Feeds:
المقالات
تعليقات

 

الكتب التي لا نفهمها-تيم باركس

ما الذي يجري عندما، ببساطة، لا يبدو لك كتاب ما معقولاً؟ ربما أحد الكتب الكلاسيكية التي يشيد بها الجميع. أو كتاب جديد طلبَ منك التعليق عليه، أو كتاب أوصى به ناشر بحماس.

لا أعني أنَّك تجد الأسلوب شاقاً، أو سير الكتاب بطيئاً، بل ببساطة، تجد أن الشَّخصيات، تأملاتها، أولوياتها، طريقة تفاعلها، غير معقولة حقاً. تشعر بأنَّك تفقدها في الظَّلام. وردُّ فعلك المحتَّم، لا سيَّما إذا كنت قارئاً محنَّكاً، هو أن هذا لابد أن يكون خطأ المؤلِّف. هو، أو هي، ليس راصداً جيداً للحياة.

إن رواية “يوليسيس” هي الشَّاهد الأكثر درامية على هذا في سيرتي القرائية، أو كانت كذلك: يعرف “ليوبولد بلوم” أن زوجته تخطط لخيانته مع المتبجح السُّوقي “بليز بويلان”. إنه أمر يهتم له بعمق. إنه محزنٌ ومخز. ولكنه ينفق صفحة تلو أخرى متأملاً في شتى أشكال الأمور الأخرى، مفكراً في أحاجي وألاعيب لفظية، ممتلئاً بالدهشة أمام معروضات في واجهة متجر، وأصوات، وروائح.

قرأت الكتاب أولاً في سني مراهقتي، ثم قرأته مرة ثانية في الجامعة، عندما كنت في العشرينيات من عمري، يمكن أن أقدِّر أن بلوم، ربما لم يبدُ قادراً على مواجهة زوجته، لكني لا أستطيع تخيُّل أن الحالة الفاجعة، مع كل ما ترتبه من آثار على حياته المستقبلية، ليست تطرق في رأسه آناء النَّهار. بالتأكيد، لخيانة مثل هذه، أن تشغل تفكيره كلياً في النحو الأكثر إلحاحاً واستحواذيه. وبالتالي بدا لي أن حبكة الكتاب قد وضعت بشكل عرضي للغاية كمجرد وسيلة لـ “تيار الوعي” عند جويس، فرصة لكتابة صفحة غنائية بعد أخرى عن عالم عادي. لو كان الكتاب نشر للتو وطلب مني كتابة واحدة من أولى التقييمات، كان لمراجعتي أن تكون مختلطة، على الأقل. لكن من ناحية أخرى، لو ننظر إلى مراجعات مبكرة كتبت عن كثير من الروايات التي تعتبر الآن تحفاً أدبية، ربما نجد بين الردود الإيجابية الكثيرة أمثلة متكررة عن قراء محنكين، الذين، ببساطة، فاتتهم الفكرة عن حسن نية.

ههنا يكتب الناقد العظيم “جون ميدلتون موري” عن د. ه. لورنس:

رواية “نساء عاشقات” هي عبارة عن خمسمئة صفحة من اتِّقاد مشبوب العاطفة، موجة تلو أخرى من كتابة مثارة، طنَّانة، مدفوعة نحو ثمَّة نهاية خفيَّة وبعيدة، الضَّرب الخفي الثابت من بحر مظلم وبعيد المنال في عالم سفلي سكانه معروفون بهذا وحده: أنهم يتقلبون على الدَّوام، كالملاعين، في سعار من وعي جنسي بعضهم لبعض. يؤمن مبتكرهم أنه يستطيع تمييز تلوِّي الواحد من تلوِّي الآخر… بالنسبة له هم مختلفون بعمق وكلية، بالنسبة لنا لا فرق بينهم.

لا يسع موري رؤية ما يميِّز شخصيات لورنس، نتيجة لذلك لا تبدو له الميلودراما منطقية، والحبكة تصبح رتيبة. فشله هو الأكثر طرافة باعتبار أنه كان صديقاً للورنس بالفعل، من المفترض أن موري كان مدركاً تماماً لهواجس لورنس. بعد تدريس “نساء عاشقات” للعديد من السَّنوات، أجد أن الشَّخصيات تكاد تكون موضَّحة أكثر من اللازم، تكاد تكون تخطيطية. لا يستطيع جودرون وجيرالد كثنائي، الإفلات من منطق النزاع، على الواحد أن يهيمن على الآخر.  يعيش كل منهما في خوف من أن يهزمه الآخر. العلاقة بالنسبة إليهما هي حرب. بالمقابل، بيركن وأورسولا مدركان لمخاطر النِّزاع. يعيشان في خوف من أنهما سوف يقعان في الفخ الذي وقع فيه الثنائي الآخر. إنه واضح تماماً على نحو مؤلم. الخوف في كل مكان ودوماً متعلِّق بالنزاع، بطريقة أو بأخرى. لكن موري، ولو أنه كان ناقداً ممتازاً وبعدة أوجه يصف الكتاب وصفاً جيداً، لم يتمكن من رؤيته. لم يخطر له أن هناك أناس يعيشون بهذه الطريقة.

ينطبق الأمر نفسه على هذا المعاصر المجهول لتوماس هاردي، مراجعاً روايته العظيمة “عودة المواطن” في مجلة الـ “Spectator ” عام 1879:

تبدو مأساة السَّيد هاردي محددة بالكآبة عمداً. إنها تمنحنا جرعة من البؤس الإنساني، بدلاً من اللوعة الإنسانية-من عجز رجل عن أن يكون عظيماً في المعاناة، أو أي شيء آخر، بدلاً من عظمته في معاناة… التياع البطل خالص، بؤس صرف، ليس لوعة من أعمق الأشكال وأنبلها، التي يسعها أن تبصر أملاً في المستقبل وتندم على أخطاء الماضي.

بصورة خاصَّة، كان لدى المراجع مشكلات مع الشَّخصية التي هي روح الكتاب بأشكال عديدة:

لا تؤنِّب بطلة القصَّة الشَّهوانية ببرودة، يوستيشيا فاي، نفسها أبداً ولو للحظة على تقلِّب وفقر عواطفها. بل على العكس، لا تشعر بأن لأي شيء يعتمل في داخلها علاقة بالصَّواب والخطأ على الإطلاق، أو بوجود أمر كالمسؤولية.

شهوانية ببرودة هو إجمال ممتاز لشخصية “أوستيشا”. قرأ الناقد بعناية وبذهن منفتح. لكنه لا يستطيع تقبُّل أن يكون لمثل هؤلاء الناس وجود، أو أنه إذا كان لهم وجود فإنه من الواجب تقديمهم لنا في روايات جديرة باهتمامنا وشفقتنا. تلمح إشارات عديدة-“ندم”، “مسؤولية”-أنه يفكر بالحياة بالمعنى الأخلاقي، الخير والشَّر، ويتوقع أن يراها ممثلة بهذه الطريقة.  لا يسعه تجاوز واقعة أن هاردي يظهر أنه يتحرك في عالم مختلف من المشاعر، عالم تكون فيه رغبة أوستيشا بالعيش المكثف طبيعية مهما كان الثَّمن، بل محببة، تتخطى كلياً ما يمت بصلة للأخلاق. لعجزه عن التجاوب بشكل إيجابي مع هذا، يصبح المراجع توجيهياً، مطالباً بالمفاهيم التقليدية مما ينبغي أن تكون عليه “المأساة” ومتذمراً من أن هاردي لم يكن مصيباً في أسلوبه.

هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.

منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.

لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:

اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…

عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”

أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.

وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.

كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.

ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.

أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.

إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.

هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جميع الأطفال فيما عدا واحد”. نريد أن نعرف من هو ذلك الفرد. تملك قصة جيوفاني فيرجا العظيمة، الخبز الأسود، واحدة من أكثر العبارات الافتتاحية التي أعرفها جاذبية: “لم يكد الجار ناني يغمض عينيه، والكاهن لا يزال جالساً هناك في مقعده، حتى اندلعت الحرب بين الأطفال حول من عليه أن يدفع تكاليف الجنازة، لذلك طرد الكاهن ومرشة الماء المقدَّس تحت إبطه”.

ما إن نعلَق، عندئذٍ طالما يتقدم السَّرد ويأسرنا سوف لن يصعب علينا كثيراً التعامل مع أشياء لا نجدها منطقية. بل على العكس، أي تعقيدات مبكرة سوف تعترضنا باعتبارها غريبة، هي جزء من التشويق. لكن في نهاية المطاف، سوف نتقاعس مع بعض الروايات على الأقل. بعد مئة أو مئتي صفحة، سوف نبدأ بالشعور أن هذا ليس منطقياً وحسب. تقدم مراجعات مبكرة، لكن أيضاً الكثير من الردود حديثة العهد على كتاب لورنس “أبناء وعشاق”، مثالاً ممتازاً. طالما أن الرواية أمعنت النظر في طفولة موريل المخيفة، ترعرعه في ظل نزاع والديه العنيف، كان القراء متعاطفين. لكن عندما يبلغ الفتى الجبان سن الرشد يهرب الكثيرون، أتذكَّر أن هذا ما فعلته أمي عندما شجعتها على قراءة الكتاب.

كتب مراجع في مجلة TheNation: “يعاني الكتاب تغييراً جذرياً، ما يثير حزننا وذهولنا، وليس نحو شيء ثري وغريب، لكن نحو شيء هزيل ومبتذل -لابد أن المفردات استعملت بشكل متناقض بكل هذا الامتداد من الصراحة الشفوية المجفلة. يزداد شعورنا بهذا أكثر فأكثر بلا جدال، عندما نشمئز متعبين من المشاهد المتواصلة من الشغف الجنسي…”

يتساءل المرء إذا ما استوعب هذا القارئ لاحقاً أن بول عرَّف الخوف الذي يميز طفولته، خوف يكبحه بكل شكل من الأشكال، جنسياً قبل كل شيء، باعتباره عدوه الأول. هو مصمم على هزيمة الخوف، مصمم على الانفتاح على دوافع الحياة بدلاً من الإحجام عنها. لذا النصف الثاني من “أبناء وعشاق” على صلة مع النصف الأول بشكل ماثل للعيان ومؤكد.

قيل الكثير جداً عن “استعمالات الأدب”، التي تربطها دوماً تقريباً علاقة مع كوننا نصبح أكثر تحرراً وشفقة عندما نقرأ عن الظلم. أنا أشك كثيراً فيما إذا كان سلوكنا يتغير نهائياً بهذا النحو. مع ذلك، بجذبنا نحو رؤى مختلفة تماماً عن رؤانا وغريبة، ربما تفتح الروايات، وحتى إذا كنا في الأصل نعافها قرفاً، أعيننا على عوالم مختلفة من مشاعر عن مشاعرنا. بعد سنوات كثيرة، في قراءة ثالثة أو رابعة، منذ دراسة الأدب الإنجليزي ومن ثم تدريسه، ظلت ترغمني على العودة إليها، بدأت أخيراً أنظر بعين العطف نحو ليوبولد بلوم. حيث ستيفان ديدالوس ببساطة “سوف لن يخدم” وهو ممتعض على الدوام من أي شخص يحتج عليه، دوماً مصمم على بلوغ القمة، بلوم هو أكثر من سعيد في أن يخدم زوجته، أن يحضر لها فطورها، ويناولها الكتب التي ترميها على الأرض، ربما لأن لديه حياة داخلية فكرية ينسحب نحوها حيث يشعر بالراحة وفي بيته. هو شفقة الخاسر السمح، الرجل مصمم على ألا يكون مستاءً، وفي هذا الجانب هو النقيض لستيفان. في النهاية إنه بالضبط هذا السخاء من بلوم ما يجعل مولي تواصل الاستجابة له بـ “نعم” حتى عند انجذابها إلى آخرين. وبالرغم من أن هذه سوف لن تكون أبداً طريقتي في العمل، بعد تأمل طويل في الكتاب، رحت أشعر أن موقفه أصيل-وأن هناك حقاً أناس مثل هذا، والشخصية ليست مجرد مبرر لصفحات لا نهائية من التفكير الشِّعري.

أتذكَّر على نحو مماثل تغيير الموقف من كتاب نيكولسون بيكر “The Fermata ” 1994. عندما راجعت في الأصل هذه القصة عن رجل يستعمل قدرته السحرية على إيقاف حياة كل شخص آخر بينما يظل فاعلاً ليعري نساء جميلات فحسب ويستمني على المشهد، بدت لي ممارسة محرجة إلى حد ما في إيروتيكية أدبية. لكن بعد أن قسوت على بيكر فيما نشرته، أدركت تدريجياً أن ما كانت روايته تتحدث عنه هو الأمنيات المتضاربة في رغبة أن تعيش حياة حتى التمام، أن تكون مخلاً تماماً، ومع ذلك في الوقت نفسه، لا تسبب لأحد بالدمار، ولا تترك أدنى أثر من نفسك على الآخرين-بمعنى آخر، أن تبقى، على الأقل غير مؤذ على الإطلاق إن لم نقل نقياً تماماً. وهذا بدا لي فجأة مثيراً للاهتمام كطريقة لرؤية “الأدب” عموماً، تجربة بديلية، أحياناً مخلة لا تتسبب بأي أذى.

هذا لا يعني على الإطلاق أن كل رواية لا تستميلنا سوف تثبت في نهاية المطاف فائدتها. لكن حيث نجد أنفسنا على مواجهة مع أحجية مكتملة-كانت “سبع سنوات” تأليف بيتر شتام (2010) رواية أخرى بدا لي أن شخصياتها تسير في طرق غير منطقية -ربما حري بنا أن نمنح الكاتب الإفادة من الشَّك، أو العودة إلى الكتاب بعد وضعه جانباً إلى حين. بالتأكيد كانت العودة إلى شتام مستحقة العناء. لأنه بعكس الناس الذين نلتقيهم في حياتنا، الأشخاص في الروايات ليسوا بحاجة لأن يكونوا متوعدين. سوف لن يتحدثوا بسوء عن توانينا كي يبينوا أنهم يملكون قيماً أخرى مختلفة تماماً عن قيمنا. وعلى الرغم من أننا ربما لن نكون قادرين أبداً على تقبل هذه القيم، إنه لآسر ومفيد أن تدرك أن هناك أناس يتحركون في عوالم مختلفة كلياً من المشاعر عن عوالمنا.

نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من أخبار الأدب.

http://www.nybooks.com/daily/2017/08/15/the-books-we-dont-understand/

Advertisements

06Nobel-master768.jpg

 

منظر شاحب للتلال-كازو ايشيجورو

الفصل الأول

 

نيكي، الاسم الذي منحناه أخيراً للابنة الصُّغرى، ليس اختصاراً، كان تسوية توصَّلت إليها مع والدها. لأنه، وبشكل متناقض، كان هو من أراد أن يمنحها اسماً يابانياً، وأنا أصررت على منحها اسماً انجليزياً -ربما كان إصراري نابعاً عن رغبة أنانية كي لا أتذكَّر الماضي. وافق أخيراً على اسم “نيكي”، ظناً منه أن ثمَّة صدى شرقياً غامضاً أحاط به.

جاءت لتراني في وقت مبكِّر من هذه السَّنة، في شهر نيسان، عندما كانت الأيام لا تزال باردة وكثيرة الرذاذ. ربما نوت الإقامة مدَّة أطول. لا أعلم. لكنَّ منزلي الريفي والهدوء الذي يحيط به جعلاها ضجرة، وسرعان ما استطعت أن أرى أنها كانت هلوعة للعودة إلى حياتها في لندن. أصغت بنفاد صبر إلى تسجيلاتي الكلاسيكية، تصفحَّت العديد من المجلات. رنَّ الهاتف في طلبها بانتظام، وكانت لتسرع الخطو عبر السَّجادة، هيئتها النحيلة محصورة في ملابسها الضيقة، تحرص على إغلاق الباب من خلفها فلا يكون بوسعي استراق السَّمع لمحادثتها. غادرت بعد خمسة أيام.

لم تأتِ على ذكر “كيكو” حتى اليوم الثَّاني. كان صباحاً عاصفاً مكفهراً، وكنا قد قرَّبنا الكرسيين من النوافذ لمشاهدة تهاطل المطر على حديقتي.

سألت: “هل توقَّعت أن أكون هناك؟ أقصد في الجنازة”.

“لا، لا أخال ذلك. لم أفكِّر حقاً أنك قد تأتين”.

“لقد أزعجني، السَّماع عنها. كنت على وشك المجيء”.

“لم أتوقع منك المجيء أبداً”.

قالت: ” لم يعرف الناس ما كان خطبي. لم أخبر أحداً. أخال أني كنت محرجة. ما كانوا ليفهموا حقاً، ما كانوا ليفهموا مشاعري إزاء ما حدث. يفترض بالأخوات أن يكنَّ أقرب الناس إليك، ألسن كذلك؟ ربما لا تحبهن كثيراً ومع ذلك أنت قريب منهن. ومع ذلك لم يكن الحال كذلك. حتى أني لا أتذكر الآن كيف كان شكلها”.

“نعم، لقد مرَّ وقت طويل منذ أن رأيتها”.

“أنا فقط أتذكرها كشخص اعتاد أن يجعلني بائسة. هذا ما أتذكره عنها. لكني كنت حزينة مع ذلك، عندما سمعت بالنبأ”.

ربما لم يكن الهدوء فقط ما قاد ابنتي للعودة إلى لندن. لأنه مع أننا لم نسهب في التحدث أبداً في موضوع موت “كيكو”، لم يكن مطلقاً بعيداً جداً، محوِّماً فوقنا كلما تحدثنا.

كانت “كيكو” يابانية خالصة، بخلاف “نيكي”، وسارعت أكثر من صحيفة إلى تلقف هذه الحقيقة. الانجليز مولعون بفكرتهم عن أن عرقنا يمتلك غريزة الانتحار، كما لو أن أية شروحات إضافية لم تكن ضرورية؛ لذلك كان كل ما نشروه هو أنها كانت يابانية وأنها شنقت نفسها في غرفتها.

في تلك الأمسية نفسها كنت واقفة إلى النوافذ، أتطلع نحو الظلام، عندما سمعت “نيكي” تقول من خلفي: “ما الذي تفكرين فيه الآن، يا أمي؟” كانت جالسة عبر الأريكة، كتاب ورقي الغلاف على ركبتها.

“كنت أفكر بشخص عرفته سابقاً. امرأة عرفتها سابقاً”.

“شخص ما عرفتِه عندما كنتِ.. قبل أن تأتي إلى..”

“عرفتها عندما كنت أعيش في ناغازاكي، إذا كان هذا ما تقصدينه”. أضفت عندما استمرت في مراقبتي: “منذ وقت طويل. قبل أن ألتقي بوالدك”.

بدت راضية وعادت إلى كتابها بعد أن تلفظت بثمَّة تعقيب غامض. بطرق عدة “نيكي” طفلة حنونة. هي لم تأتِ ببساطة لترى كيف تلقيتُ خبر موت “كيكو”، جاءت إليَّ كما لو أنها مكلَّفة بمهمَّة. لأنها في السَّنوات الأخيرة وضعت على عاتقها أن تنظر بإعجاب إلى جوانب محددة من ماضيَّ، وقد جاءت متأهِّبة لتخبرني بأشياء لم تكن متباينة الآن، عن أن ليس عليَّ أن أشعر بالندم على ما اتخذته من خيارات فيما مضى. باختصار، كي تطمئنني من أنني لم أكن مسؤولة عن موت “كيكو”.

لم يكن لدي رغبة كبيرة في الإسهاب طويلاً في الحديث عن “كيكو” الآن، إنه يمنحني بعض العزاء. أنا فقط أذكرها هنا لأن تلك كانت الظروف المحيطة بزيارة “نيكي” في شهر نيسان، ولأنني خلال تلك الزيارة تذكَّرت “ساشيكو” ثانية بعد كل هذا الوقت. لم أكن أعرف “ساشيكو” معرفة حقَّة أبداً. في الواقع لم تطل صداقتنا أكثر من بضعة أسابيع ذات صيف منذ سنوات عديدة.

كانت أسوأ الأيام قد انتهت حينئذٍ. كان يتواجد عدد كبير من الجنود الاميركيين كما لم يسبق لهم أن كانوا في أي وقت -لأنه كان هناك قتالاً دائراً في كوريا-لكن في ناغازاكي، بعد ما جرى سابقاً، تلك كانت أيام من سكون وانفراج. أحاط العالم شعوراً بالتغيير.

عشنا أنا وزوجي في منطقة تقع شرق المدينة، رحلة قصيرة في الترام من مركز البلدة. جرى نهر بالقرب منا، وقيل لي سابقاً أن قرية صغيرة نشأت على ضفَّة النهر قبل الحرب. لكن حينئذٍ سقطت القنبلة وبعدئذ كان كل ما بقي أنقاضاً متفحِّمة. كانت عملية إعادة البناء قيد التنفيذ وأخيراً شيدت أربعة مباني خرسانية، كل واحد يضم ما يقارب عددها أربعين شقة منفصلة. من بين الأربعة، كان مبنانا المبنى الأخير المشيد من بينها وبعدها توقف برنامج إعادة البناء، كان يفصلنا عن النهر منفسح من الأرض القاحلة، مساحة من الوحل الجاف والحفر. اشتكى الكثيرون من أنها تشكل خطراً على الصِّحة، وبالفعل كان التصريف مرعباً. على مدار السنة كان هناك حفر مملوءة بالمياه الراكدة، وفي أشهر الصَّيف يصبح البعوض غير محتملاً. من حين إلى آخر كان يُرى موظفون يأخذون القياسات أو يدونون ملاحظات، لكن الشُّهور انقضت ولم يحدث شيء.

كان شاغلو الشُّقق السَّكنية كثيري الشَّبه بنا-عائلات حديثة العهد بالزواج، وقد وجد الأزواج عملاً جيداً في شركات متضخمة. كانت ملكية عدد كبير من الشُّقق تعود إلى الشَّركات، التي أجرتها بدروها للموظفين بسعر سخي. كانت جميع الشُّقق متماثلة، كانت الأرضيات من الحصر المصنوعة من القش، تصميم الحمامات والمطابخ غربياً. كانت صغيرة ومن الصَّعب إلى حدِّ ما أن تحافظ على برودتها خلال الشُّهور الدافئة، لكن في العموم كان يسود السُّكان شعوراً بالرضا. حتى أني أتذكر جواً واضحاً من المؤقتية هناك، كما لو أننا جميعاً كنا ننتظر اليوم الذي يمكننا فيه الانتقال إلى مكان أفضل.

كوخ خشبي كان قد نجا من خراب الحرب وجرَّافات الحكومة. يمكنني أن أراه من نافذتنا، منتصب وحيداً عند نهاية ذلك المنفسح من الأرض القاحلة، عملياً على حافة النهر. كان من الأكواخ التي ترى غالباً في الريف، له سطح مكسو بالآجر يتحدَّر نحو الأرض تقريباً. غالباً، خلال لحظاتي الفارغة كنت لأقف إلى نافذتي وأحدق فيه.

إذا كان لي أن أحكم من الاهتمام الذي جذبه قدوم “ساشيكو”، لم أكن أنا الوحيدة التي حدقت نحو ذلك الكوخ. دارت أحاديث كثيرة عن رجلين شوهدا يعملان هناك ذات يوم، وفيما إذا كانا موظفين حكوميين أم لا. لاحقاً دار حديث عن أن امرأة وابنتها الصغيرة كانتا تقيمان هناك، ورأيتهما بنفسي في أكثر من مناسبة تشقان طريقهما عبر الأرض المليئة بالحفر.

كان نحو بداية الصَّيف-وكنت في الشَّهر الثَّالث أو الرابع من حملي حينئذٍ-عندما شاهدت للمرة الأولى تلك السَّيارة الأميركية العريضة، بيضاء اللون وبالية، تهتز شاقَّة طريقها على الأرض القاحلة نحو النَّهر. كان وقتاً متأخراً في المساء، والشَّمس الغاربة خلف الكوخ ومضت لحظةً على المعدن.

عندئذٍ ذات أصيل سمعت امرأتين تتحدثان عند موقف الترام، عن المرأة التي انتقلت إلى المنزل المهجور بجانب النَّهر. كانت واحدة تشرح لرفيقتها كيف تحدَّثت إلى المرأة ذلك الصَّباح ولاقت منها ازدراءً. وافقت رفيقتها أن القادمة الجديدة بدت فاترة-ربما متكبرة. فكرتا أنه لا يمكن أن يقل عمرها عن ثلاثين عاماً، ، لأن الطفلة كانت أقله في العاشرة من عمرها. قالت المرأة الأولى إن الغريبة تحدثت بلهجة أهل طوكيو وبالتأكيد لم تكن من ناغازاكي. تكلمتا لفترة حول “صديقها الأميركي”، ثم المرأة تحدثت ثانية عن مدى فتور الغريبة في معاملتها ذلك الصباح.

الآن لا أشك أنه بين تينك النسوة اللواتي عشت معهن حينئذٍ، كان هناك أولئك اللواتي عانين، أولئك ممن يحملن ذكريات رهيبة وحزينة. لكن بمشاهدتهن كل يوم، منشغلات بانكباب مع أزواجهن وأطفالهن، وجدت من الصَّعب تصديق هذا: أن حيواتهن حملت أبداً مآسي وكوابيس زمن الحرب. لم يكن في نيتي أبداً أن أبدو فاترة، لكن ربما كان حقيقياً أني لم أبذل جهداً خاصاً كي أبدو بخلاف ذلك، لأنه في ذلك العهد من حياتي، كنت لا أزال أتمنى أن أترك وشأني.

 

نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من مجلة الدوحة.

 

 

ishiguro

مقابلة هاتفية مع كازو ايشيجورو بعد الإعلان عن جائزة نوبل في الأدب 2017 في الخامس من شهر أكتوبر 2017. أجرى اللقاء آدم سميث، منسق اللجنة الإعلامية لدى الأكاديمية السويدية للعلوم.

ك: مرحباً سيد سميث، كيف حالك؟

س: في أحسن حال. شكراً جزيلاً لك على الاتصال، لطف كبير منك. تهانينا على الفوز بجائزة نوبل.

ك: نعم، شكراً لك. أنا آسف لإبقائك منتظراً على الخط. أخشى إنها فوضى مطلقة هنا. هناك فجأة… حضر عدد كبير من الصَّحفيين وهم مصطفون على امتداد الطريق.

س: يمكنني تخيُّل ذلك. إذن، نعم، لا بدَّ أن يومك تغيَّر كلياً على نحو غير متوقَّع. كيف تلقيَّت هذه الأنباء؟

ك: كنت جالساً في المطبخ أكتب رسالة إلكترونية إلى صديق ورنَّ الهاتف. ولم يكن الأمر للوهلة الأولى مؤكداً كلياً. كان وكلائي الأدبيون يشاهدون البثَّ المباشر الذي أعلن الخبر من خلاله. لا أظن أنهم كانوا يترقبونه، كانوا فقط ينتظرون معرفة الفائز بجائزة نوبل هذه السَّنة. وهكذا بدأت أتلقَّى الاتصالات تلو الاتصالات، وكل مرة كنا نحاول أن نتحقق فيما إذا كانت خدعة أو إذا كانت أخباراً كاذبة، أو أياً يكن. من ثم بدأت تصبح مؤكدة أكثر فأكثر. عندما اتصلت البي بي سي بدأت آخذ الأمر على محمل الجد. لكني لم أتوقف فعلياً منذ ذلك الحين. إن الأمر هنا إلى حد ما أشبه بلغز سفينة “ماري سيليست” الشِّراعية -كل شيء بالضبط كما كان عند السَّاعة الحادية عشرة تقريباً، أو متى كان، قبل أن يبدأ الأمر برمته. من ثم حدث هرج ومرج. الناس الآن يصطفون على طول الشارع رغبة في إجراء مقابلة معي.

س: إذن هل تم فهمه؟

لا! لا، لا أظن أنه سوف يتم فهمه قبل مرور وقت طويل. أعني، إنه شرف رفيع المستوى للغاية، بالمقارنة مع هذا النَّوع من الأمور. لا أظن أنك قد تحصل على جائزة أرفع مستوى من جائزة نوبل. ويمكنني أن أقول إن قدراً كبيراً من تلك الرفعة لابد أنه منبعث من حقيقة مفادها أن الأكاديمية السويدية، كما أظن، نجحت في أن تسمو على عراك سياسة التحزب وهلم جرا. وأظن أنها ظلت واحدة من أشياء قليلة محترمة، يحترم نزاهتها الكثيرون حول العالم، ولهذا أظن أن الكثير من دلالة شرف تلقي الجائزة ينبع من الوضع الحالي للأكاديمية السُّويدية. وأظن إن ذلك إنجاز عظيم في حدِّ ذاته، على مدى كل تلك السنوات تمكنت الأكاديمية السويدية من الاحتفاظ بذلك الموقع المتفوق، في جميع مجالات الحياة المختلفة التي تكرمها. من ثم السَّبب الآخر إنه لشرف رائع بالنسبة لي لأنني… كما تعلم أنضم إلى رتل الكثيرين من أعظم أبطالي، بالتأكيد كتَّاب عظماء. أعظم كتاب في التاريخ حصلوا على هذه الجائزة، ويجدر بي القول إنه لأمر عظيم عندما تأتي بعد عام من بوب ديلان الذي كان بطلي منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، هو ربما أعظم أبطالي.

س: إنك تحظى بصحبة لطيفة.

ك: نعم. أنا أقلد شخصية بوب ديلان على نحو ممتاز، لكني لن أفعل ذلك في حضرتك الآن.

س: هذا أمر يدعو للأسف، كنت لأود ذلك. ربما على الأقل عندما تأتي إلى استوكهولم في شهر كانون الأول، من فضلك.

ك: نعم، يمكنني محاولة ذلك.

س: عليك أن تفعل. إنها لحقبة مسلية في بريطانيا في الوقت الراهن. هل لذلك المكان من أهمية خاصة بنظرك في تلقي الجائزة الآن؟

ك: أظن ذلك. أعني، في الواقع تماماً قبل أن أتناول الهاتف لأتحدث إليك كنت أكتب تصريحاً لبيان صحفي، وكنت أحاول أن أفكر فيما يسعني أن أقوله في ثلاثة أسطر، وأظن أن التوقيت مناسب لي لأني أشعر… أنا أبلغ من العمر ثلاثة وستون عاماً تقريباً، لا يمكنني تذكر وقتاً كنا فيه متشككين للغاية بقيمنا في العالم الغربي. كما تعلم، أظنُّ أننا نمر بحقبة على قدر عظيم من عدم اليقين فيما يتعلق بقيمنا، وزعامتنا. الناس لا يشعرون بالأمان. لذا آمل أن أموراً من قبيل جائزة نوبل سوف تسهم بطريقة ما بالأمور الإيجابية في العالم، بالقيم المحترمة في العالم، وأنها قد تسهم إلى حدٍّ ما بالاستمرارية والكياسة. نعم.

س: أفترض أن ما كنت تكتب عنه طوال هذا الوقت، نوعاً ما، هو ذلك السؤال عن مكاننا في العالم، علاقتنا مع بعضنا البعض، علاقتنا مع العالم. تلك هي ربما الثيمة التي تتحراها غالباً، هل تظن ذلك؟

ك: نعم، يمكنني قول ذلك، أعني أني أظن… لو يمكنني صياغته بتعبير أكثر دقة، أعني أنه ربما… واحد من الأمور التي أثارت اهتمامي دوماً هو كيف أننا نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، وأننا نملك ميداناً شخصياً فيه ينبغي علينا أن نحاول ونعثر على الإنجاز والحب. لكن ذلك يتقاطع حتمياً مع عالم أكبر، حيث يمكن للسياسة، أو حتى الأكوان الديستوبية، أن تنتصر. لذا أظن أني لطالما كنت مهتماً في ذلك. نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه ولا يمكننا أن ننسى أياً منها.

س: شكراً لك، حسناً، أظن أن هذه أمور يمكننا التحدث عنها في يوم آخر.

ك: نعم.

س: في الوقت الحالي عليك أن تجد السبيل الذي سوف تتعامل من خلاله مع طابور الصحافة هذا. فقط فكرة أخيرة-كيف تشعر إزاء فيض الاهتمام الذي أنت على وشك تلقيه؟

ك: حسناً، أظن.. أنا أتعامل معه بمنتهى الإيجابية. أعني، في حين أنه يوم مشوَّش بعض الشَّيء لأنني لم أكن أملك فكرة عند استيقاظي هذا الصباح عن أنه قد يكون شيئاً إلا مجرد يوم عادي للغاية، أظن أنه لأمر عظيم أن الصَّحافة والإعلام، يتعاملون بجدية مع جائزة نوبل للأدب. سوف أصاب بذعر كبير لو حدث ذات يوم أن كسب أحدهم جائزة نوبل للأدب ولم يهتم للأمر أحد. هذا قد يلمح إلى أن ثمَّة أمور فظيعة حدثت في العالم.

س: لا بد أن يكون اليوم الذي نحتفي فيه بالأدب يوماً جيداً.

ك: نعم، وأظن أن الأدب يمكن أن يكون أمراً عظيماً، يمكن أن يكون أحياناً قوة شريرة أيضاً. أنا أظن أن أشياء مثل جائزة نوبل للأدب وجدت لتحاول وتضمن أن يظل قوة خيرة.

س: رائع. شكراً جزيلاً لك حقاً، ونحن نتطلع كثيراً للترحيب بك في استوكهولم في شهر كانون الأول.

ك: نعم، أنا بالفعل أتطلع إلى ذلك. حسناً، كان من دواعي سروري أن تحدثت إليك يا سيد سميث.

س: شكراً جزيلاً لك حقاً.

ك: اعتن بنفسك الآن. وداعاً.

 

نشرت الترجمة في العدد الأخير من مجلة الدوحة.

 

 

ذكرى ماري أ-برتولت بريخت.

 

lonecloud

ذكرى ماري أ-برتولت بريخت.

ذات يوم من أيام شهر سبتمبر ببدره الأزرق،

صامتاً تحت شجرة خوخ،

احتويتها، حبيبتي الشَّاحبة الصَّامتة

في ذراعيَّ مثل حلم جميل وصافٍ.

فوقنا في سماء الصَّيف،

لفتت نظري غيمة.

كانت ناصعة البياض وعالية،

وعندما رفعت بصري، كانت قد اختفت.

ومنذ تلك اللحظة، جاءت سنين

عديدة، ثم انقضت.

لا ريب أن أشجار الخوخ اقتطعت جذوعها

وإذا كنت تسأل عمَّا حلَّ بحلمي

سوف أجيب: لا يسعني التَّذكر الآن

ولو أني أعلم علم اليقين ما يجول في خاطرك.

ولكن وجهها: أنا لا أتذكره حقاً.

أتذكَّر أني لثمتُه منذ زمن بعيد وحسب.

حتى القبلة كان لها أن تكون منسيَّة

لو لم تكن تلك الغيمة البيضاء في السَّماء.

أعرف الغيمة، وسوف أظل أعرفها أبداً،

كانت بيضاء لا تشوبها شائبة، أوه، يا لشدَّة علوِّها.

ربما لا تزال أشجار الخوخ هناك مزهرة.

ربما لدى تلك المرأة ستة أطفال أيضاً.

لكن الغيمة البيضاء تألقت للحظة واحدة فقط:

عندما تطلَّعت إليها، تلاشت في الزُّرقة.

 

 

ZZ36C3A6A7

 

أنت لا تعرف ما هو الحب

(أمسية مع تشارلز بوكوفسكي)

 ريموند كارفر

قال بوكوفسكي: أنت لا تعرف ما هو الحبّ

عمري واحد وخمسون عاماً أنظر إلي

أنا مغرمٌ بهذه الشَّابة

أنا متيَّم بها لكنها هي مهتمَّة للغاية أيضاً

لذا لا بأس يا رجل هكذا يتعيَّن على الأمر أن يكون

أنا أجري في عروقهنَّ ولا يسعهنَّ التَّخلص مني

إنهنَّ يجربنَّ كل شيء للإفلات مني

لكنهن جميعاً عدنَ في نهاية المطاف

عدنَ جميعهن إليَّ ما عدا

تلك التي ذكرتها

لقد بكيت على تلك المرأة

لكن دمعتي كانت قريبة في تلك الأيام

لا تقدِّم لي أبدً شراباً قوياً يا رجل

أصبح دنيئاً عندئذٍ

يمكن أن أجلس هنا وأحتسي البيرة

معكم أيها الهيبيون طوال الليل

يمكن أن أشرب عشر كوارتات من هذه البيرة

ولا شيء إنها أشبه بالماء

لكن أعطني شراباً قوياً

وسوف أشرع بإلقاء النَّاس من النَّوافذ

سوف أرمي أي شخص من النَّافذة

لقد فعلت ذلك

لكنك لا تعرف ما هو الحب

أنت لا تعرف لأنه لم يسبق لكَ

أن أحببت قط إن الأمر بسيط إلى هذه الدَّرجة

أحببت هذه الشَّابة انظر إنها جميلة

تناديني بوكوفسكي

تقول بوكوفسكي بهذا الصَّوت الرقيق

وأقول ماذا

لكنك لا تعرف ما هو الحب

أنا أقول لك ما هو

لكنك لستَ بمنصت

ليس لواحد منكم في هذه الغرفة

أن يتعرَّف على الحب إذا ما تقدَّم

ونال منكم في المؤخرة

كنت أظنُّ أن القراءات الشِّعرية كانت تهرُّباً

أنظر عمري واحد وخمسون عاماً وهذا ليس بجديد علي

أعرف أنها تهرباً من المسؤولية

لكني قلت لنفسي بوكوفسكي

العِوز هو أكثر من تهرُّب أيضاً

لذا ها أنت ذا ولا شيء كما يجب أن يكون

ذلك الرجل ما اسمه “جالوي كينيل”

رأيت صورته في مجلة

إنه وسيم المحيَّا

لكنه مدرِّس

يا مسيح هل في وسعك أن تتخيل

لكن آنئذٍ أنتم مدرسون أيضاً

ها أنا أهينكَ الآن

لا لم أسمع به

أو لم أسمعه أيضاً

إنهم جميعاً نمل أبيض

ربما بسبب الغرور لم أعد أقرأ كثيراً

لكن هؤلاء الناس! من بنوا

سمعتهم على خمسة أو ستة كتب

نمل أبيض

تقول بوكوفسكي

لماذا تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال اليوم

ألا يمكنكَ سماعها تقول ذلك

بوكوفسكي لماذا تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال النَّهار

هذا يفاجئك أليس كذلك

ما كنت لتظن أن وغداً غليظاً مثلي

يمكن أن يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال النهار

برامز رحمانينوف بارتوك تيليمان

اللعنة لا يمكنني الكتابة هنا

المكان شديد الهدوء ويوجد كثير من الأشجار

أحبُّ المدينة إنها المكان الذي يناسبني

أضع موسيقاي الكلاسيكية كلَّ صباح

وأجلس أمام آلتي الكاتبة

أشعل سيجاراً وأدخنه هكذا أنظر

وأقول بوكوفسكي أنت رجل محظوظ

بوكوفسكي لقد تكبَّدت عناء كلَّ شيء

وأنت رجل محظوظ

والدُّخان الأزرق ينجرف عبر الطاولة

وأتطلع من النَّافذة نحو دي لونجبري آفنيو

وأرى أناساً يذرعون الرَّصيف جيئةً وذهاباً

وأنفخ على السِّيجار هكذا

من ثم أضع السِّيجار في المنفضة هكذا وآخذ نفساً عميقاً

وأبدأ بالكتابة

أقول: بوكوفسكي هذه هي الحياة

إنه لأمر جيد أن تكون فقيراً وجيد أن تصاب بالبواسير

إنه لأمر جيد أن تكون عاشقاً

لكنك لا تملك فكرة عنه

لا تعرف كيف يكون الحال عندما تقع في الحب

لو تمكَّنت من رؤيتها قد تعرف ما الذي أعنيه

لقد اعتقَدَت أني قد آتي إلى هنا وأمارس الجنس

لقد عرفت حقيقةً

لقد أخبرتني بإنها عرفت

اللعنة عمري واحد وخمسون عاماً وهي في الخامسة والعشرين

ونحن نحب بعضنا البعض وهي تغار

يا يسوع هذا جميل

قالت إنها سوف تقتلع عيني إذا ما جئت إلى هنا

ومارست الجنس

الآن هذا هو الحب من أجلك

ما الذي يعرفه أي واحد منكم عنه

دعني أخبرك شيئاً

لقد التقيت برجال في السِّجن كان لهم أسلوب أكثر فرادة

ممن يتسكَّعون حول الكليات

ويرتادون القراءات الشِّعرية

إنهم مصاصو دماء هؤلاء الذين يأتون كي يروا

إذا ما كانت جوارب الشَّاعر قذرة

أو إذا ما كانت رائحة إبطيه كريهة

صدِّقني سوف لن أخيِّبهم

لكني أريدك أن تتذكَّر هذا

هناك فقط شاعر واحد في هذه الغرفة الليلة

فقط شاعر واحد في هذه البلدة الليلة

ربما شاعر حقيقي واحد فقط في هذا البلد الليلة

وذاك هو أنا

ما الذي يعرفه أيُّ واحد منكم عن الحياة

ما الذي يعرفه أي واحد منكم عن أي شيء

أي واحد من بينكم هنا تم فصله من عمل

أو آخر أثخن امرأته ضرباً

أو آخر أثخنته امرأته ضرباً

لقد طردت من “سيرز وروبَك” خمس مرات

لقد طردوني ثم أعادوا توظيفي

لقد عملت لديهم في رصِّ البضائع على الرفوف عندما كنت في الخامسة والثلاثين

من ثم طردت لأني سرقت الكعك المحلَّى

أعرف كيف يكون لأني كنت هناك

أنا في الحادية والخمسين من عمري الآن وأنا عاشق

تقول هذه المرأة الصَّغيرة

بوكوفسكي

وأقول ماذا وتقول

أظنُّ أنك تتفوَّه بكلام أحمق تماماً

وأقول حبيبتي أنت تفهمينني

هي الوحيدة في العالم

من بين الرجال والنساء

التي قد أصدق ما تقول

لكنك لا تعرف ما هو الحب

جميعهنَّ عدنَ إليَّ في نهاية المطاف أيضاً

عادت كل واحدة منهن

فيما عدا تلك التي حدثتك عنها

المرأة التي ذكرتها بقينا معاً سبع سنوات

كنَّا نسرف في الشَّراب

أرى زوجاً من الكتبة في هذه الغرفة لكن

لا أرى أيَّ شاعر

أنا لست متفاجئاً

عليك أن تكون عاشقاً كي تكتب الشِّعر

وأنتم لا تعرفون كيف يكون الحال عندما تحب

تلك هي مشكلتكم

أعطني بعضاً من ذلك الشَّراب

هذا صحيح جيِّد بدون ثلج

هذا جيِّد إنه ممتاز تماماً

إذن لنبدأ العمل

أعرف ما قلته لكني سأشرب كأساً واحدة فقط

إنه سائغ المذاق

حسناً إذن لننتهي من هذا

لكن فقط بعد ذلك لا يقف أحدكم قريباً

من نافذةٍ مفتوحة

 

the-emigrants-ostwalds-family-fixed-1200التقيت بمارتن أوزتفالد بعد أن ربطتني علاقة صداقة بابنه ديفيد الذي كان ابنه زميلًا لابني في روضة الأطفال. حينئذٍ، كان مارتن قد تقاعد من عمله في تدريس الكلاسيكيات في سوارثمور، حيث درَّس لعدَّة سنوات. في أيام العطل ونهايات الأسبوع كان هو وزوجته لور يقودان من بنسلفانيا أحيانًا لزيارة ابنهما وعائلته في نيويورك، وفي واحدة من تلك الزيارات رتَّب ديفيد لنا لقاءًا على العشاء. في الحال شعرت بالإعجاب تجاه هذا الرجل المحترم المسنّ بلكنته الألمانية الواضحة، وكان يرتدي سترة وربطة عنق مع مشبك دومًا، حتى أثناء قيامه بجمع أوراق الأشجار المتساقطة أو بجرف الثلج، على حدِّ قول ديفيد. لباقته عتيقة الطراز وأُلفته جعلتاه محبوبًا جدًا من قبل الطلاب الذين تتلمذوا على يديه حتى أنَّ الكثير منهم اقتدوا بمعلمهم وأصبحوا أستاذة في الجامعة.

حسبما قال ابنه، كان مارتن يسير يوميًا إلى المكتبة، حيث كانت له مقصورته الخاصة، ليعود إلى البيت لتناول وجبة الغداء، ثم يعود إلى المكتبة حتى يحين موعد العشاء. تستمع لور في المساء إلى الموسيقى الكلاسيكية بواسطة سمَّاعات الرأس كي لا تزعجه. كان لمارتن مكتبه الخاص، وكتبه، وغليونه.. عش باحثٍ حيث انغمس في أحدث مشاريعه: المويرا، مفهوم المصير عند الإغريق.

كانت لور، وهي متقاعدة أيضًا، تعمل مع المراهقين المصابين بمرض التَّوحد بعد تخرجها وحصولها على درجة الماجستير من جامعة شيكاغو. على الرغم من إصابتها بحالة حادَّة من تنكُّسٍ بقعي، أمضت وقتها في تتبع شغف حياتها ألا وهو تاريخ الفن. عندما قلت لها إنني وزوجتي سوف نزور سيينا ذلك الصيف، ألحّت علينا لور أن نزور الكاتدرائية حيث يوجد على بعد خطوات داخل مكتبة بيكولوميني رسم تمهيدي للرسام بيكافومي على الأرض. كان من السَّهل تفويته، على حدِّ قولها.

سرعان ما اكتشفنا على العشاء، مارتن وأنا، أننا نتقاسم حبَّ المؤرخ الإغريقي ثيوسيديديس. ومارتن الذي كان على الأرجح الأخير في تقليد طويل ومهيب من علماء فقه اللغة الألمان، شرح لي خطبة الجنازة لبيركليس كما لم أسمعها مشروحة من قبل. في الحال فهمت شغف هؤلاء الذين درسوا معه به. لم يكن يوجد في أسلوبه تحذلق مفرط في التدقيق، فقط معرفة كان سعيدًا بمشاركتها.

لم أكن خبيرًا بالأمم القديمة، لجأت إلى مارتن مرارًا في السنوات التالية طارحًا عليه أسئلة عن الأدب والتاريخ الإغريقيين. ذات صباح، كان لديّ استفهام عن كلمة عند هيرقليطس، جاء الجواب في وقت متأخر من المساء. عرفت أن مارتن تفكَّر في سؤالي طوال اليوم لكي يرد بالرأي الأكثر شمولًا. لاحًقا، كان لدي سؤال عن فقرة قصيرة بالألمانية، مجددًا مع حلول المساء وصلت الترجمة مع الحواشي في حال وجد أنها مفيدة.

عندما التقيت عائلة أوزتفالد ثانية على العشاء في مطعم “الميرميد إن” في جادة أمستردام وشارع 88، عرفا أنني أعمل في كتابة المذكرات ولم يكن ليخطر لي يومًا أني سأعرف ما عرفته عن المويرا. كان مارتن ولور يهوديين متديّنين لكن ليسا أرثوذكسيين. كما شرح لي مارتن، كان والده مهتمًا بالإغريقية القديمة أكثر من العبرية، ولو أنه أصرَّ على أن يتعلم ابنه كلًا من اللغتين.

توقَّف مارتن هنيهة من الوقت، ثم قال لي إن كلمات والده الأخيرة له لم تكن بالألمانية أو بالعبرية بل بالإغريقية القديمة، من الإلياذة لهوميروس: “سيأتي يوم تهلك فيه إيليون المقدسة وبريام وقوم بريام بالرمح الصَّائب”. ثم أضاف بطريقته في صياغة الأفكار والوقائع التي لا تحتاج إلى توضيح على الإطلاق، “لا أعرف إذا كان ديفيد قد أخبرك، لكن والدي توفي في تيريزينشتات في ظلِّ ظروف لا ينبغي أن تكون غريبة عليك”.

كانت المرة الأولى التي يُثار فيها موضوع الهولوكوست بيننا. كان قد نشر مؤخرًا كتاب “جلَّادو هتلر المستعدون” تأليف دانيل جونا جولدهاجن، سألت مارتن إذا كان قد قرأ الكتاب. نعم، أجاب، وشيء في نبرة صوته أخبرني عن وجود تحفظات لديه. قال مارتن إنه على الرغم من براهين وأدلة جولدهاجن المثيرة للإعجاب، هو شخصيًا لم يتمكن من أن يحمِّل جميع الألمان المسؤولية عن مذبحة اليهود، كان الألمان ببساطة “مطيعون للسلطة بخنوع”.

من البيِّن أن ما رآه مارتن من الوحشية كان كافيًا ليجعله راغبًا في وضع كل رعب ألمانيا إبَّان عهد هتلر وراءه. يصف مارتن في مذكراته، التي أراني إياها ديفيد بعد بضع سنوات، إرساله مع أخيه إرنست إلى معسكر اعتقال في زاكسينهاوزن لمدة شهرين عام 1938. لكن في أعقاب ليلة الكريستال، في وقت لاحق من تلك السَّنة، تمكنت أمهما من إرسال ابنيها إلى إنكلترا على متن سفينة، مكَّنت جهود الحكومة البريطانية لإنقاذ الأطفال عشرة آلاف طفل يهودي من ألمانيا، والنمسا، وتشيكوسلوفاكيا من الحصول على الملجأ مع أسر بديلة في المدارس، والمزارع، ومنظمات جماعية. معظمهم وصل بمفرده، ولم يروا آبائهم ثانية.

بحلول عام 1940، ظهرت صعوبات لمارتن وإرنست في بريطانيا، عندما بلغا عمر السابعة عشرة. على الرغم من أنه تم الترحيب بهما في بريطانيا كأطفال يهود لاجئين، أدرجا في ذلك الوقت في الفئة الخاصة المسماة “أجانب أعداء ودودون”. كان مارتن قد نُقل بالسفينة إلى معسكر اعتقال في الكيبيك، حيث بدأ الدراسة للحصول على الشهادة الثانوية وبدأ يدرِّس اللاتينية واليونانية لنزلاء آخرين، بينما أرسل إرنست إلى جزيرة مان. تقاسم غرفة مع شاب يدعى فريدي جوتشالك، وفريدي هو من قال لإرنست إن عليه تشجيع أخيه الأكبر سنًا في كندا ليكتب إلى لور فاينبرغ وهي لاجئة شابة جميلة كانت تعيش مع عائلتها في إنكلترا.

كانت لور وعائلتها أكثر حظًا من الصبيين أوزتفالد، وتمكنوا من الانتقال إلى إنكلترا، ولاحقًا إلى أميركا، بمساعدة عائلة والرشتاين التي كانت تجمعهم بها صلة قربى، وسبق أن استقروا هناك. لكن لور قالت إنها لم تتمكن من نسيان تلك الليلة من عام 1936 التي أعيد فيها عمها فرانز رايرزباخ إلى عائلته من زاكسينهاوزن، ليلة عيد الميلاد، في نعش مسمَّر. توفيت أرملته جريت، وأخيها فلهلم لاحقًا في معسكر اعتقال قرب ريجا، لاتفيا، وأختها إلسي توفيت في تيريزنشتات، عام 1943. وفي عام 1938، انتحر أخوها بول، كما فعلت زوجته فريديل، عام 1940، في نيويورك، بعد صدور قرار رفض تمديد زيارتها وترحيلها إلى ألمانيا.

قالت لور عن الألمان: “أوغاد، هذا ما هم عليه”. بينما عاد مارتن إلى ألمانيا عدة مرات، وزار في إحدى المرات عزبة والديه في قرية زيشتيجفور، عام 1995، رافقته لور مرة واحدة فقط، بنفور كبير. عندما اتصل الألمان ليعربوا عن رغبتهم بإجراء مقابلة مع زوجها، منعت لور مارتن من التحدث إليهم، حتى أنها حاولت أن تمنع ابنها من زيارة ألمانيا في رحلة مع فرقته لموسيقى الجاز. لاحظت أن مارتن ولور نادرًا ما يختلفان، لكن في مسألة ألمانيا كانا على كفِّي نقيض. على العشاء في مطعم الميرميد، بدا أنهما يواصلان جدالًا قديمًا. تمنَّى مارتن أن يبني جسرًا مع ألمانيا المعاصرة، رفضت لور عبوره. كان لا يزال متشوّقًا للتعليم في جامعة ألمانية، حتى ولو لفترة قصيرة. قالت: “عندما يعيدون والدتك”.

ذكر لور اللاذع لوالدة مارتن فُسّر لي بعد بضعة أيام، عندما ودَّعنا أنا وديفيد ابنينا عند روضة الأطفال وذهبنا لشرب القهوة معًا. توجهنا إلى مطعم يوناني، حيث أخرج ديفيد مغلَّفًا مصنوعًا من ورق المانيلا المقوّى، يحتوي على نسخة من رسالة، قال إن جدته لوالده كتبتها.

تلقَّى مارتن الرسالة في ربيع عام 1946، ليلة امتحاناته في جامعة تورنتو، عندما كان يبلغ من العمر أربعًا وعشرين عامًا. في بداية فترة انفصالهم، تبادل مارتن ووالديه الرسائل بانتظام. (كان الرقيب الألماني يفتح الرسائل ويقرأها ويدمغها بختم يحمل الكلمة “مفتوحة”-بخط قوطي. كان الرقيب الكندي يفعل الأمر ذاته بختم آخر، مظهرًا رقم الرقيب المميز). فرحت والدته أيَّما فرح عندما قرأت، من خلال بريد الفاتيكان، في مكتوب مؤلف من خمس وعشرين كلمة، أنه اجتاز امتحان الثانوية العامة وهو لا يزال في مخيم الاعتقال. ثم منذ عام 1942، صمت.

في ذلك المساء، في كندا، كان مارتن يراجع ثيوسيديديس لامتحانه عندما جلس ليقرأ الرسالة التي تعج بالأنباء السيئة. بدأت الرسالة بالقول: “طفليَّ المحبوبين العزيزين”.  استحوذ شيء في بساطة الكلمات على الباحث الشاب-واندفاعه لقراءتها، ضاعف من تأخره في رؤية أن الجزء الأول من الرسالة كان مؤرخًا في 21 أيار عام 1944. لم يلحظ أنها سافرت مدة سنتين كاملتين قبل أن تصله. كتبت في معسكر اعتقال في تيريزينشتات، في ما يعرف اليوم بجمهورية التشيك.

كانت النسخة التي أراني ديفيد إياها في المقهى مؤلفة من عشر صفحات مرقَّمة بأرقام رومانية. لأن الرسالة كتبت في ظروف لا يمكن تصورها، كانت متقنة على نحو غريب، وعلى الرغم من الأحرف المتلاصقة وانعدام الهوامش، كانت السُّطور مستوية تمامًا حتى خامرني الشك أن والدة مارتن قد وضعت عدة مسوَّدات لها، وربما أعادت كتابتها مع مرور الشهور والسنوات. كتبت في حاشية سريعة مؤرخة في الثامن عشر من شهر تشرين الأول عام 1944: “طفليَّ المحبوبين! اليوم أغادر تيريزنشتات إلى وجهة مجهولة. أمنيتي الوحيدة هي أن أراكما ثانية. ليبارككما ربي! والدتكما، هيدفيج أوزتفالد”. عندما قرأ مارتن الرسالة، كان القطار الذي يفترض به أن يقلها قد وصل منذ زمن بعيد إلى مقصده، أوشويتز-بيركينو.

تكتب هيدفيج في رسالتها، “كان على 10.000 يهودي من ألمانيا، بعمر الخامسة والستين ومن هم أكبر سنًا، مغادرة تيرزينشتات على متن خمس وسائط نقل تحمل كل واحدة ألفي شخص”. وتضيف،” لم نسمع شيئًا عنهم منذ ذلك الحين”.  ربما كانت مربكة مما كان ينتظرها، أو ربما كانت تعرف لكنها لم ترغب بالقول. أدرجت أسماء أقارب، وأصدقاء، ويهود آخرين تهاوى ببساطة واحدهم تلو الآخر. هي تخبر ولديها أن والدهما توفي من جراء مضاعفات سرطان البروستات. وتذكر أيضًا أنها أصبحت على صداقة حميمة مع كل من هنرييت جوتشالك، وني روتشيلد، اللتين دعتهما بالـ “oma” أو “الجدَّة”، قبل أن توافي هنرييت المنية أيضًا. حفيد هنرييت فريدي، الذي كان على جزيرة مان، هو من اقترح أن يكتب مارتن إلى لور.

“عندما تبادلنا تحيات الوداع منذ خمس سنوات ونصف ، لم نفكر أو نخمن أن انفصالنا سيطول كل هذا الوقت”، كتبت هيدفيج. “إنها لفكرة تؤلمني أنكما ربما لن تكونا قادرين على أن تعرفا أي شيء عن مصيرنا”، ثم واصلت، “سوف لن أعطيكما أي تقرير عن الحياة هنا عمومًا. ربما سوف تعرفان عن ذلك ذات يوم من كتب التاريخ”. لكنها تمضي في وصف حياتها في تيرزينشتات – عن تقلبات مرض زوجها، وإحجامها عن إزعاج أي شخص بطلب الخدمات، واختفاء البعض، والجوع الدائم، والمنّ من السماء أحيانًا عند وصول رزمة، وما يعهد به إليها هؤلاء الذين ماتوا. “أعيش مع هذا الإحساس بالزَّيف كما لو أني واقفة مثل متفرج بجانب مصيري”، تكتب. “أنا ببساطة لا أستطيع تصديق أني تُركت في هذه الوحدة!”

وقد علم مارتن لاحقًا، أنه تم تهريب الرسالة من تيرزينشتات من قبل قريب والده د. فيليكس باخمان الذي توسطت عائلته بمبلغ كبير من النقود وتم إطلاق سراحها بأعجوبة من تيرزينشتات عام 1944، وفقًا لحواشي مارتن. (“الباحث العنيد كان عليه أن يضيف ملاحظات”، قال ديفيد، ضاحكًا بلطف على والده). شقَّ باخمان طريقه إلى سويسرا وبمساعدة الصليب الأحمر أرسل الرسالة إلى إرنست في إنكلترا بعد الحرب. ونقلها إرنست إلى أخيه في كندا. اليوم، النسخة الأصلية محفوظة في محفوظات مؤسسة ليو باك في مدينة نيويورك.

بعد قراءة الرسالة، وجدت نفسي أفكر بعمل ف.ج.زيبالد.  كانت الترجمة الإنجليزية للـ”المغتربون” عمله الذي يمزج بين الأدب القصصي والسيرة قد نُشرت للتو، وشخصياته كانت لا تزال  يانعة في ذهني: الطبيب هنري سلوين، اليهودي الليتواني- الإنجليزي المرحَّل الذي انتحر، بول بيرايتر، المدرس اليهودي من جهة جده لأبيه الذي حارب في جيش هتلر، وغادر مسقط رأسه، وبعد تقاعده قتل نفسه، أمبروز أدلفارت، الخادم الخصوصي الذي  هاجر إلى الولايات المتحدة وتلاشى في مصحة عقلية، وأخيرًا ماكس فربر، اليهودي الألماني الذي أرسله والداه إلى إنكلترا وانتظرهما ليكتشف أن حصولهما على تأشيرة الخروج و كفالة الأجانب كان مستحيلًا.

زيبالد، المولود في ألمانيا عام 1944 الذي كان يعيش ويدرِّس في جامعة إيست-أنغليا منذ عام 1970، لم يكن هو نفسه يهوديًا، لكنه صوَّر في “المغتربون” حيوات اليهود التي أصبحت قلقة وخارجة عن مسارها. أثَّرت بي قصة ماكس فربر على وجه الخصوص وبعد قراءة رسالة هيدفيج لم أستطع إلا أن أفكر باللحظة التي أخبر فيها فربر الراوي -وهو زيبالد على الأرجح- ما شعر به عند قراءة رسالة أمه الطويلة بعد سماعه بنبأ موتها، تمامًا مثلما علم مارتن أوزتفالد أيضًا بمقتل والدته بعد تسويف وحشي: “لكن يبدو الآن لي أن مسيرة حياتي، بأدق التفاصيل، كانت مرسومة، ليس فقط بترحيل والديَّ لكن أيضًا بتأخّر وصول أنباء موتهما، أنباء لم أتمكَّن من تصديقها أولًا ولم أدرك معناها إلا تدريجًا”.

مع هذا الصَّدى المأساوي في عقلي، اقتنيت نسخة من “المغتربون” وأرسلتها إلى عائلة أوزتفالد في سوارثمور. وصلتني بعد عدة أشهر بعض الأنباء المفاجئة. ليس فقط أن مارتن قرأ الكتاب بسرعة، كما خمنت أنه سيفعل، لكن كذلك لور التي لم تكن حتى ذلك الحين ميالة لقراءة أي شيء من تأليف كاتب ألماني، فما بالك بكتاب عن الهولوكوست. طلبا مني أن أعطيهما عنوان بريد زيبالد الإلكتروني. ولما لم يكن الكاتب يستعمل البريد الإلكتروني، حصلت على عنوانه البريدي ومررته إليهما. الآن نسخ من مراسلتهم التي استمرت مدة خمس سنوات، موضوعة على مكتبي.

بينما أدرك مارتن في الحال التماثل بين حياة ماكس فربر وحياته، ركزت لور انتباهها على حقيقة صغيرة فاتت معظم القراء: عائلة والرشتاين التي ورد اسمها في “المغتربون” على نحو عابر باعتبارها عائلة “تحدَّرت من مكان ما قرب أولم وجمعت ثروة كبيرة من عدة رخص لتخمير البيرة”، شابهت إلى حد لافت آل والرشتاين التي كانت تربطها بهم صلة قربى، وقد عملوا على كفالة لور ووالدتها عندما احتاجتا للاستقرار في أمريكا.” لا يخامرني شك أن السيدة والرشتاين التي ذكرتها، هي عمتي الراحلة دوروثي والرشتاين (مواليد عام 1888)”، كتبت لور في رسالتها الأولى إلى زيبالد، لم تكن نبرة رسالتها خجولة ولا منبهرة، لكن بدلًا من ذلك محتشمة بعض الشيء: “هناك الكثير في وسعي أن أخبرك به عن آل والرشتاين-لكن ربما أنت تعرف سلفًا؟”

وصل رد زيبالد القصير المكتوب بخط اليد بعد أسبوعين تقريبًا -مذكرة من النوع الذي يكتبه كاتب، مختصرة وسريعة قبل أن يضيف فكرة حسنة النية: ” لا يزال يدهشني أننا جميعًا نبدو مرتبطين مع بعضنا البعض بوجه من الوجوه. وفي ضوء ذلك، يبدو تاريخ الاضطهاد برمّته، حتى لو كان المرء يعلم جذوره وأسبابه، عصيًا على الفهم. مع كل الأمنيات الطيبة…” يكتب عن آل والرشتاين، “معرفتي.. مقتصدة للغاية ولا تتجاوز حقيقة أن خالتي التي كان اسمها الحقيقي آني إيجلهوفر عملت عند هذه العائلة عدة سنوات. أتذكر أنه كان يوجد عنوانان واحد في الجادة الخامسة وواحد في وايت بلين. ربما كلا منهما مألوف بالنسبة إليك”.

ككاتب، ابتكر زيبالد جمالية غامضة برصف أشياء متخيَّلة وأشياء مستعادة جنبًا إلى جنب، تتحدى مقالاته ورواياته فكرة أن الأحداث تؤكد الحقيقة على نحوٍ أكبر من الوجوه المنسية، التفاصيل المغفلة أو الثرثرات المسموعة مصادفة. الخالة إيجلهوفر التي كانت حقيقية، كانت بوابة زيبالد إلى عالم آل والرشتاين الذين أيضًا كانوا حقيقيين. ومع ذلك يحوم سردها في منطقة ضبابية يتميز بها زيبالد الذي لم يكن مخلصًا لا للتاريخ ولا للأدب لكنه بدلًا من ذلك كان مخلصًا لنقطة غير مستقرة يلتقي فيها كل من الابتكار، والذاكرة، والمخيلة.

تلعب الصور الفوتوغرافية أيضًا دورًا رئيسًا في جميع كتب زيبالد، وتحيط السرد بهالة من التوثيقية ورجحان الصدق، ومع ذلك هي أيضًا مبهمة ولا يعوَّل عليها. صور مشوشة وكراريس مكتوبة بخط يد غير مقروء تؤكد الفناء الوشيك للأشياء، الناس، الأماكن، أو المباني التي هي مهملة الآن أو، ربما، لطالما كانت كذلك. يجسِّد اليهود بالنسبة لزيبالد، جوهر الزوال السريع والحصانة، سكان عالم ربما ولَّت أفضل أيامه. سطور أخرى غير واضحة في عالم زيبالد، أيضًا. يكتب كراوٍ  في “المغتربون”: “قلبت صفحات الألبوم ذلك الأصيل، ومنذ ذلك الحين عدت إليه مرارًا وتكرارًا، لأن النظر إلى الصور الموجودة فيه، بدا لي ولا يزال حقًّا، كما لو أن الموتى كانوا عائدين، أو كما لو أننا كنا على وشك اللحاق بهم”.

تكتب لور في رسالتها التالية لزيبالد: “هذا فقط على سبيل حاشية لرسالتي السَّابقة ولا أقصد أن آخذ من وقتك الكثير”. ثم عمدت إلى إمطاره بمعلومات عن عائلة والرشتاين بما في ذلك عن ممتلكات العائلة في راي: “بيعت ويبدو أنه أقيم مكانها كنيسة لطائفة المورمون، مصير مثير للفضول”. كان رد زيبالد، الذي يشكرها فيه ويعتذر على عدم الإجابة سريعًا جوابًا وديًا لكن متحفظًا.

“لم يكن هناك حاجة لتردّ على رسالتي الأخيرة”، تجيب لور. لكن حينها تستفسر “عمّا إذا كان هناك من فرصة لي ولزوجي مارتن أن نلتقيك عندما تأتي إلى نيويورك”. إذا كان زيبالد سيحضر إلى فيلادلفيا أو سوارثمور، وتتجاسر قائلة إنه سوف يكون “مرحَّبًا به” للإقامة في منزلهما.

يمكن للمرء أن يتخيل مشاعر زيبالد: المرأة لم تكن لتستسلم. ومع ذلك، تمامًا عندما راودته الرغبة ربما لتجاهل الكتابة إليها، كشفت أوراقها: “لا شك أنك تحدس الآن، مارتن وأنا لاجئين يهوديين من ألمانيا”. ومضت تخبره عن مهنة مارتن وأضافت أنه “عندما كان لا يزال طالبًا تلقى رسالة مفصَّلة كتبتها أمه عن حياتها في تيرزينشتات تمامًا قبل أن ترحل إلى موتها في أوشويتز”. أنهت ملحوظتها،”هذه المرة ليس عليك أن تجيب حقًا”.

the-emigrants-sebald-gramercyبعد ثلاثة عشر يومًا، يكتب زيبالد ويعلمها أنه على الرغم من أن برنامجه مضغوط للغاية، سوف يسره أن يلتقي بها وبمارتن في فندق جريميرسي بارك في نيويورك بعد أسبوع، واقترح يومًا ووقتًا.

علمتُ من ديفيد، أن الثلاثة ناقشوا في الحال الموضوع الذي جمعهم معًا: ليس الهولوكوست بحد ذاته، لكن توابعه -تلك التي أثرت على المستقبل بطرق خفيّة وتلك التي أثّرت على الألمان كما أثرت على اليهود. في رأي ديفيد، سلم مارتن ولور بوجهة النظر هذه.  لقد غيَّرتهما.

كان مارتن مبتهجًا في الاستراحة في جريميرسي بارك التي برهنت له وهو يكتب رسالة إلى زيبالد أنه “يوجد في ألمانيا قيم حتى النازيين، لم يتمكنوا من تدميرها”، يقتبس في رسالته عن غوته بالألمانية: “دع الانسان يكون نبيلًا ونافعًا وصالحًا”.

مع هذه الرسالة، أرفق مارتن ثلاث نسخ من رسالة والدته التي رأيتها بنفسي: “(أ) نسخة مصورة عن الأصل، (ب) نسخة منضدة لتسهيل القراءة، (ج) الترجمة الإنجليزية”. مع نهاية الرسالة يبدو أنه يتذكر فجأة أن ابن أخيه فيليب نايس كان طالبًا عند زيبالد في جامعة إيست-انغليا. في اليوم التالي، تكتب لور إلى زيبالد وتخبره أنها أرسلت له شريطًا سينمائيًا عن بريمو ليفي.

أتى جواب زيبالد سريعًا. كتب: “صباح يوم الاثنين جلب ساعي بريدنا رسائلك اللطيفة للغاية”، ثم واصل:

إن ثقتكما بي تعني لي الكثير وسوف أقدِّر دومًا اللقاء الوجيز الذي جمعني بكما في تلك البقعة المسيَّجة بالخضرة في وسط مانهاتن.  حول رسالة والدة مارتن التي كتبتها من تيرزينشتات بالكاد يمكنني قول أي شيء ما عدا أن كل رسالة تصلني من واحد من كثر دمَّرَهم أبناء وطني، تملؤني بإحساس عميق بالعار وبمعرفة مؤكدة… إنَّ ألمانيا الأفضل مع مضَّطهديها قد انهارت). وكلما عرفت أكثر عن كل هذا كلما قلَّت قدرتي على تخيل وجود شخص واحد بين الألمان أنفسهم أثناء تلك السنوات لم تتلطخ يداه.

بعد فقرتين، يتناول زيبالد ذكر مارتن العابر لابن أخيه. يكتب: “وهذا ليس أمرًا استثنائيًا، أن يكون لدينا، نحن الذين التقينا بمثل هذه الطريقة غير المباشرة (على غير علم منّا)، فيل نايس كوسيط وَصَلَ حيواتنا المنفصلة”. كما سوف يعرف أي شخص يألف طريقة زيبالد في التفكير، بالنسبة لفنان باحث عن معنى متبقٍ في عالم ربما فقد معناه على أوسع نطاق، ليست الصدف مجرد صدف أبدًا، ربما هي المعنى الوحيد الذي يبقى. يتضح تدريجًا أن لور أجبرت بقراءتها ولقائها زيبالد على أن ترفع حظرها عن أي شخص أو شيء ألماني، بالنسبة لزيبالد، أصبح هذين اليتيمين الثمانينيين وسيلة لاكتشاف وتسكين مشاعره المعقدة عن مسقط رأسه.

the-emigrants-sebald-second-letterقوطعت المراسلات مرارًا باعتذارات عن عدم الكتابة من كلا الطرفين. أرسلت طرود بريدية-كتب لزيبالد غالبًا -وثمنت بامتنان. يشتكي زيبالد من معاركه مع مترجمَيْه الإيطالي والفرنسي، عن الوضع الكئيب في جامعة إيست-أنغليا، حيث يدرِّس، وعن المكتبة الوطنية الجديدة المريعة في باريس. هو أيضًا يلمِّح إلى رحلته إلى ويلز من أجل “مشروعه الجديد”-على الأرجح “أوسترليتز”. نُشرت الرواية عام 2001 وهي قصة فتى نجا عن طريق “إنقاذ الأطفال” لكنه مُنح هوية جديدة من قبل العائلة التي استضافته في ويلز. وسرعان ما نسي اسمه الحقيقي، ومسقط رأسه، ووالديه الحقيقيين، لتعود إليه الأحداث التي أفضت إلى انفصاله عن والدته في محطة قطار في براغ.

في نهاية المطاف، توقف زيبالد في سوارثمور. وفقًا لديفيد، أمضوا وقتًا في النظر في ألبوم صور لور، كان زيبالد مهتمًا على وجه الخصوص بصورة خال والدتها ماكس تيندلو الذي توفي في معركة فيردون عام 1916. بعد أيام قررت لور أن تستنسخ بعض الصور من ألبومها لترسلها، ولما لم تستطع أن تقرر أيها الأفضل، أرسلت لزيبالد نسخًا منها جميعًا.

في الرابع من شهر كانون الثاني عام 2001 يكتب زيبالد ليطلب معروفًا صغيرًا. عام 1876، شهدت فيلادلفيا “من بين كل الأماكن” نشر كتاب مبادئ القراءة الألمانية المؤلف من ثمان وأربعين صفحة يدعى “Das ABC mit Bild und Reim” الألف باء مع الصور والنَّظم، مكتوب تحت اسم مستعار، هوغو زيبالد. لم يكن هناك نسخ من الكتاب في إنكلترا، وسأل إذا كان بإمكانهم أن يحصلوا له على نسخة ملوَّنة، وسوف يسره أن يدفع ثمنها. عمل الثنائي الجسور في الحال على تنفيذ المهمة.

لاحقًا كان دور مارتن في طلب الخدمة: هل يهتم زيبالد أن يكون ممتدحه في مناسبة تسلمه الشهادة الفخرية من جامعة دورتموند، بلدة مارتن؟ فأن يكرَّم من قبل ألماني حي قد تكون أفضل لفتة ممكنة للمصالحة والتبرئة، وقد تكون أيضًا أكثر الاحتفالات صخبًا لكل من مارتن ولور. لكن زيبالد رفض بسبب التزامه بالكثير من الارتباطات قُبيلَ نشر أوسترليتز الوشيك.

في الواقع، بعد عدة أيام، في الخامس والعشرين من شهر أيلول عام 2001، كانت لور سعيدة أن تبلغه أن:
“تنتقل روايتك أوسترليتز جيئة وذهابًا على جانبي السرير بيني وبين مارتن، لكن الآن هي من جديد على طاولتي الجانبية”. في ذلك الحين، لا بد أن علاقة الثنائي مع زيبالد بدت مألوفة بما يكفي لكي يتجاوزا تلكؤ ابنًا ناجحًا ومشغولًا عن حضور احتفال تكريم أبيه. تسأل لور في حاشية “ماذا صنعت مع ألف باء زيبالد؟ قريب؟”

لا نعرف الجواب. بعد أقل من ثلاثة أشهر، في الرابع عشر من شهر كانون الأول من عام 2001 توفي زيبالد في حادث سيارة، من المرجح أن الحادث وقع بعد معاناته من كيس دموي أثناء القيادة.

عندما رأيت آل أوزتفالد بعد بضعة أيام في عيد الميلاد كان من الصعب ألا أفكر بزيبالد كل مرة يتحدث فيها مارتن ولور معي. لقد حزنا عليه، أنا واثق من هذا، مع أنهما لم يرغبا بإظهار ذلك. ما لم أكن أتوقعه هو أني في إعادة لقراءة “أوسترليتز” بعد وقت قصير، كنت أفكر كثيرًا بعائلة أوزتفالد التي بدت مكتوبة في روايته، أكثر مما شعرت سابقًا أن “المغتربون” كانت صدى لحياة مارتن. سوى أنه، كما اكتشفت أنه كان لمارتن دور أكثر فعالية في كتابة أوسترليتز مما كنت أعتقد. اكتشفت أن مارتن لم يكتفِ فقط بإخبار زيبالد عن الفترة التي أمضتها أمه في تيرزينشتات، لكن كان واحدًا ممن لفتوا انتباه زيبالد إلى المجلد الموسوعي عن ذلك المعسكر الذي ألفه ه.ج. أدلر وذكره زيبالد في أوسترليتز.

حل مارتن في “أوسترليتز” بطريقة أكثر مباشرة أيضًا. وفقا لسكوت بارتش الذي كان يبحث في أوراق زيبالد في أرشيف ماراباخ في ألمانيا، كان الكاتب قد قرر بوضوح، في أواخر عام 1992 وبداية عام 1993 أن إنقاذ جاك أوسترليتز سوف يتم في براغ عبر “إنقاذ الأطفال”، وربما ترسل والدة أوسترليتز إلى تيرزينشتات.  في بداية عام 1993 كان قد طلب معلومات عن هنرييت جوتشالك التي توفيت كما نعلم من رسالة هيدفيج أوزتفالد في تيرزينشتات. لم يكن زيبالد على علم بعائلة أوزتفالد في الوقت الذي قام فيه بالطلب، لكن بعد لقائهما، كان أثرهما على عمله لا لبس فيه. كما كتب بارتش لديفيد:” لا أزال أتذكر الأصيل الذي وجدت فيه نسخة من رسالة هيدفيج أوزتفالد اللافتة في الأرشيف، مع الخطوط التي وضعها زيبالد بخط يده”.

عاش مارتن ولور تسع سنوات أخرى. لم يتلكأا أبدًا في كل مرة ألتقيهما، وحدث ذلك عادة في العطلات، عن ذكر كم كبرا بحبهما لزيبالد، أو ماكس، كما كان معروفًا لأصدقائه. صادف أن ماكس كان اسم والد مارتن واسم خال لور الذي قتل في فيردون، كان ماكس أيضًا اسم فربر في رواية المغتربون.

ذات صباح، أوصلت مارتن ولور إلى محطة “بن”، حيث كانا سيستقلان القطار المتجه إلى سوارثمور بعد أن أمضيا عطلة طويلة مع ابنهما وعائلته. كانت لور ضئيلة للغاية بعد أن كسر ضلعين من أضلاعها أثناء نومها ذات ليلة، وكانت تعاني صعوبة في المشي. كان مارتن يرتدي سترة من قماش التويد وقميصًا وربطة عنق، مع مشبك لا غنى عنه. رافقتهما في هبوط عدد من الدَّرجات.

عند مرحلة معينة، وهما يشعران أنهما طلبا مني أكثر مما يجرؤان عليه، قالا لي إنَّ عليَّ التوجه إلى البيت. ترددت وأصرَّا. كنت مجبرًا على أن أودعهما، ولو أني في النهاية وقفت مكاني وراقبتهما يبتعدان -هي مستندة على ذراعه، وهو يحمل حقيبة صغيرة ذات لون بني فاتح ولا أحد يعلم كم مضى عليها من عقود. كانا منسجمَيْن معًا. لقد خلَّصته من ماضيه وخلَّصها من ماضيها. وأنا أراقبهما لم أتمكن إلا من التفكير بافتتان زيبالد بمحطات القطارات، ولثانية ساورني شعور غريب بأني لن أراهما أحياء ثانية، ولم يحصل يومًا.

مخلصان حتى النهاية، توفيا بفارق أسبوع واحد.

 

عن النيويوركر:

http://www.newyorker.com/books/page-turner/w-g-sebald-and-the-emigrants

nichita-stanescu800.jpg

نيكيتا ستانيسكو – شاعر روماني (1933-1983)

أغنية حب حزينة

في الحقيقة، وحدها حياتي سوف تموت من أجلي،

يوماً ما.

وحده العشب يعرف طعم الأرض.

في الحقيقة، وحده دمي سيفتقد

قلبي عندما يغادر.

الهواء طويل، أنت طويلة،

حزني طويل.

سيأتي وقت تموت فيه الخيول.

سيأتي وقت تبلى فيه الآلات.

سيأتي وقت ينهمر فيه مطر بارد،

وتحمل جميع النساء ملامحك

ويرتدين ثيابك.

يأتي أيضاً طائر أبيض هائل

ويضع القمر في السماء.

 

أغنية شتائية

 أنت في الشتاء آية من الجمال!

استلقى الحقل على ظهره، مجاوراً الأفق،

والأشجار كفت عن الهرب من ريح الشتاء…

أنفي يرتعش

وما من رائحة شذية

وما من نسمة

فقط فوح الشمس، البعيد

الثلجي.

يا لشفافية يديك في الشتاء!

ولا يعبر أحد –

ليس سوى الشموس البيضاء تتعاقب في تعبد صامت.

ويشيع الفكر دوائر

تطوّق الأشجار

مثنى

ورباع.

قصة عاطفية

 كم تلاقينا في ذلك الحين.

كنت أقف على أحد جانبي الساعة،

وأنت على الجانب الآخر،

مثل أذني جرَّة.

وحدها الكلمات رفرفت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً.

تكادين ترين تحليقها،

وفجأة،

سوف أجثو على ركبة،

وأمس بمرفقي الأرض

وأنظر إلى العشب، محنياً

من سقوط كلمة ما،

كما لو بمخلب أسد هارب.

الكلمات دوَّمت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً،

وكلما أحببتك أكثر، كلما

استمرت، هذا التدويم الذي يكاد يكون مرئياً،

بنيان الأمر، بداية الأشياء.

 

 

 

lotus over sakura

Voices through words.....

Cindy Dyer's Blog

What art offers is space...a certain breathing room for the spirit. — John Updike

found in translation

Kate Sotejeff-Wilson, translator

the short story of my day

Just another WordPress.com site

Cauldrons and Cupcakes

Celebrating Life, Spirituality, Creativity and Kindness!

amandeepmittal.wordpress.com/

Reviews | Interviews | Giveaways | Recommendations | "I'm Mad About Books"

نهر الإسبرسّو

أحمد العلي

محمد رشو

شاعر - سوريا

HOKKU

WRITING THROUGH THE SEASONS

شوشرة وكتابة

ترجمات، مقالات، يوميّات

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era