Feeds:
تدوينات
تعليقات

1430253818480.cached لم تتوفر أفلام باستر كيتون على نطاق واسع إلا مؤخراً إبان صدورها على أشرطة الفيديو، ربما شاهد أحدهم فيلم الجنرال (1926) في حلقة دراسية، أو أدرك بضعة أفلام قصيرة في معرض استعادي للأفلام الكوميدية الصامتة، لكن أمثال هذه الفرص كانت نادرة ومعدومة بالنسبة لمعظم رواد السينما في هذا البلد. عندما يحضر اسم كيتون، يفصح من عرفه غالباً عن تفضيلهم لا مبالاته الهادئة على عاطفية شابلن، معترفين في نفس الوقت بحسرة أن وقتاً طويلاً مر دون أن يشاهدوا واحداً من أفلامه. سمعت عن باستر كيتون بادئ الأمر من خلال جدتي التي كانت تعتبره أيضاً الممثل الأكثر إضحاكاً من بين الممثلين الكوميديين في الأفلام الصامتة. لم يكن هذا ليعني لي الكثير إبان ذلك إذ أنها وصفته بالرجل الذي لم يبتسم أبداً، والذي لطالما حافظ على جدية تامة بينما كانت تصرخ وبقية المشاهدين من شدة البهجة. أتذكر محاولتي لتخيل سحنته من خلال ما حكته لي عنه والذهاب أبعد من ذلك واقفاً أمام مرآة بوجه خال من التعابير حتى لم يعد بمقدوري الامتناع عن الضحك. كان في بلغراد في الأيام الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية، صالة سينما تعرض أفلاماً صامتة. صحبتني جدتي لمشاهدة شابلن، هارولد لويد، وبين توربين الأحول، لكن لسبب ما لم نر كيتون بتاتاً. هل هذا هو؟ كنت ألكزها بين الحين والآخر وأهمس لدى ظهور وجه غير مألوف وكئيب على الشاشة. ضجرة من مقاطعاتي التي عوقت استغراقها المنفعل في الأفلام، أخرجت ذات يوم لدى عودتنا إلى البيت كومة من المجلات المصورة. صنعت فنجان البابونج المعتاد وراحت تقلب في الأعداد المغبرة، مجيزة لي أن أفعل الأمر نفسه بعد أن تنتهي. أتذكر صورة بالأبيض والأسود لبحر من القبعات في جنازة ملك أو ملكة، وواحدة لرجل ممدد في بركة من الدماء في الشارع، ووجه امرأة جميلة ترتدي فستاناً رسمياً كاشفاً تراقبني بإمعان من طاولة في مطعم أنيق وجزء من نهديها بادياً للعيان. لم تجد جدتي كيتون أبداً.  ولم أر أي فيلم من أفلامه إلا بعد مرور سبع سنوات. حينها كانت جدتي قد توفيت في العام 1933، وكنت أعيش في باريس. على الأرجح كنت هارباً من المدرسة في ذلك الأصيل متسللاً إلى السينما عندما كان من المفترض أن أكون في قاعة الدرس، لكن باستر كيتون كان على الشاشة أخيراً، يرتدي قبعة البروك باي ويقف على الرصيف عند نهاية طابور انتظار الطعام المجاني الطويل. الطابور يتقدم لكن سبباً ما منع الرجلين الواقفين أمامه من التزحزح. هما دميتا متجر الملابس لكن باستر لم يدرك ذلك. يتناول دبوساً من طية سترته وينخز واحداً من الشخصين المتوانيين، لكن لم يلق استجابة، تضاءل الطابور في هذه الأثناء أمامه أكثر فأكثر بعد أن تسلم كل رجل رغيفاً من الخبز. ثم خطرت لباستر فكرة. نخز نفسه ليرى إذا كان الدبوس يعمل. خرج في تلك اللحظة مالك المتجر، مد يده ليتأكد من هطول المطر، وأخذ الدميتين الكاسيتين تحت ذراعيه وحملهما إلى الداخل. ظلت بعض القفشات الأخرى حية في ذاكرتي منذ تلك المشاهدة الأولى لأفلام كيتون القصيرة. في فيلم يدعى ” شرطة” (1922)، يشتري باستر حصاناً مسناً وعربة. يضع زوجاً من سماعات الرأس على أذني الحصان الأصم الذي لم يسمع أوامره ويجلس في مقعد السائق محاولاً أن يهتف للحصان. في مشهد آخر يربت على رأس ذلك الحصان فتقع سنه الاصطناعية. في فيلم قصير يدعى المسرح (1921) يلعب كيتون جميع الأدوار. دور الزبون الذي يشتري البطاقة، ودور قائد الأوركسترا وعازفيه، الراقصين التسعة، عمال المسرح وجميع أفراد الجمهور من البالغين والأطفال. أما بالنسبة لهيئة باستر كيتون نفسه، كان كل شيء بشأنه متبايناً. كان غريب الشكل وعادياً تماماً. لم يتغير تعبيره أبداً، لكن عيناه كانتا فصيحتين، ذكيتين وحزينتين في نفس الوقت. كان ذو قامة ضئيلة، مشدودة وقادرة على القيام بأعمال بهلوانية مذهلة مفاجئة. كيتون الذي ولد عام 1895 في نزل في بيكوي، كنساس، بدأ في مسرح الفودفيل عندما كان في عمر الثالثة. أبوه ابن طحان من اوكلاهوما، ترك والديه لينضم إلى “عرض طبي” وهناك التقى بزوجته المستقبلية. كان والدها شريكاً في إحدى هذه الفرق. على مدى السنوات العشرين التالية تجولوا في أرجاء البلاد، برفقة أكثر المؤدين المعاصرين شهرة غالباً من مثل هاري هوديني. أخيراً طور الثلاثي كيتون كما كانوا يدعون التمثيل الهزلي الفودفيل الذي تضمن مزاحاً بهلوانياً تركز على فكرة الطفل المفرط النشاط ووالديه الذاهلين. رمى باستر الأشياء على أبيه وضربه بعنف بمنشة الذباب والمكانس بينما والده يلوح به حول الخشبة بمقبض حقيبة سفر ربط إلى ظهر الفتى. ما بدا مثل شجار مرتجل كان بالفعل سلسلة مخطط لها بعناية من الحركات البهلوانية. هذه الفكرة تستحق التأكيد لأن صناعة الفيلم الصامت الكوميدي نشأت من هذا وأمثاله من الأدوار في الفودفيل. أول ركن من أركان شخصية كيتون الهزلية هو الفضول الدائم. الواقع آلة معقدة تشتغل بطرق غامضة وهو يعمل محاولاً أن يفهم. إذا لم يبتسم فهذا عائد لشدة الانشغال. هو متردد كلياً، ويبدو مع ذلك كامل العزم.” سيزيف الهزلي،” كما سماه دانيل مويز.” أتى بطلنا من اللا مكان،” يقول تعليق في فيلم لافتة عالية 1920 مواصلاً:” لم يكن ذاهباً إلى أي مكان وقد انطلق من مكان ما.” مشوشاً بعقبات لا نهاية لها، باستر هو صنوك البطيء – متوسط التفكير، يبحث عن منطق خفي في عالم غير منطقي.” إن إنجاز فيلم فكاهي،” كما قال،” مثل تجميع ساعة يد، لا بد أن تكون “رصيناً” لتجعلها تدق.” في هذه الأثناء، كنا أمي، أخي، وأنا ننتقل مجدداً. غادرنا باريس متجهين إلى نيويورك. عدت بعد بضع سنوات إلى فرنسا جندياً امريكياً. اكتشفت أنهم كانوا لا يزالون يعرضون أفلام كيتون في سينمات صغيرة على الضفة اليسرى. وفي هذا الوقت رأيت أغلب الأفلام القصيرة وبعض من الأفلام الروائية الطويلة مثل الجنرال والملاح 1924. وكنت لتجد في باريس احتفاء دائماً بكيتون، فقد جاء اليوم الذي صحبت فيه أطفالي لمشاهدة الأفلام. أحبوها وجعلوني أرى القفشات بطريقة مختلفة، إذ أنهم غالباً ما كانوا يلاحظون تفاصيل هزلية كنت قد فوتها. ” الكوميديا الجيدة يمكن أن تكتب على بطاقة بريدية،” قال كيتون. وعلينا أن نضيف أن القصة الهزلية رويت بصمت، حتى أن طفلاً يمكنه الاستمتاع بها.  هل صمت الصورة هو الذي يحرر الخيال الهزلي؟ بالتأكيد. فكر بالرسوم المتحركة. لا يمكننا في الأفلام الصامتة سماع صوت الأمواج، الريح في الأوراق، زعيق السيارات لدى توقفها، صوت إطلاق البنادق، فنمتلئ بالصوت. على سبيل المثال، في فيلم كيتون الطويل الخامس “سبع فرص” عام 1925، يعلم رجل أن جده ترك له 7 ملايين دولار بشرط أن يتزوج قبل الساعة السابعة من مساء يوم عيد ميلاده السابع والعشرين الذي كان بالمصادفة ذلك اليوم. تقدم إلى جميع النساء اللواتي يعرفهن ورفضنه، ووضع اعلاناً في صحيفة ما بعد الظهيرة شارحاً مأزقه ومتعهداً أن يكون في الكنيسة عند الساعة الخامسة من ذلك الأصيل. ظهرت مئات الزوجات المستقبليات مسنات وشابات يرتدين فساتين الزفاف، وصلت واحدة منهن على الزلاجات. العريس المتوقع يركض لينجو بحياته وتركض العرائس من خلفه وسط مدينة لوس انجلس المزدحم. لا يزال بوسعنا جميعاً نحن الذين شاهدنا الفيلم سماع صوت أقدامهن. يكتب مارك توين الملاحظات التالية في مقالة عنوانها” كيف تروي حكاية،” إن أساس الفن الأميركي هو نظم المتنافرات والسخافات معاً بطريقة تخبطية وعشوائية أحياناً ، وأن تبدو غافلاً عن كونها سخافات على نحو بريء.ثانياً التغاضي عن الفكرة . ثالثاً أن ترمي تعليقاً يبدو متعمداً على عكس الحقيقة، كأن شخصا يفكر بصوت مرتفع. الوقفة هي الرابعة والأخيرة.   يشرح توين ما يعنيه: الوقفة سمة أشد ما تكون أهمية في أي نوع من القصص، وسمة متكررة الحدوث أيضاً. إنها أمر نيِّقٌ، ودقيق، وأيضاً ملتبس وغادر، لأن طولها لا بد أن يكون صحيحاً تماماً -لا أكثر ولا أقل-أو أنها ستفشل في تأدية غرضها وتتسبب بالمشاكل. إذا كانت الوقفة بالغة القصر، كانت الفكرة الهامة قد مرت ولدى الجمهورمتسع من الوقت للتنبؤ بأن مفاجأة مقصودة-وحينها لا يمكنك مفاجأتهم بطبيعة الحال.   تدور أحداث الكوميديا حول التوقيت، التوقيت السليم. ليس ما تدور القصة حوله، لكن ما يجعلها مضحكة هو الطريقة سردها بانعطافاتها ومفاجآتها. يرسم كيتون خطافاً بالطبشور على الجدار ويعلق معطفه عليه. تقع مصاصة ولد مزعج في المسرح من الشرفة على سيدة أنيقة في مقصورة فتلتقطها وتستعملها كمنظار. يستعمل الجلاد عصبة عيني للضحية لتلميع الوسام المعلق على سترته. تزخر الأفلام القصيرة بشكل خاص بمثل هذه البدع غير المتوقعة. ليس لنجم سواه من نجوم الأفلام الصامتة الكوميدية هذه البراعة. أفضل من بين مئات من الشواهد من أفلام كيتون، واحداً من الفيلم القصير “شرطة”.  في استعراض شرطة مدينة نيويورك السنوي يجد باستر وحصانه وعربة أنفسهم بين رجال الشرطة السائرين. يريد باستر أن يشعل سيجارة فيبحث في جيبه عن أعواد الثقاب، عندها يرمى فوضوي قنبلة من سطح بيت على المقعد قربه بفتيلها القصير الذي بدأ ينش. هناك وقفة،” وقفة ملهمة،” كما يقول توين، تؤسس نفسها نحو صمت عميق.  يتناول باستر القنبلة عند بلوغها الزمن المناسب بذهن شارد، يشعل بها سيجارته كما لو أنه يقوم بأمر عادي جداً ويرميها إلى الخلف من فوق رأسه. الفيلم القصير “شرطة” هو فيلم كيتون النموذجي. من جديد الحبكة هي البساطة بحد ذاتها. نرى في المشهد الافتتاحي باستر خلف قضبان. يتضح أن القضبان هي قضبان بوابة حديقة منزل الفتاة التي يحبها.” لا أريد أن أتزوجك حتى تصبح رجل أعمال،” تقول له. يذهب بعيداً عبر سلسلة من المغامرات، أولاً مع شرطي سري بدين في عجلة من أمره لتلقف سيارة أجرة، تقع محتويات محفظته بين يدي باستر. ثم يخدعه غريب ويبيعه شحنة أثاث على الرصيف، مدعياً أنه رجل جائع مشرد. ينتقل المالك الفعلي للأثاث وعائلته إلى مكان آخر. عندما يبدأ باستر بشحن الحمولة في العربة التي اشتراها للتو، يخطئ المالك فيظنه الرجل الناقل الذي كانوا بانتظاره. تبلغ رحلته عبر البلدة خلال زحمة المرور منتهاها عندما يجد نفسه على رأس استعراض للشرطة يمر بمظلة الحفل الملفوفة بالعلم حيث قائد الشرطة، رئيس البلدية، وشابة التقاها عند بوابة الحديقة ينظرون بدهشة. يهتف الحشد فيظن أن الهتاف من أجله. هرب الجميع بعد رميه قنبلة الفوضوي وانفجارها.” هات بعضاً من رجال الشرطة لحماية رجالنا،” أمر رئيس البلدية قائد الشرطة.  هرع الناس باحثين عن ملاذ، فرغت الشوارع، وشرع جميع قوات الشرطة بمطاردة البطل الضئيل. يا لسخرية القدر! مستهلاً بالحب وبرغبته في إصلاح حاله وإثارة إعجاب الفتاة التي يعشق، كل ما حصل عليه بالمقابل هو ورطة لا تنتهي. صنعت الحبكة هنا من عدم التناسق المضحك بين أمله المتهور والعاقبة. يمنح الجزء الأول من الفيلم بما فيه من تبادل سريع للقفشات انطباعاً مضللاً لسلسلة من الانتصارات الصغيرة على الظروف غير المواتية عندما يظن باستر أنه تغلب على حظه السيء أخيراً، تضرب الكارثة مجدداً. تهبط القوة المطلقة للقانون والنظام إذا جاز التعبير على رأسه. بريء كما في حالته، مطارد من قبل المئات من رجال الشرطة. مهما حاول أن يفعل، لا تتوصل جميع مراوغاته الذكية والمعوقة إلى شيء لأنه لا يستطيع أن يتفادى مصيره. يصل بعد مطاردة طويلة على غير قصد منه إلى باب مخفر الشرطة بالذات. يتجمع رجال الشرطة عليه من كل حدب وصوب كدبابير غاضبة، مغلقين المدخل في سعارهم ملقين بهراواتهم عليه، يخرج باستر من بين ساقي آخر شرطي زاحفاً بشكل لا يصدق، هو نفسه يرتدي زي الشرطة الآن. وحيداً في الشارع، يخرج مفتاحاً من جيبه فجأة، يقفل باب المخفر من الخارج ويرمي المفتاح في حاوية قمامة قريبة.  في تلك اللحظة تمر به الفتاة المبتلى بحبها. ينظر بعاطفة إليها، لكنها تمضي مترفعة عنه. يتردد باستر قليلاً، ثم يمضي إلى الحاوية مستعيداً المفتاح.” ما من زي يمكن أن يحميه الآن بعد أن سحق قلبه،” تقول جابرييلا اولدهام في بحثها الرائع حول أفلام باستر كيتون القصيرة. في نهاية الفيلم نراه يفتح الباب لتجره أيدي رجال الشرطة الكثر إلى ظلمة المبنى. ما يجعل من كيتون شخصاً عصياً على النسيان هو التزامه رباطة الجأش وعزة النفس في مواجهة النكبات الكثيرة في هذا الفيلم وفي أفلامه الأخرى. إنها تفوق احتمال أي شخص كما نظن. ومع ذلك، طالما أن بوستر يسعى لتحقيق الحلم الاميركي فنتوقع نهاية سعيدة، أو على الأقل أن يضحك البطل أخيراً.  هذا نادراً ما يحصل. ففي أفلام كيتون جو من السوداوية بالرغم من ضحكها. نشعر بالإحباط عندما ينتهي فيلم “شرطة” بمشهد لشاهدة قبر منعزلة تستكين عليها قبعة باستر البروكبي. جميع صوره وهو يركض على طول الجادة العريضة الفارغة، محاولته الواهية للتنكر برفع مشبك ربطة عنقه تحت أنفه ليحاكي شارباً وسكسوكة مثيرة للعواطف بالتساوي. أمله أن نفلح في محاولتنا لجعل الحظ يضحك لنا. كوميديا من هذا المستوى الراقي تحكي عن مأزق الفرد العادي في العالم أكثر من المأساة. إذا كنت تسعى للجدية الحقة وتظن أنها غير منفصلة عن الضحك فلابد أن يكون باستر كيتون فيلسوفك المفضل. النص الأصلي على الرابط التالي: http://www.thedailybeast.com/articles/2015/04/25/the-stacks-the-deadpan-genius-of-buster-keaton.html

Rushdie-Gunter-Grass-690

عظَمة غونتر غراس- سلمان رشدي.

عن مجلة النيويوركر.

عندما كنت في هامبورغ عام 1982 بداعي صدور الترجمة الألمانية لـكتاب ” أطفال منتصف الليل،” سألني الناشرون عن رغبتي بلقاء غونتر غراس.  لاشك أني رغبت بذلك وهكذا ذهبت إلى قرية Wewelsfleth في ضواحي هامبورغ حيث كان يعيش غراس في ذلك الحين. كان يملك منزلين في القرية، كتب وعاش في واحد منهما واستعمل الآخر كاستديو فني. عبر فجأة عن استحسانه بعد قدر معين من مثاقفة عاجلة-كان منتظراً مني باعتباري الكاتب الأصغر سناً أن أنحني احتراماً وشعرت بالسعادة إذ فعلت -وقادني إلى حجرة خاصة يحتفظ فيها بمجموعة كؤوسه الأثرية وطلب مني اختيار واحد منها.

ثم تناول زجاجة مشروب منكَّه (شنابس)، وبدأت صداقتنا مع انتهائنا من شرب الزجاجة.  فيما بعد مشينا بتثاقل نحو الأستديو الفني، فتنت بما رأيته هناك من أشياء تعرفت عليها جميعاً من الروايات: ثعابين ماء برونزية، سمك مفلطح من الطين المحروق (التراكوتا)، نقش إبري على المعدن لفتى يضرب على طبل صفيح. كدت أحسده على موهبته الفنية أكثر مما أعجبت بعبقريته الأدبية. يا لروعة أن تهبط الشارع في نهاية يوم أمضيته في الكتابة لتصير فناناً من نوع مختلف! صمم أغلفة كتبه أيضاً: انتقلت كلاب، جرذان، وضفادع من ريشته إلى أغلفة كتبه المغبَّرة.

بعد ذلك اللقاء رغب كل صحفي ألماني التقيته بمعرفة رأيي به، وعندما عبرت عن اعتقادي بأنه واحد من بين اثنين أو ثلاثة من أعظم الكتاب الأحياء في العالم بدا بعض من هؤلاء الصحفيين خائباً وقال،” حسناً، ” طبل الصفيح،” نعم، لكن ألم يمض وقت طويل على ذلك؟” وعليه حاولت الإجابة بأنه حتى لو لم يكن غراس قد كتب تلك الرواية بتاتاً فأعماله الأخرى تكفي لتكسبه تقديري الذي عبرت عنه، وإضافة إلى أن كتابته لرواية” طبل الصفيح” وضعته في مصاف الخالدين. بدا الصحفيون المتشككون خائبون. كانوا يفضلون شيئاً ما أكثر لؤماً، ولكن لم يكن عندي ما أقوله من هذا القبيل.

أحببته لكتاباته، بالتأكيد-لحبه لحكايات الأخوين جريم، التي جددها ملبساً إياها حلة معاصرة، للكوميديا السوداء التي تسببت بمراجعة التاريخ، لجديته المرحة، والشجاعة المشهودة التي رمق بها وجه الشر المهول في عصره وحوَّل ما لا يوصف إلى فن عظيم. _ فكرت لاحقاً عندما قذفه الناس بالافتراءات-نازي-معاد للسامية: دع الكتب تتحدث عنه، أعظم ما كتب من التحف المعادية للنازية على الإطلاق، بما تحتويه من فقرات عن تعامي الألمان المقصود عن الهولوكوست التي لا يمكن لأي من معادي السامية كتابتها.)

في عيد ميلاده السبعين، اجتمع العديد من الكتاب-نادين غورديمر، جون ايرفينغ، وجميع الأدباء الألمان-لينشدوا له المدائح في مسرح تاليا في هامبورغ، لكن خيرة ما أتذكره هو أنه عندما انتهت المدائح صدحت الموسيقى بالعزف، تحولت خشبة المسرح إلى ساحة للرقص، وظهر غراس معلماً لما اسميه الرقص التطوعي. هو يتقن رقص الفالس، البولكا، الفوكستروت، التانجو، و الغافوت، و كانت أجمل الفتيات الألمانيات يقفن في طابور بانتظار دورهن لمراقصته. وعندما تأرجح ودار وغط مبتهجاً فهمت أن هذا ما كانه: راقص الأدب الألماني العظيم، يرقص من أهوال التاريخ نحو جمال الأدب، ناجياً من الأذى لما يتحلى به من نعمة شخصية وحس كوميدي بما هو مثار للسخرية أيضاً.

قلت لهؤلاء الصحفيين الذين كانوا راغبين مني إهانته عام 1982،” ربما عليه أن يموت حتى تفهموا أي رجل عظيم فقدتم.”  ها قد حل ذلك الوقت الآن. آمل أن يفهموا.

file:///C:/Users/USER/Desktop/The%20Greatness%20of%20G%FCnter%20Grass%20-%20The%20New%20Yorker.html

ArthurBradford_profile

أسفار بصحبة بول

آرثر برادفورد[1]

طردت من عملي بسبب تصرف طائش أحمق ارتكبته ما استدعى مغادرتي البلدة. حزمت أمتعتي بسرعة وحصلت على توصيلة برفقة واحد من معارفي كان متوجهاً نحو الغرب.  أقول “معارف” لأني لم ألتق به سوى مرة واحدة من قبل. كان ايرلندياً اسمه بول أومالي وهو من أقارب المرأة التي كنت على علاقة بها، أو ربما كانا عاشقين، هذا ما لم أعرفه على وجه الدقة. قدمته لي ذات ليلة في حانة بقولها،” هذا ابن عمي بول،” لكن نادراً ما كانت المسائل تتسم بالصدق بيني وبين تلك المرأة.

على أي حال، الخلاصة أن بول كان يعبر البلدة في طريقه إلى الساحل الغربي، وأعلن تلك الليلة في الحانة أنه سيغادر صباحاً. رأيته بعد أسبوعين من ذلك، فور طردي من ذلك العمل الذي حدثتكم عنه. كان يتجول وسط المدينة، يبدو عليه بعض الذهول والقلق.

” لم أنم منذ ثلاثة أيام،” قال لي.

” كنت أظنك ذاهباً نحو الغرب،” قلت.

” صحيح.”

” لكنك قلت بأنك ستغادر منذ أسبوعين،”

” لقد بقيت. انتظر، أسبوعين؟ لم تمر كل هذه المدة الطويلة.”

” بلى.”

” أوه،” حكَّ بول رأسه. كان شعره خفيفاً في الأعلى. كان رجلاً نحيلاً طويل العنق وتفاحة آدم ضخمة، تعلو وتهبط عندما يتكلم.  وكانت لحيته نابتة أيضاً، أو ربما كان يطيلها. شعر وجهه النامي كان عند ذلك الحد الأخرق المهلهل نوعاً ما.

” لقد طردت من عملي،” قلت لبول.” أود مغادرة البلدة.”

” هل تود مرافقتي؟ سأغادر غداً.”

أبهجت هذه الفكرة بول. صفق وفرك ذقنه الزغبة بكلتا يديه.

” بالتأكيد، نعم، موافق،” قلت.

” سنغادر في الصباح.”

“عظيم، ممتاز.”

غادرنا بعد يومين.  أقلَّني بول من منزلي، ولا يزال التعب والإرهاق باديين عليه.

” لم أستطع النوم،” قال.” لم أستطع إغلاق عيني أيضاً.”

” ما خطبك؟” سألته.

” لا شيء. أرق. أنا بخير.”

” لا تبدو بخير.”

” حسناً، أشعر أني بخير،” قال.” لا يمكنني النوم وحسب.”

” اسمع، ” قلت له، ” لا أريد أي تسالي. يلزمني توصيلة للخروج من البلدة فقط.”

” بالتأكيد، صحيح، أفهم ذلك،” قال.

كانت سيارة بول صغيرة من نوع فورد هاتشباك. محشوة عن آخرها سلفاً بأمتعته ما استدعى أن أخلف ورائي العديد من أمتعتي. أودعتها في منزل صديق على أن أعود لاحقاً لأخذها ولم أفعل أبداً.

على كل حال، غادرنا المكان وبدأنا رحلتنا نحو الغرب. كانت سيارة بول مجهزة بطاقم من مقاعد مهترئة. كان ثمة خطب في مسند المقعد الذي كنت أجلس عليه، مقعد المسافر. وكان يميل إلى أحد الجانبين إذا استندت إلى الوراء، وكان عليَّ أن ألتوي على نحو غير مريح. كنت آمل أن أنام قليلاً وهو يقود، لكني رأيت حينها أن ذلك سيكون متعذراً.

بعد مرور زهاء ثلاث ساعات من القيادة، خرج بول عن الطريق السريع وتوقف أمام متجر لبيع البيتزا. أرخى بنطاله وأنزله حتى الركبتين. ثم نظر نحوي.

“ماذا تفعل؟” سألته.

” فكرت بأنك قد ترغب بممارسة الجنس الفموي،” قال.

“لا،” قلت.” لا، لا أريد.”

زم بول شفتيه وأومأ برأسه.

“حسناً،” قال وهو يرفع بنطاله في عجالة. عشَّق تروس السيارة وأسرع عائداً إلى الطريق السريع.

بعدئذ حل الإرباك فيما بيننا. انطلقنا بضع ساعات صامتين. وراح وابل من المطر ينهمر ونحن نعبر الحدود مع أوهايو. عندما عبرت شاحنات كبيرة طرطش الماء على زجاج السيارة الأمامي وهدد بإخراج السيارة الصغيرة عن الطريق. كان على بول أن يهز عجلة القيادة هزاً عنيفاً في الاتجاهين ليبقينا على السكة.

” هل تعبت؟” سألت بول.” يمكنني القيادة. أنا سائق جيد.”

” لا بأس، قال بول.” أحب القيادة.”

لكنه قال بعد بضع دقائق،” في الواقع، لقد بدأت أقرف من هذا. ربما عليك أن تتولى القيادة.”

” حسناً،” قلت.

أوقف السيارة وتبادلنا المقاعد، بسرعة حول طرفي السيارة حتى لا يبللنا المطر.

لم يكن مقعد السائق بأفضل حال من المقعد الذي بجانبه. شعرت كأني كنت أجلس في جردل. كان من الصعب تشغيل سيارة الهاتشباك الصغيرة أيضاً. كان الترس رخواً ولم أكن واثقاً أبداً من دخوله في حيزه. على الطريق السريع عبرت الشاحنات بنا ودفعتنا مثل زورق في بحر عاصف.

” آمل أن يتوقف هذا المطر قريباً،” قلت لبول.

” أوه، سيتوقف،” قال.

استند بول إلى الوراء وحاول إغلاق عينيه. ولم تفلح جميع محاولاته إلا في إبقائهما مغلقتين بضع ثوان. ثم يفتحهما وينتر رأسه نحو الأمام دون سابق إنذار.

” ما هذا؟” سألني.

“لا شيء،” أقول،” أنا أقود وحسب.”

” لا أستطيع حتى أن أغفو،” قال بول أخيراً.” إنه لأمر مزعج.”

” ربما عليك أن تتناول حبوباً منومة،” اقترحت عليه.

” أوه، لن أفعل،” قال بول.” إنها تزيد الأمر سوءاً. الجميع يعرف ذلك.”

” حسناً،” قلت.

بعد فترة استقام بول في جلسته وقال،” هل تحاول قتلي؟”

“لا،” قلت،” لا. كنت أحاول المساعدة.”

حدق بول بي بعينين غاضبتين، ورأيت حينها أنه إذا لم ينم عاجلاً فإن الأمور ستزداد تعقيداً.

” سأوقف السيارة،” قلت لبول.” ربما عليَّ الخروج.”

” ماذا تعني؟” سأل.

” أظن أن عليَّ النزول هنا،” قلت.” لقد قطعت شوطاً كافياً.”

” عم تتحدث؟” قال بول. فرك وجهه وانحنى للأمام في مقعده.

” قلت إنك تريد الذهاب غرباً. لا زلنا في أوهايو.”

” أعرف ذلك،” قلت له.” أظن بأنك تحتاج لبعض النوم. كلانا بحاجة له، في الواقع.”

” حسناً، هذا ممتاز، لكن لا تتركني هنا. لا يزال أمامنا مسافات طويلة علينا قطعها قبل أن نصل. لن أفعل هذا بمفردي.”

” كنت ستفعل هذا بمفردك من قبل،” أشرت.

” أوه، لا تتلاعب بي الآن،” قال بول. خبط على النافذة. كان المطر ينحسر على الأقل. ظننت أن بول كان على وشك البكاء.

عبرنا بلافتة تشير إلى منطقة تدعى زينزفيل وقال بول،” هيه!”

“ماذا؟”

” أعرف شخصاً في زينزفيل.”

” لقد تجاوزناها للتو.”

“لا لنتوقف هنا. إنها فتاة لطيفة. ستقدم لنا الطعام. لم أرها منذ سنوات. ستسعد برؤيتي.”

لم أكن واثقاً جداً من ذلك، لكني فكرت بأنها ستكون فرصة لأغتسل، لذا توقفت عند المخرج التالي ورجعنا إلى زينسفيل. كانت بلدة موحلة تقع على ضفة نهر.  جعلني بول أطوف في الأرجاء على مدى أكثر من ساعة نبحث عن اسم شارع فيه كلمة ” كرز”.

” وادي الكرز. بلدة الكرز، شيء من هذا القبيل.”

عندما وجدنا الشارع كان اسمه شارع الكرم.”

” كرز ينمو في كروم،” شرح بول.” إنها نباتات. تزرع في كروم.”

بعد بعض الوقت من القيادة على غير هدى على امتداد هذا الشارع توقفنا أمام كوخ بني اللون علق عليه صندوق بريد على شكل كرة قدم.

” هذا منزل ألبيرتا،” قال بول.” هذا هو.”

” هل أنت واثق؟ كيف تعرف؟”

” كنت هنا سابقاً،” قال،” أمضيت أسبوعاً ونصف الأسبوع هنا. أتذكر هذا المكان.”

تقدمنا نحو الباب الرئيسي وقرع بول الباب.

” ها قد عدنا أنا وألبيرتا،” قال لي بول.” كنا على علاقة طيبة.”

” متى حصل هذا؟” سألت.

” منذ ست سنوات،” قال بول.” أو ربما سبع. ستتذكرني.”

قرع على الباب مجدداً، لكن بدا أنه ما من أحد في البيت. اتكأ بول على السياج ونظر من خلال النافذة.

” هممم،” قال. حاول أن يدير مقبض الباب لكنه كان مقفلاً.  نظر في النافذة ثانية.

” ليس علينا الدخول،” قلت له.

” أعرف، أعرف.”

جلسنا على عتبة الباب وراقبنا السيارات العابرة. رأيت محطة باص في البلدة عندما كنا نتجول. فكرت أنه قد يكون بإمكاني الحصول على توصيلة هناك وقد أجد حافلة متجهة نحو الغرب.

” أظن بأني سأتوجه نحو محطة الحافلات،” قلت لبول.

” أوه لا،” قال.” لا لن تفعل. أنت لم تلتق بألبيرتا بعد.”

” أنها ليست في البيت،” أشرت.” ربما لن تعود قبل أيام.”

فكر بول بهذا للحظة.” لن تفعل ذلك،” قال.” لن تختفي.”

” أنت لم ترها منذ ست سنوات،” قلت.” ليس لديك فكرة عما قد يكون آل إليه حالها.”

” أنظر،” قال بول،” هل تثق بي أم لا؟”

كان عليَّ أن أصدقه القول وأخبره بأني لا أوليه الثقة. أي سؤال كان هذا؟ لكن بدلاً من ذلك قلت،” أثق بك بول.”

جلسنا على الدرجة مزيداً من الوقت. أغلق بول عينيه وأراح رأسه المزيت على كتفي. كنت أخشى أن أتحرك لأني عرفت مدى حاجته للنوم. جلسنا على هذه الحال مدة عشرين دقيقة خالية من الراحة ثم لمحنا شاحنة نصف نقل تقعقع في طريقها للوقوف أمام المنزل. مراهقان، فتى وفتاة، بدينان وشاحبان، ترجلا من السيارة وسارا نحونا باستغراب. يداً بيد. هززت كتفي وفتح بول عينيه.

” هذه ليست ألبيرتا،” قال لي. وأغلق عينيه ثانية.

” إنهما يسيران باتجاهنا،” قلت له.

” وماذا يعني هذا؟” قال بول.” رافضاً أن يتحرك.

نظرت الفتاة البدينة نحونا شزراً وهمست شيئاً في أذن صديقها. توقفا عن المشي ونظرا باتجاهنا. كانت الفتاة تضع الكثير من الماكياج الداكن اللون حول عينيها.  وحمرة شفاه داكنة أيضاً. كان شعر الفتى أسود لزجاً وينتعل جزمة كبيرة لها الكثير من الأربطة. ربما تنكرا من أجل الهالوين، لكن لم يكن هذا الوقت من السنة؟

بدا أنه ما من أحد سيبادر بالكلام فقلت،” مرحباً.”

“هاي،” قالت الفتاة.

لا يزال بول يريح رأسه على كتفي فهززته كي ينهض. فرك عينيه وطرف نحو الشابين البدينين أمامنا.

” ما الذي حصل لكما أنتما الاثنان؟” قال.

” أنا أعيش هنا،” قالت الفتاة.

“هنا؟” قال بول.

“نعم.”

وقف بول وتلفت من حوله كأنه لا يعلم بوجود منزل خلفه. وقفت أيضاً، بمظهر المعتذر.

” هذا منزل البيرتا،” قال بول.

“صحيح،” قالت الفتاة.” إنها أمي.”

نظر إليها بول متشككاً.” أمك؟ ما اسمك؟”

“ليندا،” قالت الفتاة.

” ليندا!” ند بول عن ابتسامة وتقدم نحوها. تراجعت الفتاة مبتعدة عنه.

تقدم الفتى متثاقلاً بصعوبة في جزمته الضخمة.

” أعرف أمك،” قال بول للفتاة.” وأعرفك أيضاً. أتذكر عندما كنت صغيرة جداً تبللين بنطالك كل صباح. أتذكرين ذلك؟ كنا أنت وأنا نطالع الرسوم الهزلية في الصحيفة معاً. يا فتى، لقد كبرت حقاً. وسمنتِ، في الواقع. هذا أنا، بول أومالي، أتذكرين؟ ماذا فعلتما بوجهيكما بأية حال؟”

قالت ليندا،” لا أتذكرك.”

” بالتأكيد تتذكرين،” قال بول.” لكن حقاً، ماهذا الذي على شفاهك، صنارة صيد سمك؟”

كان يشير إلى الحلقة التي وضعتها ليندا عبر ثقب في شفتها. كان الفتى يضع واحدة أيضاً، إلا أنها كانت في حاجبه.

” أمي ليست في البيت،” قالت الفتاة.” إنها في العمل. ستعود إلى البيت ليلاً.”

” عظيم، لا مشكلة،” قال بول.” سننتظر في الداخل.”

أفسح الطريق كي تتمكن ليندا من المرور. تقدمتنا ليندا مع صديقها وفتحت الباب.

” لا ترتكب أي حماقة،” قالت ليندا.” سيطردك صديق أمي لو تلاعبت بأي شيء.”

” هذا ظريف،” قال بول،” لا أريد سوى الحصول على إغفاءة.”

كان المنزل ممتلئاً بالعديد من التحف الرخيصة، الكثير من الحيوانات المحنطة ومنتجات تتعلق بفريق أوهايو لكرة القدم. جلسنا في غرفة الجلوس وتحدثنا إلى الأولاد لفترة. كان اسم صديق ليندا راين. ذهبا إلى المدرسة معاً وكانا يتواعدان منذ ثلاثة أشهر. أخرج راين غليوناً وقدم لنا بعض الماريجوانا، لكن بول لم يمسها. قال إنها ستبقيه يقظاً.

سئمت ليندا وصديقها منا ودخلا إلى غرفة نومها وأغلقا الباب. صب بول لنفسه كأساً من حليب أخرجه من الثلاجة، وعاد إلى غرفة الجلوس، وشغل التلفاز.

” سأغادر الآن،” قلت.

” مستحيل،” قال بول.

” نعم أنا مغادر.”

” ابق فقط حتى أغط في النوم،” قال.” لم أنم منذ خمسة أيام.”

” أطفئ التلفاز، ونم.”

أطفأ بول التلفاز، شرب الحليب، واستلقى على الأريكة. كنت متعباً أيضاً ورأيت أن أرتاح لبعض الوقت. استلقيت على سجادة صوفية مفروشة على الأرض وأغلقت عيني. ظل بول يتقلب على الأريكة ويشتم فكان صعباً عليَّ أن أنام بالفعل. طوال الوقت كان يخيل لي أني سمعت صوت ألبيرتا قادمة فأنهض، خائفاً من أن تجدنا مستلقيان هناك مما قد يتسبب بهرج رهيب.

دلفت ضجة هائلة إيقاعية من غرفة نوم ليندا وقال بول،” هيه، هؤلاء الأولاد يحدثون ضجة هناك.”

قفز وقبل أن أتمكن من إيقافه كان يقرع على باب ليندا قائلاً،” أوقفوا ذلك، أيتها الأرانب السمينة!”

اندفع عبر الباب وكانا كلاهما عاريين يتدحرجان بين الحيوانات المحنطة على سريرها المفرد.

قالت ليندا،” هلا أغلقت الباب؟”

قال بول،” ليس قبل أن ترتدي ثيابك!”

كان موقفا مربكاً، لكن أخيراً تركهم بول وشأنهم واستلقى على الأريكة. توقف الضجيج الصادر من غرفة ليندا وأخيراً غططت في النوم على السجادة الصوفية. عندما استيقظت، كان بول في المطبخ يسعل ويحدث بجلبة هائلة. دخلت إلى هناك وكان ينحني على الأرض ورأسه في الفرن. كانت تفوح في الغرفة رائحة الغاز.

” ما الذي يجري هنا؟” سألت.

” اللعنة،” قال بول.” هراء.”

كان يحاول أن يتنشق الغاز ليقتل نفسه لكنه لم يتمكن من أن يحكم الإغلاق حول رأسه فكان الغاز يتسرب نحو الغرفة. اختطفت ساقيه وسحبته بعيداً عن الفرن.

” دعني وشأني!” صرخ.

تصارعنا على أرضية المطبخ وأثناء ذلك حاول بول أن يقبلني، اندفع وجهه المشعر  بشفتيه المتغضنتين نحو شفتي.

” أنا لست مثلياً،” قال.” لا يمكنني النوم. قبلني فقط.”

أخيراً هدأته وجلسنا معاً على مشمع الأرضية، نتنفس بصعوبة ونستنشق ذلك الهواء المشبع بالغاز.

” رأسي يؤلمني،” قال بول.

صدر صوت فرقعة من غرفة ليندا ثم هب لهب أزرق ساخن عبر الرواق وانفجر في المطبخ محدثاً صوت دوي مرتفع. لجزء من الثانية امتلأت الغرفة برمتها بجدار من النار وفي غفلة وجدنا أنفسنا نجلس في المطبخ المتفحم وبعض ألسنة من النار تومض من حولنا. كانت المناديل الورقية تحترق وبعض الحمالات والستائر. وقفت وبول ورحنا نلطم اللهب ونرمي الماء في كل مكان. جاء راين لمساعدتنا. نزعنا الستائر ونقعناها في الحوض. انطلق جرس الإنذار وضجته الثاقبة أصابتنا بالجنون إلى أن ضربه بول بعنف بمكنسة. بعد مدة تدبرنا الأمر لإطفاء النار في المنزل.

تلفعت السجادة الصوفية بالسواد وكان الدخان لا يزال يتصاعد من بعض من الحيوانات المحنطة. كانت ليندا تبكي في غرفة نومها. وكانت رائحة المكان رهيبة في ذلك الوقت، كرائحة البلاستيك المحروق. لاحظت وبول أن شعرنا كان مسفوعاً أيضاً. احترق حاجبينا كلياً وجلد وجوهنا كان أحمر وذاوٍ.

” كنا على وشك أن نموت،” قال بول.

” هذا كان هدفك،” ذكرته.” وضعت رأسك في الفرن.”

اعتذر راين لأن قداحته تسببت بإثارة اللهب.

” هذا ما تحصل عليه من تدخين الماريجوانا أيها الفاحش الصغير،” قال بول.

” أنا آسف،” قال راين. كان بالفعل مخضوضاً. وكنا جميعاً كذلك.

كانت الساعة تدنو من الثامنة وقد حان موعد عودة ألبيرتا إلى البيت. رأى بول أنها قد لا تسعد برؤيته في النهاية. قررنا بعد نقاش موجز بعيداً عن الأولاد ثم انطلقنا مسرعين إلى سيارته الصغيرة وابتعدنا، تاركين لليندا وراين أمر شرح الفوضى التي خلفناها وراءنا.

” لقد تغيرت ليندا بالفعل،” قال بول.” أتذكر كم كانت ظريفة في صغرها. انظر إليها الآن، متشحة بالسواد ومثقبة بالمعدن.”

عبرت بنا سيارة شرطة ذاهبة في الاتجاه الآخر، أضواؤها تومض وصفارة إنذار تدوي. أصيب بول بالذعر وأصر أن نغادر السيارة. هذا كان جيداً بالنسبة لي.

ركنا السيارة في شارع جانبي ومشينا نحو محطة الحافلات حيث اشترينا تذكرتين إلى سياتل، سبعاً وثلاثون ساعة من السفر. ونحن ننتظر ظهور الحافلة، استلقى بول على ثلاثة من تلك المقاعد البلاستيكية المتواجدة في موقف انتظار الحافلة وأخيراً غط في النوم. كان الجو بارداً هناك وبدت تلك المقاعد ككومة من الصخور، لكنه كان هناك يشخر.  فكرت لوهلة في إيقاظه عندما وصلت الحافلة وأذاعوا أنه حان الوقت للصعود، لكن فكرت بعدها بما هو أفضل من ذلك. كان لا يزال نائماً مثل طفل، متكور على نفسه برضى تحت مصابيح الفلوريسنت الشاحبة تلك، عندما انسحبنا وتوجهنا غرباً دونه.

[1] آرثر برادفورد: من مواليد عام 1969، كاتب ومخرج سينمائي امريكي.

James_Joyce_age_six_1888

يكتب جيمس جويس هنا رسالة معجب متحمس إلى هنريك إبسن، متمنياً للكاتب المسرحي عيد ميلاد سعيد. يحكي جويس عن انفعاله عندما تلقى كلمة عن أن إبسن استمتع بمراجعة كان قد كتبها، وعن مجهوده في ترسيخ اسم إبسن بجرأة في كلية حيث لم يكن معروفاً أو معروفاً على نحو ضئيل ومبهم. كتب جويس الرسالة بالإنجليزية أولاً، ثم ترجمها إلى النرويجية ليرسلها لإبسن.

إلى هنريك إبسن

آذار عام 1901

8 التراس الملكي، فيرفيلد، دبلن

سيدي المحترم:

أكتب لك لأقرؤك السلام في عيد ميلادك الثالث والسبعين ولأضم صوتي إلى مهنئيك من كل مكان. ربما تتذكر أنه بعد وقت قصير من نشر مسرحيتك الأخيرة “عندما نموت نستيقظ”، ظهر الثناء عليها في واحدة من المراجعات الإنجليزية-the fortynight review بإسمي. علمت أنك رأيتها لأنه بعد وقت قصير من نشرها كتب لي السيد وليم آرتشر وأخبرني أنه في رسالة تلقاها منك قبل أيام، كتبت،” قرأت أو بالأحرى تهجيت مراجعة في الفورتي نايت ريفيو لكاتبها السيد جيمس جويس وهي جيدة جداً وينبغي عليَّ أن أشكر الكاتب أشد ما يكون الشكر لو أن لدي المعرفة الدقيقة باللغة.”(معرفتي بلغتك ليست عظيمة كما ترى لكن أثق بأنك ستكون قادراً على فهم ما أعنيه.) أعجز عن التعبير لك عن مدى تأثري برسالتك. أنا شاب، شاب يافع جداً، وربما التصريح بمثل هذه الأحابيل الجريئة سيجعلك تبتسم.

 

لكني واثق بأنك لو عدت في حياتك إلى الوقت الذي كنت فيه طالباً في الجامعة مثلي، وإذا فكرت فيما قد يعنيه لك أن تحظى بكلمة من شخص احتل مرتبة مرموقة جداً من التقدير وهذه هي المرتبة التي تحتلها عندي، حينها ستتفهم مشاعري. أمر واحد فقط أندم عليه، تحديداً المقالة المبتسرة والمتسرعة التي لابد رأيتها بدلاً من شيء يستحق ثناءك بشكل أفضل. ربما لا تنطوي على حماقة متعمدة، لكن بأمانة لا يمكنني أن أقول أكثر. ربما أزعجك أن يكون عملك تحت رحمة فتى مراهق لكني واثق من أنك ستفضل التهور على المفارقات الواهنة و” المهذبة”.

ماذا سأقول أكثر؟ لقد جعلت اسمك يدوي بتحد في أرجاء كلية حيث لم يكن معروفاً أو معروفاً على نحو غامض وخافت.  طالبت أن يكون لك مكانك المناسب في تاريخ الفن المسرحي. لقد أظهرت ما بدا لي، تفوقك الجليل-قوتك الموضوعية العالية. مطالبك البسيطة-أهجوتك، تقنيتك والانسجام الأوركسترالي-هذه أيضاً قدمتها. لا تظن بأني بطل-محارب. أنا لست كذلك. وعندما تكلمت عنك في نقاشات دارت في نوادي اجتماعية ومن هذا القبيل، فرضت الانتباه دون تشدق أجوف.

لكننا دوما نبقي الأمور المحبوبة لأنفسنا. لم أحكِ لهم عن جلَّ ما جذبني إليك. لم أقل لهم كم كان لي الفخر في رؤية القليل مما استشفيته عن حياتك، وكيف ألهمتني معاركك-ليست المعارك المادية البينة لكن تلك التي كنت تقاتل وتكسبها خلف جبهتك-كيف منحني قرارك المتعمد في اغتصاب سر الحياة قلباً، وكيف في لامبالاتك المجردة للوائح الفن العامة، أصدقاء وشعارات، مشيت في ضوء البطولة الداخلية. ولهذا السبب أكتب لك عنه الآن. عملك يقترب من نهايته وأنت تدنو من الصمت.  إن الظلمة تتنامى بالنسبة لك. الكثير يكتب عن مثل هذه الأمور، لكنهم لا يعلمون.  حسبك أنك فتحت الطريق -ولو أنك أوغلت بعيداً قدر ما استطعت-حتى نهاية ” جون جابرييل بوركمان” وحقيقتها الروحانية-لأن مسرحيتك الأخيرة تحتل منزلة، أضعها جانباً. لكني واثق من أن هناك تنوير أسمى وأكثر قدسية ينتظر.

كواحد من جيل الشباب الذي تكلمت عنه أقرؤك السلام-ليس بتذلل، لأني مبهم وأنت في دائرة الضوء، ليس بحزن لأنك رجل مسن وأنا شاب، ليس بغرور، ولا على نحو عاطفي-لكن ببهجة، بالأمل وبالحب، أقرؤك السلام.

المخلص لك،

جيمس أ.جويس

من رسائل جيمس جويس. جويس، جيمس، ريتشارد إلمان، وستيوارت جيلبرت. نيويورك: فايكنج برس، 1957،1966.

http://theamericanreader.com/6-march-1901-james-joyce-to-henrik-ibsen/

Kevin-Barry

الآنسة الجميلة أيّ ــ وجه ــ كان ــ وجهها

كيفن بيري *

بالتأكيد، لا يمكنك الحصول على لحم الخنزير في وقتنا الحاضر. لحم البقر ليس بالغ السوء. سأقدم لكِ لحم البقر. لكن لحم الخنزير؟ قد تأكلين الفِراش اللعين أيضاً. وسأجزع صراحة، على شرف خنزيرنا الإنكليزي. لكن من ناحية أخرى، أنا أهتم لأشياء عديدة. مع ذلك، هي ليست نفس الخنازير التي كانت سابقاً، أليس كذلك؟ أو على الأقل هذا ما يبدو لي. أقصد، كنت تنتظر أن يصدر بعض الأزيز عندما تضع لحم الخنزير المفروم، ألم تكن تفعل؟ أنت تحب الدهن، ترغب بالتعرق، لكن في هذه الأيام؟
أوه لهذا أنا خائف. نعم، لقد وصلت إلى مرحلة من حياتي وجدت فيها أنني أُكثر من استعمال تعبير «هذه الأيام». قَطِّع الثوم، رقيقاً وأنيقاً. أوه ها هي تنبعث، نفحة الثوم الظريفة المتوسطية. يمكن أن أكون – لا أعرف – في سردينيا، أليس ذلك ممكناً؟ لكن بالطبع أنا لست هناك. لا أزال في كرامبسال. كرامبسال الجهنمية. أربع وثلاثون سنة والعدُّ مستمر. أفرم بصلة، أذرف بعض الدموع. الحيز تغير. الثوم يلين، سأدفع بالبصل المفروم فيما بعد. كثيرون يقولون إنه ينبغي وضع البصل أولاً، حتى يلين، ومن ثم تضع الثوم، لكن هذه ليست طريقتي. أضع الثوم أولاً ومن ثم البصل. الحياة شديدة الاضطراب هنا.

ألف وتسعمئة وثلاثة وثمانون؟ كنت أعمل غالباً في شركة تأمين الطرف الثالث ضد الحريق والسرقة. وظيفة لم تكن خالية من الإثارة. أتذكر الليلة التي احترقت فيها قاعة الموسيقى. لقد كان عملاً مزعجاً في ذلك الوقت. أولاد، لا أشك بذلك. ولم يلقَ القبض عليهم أيضاً. بأية حال. هي كانت في مكتب الطباعة.
عندما كان لا يزال هناك مكتب للطباعة. وجدتني أتسكع هناك في نهارات كثيرة، حتى ولو لم يكن لدي عمل. مواعين ورق الـ A4 وورق الكربون الأزرق وفرصة لبعض المغازلة، تحت بمحاذاة مخزن الإمدادات، أنت تتكبدين عناء التصحيح في هذا الطقس، يا آنسة…
الغريب أني لا أستطيع تذكر اسمها. ليس لدي شك أن طبيبي النفسي سيكون لديه ما يقوله في هذا الشأن. لكن هذا ليس المجال الذي نتعمق فيه أنا والسيد مولزورث عادة. حياتي العاطفية، أو الحرمان. كانت آخر شخص واعدته – وهذا يصعب تصديقه. منذ ثلاثين عاماً. أمر يدعو للرثاء. علاقتي الأخيرة.
الآن نضع لحم الخنزير المفروم، المروِّع في الحقيقة، ولحم البقر المفروم، وهو أفضل. لن يكون لدي ما أخشاه على قطيع ماشيتنا الإنكليزي. أراه في حقل من عشب الصيف المصفرّ العالي، وهكذا دواليك، ينتهي الارتجال. الآن لا بد أن أركز على خلط لحم الخنزير ولحم البقر للحصول على صلصة بولونيز صحيحة. أقصد التي أصبحت تسمى هذه الأيام سباغيتي بول (1)؟ أمر معيب. أحمَرّ خجلاً. تناولتُ وعاء مليئاً في مصلحة الطريق السريع الأسبوع الماضي، وربما وضعتم آجراً مع الأشياء. غراء برتقالي اللون.
سأحمّر اللحم. يستغرق ذلك بضع دقائق. هناك أزيز يصدر عن دهن لحم البقر، على الأقل، وهذا هو المذاق المطلوب تماماً. إنه الدهن.
فرقة فان بوي ثري (2). تتبادر إلى ذهني عندما أفكر بالآنسة يا له من وجه وجهها. كانت لديهم أغنية مشهورة. «المعتوهون استولوا على مشفى المجانين». لديهم أغنية أخرى بالاشتراك مع فرقة باناناراما، سابقاً أليس كذلك؟ وسوف أتخيل واحدة من فرقة باناناراما، في الحقيقة، ترتدي تنورة الراه راه. كارين؟ أو أنها كانت كيرين؟ أنا وأسمائي الرهيبة. لكن بأي حال. إنه صيف طويل حار. إنه عام 1983. أنا بأكمام قصيرة في المكتب. أصفّرُ أغنية لفان بوي ثري. أشعر بطرب بشوش. على غير العادة. بمحاذاة مكتب الطباعة. على وشك أن أرميها بنظرة. لكني جعلت مروري عادياً، وهي… أقصد، أليست على وشك أن تنظر نحوي؟ إنها تبتسم لي ابتسامة جيدة. الآن، لم تكن فتاة ضئيلة الحجم. لا. وهي ليست امرأة ضئيلة بأي شكل من الأشكال. ليست كذلك. أقصد، لقد رأيتها هكذا. أوه وهي هكذا-سجينة مدى الحياة في كرمبسال هي الآنسة يا له من وجه وجهها. أو زوجة، الآن كما أفترض. لا أعرف ما إذا كانت لم تتعرف إلي-أقصد، بسبب حال شعري، أو نقص… وبسبب الصدفية… أو ربما تعرفت إلي وتجاهلتني؟ باعتبار… حسناً.
لكن رأيتها. في الحديقة العامة. قرب المسلة. مع العائلة. كانت دوماً من هؤلاء الأطفال الذين يظهرون فجأة بالقرب منك إلى حد ما. لها أوراك ضخمة. رأيت ذلك فيها. لم أكن لأنتقد الفتاة، هي طفلة. الأحمق يمكنه أن يرى ذلك.
الآن، أنت لن تضع الطماطم المعلبة بحسب ظني. القمامة التي جلبتها من الأكشاك! الطازجة ظاهرياً؟ أوه. ما يقصدونه هو أنها طازجة في فنزويلا منذ ستة عشر شهراً، وفي الشاحنات المبردة منذ ذلك الحين. كاذبون ومخادعون هم العاملون في الأكشاك. لا، أنت أيضاً تستعمل المعلبات عندما يتعلق الأمر بالطماطم. أي علامة تجارية إيطالية ستفعل ذلك. لأن الإيطاليين يعرفون الطماطم. بالتأكيد، كان أبي يعرف طماطمه. كان سعيداً بنصيبه كما لم يكن أبداً. لكنه كان شحاذاً بائساً بقية حياته. جالساً هناك. على وسادته الخاصة. بسبب البواسير.
ضع الطماطم، والآن ببطء، ببطء، ببطء… يبقبق- يبقبق- يبقبق… هذا ما تنتظره. عليك أن تسمع صوت طهوك كي يكون ناجحاً. مقدارٌ من النبيذ. لقد مضى وقت طويل منذ أن فتحت زجاجة التشيناتي (3)، تركتها تستريح، لا عليك، بالنظر إلى أن ثمنها كان أربعة جنيهات، الراحة لن تحول ما هو رخيص الثمن إلى شيء جيد. لكن رغم ذلك، إذا كنت ستشرب مشروباً رخيصاً، فاشرب مشروباً إيطالياً. هذا ما أقوله دوماً. سأرشف رشفة صغيرة، ضيافة للطاهي. لأنه منقذ الحياة.
الآن، وفقاً لما حدث، ترمقني بنظرة غزل صغيرة، وأنا أرتدي قميصي القصير الأكمام، أصفّر أغنية لفريق فان بوي ثري، شعرت بجرعة من… الشجاعة. لا يمكنك إلا أن تدعوها كذلك. شباب لعين! كنت أشعر بتلك الرِّقة الشديدة واللعينة ومع ذلك ذهبت وتحدثت إليها. أنا لا أقول بأنها كانت لوحة زيتية. لكن لها وجه باعث على الرضى، قطعاً، بلطف غريب. قلت، إذن ماذا تفعلين يوم الجمعة؟ كنت ناعماً إلى هذه الدرجة كما لو أني كنت ممسوساً. حتى أني لم أتورّد أو أتلعثم. كما لو أن تشارلي الشاب المتحدث الخبير زحف داخل صدري النحيل، وجلدي الجاف. وتقول، حسناً، لا شيء كثير.
بقبق- بقبق- بقبق… اسمع؟ جميل. والآن تنشّق قليلاً؟ نعم. أظن بأني وضعت القدر المناسب من الثوم. لا تريد أن يجن جنونك. والآن ملعقة صغيرة من السكر الأبيض للطماطم، لتظهر حلاوتها. تذوق؟ آه جميل. قليلٌ من التشيانتي. حظوة الطاهي. كان عليَّ أن أغادر منذ سنوات. لا أعني كرمبسال. أعرف أن كرمبسال هي سجن مدى الحياة. التمشي في الحديقة العامة، الآحاد، الرأس منخفض، الصحف اللعينة، روث الكلاب. لا، لا أعني كرمبسال – لا مفرّ من كرمبسال. أعني هذه الشقة الصغيرة المقرفة. مع ذلك هي بيت.
أربعة وثلاثون عاماً في شقة صغيرة؟ إنها بيت. لن أكون… لم أكن لأعرف نفسي في مكان آخر. لكن ليس بالضرورة بطريقة موفقة.
قلت، يمكننا الذهاب إلى الديسكو؟ في مانشستر؟ قالت، أنا لست ممن يرتادون الديسكو كثيراً. قلت، ماذا عن فيلم إذن، يمكننا الذهاب إلى السينما، قالت، أنا لا أحب الأفلام. قلت، حسناً، نزهة؟ نزهة، قالت، هممم. ثم خطر لي خاطر مجنون. قلت، حسناً، إن أحببت، يمكنك أن تتصلي بي، سوف أدعوك لشرب الشاي؟ حسناً، قالت، وكادت قدماي أن تصابا بالشلل.
أمامي ثلاثة أيام للتحضير للموعد. ليست العُصابي هي الكلمة المناسبة. قابلاً للتقسيم كانت هي الكلمة اللعينة. أقصد… أردت أن يكون لي حديث مع هذا الشاي. لأن الطعام؟ يقول الكثير عن الرجل. لم أكن لأقدم لها بيضة وكسرة خبز، هل كنت سأفعل؟ سيكون هذا تصرفاً فظاً. بالتأكيد، فظاً لربما لم تكن فكرة سيئة، للختام. لفترة كنت أفكر بتجربة الغولاش الهنغاري، لكن كان للإحساس قدر أفضل من البسالة. شكراً للنجوم. نمت بشق الأنفس! في اليوم التالي كنت أفكر بالكاري لكن بعدها فكرت بأن لا. إنه صيف قائظ، والأمسيات لا تزال حارة. كاري، وسنتعرق كالثيران. فكرت بما سألبس، بتفصيل تام، وقررت ارتداء قميص أبيض، بنطال جينز أبيض. ربما ستضحك، لكنها كانت موضة حينها، ألم تكن؟ قصصت شعري وفتَّحت لون بعض الخصل. كنت المقابل الكرمبسالي لجورج مايكل اللعين. اشتريت زهوراً. كنت مصاباً بنوبة ذعر تراوح بين الدرجتين المتوسطة والعالية، قطعاً سبع درجات أو أعلى، لكن حينها فكرت بالنظرة على وجهها عندما سأكون على وشك أن أرمقها. وارتحت قليلاً.
لقد اهتمت بنفسها، بعد مدة من الزمن، فعلت صلصة البولونيز. إنها الدقائق البطيئة التي تمنح النكهة، إنه طول الأناة الذي يمنح النكهة. انتظر، قليلٌ من الكريمة لن يضر. أوه. الآن هذا رائع. هل تتذوق؟ أوه. رشفة من التشيانتي؟ ليس لديك مانع لو فعلت، أيها القبطان! إذن. حلَّ يوم الجمعة. جعلت من بيتي قصراً، الزهور في مزهرية. وقد خطرت لي ليل البارحة في ومضة كالرؤيا – السباغيتي بولونيز! كانت المعادل الصحيح للمناسبة: ليست بهرجة مبالغ بها، لكنها مستساغة جداً، وقد لا توحي للفتاة بأن هناك شيئا عني من… حسناً، عنفوان إيطالي؟ فكرت بأني سأكون أحمق كالجحيم أولاً، لكن لا. على الأقل، ليس من ناحيتها. جاءت مباشرة إلى الشقة وهي تثرثر وتقهقه. تجاهلت الكراسي القابلة للطي التي رتّبتُها حول الطاولة، ورمت بنفسها على سريري، الذي كان سريراً مفرداً، وهي ليست فتاة ضئيلة الحجم. خلعت حذاءها راكلة إياه، وطوت ساقيها تحتها. إنها ترتدي تنورة راه راه (4) مثل كيرين – هل هو كارين؟ من فرقة باناناراما. وقبلت كأساً بسرور، من التشيانتي، شربت واحدة، وتقول، إذن ما الخطة؟ كنت أفكر بالسباغ بول، أقول، وأنا أحرك القدر، محاولاً أن أسترخي. قلبي ينبض مثل كلب صيد سافل. قلبي على وشك أن يقفز من مكانه.
جميل، تقول، النكهة المتوسطية.
بالضبط، أقول.
لقد قصصت شعرك، أيها المدلل، تقول.
حسناً، أقول، روتوش صغير، حقيقة، هذا كل شيء.
يناسبك، تقول، الآن تعال هنا…
من الصعب بالنسبة إلي أن أتحدث بالتفصيل الدقيق عما حدث تلك الليلة، أو ما لم يحدث. لقد كبتُّ الكثير منه – السيد مولزورث، ليس لدي شك، سيكون لديه مصطلح تقني عن الكبت. لم تكن فتاة ضئيلة الحجم ولم تكن خجولة. على العكس كانت ناضجة كتوت العليق. أتذكر محاولاتي من أجل أن أتنفس، هنا وهناك، تحت ثقل قبلاتها الحارة، أتذكر محاولتي للنهوض لأخفف نار الفرن. أقصد، السباغيتي كانت تخرج عن السيطرة… وكانت تغلي. قلت، شايُنا سيتلف! إخرس، قالت، وقبلتني أكثر. في الواقع كانت جميلة، كما هي. لا يمكنني أن أرفضها وهي بذلك الشباب. كانت متعة، ولم أكن أملك الشجاعة الكافية.
هذا… الكبت خطير؟ إنه حقيقة شيء ما لا بد أن أُعلم السيد مولزورث به. لدينا جلستان أسبوعياً، وبصراحة لم يعد لدينا ما نتحدث عنه. يخبرني أن الصدفية هي كل ما بذهني. لا، أقول، هي كل ما في الشراشف. استولت على ذلك السرير، الصدفية، ثمة صباحات ينبغي لي فيها أن أكنس السرير اللعين، لقد نثرت الكثير.
تساقط الجلد. سرير مفرد. ثلاثون عاماً مضت على علاقتي الأخيرة؟ لم أستطع التعامل مع اللحظة الراهنة. لم أستطع أن أكون السيد ناعم. جماع ناقص؟ جماع لم نبدأ به أبداً.
كانت لطيفة جداً بهذا الشأن. وبقيت لتناول السباغيتي على الأقل. شغلنا الراديو. انبعثت أغاني فرقة فان بوي ثري، ورقصنا قليلاً أيضاً. شقة صغيرة، فتاة ضخمة، كيف لم نستطع أن نقيم بيننا علاقة، وقبلتني ثانية لكن كانت قبلة محتشمة، حينها. كنت لأصبح مثل عم عزيز للفتاة. كنت قد ولدت عماً عزيزاً.
لكن مع ذلك، كما تعلم، في هذا الوقت من السنة، يوم من أيام تموز الحارة؟ أجدني أفكر بأغرب الأفكار، أجدني أفكر بالسباغيتي بول. اشتريت لحم الخنزير المفروم، لحم العجل المفروم، الثوم والبصل، الطماطم المعلبة، القشدة للتثخين، الأعشاب لمنح عذوبة للنكهة، تماماً في النهاية، ملء اليد من الحبق، مقطعاً غير مفروم، فقط من أجل الشذا… هل تشمّ؟ جميل.
لا أتذكر اسمها. هل كان ماجي؟ لم يكن ماجي. هل كان سو؟ لم تكن سو. ساندرا؟ انتهى الصيف وأنت تظن أنه سيمتد أبداً وحتى يوم الثلاثاء. أترك النافذة مفتوحة على الشارع، الأولاد يلعبون، أصواتهم تطوف بمحاذاتها. الشقاوة. أصواتهم اصطدمت بشيء ما، حافة. سأحتسي رشفة من نبيذ التشيناتي وأتنفس الصعداء. سأغرف من وعاء مليء. النافذة مفتوحة والراديو يشتغل. عشاءٌ لشخص واحد.

* كيفن بيري مواليد عام 1969، كاتب إيرلندي، أصدر مجموعتين قصصيتين، ورواية بعنوان «مدينة بوهين»، فازت بـ «جائزة الأدب الإيرلندي العالمية» عام 2013.

– 1 طبق إيطالي مكون من السباغيتي مع صلصة مكونة من لحم البقر والبصل والطماطم والأعشاب.
2-فرقة غنائية انكليزية لموسيقى البوب كانت ناجحة في الثمانينات ولو أنها لم تعمر طويلاً.
3-نبيذ إيطالي.
4-تنورة قصيرة ذات طبقات اشتهرت بين المراهقات في الثمانينات.

Sula_book

نحو جماليات الرائحة، أو الكريه والعطر في الأدب المعاصر.

دانوتا فجيلستيد[1]

بالرغم من كثافة الاهتمام النقدي بالجسد، ما زلنا متشبثين بالجماليات التي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي البصر والسمع. في محاولة لتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد تدرس المقالة المشاهد ذات العلاقة بالشم في كل من رواية توني موريسون (سولا )1973 ومذكرات أمي لجامايكا كينكايد (1996) ومكتوب على الجسد لجينيت وينترسن(1992) لإظهار ما تقدمه هذه الروايات من صور آسرة للغاية عن الشَّم، الجنس (الجندر)، والإثنية.

 يكشف التحليل عن اشتراك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم: الروائح الكريهة التي دلت خلال عصر التنوير على اللا منطق، الجنون، الهمجية، والحيوانية، قدمت مجدداً من قبل الكاتبات الثلاث بمعاني الحب والقربى، في حين أن الروائح العطرة صارت تشير إلى الَبهتان والموت. استفادت كل من موريسون، كينكايد، ووينترسن من التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول مؤنثة) وفضحن التقليدية في تقديم النساء بمصطلحات الروائح “اللطيفة” سواء من خلال إشارات صريحة لقوة العطور الجنسية وبتحميل الروائح “غير السارة” ما للعطور من قدرة على الجذب الجنسي. أخيراً تقترح المقالة أن حاسة الشم قد تكون بديلاً معرفياً متميزاً عن البصر والسمع.

 

اكتب، الغائط ليس له رائحة.

-رولان بارت

في فعل الرؤية يبقى المرء نفسه، في الشَّم يتحلل.

-ماكس هوركهايمر وتيودور أودورنو.

 

تركز صناعة العطور بملايين الدولارات، والاهتمام المتنامي بطب الروائح، والإعلانات التجارية والتلفزيونية العديدة التي تقدم تشكيلة من مزيلات الرائحة-انتباهنا بقوة على ما يتعلق بالشم، العطر، والرائحة الكريهة في حياتنا اليومية. بإبادة الروائح الكريهة وتعزيز العطور الجذابة، نحن جميعاً نتورط يومياً بالتلاعب بعالمنا الشَّمي وبالهويات الشَّمية لأجسادنا.

هذه الرؤية العامة للشَّم (إني أخلط مجازاتي) ظاهرة حديثة. على مدى قرون، كان لما يتعلق بالشم أهمية هامشية في المحادثات الفلسفية، الدينية، العلمية. نبذُ كانط لحاسة الشم مثال عن كيف كانت حاسة الشم ” معيبةً من قبل الفلاسفة”: “لأي حاسة عضوية ندين بأقل ما يمكن ويبدو أنها غير ضرورية تقريباً؟ حاسة الشم. إنها لا تدفعنا لتهذيبها أو تنقيتها رغبة في كسب المتعة، يمكن لهذه الحاسة أن تلتقط ما يبعث على الاشمئزاز أكثر مما يسبب المتعة (لاسيما في الأماكن المزدحمة) إلى جانب أن المتعة المتأتية من حاسة الشم لا يمكن أن تكون إلا زائلة وقصيرة المدى.”

أشار العديد من النقاد إلى أن تهميش حاسة الشم يمكن ربطه بهدف المشروع التنويري لإزالة روائح وتوحيد الفضاءات العامة والخاصة وإلى تعميم الميل لمنح الفكر حظوة على حساب الجسد. كان تطهير الروائح مصحوباً باهتمام طبي متعاظم بالضوء، الذي مع حلول منتصف القرن التاسع عشر أدى إلى ” انقلاب عظيم في المواقف لمنح البصر تفوقاً غير متنازع عليه” كان انكفاء الشم يعتبر جزءً ضرورياً من العملية الحضارية بحسب كل من داروين وفرويد. افترض سيجموند فرويد، على سبيل المثال، صلة مباشرة بين الشم والجنسانية، يرى أن تحجيم الإثارة الشمية ارتبط بانتصاب قامة الانسان. كان الضمور التدريجي للشم، بحسب زعمه، مصحوباً بدور متصاعد للإثارة البصرية في الانجذاب الجنسي.

ظل الاهتمام العلمي حتى يومنا هذا قليل نسبياً بالشم، بالرغم من أن المرء يمكنه أن يجد بعض ما يدل على التغيير. منذ أقل من عقدين كانت الرائحة موضوعة على الخريطة التاريخية الاجتماعية التي وضعها آلان كوربين بدراسته الرائعة، الكريه والعطر: الرائحة و المخيلة الاجتماعية الفرنسية (نشرت في الأصل في فرنسا عام 1982، وترجمت إلى الإنجليزية في العام 1986)، وفيها يتتبع الكاتب التغيرات في ملاحظة الروائح في الدراسات الطبية، الصحة العامة، والمدنية، والمحادثات الأدبية في فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يبدي عالم النفس الهولندي بيت فرون في كتابه الشهير -الرائحة: المغوي السِّري (1994)، أن حاسة الشم حيوية لمعرفتنا للعالم. في ” عضو جاكوبسن ” (2000)، تستقصي ليال واتسن الأدوار المتنوعة للرائحة في البشر، النباتات، والحيوانات. هذه الكتب وكتب أخرى تشير إلى الاهتمام المتنامي بالشم بين العلماء.

لا شك أن حاسة الشم في النقد الأدبي واحدة من أكثر المواضيع تجاهلاً. يبدو أن التحقيق الوحيد على شكل كتاب في المخيلة الأدبية للشم حتى اليوم هو كتاب هانز ج. رينديسباخر ” رائحة الكتب: دراسة تاريخية ثقافية عن حاسة الشم في الأدب (1992)، الذي يناقش في معظمه النصوص الألمانية والفرنسية مع إشارة عرضية إلى الأدب الإيطالي والروسي. انعدام التحري النقدي عن تصوير حاسة الشم في الأدب مفاجئ بشكل خاص في ضوء الاهتمام العام المركز على تصوير الجسد في الثقافة الغربية. مع الكتابات الكثيرة عنه في المقالات النقدية المعاصرة، تم تصنيف الجسد جنسياً، عرقياً، طبقياً، لكنه يبقى بشكل غريب جسداً عديم الرائحة.

ومع ذلك يمكن للمرء أن يجد الكثير من الإشارات إلى حاسة الشم في الأدب. من المسلم به أن حاسة الشم نادراً ما تلعب دوراً بنيويا هاماً وموضوعياً في النصوص لاسيما في أدب ما قبل الحداثة. في الحداثة تظهر حاسة الشم أولاً كعنصر أساسي في حبكة الرواية. يذهب رينديسباخر إلى حد أنه ينشد في حاسة الشم السمة المعرفة للحداثة. بالفعل، حتى القارئ العادي للرواية الحديثة سيتذكر الوظيفة الفعالة للرائحة كمحور دارت عليه رواية بروست الضخمة “في تذكر الأشياء”. تشكل الروائح في رواية عوليس لجويس كوناً بنفسها: يبدو أن نتن الجسد المتفسخ في رواية “بينما أرقد محتضرة” لفوكنر ينبثق من صفحات الرواية كما لو أن الكتاب يحتوي على رقعة “اخدش وتنشق”، تشترك الروائح والعطور بشكل فعال في خلق الفضاء المخنث لرواية بارنيز “Nightwood“، في رواية “عالم جديد شجاع” لهكسلي تظهر كيف أن التلاعب بالروائح يمكن أن يستعمل لضبط العواطف.

بأية حال، الرواية التي تتمحور حول حاسة الشم هي رواية باتريك زوسكيند العطر، المنشورة في ألمانيا عام 1985، وترجمت إلى الإنجليزية بعد سنة واحدة، في عام 1986. رواية زوسكيند استثنائية في استعمالها للرائحة كموضوعة أساسية وأداة بناء. ” لم تكن حاسة الشم قبل زوسكيند مستعملة أبداً إلى هذا الحد في حمل بنية حبكة القصة”، يقول رينديسباخر. الرواية أيضاً استثنائية في تغليبها الشم على التخيلات البصرية، وفي غناها بالمفردات المرتبطة بحاسة الشم. أنه لمن الآسر أن ترى رواية العطر “كانعطافة شمية” مبشرة في الأدب.

في محاولة التبشير في هذه الانعطافة وتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد، أستطلع فيما يلي المشاهد المتعلقة بالشم في كل من رواية توني موريسون سولا (1973)، ورواية جامايكا كينكايد سيرة أمي (1996)، ورواية جينيت وينترسن الكتابة على الجسد (1993) لأظهر كيف أن هذه الروايات تقدم صوراً فاتنة عن الشم، الجنس (الجندر)، والإثنيات. بصورة مؤثرة، مركزة على تدمير الروايات الثلاث للترميز التنويري للشم، أريد أن أعرض أن مواكبة حاسة الشم تساعدنا بشكل أفضل على فهم الآثار المزعزعة لمواضيع السرد عند موريسون، وينترسن، وكينكايد. ومن نافل القول، أن الشم في الأدب تماماً كالتذوق واللمس -ليست متاحة حسياً، إنها دوماً عبر وسيط لغوي. ليس للغة رائحة، كما عبر بارت عن ذلك مؤكداً. ولهذا استقصاءاتي عن حاسة الشم في الأدب تستتبع تفحص أية أفكار، رغبات، مشاعر، ومعتقدات سيَّرتها الإشارات النصية للرائحة في الروايات الثلاث.

دعني أبدأ بالقول إنَّ العوالم الشمية في الروايات الثلاث تدعو القارئ لإعادة النظر بالروابط التقليدية بين الغائط والموت، وانعدام الرائحة والحياة. بشكل غير تقليدي، غالباً ما يشير انعدام الرائحة و/ أو العطر في الروايات للموت، الجدب، والظلم في حين ينحو النتن ليكون مقدماً كحامل للحب، الحيوية، والتحرر من الأعراف الاجتماعية. علاوة على ذلك، تتحرر الراويات وغالباً ما تتصدين للترميز التنويري السائد للرائحة، طبقاً لـ ” يبدو أن الأنقاض التي تفوح منها رائحة نتنة تهدد النظام الاجتماعي، في حين يعد النصر المطمئن للصحية والعطر بدعم استقراره” (كوربين).

الفضلات ولاسيما الجسدية منها، منذ أن عرف في أواخر القرن الثامن عشر بأنها خطر على الصحة العامة، فهي محتواة في الثقافة الغربية المعاصرة في أماكن خاصة (مراحيض) تبعد الفضلات عن أعين العامة وأنوفهم وتخلق حوامل مادية ورمزية بين الحياة والموت، عامة وخاصة، نظيفة وقذرة، ومتحضرة وبدائية. في رواية سولا هناك فقرات طويلة عديدة مرتبطة بالمرحاض والحمام أو المرحاض الخارجي، أصبحت الفضلات والقذارة، لو جازفت بالقول، عنصراً بنيوياً في الرواية. رحلة هيلين ونيل الصادمة جنوباً، إنقاذ إيفا لحياة الطفل بلوم، استراق سولا السمع لاعتراف أمها عن إعجابها بها وليس حبها لها، رد فعل نيل المقرف تجاه خيانة زوجها وسولا، خذلان آجاكس لسولا، كل هذه الحوادث موسومة بإشارة إلى المرحاض الخارجي/ فضلات الجسد. أيضاً المعاني التي ينسجها النص معاً غالباً ما أفسدت الترميز الثقافي للبخر الجسدي والنتن بما يدل على الفنائية والتحلل.

على سبيل المثال في واحد من المشاهد اللافتة، تشكل الرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي الوسط الشمي لتصرف إيفا بحب أمومي. توقف تغوط ابنها الرضيع بلوم ويتقيأ الطفل وهو يصرخ متألماً، تأخذه ايفا إلى المرحاض الخارجي:

قرفصت في عمق ظلمته والرائحة الكريهة الشديدة البرودة، قلبت الطفل على ركبتيها، كشفت عجيزته وأقحمت آخر قضمة تملكها من الطعام في العالم (إلى جانب ثلاث شمندرات) في مؤخرته. مسهلة الإقحام بقطع من شحم الخنزير، جست بإصبعها الوسطى لتسهل تغوطه. تلقف ظفرها ما بدا أنه حصاة سحبتها وتبعتها أخر. توقف بلوم عن البكاء عندما ارتطم الغائط الأسود بأرض متجمدة. والآن بانتهائه، قرفصت ايفا هناك مستغربة لماذا كان عليها أن تمضي إلى هناك لتفرغ غائطه وما الذي كانت تفعله على وركيها مع طفلها المحبوب المدفأ بجسدها في ظلمة كلية بساقين وأسنان متجمدة ومنخرين يسيلان.

ما نراه هنا هو حبكة نصية لشبكة غنية من الصلات بين الطعام، الحياة، الحب، الموت، والغائط. يسم نتن المرحاض الخارجي منطقة الحد الأخير للحياة، إنه يشكل حداً بين الحياة والموت. في هذه المنطقة الشمية للتحلل تبعث إيفا المقرفصة الحياة في ابنها مجدداً.

لا يرتبط حب ايفا الأمومي فقط بالرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي لكن أيضاً، مضاعفاً، برائحة أخرى هي رائحة “اللحم المطهي”. في الحادثة الأولى تصب الكيروسين على ابنها البالغ مدمن المخدرات بلوم وتشعل النار. لكن قبل أن توقد به النار تضم بلوم بين ذراعيها وتهزه كما لو أنه طفل رضيع. قتل ايفا لابنها هو فعل حب كما يطرحه النص، وهو أيضاً مفسر كذلك من قبل بلوم الذي يجد رائحة الكيروسين ” جذابة على نحو عميق” ويشعر بأنه معمد بها ومبارك. في المثال الثاني، رائحة لحم هانا المحترق يجعل ايفا بساقها الوحيدة ترمي بنفسها من النافذة في محاولة بطولية لإنقاذ ابنتها.

في حين تنشر روائح اللحم المطبوخ والغائط مشاهد الحب الأمومي، عطور زهور تصحب الموت والفساد الأخلاقي في عالم “سولا” الشمي. الرائحة الشذية للغاردينيا التي تشمها أم هيلين المومس من أجواء موكب جنازة جدة أم نيل. وجدت ايفا مع ابنتها الميتة بجانب شجيرات الفورسيثيا، البازلاء الحلوة، والبرسيم. ربما المثال الأكثر صراحة لإعادة الترميز النصية للرائحة هذه هو عنقود من صور شمية تدور حول ممارسة سولا للحب مع آجاكس. تنتهي علاقتهما الشغوفة بتنظيف سولا للحمام وترتيب السرير. بالنسبة لأجاكس تبعث النظافة الجديدة للمكان “رائحة العش”، معلية مخاوفه من أن يقع في فخ أسلوب الحياة العادية. الذروة تأتي عندما يرى آجاكس سولا “مستلقية على ملاءات بيضاء يانعة، ملتفة في الرائحة القاتلة لكولونيا مطبقة مؤخراً” ويقرر تركها. رائحة الكولونيا نفرت آجاكس، إنها تشير إلى خيانة سولا لكل ما كانت تعنيه حتى ذلك الحين، وأكثر ما خانته هو قدرتها على الرؤية من خلال(وتجاهل) قشرة سلوك الطبقة الوسطى المتحضرة. هذه القدرة الخارقة لسولا مستدعاة بتركيبة مدهشة من البصري والشمي عندما يزعم واحد من السكان الخائفين في الأسفل أن سولا تنظر إلى الناس كما لو أنها “تشمك بعينيها ولا تعجبها رائحة صابونك”.

حزينة بعد رحيل آجاكس، تغني سولا لنفسها لتنام في ” قشعريرة المرمر” التي تغادرها لتعود إلى “رائحة الصلصال الكريهة، العبقة، المظلمة “.  هذه الرائحة النتنة العبقة المظلمة للصلصال مرتبطة بالمشهد الذي تتقاسم فيه نيل وسولا الإثارة الجنسية وهما تحفران حفرة في الأرض بأغصانهما قبل وقت قصير من موت تشيكن ليتل. يفسر المشهد في الكثير مما كتب من نقد لرواية سولا على أنه علاقة جنسية بين سحاقيتين.  المهم في سياق تحليلي هو حقيقة أن الهالة الشمية للمشهد تصبح سمة في علاقات نيل وسولا. متألمة من اكتشاف علاقة الحب بين زوجها وسولا، تنسحب نيل إلى حمامها على أمل أن تتخلص من حزنها: ” جلست مرة في الداخل، على بلاط الأرضية بالقرب من المرحاض. على ركبتيها، يدها على الحافة الباردة لحوض الاستحمام، انتظرت حدوث شيء، في الداخل. كان هناك إثارة، حركة وحل وأوراق ميتة، فكرت بالنساء في جنازة تشيكن ليتل، النساء اللاتي زعقن على النعش وحافة القبر المفتوحة.” بخلاف النساء، لم تستطع نيل مع ذلك أن تتخلص من ألمها بالبكاء:” انتظرت. انزاح الطين، تحركت الأوراق، غلفتها رائحة الأشياء الخضراء المتفسخة وأعلنت عن طلائع عويلها. لكنه لم يخرج. الرائحة تبخرت، الأوراق كانت ساكنة، استقر الوحل. وأخيراً لم يكن هناك شيء سوى رقاقة من شيء جاف ومقرف في حلقها. نهضت خائفة.” لم تفهم نيل إلا بعد موت سولا أنها كانت حزينة على صديقتها وليس على زوجها جودي. عند هذا الحد، في نهاية الرواية، تشير الرائحة إلى عودة علاقة سولا ونيل منطلقة في صرخة الحزن:” الأوراق تهيج، الوحل يتقلب، كان هناك رائحة أشياء متفسخة خضراء…” يا رب، سولا” نيل تصرخ، يا فتاة، يا فتاة، يا فتاة،” كانت صرخة ممتازة، عالية وقوية-لكن لم يكن لها قعر ولا قمة، فقط حلقات وحلقات من الحزن”.

تحليلي يكشف حتى الآن أن الرائحة الكريهة، المشادة طوال عصر التنوير كدلالة على الجنون، الحماقة، الهمجية، والحيوانية، صيغت مجدداً من قبل موريسون كدالة على الحب والقربى. تصبح الروائح العطرية من ناحية أخرى، علامات على البهتان والموت.  ولو أن قول هذا هو اقتراب محفوف بالمخاطر من ثنائية الروائح الفطرية مقابل المدنية، ولرؤية رواية سولا كتظهير لعالم الفطرية. الكون الشمي في سولا ليس بسيطاً جداً، إنه لا يقدم فقط إبطالاً للترميز التقليدي للروائح. روائح الزهور تنتمي للمملكة الفطرية، ولو أنها في الرواية ترتبط بالموت. موريسون أيضاً تصعب التمييز البسيط بين الروائح بالمحافظة على المعاني المتعارف عليها للشم. بالنسبة لشادراك على سبيل المثال، الرائحة الحلوة للدم مرعبة بالطريقة التي تقدح فيها زناد الذاكرة للقائه التصادمي مع الموت أثناء الحرب. موت تشيكن ليتل هو أيضاً مرتبط برائحة رهيبة.

البنية في سولا هي منظر شمي أدبي مليء بالتوتر والإبهام، موريسون تجعل القارئ يتجول في متاهة من الرغبات المحرمة. عملية مشابهة جداً يمكن أن ترى في رواية كينكايد “مذكرات أمي”. حبها لروائح جسدها هو بالنسبة لخويلا، بطلة الرواية وراويتها، طريقة لمقاومة الأحكام المحيطة بها، على أنها تافهة، غير محبوبة، ومستهجنة. في عيون الآخرين، تقول، “الشكل البشري والرائحة كانا فرصة لتكديس الازدراء “عليها، طريقتها في استرجاع الاعتراف والتقدير لنفسها بتأكيد متكرر لشذاها الشخصي أو لرائحة الجسد بالقول مراراً وتكراراً: ” أحب رائحة القذارة الرقيقة خلف أذني، رائحة فمي غير المغسول، رائحة ذلك العقيق بين ساقي، الرائحة في ثنية ذراعي، رائحة قدمي غير المغسولة.”  يمكن القول إن خويلا تدعي مكاناً لذاتها المختلفة عرقياً، بجذب انتباه القارئ لروائح جسدها الشخصية، إنها تصر على صلاح “جواز مرورها الشمي” بحسب تعبير فرون.  هي أيضاً تدعي مكاناً لجنسانيتها بالتأكيد على الشخصية المغرية لروائحها: ” تغيرت رائحة إبطي وما بين ساقي وهذا التغير سرني.  في تلك الأماكن تصبح الرائحة لاذعة، حادة، كما لو أن شيئاً ما يجري تخميره، ببطء، وفي السر، بين الحين والآخر، لم تغادر يداي هذه الأماكن، وعندما كنت بين الناس، لم تكن هاتين اليدين بعيدتان عن أنفي دوماً. وهكذا استمتعت على طريقتي في شمها، بين الحين والآخر.”

كما في سولا، عبث مشابه في “المذكرات”، العطور والروائح “الطيبة” مختبرة من قبل خويلا كشؤم ووعيد: ” أشم من إبطي ليز عطراً. صنع من عصير الزهور، هذه الرائحة ستعبق في الغرفة، ستعبق في منخري، تنتقل إلى معدتي، وتخرج من فمي، في موجات من التقيؤ…” رائحة والدها، تلك المشابهة ” لرائحة اليود ونبات كف الذئب البنفسجي وحمض الكاربوليك،” تبدو “منظمة ومعقولة” وتدعم إحساسها بكونه سجان وشرطي أكثر من كونه أباً.

في سياق دراستي المسألة المثيرة هي ما إذا كان مثل هذا السرد المخل بنيوياً كما في “مكتوب على الجسد”، التي تعلن صراحة ارتباطها بالجسد من خلال عنوانها، أيضا يتعدى على أعراف الصور الحسية، لاسيما من ناحية حاسة الشم التي في منزلة متدنية. الإجابة هي أنه، فيما يتعلق بالشم، رواية “مكتوب على الجسد” سرد يتبع في معظمه المتعارف عليه في الدلالة على الحب من خلال روائح الزهور وعلى التنافر عبر الروائح الكريهة، وإيهان وفضح هذه الأعراف بطريقة غير متوقعة ليس سوى في فصل ” الحواس الخاصة”، في نهاية الرواية. بخلاف “سولا “أو “مذكرات أمي”، في “مكتوب على الجسد” البيئة النظيفة الصحية والبرجوازية العديمة الرائحة تتقاطع عرضياً فقط مع روائح المبولة، الغائط، الدم الطمثي والبخر الجنسي.

تقدم الحكاية في الجزء الأكبر منها، لويز العاشقة المثالية (لأنها اختفت بغموض) وهي تشم الحطب، الزهور، والبحر. ينبثق هذا النمط من المخيلة الشمية التي تصل النساء بنبات اليوفي بدلاً من ربطها بعالم من روائح حيوانية كرائحة المسك، في القرن التاسع عشر ليصبح منتجاً رئيسياً للتصوير الفيكتوري للنساء. كان التحول عن عطر الحيوان وصعود موضة روائح الزهور بنتيجة رؤية جديدة للتصورات الأخلاقية للرائحة. عندما يعد التواضع فضيلة أنثوية أساسية، ” حلت صور نباتية محل تلك المقترضة من دورة اللواحم”، في حين “البخار الثخين للحم المشبع، روائح ثقيلة، ومساحيق مسكية كانت (لائقة) بحجرات المومسات أو حتى للمبغى”، يكتب كوربين. في قصة حب وينترسن تفوح لويز بالبراءة. براءتها تطرح رمزياً من خلال نظافتها: تخرج عدد مفاجئ من المرات من حمامها برائحة الصابون والزيوت العطرية. التقليدي (على الأقل بالنظر لتصوير النساء) هو أيضاً الربط النصي للويز برائحة القهوة والخبز. الطبيعة والبيت مكانين فيهما تموقع صور الراوي عن الرائحة لويز. مزالة الرائحة ورومانسية، لويز الشمية هي المرأة الفيكتورية الجامعة لا يمكن أن توصف رائحتها أبعد من الإشارة المكررة ثلاثاً إلى “رائحة لويز”.

بخلاف لويز النظيفة التي تفوح منها رائحة البحر، تتسم جاكلين، التي يتخلى عنها الراوي من أجل حبيبة جديدة، برائحة حيوان: لها رائحة حديقة الحيوان التي تعمل فيها. تستحم لتزيل الرائحة، وليس لتعطر جسدها. تصوير الراوي لجاكلين بمفردات روائح الحيوان بدلاً من الزهور التي تومي إلى معنى أنها قذرة ودنيئة. هذه التضمينات مكتشفة في واحدة من فقرات الرواية المحورية. أشير إلى المشهد الذي يعود فيه الراوي إلى البيت بعد ليلة أمضاها مع لويز ليجد أن شقته/ها خراباً. جاكلين خربت ما استطاعت، وقد حولت الغرفة إلى قن دجاج، والحمام إلى مكان يبدو كما لو أنه كان هدفاً لسباك سادي ومنحرف. اكتشاف الراوي لآثار حضور لجاكلين الغائبة الآن يبلغ منتهاه في إلقائه نظره على باب الحمام ليرى كلمة اللعنة مكتوبة بالغائط على ما يبدو من قبل جاكلين. هذا يسمح للراوي التعرف إلى مصدر الرائحة التي عبقت في الشقة. تصبح رائحة الغائط توقيعا للمرأة التي يربطها الراوي بعالم الحيوان: ” إنها غير متحضرة، فظة، وشاذة، إن المرأة الظريفة الفيكتورية هي أخرى. حيث بخر جسدها يعبق بالغرفة، يتجاوز حدود الأنا ويعتدي عليه. هكذا رائحة الغائط الذي اشارت به جاكلين إلى خروجها ليس فقط إمضاءاً رمزيا لموت الحب. يجتاح عالم الحب الناشئ بين الراوي ولويز، إنه ينتهك الحدود المتفق عليها بين الحياة والموت، يدمغ التحلل المادي إلى جنس، ويكتب عنفاً بالجسد، أو على نحو أصح ببقايا الجسد.

الروائح موظفة إذن من قبل الراوي أو ربما بشكل أصح من قبل وينترسن-ليسم حبيباته بشكل تقليدي إلى حد ما عندما يتخلص آلجين زوج لويز من حبوب النعناع التي تلقاها من أبيه، يخسر ماضيه ويقايض روائح طفولته اليهودية بأجواء مختبر طبي سويسري عديم الرائحة. انعدام رائحة آلجين نصياً مرتبط بعجزه العام وحياته الفارغة. عندما ينظف الراوي حمامه من غائط جاكلين ينهي علاقاته الجنسية المغامرة ويرسو للتقليدية ولقصة حب شاعرية. تعرف جدة لويز الراوي بأنه له” مظهر شيء من قسم النظافة.”

خلاصة القول، في معظم الصور الشمية في “مكتوب على الجسد” المنقولة ضمن المعارضات الثنائية التقليدية: الروائح ” السيئة”، تكون من الغائط أو الحيوانات، تنافر لافت، انحراف، فقر، وموت (الحب)، ” الروائح “الطيبة” (للزهور، خشب الصندل، والبحر) مرتبطة بالإثارة الجنسية والفضيلة، أو ربما بطريقة أصح، الشهوانية المتعففة، في حين انعدام الرائحة هو مساوي لانعدام الحياة.

مع نهاية الرواية، الروائح غير التقليدية المشار إليها رغبة في تحديد جسد لويز والإفصاح عن رغبة الراوي بها. في فصل “حواس خاصة”، يمعن الراوي في روائح لويز الجنسية مشيراً إلى” رائحة الخميرة” الصادرة عن لويز بعد ممارسة الجنس. ويلحظ كيف أن روائح لويز تتغير أثناء دورتها الشهرية.  عندما تكون لها “رائحة البارود”. يصور الراوي كون لويز الشمي كخليط من روائح الغائط والبخر. إنها “مركب غبش من قش ماشية شذي وبخور مريم. إنها لبان ومر روائح من الموت والايمان.” بتعبير آخر يكسر استعمال وينترسن للتخيلات الشمية التقاليد باكتشاف واضح لدور الرائحة في الانجذاب الجنسي. إقدام الراوي المحتمل على الانتهاك مرتبط بالشم أيضاً. قبل أن يصبحا عاشقين بقليل، يشعر الراوي بغواية تناول سروال لويز من سلة الغسيل ليشمه. هذا الانتهاك الجنسي توقف بسبب دخول لويز الغرفة تفوح منها “رائحة صابون خشب خام”.  لكن مع غياب جسد لويز، يصبح الراوي شفهياً “شمام سروال” لا يمكن له أن يكونه في حضور لويز كما لو أن الغياب فقط يمكن أن يثير إمكانية الشم الآثمة.

واحدة من المسائل التي لم أبحثها هي تجنيس الروائح في رواية “مكتوب على الجسد”، “مذكرات أمي” و “سولا”. كما هو معروف، بدءاً من عصر التنوير، أصبحت حاسة البصر بشكل متزايد محسوبة على الرجال،” الذين هم من المستكشفين، العلماء، السياسيين، أو الصناعيين-كان ينظر إليهم كمكتشفين ومسيطرين على العالم من خلال نظرتهم المتحمسة.” بخلاف البصر كانت حاسة الشم تعد “حاسة الإلهام والمشاعر، من الأعمال المنزلية والإغواء، كلها كانت تحسب على النساء”.  استغلت موريسون، كينكايد، ووينترسن هذا التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول أنثوية) لكن بطرق مختلفة في كل من سولا ومذكرات أمي، ارتبطت الروائح الكريهة غالباً بالحقل الدال على الحب، الفردانية، والوحدة، في حين أن الروائح “الطيبة” ارتبطت بالموت والانفصال. في “مكتوب على الجسد” وثانية في “مذكرات أمي” العرف في تصوير النساء بمصطلحات الروائح “الطيبة” كشف سواء بإشارات واضحة على القدرة الجنسية للعطور وبمنح الروائح “كريهة” نفس القوة الجنسية التي للعطور. تشترك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم. شيرة إلى أهمية الشم في المحادثات الأدبية، بالرغم من أن الحدود الدقيقة للخريطة الشمية للأدب لم ترسم حتى الآن.

من المفاجئ أنه برغم الاهتمام النقدي الشديد بالجسد وبالرغم من الادعاء بأن” علم الجمال ولد ليكون خطاباً عن الجسد”، نتشبث بشدة بالجماليات الذي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي النظر والسمع. حان الوقت لمراجعة هذه الجماليات بتضمين حاسة الشم وهي وفقاً لبعض النقاد حاسة ما بعد حداثية بامتياز معولين على مفاهيم بودريارد عن مافوق الواقع والصور الزائفة “المحاكاة”، Classen et alيكتب: ” العطور المركبة اليوم مثيرة لأشياء ليست موجودة، لحضرات غائبة… هذه الروائح المصطنعة هي إشارة دون مرجع، دخان بلا نار، صورة شمية نقية”. في حين لا أملك حجة لوجهة نظرهم عن الرائحة في الواقع اليومي ما بعد الحداثي، في رأيي إن الظهور المتنامي لحاسة الشم (لأخلط العيني والشمي مرة ثانية) والنقد المتنامي لترميزها التنويري (الترميز المتضمن للجندر، العرق، والطبقة) قد يسمح لنا بالتفكير بالشم باعتبارها حاسة ما بعد حداثية. الشم، هذه الحاسة الأكثر شعورية من بين الحواس، تحمل إمكانية عظيمة مدمرة في قدرتها على التعدي على الحدود، مهاجمة العقلانية، وتحرض مشاعر الاشمئزاز والانجذاب بفعالية. في الروايات التي تمت مناقشتها هنا، يهاجم الشم التراتبية المؤسسة على العرق، الإثنية، الجنس، والتوجه الجنسي. إنها تغير الاقتصاد العاطفي، تعيد تنظيم العالم الاجتماعي والأخلاقي، وتنتهك الانفصال. إن إعادة الترميز للشم هذه أيضاً كاكتشاف لقدراتها التدميرية التي أجدها واحدة من الظواهر المثيرة في أدب ما بعد الحداثة.

لابد من التأكيد على أن الأهمية المنسوبة للروائح هي ثقافة وزمن محددان. وطالما أن الروائح مستثمرة بقيم ثقافية، يطرح ترميزها الثقافي نماذجاً لوسم وتفسير الآخرين على أنهم آخرون ولكتابة مخطوطات عن التفاعل المتبادل بين الذات والآخر.  علاوة على ذلك، طالما أن حاسة الشم مثلها مثل باقي الحواس، متلاعب بها ومتأثرة بمعتقداتنا، كما أشار ميلر، تغيير المعتقدات عن الشم في عالمنا ما بعد الاستعماري المليء بـ”الآخرين”، إعادة ترميز الرائحة قد يكون لها أثر سياسي بعيد ونتائج اجتماعية، لاسيما لو قبلنا أن فعل الشم هو ذوبان ذاتي واندماج مع الآخر، كما يؤكد أودورنو و هوركهايمر. يبدو أن هناك بديلاً معرفياً مميزاً تقدمه الرائحة، البديل أيضاً مكتشف في “عطر” زوسكيند، الراوي مرتبط بشدة بالرائحة كارتباط الراوي الأوديبي بالنظر واللمس. حان الوقت للبدء باستكشاف البديل المعرفي الخاص بالشم والأرضية العاطفية، الأخلاقية، والمعرفية التي يمكن لها أن ترسمها.

http://cvc.cervantes.es/literatura/cauce/pdf/cauce24/cauce24_37.pdf

[1] أستاذة الدراسات الأميركية وما بعد الاستعمارية في معهد بليكنج في السويد.

9780140120837-1

أفضل عشرة كتب ترتبط بالرائحة-لارا فايجل[1].

  • في تذكر الأشياء-مارسيل بروست.

لا تزال لهذا الكتاب الكلمة الفصل في أدب الرائحة. ليس فقط لاشتماله على مجموعة كبيرة من الروائح المميزة (الزعرور المزهر، البنزين، عطر امرأة جميلة)، لكن لأنه يبرهن بقوة أيضاً على أن حاسة الشم هي الحاسة الأكثر بروزاً وإثارة للذكريات من بين باقي الحواس: ” لما كان لا شيء يدوم من الماضي البعيد، بعد موت البشر، بعد تحطم الأشياء وتبددها، تظل حاستا التذوق والشم وحدهما، أكثر هشاشة لكن أكثر ثباتاً، الأكثر روحانية، الأكثر ديمومة، الأكثر إخلاصاً، صامدتين لوقت طويل، كالأرواح.” لا تخيفنَّك ضخامة كتاب بروست: ابدأ بالمجلد الأول وسوف تمضي قدماً.

  • فلاش -فرجينيا وولف.

تهيمن الرائحة على السيرة التي كتبتها وولف عن كلب-“السبنيلي”-اليزابيت باريت براونينج. بالنسبة لفلاش، ” الحب قبل كل شيء هو رائحة، الشكل واللون رائحة. ..إن وصف تجربته المعتادة مع شريحة اللحم اليومية أو البسكويت يفوق قدرتنا.” مع ذلك، بذلت أفضل ما بوسعها لوصف روائح لندن وفلورنسا، البشر والكلاب، وفلاش تحفة أدبية فيما يخص حاسة الشم.

  • العطر-باتريك زوسكيند.

سوف لن تكون هذه القائمة مكتملة دون رواية العطر، وهي قطعة كلاسيكية عن الكتابة المختصة بالرائحة. إن زوسكيند عميد النثر الشمي وتتضمن هذه الرواية بعض صور تتميز ببراعة فائقة عن الروائح الكريهة التي كانت تفوح في فرنسا في القرن الثامن عشر وعن الشذا الاستثنائي للفتاة الجميلة التي يمثل عطرها ” قطعة من حرير رقيق لماع” متحد مع ” فطيرة مغموسة في حليب محلى بالعسل.” كان اسم زوسكيند في كل مكان لحظة إطلاق فيلم تيم تيكور، الذي لم يرتق لمستوى الرواية تماماً للأسف، في قدرتها على استحضار الرائحة، لذا اقرأ الكتاب قبل مشاهدته.

  • سر الرائحة -لوكا تورين.

عالم، هاوٍ للعطور، كاتب، وله أنف استثنائي، لوكا تورين واحد من أكثر كتاب الرائحة إثارة في أيامنا هذه. لقد أثار عاصفة في عالم العطور بدليله العطري، parfum، المكتوب عام 1992 أثناء استراحة قصيرة من المتابعات العلمية. هذا يقرأ حال الانتهاء من التذكر البروستي للعطور: عطر Nombre Noir ” في منتصف المسافة بين الورد والبنفسج”، ” يلتمع بطراوة سائلة جعلت ألوانه تتوهج مثل نافذة زجاجية ملونة”. يتضمن كتابه الجديد، سر الرائحة، بعض التوصيفات الغنائية للعطر وهو أيضاً كتابة علمية جريئة. إنه يلغي متمرداً المفهوم المقبول على نطاق واسع عن أن رائحة الجزيء تعتمد فقط على شكله، مؤكداً بدلاً من ذلك على أن التذبذبات ضمن الجزيء تلعب دوراً حاسماً.

  • الطريق إلى ويجان بير -جورج أورويل.

كان معروفاً عن جورج أورويل وهو الكاتب التوثيقي الاشتراكي الصريح، تعطشه للروائح. كنت لأختار أياً من كتبه هنا: كل واحد منها فيه على الأقل وصف مثير للرائحة الطيبة أو للرائحة الكريهة. اخترت ويجان بير بسبب وصفه البارز لرائحة الأحياء العشوائية، وتصديه الجريء للطبقة الوسطى البريطانية التي تعتقد، على حد زعمه، أنها رائحة الطبقة الكادحة.

  • خبز محمَّص –نايجل سليتر.

سيرة سليتر الأخيرة هي أمر لابد منه لعشاق الكتب المتعلقة بحاسة الشم. لا شك أن الطعام والرائحة رفيقان بالفطرة، وهما يتخللان ذكريات طفولة سليتر. رائحة الخبز والزبدة في حلوى البودينغ، رائحة البرتقال وكبش القرنفل وبول عمته فانتي جميعها مستقصاة بمحبة عبر أنفه الحساس.

  • مشاكل-أرسطو.

في كتاب أرسطو عن المعضلات فصلان عن الرائحة: فصل عن المسائل المتعلقة بالروائح الكريهة، وواحد عن تلك المتعلقة بالروائح الطيبة. مع أن الكتاب تم تأليفه في القرن الرابع قبل الميلاد، إلا أن المشاكل مدهشة بحداثتها، تذكرنا كيف أن الروائح تربطنا بأسلافنا القدماء.” لماذا،” يسأل أرسطو،” هل الإبط هو أكثر المناطق التي تفوح منها رائحة كريهة؟ هل هذا لأن قدراً أقل من الهواء يصل إليه؟ لماذا تصبح رائحة البول أكثر سوءاً كلما طالت مدة بقائه في الجسد، في حين أن رائحة الروث تصبح أقل رداءة في نفس الحالة؟”

  • أزهار الشر-بودلير.

” عندما تعوم عقول الآخرين في الموسيقى،” كتب بودلير في الغيبوبة ” يسبح عقلي في عطرك.” كانت الحسية طاغية على شعر بودلير وهذه المجموعة متبَّلة بأنشودة تسبيح للرائحة.  هو يمجد روائح ” الوعود، العطور، القبل الخالدة” في “الشرفة” والرائحة الشذية تصدر عن فراء قطة شقراء وبنية اللون في ” القطة”. حسناً إنه يستحق القراءة.

9-الحانة-إميل زولا.

كما جورج أورويل، يمكنني أن أختار أياً من كتب زولا هنا. في رواية نانا بعض الصور الرائعة عن الروائح العطرية لـ” جنون اللحم” الذي اجتاح باريس في مساء ماطر، عندما “زفرت المدينة المبللة رائحة كريهة تذكر بسرير مهمل”. تصور “غلطة القس موريه” رجلاً يبكي على رائحة الزهور في يدي محبوبته. أختار “الحانة” لأن زولا يستعمل في هذ الرواية الرائحة في الحبكة والشخصية كما يستعملها في الوصف. رائحة الغسيل القذر الكريهة عفنة ومسكرة بالنسبة لكل من كليمنص وحبيبها، والإشارة الأولى للتدهور بطيء لحياتهما المشتركة تقع عندما يصاب كلاً منهما بالخدر الناجم عن الأبخرة القوية الصادرة عن الغسيل.

10-الكريه والعطر: الرائحة في المخيلة الاجتماعية الفرنسية لـ آلان كوربين.

وفر كتاب كوربين لزوسكيند الكثير من الأبحاث عن العطر، وهو تقرير شامل عن المسالخ كريهة الرائحة، المجارير، المستنقعات، الجثث وسجناء القرن الثامن عشر في فرنسا، أيضا للأمراض الشائعة والمبادرات لفعل شيء بشأنها. هو أيضاً يتناول تغير المواقف نحو الروائح المختلفة بمرور الزمن، وهناك شذرات آسرة خالدة عن تفاصيل الرائحة. وفقا لكوربين، كان يعتقد في القرن الثامن عشر أنَّ للذكر والأنثى رائحة دم مختلفة وأن دم الحيض مكن الأمهات من ملاحظة وظائف أعضاء بناتهن، في حين أن مني الرجل شكل جوهر الحياة. يا للروعة!

http://www.theguardian.com/books/2006/dec/19/top10s.smelly.books

[1] لارا فايجل هي مدرسة الأدب الإنكليزي في جامعة ساسكس ومؤلفة كتاب باقة زهر صغيرة: رحلة أدبية من العَطِر إلى الكريه (منشورات أولد ستريت). تختار هنا ما تفضله من الكتابات عن موضوع الرائحة، والتي ظهرت جميعها في كتابها.

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet ʘϪʘ O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

"Black Mist and other stories"

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

اداچيو

الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

The Civilized Frontier

A Journal of Thoughts concerning Life, Liberty, and the Pursuit of Sanity in a World of Chaos

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 383 other followers