Feeds:
تدوينات
تعليقات

بيبي تود- جويس كارول أوتس.

joyce-carolo-oates.jpg

بيبي-تود[1]/ جويس كارول أوتس.

 

تراقبني أمي بطرف عينها الشبيهة بعين ” السمك الفضي”[2] لترى إذا ما كنت نائمة. أنا لست نائمة بل يقظة تماماً.

أتيت لأقيم مع ماما. ولو أني لم أعد أعيش هنا الآن.

كنت في عمر الثانية عشرة عندما هربت لأول مرة. أقمت عند صديقتي سادي لكني لم أخبرهم عن السبب، أو لم أخبرهم به على وجه الدقة. لم أستطع إخبار أحد عن السبب بالضبط لأنهم يستعملون كلماتك ضدك كما لو أنهم يمسحون وجهك بخرقة قذرة قائلين بأنها قذارتك، تستحقها.

أعادني شرطي في ذلك الحين. ماما وإفاندر أخفَيا غضبهما الشديد لأني تسببت لهما بالإحراج، ضرباني بقسوة بعد مغادرة الشرطي.

رحل إيفاندر الآن. تقول ماما بأنه ترك ابنه الصغير كما قد تترك علجوماً زنجياً قبيحاً.

عائلة ماما مشمئزة منها لأنها أنجبت هذا المولود الجديد الذي ينتحب طوال الوقت. بعيني علجوم متورمة، ولون جلده شبيه بلون جلد علجوم، وفم صغير يسيل لعابه باستمرار، وذراعين ضعيفتين وساقين كما لو أنهما خاليتين من العظام.

تلقفتني ماما وعانقتني عندما دخلت هذه المرة. مخفية وجهها الدافئ في عنقي حتى أبعدتها عني وأنا أشتم رائحة أنفاسها. ليس سوياً أن تدفن امرأة ناضجة وجهها في ابنتها ذات الثلاثة عشر عاماً وتبكي على هذه الشاكلة.

نحن متساويتان في الطول الآن لكن ماما تفوقني وزناً بأربعين باوند، وجلدها حار محرق.

وضعتني الحكومة المحلية في “بيت للرعاية” لكن عند خالتي التي هي أخت أمي الكبرى، الأخت غير الشقيقة لأن خالتي كلوي وأمي من أبوين مختلفين.

في المدرسة طلبت مني المدَّرسة أن أساعد في درس الرياضيات. كنت عند السبورة أرتدي وشاحاً عليه نقوش حمراء معقوداً عند العنق، ذلك كان وشاح خالتي كلوي. في مرة أخرى، كان شعري ذو اللون النحاسي مجدولاً جدائل إفريقية جدلتها الخالة كلوي. أنا فتاة ناضجة بعمر الثالثة عشرة. طويلة القامة.  لا أسكت على إهانة أحد ولا حتى الفتية الكبار، بل أنظر إليهم عيناً بعين. أنا التي تعرف حل المسائل الرياضية وليس هم.

من هي هذا الفتاة، قالت مدَّرسة أخرى في القاعة وهي تنظر إلى داخل الغرفة، لقد أخطأت الظن بأني مساعدة المدرسة من الكلية. ضحكت فقط ولم أتكلم سريعاً أو بانفعال لكن بهدوء كما تعلمت ولاقيت عيونها بنظرة ثاقبة.

تورد وجهي خجلاً، كانوا ينظرون إلى بقسوة شديدة. لكني لم أقل لهم أبداً أي شيء عن ماما، أو عن أخي الأصغر بيبي تود. حتى عندما سألوا، ومسوا معصمي ليبدوا حسن مقصدهم ورغبتهم بالمساعدة، إذا ما كنت بحاجة للمساعدة، لم أقل أبداً شيئاً حقيقياً بل فقط الأمور بخير في البيت. الأمور جيدة. ثم أضحك، لأظهر أني على خير ما يرام. إذا مسوا معصمي أتخلص من اللمسة بتهذيب.  من كان هذا الذي ضرب والدي حتى الموت، لا أعرف. أخبرت ماما الشرطة بأنها لم تر أي وجه ولم تسمع أي صوت وعندما خرجت من المخبأ كان كل شيء قد انتهى.

كان أبلغ من العمر حينها ثلاث سنوات. لا أتذكر شيئاً من ذلك الزمن أو حتى مكان حدوثه لكني أعرف أنه حدث في مكان آخر، وليس حيث تعيش ماما الآن. إن ذلك الوقت مثل جدار رش بخرطوم للمياه. ما كان هناك خبا وبليَ وحتى إذا ما تتبعته بأصابعك لتقرأه، لا تستطيع.

لم تتقصد ماما إيذاء بيبي تود لكن ماما تشعر بحزن شديد وبالتعب أحياناً. وتفوح أنفاس ماما برائحة كريهة، في تلك الأوقات العصيبة. أحياناً، ماما غاضبة.  لماذا هذه حياتي؟ هذه ليست حياتي.  ماما تقول لو أني استطعت إزالة ذلك في الدقيقة التي ألصقه بي فيها. حينها لما كنت لأنجب بيبي تود هذا الزنجي القبيح. ولا كنت هنا في هذا المكان تحت سطح البحر. تنظر ماما إليَّ بعينيها الوامضتين مثل “سمكة فضية” والجفنين مشقوقين بالكاد.

تخيفني ماما عندما تتحدث بهذه الطريقة. أتمنى لو أنها لا تفعل. تقول ماما بأنه طفل كبير جداً لكي يتسع له رحم امرأة. من الأفضل أن تملك بيوضاً تفقس مثل طيور أو أفاعي، حتى أنه لم يتوجب عليك أن تكون هناك.

بعد رحيل إيفاندر عانت ماما من حوادث مع بيبي تود، رمته على الدرج حيث تعثرت، واحترق المصباح. قالوا في غرفة الطوارئ إن رأس بيبي تود أصيب بكدمات شديدة و”ارتجاج مخي” حيث طرحوا عليّ أسئلة لأن ماما احتاجت أن أصحبها وقلت لهم بأن أخي الرضيع تلوى وركل وانفلت من ذراعي ماما وسقط وربما صدقوني، أو ربما لا.

عندما نظروا إلى بيبي تود بشعره الداكن والكثيف وبشرته المرقشة، عرفوا بأنه رضيع من عرق مختلط. إذا اتخذوا موقفاً من ماما فلم يظهروه كما فعلت عائلة ماما.

تسميه ماما علاج ذاتي. تقول بأنها تمنع أفكارها من التحول إلى أفكار سيئة. مثل مجارير مسدودة، بالنحو الذي يمكن لأفكارك أن تخنقك في نومك.

الليلة الماضية هنا في بيت ماما. نظرت إليّ بغرابة كما لو أنها تريد أن تصرخ في وجهي لم أنتِ هنا، لا أحتاجك!  ساعدت ماما في إعداد العشاء وتنظيف المطبخ. وحملت بيبي تود إلى السرير. محاولة حينها أن أبقى يقظة أشاهد فيلم السهرة على التلفزيون. وبيبي تود يهتاج ويركل في مهده.  وماما ترى أن عيني مغلقتين وتغامر في النهوض عن الأريكة وتمشي حافية بهدوء إلى الحمام لتملأ الحوض وتجلب بيبي تود إلى الحمام معها لأنها لا ترغب أن تكون وحيدة. لا أستطيع أن أدع ماما تغلق الباب، سوف يكون عليّ أن أقرع على الباب وأكسره لو في وسعي ذلك، وحينها قميص نوم ماما ندي وحفاض بيبي تود مبتل ويجب تغييره. يداي ترتجفان، وعدت ماما بأني سأحميه لأنه ما من أحد آخر.

أنا أخت بيبي تود الوحيدة. أكبره باثنتي عشرة سنة وأظن بأنه سوف لن يعرفني حقاً أبداً، سأكون دوماً أخته الكبرى. ولون بشرتي مختلف عن لون بشرته. ستصير هذه الأيام نسياً منسياً لأن لون بشرته سيبعده عنا ليعيش مع أبناء جلدته وليس معنا، تقول ماما.

سوف لن تسمحي بحدوث هذا، أليس كذلك؟ ماما ترجوني.

لأن ماما لا تريد أن تؤذي بيبي تود.

نحن نستلقي على سرير ماما، والطفل فيما بيننا. مجدداً أنا خائفة من النوم بالرغم من أني مرهقة كثيراً.

كانت ماما تشرب، لذا ماما سعيدة. لكن مزاج ماما يمكن أن يتغير، عندما تكون سعيدة. ماما تقول بأني أستطيع أن أتخلص من واحد منكما فقط، أيكما سيكون؟

اللعنة، ماما! هذا ليس مضحكاً.

ماما تضحك وتنتفض.  وجهي هو المضحك فقط فيَّ.

لكن بصدق، ماما لا تريد أن تؤذي بيبي تود.

عدا أن بيبي تود يصرخ بصوت مرتفع. سوف لن يخطر لك بأن مثل هذا الطفل الصغير يمكنه أن يصرخ بصوت مرتفع، أفكارك مجلجلة مثل بازلاء جافة تهتز داخل فنجان. وحينها تصبح ماما عصبية المزاج وقلقة.

بقيت يقظة تلك الأوقات. أقرص خدي، أقضم باطن فمي حتى يدمى.

لا يمكنك أن تمنع جفنيك من الانغلاق.  كما لا يمكنك أن تمنع الظلمة من أن تنقشع عن الأرض.

ماما، توقفي! أجاهد مع ماما لإخراج الطفل من الحوض. الماء يطفح، ويغلي. ينسكب على الأرض. صفعتني ماما فوقعت على الأرض الزلقة محاولة أن أستعيد توازني وهناك كان بيبي تود على الأرض لا يبكي ولا يركل. مبلل تماماً ويسيل منه الماء، يبدو بيبي تود صغيراً جداً مثل لعبة لدنة هادئ ولا يتلوى، لا يركل أو يصرخ ورفعته ماما بسرعة وهزته ومع ذلك بيبي تود لم يبكِ. وأخذت بيبي تود من ماما وأنا أصرخ في وجهها، اختطفت بيبي تود من بين يديها وعصرت صدره الصغير عاجزة غير عارفة ماذا أفعل أعدت بيبي تود على الأرض الطافحة بالماء ومددته على ظهره أضغط فمي على فمه الشبيه بالحلزون الصغير وأتنفس، وأتنفس وأتنفس بشدة وعميقاً في الفم حتى بدأ بيبي تود أخيراً بالحركة، والإثارة والبكاء. يمكنك أن تسمع صوت بيبي تود يرضع الهواء. صرخات بيبي تود الهادرة التي قالت ماما أنها ثقبت قلبها لكن ماما تبكي الآن أيضاً. جاثية على ركبتيها على أرض الحمام. شعر ماما المبلل على وجهها وإنها لمفاجأة أن رأيت أن ماما أيضاً فتاة-فتاة مثلي لكن أكبر سناً، وجلدها حار مثل الشمس الحارقة. وعانقتني وبدأت تبكي، سيباركك الله، لقد حميت أخيك الرضيع من غضب الله.

وهكذا بعدئذٍ، سأتهيب النوم طوال حياتي. إنها لغواية رهيبة أن تغلق عينيك، وتنام. لكن صرخات بيبي تود ستوقظني، ستوقظني صرخات بيبي تود في الظلمة طويلاً بعد أن يمضي بيبي تود في حياته. وبعد أن ترحل ماما وسوف أكون امرأة مسنة.

 

[1] وتعني الطفل-العلجوم، ولكني آثرت عدم ترجمتها لأنها مستخدمة في النص كما لو أنها اسم.

[2] Silverfish: السمك الفضي أو لاحسات السكر هي حشرة صغيرة من رتبة ذوات الذنب الشعري. تعيش سنين عدة في الأماكن الرطبة الباردة وتكثر في المكتبات القديمة حيث تتغذى على ورق الكتب.

Chimamanda-Ngozi-Adichie

أولِكوي- تشيمامندا نجوزي آديتشي.

 

يا لنعومة ذلك المطر الذي انهمر صباح يوم الاثنين عندما نزل ماء جنيني.
هذه الدمدمة الهادئة هدأتني، لأني كنت معتادة على المطر الغزير العاصف في لاغوس، وملأتني بالسكينة. كان زوجي أوموريجي في العمل ولهذا رافقني جارنا إلى المستشفى، فستاني مبلل قليلاً، قلبي مفعم بالترقب. طفلي الأول. كانت الممرضة المناوبة الأخت تشيوما، امرأة عابسة الوجه تستطيب إطلاق النكات اللاذعة. كان ردُّها أثناء فحصي الأخير، عندما اشتكيت من ألم في الظهر ناجم عن الحمل: “هل فكرت بألآم الظهر عندما كنت تستمتعين به؟” فحصت عنق الرحم وأخبرتني بأن الوقت لا يزال مبكراً. شجعتني على أن أذرع الجناح جيئة وذهاباً.

قالت: “لابد أن تكوني سعيدة لأن ابنك البكر سيكون صبياً”.

تململت: “ما دام الطفل سيلد سليماً”.

قالت: “أعرف بأنه يفترض عليك انتظار ولادته كي تقرري الاسم الذي ستطلقينه عليه لكني واثقة من أنك فكرت في شيء”.

” سأسميه أولِكوي”.

“أوه”. توقفت. “لم أكن أعرف بأن زوجك ينتمي إلى قبيلة اليوروبا”.

“هو ليس كذلك. نحن كلانا من بيني”.

“لكن أوليكويي اسم تطلقه قبيلة اليوروبا”.

“نعم صحيح”.

سألت: “لماذا؟”

كانت تقلصاتي بطيئة. طلبت من الأخت تشيوما أن تجلس وسأخبرها بالقصة.

*

 

كان أول مولود رزق به أبي بنتاً. قال بأنها كانت طفلة تصرخ بصوت مرتفع وتمسك إصبعه بقوة مفاجئة، وعرف أن هذا يعني بأنها ستكون شديدة. لكنها توفيت بعد مرور أربعة أشهر على ولادتها. توفي الطفل الثاني، وكان صبياً، قبل أن يبلغ الأربعة أشهر. قال بعض الناس من عائلة والدي بأن أمي ساحرة، تأكل أطفالها، تقايض قلوبهم البريئة بحياتها الطويلة. لكن في ذلك الحين، كان أطفال آخرين في قريتنا Edo إيدو، يموتون أيضاً. مصابين بأعراض مرضية، غائط سائل وسقم في العيون. قال بعض الناس إن الإسهال عقوبة من الله. صلى المسيحيون في الكنيسة، والمسلمون في المسجد، وقدم كبار السن الأضاحي. غير أن الرضع ماتوا وكانت أجسادهم التي لا تزال صغيرة تلف بقماش وتدفن، وبدا أن ولادتهم لم تكن أكثر من حماقة على الإطلاق. كان العام 1985.ووالدي يعمل سائقاً في وزارة الصحة. كان يعمل في المرآب العام، وظيفة متواضعة. أقلّ ذات يوم زائراً ذو مقام رفيع من المطار، وأوصله إلى فندقه، ثم لقي في المقعد الخلفي للسيارة مغلفاً سميكاً يحتوي على نقود، كان قد انزلق من حقيبة الرجل، أعاده في الحال. سرّ الرجل للغاية-وتفاجأ-حتى أنه أخبر وزير الصحة الجديد عن الأمر. طلب الوزير الجديد والدي بعد يومين. قال الوزير: “أريد منك أن تكون سائقي الخاص، أنا أثمِّن الاستقامة”.

*

كان الوزير يدعى د. أولِكوي رانسوم كوتي. كانت عيناه واسعتين ناعستين وبدا أنه آت من زمن آخر في الماضي عندما كانت النزاهة عتيقة الطراز يسيرة. فاجأت بساطته والدي. لم يكن مهتماً بالعربدة المعروفة لدى ذوي النفوذ، ما من سهر وشرب ومواعيد، ولم يكن هناك أسرار يؤتمن والدي عليها. كان يتناول الفطور مع عائلته كل صباح، ويتنزه مع زوجته في المساء، ويلعب التنس مع أطفاله في عطلات نهاية الأسبوع. أصغى بانتباه، بتلك العيون المركزة نصف المغلقة حتى أن والدي شعر بداية بالضيق عندما كانتا تصوبان نحوه.

سأل الوزير والدي عن عائلته، وأخبره والدي بأن الجميع بخير. سأله الوزير عن عدد أطفاله، وقال والدي بأن لم يرزق بعد بأي منهم، وأن زوجته حبلى وينتظر أن تلد خلال بضعة أسابيع. (كانت أمي حاملاً بي).  ثم سأل الوزير سؤالاً أجفل أبي:” كم ولد من أولادك توفي؟”

تلعثم والدي وقال: ” اثنان سيدي، لكننا نصلي بألا يتكرر هذا ثانية”.

قال الوزير لوالدي بأنه لا ضر من الصلاة، لكن هناك شيء آخر كان عليه أن يفعله.

” يموت أطفالنا متأثرين بمرض بسيط وهذا يجب أن يتوقف. أريد منك أن تصحبني إلى قريتك. لقد أطلقت برنامجاً في لاغوس لكني أريد أن أطلق برامج أخرى في أنحاء مختلفة من البلاد. سنذهب إلى قريتك الأسبوع القادم”.

استغرق أبي، وقد انعقد لسانه، زمناً ليتمكن من الكلام ويقول: “نعم سيدي”.

 

*
تجول الوزير في قرية والدي مع مساعديه، التقى بالناس وطرح عليهم الأسئلة وأصغى إليهم. علم النساء كيف يمزجن السكر والملح بماء نقي ليعطوه إلى أولادهم المصابين بالإسهال وطلب منهن غسل أيديهن بالصابون، وأخبرهن عن مركز الرعاية الصحية الأولية الشامل الذي سيتم افتتاحه خلال شهر. وعن وجوب أن يتلقى كل طفل اللقاحات عندئذٍ. وعرض عليهن صوراً فوتوغرافية لمواليد بعيون صافية في لاغوس وقال لهن بأن اللقاحات تشبه هدايا صغيرة ثمينة للرضع. هتفوا وصفقوا. كان والدي في نظر القرويين نجماً. لم يسبق أن جاء إليهم وزير من قبل أبداً. من كان يعرف بوجود قريتنا الصغيرة؟ لكن والدي استمر في قوله لهم بأنه لم يفعل شيئاً، وأن الوزير هو الذي أصر على القدوم. قال والدي بعد سنوات عندما روى لي القصة، ولا أزال أرى عينيه المفعمتين بأشياء لا يسعني تسميتها:

“عامل الوزير الجميع كبشر، كبشر”.

 

*

 

لم يستغرق الأمر سوى لحظات.  يتم تنقيط قطرة من سائل في فم الرضيع الصغير الفاغر. وتحقن حقنة صغيرة في ذراع الرضيع الدافئة.  هذا ما لزم لإنقاذ حيوات الرضع الذين ولدوا تلك السنة في قريتي، والقرى المحيطة بنا وتلك البعيدة عنا، في كالابار وإينوجو وكادونا. هذا ما لزم لإنقاذ حياتي. ولدت عام 1986. كثيراً ما حاولت تخيل نفسي وأنا أتلقى اللقاح، في ذراعي أمي، في العيادة الجديدة التي بناها الوزير. عجت الممرات بالنساء. كان العلاج مجانياً. كانت ممرضة وحدة تنظيم الأسرة، في الطرف الآخر، تتحدث إلى ملء غرفة من النساء، أحياناً تطلق النكات التي تستثير ضحكاتهن. انضمت أمي إليهن.  قالت لي بعد سنة بأن تلك الحقنة الصغيرة في ذراعي حالت دون موتي، لكن السبب الذي جعلني قادرة على ارتياد المدرسة هي وحدة تنظيم الأسرة. ولدت أختي بعد سنتين، وأخي بعدها بسنتين، وتذكرت أمي كلمات ممرضة تنظيم الأسرة التي قالت لها: “انجبي عدداً من الأطفال الذي يسمح لهم بتلقي تعليم جيد وإلا سوف لن تكوني قادرة على تعليم ولو واحداً منهم بشكل جيد”.

 

*

 

تعرف أبي جيداً على نيجيريا بسبب الوزير. ذهب الوزير إلى قرى داخلية أخرى وبلدات، وقاده والدي عبر طرقات الشمال المنبسطة وطرقات الجنوب المتعرجة.  تبع الوزير إلى المستوصفات، راقبه وهو يتحدث، يشير بيديه، يشرح، يقص الأشرطة عند افتتاح المراكز الصحية. تبع الناس الوزير في كل مكان ذهبا إليه. البعض أرادوا فقط أن يمسوه، أن يصافحوه. جلب الآخرون الهدايا.

قال الوزير لأبي عندما رأى بطاطا اليام ونبتة لسان الحمل والدجاج: ” لا، لا، أعدها إليهم. قل لهم بأن عليهم أن يحتفظوا بها من أجلي”.

*

التقيت بالوزير للمرة الأولى عندما كنت في السادسة من عمري.  كنت في الصف الأول الابتدائي، وأخبره والدي بأني حصلت على المرتبة الأولى في صفي وطلب إليه الوزير أن يأتي بي إلى منزله. توقعت أن أنتظر في المطبخ، وشعرت بالارتباك عندما طلب مني الدخول إلى غرفة الجلوس، إلى النعومة المغرقة للسجادة ورائحة الأشياء النظيفة والجديدة. ظهر مع زوجته، كلاهما مبتسمان. أعطياني كتاباً. كتاب مصور للأطفال عن الجسد.

قلت ممسكة بالكتاب بشدة كما لم أمسك أي شيء في حياتي: “شكراً لك سيدي، شكراً لك سيدتي”.

 

*
كانت الأخت تشيوما تعصر يدي. قالت: ” إذاً عرفتيه شخصياً، تخرجت من مدرسة التمريض في السنة التي عين فيها وزيراً”.

كانت نبرتها مختلفة، أقل بروداً، وأكثر عاطفية. وحينها لاحظت أن هناك دموع في عيني الأخت تشيوما العابسة الأخت القاسية تشيوما.

قالت بهدوء: “بسبب أولِكوي كوتي نجا كثير من الناس في نيجيريا من الموت”، وعرفت بأن لديها قصة عن الوزير. ربما ستروي لي القصة لاحقاً، أو ربما لن تفعل، لكن سرني أننا امتلكنا قصة مشتركة.

قالت وهي تقف وتجفف سريعاً عينيها: “كان أفضل وزير للصحة حظيت به هذه البلاد”. كانت تقلصاتي الآن أكثر حدة وقصراً. قالت الأخت تشيوما بأنه حان وقت الدفع ونهضت لتتصل بالطبيب.

واصل المطر الانهمار برفق في الخارج إلى أن ولد أولِكوي.

 

تشيمامندا نجوزي آديتشي- روائية وكاتبة قصص قصيرة نيجيرية مواليد عام 1977

 

 

nichita-stanescu800.jpg

نيكيتا ستانيسكو – شاعر روماني (1933-1983)

أغنية حب حزينة

في الحقيقة، وحدها حياتي سوف تموت من أجلي،

يوماً ما.

وحده العشب يعرف طعم الأرض.

في الحقيقة، وحده دمي سيفتقد

قلبي عندما يغادر.

الهواء طويل، أنت طويلة،

حزني طويل.

سيأتي وقت تموت فيه الخيول.

سيأتي وقت تبلى فيه الآلات.

سيأتي وقت ينهمر فيه مطر بارد،

وتحمل جميع النساء ملامحك

ويرتدين ثيابك.

يأتي أيضاً طائر أبيض هائل

ويضع القمر في السماء.

 

أغنية شتائية

 أنت في الشتاء آية من الجمال!

استلقى الحقل على ظهره، مجاوراً الأفق،

والأشجار كفت عن الهرب من ريح الشتاء…

أنفي يرتعش

وما من رائحة شذية

وما من نسمة

فقط فوح الشمس، البعيد

الثلجي.

يا لشفافية يديك في الشتاء!

ولا يعبر أحد –

ليس سوى الشموس البيضاء تتعاقب في تعبد صامت.

ويشيع الفكر دوائر

تطوّق الأشجار

مثنى

ورباع.

قصة عاطفية

 كم تلاقينا في ذلك الحين.

كنت أقف على أحد جانبي الساعة،

وأنت على الجانب الآخر،

مثل أذني جرَّة.

وحدها الكلمات رفرفت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً.

تكادين ترين تحليقها،

وفجأة،

سوف أجثو على ركبة،

وأمس بمرفقي الأرض

وأنظر إلى العشب، محنياً

من سقوط كلمة ما،

كما لو بمخلب أسد هارب.

الكلمات دوَّمت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً،

وكلما أحببتك أكثر، كلما

استمرت، هذا التدويم الذي يكاد يكون مرئياً،

بنيان الأمر، بداية الأشياء.

 

 

 

moja bieda my sorrows S.jpg

في صيف العام 1836- و.ج.سيبالد.

قال الدليل إنَّ

فريدريك شوبان

مكث هنا في نزل

البجعة البيضاء. استغرقت

رحلته بالحافلة

تسعة أيام من باريس

ليصل إلى محبوبته

ماري فودزينسكا.

أحيا عدة حفلات موسيقية

على البيانو في حضور حلقة

صغيرة اجتمعت في

الأمسيات. ازدادت

ذرا الجبال

البوهيمية الزرقاء

دكنة عبر

النافذة. أثقل

الطقس البارد الرطب

على صدره وتمتم

الطبيب بشيء عن

بوادر السل. في

بداية نوفمبر

فسخت خطوبتهما

كان موقف والدها في درسدن

حازماً.

بعد ثلاثة عشر عاماً

وجدت رزمة رسائل

باهتة في

مسكن العازف

الراحل. مربوطة

بشريطة كتب عليها:
Moja Bieda-أسايَ.

 

 

 

 

t

“لقد وقعت في حب جمالك، لكني من توي بدأت أحب فيك ما هو أبدي وأزلي-دفئك، روحك.  في وسع المرء أن يعرف الجمال ويقع في حبه خلال وقت قصير ليكف عن هذا الحب بمثل هذه السرعة، لكن على المرء أن يكتشف الروح ليعرفها. صدقيني، لا يمنح شيء على وجه هذه البسيطة دون جهد، حتى الحب، أكثر المشاعر جمالاً وبساطة”.

رسالة من ليو تولستوي إلى فاليريا آرسينيف-1856

 

z

“يا ملاكي الحبيب-أكاد أجنُّ بك، حتى أقصى درجات الجنون: أنت تحولين بيني وبين استجماعي لأفكاري. لم يعد في وسعي التفكير في أمر سواك. يحملني خيالي إليك رغماً عني. أعانقك، أقبلك، أداعبك، ألف من أكثر المداعبات شهوانية تستولي علي. أما عن قلبي، هناك ستكونين على الدوام-كثيراً جداً.  يمنحني وجودك فيه إحساساً لذيذاً. لكن يا إلهي، ما الذي سيحل بي، إذا ما أفقدتني رشدي؟ روَّعني هذا الهاجس في الصباح”.

من بلزاك إلى إيفلين هانسكا-1836.

v

” انظري فيتا-تخلي عن رجلك، وسوف نذهب إلى قصر هامبتون كورت ونتناول الطعام عند النهر معاً ونتمشى في الحديقة في ضوء القمر ونعود إلى البيت في وقت متأخر ونحتسي زجاجة من النبيذ ونثمل، وسأخبرك بكل ما أفكر به، أفكار لا تعد ولا تحصى-لا يمكن إثارتها في ضوء النهار، بل في الظلمة عند النهر. فكري في ذلك. تخلي عن رجلك، كما قلت، وتعالي”.

من فرجينيا وولف إلى الشاعرة الإنجليزية فيتا ساكفيل-ويست. 1927.

;

” اكتبي لي مرة واحدة في الأسبوع فقط، لتصل رسالتك يوم الأحد-لأني لا أستطيع احتمال رسائلك اليومية، أنا عاجز عن تحملها. على سبيل المثال، أجيب على واحدة من رسائلك، ثم أتمدد في السرير هادئاً ظاهرياً، لكن قلبي يخفق عبر جسدي كله ولا يعي إلاك. أنا أنتمي إليك، ليس هناك طريقة أخرى للتعبير حقاً، وهي ليست قوية بما فيه الكفاية. لكن لهذا السبب بالذات لا أريد أن أعرف ماذا ترتدين، معرفتي تشوشني للغاية فلا أستطيع متابعة حياتي، ولهذا السبب لا أريد أن أعرف بأنك مولعة بي. كيف يمكنني أنا الأحمق، إذا ما عرفت، أن أواصل الجلوس في مكتبي، أو هنا في البيت، بدلاً من القفز لأستقل قطاراً مغلقاً عيني ولا أفتحهما إلا عندما أكون معك؟”

من كافكا إلى فيليس باور-1912.

المصدر:

http://historybuff.com/8-beautiful-love-letters-from-authors-in-tortured-relationships-ZrYRD6j6Dmp9

 

41nWe7zu9lL._SY344_BO1,204,203,200_.jpg

بيناهن نائمات

خابيير مارياس

 

كنتُ أراهما بشكلٍ يوميّ على مدى ثلاثة أسابيع، ولا أعرف ما حلَّ بهما. ربما لن أراهما مجدّدًا قطّ ـــ أو لن أراها هي على الأقلّ. يميل المرءُ إلى الظنّ أنّ محادثات الصيف، وأسرارَه أيضًا، لن تؤدّي إلى أيّ مكان. لا يملك أحدٌ أن يعترض على ذلك، ولا أنا نفسي؛ ومع ذلك أتساءل عنهما أو ربّما أفتقدُهما قليلًا. فقط قليلًا جدًّا، كما يفتقد المرءُ كلَّ ما يختفي.

كنتُ أراهما على الشاطئ بشكلٍ دائمٍ تقريبًا، حيث يتعذّر أن تنظر إلى أيّ شخصٍ نظرةً فاحصةً، لاسيّما في حالتي، لكوني مصابًا بحسر البصر، وأفضّل رؤيةَ الأشياء من خلال غشاوةٍ على أن أعود إلى مدريد بما يشبه قناعًا أبيضَ على وجهي المسمرّ في باقي نواحيه. ولم أضَعْ يومًا عدستيّ اللاصقتيْن عند ذهابي إلى الشاطئ أو البحر، حيث يمكن أن تضيعا إلى الأبد. إلا أنّني، منذ اللحظة الأولى، انتابني إغراءُ التنقيب في الحقيبة التي تحتفظ فيها زوجتي لويزا بعلبة نظاراتيّ ـــ حسنًا، في الحقيقة كانت هي مَن أغراني بذلك، لأنّها ـــ إذا استطعتُ أن أصف الأمرَ على هذا النحو ــــ كانت تنقل إليَّ باستمرارٍ ما يقوم به أكثرُ السابحين المحيطين بنا غرابةً من ضروب النشاط الأكثر غرابة.

“نعم، أستطيع رؤيته، لكنْ على نحو غامض فقط. لا أستطيع تمييزَ قسماته الفعليّة،” أقول بصوت خفيض على غير حاجة، نظرًا إلى ارتفاع الضجيج على الشاطئ، حين تشير إلى شخصٍ وجدتْه مسلّيًا بصورةٍ خاصّة. وقد أؤذي عينيّ بشدّةٍ حين أمتنعُ عن إخراج نظارتيّ لمجرّد أنّني لا أريد إعادتَهما إلى مخبئهما حال إشباع فضولي. وذاتَ يوم مرّرتْ لي لويزا  ــــ التي تعرف أغربَ الأشياء وأقلَّها أهميّةً وتفاجئني دومًا بنُبَذٍ من معارفَ مفيدة ــــــ قبّعتَها المصنوعةَ من القشّ، وهي أقربُ إلى يدي من النظّارتيْن المخفيّتيْن لأنها كانت على رأسها ــــــ ونصحتني بأن أنظر من خلال خيوطها. فاكتشفتُ أنني أستطيع، بالتحديق من خلال هذا “المنخل،” أن أرى كما لو كنتُ أضع عدستيّ اللاصقتين تقريبًا، بل بشكلٍ أوضحَ في الواقع، بالرغم من أنّ مجال رؤيتي قد صغر إلى حدٍّ كبير. منذ ذلك الحين، لا بدّ من أنّني أصبحتُ، أنا نفسي، أحدَ أكثر روّاد الشاطئ تميّزًا أو غرابةَ أطوارٍ، علمًا أنّني غالبًا ما كنتُ أعتمر قبّعةً نسائيّةً مصنوعةً من القشّ، مزيّنةً بشرائط، مثبتةً إلى وجهي بيمنايَ، فيما أنا أمسح بناظريَّ طولَ الشاطئ وعرضَه قرب [خليج] فورنيلس، حيث كنّا نقيم. اشترت لويزا  ــــــ من دون أن تنبس بكلمةٍ تنمّ عن تذمّر أو إشارةٍ إلى ضيق ــــــ قبّعةً أخرى لم تحبّها كثيرًا، لأنّ القبّعة الأولى التي كانت تنوي استعمالَها لتحمي وجهَها ــــــ وجهَها الحسنَ الملامح، السمحَ، الخالي حتى الآن من التجاعيد ــــــ أصبحتْ لي، ليس من أجل رأسي، بل من أجل عينيّ: إنّها القبّعةُ التي رأيتُ من خلالها.

ذات يوم، كنّا نستمتع بمتابعة مغامرات بحّارٍ إيطاليٍّ صغير، متمرّدٍ، عمرُه سنة فقط، لا يرتدي إلّا قبّعةَ بحار. وكان يتجوّل فيما نحن نتبادل الأخبارَ، هنا وهناك، مدمِّرًا ليس فقط التحصيناتِ الرمليّةَ التي بناها إخوتُه وأقرباؤه الأكبرُ سنًّا ومن دون شك بعضٌ من أصقاء أسلافِه منذ زمن طويل. وكان يفعل ذلك بالثقة التي شرب فيها الماءَ المالحَ (بدا أنه ابتلع جالوناتٍ منه)، من دون أيّة مبالاةٍ من طرف العائلات التي كانت ترافقه. كان يضيع قبّعته البحريّة مرارًا وتكرارًا ليبقى بعدئذ في عريٍ تامّ، مستلقيًا على الشاطئ مثلَ كيوبيد مطرود. وفي يومٍ آخر، تتبّعنا الانتقاداتِ الاستبداديّة والذهاباتِ والإياباتِ المتثاقلةَ لكهلٍ إنجليزيّ  ــــــ وكانت الجزيرةُ تموج بالبريطانيين ــــــ واصل إبداءَ التعليقات المتتالية عن الحرارة، والرمل، والرياح، والأمواج، بكلامٍ واثقٍ وطنّانٍ كما لو أنّه ينطق بسلسلةٍ من الحِكَم أو الأمثال العميقةِ المدروسة مليًّا. كانت لديه فضيلةُ الاعتقاد ــــــ من النوع الذي أمسى نادرًا على نحوٍ متزايد ــــــ أنّ كلّ شيءٍ مهمٌّ، أو بالأحرى أنّ كلَّ ما ينبع من المرء يمتلك فضيلةَ أن يَعرف فرادته. كانت طبيعتُه الخاملة بيّنةً في طريقته في الجلوس ــــــ ساقاه مبسوطتان دومًا على نحوٍ غير أنيق ــــــ وفي حقيقةِ أنّه لم يخلعْ قطُّ التيشيرتَ الأخضرَ الذي حمى به صدرَه العريضَ من الشمس، ولو لم ينزل إلى الماء. وغنيّ عن القول إنّه لم يسبحْ قطّ، وعندما خاض في البحر لم يبتعدْ كثيرًا أبدًا، وقد فعل ذلك فقط كي يلْحق بأحد أولاده كي يلتقط له أو لها صورةً فوتوغرافيّةً مقرّبة أو من زاوية تصويرٍ جيّدة. وقد يعود إلى الشاطئ وبطنُه الأخضرُ، لا صدرُه على سبيل المثال، قد بلّلته الأمواجُ، متمتمًا بمزيدٍ من التصاريح التي لا تُنسى، وقد بدّدتها الريحُ في الحال، ويضغط آلةَ التصوير على أذنه، كأنّها مذياع، قلقًا على ما يبدو من أن تكون قد تبلّلتْ؛ وهذه على ما أتصوّر طريقةٌ بدائيّةٌ للتحقّق من أنّها لم تصب بأذًى. أو أنها كانت آلة تصوير ومذياعًا في آن، كما اعتقدنا.

ثم رأيناهما ذاتَ يوم. أقصد أنّهما لفتا انتباهَنا ــــــ حسنًا، انتباهَ لويزا أولًا، وأنا من بعدها من خلال قبّعتي الناظرة. منذ ذلك الحين أصبحا الأثيريْن لدينا، وفي كلّ صباح، ومن دون إدراك، صرنا نبحث عنهما قبل اختيار مكان جلوسنا، ومن ثم نتّخذ مكانًا قريبًا إليهما. مرّةً سبقناهما في الوصول إلى الشاطئ، لكنْ سرعان ما رأيناهما يَصْخبان على درّاجة هارلي دايفيدسون هائلةِ الحجم: هو وراء المقود يرتدي خوذةً سوداء (أربطتُها مرخيّة)، وهي متشبّثة به، يتطاير شعرُها الطويلُ خلفها. أظنّ أنّ ما دفعنا إلى ابتغاء رفقتهما هو أنّهما قدّما لنا فرجةً نادرةً، من النوع الذي يصعب عليك دومًا أن تشيح ببصركَ عنه: مشهدًا لكائنٍ بشريّ مولعٍ بآخر. وتبعًا للقاعدة القديمة والصحيحة حتى الآن، كان الرجل هو القائمَ بفعل الولع، وكانت المرأة هي المعبودة اللامبالية كما ينبغي (أو ربما كانت سئمةً فقط وتتمنّى لو أنّ لديها ما تشتكي منه). كانت جميلة، متكاسلة، مستسلمة، وبطبعها خاملة. وطوال الساعات الثلاث التي أمضيناها على الشاطئ يوميًّا (هما مكثا فترةً أطول، وربما يقضيان قيلولتهما هناك، ومَن يعلم، فقد يبقيان حتى الغروب)، لم تكد تتحرّك، ولم تكن مهتمّةً، بالطبع، سوى بتجميل نفسها وبنظافتها. أغفت أو كانت، مهما يكن من أمر، مستلقيةً وهي مغمضةُ العينين، على بطنها، أو ظهرها، أو جنبها، أو على الجنب الآخر، مكسوّةً بالواقي الشمسيّ، ذراعاها النيّران وساقاها ممدودةٌ دومًا بحيث لا يبقى أيُّ جزءٍ من جسمها إلّا مسفوعًا؛ ما من ثنيةٍ في جلدها، ولا حتى إبطيْها أو حقوها (أو من نافل القول، ردفيْها)، لأنّ القطعة السفليّة من لباسها البحريّ كانت بالغةَ الصغر وكشفتْ عن خلوّها من الشعر تمامًا، ما يدفع المرءَ إلى التفكير (حسنًا، دفعني أنا إلى التفكير) أنّها لا بدّ من أن تكون قد استَعملت الشمعَ البرازيليّ قبل قدومها. قد تعتدل في جلستها بين الحين والآخر، ومن ثم تقضي وقتًا طويلًا وركبتاها مرفوعتان، في ما هي تطلي أظافرَها، أو تتفحّص وجهَها أو كتفيْها بمرآةٍ صغيرةٍ في يدها، باحثةً عن الشوائب أو الشعر غيرِ المرغوب. كان مستغربًا أن تراها ممسكةً بالمرآة لتوجِّهها أمام الأجزاء الأقلّ توقعًا من جسدها (لا بدّ من أنها كانت مرآةً مكبّرة)، لا نحو كتفيْها فقط، أقصد، بل نحو مرفقيْها، وبطّتيْ ساقيْها، ووركيْها، ونهديْها، وباطنِ فخذيْها، بل سرّتها أيضًا. أنا واثقٌ بأنّ الزغب لم يتجمّعْ يومًا في سرّتها، وربما ما أرادته سيّدتُها هو أن تخفيه تمامًا. عدا عن لباسها البحريّ (البكيني) البالغِ الصغر، كانت تلبس أساورَ، وعدّة خواتم لا تقلّ عن ثمانية، موزّعةٍ على أصابعها. لم أرها تجازف في خوض الماء إلّا نادرًا. قد يسهل القولُ إنّ جمالها كان تقليديًّا، لكنه سيكون وصفًا هزيلًا، أو فضفاضًا أو غامضًا أكثرَ ممّا ينبغي. الأحرى أنّ جمالها كان غير حقيقيّ، وهذا يعني أنّه كان مثاليًّا. إنّه ما يظنّ الأطفالُ أنّه الجمال، وهو دومًا تقريبًا (ما لم يكن الأطفالُ قد انحرفوا) جمالٌ نقيٌّ غيرُ مشوب، مستريحٌ، سهلٌ، بلا حراك، ببشرةٍ ناصعةِ البياض، ونهدين كبيرين، وعينين مستديرتين، أو على الأقلّ ليستا لوزيّتين، وشفتين متماثلتين، وهذا يعني أنّ الشفة العلويّة والسفليّة متطابقتان، كما لو أنّ كلتيْهما شفةٌ سفلى: إنّه الجمال الذي تراه في الرسوم المتحرّكة، أو إذا شئتَ، في الإعلانات… وليس في أيّ إعلان، بل في الإعلانات التي تراها في الصيدليّات، خاليةً بشكلٍ متعمّد من أيّ تلميحٍ إلى الشهوانيّة التي قد تزعج نساءً أخرياتٍ أو تزعج الكبارَ في السن، وهم الأكثرُ تردّدًا على الصيدليّات. ولكنّه لم يكن كذلك جمالًا بتوليًّا. وبالرغم من أنّني لن أقول إنّه كان جمالًا شاحبًا كالحليب ــــــ أو ربما “قشديّ” هي الكلمة المناسبة إذ كان من النوع الذي يستغرق وقتًا كي يتحوّل إلى بنّيّ (كان جلدُها لامعًا، لكنْ ليس ذهبيًّا)  ــــــ مثل جمال لويزا، فقد كان جمالًا سلسًا، حسيًّا، لكنْ ليس من النوع الذي يصْرخ لك بأن تلمسه (إلّا عندما يُكسى بالملابس ربّما)، كما لو أنّه قد يذوب لدى أدنى اتصال، كما لو أنّ مجرد ملامسةٍ أو قبلةٍ رقيقةٍ يمكن أن تتحوّل إلى عنفٍ أو اغتصاب.

لا ريب في أنّ مُرافقها شعر الشعورَ نفسَه، على الأقلّ خلال ساعات النهار. كان في وسعك أن تدعوه سمينًا أو حتى ضخمًا أو بدينًا، ولا بدّ من أنّه كان يكبرها بأكثر من ثلاثين سنةً. ولقد خالَ، مثلَ الكثير من الرجال الصلعان، أنّ في وسعه تعويضَ ما ينقصه من شَعرٍ بتسريح القليل ممّا لديه إلى الأمام، على الطريقة الرومانيّة (التي لم تنجح يومًا)، وبتنمية شاربٍ كثّ. واعتقدَ أيضًا أنّه يستطيع إخفاءَ عمره، في هذا المكان بالتحديد، بارتداء لباسِ بحرٍ ذي لونين، أي الساق اليمنى خضراءُ زيزفونيّة اللون، واليسرى أرجوانيّة، على الأقلّ تلك كانت ملابسَه المختارة في ذلك اليوم الأول، لأنّه، مثلها، نادرًا ما ارتدى لباسَ البحر نفسَه مرتين. بدا اللونان (طرازُ السروال لم يتنوّع أبدًا، فقط الألوان) متعارضيْن بثبات، بالرغم من أنّهما كانا دومًا توليفيْن مبتكريْن جدًّا: أزرقَ رماديًّا ومشمشيًّا، خوخيًّا وبلون زهرة الخبيزة، لازورديًّا وأخضرَ نيليًّا. كانت السراويل ضيقةً بقدْرِ ما يسمح به جسدُه المنتفخ ــــــ لم يكن صائبًا، في الحقيقة، القولُ إنّ للسراويل ساقين ــــــ وهذا عنى أنّ تحرّكاته كانت مقيّدةً على نحوٍ طفيفٍ بالخوف من تمزّقِ لباس البحر في أيّ وقت. ذلك لأنّه كان في حركةٍ دائمةٍ رشيقة، ممسكًا بآلة التصوير. وفي حين بقيتْ رفيقتُه ثابتةً تمامًا أو متبطّلةً لساعاتٍ بلا توقف، فإنّه لم ينقطع عن الطواف حولها، وهو يصوّرها بلا كلل: قد يقف على أطراف أصابع قدميْه، ينثني، يستلقي على الأرض، على ظهره أو بطنه، يلتقط لقطاتٍ محوريّة، متوسّطةَ المدى، صورًا مقرّبةً، متعاقبةً، وبانوراميّة، من الأعلى ومن الأسفل، للوجه، ومن الجانب، ومن الخلف (من كلا الجانبيْن)؛ صوّر وجهَها الهامد، كتفيْها المدوّريْن بنعومة، نهديْها الضخميْن، وركيْها العريضيْن نوعًا ما، فخذيْها المشدوديْن، قدميْها الأبعد من أن تكونا ضئيلتيْن، وأظافرهما المطليّة بعناية، باطنَ قدميْها، بطّتيْ ساقيْها، حقويْها وإبطيْها الحليقة. صوّر قطراتِ العرق التي أثارتها الشمسُ، ربما صوّر مسامَها أيضًا ــــــ بالرغم من أنّ جلدها الناعمَ المتّسق ذاك بدا عديمَ المسام، من دون تغضّناتٍ أو كدمات، ولم تكدّر ردفيْها أيّةُ علامةِ مطّ. صوّرها الرجلُ السمينُ كلّ يوم على مدى ساعات، مع بعض الاستراحات، المشهدَ نفسَه دومًا: سكونَ الجمال المصطنع الذي يصحبه، وضجرَه. لم يكن مهتمًّا بالرمل أو بالماء، الذي يتغيّر لونُه مع تقدّم ساعات النهار، أو بالأشجار أو بالصخور البعيدة، أو بطائرةٍ ورقيّةٍ تحلّق، أو بمركبٍ يبتعد، أو بالنساء الأخريات، أو بالبحّار الصغير الإيطالي، أو بالإنجليزيّ المستبدّ، أو بلويزا. لم يطلب من الشابّة أن تفعل شيئًا ــــــ أن تلعب الألعاب، أن تبذل جهدًا أو أن تتّخذ وضعيّةً خاصّةً. بدا قانعًا بتسجيلٍ بصريّ، يومًا بعد يوم، لتلك الشخصيّة العارية المنحوتة، ولذلك اللحمِ الطيّع المتواني، ولذلك الوجهِ غير المعبِّر، ولتلك العيون المغلقة أو ربما المتأنِّفة، لركبةٍ تنثني، أو لنهدٍ يميل، أو لسبّابةٍ تمسح ببطءٍ بقعةً من على خدّ. كان جليًّا أنّ ذلك المنظرَ الرتيب يشكّل مصدرًا خالدًا للدهشة والجِدّة بالنسبة إليه. وحيث لم تكن لويزا أو أنا أو أيُّ شخصٍ آخر لنرى سوى تكرارٍ ومللٍ، كان لا بدّ من أنّه في كلّ لحظةٍ يرى مشهدًا لافتًا، متعدّدَ الأشكال، متنوّعًا، ومستحوِذًا، كحالِ لوحةٍ فنيّةٍ حين ينسى المشاهدُ أمرَ لوحاتٍ أخرى تنتظره ويفقد كلَّ إحساسٍ بالزمن، ويفقد أيضًا، من ثمّ، عادةَ النظر، التي استُبدلتْ أو حلّت محلَّها ــــــ أو ربّما استُبعدتْ ــــــ بالمقدرة على الرؤية، وهذا ما لا نفعله أبدًا تقريبًا لأنه على خلافٍ كبيرٍ مع الزمنيّ الصرف. ذلك لأنّ المرء حينئذٍ يرى كلَّ شيء، الأشخاصَ والخلفيّة، الضوءَ، التركيبَ والظلال، الأبعادَ الثلاثة والمستوي، الصباغَ والخطّ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كلّ ضربةِ فرشاة. أي إنّ المرء يرى، في آنٍ معًا، ما هو مرسومٌ والسطح الخشن للكانفاس، وحينها فقط يمكن أن يرسم الصورة ثانيةً بعينيه.

تحدّثا قليلًا، وبين الحين والآخر فقط، بجملٍ قصيرةٍ لا تتحوّل أبدًا إلى محادثةٍ أو حوار، إذ مات أيُّ تلميحٍ إليهما من تلقاء نفسه، يقطعُه الاهتمامُ الذي كانت المرأةُ تمنحه جسدَها، الذي كانت غارقةً فيه تمامًا، والاهتمامُ غيرُ المباشر الذي كان الرجل يمنحه جسدَها أيضًا، من خلال آلة تصويره. في الواقع، لا أذكر أنّه توقف قطّ لينظر إليها مباشرةً، بعينيه، من دون أن يَحُول شيء بين عينيه وبينها. وفي هذا كان مثلي، لأنّني رأيتُهما، بدوري أيضًا، إمّا من خلال غشاوة حسر بصري، أو من خلال قبّعتي المقرِّبة. من بيننا نحن الأربعة، كانت لويزا وحدها التي رأت كلَّ شيء من دون صعوبة أو وساطة لأنني لا أظنّ أنّ المرأة نظرتْ أو رأت أيَّ شخص، وهي نفسُها استعملتْ مرآتها غالبًا كي تتفحّص وتفتّش فقط، وغالبًا ما كانت تضع نظارة شمسيّة عصريّة باهظة الثمن.

“الشمس حارّة اليوم، أليست كذلك؟ يجب أن تضعي كميّةً إضافيّةً من الواقي الشمسيّ، أنت لا ترغبين في الاحتراق،” يقول الرجلُ البدين، في وقفةٍ عابرةٍ عن جولاته الدائريّة حول جسد معبودته. وعندما لا يلقى جوابًا فوريًّا سينطق باسمها، كما تنطق الأمُّ بأسماء أولادها: “إينيس. إينيس.”

“نعم، إنّها بالتأكيد أكثرُ حرارةً من البارحة، لكني وضعتُ بعض الواقي الشمسيّ رقم 10، فلن أحترق،” أجاب الجسدُ، إينيس، على مضضٍ، وبصوتٍ يكاد لا يُسمع، وهي تنتف شعيْرةً من ذقنها بملقطٍ صغير.

وستنتهي المحادثة عند هذا الحدّ.

وذاتَ يوم قالت لويزا (فنحن تبادلنا الأحاديث فعلًا):

“بصراحة، لا أعرف إنْ كنتُ سأستمتع بأن أتصوّر، حالَ المسكينة إينيس. هذا قد يثير قلقي، مع أنّني إخالُ أنّني سأعتادُه في النهاية إنْ كان أحدُهم سيفعل ذلك طوال الوقت كما يفعل الرجلُ البدين. ومن ثمّ ربّما سأعتني بنفسي كما تفعل، بالرغم من أنّها قد تكون يقظةً إلى هذا الحدّ فقط لأنّها عرضةٌ للتصوير باستمرار، أو لأنّها ستشاهد نفسها لاحقًا على شاشة، أو ربّما تفعل ذلك لأجل الذريّة.”

فتّشتْ لويزا في حقيبتها، فأخرجتْ مرآةً صغيرة، وتفرّستْ في عينيها، اللتين كان لونُهما في الشمس بلون الخوخ، وفيهما نقاطٌ قزحيّةُ اللون. “ومن جديد، أيُّ ذريّةٍ سوف تريد أن تضيع وقتَها في مشاهدة هذه الأشرطة المصوّرة المملّة؟ هل تظنّ أنّه يصوّرها بقيّة اليوم أيضًا”؟

“ربّما،” قلت. “ولماذا يحدّ نفسَه بالشاطئ؟ أشكّ في أنّه يحتاج إلى ذريعة كي يراها عارية.”

“لا أظنّ أنه يصوّرها لأنّها عارية، بل طوال الوقت، ربما حتى وهي نائمة. إنه لأمرٌ مؤثّرٌ حقيقةً. فمن الواضح أنّه لا يفكّر إلّا فيها. لكنّني لا أعرف إنْ كان ذلك سيعجبُني. المسكينة إينيس. لا تبدو أنّها تمانع.”

***

تلك الليلة، عندما أوينا إلى سريرنا المزدوج في الفندق، في وقتٍ واحد، كلٌّ على جهته، استلقيتُ وأنا أفكّر في الأشياء التي قلناها ودوّنتُها للتو. عاجزًا عن النوم، أمضيتُ وقتًا طويلًا أراقب لويزا نائمةً في الظلمة، وليس يضيئها سوى نورِ القمر. “مسكينة إينيس،” كانت قد قالت. كانت تنفّسُها خافتًا جدًّا، لكنّه لا يزال مسموعًا في صمتِ الغرفةِ والفندقِ والجزيرة. وكان جسدُها ثابتًا، بصرف النظر عن جفنيْها، اللذين كانت عيناها تتحرّكان تحتهما بلا شكّ، كأنّهما لم تستطيعا أن تأْلفا ألّا تفعلا ليلًا ما كانتا تفعلانه آناءَ النهار. فكّرتُ: ربّما يكون الرجلُ البدين هو الآخر يقظًا، يصوّر جفنَي الجميلة إينيس الساكنيْن تمامًا، أو ربّما يسحب الملاءاتِ عنها، وبحذرٍ شديدٍ يسوّي جسدَها في وضعيّاتٍ مختلفةٍ ليصوّرها في نومها: برفع قميص نومها ربّما، أو بمباعدةِ ساقيْها إذا لم تكن ترتدي قميصَ نومٍ أو بيجاما. ولويزا لم ترتدِ في الصيف قميصَ نومٍ أو بيجاما، بل لفّت الملاءةَ من حولها مثل ثوبٍ رومانيّ (توجة)، تضمّها إليها بيديْها معًا، مع أنّ إحدى كتفيْها أو نقرةَ عنقها قد تنكشف أحيانًا، وحينها ــــــ إذا لحظتُ ذلك ــــــ أغطّيها دائمًا. أحيانًا كان عليّ أن أناضل قليلًا لأتأكّدَ من وجود جزءٍ كافٍ من الملاءة على جانبي من السرير. لكنْ حدث هذا في الصيف فقط.

نهضتُ ومضيتُ نحو الشرفة لقتل الوقت حتى يأتيني النوم. ومن هناك، مستندًا إلى الدرابزين، تطلّعتُ إلى السماء، ومن ثمّ إلى أسفل. حينها خُيّل إليَّ أنّني رأيتُ البدينَ جالسًا بمفرده، بمحاذاة حوض السباحة، في العتمة، والمياهُ لا تعكس إلّا النجوم. لم أتعرّف إليه أوّلَ الأمر، لأنّه كان من دون الشارب الذي اعتدتُ رؤيتَه كلّ يوم، بما في ذلك هذا الصباحَ نفسَه، ولأنّه كان على عيوننا أن تكيّف نفسَها لكي ترى شخصًا، اعتدنا رؤيتَه عاريًا، ولكنّه الآن بكسوته الكاملة. كانت ملابسُه مثلَ ثوب السباحة الثنائيّ اللون، قبحًا وتنافرًا. كان يرتدي قميصًا فضفاضًا، بدا أسودَ اللون من شرفتي (من بعيد) لكنّه ربّما كان مشجّرًا، وبنطالًا واسعًا زاهيَ اللون، بدا لونُه أزرقَ فاتحًا جدًّا، وربما كان ذلك بسبب انعكاس الماء القريب غير المرئيّ، الذي كان يمكن لشدّة قربه أن يبلّله بالرذاذ لو كانت ثمّة أمواج. وكان ينتعل خفًّا أحمرَ، وبدت جواربُه (تخيّل ارتداءَ جوارب على جزيرة!) من لون بنطاله، لكنّ ذلك أيضًا قد يكون بتأثير انعكاس ضوء القمر على المياه. كان يوسّد رأسَه إحدى يديْه، والمرفقُ المقابلُ على ذراع كرسيّ شاطئ، مزيّنٍ برسوم من الزهور (كان هناك نموذجان متاحان من الكراسيّ قرب الحوض: مخطّطٌ ومزهر). لم تكن معه آلةُ التصوير. لم أكن أعرف أنّهما كانا يقيمان معنا في الفندق نفسه، إذ إنّنا لم نرهما سوى على الشاطئ المجاور، شمالَ فورنيلس، في الصباحات. كان بمفرده، هامدًا مثلَ إينيس، مع أنّه بين الحين والآخر كان يبدّل وضعيّةَ الرأس والمرفق المسترخية تلك بوضعيّةٍ أخرى معاكسةٍ فيما يبدو، فيغدو وجهُه مدفونًا بين يديْه، وقدماه ممدودتيْن، كأنّه منهك أو متوتّر أو ربّما يضحك بينه وبين نفسه. عند نقطة معيّنة خلع فردةً من حذاءه، أو أفلتتْ منه من دون قصد، لكنّه لم يبسط قدمَه في الحال لاستعادتها، بل مكث على هذه الحال وقدمُه المجوْربةُ على العشب، ما جعله يبدو بائسًا؛ على الأقلّ هذا ما رأيتُه من مكاني في الطابق الرابع.

كانت لويزا نائمةً، وقد تكون إينيس نائمة أيضًا؛ فهي ربّما تحتاج إلى عشر ساعات على الأقلّ من النوم لكي تحافظ على جمالها الثابت. ارتديتُ ثيابي في الظلمة حريصًا على عدم إصدار أيّ ضوضاء، وتـأكّدتُ من أنّ لويزا ملتحفةٌ جيّدًا في ملاءتها التي تلفّها عليَّها مثل توجة (toga). ومع أنّها غفلتْ عن مغادرتي السرير، فإنّها لا بدّ من أن تكون قد أحسّت بذلك أثناء نومها، لأنّها باتت الآن تستلقي على نحوٍ مائل، غازيةً مساحتي من السرير بساقيْها. نزلتُ بالمصعد من دون أن أتحقّق من الوقت، ومررتُ بالحارس الليليّ الذي كان نائمًا على نحوٍ غير مريح، رأسُه على النضد كأنّه موضوعٌ تحت مقصلة.

كنت قد تركتُ ساعتي في الغرفة، وكان السكونُ يعمّ المكان، بمعزلٍ عن الضجّة الخفيفة التي أحدثتُها بخفّي الأسود (وأنا لم أكن أرتدي جواربَ). فتحتُ البابَ الزجاجيّ الذي يفضي إلى حوض السباحة، وحالما صرتُ على العشب في الخارج أغلقتُه في الحال. رفع الرجلُ البدينُ رأسه. ألقى نظرةً إلى الباب، فلحظني من فوره، على الرغم من أنّه لم يتمكّن من تمييزي، أقصد أنّه لم يتعرّف إليَّ في الضوء الشاحب. لهذا السبب، لأنّه لحظني في الحال، تحدّثتُ إليه، فيما أنا أمشي نحوه، وفيما بدأت انعكاساتُ القمر في المياه تكشفني وتُغيّر ألواني كلّما اقتربتُ.

“لقد حلقتَ شاربك،” قلتُ، وأنا أمرِّر سبّابتي على المكان الذي ينبت فيه الشاربُ عادةً، غيرَ واثقٍ تمامًا بضرورة الإدلاء بتعليقٍ كهذا. بحلول اللحظة التي كان يمكن أن يجيبَني فيها كنتُ قد وصلتُ إلى جانبه وجلستُ على كرسيِّ بحرٍ آخرَ، مخطّطٍ، إلى جواره.  كان قد اعتدل في جلسته، مسندًا يديْه على ذراعَي الكرسيّ، وهو ينظر إليّ مربكًا بعض الشيء، ومن دون أيّ شبهةِ تشكيك، كما لو أنّه لم يفاجأْ مطلقًا برؤيتي، أو برؤية أيّ شخصٍ آخر، هناك. أظنّ أنّها كانت تلك هي المرّةَ الأولى التي أرى فيها وجهَه مباشرةً ــــــ من دون أن تكون آلةُ التصوير على عينيْه أو القبّعةُ على عينيّ ــــــ أو عن قربٍ، ببساطة. وكان بصري قد اعتاد الآن الضوءَ الخافتَ، بعد الفترة الوجيزة التي أمضيتُها في التحديق من الشرفة.  كان ذا وجهٍ أليفٍ، وعينيْن يقظتيْن، ولم تكن قسماتُه قبيحةً؛ حسبُه أنّه بدين. ولقد بدا لي مثلَ أولئك الرجال الصلعان الوسيمين، كالممثّل ميشيل بيكولي، أو ريتشر عازفِ البيانو. بدا أصغر سنًّا من دون شاربه، أو ربّما كان كذلك بسبب الخفّ الأحمر، الذي كانت إحدى فردتيه مقلوبةً على العشب. ولكنْ لا بدّ من أنّه كان في الخمسين من عمره على أقلّ تقدير.

“أوه هذا أنت. لم أتعرّفْ إليك أوّل الأمر وأنت في ملابسك؛ فنحن كنّا نرى بعضنا بعضًا عادةً في ثياب البحر.” قال بالضبط ما سبق أن فكّرتُ فيه عندما كنتُ في غرفتي فوق. فلقد أمضيْنا تقريبًا ثلاثة أسابيع نرى بعضنا بعضًا يوميًّا، ومن المستحيل ألّا تكون عيناه المشغولتان قد تريّثتا، ذاتَ لحظة، بالرغم من كلّ شيء، عليَّ أو على لويزا. “ألا يمكنك النوم؟”

“لا،” قلت. “المكيّف في الغرفة لا يساعد دومًا. الأفضل الخروج إلى هنا. هل تمانع في انضمامي إليك لفترة؟”

“كلّا، بالتأكيد كلّا، أُدعى ألبرتو فيانا،” وصافحَني،” أنا من برشلونة.”

“أنا من مدريد،” قلتُ وأخبرتُه باسمي. ران صمتٌ، وتساءلتُ إنْ كان عليَّ أن أبدي ملاحظةً تافهةً حول الجزيرة أو العُطَل أو ملحوظةً أخرى من النوع التافه نفسِه عن النشاطات التي شهدناها على الشاطئ. كان فضولي بشأن تلك النشاطات هو ما قادني إلى جانبه عند حوض السباحة ــــ حسنًا، فضولي ذاك وأرَقي، على الرغم من أنّه كان بإمكاني مواصلة النضال مع أرقي في الغرفة، أو حتى بإيقاظ لويزا، لكنّني لم أفعل. كنتُ أتحدّث بما يشبه الهمسَ. وكان مستبعدًا أن يسمعَنا أحد، لكنّ رؤيةَ لويزا والحارسِ الليليِّ غارقيْن في النوم منحتني شعورًا بأنّ رفعي لصوتي سوف يقلق نومَهما. وفي الحال أصابت نبراتُ صوتي الهادئةُ فيانا بالعدوى، أو هي أثّرت في طريقته في الكلام.

“لاحظتُ أنّك مولعٌ جدًّا بآلات تصوير الفيديو،” قلتُ بعد تلك الوقفة وذلك التردّد.

“آلات تصوير الفيديو؟” قال متفاجئًا بعضَ الشيء، أو كأنّه كان راغبًا في كسب الوقت. “آه، فهمتُ. لا، ليس تمامًا. أنا لا أهوى جمعَ الأشياء. ليست آلةُ التصوير في حدّ ذاتها هي ما يثير اهتمامي، بالرغم من استخدامي إيّاها كثيرًا، بل صديقتي، التي رأيتَها بالتأكيد. أنا لا أصوّر غيرَها، ولا شيءَ سواها. أنا لا أمارس التجاربَ مع آلات التصوير على الإطلاق، وأتصوّر أنّ ذلك بيّنٌ إلى حدٍّ ما. ربما لحظتَ ذلك.” وضحك ضحكةً قصيرةً، نصفَ لاهٍ، نصفَ محرَج.

“نعم، بالتأكيد، لاحظنا ذلك أنا وزوجتي معًا. أظنّ أنّها تشعر بالحسد قليلًا من الاهتمام الذي تُغْدقه على صديقتك. وهذا غيرُ مألوفٍ كثيرًا. أنا لا أملك ولو آلةَ تصويرٍ عاديّةً. لكنْ، من ناحية أخرى، مضى على زواجنا وقتٌ طويل.”

“لا تملك آلةَ تصوير؟ ألا تودّ أن يكون في وسعك أن تتذكّر أمورًا ما؟” سألني فيانا هذا السؤال بارتباكٍ صادق. وكما كنتُ أتصوّر فقد كان قميصُه مشجّرًا، مزيجًا من أشجارِ نخيلٍ متعدّدةِ الألوان ومَراسٍ ودلافينَ ومقدِّماتِ سفن، لكنّ اللون الطاغي هو الأسود الذي سبق أن رأيتُه من غرفتي في الأعلى. لونُ بنطاله وجواربه ما يزال يبدو أزرقَ شاحبًا، أكثرَ زرقةً من بنطالي الأبيض، الذي كان الآن مثلَ بنطاله، معرّضًا لا لضوءِ القمر وحده، بل لانعكاس القمر الشاحب على المياه أيضًا.

“نعم، أودُّ ذلك بالتأكيد، لكنْ يمكنكَ أن تتذكّر الأمورَ بطرقٍ أخرى، أفلا تظنّ ذلك؟ جميعُنا يَملك آلةَ تصويره الخاصّة في ذاكرته، إلا أنّنا لا نتذكّر دومًا ما نريد أن نتذكّره، ولا ننسى ما نفضّل نسيانَه.”

“أيّ هراءٍ هذا،” قال فيانا. كان رجلًا صريحًا، وليس من النوع الحذر على الإطلاق، وقد يقول أمورًا من دون أن يسيءَ إلى محدِّثه. ضحك ضحكةً أخرى مقتضبة. “كيف يمكن أن تقارن ما تستطيع أن تتذكّره بما تستطيع أن تراه، بما تستطيع أن تراه مجدّدًا، تمامًا كما حدث؟ بما تستطيع أن تراه مرارًا وتكرارًا، إلى الأبد، بل تستطيع أن تضغطَ على زرّ التوقف، وهو ما لم تستطع فعلَه عندما رأيتَ ما رأيتَ في الواقع؟ أيّ هراء!” قال مكرّرًا.

“نعم، أنت محقّ،” وافقتُ.” لكنّني لا أظنّ أنّك تخبرني بأنّك تصوّر صديقتك طوال الوقت كي تتمكّنَ من أن تتذكّرها لاحقًا حين تشاهدها على الشاشة. أو لعلّها ممثّلة. فلن يكون لديها الوقتُ حقًّا، بالنظر إلى أنك تصوّرها يوميًّا كما يبدو. وإذا كنتَ تصوّرها يوميًّا فلن يكون هناك وقتٌ لأن يبدأ ما سجّلتَه في مشابهة النسيان، ولأن تشعرَ أنتَ بالحاجة إلى تذكّرها على ذلك النحو المخلص بمشاهدتها ثانيةً على شريط فيديو. إلّا إذا كنتَ تحتفظ بالأفلام إلى الزمن الذي تصبحان فيه طاعنيْن في السنّ وترغب في إحياء ذكرى إقامتك هنا في مينوركا ساعةً بساعة.”

“أوه، أنا لا أحتفظ بجميع أفلامي المصوّرة، لا، فقط بعض الأجزاء الموجزة، ربما ما يقدَّر بشريطٍ واحدٍ كلَّ ثلاثة أشهرٍ أو أربعة. لكنّها جميعها محفوظة في برشلونة. ثم إنّها ليست ممثّلةح ما تزال صغيرةً جدًّا. ما أفعله هنا (وفي بلادي أيضًا) هو أنّي أنتظر يومًا قبل أن أمحوَ شريطَ اليومِ السابق، إذا كنتَ تفهم ما أعنيه. لم أستعملْ طوال هذا الوقت سوى شريطين، ودومًا الشريطين نفسيهما. فأسجّلُ على واحدٍ اليوم وأحتفظُ به، ثم أسجّلُ على الآخر غدًا وأحتفظُ به، ومن ثم، في اليوم الذي يليه، أسجّل فوق الأوّل، فأمحوه بتلك الطريقة، وهكذا دواليك، إذا كنتَ تفهم ما أعنيه. انتبهْ: لا أظنّ أنه سيكون لديّ الوقتُ لأصوّر الكثيرَ غدًا لأنّنا سنعود إلى برشلونة. لقد انتهت عطلتي.”

“آه، فهمت. لكنْ ماذا ستفعل عند عودتك؟ ستصنع توليفةً من كلِّ ما صوّرتَه؟”

“لا، أنت لم تفهم. الفيديوهات الفنيّة شيء، وقد صُنعتْ لكي تُحفظَ جانبًا؛ توضع جانبًا، [بمعدّل] شريطٍ واحدٍ كلّ أربعة أشهر تقريبًا. أما الأشرطة اليوميّة فمسألةٌ منفصلة؛ فهذه تُمحى كلّ يومين.”

***

ربّما بسبب تأخّر الوقت (فقد تركتُ ساعتي في الغرفة) كنتُ أشعر بأنّني ما زلتُ غيرَ مستوعبٍ للأمر تمامًا، لا سيّما الجزء الثاني من شرحه. ولم أكن مهتمًّا إلى حدٍّ كبير بالاتجاه الذي نَحتْ إليه المحادثة ـــ حول الفيديوهات الفنيّة (فهذا ما قاله، وقد سمعته) والأشرطةِ الممحوّة، أيْ أشرطة كلِّ يومٍ بيومه. فكّرتُ في أن أقول له “ليلةً سعيدةً” وأعود إلى غرفتي، لكنّني لم أكن أشعر بالنعاس بعد. وفكّرتُ في أنّني لو عدتُ فعلًا فقد ينتهي بي الأمرُ إلى إيقاظ لويزا لمجرّد أن تتحدّثَ إليّ، وهذا لن يكون عدلًا. وبدا من الأفضل التحدّثُ إلى شخصٍ مستيقظٍ سلفًا.

“لكنْ…” قلتُ، “لماذا تصوّرها كلَّ يوم إذا كنتَ ستمحو الأشرطةَ فيما بعد؟”

“أصوّرُها لأنّها ستموت،” قال فيانا. كان قد مدّ قدمَه المجورَبة، وغمس إبهامَها في المياه، محرِّكًا إيّاه ببطءٍ، جيئةً وذهابًا، وساقُه ممدودةٌ بالكامل، لأنّه لم يستطع أن يبلغ أبعدَ من السطح. صمتُّ بضعَ ثوانٍ، ثمّ سألته، وأنا أراقبه وهو يحرّك المياهَ ببطء:

“أهي مريضة؟”

زمّ فيانا شفتيْه ومرّر يدَه على رأسه الأصلع، كأنّه ما يزال يملك شعرًا كان يُملّسه، في الماضي. كان يفكّر. تركتُه يفكّر، لكنّه استغرق وقتًا طويلًا جدًّا. تركتُه يفكّر. أخيرًا تحدّث ثانيةً، لا ليجيب عن سؤالي الأخير، بل عن الذي سبقه.

“أصوّرُها كلَّ يوم لأنّها ستموت، وأرغبُ في أن يكون لديّ تسجيلٌ ليومها الأخير، لما قد يكون يومَها الأخير، فأتمكّن من تذكّره حقيقةً، وأستطيع بعد موتها رؤيتَه من جديدٍ في المستقبل كلّما رغبتُ في ذلك، جنبًا إلى جنب مع الفيديوهات الفنيّة. ذلك لأنّني أحبّ فعلًا أن أتذكّر الأشياء.”

“لكنْ هل هي مريضة؟” سألتُ ثانيةً.

“لا، ليست مريضة،” قال هذه المرّة من دون وقفةٍ للتفكير. “أقلّه على حدّ علمي. لكنّها ستموتُ يومًا ما. أنت تعلم، كما يعلم الجميع، أنّ كلّ الناس سيموتون، بمن فيهم أنا وأنت، وأرغبُ في حفظ صورتها. إنّ آخرَ يومٍ في حياةِ أيّ شخص لهوَ يومٌ مهمّ.”

“بالتأكيد،” قلتُ وأنا أنظر إلى قدمه. “أنت شخصٌ محتاطٌ فحسب. فلربّما تصاب صديقتك في حادث، على سبيل المثال.” وفكّرتُ (لكنْ لوهلةٍ فقط) أنّ لويزا لو ماتت في حادثٍ فلن يكون لديّ الكثيرُ من الصور لتذكّرني بها، بل لا صور تقريبًا. كانت هناك صورٌ متفرقةٌ حول المنزل ـــ صور عاديّة، بالتأكيد، لا فنيّة ـــ لكن القليل منها فقط. وأنا لا أملك بالتأكيد أيّةَ تسجيلاتٍ بصريّةٍ لها.  وبغير قصد، رمقتُ عاليًا الشرفةَ التي كنتُ أراقب منها فيانا. لم تكن هناك أضواءٌ على أيّة شرفةٍ أو غرفة، ومن ثمّ لا أضواء أيضًا في الغرفتين اللتين تخصّان إينيس وفيانا. لم أكن هناك على شرفة غرفتنا الآن. لم يكن هناك أحد.

كان فيانا غارقًا في التفكير مجدّدًا، على الرغم من أنّه رفع قدمَه من الماء وأعادها ثانيةً ـــ كان طرفُ الجورب رطبًا وداكنًا ـــ على العشب. بدأتُ أفكّر في أنّ منحى المحادثة ربّما لم يعجبْه، وفكّرتُ من جديدٍ في أن أقول “ليلةً سعيدةً” وأصعدَ إلى غرفتي. نعم، فجأةً أردتُ الصعود إلى غرفتي لأرى من جديدٍ صورةَ لويزا نائمةً ـــ لا ميتةً ـــ ملتحفةً بغطائها، وربّما إحدى كتفيها مكشوفة. لكنّ المحادثات، عندما تبدأ، لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة. لا يمكن تركُها معلّقةً، باستغلال لحظةِ ذهولٍ أو صمتِ، إلّا إذا كان أحدُ المتحدثيْن غاضبًا. ولم يبدُ فيانا غاضبًا، بالرغم من أنّ عينيه اليقظتيْن بدتا أكثرَ تيقّظًا وحدّةً ممّا كانتا عليه أصلًا؛ وكانت تصعب معرفةُ لونهما في الضوء الذي يسلّطه القمرُ على المياه. أظنّ أنّهما كانتا بنيّتيْن. لا، لم يبدُ غاضبًا، وإنّما منغمسًا فقط في ذاته قليلًا. وكان يقول شيئًا، لا همسًا الآن، بل كأنّه يدمدم لنفسه.

“آسف، ماذا قلت؟” سألتُ.

“لا، ليست المسألة أنّني أظنّ أنّها قد تتعرّض لحادث،” أجاب وصوتُه قد ارتفع كثيرًا فجأةً، وكأنّه أخطأ في تقدير تبديل النبرة بين الحديث إلى نفسه والحديثِ إلى شخصٍ آخر.

“أخفضْ صوتك،” قلتُ قلقًا، على الرغم من أنّ شيئًا لم يكن يدعو إلى القلق، إذ يُستبعد أن يسمعَنا أحد. نظرتُ ثانيةً إلى الشرفات، لكنّها كانت لا تزال جميعُها قابعةً في العتمة، ولم يكن قد استيقظ أحد.

أجفل طلبي فيانا، وفي الحال خفض صوتَه. لكنّه لم يكن مروَّعًا إلى درجةٍ تمنعه دون مواصلةِ ما شرع في قوله بصوتٍ شديدِ الارتفاع. “قلت إنّ المسألة ليست إنْ كنتُ أظنّ أنّها قد تتعرّض لحادث. لكنّها ستموت قبلي بالتأكيد، إنْ فهمتَ ما أعنيه.”

نظرتُ إلى وجه فيانا، لكنّه لم يكن ينظر إلي. كان يحدّق إلى السماء، إلى القمر، متفاديًا عينيّ. كنّا على جزيرة.

“لماذا أنت متيقّنٌ إلى هذا الحدّ إنْ لم تكن مريضة؟ أنت أكبر منها سنًّا بكثير. والأمر الطبيعيّ هو أن تموتَ قبلها.”

ضحك فيانا ثانيةً، وإذ مدّ ساقه أكثر، فقد غمس كاملَ قدمه المجوربة في الماء هذه المرّة وراح يحركها ببطء وتثاقل، أكثرَ من ذي قبل، لأنّ قدمه بأكملها الآن ـــ تلك القدم العريضة البدينة ـــ باتت مغمورةً في الماء.

“[الأمر] الطبيعيّ،” قال ضاحكًا. “الطبيعيّ،” كرّر. “لا شيءَ طبيعيًّا بيني وبينها. أو بالأحرى لا شيءَ طبيعيًّا في ما خصّ علاقتي بها، ولم يكن يومًا كذلك. عرفتُها منذ أن كانت طفلة. ألا ترى؟ أنا أعشقها.”

“بلى، أرى ذلك. من الواضح أنّك تعشقها. أنا أعشق زوجتي لويزا أيضًا،” أضفتُ، رغبةً منّي في مجابهةِ ما اعتبرَه ـــ صراحةً ـــ الطابعَ الاستثنائيَّ لعشقه لإينيس. “لكنّنا، أنا ولويزا، في العمر نفسِه تقريبًا، فمن الصعب أن نَعرف مَن سيموتُ قبل الآخر.”

“أنت تعشقها؟ لا تُثِرْ ضحكي. إنّك لا تملك ولو آلةَ تصوير! ولستَ مهتمًا جدًّا أيضًا بتذكّرها تمامًا كما كانت حين تخسرُها؛ [لستَ مهتمًّا جدًّا] بأن تكون قادرًا على رؤيتها مجدّدًا حين لن تستطيعَ النظرَ إليها.”

هذه المرّة أزعجتني ملاحظةُ البدين فيانا قليلًا، ووجدتُها سليطةً. لاحظتُ ذلك لأنّني شعرتُ أنّ هناك شيئًا ما جريحًا ولاإراديًّا في صمتي التالي، وشيئًا مخيفًا أيضًا، كما لو أنّني لم أعد أجرؤ فجأةً على سؤاله عن أيّ شيء، وكما لو أنّني لم أعد أملك ـــ منذ تلك اللحظة ــــ إلّا خيارَ الإصغاء إلى كلّ ما يختار أن يقولَه لي. كأنّ الملاحظة المفاجئة الفظّة طغت على المحادثة كليًّا. وأدركتُ أنّ خوفي ناجمٌ أيضًا عن استعماله لصيغة الماضي؛ لقد قال “تمامًا كما كانت،” مشيرًا إلى لويزا، في حين كان ينبغي أن يقول “تمامًا كما هي.”

وقرّرتُ أن أتركَه وأعودَ إلى غرفتنا. أردتُ أن أرى لويزا وأنامَ إلى جانبها، أن أستلقيَ وأسترجعَ مكاني في السرير المزدوجِ المشابهِ، بلا شك، للسرير الذي تتقاسمه إينيس وفيانا؛ فجميعُ الغرف الفندقيّة العصريّة متشابهة. يمكنني ببساطة أن أنهي المحادثة. كنتُ أشعرُ بالغضب إلى حدّ ما.

لكنّ الصمت لم يستغرقْ إلّا بضع ثوانٍ لأنّ فيانا واصل الكلامَ، من دون هذه الوقفة التي وقفتُها وأنا أكتب، وحينها كان الأوان قد فات على عدم مواصلة الإصغاء.

“ما تقوله صحيح جدًّا، لكنّ حلّ المسألة لا يحتاج إلى عبقريّ. من الصعب فعليًّا أن تعرف مَن سيموت أوّلًا؛ ذلك يعادل أن ترغبَ في معرفة ترتيب موتنا [او ترتيب ميتاتنا]. ولتعرفَ ذلك، يجب أن تكونَ لك يدٌ في هذا الترتيب، إنْ فهمتَ قصدي، لا بهدف عرقلته ـــ فذلك سيكون مستحيلًا ـــ بل لتكون جزءًا منه. اسمعْ، عندما قلتُ إنّني أعشق إينيس، فقد عنيتُ ذلك حرفيًّا: أعشقُها. ليست هذه مجرّدَ صياغةٍ مميّزة، أو تعبيرٍ أجوفَ وعاديّ، يمكننا تقاسمُه أنا وأنت، على سبيل المثال. ما تسميه “عشقًا” لا صلة له البتّةَ بما أسمّيه “عشقًا.” نحن نتقاسم الكلمةَ لأنّه ما من سواها، لكنّنا لا نتقاسم ما تصفُه. أعشقُها وعشقتُها منذ أن قابلتُها لأوّل مرة، وأعرفُ أنّني سأستمرُّ في عشقي لها سنواتٍ قادمةً كثيرة. لهذا لا يمكن هذا الأمرَ أن يدوم مدّةً أطولَ بكثير ـــ لأنّ ذلك الشعور بقي في داخلي لسنواتٍ عديدةٍ ثابتًا من دون اختلافٍ أو وهن. لن يكون هناك اختلافٌ من جانبي، وسيصبح ذلك غيرَ محتملٍ، بل هو كذلك الآن. ولأنّ كلّ شيء ذاتَ يوم سيضحي غيرَ محتمل بالنسبة إليّ، فسيكون عليها أن تموتَ قبلي، حين لن أستطيع تحمّلَ عشقي لها. يومًا ما سيتوجّب عليَّ قتلُها. هل تفهم؟”

***

مع قوله ذاك رفع فيانا قدمَه المبلّلةَ من الماء، وأسندها بعنايةٍ واستهجانٍ على العشب، وسحب معها الجوربَ الحريريَّ المشبعَ بالماء.

“ستصاب بالبرد،” قلت. “من الأفضل أن تخلع جوربَك.”

أخذ فيانا بنصيحتي وخلع الجوربَ المبلّل في الحال، تلقائيًّا ومن دون اكتراث. ولثوانٍ أمسك به، باستهجانٍ أيضًا، بين إصبعين، ومن ثم ثناه على ظهر كرسيّه، حيث بدأ يتقطّر (وتفوح منه رائحةُ قماشٍ رطب). الآن كانت إحدى قدميْه حافيةً، والأخرى لا تزال في جوربٍ أزرقَ باهتِ اللون وخفٍّ مسعورِ الحمرة. كانت القدمُ الحافية مبلّلة، والقدمُ المكسوّة شديدةَ الجفاف. كان من الصعب أن أشيحَ ببصري عن الأولى، لكنّي أظنّ أنّ تثبيت نظري على شيءٍ ما كان وسيلةً لخداعِ أذنيَّ، وسيلةً للتظاهر بأنّ ما يهمّ هو قدما فيانا لا ما قاله من أنّه يومًا ما سوف يَقتلُ إينيس. كنت أفضّل أن أفكّر أنّه لم يقل ذلك.

“ما الذي تقوله؟” لم أكن أرغب في متابعة المحادثة، لكنّني قلتُ الكلمات التي أجبرتْه على فعل ذلك بالضبط. “هل أنت مجنون؟”

“مجنون؟ ما سأقوله لك الآن منطقيٌّ كليًّا من وجهة نظري،” أجاب فيانا، وملّس من جديدٍ شعرَه غيرَ الموجود. “لقد عرفتُ إينيس منذ أن كانت طفلةً، منذ أن كانت في السابعة من عمرها. الآن هي في الثالثة والعشرين. إنّها ابنةُ أبوين كانا صديقيْن عظيميْن لي حتى خمس سنوات خلت، لكنّهما لم يعودا كذلك، لأنّهما، بطبيعة الحال، حانقان لذهاب ابنتهما ذاتِ الثمانية عشر ربيعًا للعيش مع صديقهما الذي لطالما أُعجبا به واحترماه، وهما لا يريدان الآن أن تربطَهما أيّةُ علاقةٍ بي أو بها أيضًا على الخصوص. كنتُ أتردّد إلى منزلهما كثيرًا، وهناك رأيتُ إينيس وعشقتُها. لقد عشقتني هي أيضًا، لكنْ بطريقة مختلفة بالتأكيد. لم يكن ممكنًا أن تعرف ذلك في حينه، لكنّني عرفته في الحال، وقرّرتُ أن أجهّز نفسي، وأن أنتظر اثنتيْ عشرة سنةً حتى بلوغها سنَّ الرشد. لم أكن أرغب في التهوّر فأفسدَ كلَّ شيء. وخلال الأشهر القليلة الأخيرة من تلك الفترة اضطررتُ بنفسي إلى كبحها. هذا ما يسمّيه البعض “استحواذًا،” وأسمّيه أنا “عشقًا.” انتبهْ: لم يكن الأمرُ سهلًا؛ فحتى الفتياتُ في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة لديهنّ فتيةٌ يطاردونهنّ، فتيةٌ سخفاءُ يريدون التصرّفَ كالكبار منذ وقتٍ مبكّر، ويفتقرون إلى ضبط النفس، وقد يسبّبون للفتيات أذًى عظيمًا. وحسبتُ أنّها ببلوغها الثامنةَ عشرةَ سأكون في الخمسين تقريبًا، فاعتنيتُ بنفسي جيّدًا، من أجلها. اعتنيتُ بنفسي عنايةً هائلةً، على الرغم من أنّني لم أستطع فعلَ شيء إزاء وزني ـــ فأيضُ جسدك يتغيّر كلّما تقدّم بك العمرُ ـــ أو إزاء صلعتي، التي ليس لها علاجٌ مقبولٌ حتى الآن، وأنا على يقين من أنّك ستوافقني الرأي أنّ الشعرَ المستعار غيرُ وقورٍ أبدًا، لذا كان عليّ استبعادُه. لكنّني صرفتُ إحدى عشرة سنةً في الذهاب إلى أنديةٍ رياضيّة، وفي تناول طعام صحّيّ، وإجراء فحوصٍ طبيّةٍ كلّ ثلاثة أشهر ـــ فلديّ رعبٌ مطلقٌ من العمليّات الجراحيّة ـــ متجنّبًا النساءَ الأخريات، ومتفاديًا الأمراضَ، ومهيِّئًا نفسي عقليًّا بالتأكيد: فأصغي إلى التسجيلات عينها التي تستمع إليها إينيس، وأتعلّم الألعابَ، وأشاهد التلفازَ كثيرًا، وبرامجَ الأطفال، وسنواتٍ من الإعلانات التلفزيونيّة؛ وأنا أحفظ اليوم كلَّ أناشيد الإعلانات عن ظهر قلب. أمّا بالنسبة إلى القراءة، فحسنًا، يمكنك أن تتخيّل أنّني في البداية قرأتُ الكتبَ المصوّرة، ثم كتبَ المغامرات، وعددًا من الروايات الرومانسيّة، والأدبَ الإسبانيّ حين كانت تدْرسُه إينيس في المدرسة، وكذلك الأدب الكاتلانيّ، ومانيليك والذئب، وكلَّ ذلك. وما زلتُ أقرأ أيَّ شيء تقرأه، وبشكلٍ أساسيّ الكتّابَ الأمريكيين ـــ وهناك المئاتُ منهم. لعبتُ التنس والسكواش كثيرًا، وتزلّجتُ بعضَ الشيء، وفي عطل نهاية الأسبوع كان عليَّ السفرُ غالبًا إلى مدريد أو سان سيباستيان فقط كي تستطيعَ الذهابَ إلى السباقات، وها قد ذهبنا إلى كلّ المهرجانات في كلّ القرى لنرى الأحصنة وفرسانَها. ولعلّكَ لاحظتَ أيضًا درّاجتي الناريّة. وتعلّمتُ أسماءَ جميع لاعبي كرة السلّة وطول قاماتهم عندما كان عليّ أن أفعل ذلك، بالرغم من أنّها الآن فقدت الاهتمامَ بهذه اللعبة. ولقد رأيتَ طريقتي في ارتداء الملابس، على الرغم من أنّ كلّ شيء في الصيف مقبولٌ بالتأكيد.” وأومأ فيانا بيده اليمنى إيماءةً بليغة. “أتفهم ما أقول؟ طوال هذه السنوات عشتُ حياةً موازيةً لوجودي (بالمناسبة، أنا محامٍ مختصٌّ بأمور الطلاق): أولًا حياةَ طفولة، ثم حياةَ مراهقة ـــ كنت ملكَ ألعاب الفيديو ـــ ولمّا لم يكن بإمكاني مرافقتها إلى السينما، فقد كنت أذهب وحيدًا لأشاهدَ جميعَ أفلام المراهقين عن القتلة والمخلوقات الفضائيّة. لقد عشتُ حياةً موازيةً لحياتي، لكنّها حياةٌ تفتقر إلى الاستمرارية تمامًا، لأنّه يصعبُ على نحوٍ لا يصدّق أن يبقى المرءُ على اطّلاعٍ دائمٍ على المتغيّرات ـــ فصرعاتُ الناشئة تتغيّر طوال الوقت. لا يمكنك تخيّلُ ما كان عليه الحال. قلتَ إنّ عمرك قريب من عمر زوجتك، وبالتالي فلا بدّ من أن تكون مراجعُكما واحدةً أو متشابهةً جدًّا. لقد أصغيتما إلى الأغاني نفسها في الوقت نفسه، وشاهدتما الأفلامَ نفسها، وقرأتما الكتبَ نفسها، وتتبّعتما الموضةَ نفسها، واستتذكرتما الأحداثَ نفسها واختبرتماها بالقوة نفسها وفي السنوات نفسها. الأمر سهلٌ عليك. فقط تخيّلْ لو لم تكن هذه حالَكما. تخيّلْ فتراتِ الصمت الطويلة التي قد ترين في محادثاتكما. وأسوأُ ما في الأمر هو حين يتوجّب عليك أن تشرح كلَّ شيء، كلَّ مرجع، كلَّ تنويه، كلَّ نكتة، عن ماضيك أو عمرك أو زمنك. من الأفضل حينها أن تستغني عن الأمر برمّته! لقد كان عليَّ الانتظارُ طويلًا، وأكثر من ذلك كان عليَّ أن أنْكرَ ماضيّ وأخترعَ ماضيًا آخر يتطابق ـــ قدر الإمكان ـــ مع ماضيها، مع ما قد يصبح ماضيها.”

***

توقّف فيانا برهةً، برهةً وجيزةً جدًّا، كأنّ ذبابةً عبرتْ قربه. كان الوقت ليلًا، وكانت عيونُنا قد اعتادت في هذه الأثناء الظلمةَ والضوءَ المنعكسَ من الماء. كنّا على جزيرة. ولم أكن أحمل ساعة. كانت لويزا نائمةً، وإينيس كانت نائمةً أيضًا، كلٌّ منهما في غرفتها، وعلى سريرها المزدوج. وربّما كانتا مستلقيتيْن بشكل موروب على السرير، لأنّنا لم نكن، لا أنا ولا فيانا، إلى جانب أيٍّ منهما. ربّما افتقدتانا في نومهما. وربّما لم تفتقدانا، بل ربّما شعرتا بالتخفّف منّا.

“لكنّ كلّ تلك الجهود انتهت الآن. لم يعد ثمة ما يهمّ. ما يهمّ هو عشقي، عشقي الثابتُ. وهو مماثلٌ جدًّا لما كان عليه منذ ستة عشر عامًا، إلى حدّ أنّني لا أستطيع أن أراه متغيّرًا في المستقبل القريب. ولو حصل فعلًا فسيكون كارثيًّا. لقد كرّستُ نفسي لها منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا. كرّستُ نفسي لرعايتها، لتعليمها. لم يكن يمكنني أن أعيشَ على نحوٍ مغاير. لكنّ الأمر بالنسبة إليها مختلف: فلقد حقّقتْ حلمَ طفولتها، هاجسَ طفولتها. منذ خمس سنوات، عندما قدِمتْ للعيش معي، كانت سعيدةً مثلي، لا بل أسعدَ مني، لأنّ منزلي كان كلُّه مصمَّمًا خصّيصًا من أجلها، ولم ترِدْ شيئًا إلّا حازتْه. لكنّ شخصيّتها لا تزال تتطوّر. فهي ما تزال تعوّل كثيرًا على الجِدَّة [الأشياء الجديدة]، مشدودةً نحو العالم الخارجيّ، تتلفّت من حولها لتستطلعَ ما لم تره بعد، وماذا ينتظرُها من بعدي. وأظنّ أنها متعَبة قليلًا، لا منّي فقط، بل أيضًا من وضعنا الغريب الشاذّ. هي تفتقد الحياةَ التقليديّة، تفتقد العلاقةَ الحميمة التي كانت تربطُها بوالديها. لا تظنّن أنّني لا أفهم ذلك. بل على العكس، تنبّأتُ بأنّ هذا قد يحدث، لكنّ فهمي لهذا الأمر لا يساعد مقدارَ ذرّة. لكلِّ منا حياتُه التي يعيشها، ولا نملك سوى حياةٍ واحدة، وليس من أحدٍ منّا مستعدّ لئلّا يعيش تلك الحياةَ وفقًا لرغبته الخاصّة ـــ بصرف النظر عن أولئك الذين لا رغبات لديهم، وهم يشكّلون الغالبيّةَ في الواقع. في وسع الناس أن يقولوا ما يشاءون، وأن يتحدّثوا عن نكران الذات، والتضحية، والكرم، والقبولِ، والاستكانة، لكنّ هذا كلّه زائف. ففي العادة يظنّ الناسُ أنّهم يرغبون في كلِّ ما يعترض طريقهم مصادفةً، أيًّا ما يحدث لهم، وأيًّا ما ينجزونه خلال حياتهم أو ما يُمنحونَه، ولا رغبات مبتكرةً لديهم. لكنْ سواءٌ كانت تلك الرغبات متصوّرةً مسبّقًا أو لا، فإنّ كلّ واحدٍ منا يهتمّ بحياته الخاصّة، ولا تهمّ حيواتُ الآخرين إلّا بقدْرِ ما تشتبك وتنفصل عن حياتنا، وبقدر ما يمكن أن يفضي التخلّصُ من تلك الحيوات من دون مبالاة أو تردّدٍ إلى التأثير في حياتنا؛ فهناك، في النهاية، قوانينُ، وقد تَلْزم عقوباتٌ عنها. عشقي متطرّف ـــ وهذا ما يجعله عشقًا. والوقت الذي كان عليّ أن أنتظرَه كان مفرطًا في طوله أيضًا. والآن ما زلتُ أنتظر، لكنّ طبيعةَ ذلك الانتظار انقلبتْ رأسًا على عقب. ففي السابق كنتُ أنتظر أن أكسبَ شيئًا، أمّا الآن فكلُّ ما في وسعي ترقّبُه هو انتهاءُ هذا كلّه. سابقًا كنتُ أنتظر أن أُمنحَ هديّةً، الآن لا أتوقّع سوى الخسارة. سابقًا كنتُ أنتظر النموّ، الآن أتوقّع التحلّل ـــ ليس تحلّلي وحسب، أتفهمني؟، بل تحلّلها أيضًا، وهذا أمرٌ لست مستعدًّا له. لعلّك تظنّ أنّني أقدّم كثيرًا من الافتراضات، وأنّ شيئًا لا يمكن التنبّؤُ به كليًّا؛ وكما قلتُ سابقًا فإنّ ترتيب ميتاتنا هو الآخر لا يمكن التنبّؤُ به. لعلّك تفكّر في أنّ الحياة لا يمكن التنبؤُ بها أيضًا، وأنّ إينيس قد لا تتعب منّي أو قد لا تهجرني.  أنت تفكّر في أنّني قد أكون مخطئًا في خوفي من مرور الزمن، وأنّنا ربما قد نشيخ معًا، على ما ألمعتَ سابقًا، وعلى ما أنت مقتنعٌ بأنّك وزوجتكَ سوف تفعلانه ـــ فلقد سمعتُ ما قلتَه، وكلماتُك لم تفتني. لكنْ إذا كان هذا ما سيحدث، إذا كانت كلُّ تلك السنوات ما تزال تنتظرنا لنكونَ معًا، فإنّ عشقي سيقودني إلى النتيجة نفسها. أمْ تراك تتخيّل أنّني قد أسمح لعشقي بأن يموت؟ هل تظنّ أنّ بإمكاني أن أراقبَها تشيخ وتتدهور من دون أن ألجأ إلى العلاج الوحيد الممكن، وتحديدًا أن تموتَ أولًا؟ هل تتخيّل أنّني، وقد عرفتُها منذ أن كانت في السابعة من عمرها (السابعة من عمرها!)، أتحمّل أن أراها في أربعينيّاتها، ناهيكَ بأن أراها في خمسينيّاتها، من دون أن يبقى أثرٌ من طفولتها؟ لا تكن سخيفًا. إنّه كما لو أنّك تطلبُ من أبٍ طاعنٍ في السنّ أن يحتملَ، بل أن يحتفي بتحول أطفاله إلى هرمين. الأهل يرفضون رؤيةَ أطفالهم يهْرمون؛ هم يكرهونهم هرمين. ويتجاوزونهم، ويروْن فقط أحفادَهم، إنْ كان لديهم أحفاد. إنّ الزمن يعارِضُ دائمًا ما ابتدَعَه، يعارض الحاضر.”

***

دفن فيانا وجهَه في يديْه، كما سبق أن رأيتُه يفعل من شرفتي فوق. في هذه اللحظة رأيتُ أنّ حركته تلك لا تمتّ بصلةٍ إلى الضحكِ المكبوت، بل إلى نوعٍ من الذعر الذي كان قاصرًا ـــ مع ذلك ـــ عن تكدير سَكينةِ ما. لربّما كان عليه أن يصطنعَ تلك الحركة من أجل التشبّث بسَكينته. ومن جديد نظرتُ إلى شرفتي وإلى الشرفات الأخرى، لكنّها جميعًا كانت ما تزال ترين في الصمت، فارغةً ومظلمةً، كما لو أنّ أحدًا لم يكن ينام خلفها، وخلف النوافذ والستائر الشبكيّة، وداخل الغرف المتكرّرة المتشابهة ـــ لا لويزا، ولا إينيس، ولا أحد. لكنّني كنتُ أعرف أنّهما كانتا نائمتين، أنّ العالم كان نائمًا، وأنّ عجلتَه الضعيفة توقّفتْ عن الدوران. كنّا، أنا وفيانا، مجرّدَ حصيلةٍ لعطالةِ تلك العجلة ما دمنا نتحدّث. وواصل الحديث، ووجهُه ما يزال مغطًّى بيديْه:

“لهذا السبب فإنّ الزمن لا يقدّم حلًّا،” قال. “بدلًا من السماح لعشقي بأن يموت، أفضّلُ ان أقتلها. أتفهم؟ وبدلًا من السماح لها بأن تهجرني، بدلًا من السماح لعشقي بأن يستمرّ من دون موضوعه، فإنني أيضًا أفضّل أن أقتلها. ذلك من وجهة نظري منطقيٌّ تمامًا. لهذا أعرف ما سيكون عليّ فعلُه ذاتَ يوم، ربّما في المستقبل البعيد. سأؤجّله أبعدَ ما يمكن، غير أنّها مسألةُ وقتٍ فقط. لكنْ، فقط في حال حدوثه، كما ترى، فإنّني أصوّرها بالفيديو كلّ يوم.”

“ألم تفكّر مرةً في قتل نفسك؟” قلتُ مندفعًا. كنتُ أصغي إليه لا لأنّني راغبٌ في ذلك بل لأنّني كنتُ أشعر أنّه ليس في وسعي فعلُ أيّ شيء آخر، وأنّ الوسيلة الفضلى لعدم المشاركة في المحادثة هو ألّا أقولَ شيئًا، أن أتصرّف كما لو أنّني مستودعُ أسراره فحسب، من دون تقديم أيّةِ نصيحةٍ أو اعتراض، ومن دون دحضٍ أو موافقةٍ أو تعبيرٍ عن صدمة. لكنْ بدا لي أنّ إنهاء المحادثة يزداد صعوبةً، وأنّ الطريقَ الذي سلكتْه لامتناهٍ. شعرتُ بحكّةٍ في عينيّ. تمنّيتُ لو تنزلق أغطيةُ لويزا عنها وتوقظُها، فتلحظ غيابي، وتخرج مثلي إلى الشرفة. تمنّيتُ أن تراني تحت، إلى جوار حوض السباحة، في الوهج الواهن الذي يلقيه القمرُ على الماء، وأن تناديني من الأعلى، وأن تلفظَ اسمي وتنقذني من هذه المحادثة مع فيانا؛ كلّ ما كان عليها فعلُه هو أن تنادي. أيّة ورطة، فكّرتُ وأنا جالسٌ أصغي إليه، أن يكون عليَّ أن أقرأ الصحفَ عن كثب، من الآن فصاعدًا، كلّما تصدّرها خبرٌ عن امرأةٍ قُتلتْ على يد رجل، فأضطرّ إلى أن أقرأ المقالة بكاملها كي أعثر على اسميْهما. الآن سأخشى دومًا أن تكونَ إينيس هي المتوفّاة، وفيانا هو من قتلها، مع أنّ كل هذه القصة قد تكون محضَ أكاذيب، هنا على هذه الجزيرة، فيما المرأتان نائمتان.

“أقتلُ نفسي؟ لن يكون هذا عملًا صائبًا،” أجاب فيانا، مبعدًا يديه عن وجهه. نظر إليَّ بتعبيرٍ أقربَ إلى التفكّه من المفاجأة، وارتفعتْ زاويتا فمه بابتسامةٍ نقريبًا، أو هذا ما بدا لي في الظلمة.

“سيكون أقلَّ صوابًا بكثير ـــ إذا فهمتُكَ على وجهٍ صحيح ـــ أن تقتلَها فقط لكي تستطيعَ الاستمرارَ في عشقكَ لها على شريطٍ مسجّلٍ حين تموت.”

“لا، لم تفهمْ: سيكون صائبًا أن أقتلها للأسباب التي شرحتُها. ما من أحدٍ يتخلّى طوعًا عن طريقة عيشه لو كان يملك فكرةً جيّدةً إلى حدٍّ ما عن كيفيّة رغبته في عيشها. وأنا أملك ذلك، وهذا ليس أمرًا عاديًّا. ثمّ إنّ القتل ـــ كيف أصفُه؟ ـــ ممارسةٌ ذَكَريّةٌ جدًّا، تمامًا كالإعدام، لكنّ هذا لا ينطبق على الانتحار، الذي هو أمرٌ شائعٌ بين النساء والرجال على حدّ سواء. لقد ذكرتُ سابقًا أنّ لدى إينيس فكرةً غامضةً عمّا ينتظرُها من بعدي، لكن الحقيقة هي أنْ لا شيءَ بعدي. فيما يخصّها على الأقل، لا شيء؛ قد لا تدرك إينيس ذلك، لكن عليها أن تفعل. وإذا قتلتُ نفسي، فلن يكون ذلك هو الوضع ـــ وحقيقة الأمر أنّه لا بدّ من أن لا يكون ثمة شيءٌ من بعدي. ألا توافقني؟”

***

بدت قدمُ فيانا وقد جفّت، لكنّ الجورب المعلّق على ظهر الكرسيّ الطويل كان ما يزال يقطر بسرعةٍ على العشب. شعرتُ بأنّني أكاد أحسّ برطوبته على قدميّ داخل حذائي. تخيّلتُ ما قد يكون عليه الإحساسُ عند ارتداء ذلك الجورب الرطب. خلعتُ فردةَ حذائي اليسرى لأحكّ كعب تلك القدم بالخفّ الأسود في قدمي اليمنى.

“لمَ تخْبرني بكلّ هذا؟ ألا تخشى أن أبْلغ عنكَ [الشرطة]؟ أو أن أتحدّث إلى إينيس في الصباح؟”

شبك فيانا أصابعَه خلف عنقه، وتراجع في كرسيّه الطويل، فلمس رأسُه الأصلعُ الجوربَ المبلَّل. انتفض في الحال واعتدل في جلسته، كما ينتفض المرءُ عندما تمسّ ذبابةٌ جلده. انتعل الخفَّ الأحمرَ الذي خلعه منذ بعض الوقت، عندما كنت ما أزال واقفًا على شرفتنا، وهذا بدّد بطريقةٍ ما أيَّ شعورٍ بالعجز قد يكون خالجه. وخطر لي فجأةً أنّ المحادثة ستنتهي.

“لا يمكنك أن تبلغ [الشرطة] على أساس النوايا،” قال. “سنغادرُ إلى برشلونة غدًا. لن نرى بعضنا بعضًا، أنت وأنا، مجدّدًا أبدًا. سنغادر باكرًا، ولن يكون هناك متسعٌ من الوقت للذهاب إلى الشاطئ. ستنسى غدًا الأمرَ برمّته. ولن ترغب في التذكّر،  ولن تأخذ الأمرَ على محمل الجِدّ، أو تتذكّرَني أو تتذكّرَ هذه اللحظة، ولن تحاول أن تكتشف أيّ شيء. لن تسأل عنّا في الفندق، لتتأكّدَ من أنّني وإينيس غادرنا معًا، ومن أنّنا دفعنا الفاتورة، ومن أنّ شيئًا لم يحدث أثناء الليل، حين كنتَ الشخصَ الوحيدَ اليقظَ الذي تحدّث إليّ. بل أنت لن تخبر زوجتَكَ بما دار بيننا من حديث ـــ ولمَ تقلقها؟ ـــ لأنّك في أعماقك لست راغبًا في تصديقي. ستتدبّر الأمر، لا تقلق.”

تردّد فيانا لحظةً ثم تابع: “قد لا تفكّر كذلك، لكنْ إذا كنت تنوي تحذيرَ إينيس فسوف تسرّع العمليّةَ، هكذا وببساطة، وسيكون عليَّ قتلُها غدًا. هل تفهم؟”

تردّد ثانيةً. توقّف ونظر عاليًا إلى السماء، إلى القمر، ثمّ نزل بنظره إلى الماء، وكرّر وضعيّةَ الرعب تلك، فغطّى وجهه، وواصل الكلام:

“ومن قال إنّك قد تتمكن من التحدّث إليها غدًا؟ مَن قال إنّني لم أقتلها أصلًا ـــ الليلة، قبل قليل، قبل أن أنزل إلى هنا؟ من قال إنّها ليست ميتةً الآن، وإنّني لهذا السبب أتحدّث إليك الآن؟ أيّ شخص يمكن أن يموت في أيّة لحظة. لقد علّمونا هذا في المدرسة، لقد عرفنا هذا مذ كنّا أطفالًا. لجميعنا مكانُه في ترتيب الموت. أنت نفسُكَ تركتَ زوجتكَ نائمةً، لكنْ أنّى لك أن تعْلم أنّها لم تمت وأنت تتحدّث معي؟ ربما هي تحتضر الآن. لن يكون لديك الوقتُ للوصول إليها، ولو ركضتَ. كيف تعرف أنّ إينيس لم تُقتل على يدي ـــ وأنّ هذا هو ما دعاني إلى حلق شاربيّ ـــ قبل فترة، قبل أن تنزل، وقبل أن أنزل؟ أو إينيس وزوجتك أيضًا؟ كيف تعرف أنّ إينيس وزوجتك لم تموتا بينماهما نائمتان؟”

لم أصدّقْه. سيكون جمالُ إينيس المثاليّ هاجعًا، خواتمُها الثمانية على الطاولة الجانبيّة، نهداها الضخمان في سلامٍ تحت الملاءات، وسيكون تنفّسُها منتظمًا، وشفتاها المتطابقتان نصفَ فاغرتيْن مثلَ شفتيْ طفل، عظمُ عانتها الأمرد يخلّف بقعةً واهيةً، ذلك الإفرازَ الليليَّ الغريبَ الذي تفرزه النساءُ. وستكون لويزا نائمة، وكنتُ قد رأيتُها، ورأيتُ وجهَها السمح، الفتيّ، بملامحه الحسنة، تتحرّك عيناها المضطربتان تحت جفنيها، كأنهما لم تعتادا أن تكفّا ليلًا عمّا فعلتاه آناء النهار ـــ بخلافِ عينيْ إينيس، اللتين ربما كانتا هادئتيْن تمامًا الآن على الأرجح، أثناء النوم الذي تحتاجه للمحافظة على جمالها الثابت.

كانتا كلتاهما نائمتيْن، ولهذا لم تستيقظا وتخرجا إلى الشرفة. لم تمت لويزا في غيابي، مهما طال زمنُه ـــ وكنتُ قد نسيتُ ساعتي. وعلى نحوٍ غريزيّ، رفعتُ بصري عاليًا نحو الغرف، نحو شرفتي، ونحو باقي الشرفات، ورأيتُ على إحداها هيئةً ملتحفةً بملاءةِ “توجة” وسمعتُها تناديني مرتين، باسمي، مثلما تنادي الأمّهاتُ أطفالهنّ بأسمائهم. وقفتُ. لكنْ، على شرفة إينيس، أيًّا كانت تلك الشرفة، لم يكن ثمّة أحدٌ على الإطلاق.

1_21082009_13458_nicanorparradibam550x290

ثمان ثوانٍ مع نيكانور بارا- روبيرتو بولانيو.

هناك أمر وحيد فقط في وسعي أن أقوله بثقة عن شعر نيكانور بارا في هذا القرن الجديد: سوف يدوم. هذا يعني القليل جداً، بالتأكيد، وقد يكون بارا أول من يعترف. مع ذلك، سوف يدوم، جنباً إلى جنب مع شعر بورخيس، باييخو، ثيرنودا وقلة آخرين. لكن يتعين القول إن هذا لا يهم إلا بالكاد.

رهان بارا، سبره للمستقبل، معقد كثيراً ومن الصعب شرحه هنا. وقاتم للغاية. إنه يتملك ظلمة الحركة. الممثل الذي يتحدث أو يومئ، مهما يكن، مرئي تماماً. ملامحه، زخارفه، الرموز التي ترافقه مثل أورام، مألوفة: إنه الشاعر الذي ينام جالساً في كرسي، زير النساء الذي يضيع في مقبرة، المحاضر الذي يشد شعره حتى يقتلعه، الشجاع الذي يجرؤ على التبول جاثياً، المتعبد الذي يراقب ارتحال السنين، الإحصائي المتفجع. لقراءة بارا، من الجدير طرح السؤال الذي يطرحه هو بنفسه والذي يطرحه علينا فيتغنشتاين: هل هذه اليد يداً أم ليست كذلك؟ (يجب أن يطرح السؤال والمرء محدق في يده.)

أتساءل من سيكتب الكتاب الذي خطط له بارا ولم يكتبه أبداً: تاريخ الحرب العالمية الثانية مروياً أو مغنى معركة معركة، معسكر اعتقال فمعسكر اعتقال، بشكل كامل، قصيدة التي تصبح بشكل من الأشكال النقيض الفوري لقصيدة نيرودا “النشيد العام” و التي يحفظ منها بارا نصاً واحداً، “المانيفستو”، يشرح فيه عقيدته الشعرية، عقيدة بارا نفسه تجاهلها كلما استدعى الأمر ذلك، من بين أشياء أخرى لأن هذا بالضبط سبب وجود العقائد: لتمنح إحساساً غامضاً بالأراضي غير المكتشفة التي نحوها يتجه المرء و نادراً ما تنتقي الكتاب الواقعيين. عندما يتعلق الأمر بالمخاطر والمهالك المادية، العقائد لا تهم كثيراً.

دع الشجعان يتبعون بارا. الشجعان هم الشبان فقط، أنقياء القلوب هم الشبان فقط. لكن بارا لا يكتب نظماً صبيانياً. بارا لا يكتب عن النقاء. بل يكتب عن الألم والوحدة، عن التحديات غير الضرورية والضرورية، عن كلمات حتم عليها أن تفترق عن بعضها تماماً عندما تحتم على القبيلة أن تفترق. بارا يكتب كما لو أنه سوف يقتل بالصدمة الكهربائية في الغد. وعلى حد علمي، كان الشاعر المكسيكي ماريو سانتياغو الوحيد الذي امتلك فهماً واضحاً لعمله. أما بقيتنا حسبنا أنا لمحنا شهباً داكناً. أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

في رحلة الشاعر هناك لحظات يكون مضطراً فيها للارتجال. لعله يكون قادراً على إلقاء شعر جونثالو دي بيرثيو من الذاكرة ولعله على معرفة خبيرة بسباعيات جارثيلاسو واثني عشرياته، لكن هناك لحظات كل ما يمكنه فعله فيها هو رمي نفسه في الهاوية أو الوقوف عارياً أمام رهط من التشيليين المهذبين ظاهرياً. بطبيعة الحال، على المرء أن يعلم كيف يتقبل العواقب.  أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

ملاحظة سياسية: بارا تمكن من البقاء على قيد الحياة. هذا ليس بالكثير، لكنه شيء يذكر. لقد عاش بعد اليسار التشيلي، مع قناعاته اليمينة العميقة، واليمين التشيلي النازي الجديد متحدي الذاكرة، لقد عاش بعد اليسار اللاتين-أميركي الستاليني الجديد واليمين اللاتين -أميركي، المعولم الآن والشريك الصامت في القمع والإبادة الجماعية حتى عهد قريب. لقد عاش من بعد الأساتذة اللاتين -أميركيين من أنصاف المواهب الذين احتشدوا عند حرم الجامعات الأميركية والموتى الأحياء(الزومبي) الذين ترنحوا عبر قرية سانتياغو. لقد بقي حياً أيضاً من بعد أتباعه. وقد أذهب أبعد من ذلك-ربما تسوقني الحماسة-وأقول إن بارا، جنباً إلى جنب مع رفاقه (فيوليتا في مقدمتهم) وأسلافه الرابيللين[1]، حققوا واحداً من أعظم الأهداف الشعرية على الإطلاق: إنفاد الجماهير صبرها.

أبيات اختيرت بشكل عشوائي: “من الخطأ أن نظن بأن النجوم يمكن أن تساعد في شفاء السرطان،” قال بارا. وهو على حق.” فيما يتعلق بالعدم، أذكرك بأن الروح خالدة،” قال بارا وهو على حق ثانية. ويمكننا أن نمضي على هذا المنوال حتى تفرغ الغرفة. مع ذلك أذكركم، بأن بارا نحات أيضاً. أو فنان بصري. هذه التفاسير عديمة الفائدة تماماً. بارا ناقد أدبي أيضاً. لخص مرة تاريخ الأدب التشيلي بأكمله في ثلاثة سطور: ” شعراء تشيلي الأربعة العظام / ثلاثة:/ آلونسو دي إرثيا وروبن داريو.”

سيكون شعر العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين مخلوقاً هجيناً، كما سبق أن أصبح الأدب القصصي. ربما نتجه ببطء شديد نحو زلازل جديدة في الشكل. سيشهد أطفالنا في هذا المستقبل الملتبس، والشاعر نائم في كرسي ذو ذراعين، مجتمعاً إلى طاولة العمليات مع طائر الصحراء الأسود الذي يتغذى على طفيليات الإبل.  تحدث بريتون في مرحلة ما متأخرة من حياته، عن ضرورة ذهاب السريالية تحت الأرض، والنزول في مجارير المدن والمكتبات. ثم لم يتحدث أبداً عن الموضوع ثانية. لا يهم من قال إنَّ: زمن حط الرحال لن يأزف أبداً.

[1] نسبة إلى الكاتب الفرنسي الساخر فرانسوا رابليه.

 

Cauldrons and Cupcakes

Recipes for Creativity, Soul Growth, Writing and Life...

نهر الإسبرسّو

أحمد العلي

محمد رشو

شاعر - سوريا

HOKKU

WRITING THROUGH THE SEASONS

شوشرة وكتابة

ترجمات، مقالات، يوميّات

Book Rhapsody

A rhapsodic look at books.

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta de Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 425 متابعون آخرين