ماذا قلت؟” سألتُ.

“لا، ليست المسألة أنّني أظنّ أنّها قد تتعرّض لحادث،” أجاب وصوتُه قد ارتفع كثيرًا فجأةً، وكأنّه أخطأ في تقدير تبديل النبرة بين الحديث إلى نفسه والحديثِ إلى شخصٍ آخر.

“أخفضْ صوتك،” قلتُ قلقًا، على الرغم من أنّ شيئًا لم يكن يدعو إلى القلق، إذ يُستبعد أن يسمعَنا أحد. نظرتُ ثانيةً إلى الشرفات، لكنّها كانت لا تزال جميعُها قابعةً في العتمة، ولم يكن قد استيقظ أحد.

أجفل طلبي فيانا، وفي الحال خفض صوتَه. لكنّه لم يكن مروَّعًا إلى درجةٍ تمنعه دون مواصلةِ ما شرع في قوله بصوتٍ شديدِ الارتفاع. “قلت إنّ المسألة ليست إنْ كنتُ أظنّ أنّها قد تتعرّض لحادث. لكنّها ستموت قبلي بالتأكيد، إنْ فهمتَ ما أعنيه.”

نظرتُ إلى وجه فيانا، لكنّه لم يكن ينظر إلي. كان يحدّق إلى السماء، إلى القمر، متفاديًا عينيّ. كنّا على جزيرة.

“لماذا أنت متيقّنٌ إلى هذا الحدّ إنْ لم تكن مريضة؟ أنت أكبر منها سنًّا بكثير. والأمر الطبيعيّ هو أن تموتَ قبلها.”

ضحك فيانا ثانيةً، وإذ مدّ ساقه أكثر، فقد غمس كاملَ قدمه المجوربة في الماء هذه المرّة وراح يحركها ببطء وتثاقل، أكثرَ من ذي قبل، لأنّ قدمه بأكملها الآن ـــ تلك القدم العريضة البدينة ـــ باتت مغمورةً في الماء.

“[الأمر] الطبيعيّ،” قال ضاحكًا. “الطبيعيّ،” كرّر. “لا شيءَ طبيعيًّا بيني وبينها. أو بالأحرى لا شيءَ طبيعيًّا في ما خصّ علاقتي بها، ولم يكن يومًا كذلك. عرفتُها منذ أن كانت طفلة. ألا ترى؟ أنا أعشقها.”

“بلى، أرى ذلك. من الواضح أنّك تعشقها. أنا أعشق زوجتي لويزا أيضًا،” أضفتُ، رغبةً منّي في مجابهةِ ما اعتبرَه ـــ صراحةً ـــ الطابعَ الاستثنائيَّ لعشقه لإينيس. “لكنّنا، أنا ولويزا، في العمر نفسِه تقريبًا، فمن الصعب أن نَعرف مَن سيموتُ قبل الآخر.”

“أنت تعشقها؟ لا تُثِرْ ضحكي. إنّك لا تملك ولو آلةَ تصوير! ولستَ مهتمًا جدًّا أيضًا بتذكّرها تمامًا كما كانت حين تخسرُها؛ [لستَ مهتمًّا جدًّا] بأن تكون قادرًا على رؤيتها مجدّدًا حين لن تستطيعَ النظرَ إليها.”

هذه المرّة أزعجتني ملاحظةُ البدين فيانا قليلًا، ووجدتُها سليطةً. لاحظتُ ذلك لأنّني شعرتُ أنّ هناك شيئًا ما جريحًا ولاإراديًّا في صمتي التالي، وشيئًا مخيفًا أيضًا، كما لو أنّني لم أعد أجرؤ فجأةً على سؤاله عن أيّ شيء، وكما لو أنّني لم أعد أملك ـــ منذ تلك اللحظة ــــ إلّا خيارَ الإصغاء إلى كلّ ما يختار أن يقولَه لي. كأنّ الملاحظة المفاجئة الفظّة طغت على المحادثة كليًّا. وأدركتُ أنّ خوفي ناجمٌ أيضًا عن استعماله لصيغة الماضي؛ لقد قال “تمامًا كما كانت،” مشيرًا إلى لويزا، في حين كان ينبغي أن يقول “تمامًا كما هي.”

وقرّرتُ أن أتركَه وأعودَ إلى غرفتنا. أردتُ أن أرى لويزا وأنامَ إلى جانبها، أن أستلقيَ وأسترجعَ مكاني في السرير المزدوجِ المشابهِ، بلا شك، للسرير الذي تتقاسمه إينيس وفيانا؛ فجميعُ الغرف الفندقيّة العصريّة متشابهة. يمكنني ببساطة أن أنهي المحادثة. كنتُ أشعرُ بالغضب إلى حدّ ما.

لكنّ الصمت لم يستغرقْ إلّا بضع ثوانٍ لأنّ فيانا واصل الكلامَ، من دون هذه الوقفة التي وقفتُها وأنا أكتب، وحينها كان الأوان قد فات على عدم مواصلة الإصغاء.

“ما تقوله صحيح جدًّا، لكنّ حلّ المسألة لا يحتاج إلى عبقريّ. من الصعب فعليًّا أن تعرف مَن سيموت أوّلًا؛ ذلك يعادل أن ترغبَ في معرفة ترتيب ميتاتنا. ولتعرفَ ذلك، يجب أن تكونَ لك يدٌ في هذا الترتيب، إنْ فهمتَ قصدي، لا بهدف عرقلته ـــ فذلك سيكون مستحيلًا ـــ بل لتكون جزءًا منه. اسمعْ، عندما قلتُ إنّني أعشق إينيس، فقد عنيتُ ذلك حرفيًّا: أعشقُها. ليست هذه مجرّدَ صياغةٍ مميّزة، أو تعبيرٍ أجوفَ وعاديّ، يمكننا تقاسمُه أنا وأنت، على سبيل المثال. ما تسميه “عشقًا” لا صلة له البتّةَ بما أسمّيه “عشقًا.” نحن نتقاسم الكلمةَ لأنّه ما من سواها، لكنّنا لا نتقاسم ما تصفُه. أعشقُها وعشقتُها منذ أن قابلتُها لأوّل مرة، وأعرفُ أنّني سأستمرُّ في عشقي لها سنواتٍ قادمةً كثيرة. لهذا لا يمكن هذا الأمرَ أن يدوم مدّةً أطولَ بكثير ـــ لأنّ ذلك الشعور بقي في داخلي لسنواتٍ عديدةٍ ثابتًا من دون اختلافٍ أو وهن. لن يكون هناك اختلافٌ من جانبي، وسيصبح ذلك غيرَ محتملٍ، بل هو كذلك الآن. ولأنّ كلّ شيء ذاتَ يوم سيضحي غيرَ محتمل بالنسبة إليّ، فسيكون عليها أن تموتَ قبلي، حين لن أستطيع تحمّلَ عشقي لها. يومًا ما سيتوجّب عليَّ قتلُها. هل تفهم؟”

***

مع قوله ذاك رفع فيانا قدمَه المبلّلةَ من الماء، وأسندها بعنايةٍ واستهجانٍ على العشب، وسحب معها الجوربَ الحريريَّ المشبعَ بالماء.

“ستصاب بالبرد،” قلت. “من الأفضل أن تخلع جوربَك.”

أخذ فيانا بنصيحتي وخلع الجوربَ المبلّل في الحال، تلقائيًّا ومن دون اكتراث. ولثوانٍ أمسك به، باستهجانٍ أيضًا، بين إصبعين، ومن ثم ثناه على ظهر كرسيّه، حيث بدأ يتقطّر (وتفوح منه رائحةُ قماشٍ رطب). الآن كانت إحدى قدميْه حافيةً، والأخرى لا تزال في جوربٍ أزرقَ باهتِ اللون وخفٍّ مسعورِ الحمرة. كانت القدمُ الحافية مبلّلة، والقدمُ المكسوّة شديدةَ الجفاف. كان من الصعب أن أشيحَ ببصري عن الأولى، لكنّي أظنّ أنّ تثبيت نظري على شيءٍ ما كان وسيلةً لخداعِ أذنيَّ، وسيلةً للتظاهر بأنّ ما يهمّ هو قدما فيانا لا ما قاله من أنّه يومًا ما سوف يَقتلُ إينيس. كنت أفضّل أن أفكّر أنّه لم يقل ذلك.

“ما الذي تقوله؟” لم أكن أرغب في متابعة المحادثة، لكنّني قلتُ الكلمات التي أجبرتْه على فعل ذلك بالضبط. “هل أنت مجنون؟”

“مجنون؟ ما سأقوله لك الآن منطقيٌّ كليًّا من وجهة نظري،” أجاب فيانا، وملّس من جديدٍ شعرَه غيرَ الموجود. “لقد عرفتُ إينيس منذ أن كانت طفلةً، منذ أن كانت في السابعة من عمرها. الآن هي في الثالثة والعشرين. إنّها ابنةُ أبوين كانا صديقيْن عظيميْن لي حتى خمس سنوات خلت، لكنّهما لم يعودا كذلك، لأنّهما، بطبيعة الحال، حانقان لذهاب ابنتهما ذاتِ الثمانية عشر ربيعًا للعيش مع صديقهما الذي لطالما أُعجبا به واحترماه، وهما لا يريدان الآن أن تربطَهما أيّةُ علاقةٍ بي أو بها أيضًا على الخصوص. كنتُ أتردّد إلى منزلهما كثيرًا، وهناك رأيتُ إينيس وعشقتُها. لقد عشقتني هي أيضًا، لكنْ بطريقة مختلفة بالتأكيد. لم يكن ممكنًا أن تعرف ذلك في حينه، لكنّني عرفته في الحال، وقرّرتُ أن أجهّز نفسي، وأن أنتظر اثنتيْ عشرة سنةً حتى بلوغها سنَّ الرشد. لم أكن أرغب في التهوّر فأفسدَ كلَّ شيء. وخلال الأشهر القليلة الأخيرة من تلك الفترة اضطررتُ بنفسي إلى كبحها. هذا ما يسمّيه البعض “استحواذًا،” وأسمّيه أنا “عشقًا.” انتبهْ: لم يكن الأمرُ سهلًا؛ فحتى الفتياتُ في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة لديهنّ فتيةٌ يطاردونهنّ، فتيةٌ سخفاءُ يريدون التصرّفَ كالكبار منذ وقتٍ مبكّر، ويفتقرون إلى ضبط النفس، وقد يسبّبون للفتيات أذًى عظيمًا. وحسبتُ أنّها ببلوغها الثامنةَ عشرةَ سأكون في الخمسين تقريبًا، فاعتنيتُ بنفسي جيّدًا، من أجلها. اعتنيتُ بنفسي عنايةً هائلةً، على الرغم من أنّني لم أستطع فعلَ شيء إزاء وزني ـــ فأيضُ جسدك يتغيّر كلّما تقدّم بك العمرُ ـــ أو إزاء صلعتي، التي ليس لها علاجٌ مقبولٌ حتى الآن، وأنا على يقين من أنّك ستوافقني الرأي أنّ الشعرَ المستعار غيرُ وقورٍ أبدًا، لذا كان عليّ استبعادُه. لكنّني صرفتُ إحدى عشرة سنةً في الذهاب إلى أنديةٍ رياضيّة، وفي تناول طعام صحّيّ، وإجراء فحوصٍ طبيّةٍ كلّ ثلاثة أشهر ـــ فلديّ رعبٌ مطلقٌ من العمليّات الجراحيّة ـــ متجنّبًا النساءَ الأخريات، ومتفاديًا الأمراضَ، ومهيِّئًا نفسي عقليًّا بالتأكيد: فأصغي إلى التسجيلات عينها التي تستمع إليها إينيس، وأتعلّم الألعابَ، وأشاهد التلفازَ كثيرًا، وبرامجَ الأطفال، وسنواتٍ من الإعلانات التلفزيونيّة؛ وأنا أحفظ اليوم كلَّ أناشيد الإعلانات عن ظهر قلب. أمّا بالنسبة إلى القراءة، فحسنًا، يمكنك أن تتخيّل أنّني في البداية قرأتُ الكتبَ المصوّرة، ثم كتبَ المغامرات، وعددًا من الروايات الرومانسيّة، والأدبَ الإسبانيّ حين كانت تدْرسُه إينيس في المدرسة، وكذلك الأدب الكاتلانيّ، ومانيليك والذئب، وكلَّ ذلك. وما زلتُ أقرأ أيَّ شيء تقرأه، وبشكلٍ أساسيّ الكتّابَ الأمريكيين ـــ وهناك المئاتُ منهم. لعبتُ التنس والسكواش كثيرًا، وتزلّجتُ بعضَ الشيء، وفي عطل نهاية الأسبوع كان عليَّ السفرُ غالبًا إلى مدريد أو سان سيباستيان فقط كي تستطيعَ الذهابَ إلى السباقات، وها قد ذهبنا إلى كلّ المهرجانات في كلّ القرى لنرى الأحصنة وفرسانَها. ولعلّكَ لاحظتَ أيضًا درّاجتي الناريّة. وتعلّمتُ أسماءَ جميع لاعبي كرة السلّة وطول قاماتهم عندما كان عليّ أن أفعل ذلك، بالرغم من أنّها الآن فقدت الاهتمامَ بهذه اللعبة. ولقد رأيتَ طريقتي في ارتداء الملابس، على الرغم من أنّ كلّ شيء في الصيف مقبولٌ بالتأكيد.” وأومأ فيانا بيده اليمنى إيماءةً بليغة. “أتفهم ما أقول؟ طوال هذه السنوات عشتُ حياةً موازيةً لوجودي (بالمناسبة، أنا محامٍ مختصٌّ بأمور الطلاق): أولًا حياةَ طفولة، ثم حياةَ مراهقة ـــ كنت ملكَ ألعاب الفيديو ـــ ولمّا لم يكن بإمكاني مرافقتها إلى السينما، فقد كنت أذهب وحيدًا لأشاهدَ جميعَ أفلام المراهقين عن القتلة والمخلوقات الفضائيّة. لقد عشتُ حياةً موازيةً لحياتي، لكنّها حياةٌ تفتقر إلى الاستمرارية تمامًا، لأنّه يصعبُ على نحوٍ لا يصدّق أن يبقى المرءُ على اطّلاعٍ دائمٍ على المتغيّرات ـــ فصرعاتُ الناشئة تتغيّر طوال الوقت. لا يمكنك تخيّلُ ما كان عليه الحال. قلتَ إنّ عمرك قريب من عمر زوجتك، وبالتالي فلا بدّ من أن تكون مراجعُكما واحدةً أو متشابهةً جدًّا. لقد أصغيتما إلى الأغاني نفسها في الوقت نفسه، وشاهدتما الأفلامَ نفسها، وقرأتما الكتبَ نفسها، وتتبّعتما الموضةَ نفسها، واستتذكرتما الأحداثَ نفسها واختبرتماها بالقوة نفسها وفي السنوات نفسها. الأمر سهلٌ عليك. فقط تخيّلْ لو لم تكن هذه حالَكما. تخيّلْ فتراتِ الصمت الطويلة التي قد ترين في محادثاتكما. وأسوأُ ما في الأمر هو حين يتوجّب عليك أن تشرح كلَّ شيء، كلَّ مرجع، كلَّ تنويه، كلَّ نكتة، عن ماضيك أو عمرك أو زمنك. من الأفضل حينها أن تستغني عن الأمر برمّته! لقد كان عليَّ الانتظارُ طويلًا، وأكثر من ذلك كان عليَّ أن أنْكرَ ماضيّ وأخترعَ ماضيًا آخر يتطابق ـــ قدر الإمكان ـــ مع ماضيها، مع ما قد يصبح ماضيها.”

***

توقّف فيانا برهةً، برهةً وجيزةً جدًّا، كأنّ ذبابةً عبرتْ قربه. كان الوقت ليلًا، وكانت عيونُنا قد اعتادت في هذه الأثناء الظلمةَ والضوءَ المنعكسَ من الماء. كنّا على جزيرة. ولم أكن أحمل ساعة. كانت لويزا نائمةً، وإينيس كانت نائمةً أيضًا، كلٌّ منهما في غرفتها، وعلى سريرها المزدوج. وربّما كانتا مستلقيتيْن بشكل موروب على السرير، لأنّنا لم نكن، لا أنا ولا فيانا، إلى جانب أيٍّ منهما. ربّما افتقدتانا في نومهما. وربّما لم تفتقدانا، بل ربّما شعرتا بالتخفّف منّا.

“لكنّ كلّ تلك الجهود انتهت الآن. لم يعد ثمة ما يهمّ. ما يهمّ هو عشقي، عشقي الثابتُ. وهو مماثلٌ جدًّا لما كان عليه منذ ستة عشر عامًا، إلى حدّ أنّني لا أستطيع أن أراه متغيّرًا في المستقبل القريب. ولو حصل فعلًا فسيكون كارثيًّا. لقد كرّستُ نفسي لها منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا. كرّستُ نفسي لرعايتها، لتعليمها. لم يكن يمكنني أن أعيشَ على نحوٍ مغاير. لكنّ الأمر بالنسبة إليها مختلف: فلقد حقّقتْ حلمَ طفولتها، هاجسَ طفولتها. منذ خمس سنوات، عندما قدِمتْ للعيش معي، كانت سعيدةً مثلي، لا بل أسعدَ مني، لأنّ منزلي كان كلُّه مصمَّمًا خصّيصًا من أجلها، ولم ترِدْ شيئًا إلّا حازتْه. لكنّ شخصيّتها لا تزال تتطوّر. فهي ما تزال تعوّل كثيرًا على الجِدَّة [الأشياء الجديدة]، مشدودةً نحو العالم الخارجيّ، تتلفّت من حولها لتستطلعَ ما لم تره بعد، وماذا ينتظرُها من بعدي. وأظنّ أنها متعَبة قليلًا، لا منّي فقط، بل أيضًا من وضعنا الغريب الشاذّ. هي تفتقد الحياةَ التقليديّة، تفتقد العلاقةَ الحميمة التي كانت تربطُها بوالديها. لا تظنّن أنّني لا أفهم ذلك. بل على العكس، تنبّأتُ بأنّ هذا قد يحدث، لكنّ فهمي لهذا الأمر لا يساعد مقدارَ ذرّة. لكلِّ منا حياتُه التي يعيشها، ولا نملك سوى حياةٍ واحدة، وليس من أحدٍ منّا مستعدّ لئلّا يعيش تلك الحياةَ وفقًا لرغبته الخاصّة ـــ بصرف النظر عن أولئك الذين لا رغبات لديهم، وهم يشكّلون الغالبيّةَ في الواقع. في وسع الناس أن يقولوا ما يشاءون، وأن يتحدّثوا عن نكران الذات، والتضحية، والكرم، والقبولِ، والاستكانة، لكنّ هذا كلّه زائف. ففي العادة يظنّ الناسُ أنّهم يرغبون في كلِّ ما يعترض طريقهم مصادفةً، أيًّا ما يحدث لهم، وأيًّا ما ينجزونه خلال حياتهم أو ما يُمنحونَه، ولا رغبات مبتكرةً لديهم. لكنْ سواءٌ كانت تلك الرغبات متصوّرةً مسبّقًا أو لا، فإنّ كلّ واحدٍ منا يهتمّ بحياته الخاصّة، ولا تهمّ حيواتُ الآخرين إلّا بقدْرِ ما تشتبك وتنفصل عن حياتنا، وبقدر ما يمكن أن يفضي التخلّصُ من تلك الحيوات من دون مبالاة أو تردّدٍ إلى التأثير في حياتنا؛ فهناك، في النهاية، قوانينُ، وقد تَلْزم عقوباتٌ عنها. عشقي متطرّف ـــ وهذا ما يجعله عشقًا. والوقت الذي كان عليّ أن أنتظرَه كان مفرطًا في طوله أيضًا. والآن ما زلتُ أنتظر، لكنّ طبيعةَ ذلك الانتظار انقلبتْ رأسًا على عقب. ففي السابق كنتُ أنتظر أن أكسبَ شيئًا، أمّا الآن فكلُّ ما في وسعي ترقّبُه هو انتهاءُ هذا كلّه. سابقًا كنتُ أنتظر أن أُمنحَ هديّةً، الآن لا أتوقّع سوى الخسارة. سابقًا كنتُ أنتظر النموّ، الآن أتوقّع التحلّل ـــ ليس تحلّلي وحسب، أتفهمني؟، بل تحلّلها أيضًا، وهذا أمرٌ لست مستعدًّا له. لعلّك تظنّ أنّني أقدّم كثيرًا من الافتراضات، وأنّ شيئًا لا يمكن التنبّؤُ به كليًّا؛ وكما قلتُ سابقًا فإنّ ترتيب ميتاتنا هو الآخر لا يمكن التنبّؤُ به. لعلّك تفكّر في أنّ الحياة لا يمكن التنبؤُ بها أيضًا، وأنّ إينيس قد لا تتعب منّي أو قد لا تهجرني.  أنت تفكّر في أنّني قد أكون مخطئًا في خوفي من مرور الزمن، وأنّنا ربما قد نشيخ معًا، على ما ألمعتَ سابقًا، وعلى ما أنت مقتنعٌ بأنّك وزوجتكَ سوف تفعلانه ـــ فلقد سمعتُ ما قلتَه، وكلماتُك لم تفتني. لكنْ إذا كان هذا ما سيحدث، إذا كانت كلُّ تلك السنوات ما تزال تنتظرنا لنكونَ معًا، فإنّ عشقي سيقودني إلى النتيجة نفسها. أمْ تراك تتخيّل أنّني قد أسمح لعشقي بأن يموت؟ هل تظنّ أنّ بإمكاني أن أراقبَها تشيخ وتتدهور من دون أن ألجأ إلى العلاج الوحيد الممكن، وتحديدًا أن تموتَ أولًا؟ هل تتخيّل أنّني، وقد عرفتُها منذ أن كانت في السابعة من عمرها (السابعة من عمرها!)، أتحمّل أن أراها في أربعينيّاتها، ناهيكَ بأن أراها في خمسينيّاتها، من دون أن يبقى أثرٌ من طفولتها؟ لا تكن سخيفًا. إنّه كما لو أنّك تطلبُ من أبٍ طاعنٍ في السنّ أن يحتملَ، بل أن يحتفي بتحول أطفاله إلى هرمين. الأهل يرفضون رؤيةَ أطفالهم يهْرمون؛ هم يكرهونهم هرمين. ويتجاوزونهم، ويروْن فقط أحفادَهم، إنْ كان لديهم أحفاد. إنّ الزمن يعارِضُ دائمًا ما ابتدَعَه، يعارض الحاضر.”

***

دفن فيانا وجهَه في يديْه، كما سبق أن رأيتُه يفعل من شرفتي فوق. في هذه اللحظة رأيتُ أنّ حركته تلك لا تمتّ بصلةٍ إلى الضحكِ المكبوت، بل إلى نوعٍ من الذعر الذي كان قاصرًا ـــ مع ذلك ـــ عن تكدير سَكينةِ ما. لربّما كان عليه أن يصطنعَ تلك الحركة من أجل التشبّث بسَكينته. ومن جديد نظرتُ إلى شرفتي وإلى الشرفات الأخرى، لكنّها جميعًا كانت ما تزال ترين في الصمت، فارغةً ومظلمةً، كما لو أنّ أحدًا لم يكن ينام خلفها، وخلف النوافذ والستائر الشبكيّة، وداخل الغرف المتكرّرة المتشابهة ـــ لا لويزا، ولا إينيس، ولا أحد. لكنّني كنتُ أعرف أنّهما كانتا نائمتين، أنّ العالم كان نائمًا، وأنّ عجلتَه الضعيفة توقّفتْ عن الدوران. كنّا، أنا وفيانا، مجرّدَ حصيلةٍ لعطالةِ تلك العجلة ما دمنا نتحدّث. وواصل الحديث، ووجهُه ما يزال مغطًّى بيديْه:

“لهذا السبب فإنّ الزمن لا يقدّم حلًّا،” قال. “بدلًا من السماح لعشقي بأن يموت، أفضّلُ ان أقتلها. أتفهم؟ وبدلًا من السماح لها بأن تهجرني، بدلًا من السماح لعشقي بأن يستمرّ من دون موضوعه، فإنني أيضًا أفضّل أن أقتلها. ذلك من وجهة نظري منطقيٌّ تمامًا. لهذا أعرف ما سيكون عليّ فعلُه ذاتَ يوم، ربّما في المستقبل البعيد. سأؤجّله أبعدَ ما يمكن، غير أنّها مسألةُ وقتٍ فقط. لكنْ، فقط في حال حدوثه، كما ترى، فإنّني أصوّرها بالفيديو كلّ يوم.”

“ألم تفكّر مرةً في قتل نفسك؟” قلتُ مندفعًا. كنتُ أصغي إليه لا لأنّني راغبٌ في ذلك بل لأنّني كنتُ أشعر أنّه ليس في وسعي فعلُ أيّ شيء آخر، وأنّ الوسيلة الفضلى لعدم المشاركة في المحادثة هو ألّا أقولَ شيئًا، أن أتصرّف كما لو أنّني مستودعُ أسراره فحسب، من دون تقديم أيّةِ نصيحةٍ أو اعتراض، ومن دون دحضٍ أو موافقةٍ أو تعبيرٍ عن صدمة. لكنْ بدا لي أنّ إنهاء المحادثة يزداد صعوبةً، وأنّ الطريقَ الذي سلكتْه لامتناهٍ. شعرتُ بحكّةٍ في عينيّ. تمنّيتُ لو تنزلق أغطيةُ لويزا عنها وتوقظُها، فتلحظ غيابي، وتخرج مثلي إلى الشرفة. تمنّيتُ أن تراني تحت، إلى جوار حوض السباحة، في الوهج الواهن الذي يلقيه القمرُ على الماء، وأن تناديني من الأعلى، وأن تلفظَ اسمي وتنقذني من هذه المحادثة مع فيانا؛ كلّ ما كان عليها فعلُه هو أن تنادي. أيّة ورطة، فكّرتُ وأنا جالسٌ أصغي إليه، أن يكون عليَّ أن أقرأ الصحفَ عن كثب، من الآن فصاعدًا، كلّما تصدّرها خبرٌ عن امرأةٍ قُتلتْ على يد رجل، فأضطرّ إلى أن أقرأ المقالة بكاملها كي أعثر على اسميْهما. الآن سأخشى دومًا أن تكونَ إينيس هي المتوفّاة، وفيانا هو من قتلها، مع أنّ كل هذه القصة قد تكون محضَ أكاذيب، هنا على هذه الجزيرة، فيما المرأتان نائمتان.

“أقتلُ نفسي؟ لن يكون هذا عملًا صائبًا،” أجاب فيانا، مبعدًا يديه عن وجهه. نظر إليَّ بتعبيرٍ أقربَ إلى التفكّه من المفاجأة، وارتفعتْ زاويتا فمه بابتسامةٍ تقريبًا، أو هذا ما بدا لي في الظلمة.

“سيكون أقلَّ صوابًا بكثير ـــ إذا فهمتُكَ على وجهٍ صحيح ـــ أن تقتلَها فقط لكي تستطيعَ الاستمرارَ في عشقكَ لها على شريطٍ مسجّلٍ حين تموت.”

“لا، لم تفهمْ: سيكون صائبًا أن أقتلها للأسباب التي شرحتُها. ما من أحدٍ يتخلّى طوعًا عن طريقة عيشه لو كان يملك فكرةً جيّدةً إلى حدٍّ ما عن كيفيّة رغبته في عيشها. وأنا أملك ذلك، وهذا ليس أمرًا عاديًّا. ثمّ إنّ القتل ـــ كيف أصفُه؟ ـــ ممارسةٌ ذَكَريّةٌ جدًّا، تمامًا كالإعدام، لكنّ هذا لا ينطبق على الانتحار، الذي هو أمرٌ شائعٌ بين النساء والرجال على حدّ سواء. لقد ذكرتُ سابقًا أنّ لدى إينيس فكرةً غامضةً عمّا ينتظرُها من بعدي، لكن الحقيقة هي أنْ لا شيءَ بعدي. فيما يخصّها على الأقل، لا شيء؛ قد لا تدرك إينيس ذلك، لكن عليها أن تفعل. وإذا قتلتُ نفسي، فلن يكون ذلك هو الوضع ـــ وحقيقة الأمر أنّه لا بدّ من ألا يكون ثمة شيءٌ من بعدي. ألا توافقني؟”

***

بدت قدمُ فيانا وقد جفّت، لكنّ الجورب المعلّق على ظهر الكرسيّ الطويل كان ما يزال يقطر بسرعةٍ على العشب. شعرتُ بأنّني أكاد أحسّ برطوبته على قدميّ داخل حذائي. تخيّلتُ ما قد يكون عليه الإحساسُ عند ارتداء ذلك الجورب الرطب. خلعتُ فردةَ حذائي اليسرى لأحكّ كعب تلك القدم بالخفّ الأسود في قدمي اليمنى.

“لمَ تخْبرني بكلّ هذا؟ ألا تخشى أن أبْلغ عنكَ [الشرطة]؟ أو أن أتحدّث إلى إينيس في الصباح؟”

شبك فيانا أصابعَه خلف عنقه، وتراجع في كرسيّه الطويل، فلمس رأسُه الأصلعُ الجوربَ المبلَّل. انتفض في الحال واعتدل في جلسته، كما ينتفض المرءُ عندما تمسّ ذبابةٌ جلده. انتعل الخفَّ الأحمرَ الذي خلعه منذ بعض الوقت، عندما كنت ما أزال واقفًا على شرفتنا، وهذا بدّد بطريقةٍ ما أيَّ شعورٍ بالعجز قد يكون خالجه. وخطر لي فجأةً أنّ المحادثة ستنتهي.

“لا يمكنك أن تبلغ [الشرطة] على أساس النوايا،” قال. “سنغادرُ إلى برشلونة غدًا. لن نرى بعضنا بعضًا، أنت وأنا، مجدّدًا أبدًا. سنغادر باكرًا، ولن يكون هناك متسعٌ من الوقت للذهاب إلى الشاطئ. ستنسى غدًا الأمرَ برمّته. ولن ترغب في التذكّر، ولن تأخذ الأمرَ على محمل الجِدّ، أو تتذكّرَني أو تتذكّرَ هذه اللحظة، ولن تحاول أن تكتشف أيّ شيء. لن تسأل عنّا في الفندق، لتتأكّدَ من أنّني وإينيس غادرنا معًا، ومن أنّنا دفعنا الفاتورة، ومن أنّ شيئًا لم يحدث أثناء الليل، حين كنتَ الشخصَ الوحيدَ اليقظَ الذي تحدّث إليّ. بل أنت لن تخبر زوجتَكَ بما دار بيننا من حديث ـــ ولمَ تقلقها؟ ـــ لأنّك في أعماقك لست راغبًا في تصديقي. ستتدبّر الأمر، لا تقلق.”

تردّد فيانا لحظةً ثم تابع: “قد لا تفكّر كذلك، لكنْ إذا كنت تنوي تحذيرَ إينيس فسوف تسرّع العمليّةَ، هكذا وببساطة، وسيكون عليَّ قتلُها غدًا. هل تفهم؟”

 تردّد ثانيةً. توقّف ونظر عاليًا إلى السماء، إلى القمر، ثمّ نزل بنظره إلى الماء، وكرّر وضعيّةَ الرعب تلك، فغطّى وجهه، وواصل الكلام:

“ومن قال إنّك قد تتمكن من التحدّث إليها غدًا؟ مَن قال إنّني لم أقتلها أصلًا ـــ الليلة، قبل قليل، قبل أن أنزل إلى هنا؟ من قال إنّها ليست ميتةً الآن، وإنّني لهذا السبب أتحدّث إليك الآن؟ أيّ شخص يمكن أن يموت في أيّة لحظة. لقد علّمونا هذا في المدرسة، لقد عرفنا هذا مذ كنّا أطفالًا. لجميعنا مكانُه في ترتيب الموت. أنت نفسُكَ تركتَ زوجتكَ نائمةً، لكنْ أنّى لك أن تعْلم أنّها لم تمت وأنت تتحدّث معي؟ ربما هي تحتضر الآن. لن يكون لديك الوقتُ للوصول إليها، ولو ركضتَ. كيف تعرف أنّ إينيس لم تُقتل على يدي ـــ وأنّ هذا هو ما دعاني إلى حلق شاربيّ ـــ قبل فترة، قبل أن تنزل، وقبل أن أنزل؟ أو إينيس وزوجتك أيضًا؟ كيف تعرف أنّ إينيس وزوجتك لم تموتا بينماهما نائمتان؟”

لم أصدّقْه. سيكون جمالُ إينيس المثاليّ هاجعًا، خواتمُها الثمانية على الطاولة الجانبيّة، نهداها الضخمان في سلامٍ تحت الملاءات، وسيكون تنفّسُها منتظمًا، وشفتاها المتطابقتان نصفَ فاغرتيْن مثلَ شفتيْ طفل، عظمُ عانتها الأمرد يخلّف بقعةً واهيةً، ذلك الإفرازَ الليليَّ الغريبَ الذي تفرزه النساءُ. وستكون لويزا نائمة، وكنتُ قد رأيتُها، ورأيتُ وجهَها السمح، الفتيّ، بملامحه الحسنة، تتحرّك عيناها المضطربتان تحت جفنيها، كأنهما لم تعتادا أن تكفّا ليلًا عمّا فعلتاه آناء النهار ـــ بخلافِ عينيْ إينيس، اللتين ربما كانتا هادئتيْن تمامًا الآن على الأرجح، أثناء النوم الذي تحتاجه للمحافظة على جمالها الثابت.

كانتا كلتاهما نائمتيْن، ولهذا لم تستيقظا وتخرجا إلى الشرفة. لم تمت لويزا في غيابي، مهما طال زمنُه ـــ وكنتُ قد نسيتُ ساعتي. وعلى نحوٍ غريزيّ، رفعتُ بصري عاليًا نحو الغرف، نحو شرفتي، ونحو باقي الشرفات، ورأيتُ على إحداها هيئةً ملتحفةً بملاءةِ “توجة” وسمعتُها تناديني مرتين، باسمي، مثلما تنادي الأمّهاتُ أطفالهنّ بأسمائهم. وقفتُ. لكنْ، على شرفة إينيس، أيًّا كانت تلك الشرفة، لم يكن ثمّة أحدٌ على الإطلاق.

أكثر مما يمكن للمرء أن يحتمل من الحقيقة
النيويورك تايمز
1962


مرحبا يا أصدقاء. نحتفل اليوم بعيد ميلاد الكاتب الأميركي جيمس بلدوين الثامن والتسعين واحتفاء بهذه المناسبة أود أن أقدم لكم ترجمتي لمقالة جيمي التي تحمل عنوان أكثر مما يمكن للمرء أن يحتمل من الحقيقة والتي نشرت في صحيفة نيويورك تايمز في العام 1962 وأدرجت لاحقا في الكتاب الذي يحمل اسم صليب الفداء حيث جمعت أعمال متفرقة لجيمي من مقالات وخطابات ومراجعات للكتب ورسائل وسوى ذلك.
ولد جيمس بلدوين في الثاني من شهر آب العام 1924-وقد كان روائياً، كاتب مقالات، كاتباً مسرحياً، شاعراً وناقداً اجتماعياً ومؤلفاً لأكثر من عشرين كتاباً. ظهرت روايته الأولى، اذهب وأخبرها على الجبل، في العام 1953 لتحظى بمراجعات ممتازة، وكانت مجموعتا مقالاته ملاحظات ابن أصلي و النار في المرة القادمة من الكتب الأكثر مبيعا مما جعل منه شخصية مؤثرة في حركة الحقوق المدنية. أمضى بلدوين سنوات عديدة في فرنسا، حيث انتقل هارباً من عنصرية الولايات المتحدة الأميركية. توفي العام 1987.
يقول جيمي:
منذ الحرب العالمية الثانية اكتسبت أسماء بعينها في الأدب الأميركي المعاصر- هيمنغواي، فيتزجيرالد، دوس باسوس، فوكنر- قدراً كبيراً من الأهمية والقداسة إلى أبعد حد، حتى أنها استعملت كمحكٍ لكشف النقص المفهوم، لكن المؤسف، لدى الأدباء الأصغر سناً. على سبيل المثال، لا نزال نسمع شكاوى عن أن الحربَ العالميةَ الثانية أخفقت في إنتاج حصيلة أدبية يمكن مقارنتها بتلك الحصيلة التي ادخرناها من الحرب العالمية الأولى. سوف نناقش عته هذه الشكوى لاحقاً.
فليحاول واحد منا نحن الأصغر سناً ابتكار بطلة ضجرة، تعيسة، حرة وسوف يتم في الحال إبلاغنا بأن همنغواي أو فيتزجيرالد قاما بالأمر نفسه بطريقة أفضل- أفضل بما لا يقاس. إذا ما كان لدينا من التهور ما يكفي للإتيان بأية محاولة لوصل حيوات بعض الرجال بزمنهم، يتم إسداء النصح لنا بقسوة (أو بلطف) كي نعيد قراءة الولايات المتحدة الاميركية. قد يبدو أن كل شيء قد تم فعله على يد معلمينا ومن هم أفضل منا. بالطريقة نفسها إلى حد كبير، بدا وليس منذ زمن بعيد، أن الشعر الأمريكي كان مقدراً له أن يفنى في قبضة ت. س. اليوت الباردة.
لا أنا ولا أي شخص آخر من زملائي مستعد لأن أكون محدداً ومقيداً بهذه الطريقة. لا يعاني أي واحد منا من فرط في التواضع، وليس أي شيء مما يتبع قد كتب بروح متذمرة. ومن المؤكد أن غرضي هنا ليس تشويه سمعة إنجازات رجالنا الأربعة الذين ذكرتهم. بل على العكس، أنا واثق من أني وثلة من الكتاب الشبان ممن أضمر أسماءهم، لدينا من الاحترام الصادق لهذا الإنجاز أكثر مما لدى معظم عشاقهم الناشزين على نحو لا يطاق.
على سبيل المثال، أحترم فوكنر إلى حد أن تحزنني آراؤه حول مسألة العرق، وتجرحني بلاغة خطابه المفرطة في العاطفية الذي ألقاه لدى تسلمه جائزة نوبل، ولأنقم- من أجله- على البلادة النقدية التي قبلت (من الرجل الذي ألَّف رواية نور في آب) مثل هذا العمل العكر بشكل لا يمكن الدفاع عنه، كما دخيل في التراب أو قدَّاس لراهبة.
من المفيد علاوة على ذلك أن نتذكر في حالة هيمنغواي أن شهرته بدأت تكتسب الحصانة في اللحظة نفسها التي بدأ فيها عمله بذلك الانحدار الذي لم يتعافَ منه مطلقاً- عندما صدرت رواية لمن تقرع الأجراس تقريباً. يسمح لنا إدراك مؤخر بالقول إن هذا الكتاب الصبياني، والرومانسي، والمضخَّم يسمُ تخلي همنغواي عن السَّعي لفهم الشَّر متعدد الجوانب الموجود في العالم. هذا يشبه بالضبط تماماً أن تقول إنه تخلى بطريقة ما عن بذل الجهد لأن يصبح روائياً عظيماً.
أنا نفسي أعتقد أن هذا الجهد الذي على كل روائي بذله، على الرغم من حقيقة أن الاحتمالات تعاكسه بشكل سخيف، وأنه لا يستطيع أن يعرف مطلقاً في النهاية. في رأيي، ينطوي الجهد الذي تبذله كي تصبح روائياً عظيماً ببساطة على محاولة أن تروي الحقيقة بقدر ما يستطيع المرء أن يحتمل، ثم تضيف أكثر من ذلك بقليل. من الواضح إنه جهد بطبيعته الخاصة محكوم بالفشل – وتذكر أن الرجال يؤلفون الكتب، وأن الوقت يمر، وأن الطاقة تذوي، والأمان يغوي. “النجاح” كلمة أميركية لا يمكن أن يكون لها أي مكان في مفردات أي فنان بشكل معقول إلا إذا كانت معرفة بطريقة قاسية للغاية وبشكل ساخر ومؤلم.
المثال الذي قدمه التطور اللاحق، إذا كان بمقدور المرء أن يدعوه بذلك، عن جون دوس باسوس مزعج بشكل مشابه على الأقل. وأفترض أنه لم يعد هناك شيء يمكن قوله عن فيتزجيرالد، على الأقل ليس على لساني، وليس الآن. يمثل كل واحد من هؤلاء الرجال على طريقته بالنسبة لي المخاطر الاستثنائية التي على أي فنان امريكي خوضها. لا سيما، ينبغي عليَّ القول، الفنان الأمريكي الذي يستعمل اللغة كأداة له: الفنان الذي ينبغي عليه أن يحاول التعامل مع ما تخفيه الكلمات وما تكشفه.
نعيش في بلد تستعمل فيه الكلمات غالباً لتغطية النائم، وليس لإيقاظه، ولذلك، يبدو لي، التملق المقدم بقسوة شديدة لكبارنا لا يتعلق بإنجازهم- وأكرر أنه كان عظيماً، لكن يتعلق بدافعنا للنظر إلى الوراء نحو ما نتخيل الآن أنه كان زمناً أسعد. إنه تملق يكمن الرعب في أصله.
أظن أن هذا صحيح، لكني راغب في أن يتم تصويبي، كون العمالقة المشار إليهم آنفاً لديهم أمر واحد مشترك على الأقل: بساطتهم. لا أقصد أسلوبهم (ولو أن هذا واضح بشكل جلي بالفعل للناقد ولغير المختص على حد سواء) لكن إلى طريقتهم بالنظر إلى العالم. إنها الطريقة الأمريكية بالنظر إلى العالم على أنه مكان يجب إصلاحه والبراءة مفقودة فيه بشكل لا يمكن تفسيره. إنه هذا الألم الذي يكاد التعبير عنه يكون معجزا الذي يمنح مثل هذه القوة لبعض قصص هيمنغواي المبكرة- بما فيها “القتلة”، ولمتتالية صيد السمك الرائعة في الشمس تشرق أيضاً، وهو أيضاً السبب الذي يجعل بطلات همنغواي تبدو عديمة الجنس بطريقة غريبة و مصطنعة.
إنه أسف غاتسبي، الذي يبحث عن الضوء الأخضر الذي ينحسر أمامه باستمرار ولا يفهم مطلقاً أن الضوء الأخضر موجود بالضبط لكي ينحسر. بين وتشارلي ومورهاوس و طاقم الولايات المتحدة الأمريكية كاملا مخدوعون بالحياة تماماً بهذه الطريقة، ولا يوجد أي تلميح في الكتاب على أننا عشنا جميعاً دوماً في عالم فيه الأحلام تخون وتخان، حيث الحب يموت أو بشكل أكبر بما لا يطاق يفشل في الموت ، وحيث على البراءة أن تموت، إذا كنا في أي وقت من الأوقات سنبدأ تلك الرحلة نحو البراءة الأعظم المدعوة حكمة.
بالنسبة لعمل فوكنر، الذي قد يبدو ظاهريا أنه يفلت من هذه القيود، على المرء فقط أن يتفكر في رؤيته، التي تسري عبر عمله، عن الجنوب الباسل. حتى عندما يكون في ذروة الرعب من جرائم منطقته- التي لا أعني بها كثيراً الجرائم المرتكبة ضد الزنوج، بقدر ما أعني الجرائم التي ارتكبها أسلافه ومعاصريه ويرتكبونها بحق أنفسهم- فهو يمتحنها ضد رؤية احتمال فاشل.
يبدو لي، أن المرء يسمع في أعمال جميع الروائيين الاميركيين، حتى بمن فيهم هنري جيمس العظيم، أغاني السهول، ذكرى قارة عذراء، مسلوبة على نحو غامض، ولو أن جميع الأحلام كان مقدراً لها أن تصبح ممكنة هنا. هذا لم يحدث. والذعر حينها الذي أشرت إليه ينبثق من حقيقة أننا الآن نواجه السؤال الفظيع حول فيما إذا فشلت جميع أحلامنا أم لم تفشل. كيف تمكنا في أن نصبح في الحقيقة ما نحن عليه؟ وإذا كنا كذلك كما نبدو حقاً فارغين ويائسين للغاية ما الذي علينا فعله بهذا الشأن؟ كيف سوف نتمكن من أن نكون على تماس مع الواقع؟
الكتَّاب أناس مهمون للغاية في بلد، سواء يعرف البلد هذا أم لا يعرف. الحقائق المتعددة حول شعب يتم الكشف عنها على يد فناني ذلك الشعب- هذا هو مبرر وجود الفنانين. أي شخص كان، على سبيل المثال، يحاول أن يفهم الفرنسية سيكون مضطراً عاجلاً أم آجلاً لقراءة بلزاك، وبلزاك بنفسه في شخصه يصور جميع تلك العيوب، الألغاز، الأوهام، الطموحات، الأفراح، كل ذلك التهور، الحذر، الصبر، المكر ، والانتقام الذي يحرك شعبه. لأنه هو بالطبع هؤلاء الناس بكونه فرنسياً مثلهم، هم يعملون كمرآة له وهو يعمل كمرآة لهم. وهذا أيضاً يصح كلياً على الكتاب الاميركيين، من جيمس فينمور كوبر إلى هنري جيمس إلى وليم فوكنر.
ليس من الممكن أن تدرك، في قسمات لوكاس عند فوكنر، أسارير اونكاس عند فينيمور كوبر؟ وألا ينبثق لامبرت سترثر في “السُّفراء” عند جيمس من صلب رجال غزوا قارة، مدمرين اونكاس ومستعبدين لوكاس، لكي يبنوا مصنعاً ينتج سلعاً “لا يصح ذكرها”- والتي في غياب أي قوة أقوى، تحكمها الآن أرملة قوية العقل؟ ما هو مأزق لامبرت ستريثر الأخلاقي إن لم يكن أنه يدرك في منتصف الليل أنه خيب بطريقة ما بشكل غير قابل للتفسير رجولته: أن “الحساسية الذكورية” كما يصفها جيمس، خابت فيه؟ هذه “الحساسية الذكورية” لا تشير إلى نشاط ايروسي لكن إلى المسؤولية التي على الرجال تنكبها بأنفسهم لمواجهة الواقع وإعادة تنظيمه.
انتصار ستريثر يتجلى في كونه قادر على إدراك هذا، مع أنه يعلم أن الأوان قد فات على التصرف إزاءه. وهو تصور جيمس عن هذه الاستحالة المميزة التي تجعله، حتى اليوم، أعظم روائيينا. لأن السؤال الذي طرحه، راداً إياه عن ظهور بطلاته إذا جاز القول، هو السؤال الذي يمضنا الآن. السؤال هو: كيف لأمريكي أن يصبح رجلاً؟ وهذا بالضبط الأمر نفسه عندما تسأل: كيف لأمريكا أن تصبح أمة؟ على التضاد معه، العمالقة الذين احتلوا الصدارة بين الحربين العالميتين حسبهم أنهم رثوا الضرورة.
هاتان النزعتان في الأدب الأميركي- نوستالجيا لخسارة البراءة مقابل قلق ساخر مما تعنيه مثل هذه النوستالجيا- تم وصفهما لكن ليس بشكل مساعد كثيراً، على أنهما التقليد ذو البشرة الحمراء مقابل التقليد ذو البشرة البيضاء. لم يكن هذا منطقياً بالنسبة لي على الإطلاق. لم أقرأ مطلقاً لكاتب أمريكي لم يكن في عمله ذو البشرة الحمراء وذو البشرة البيضاء متشابكين بشكل معقد عادة، في معركة مميتة. فكر، على سبيل المثال، بالسيرة الملتاعة لمؤلف توم سوير. أو علاوة على ذلك بالغموض الجميل لمؤلف أوراق العشب. وما كان هارت كرين يحاول الاحتفاء به، بأسلوبه الأبيض الواضح بشكل لا يقبل الجدل، في ذلك الفشل العظيم الذي دعاه الجسر؟
يبدو لي أن الحقيقة عنا كأفراد رجال ونساء وكأمة، تم تدوينها ولا يزال ذلك يحدث ، سواء كنا نتمنى قراءتها أم لا. ربما لا يمكننا قراءتها الآن، لكن سيأتي اليوم عندما لن يكون لدينا شيء آخر لنقرأه. الكتَّاب الأصغر سناً مقارنين بلا هوادة وعلى نحو رديء مع الأكبر منهم سناً برغم ذلك خلفاؤهم وملزمين بتجاوز الأقدم منهم. إنها الطريقة الوحيدة لالتزامهم بواجب الوفاء. تكمن الصعوبة الحقيقية في أن تلك الأسئلة نفسها وذلك العذاب نفسه يجب الآن أن يتم التعبير عنه بطريقة توافق ظرفنا الحالي بشكل أكثر قرباً.
على سبيل المثال من السخف مقارنة الحصاد الأدبي للحرب العالمية الثانية مع حصاد الحرب العالمية الأولى ليس فقط لأننا في نهاية الأمر لا نخوض حروباً لكي ننتج أدباً، لكن أيضاً لأن لا شيء يجمع بين الحربين. لم نعرف عندما خضنا الحرب الأولى ما كنا مضطرين إلى اكتشافه عندما خضنا الثانية – رغم أننا لم نواجهه، ولم نواجهه بعد. تقلص المحيط الهائل بين عامي 1917و1941، إلى حجم بركة سباحة.
لم يكن لدينا أعداء في العام 1917، 1941 يسم اكتشافنا الكاره- الذي لم نواجهه ثانية- أن لدينا أعداء في كل مكان. كنا خلال الحرب العالمية الأولى قادرين على أن نغضب إزاء الفظاعات المرتكبة باسم القيصر، لكن بالكاد كان ممكنا في الحرب العالمية الثانية أن تكون غاضبا تجاه الذبح الممنهج لستة ملايين يهودي، ولا فعل أداؤنا في نورمبرغ أي شيء سوى تعقيد المواقف الأخلاقية والقانونية. باختصار، بحلول وقت الحرب العالمية الثانية، كان الشر قد دخل جنة عدن الأمريكية وقد جاء لكي يقيم.
أنا ابن لواعظ. أتوسل إليكم أن تتذكروا الاسم الأصلي لتلك الشجرة المشكلة في عدن: إنه “شجرة معرفة الخير والشَّر”. المقصود بالحساسية الذكورية القدرة على تناول ثمرة تلك الشجرة والعيش. المقصود ب”الشرط الإنساني” هو أن المرء حقاً لا يملك الخيار: كل أو مت. ونحن نكتشف ببطء أن هناك كثير من السبل لكي تموت.
عندها الكتاب الاميركيون الأصغر سناً الذين سوف نكون ذات يوم ممتنين لهم أشد الامتنان- ولن أسمي أحداً، لن أتنبأ بأي شيء- هم بالضبط هؤلاء الكتاب المضطرين لتحمل مسؤولية وصفنا لأنفسنا كما نحن الآن. وحشة تلك المدن الموصوفة في كتاب دوس باسوس أعظم الآن مما كانت من قبل على الإطلاق، وهذه المدن أكثر خطورة الآن مما كانت من قبل، ومواطنيها مع ذلك مكروهين أكثر. وتلك الأدوية والوصفات الطبية التي خيبت بصورة مذهلة دوس باسوس أيضاً خيبت هذا البلد والعالم. المشكلة أعمق مما تمنينا أن نعتقد: المشكلة فينا. ولن نجدد تلك المدن مطلقاً أو نقهر عزلتنا البشرية الفظة وغير المحتملة- لن نؤسس مجتمعات بشرية- حتى نواجه فشلنا الشنيع.
لن نفهم أبداً ما الذي يحفز الفلاحين الصينيين أو الكوبيين حتى نسأل أنفسنا من نحن، وماذا نفعل في هذا المكان الموحش. اندثر جنوب فوكنر، وعبيد الجد: لن تشرق الشمس عليهم ثانية قط. أسدلت الستارة إلى الأبد على سيرة غاتسبي: لن يكون هناك المزيد من شخصيات مثل غاتسبي. وتلال افريقيا الخضراء خرجت من الماضي ومن الخيال، نحو العالم المقلق الحالي.
المجتمعات ليست قادرة مطلقاً على تحري وتفحص أنفسها بدقة: كان على هذا الجهد أن تبذله تلك الخميرة التي يخفيها كل مجتمع بمكر و بلا كلل، هذا التخمر، هذا الاضطراب، هو مسؤولية الكتاب وضرورتهم. هو للأسف الحقيقة أنه أن تكون كاتباً أمريكياً اليوم يعني شن هجوم لا نهائي على كل ما يعتقد الامريكيون أنفسهم به أنه مقدس. يعني خوض حرب عصابات ذكية ورشيقة ضد ذلك الرضا الأميركي الذي يقنِّع الذعر الأميركي على نحو قاصر للغاية.
على المرء أن يكون راغباً بالفعل- على المرء أن يكون قلقاً، كي يحدد بالضبط الأخلاق الأميركية التي نتفاخر بها. وعلى المرء أن يكون راغباً في التساؤل عن رأي الهندي بهذه الأخلاق، ورأي الكوبي أو الصيني بها، ما الذي يعتقده الزنجي بها. يجب على سجلنا الخاص أن يُقرأ. وأخيراً هواء هذا الزمان والمكان مثقل للغاية بالبلاغة، مثخن للغاية بالأكاذيب المسكِّنة، حتى أن على المرء أن يطبق عنفاً شديداً للغاية على اللغة، على المرء بطريقة ما أن يمزق الايقاع المريح، لكي يكون مسموعاً. من الواضح أن على المرء أن يصرف أية آمال قد راودته إزاء الفوز بمسابقة شعبية. وعلى المرء أن يأخذ على عاتقه الحق في أن يكون خاطئاً كلياً- ويقبل الجزاء، لأن الجزاء سوف يكون موجوداً بالتأكيد، حتى هنا.
قال هنري جيمس “نعمل في الظلمة، نعمل ما بوسعنا، شكنا هو شغفنا وشغفنا هو مهمتنا. البقية هي جنون الفن”. حمداً لله أن هذا الجنون لا يزال يعمل بيننا هنا، وبعناد سوف يسلط الضوء أخيراً على حقيقة عشاقنا الشبان اليائسين الحائرين، مدمنينا المهزومين، مدراءنا التنفيذيين من الشبان المفسدين، محللينا النفسيين، والسياسيين، المدن، البلدات، الضواحي، و مشاريع إسكان مختلطة الاجناس. هناك خيط يربطهم جميعا ويوحد كل واحد منا . كان كل منا يدقق في شروط هذا الاتحاد ويتجنبها لأجيال عديدة.
· · ·
نحن الجيل الذي يجب عليه أن يلقي بكل شيء في المسعى لتجديد أمريكا في ما نقول إننا نريدها أن تكون عليه. دون هذا المسعى سوف نفنى. مهما كان هذا قد يبدو للبعض لا أخلاقياً أو مدمراً، فإن الكاتب من يجب عليه دوماً أن يتذكر أن الأخلاق، إذا كانت ستظل أو تصبح أخلاقاً، يجب على الدوام التدقيق فيها ، كسرها، تغييرها، وتجديدها. يجب أن يتذكر، مهما كان الكثر أشداء ممن قد ينسوا أن الحياة هي المحك الوحيد وأن الحياة خطيرة، وأنه دون القبول المبتهج بهذا الخطر، لا يمكن أن يكون مطلقاً أي أمان لأي شخص، في أي مكان على الإطلاق.
يحاول الكاتب دوماً استخدام المحدد لكي يكشف ما هو أكبر وأثقل بكثير مما يمكن أن يكون أي شي محدد. وبالتالي استعمل دوستويفسكي في روايته “الأبله” بلدة صغيرة لكي يعبر عن الحالة الروحية لروسيا. لم تكن تفاصيله شديدة الجاذبية، لكنه لم يخترعها، بل ببساطة استعمل ما كان موجوداً. تفاصيلنا ليست شديدة الجاذبية أيضاً، لكن يجب أن نستعملها. لن ترحل إذا ما تظاهرنا بعدم وجودها.
ليس كل ما تمَّت مواجهته يمكن تغييره، لكن لا يمكن تغيير أي شيء حتى تتم مواجهته. الحقيقة الرئيسية التي لا بد لنا من مواجهتها الآن، ويحاول عدد من الكتاب التعبير عنها في أدبهم، أن الأوان قد حان الآن لنا كي نهجر إلى الأبد النهر الكبير ذو القلبين.

يمكنكم الاستماع إلى المقالة بصوتي على حسابي على ساوند كلاود:

Naim Attallah Online

I am Chairman of Quartet Books, a leading independent publisher with a fine tradition of pursuing an alternative to the mainstream. Welcome to my blog.

Clod & Pebble

a place for poetry

Another Lost Shark

the poems and other words of Graham Nunn

Viral Press

Highland Print Studio Blog

the stanza

a little room for poetry and the writing life

Little Book Review

Picture Books for All

David J. Bauman

Co-author of Mapping the Valley

Reading Partisan Review: 1930s--1970s

metropolitan ideas. The life of an American Radical Intellectual Journal

The Russian Reader

News and views from (the) other Russia(n)(s)

The Untranslated

A blog about literature not yet available in English

"فما عادَ في الأرضِ مُتّسعٌ لنا"

مُدوّنة وفيقة المصري

Dan Powell

Reading. Writing. Teaching. Learning.

Reading in Translation

Translations Reviewed by Translators

Theater Talk News Update

What's happening on the most prestigious show about the world of the stage

ضباب

"كان هكتور في قاع الموجة، الموجة التي كانت بنفسها في قاع المحيط، المحيط الذي كان بنفسه في قاع الكون ، ثمة أمر ما يجعله يشعر بأنه صغير"