Feeds:
تدوينات
تعليقات

 

the-emigrants-ostwalds-family-fixed-1200التقيت بمارتن أوزتفالد بعد أن ربطتني علاقة صداقة بابنه ديفيد الذي كان ابنه زميلًا لابني في روضة الأطفال. حينئذٍ، كان مارتن قد تقاعد من عمله في تدريس الكلاسيكيات في سوارثمور، حيث درَّس لعدَّة سنوات. في أيام العطل ونهايات الأسبوع كان هو وزوجته لور يقودان من بنسلفانيا أحيانًا لزيارة ابنهما وعائلته في نيويورك، وفي واحدة من تلك الزيارات رتَّب ديفيد لنا لقاءًا على العشاء. في الحال شعرت بالإعجاب تجاه هذا الرجل المحترم المسنّ بلكنته الألمانية الواضحة، وكان يرتدي سترة وربطة عنق مع مشبك دومًا، حتى أثناء قيامه بجمع أوراق الأشجار المتساقطة أو بجرف الثلج، على حدِّ قول ديفيد. لباقته عتيقة الطراز وأُلفته جعلتاه محبوبًا جدًا من قبل الطلاب الذين تتلمذوا على يديه حتى أنَّ الكثير منهم اقتدوا بمعلمهم وأصبحوا أستاذة في الجامعة.

حسبما قال ابنه، كان مارتن يسير يوميًا إلى المكتبة، حيث كانت له مقصورته الخاصة، ليعود إلى البيت لتناول وجبة الغداء، ثم يعود إلى المكتبة حتى يحين موعد العشاء. تستمع لور في المساء إلى الموسيقى الكلاسيكية بواسطة سمَّاعات الرأس كي لا تزعجه. كان لمارتن مكتبه الخاص، وكتبه، وغليونه.. عش باحثٍ حيث انغمس في أحدث مشاريعه: المويرا، مفهوم المصير عند الإغريق.

كانت لور، وهي متقاعدة أيضًا، تعمل مع المراهقين المصابين بمرض التَّوحد بعد تخرجها وحصولها على درجة الماجستير من جامعة شيكاغو. على الرغم من إصابتها بحالة حادَّة من تنكُّسٍ بقعي، أمضت وقتها في تتبع شغف حياتها ألا وهو تاريخ الفن. عندما قلت لها إنني وزوجتي سوف نزور سيينا ذلك الصيف، ألحّت علينا لور أن نزور الكاتدرائية حيث يوجد على بعد خطوات داخل مكتبة بيكولوميني رسم تمهيدي للرسام بيكافومي على الأرض. كان من السَّهل تفويته، على حدِّ قولها.

سرعان ما اكتشفنا على العشاء، مارتن وأنا، أننا نتقاسم حبَّ المؤرخ الإغريقي ثيوسيديديس. ومارتن الذي كان على الأرجح الأخير في تقليد طويل ومهيب من علماء فقه اللغة الألمان، شرح لي خطبة الجنازة لبيركليس كما لم أسمعها مشروحة من قبل. في الحال فهمت شغف هؤلاء الذين درسوا معه به. لم يكن يوجد في أسلوبه تحذلق مفرط في التدقيق، فقط معرفة كان سعيدًا بمشاركتها.

لم أكن خبيرًا بالأمم القديمة، لجأت إلى مارتن مرارًا في السنوات التالية طارحًا عليه أسئلة عن الأدب والتاريخ الإغريقيين. ذات صباح، كان لديّ استفهام عن كلمة عند هيرقليطس، جاء الجواب في وقت متأخر من المساء. عرفت أن مارتن تفكَّر في سؤالي طوال اليوم لكي يرد بالرأي الأكثر شمولًا. لاحًقا، كان لدي سؤال عن فقرة قصيرة بالألمانية، مجددًا مع حلول المساء وصلت الترجمة مع الحواشي في حال وجد أنها مفيدة.

عندما التقيت عائلة أوزتفالد ثانية على العشاء في مطعم “الميرميد إن” في جادة أمستردام وشارع 88، عرفا أنني أعمل في كتابة المذكرات ولم يكن ليخطر لي يومًا أني سأعرف ما عرفته عن المويرا. كان مارتن ولور يهوديين متديّنين لكن ليسا أرثوذكسيين. كما شرح لي مارتن، كان والده مهتمًا بالإغريقية القديمة أكثر من العبرية، ولو أنه أصرَّ على أن يتعلم ابنه كلًا من اللغتين.

توقَّف مارتن هنيهة من الوقت، ثم قال لي إن كلمات والده الأخيرة له لم تكن بالألمانية أو بالعبرية بل بالإغريقية القديمة، من الإلياذة لهوميروس: “سيأتي يوم تهلك فيه إيليون المقدسة وبريام وقوم بريام بالرمح الصَّائب”. ثم أضاف بطريقته في صياغة الأفكار والوقائع التي لا تحتاج إلى توضيح على الإطلاق، “لا أعرف إذا كان ديفيد قد أخبرك، لكن والدي توفي في تيريزينشتات في ظلِّ ظروف لا ينبغي أن تكون غريبة عليك”.

كانت المرة الأولى التي يُثار فيها موضوع الهولوكوست بيننا. كان قد نشر مؤخرًا كتاب “جلَّادو هتلر المستعدون” تأليف دانيل جونا جولدهاجن، سألت مارتن إذا كان قد قرأ الكتاب. نعم، أجاب، وشيء في نبرة صوته أخبرني عن وجود تحفظات لديه. قال مارتن إنه على الرغم من براهين وأدلة جولدهاجن المثيرة للإعجاب، هو شخصيًا لم يتمكن من أن يحمِّل جميع الألمان المسؤولية عن مذبحة اليهود، كان الألمان ببساطة “مطيعون للسلطة بخنوع”.

من البيِّن أن ما رآه مارتن من الوحشية كان كافيًا ليجعله راغبًا في وضع كل رعب ألمانيا إبَّان عهد هتلر وراءه. يصف مارتن في مذكراته، التي أراني إياها ديفيد بعد بضع سنوات، إرساله مع أخيه إرنست إلى معسكر اعتقال في زاكسينهاوزن لمدة شهرين عام 1938. لكن في أعقاب ليلة الكريستال، في وقت لاحق من تلك السَّنة، تمكنت أمهما من إرسال ابنيها إلى إنكلترا على متن سفينة، مكَّنت جهود الحكومة البريطانية لإنقاذ الأطفال عشرة آلاف طفل يهودي من ألمانيا، والنمسا، وتشيكوسلوفاكيا من الحصول على الملجأ مع أسر بديلة في المدارس، والمزارع، ومنظمات جماعية. معظمهم وصل بمفرده، ولم يروا آبائهم ثانية.

بحلول عام 1940، ظهرت صعوبات لمارتن وإرنست في بريطانيا، عندما بلغا عمر السابعة عشرة. على الرغم من أنه تم الترحيب بهما في بريطانيا كأطفال يهود لاجئين، أدرجا في ذلك الوقت في الفئة الخاصة المسماة “أجانب أعداء ودودون”. كان مارتن قد نُقل بالسفينة إلى معسكر اعتقال في الكيبيك، حيث بدأ الدراسة للحصول على الشهادة الثانوية وبدأ يدرِّس اللاتينية واليونانية لنزلاء آخرين، بينما أرسل إرنست إلى جزيرة مان. تقاسم غرفة مع شاب يدعى فريدي جوتشالك، وفريدي هو من قال لإرنست إن عليه تشجيع أخيه الأكبر سنًا في كندا ليكتب إلى لور فاينبرغ وهي لاجئة شابة جميلة كانت تعيش مع عائلتها في إنكلترا.

كانت لور وعائلتها أكثر حظًا من الصبيين أوزتفالد، وتمكنوا من الانتقال إلى إنكلترا، ولاحقًا إلى أميركا، بمساعدة عائلة والرشتاين التي كانت تجمعهم بها صلة قربى، وسبق أن استقروا هناك. لكن لور قالت إنها لم تتمكن من نسيان تلك الليلة من عام 1936 التي أعيد فيها عمها فرانز رايرزباخ إلى عائلته من زاكسينهاوزن، ليلة عيد الميلاد، في نعش مسمَّر. توفيت أرملته جريت، وأخيها فلهلم لاحقًا في معسكر اعتقال قرب ريجا، لاتفيا، وأختها إلسي توفيت في تيريزنشتات، عام 1943. وفي عام 1938، انتحر أخوها بول، كما فعلت زوجته فريديل، عام 1940، في نيويورك، بعد صدور قرار رفض تمديد زيارتها وترحيلها إلى ألمانيا.

قالت لور عن الألمان: “أوغاد، هذا ما هم عليه”. بينما عاد مارتن إلى ألمانيا عدة مرات، وزار في إحدى المرات عزبة والديه في قرية زيشتيجفور، عام 1995، رافقته لور مرة واحدة فقط، بنفور كبير. عندما اتصل الألمان ليعربوا عن رغبتهم بإجراء مقابلة مع زوجها، منعت لور مارتن من التحدث إليهم، حتى أنها حاولت أن تمنع ابنها من زيارة ألمانيا في رحلة مع فرقته لموسيقى الجاز. لاحظت أن مارتن ولور نادرًا ما يختلفان، لكن في مسألة ألمانيا كانا على كفِّي نقيض. على العشاء في مطعم الميرميد، بدا أنهما يواصلان جدالًا قديمًا. تمنَّى مارتن أن يبني جسرًا مع ألمانيا المعاصرة، رفضت لور عبوره. كان لا يزال متشوّقًا للتعليم في جامعة ألمانية، حتى ولو لفترة قصيرة. قالت: “عندما يعيدون والدتك”.

ذكر لور اللاذع لوالدة مارتن فُسّر لي بعد بضعة أيام، عندما ودَّعنا أنا وديفيد ابنينا عند روضة الأطفال وذهبنا لشرب القهوة معًا. توجهنا إلى مطعم يوناني، حيث أخرج ديفيد مغلَّفًا مصنوعًا من ورق المانيلا المقوّى، يحتوي على نسخة من رسالة، قال إن جدته لوالده كتبتها.

تلقَّى مارتن الرسالة في ربيع عام 1946، ليلة امتحاناته في جامعة تورنتو، عندما كان يبلغ من العمر أربعًا وعشرين عامًا. في بداية فترة انفصالهم، تبادل مارتن ووالديه الرسائل بانتظام. (كان الرقيب الألماني يفتح الرسائل ويقرأها ويدمغها بختم يحمل الكلمة “مفتوحة”-بخط قوطي. كان الرقيب الكندي يفعل الأمر ذاته بختم آخر، مظهرًا رقم الرقيب المميز). فرحت والدته أيَّما فرح عندما قرأت، من خلال بريد الفاتيكان، في مكتوب مؤلف من خمس وعشرين كلمة، أنه اجتاز امتحان الثانوية العامة وهو لا يزال في مخيم الاعتقال. ثم منذ عام 1942، صمت.

في ذلك المساء، في كندا، كان مارتن يراجع ثيوسيديديس لامتحانه عندما جلس ليقرأ الرسالة التي تعج بالأنباء السيئة. بدأت الرسالة بالقول: “طفليَّ المحبوبين العزيزين”.  استحوذ شيء في بساطة الكلمات على الباحث الشاب-واندفاعه لقراءتها، ضاعف من تأخره في رؤية أن الجزء الأول من الرسالة كان مؤرخًا في 21 أيار عام 1944. لم يلحظ أنها سافرت مدة سنتين كاملتين قبل أن تصله. كتبت في معسكر اعتقال في تيريزينشتات، في ما يعرف اليوم بجمهورية التشيك.

كانت النسخة التي أراني ديفيد إياها في المقهى مؤلفة من عشر صفحات مرقَّمة بأرقام رومانية. لأن الرسالة كتبت في ظروف لا يمكن تصورها، كانت متقنة على نحو غريب، وعلى الرغم من الأحرف المتلاصقة وانعدام الهوامش، كانت السُّطور مستوية تمامًا حتى خامرني الشك أن والدة مارتن قد وضعت عدة مسوَّدات لها، وربما أعادت كتابتها مع مرور الشهور والسنوات. كتبت في حاشية سريعة مؤرخة في الثامن عشر من شهر تشرين الأول عام 1944: “طفليَّ المحبوبين! اليوم أغادر تيريزنشتات إلى وجهة مجهولة. أمنيتي الوحيدة هي أن أراكما ثانية. ليبارككما ربي! والدتكما، هيدفيج أوزتفالد”. عندما قرأ مارتن الرسالة، كان القطار الذي يفترض به أن يقلها قد وصل منذ زمن بعيد إلى مقصده، أوشويتز-بيركينو.

تكتب هيدفيج في رسالتها، “كان على 10.000 يهودي من ألمانيا، بعمر الخامسة والستين ومن هم أكبر سنًا، مغادرة تيرزينشتات على متن خمس وسائط نقل تحمل كل واحدة ألفي شخص”. وتضيف،” لم نسمع شيئًا عنهم منذ ذلك الحين”.  ربما كانت مربكة مما كان ينتظرها، أو ربما كانت تعرف لكنها لم ترغب بالقول. أدرجت أسماء أقارب، وأصدقاء، ويهود آخرين تهاوى ببساطة واحدهم تلو الآخر. هي تخبر ولديها أن والدهما توفي من جراء مضاعفات سرطان البروستات. وتذكر أيضًا أنها أصبحت على صداقة حميمة مع كل من هنرييت جوتشالك، وني روتشيلد، اللتين دعتهما بالـ “oma” أو “الجدَّة”، قبل أن توافي هنرييت المنية أيضًا. حفيد هنرييت فريدي، الذي كان على جزيرة مان، هو من اقترح أن يكتب مارتن إلى لور.

“عندما تبادلنا تحيات الوداع منذ خمس سنوات ونصف ، لم نفكر أو نخمن أن انفصالنا سيطول كل هذا الوقت”، كتبت هيدفيج. “إنها لفكرة تؤلمني أنكما ربما لن تكونا قادرين على أن تعرفا أي شيء عن مصيرنا”، ثم واصلت، “سوف لن أعطيكما أي تقرير عن الحياة هنا عمومًا. ربما سوف تعرفان عن ذلك ذات يوم من كتب التاريخ”. لكنها تمضي في وصف حياتها في تيرزينشتات – عن تقلبات مرض زوجها، وإحجامها عن إزعاج أي شخص بطلب الخدمات، واختفاء البعض، والجوع الدائم، والمنّ من السماء أحيانًا عند وصول رزمة، وما يعهد به إليها هؤلاء الذين ماتوا. “أعيش مع هذا الإحساس بالزَّيف كما لو أني واقفة مثل متفرج بجانب مصيري”، تكتب. “أنا ببساطة لا أستطيع تصديق أني تُركت في هذه الوحدة!”

وقد علم مارتن لاحقًا، أنه تم تهريب الرسالة من تيرزينشتات من قبل قريب والده د. فيليكس باخمان الذي توسطت عائلته بمبلغ كبير من النقود وتم إطلاق سراحها بأعجوبة من تيرزينشتات عام 1944، وفقًا لحواشي مارتن. (“الباحث العنيد كان عليه أن يضيف ملاحظات”، قال ديفيد، ضاحكًا بلطف على والده). شقَّ باخمان طريقه إلى سويسرا وبمساعدة الصليب الأحمر أرسل الرسالة إلى إرنست في إنكلترا بعد الحرب. ونقلها إرنست إلى أخيه في كندا. اليوم، النسخة الأصلية محفوظة في محفوظات مؤسسة ليو باك في مدينة نيويورك.

بعد قراءة الرسالة، وجدت نفسي أفكر بعمل ف.ج.زيبالد.  كانت الترجمة الإنجليزية للـ”المغتربون” عمله الذي يمزج بين الأدب القصصي والسيرة قد نُشرت للتو، وشخصياته كانت لا تزال  يانعة في ذهني: الطبيب هنري سلوين، اليهودي الليتواني- الإنجليزي المرحَّل الذي انتحر، بول بيرايتر، المدرس اليهودي من جهة جده لأبيه الذي حارب في جيش هتلر، وغادر مسقط رأسه، وبعد تقاعده قتل نفسه، أمبروز أدلفارت، الخادم الخصوصي الذي  هاجر إلى الولايات المتحدة وتلاشى في مصحة عقلية، وأخيرًا ماكس فربر، اليهودي الألماني الذي أرسله والداه إلى إنكلترا وانتظرهما ليكتشف أن حصولهما على تأشيرة الخروج و كفالة الأجانب كان مستحيلًا.

زيبالد، المولود في ألمانيا عام 1944 الذي كان يعيش ويدرِّس في جامعة إيست-أنغليا منذ عام 1970، لم يكن هو نفسه يهوديًا، لكنه صوَّر في “المغتربون” حيوات اليهود التي أصبحت قلقة وخارجة عن مسارها. أثَّرت بي قصة ماكس فربر على وجه الخصوص وبعد قراءة رسالة هيدفيج لم أستطع إلا أن أفكر باللحظة التي أخبر فيها فربر الراوي -وهو زيبالد على الأرجح- ما شعر به عند قراءة رسالة أمه الطويلة بعد سماعه بنبأ موتها، تمامًا مثلما علم مارتن أوزتفالد أيضًا بمقتل والدته بعد تسويف وحشي: “لكن يبدو الآن لي أن مسيرة حياتي، بأدق التفاصيل، كانت مرسومة، ليس فقط بترحيل والديَّ لكن أيضًا بتأخّر وصول أنباء موتهما، أنباء لم أتمكَّن من تصديقها أولًا ولم أدرك معناها إلا تدريجًا”.

مع هذا الصَّدى المأساوي في عقلي، اقتنيت نسخة من “المغتربون” وأرسلتها إلى عائلة أوزتفالد في سوارثمور. وصلتني بعد عدة أشهر بعض الأنباء المفاجئة. ليس فقط أن مارتن قرأ الكتاب بسرعة، كما خمنت أنه سيفعل، لكن كذلك لور التي لم تكن حتى ذلك الحين ميالة لقراءة أي شيء من تأليف كاتب ألماني، فما بالك بكتاب عن الهولوكوست. طلبا مني أن أعطيهما عنوان بريد زيبالد الإلكتروني. ولما لم يكن الكاتب يستعمل البريد الإلكتروني، حصلت على عنوانه البريدي ومررته إليهما. الآن نسخ من مراسلتهم التي استمرت مدة خمس سنوات، موضوعة على مكتبي.

بينما أدرك مارتن في الحال التماثل بين حياة ماكس فربر وحياته، ركزت لور انتباهها على حقيقة صغيرة فاتت معظم القراء: عائلة والرشتاين التي ورد اسمها في “المغتربون” على نحو عابر باعتبارها عائلة “تحدَّرت من مكان ما قرب أولم وجمعت ثروة كبيرة من عدة رخص لتخمير البيرة”، شابهت إلى حد لافت آل والرشتاين التي كانت تربطها بهم صلة قربى، وقد عملوا على كفالة لور ووالدتها عندما احتاجتا للاستقرار في أمريكا.” لا يخامرني شك أن السيدة والرشتاين التي ذكرتها، هي عمتي الراحلة دوروثي والرشتاين (مواليد عام 1888)”، كتبت لور في رسالتها الأولى إلى زيبالد، لم تكن نبرة رسالتها خجولة ولا منبهرة، لكن بدلًا من ذلك محتشمة بعض الشيء: “هناك الكثير في وسعي أن أخبرك به عن آل والرشتاين-لكن ربما أنت تعرف سلفًا؟”

وصل رد زيبالد القصير المكتوب بخط اليد بعد أسبوعين تقريبًا -مذكرة من النوع الذي يكتبه كاتب، مختصرة وسريعة قبل أن يضيف فكرة حسنة النية: ” لا يزال يدهشني أننا جميعًا نبدو مرتبطين مع بعضنا البعض بوجه من الوجوه. وفي ضوء ذلك، يبدو تاريخ الاضطهاد برمّته، حتى لو كان المرء يعلم جذوره وأسبابه، عصيًا على الفهم. مع كل الأمنيات الطيبة…” يكتب عن آل والرشتاين، “معرفتي.. مقتصدة للغاية ولا تتجاوز حقيقة أن خالتي التي كان اسمها الحقيقي آني إيجلهوفر عملت عند هذه العائلة عدة سنوات. أتذكر أنه كان يوجد عنوانان واحد في الجادة الخامسة وواحد في وايت بلين. ربما كلا منهما مألوف بالنسبة إليك”.

ككاتب، ابتكر زيبالد جمالية غامضة برصف أشياء متخيَّلة وأشياء مستعادة جنبًا إلى جنب، تتحدى مقالاته ورواياته فكرة أن الأحداث تؤكد الحقيقة على نحوٍ أكبر من الوجوه المنسية، التفاصيل المغفلة أو الثرثرات المسموعة مصادفة. الخالة إيجلهوفر التي كانت حقيقية، كانت بوابة زيبالد إلى عالم آل والرشتاين الذين أيضًا كانوا حقيقيين. ومع ذلك يحوم سردها في منطقة ضبابية يتميز بها زيبالد الذي لم يكن مخلصًا لا للتاريخ ولا للأدب لكنه بدلًا من ذلك كان مخلصًا لنقطة غير مستقرة يلتقي فيها كل من الابتكار، والذاكرة، والمخيلة.

تلعب الصور الفوتوغرافية أيضًا دورًا رئيسًا في جميع كتب زيبالد، وتحيط السرد بهالة من التوثيقية ورجحان الصدق، ومع ذلك هي أيضًا مبهمة ولا يعوَّل عليها. صور مشوشة وكراريس مكتوبة بخط يد غير مقروء تؤكد الفناء الوشيك للأشياء، الناس، الأماكن، أو المباني التي هي مهملة الآن أو، ربما، لطالما كانت كذلك. يجسِّد اليهود بالنسبة لزيبالد، جوهر الزوال السريع والحصانة، سكان عالم ربما ولَّت أفضل أيامه. سطور أخرى غير واضحة في عالم زيبالد، أيضًا. يكتب كراوٍ  في “المغتربون”: “قلبت صفحات الألبوم ذلك الأصيل، ومنذ ذلك الحين عدت إليه مرارًا وتكرارًا، لأن النظر إلى الصور الموجودة فيه، بدا لي ولا يزال حقًّا، كما لو أن الموتى كانوا عائدين، أو كما لو أننا كنا على وشك اللحاق بهم”.

تكتب لور في رسالتها التالية لزيبالد: “هذا فقط على سبيل حاشية لرسالتي السَّابقة ولا أقصد أن آخذ من وقتك الكثير”. ثم عمدت إلى إمطاره بمعلومات عن عائلة والرشتاين بما في ذلك عن ممتلكات العائلة في راي: “بيعت ويبدو أنه أقيم مكانها كنيسة لطائفة المورمون، مصير مثير للفضول”. كان رد زيبالد، الذي يشكرها فيه ويعتذر على عدم الإجابة سريعًا جوابًا وديًا لكن متحفظًا.

“لم يكن هناك حاجة لتردّ على رسالتي الأخيرة”، تجيب لور. لكن حينها تستفسر “عمّا إذا كان هناك من فرصة لي ولزوجي مارتن أن نلتقيك عندما تأتي إلى نيويورك”. إذا كان زيبالد سيحضر إلى فيلادلفيا أو سوارثمور، وتتجاسر قائلة إنه سوف يكون “مرحَّبًا به” للإقامة في منزلهما.

يمكن للمرء أن يتخيل مشاعر زيبالد: المرأة لم تكن لتستسلم. ومع ذلك، تمامًا عندما راودته الرغبة ربما لتجاهل الكتابة إليها، كشفت أوراقها: “لا شك أنك تحدس الآن، مارتن وأنا لاجئين يهوديين من ألمانيا”. ومضت تخبره عن مهنة مارتن وأضافت أنه “عندما كان لا يزال طالبًا تلقى رسالة مفصَّلة كتبتها أمه عن حياتها في تيرزينشتات تمامًا قبل أن ترحل إلى موتها في أوشويتز”. أنهت ملحوظتها،”هذه المرة ليس عليك أن تجيب حقًا”.

the-emigrants-sebald-gramercyبعد ثلاثة عشر يومًا، يكتب زيبالد ويعلمها أنه على الرغم من أن برنامجه مضغوط للغاية، سوف يسره أن يلتقي بها وبمارتن في فندق جريميرسي بارك في نيويورك بعد أسبوع، واقترح يومًا ووقتًا.

علمتُ من ديفيد، أن الثلاثة ناقشوا في الحال الموضوع الذي جمعهم معًا: ليس الهولوكوست بحد ذاته، لكن توابعه -تلك التي أثرت على المستقبل بطرق خفيّة وتلك التي أثّرت على الألمان كما أثرت على اليهود. في رأي ديفيد، سلم مارتن ولور بوجهة النظر هذه.  لقد غيَّرتهما.

كان مارتن مبتهجًا في الاستراحة في جريميرسي بارك التي برهنت له وهو يكتب رسالة إلى زيبالد أنه “يوجد في ألمانيا قيم حتى النازيين، لم يتمكنوا من تدميرها”، يقتبس في رسالته عن غوته بالألمانية: “دع الانسان يكون نبيلًا ونافعًا وصالحًا”.

مع هذه الرسالة، أرفق مارتن ثلاث نسخ من رسالة والدته التي رأيتها بنفسي: “(أ) نسخة مصورة عن الأصل، (ب) نسخة منضدة لتسهيل القراءة، (ج) الترجمة الإنجليزية”. مع نهاية الرسالة يبدو أنه يتذكر فجأة أن ابن أخيه فيليب نايس كان طالبًا عند زيبالد في جامعة إيست-انغليا. في اليوم التالي، تكتب لور إلى زيبالد وتخبره أنها أرسلت له شريطًا سينمائيًا عن بريمو ليفي.

أتى جواب زيبالد سريعًا. كتب: “صباح يوم الاثنين جلب ساعي بريدنا رسائلك اللطيفة للغاية”، ثم واصل:

إن ثقتكما بي تعني لي الكثير وسوف أقدِّر دومًا اللقاء الوجيز الذي جمعني بكما في تلك البقعة المسيَّجة بالخضرة في وسط مانهاتن.  حول رسالة والدة مارتن التي كتبتها من تيرزينشتات بالكاد يمكنني قول أي شيء ما عدا أن كل رسالة تصلني من واحد من كثر دمَّرَهم أبناء وطني، تملؤني بإحساس عميق بالعار وبمعرفة مؤكدة… إنَّ ألمانيا الأفضل مع مضَّطهديها قد انهارت). وكلما عرفت أكثر عن كل هذا كلما قلَّت قدرتي على تخيل وجود شخص واحد بين الألمان أنفسهم أثناء تلك السنوات لم تتلطخ يداه.

بعد فقرتين، يتناول زيبالد ذكر مارتن العابر لابن أخيه. يكتب: “وهذا ليس أمرًا استثنائيًا، أن يكون لدينا، نحن الذين التقينا بمثل هذه الطريقة غير المباشرة (على غير علم منّا)، فيل نايس كوسيط وَصَلَ حيواتنا المنفصلة”. كما سوف يعرف أي شخص يألف طريقة زيبالد في التفكير، بالنسبة لفنان باحث عن معنى متبقٍ في عالم ربما فقد معناه على أوسع نطاق، ليست الصدف مجرد صدف أبدًا، ربما هي المعنى الوحيد الذي يبقى. يتضح تدريجًا أن لور أجبرت بقراءتها ولقائها زيبالد على أن ترفع حظرها عن أي شخص أو شيء ألماني، بالنسبة لزيبالد، أصبح هذين اليتيمين الثمانينيين وسيلة لاكتشاف وتسكين مشاعره المعقدة عن مسقط رأسه.

the-emigrants-sebald-second-letterقوطعت المراسلات مرارًا باعتذارات عن عدم الكتابة من كلا الطرفين. أرسلت طرود بريدية-كتب لزيبالد غالبًا -وثمنت بامتنان. يشتكي زيبالد من معاركه مع مترجمَيْه الإيطالي والفرنسي، عن الوضع الكئيب في جامعة إيست-أنغليا، حيث يدرِّس، وعن المكتبة الوطنية الجديدة المريعة في باريس. هو أيضًا يلمِّح إلى رحلته إلى ويلز من أجل “مشروعه الجديد”-على الأرجح “أوسترليتز”. نُشرت الرواية عام 2001 وهي قصة فتى نجا عن طريق “إنقاذ الأطفال” لكنه مُنح هوية جديدة من قبل العائلة التي استضافته في ويلز. وسرعان ما نسي اسمه الحقيقي، ومسقط رأسه، ووالديه الحقيقيين، لتعود إليه الأحداث التي أفضت إلى انفصاله عن والدته في محطة قطار في براغ.

في نهاية المطاف، توقف زيبالد في سوارثمور. وفقًا لديفيد، أمضوا وقتًا في النظر في ألبوم صور لور، كان زيبالد مهتمًا على وجه الخصوص بصورة خال والدتها ماكس تيندلو الذي توفي في معركة فيردون عام 1916. بعد أيام قررت لور أن تستنسخ بعض الصور من ألبومها لترسلها، ولما لم تستطع أن تقرر أيها الأفضل، أرسلت لزيبالد نسخًا منها جميعًا.

في الرابع من شهر كانون الثاني عام 2001 يكتب زيبالد ليطلب معروفًا صغيرًا. عام 1876، شهدت فيلادلفيا “من بين كل الأماكن” نشر كتاب مبادئ القراءة الألمانية المؤلف من ثمان وأربعين صفحة يدعى “Das ABC mit Bild und Reim” الألف باء مع الصور والنَّظم، مكتوب تحت اسم مستعار، هوغو زيبالد. لم يكن هناك نسخ من الكتاب في إنكلترا، وسأل إذا كان بإمكانهم أن يحصلوا له على نسخة ملوَّنة، وسوف يسره أن يدفع ثمنها. عمل الثنائي الجسور في الحال على تنفيذ المهمة.

لاحقًا كان دور مارتن في طلب الخدمة: هل يهتم زيبالد أن يكون ممتدحه في مناسبة تسلمه الشهادة الفخرية من جامعة دورتموند، بلدة مارتن؟ فأن يكرَّم من قبل ألماني حي قد تكون أفضل لفتة ممكنة للمصالحة والتبرئة، وقد تكون أيضًا أكثر الاحتفالات صخبًا لكل من مارتن ولور. لكن زيبالد رفض بسبب التزامه بالكثير من الارتباطات قُبيلَ نشر أوسترليتز الوشيك.

في الواقع، بعد عدة أيام، في الخامس والعشرين من شهر أيلول عام 2001، كانت لور سعيدة أن تبلغه أن:
“تنتقل روايتك أوسترليتز جيئة وذهابًا على جانبي السرير بيني وبين مارتن، لكن الآن هي من جديد على طاولتي الجانبية”. في ذلك الحين، لا بد أن علاقة الثنائي مع زيبالد بدت مألوفة بما يكفي لكي يتجاوزا تلكؤ ابنًا ناجحًا ومشغولًا عن حضور احتفال تكريم أبيه. تسأل لور في حاشية “ماذا صنعت مع ألف باء زيبالد؟ قريب؟”

لا نعرف الجواب. بعد أقل من ثلاثة أشهر، في الرابع عشر من شهر كانون الأول من عام 2001 توفي زيبالد في حادث سيارة، من المرجح أن الحادث وقع بعد معاناته من كيس دموي أثناء القيادة.

عندما رأيت آل أوزتفالد بعد بضعة أيام في عيد الميلاد كان من الصعب ألا أفكر بزيبالد كل مرة يتحدث فيها مارتن ولور معي. لقد حزنا عليه، أنا واثق من هذا، مع أنهما لم يرغبا بإظهار ذلك. ما لم أكن أتوقعه هو أني في إعادة لقراءة “أوسترليتز” بعد وقت قصير، كنت أفكر كثيرًا بعائلة أوزتفالد التي بدت مكتوبة في روايته، أكثر مما شعرت سابقًا أن “المغتربون” كانت صدى لحياة مارتن. سوى أنه، كما اكتشفت أنه كان لمارتن دور أكثر فعالية في كتابة أوسترليتز مما كنت أعتقد. اكتشفت أن مارتن لم يكتفِ فقط بإخبار زيبالد عن الفترة التي أمضتها أمه في تيرزينشتات، لكن كان واحدًا ممن لفتوا انتباه زيبالد إلى المجلد الموسوعي عن ذلك المعسكر الذي ألفه ه.ج. أدلر وذكره زيبالد في أوسترليتز.

حل مارتن في “أوسترليتز” بطريقة أكثر مباشرة أيضًا. وفقا لسكوت بارتش الذي كان يبحث في أوراق زيبالد في أرشيف ماراباخ في ألمانيا، كان الكاتب قد قرر بوضوح، في أواخر عام 1992 وبداية عام 1993 أن إنقاذ جاك أوسترليتز سوف يتم في براغ عبر “إنقاذ الأطفال”، وربما ترسل والدة أوسترليتز إلى تيرزينشتات.  في بداية عام 1993 كان قد طلب معلومات عن هنرييت جوتشالك التي توفيت كما نعلم من رسالة هيدفيج أوزتفالد في تيرزينشتات. لم يكن زيبالد على علم بعائلة أوزتفالد في الوقت الذي قام فيه بالطلب، لكن بعد لقائهما، كان أثرهما على عمله لا لبس فيه. كما كتب بارتش لديفيد:” لا أزال أتذكر الأصيل الذي وجدت فيه نسخة من رسالة هيدفيج أوزتفالد اللافتة في الأرشيف، مع الخطوط التي وضعها زيبالد بخط يده”.

عاش مارتن ولور تسع سنوات أخرى. لم يتلكأا أبدًا في كل مرة ألتقيهما، وحدث ذلك عادة في العطلات، عن ذكر كم كبرا بحبهما لزيبالد، أو ماكس، كما كان معروفًا لأصدقائه. صادف أن ماكس كان اسم والد مارتن واسم خال لور الذي قتل في فيردون، كان ماكس أيضًا اسم فربر في رواية المغتربون.

ذات صباح، أوصلت مارتن ولور إلى محطة “بن”، حيث كانا سيستقلان القطار المتجه إلى سوارثمور بعد أن أمضيا عطلة طويلة مع ابنهما وعائلته. كانت لور ضئيلة للغاية بعد أن كسر ضلعين من أضلاعها أثناء نومها ذات ليلة، وكانت تعاني صعوبة في المشي. كان مارتن يرتدي سترة من قماش التويد وقميصًا وربطة عنق، مع مشبك لا غنى عنه. رافقتهما في هبوط عدد من الدَّرجات.

عند مرحلة معينة، وهما يشعران أنهما طلبا مني أكثر مما يجرؤان عليه، قالا لي إنَّ عليَّ التوجه إلى البيت. ترددت وأصرَّا. كنت مجبرًا على أن أودعهما، ولو أني في النهاية وقفت مكاني وراقبتهما يبتعدان -هي مستندة على ذراعه، وهو يحمل حقيبة صغيرة ذات لون بني فاتح ولا أحد يعلم كم مضى عليها من عقود. كانا منسجمَيْن معًا. لقد خلَّصته من ماضيه وخلَّصها من ماضيها. وأنا أراقبهما لم أتمكن إلا من التفكير بافتتان زيبالد بمحطات القطارات، ولثانية ساورني شعور غريب بأني لن أراهما أحياء ثانية، ولم يحصل يومًا.

مخلصان حتى النهاية، توفيا بفارق أسبوع واحد.

 

عن النيويوركر:

http://www.newyorker.com/books/page-turner/w-g-sebald-and-the-emigrants

nichita-stanescu800.jpg

نيكيتا ستانيسكو – شاعر روماني (1933-1983)

أغنية حب حزينة

في الحقيقة، وحدها حياتي سوف تموت من أجلي،

يوماً ما.

وحده العشب يعرف طعم الأرض.

في الحقيقة، وحده دمي سيفتقد

قلبي عندما يغادر.

الهواء طويل، أنت طويلة،

حزني طويل.

سيأتي وقت تموت فيه الخيول.

سيأتي وقت تبلى فيه الآلات.

سيأتي وقت ينهمر فيه مطر بارد،

وتحمل جميع النساء ملامحك

ويرتدين ثيابك.

يأتي أيضاً طائر أبيض هائل

ويضع القمر في السماء.

 

أغنية شتائية

 أنت في الشتاء آية من الجمال!

استلقى الحقل على ظهره، مجاوراً الأفق،

والأشجار كفت عن الهرب من ريح الشتاء…

أنفي يرتعش

وما من رائحة شذية

وما من نسمة

فقط فوح الشمس، البعيد

الثلجي.

يا لشفافية يديك في الشتاء!

ولا يعبر أحد –

ليس سوى الشموس البيضاء تتعاقب في تعبد صامت.

ويشيع الفكر دوائر

تطوّق الأشجار

مثنى

ورباع.

قصة عاطفية

 كم تلاقينا في ذلك الحين.

كنت أقف على أحد جانبي الساعة،

وأنت على الجانب الآخر،

مثل أذني جرَّة.

وحدها الكلمات رفرفت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً.

تكادين ترين تحليقها،

وفجأة،

سوف أجثو على ركبة،

وأمس بمرفقي الأرض

وأنظر إلى العشب، محنياً

من سقوط كلمة ما،

كما لو بمخلب أسد هارب.

الكلمات دوَّمت فيما بيننا،

جيئة وذهاباً،

وكلما أحببتك أكثر، كلما

استمرت، هذا التدويم الذي يكاد يكون مرئياً،

بنيان الأمر، بداية الأشياء.

 

 

 

moja bieda my sorrows S.jpg

في صيف العام 1836- و.ج.سيبالد.

قال الدليل إنَّ

فريدريك شوبان

مكث هنا في نزل

البجعة البيضاء. استغرقت

رحلته بالحافلة

تسعة أيام من باريس

ليصل إلى محبوبته

ماري فودزينسكا.

أحيا عدة حفلات موسيقية

على البيانو في حضور حلقة

صغيرة اجتمعت في

الأمسيات. ازدادت

ذرا الجبال

البوهيمية الزرقاء

دكنة عبر

النافذة. أثقل

الطقس البارد الرطب

على صدره وتمتم

الطبيب بشيء عن

بوادر السل. في

بداية نوفمبر

فسخت خطوبتهما

كان موقف والدها في درسدن

حازماً.

بعد ثلاثة عشر عاماً

وجدت رزمة رسائل

باهتة في

مسكن العازف

الراحل. مربوطة

بشريطة كتب عليها:
Moja Bieda-أسايَ.

 

 

 

 

t

“لقد وقعت في حب جمالك، لكني من توي بدأت أحب فيك ما هو أبدي وأزلي-دفئك، روحك.  في وسع المرء أن يعرف الجمال ويقع في حبه خلال وقت قصير ليكف عن هذا الحب بمثل هذه السرعة، لكن على المرء أن يكتشف الروح ليعرفها. صدقيني، لا يمنح شيء على وجه هذه البسيطة دون جهد، حتى الحب، أكثر المشاعر جمالاً وبساطة”.

رسالة من ليو تولستوي إلى فاليريا آرسينيف-1856

 

z

“يا ملاكي الحبيب-أكاد أجنُّ بك، حتى أقصى درجات الجنون: أنت تحولين بيني وبين استجماعي لأفكاري. لم يعد في وسعي التفكير في أمر سواك. يحملني خيالي إليك رغماً عني. أعانقك، أقبلك، أداعبك، ألف من أكثر المداعبات شهوانية تستولي علي. أما عن قلبي، هناك ستكونين على الدوام-كثيراً جداً.  يمنحني وجودك فيه إحساساً لذيذاً. لكن يا إلهي، ما الذي سيحل بي، إذا ما أفقدتني رشدي؟ روَّعني هذا الهاجس في الصباح”.

من بلزاك إلى إيفلين هانسكا-1836.

v

” انظري فيتا-تخلي عن رجلك، وسوف نذهب إلى قصر هامبتون كورت ونتناول الطعام عند النهر معاً ونتمشى في الحديقة في ضوء القمر ونعود إلى البيت في وقت متأخر ونحتسي زجاجة من النبيذ ونثمل، وسأخبرك بكل ما أفكر به، أفكار لا تعد ولا تحصى-لا يمكن إثارتها في ضوء النهار، بل في الظلمة عند النهر. فكري في ذلك. تخلي عن رجلك، كما قلت، وتعالي”.

من فرجينيا وولف إلى الشاعرة الإنجليزية فيتا ساكفيل-ويست. 1927.

;

” اكتبي لي مرة واحدة في الأسبوع فقط، لتصل رسالتك يوم الأحد-لأني لا أستطيع احتمال رسائلك اليومية، أنا عاجز عن تحملها. على سبيل المثال، أجيب على واحدة من رسائلك، ثم أتمدد في السرير هادئاً ظاهرياً، لكن قلبي يخفق عبر جسدي كله ولا يعي إلاك. أنا أنتمي إليك، ليس هناك طريقة أخرى للتعبير حقاً، وهي ليست قوية بما فيه الكفاية. لكن لهذا السبب بالذات لا أريد أن أعرف ماذا ترتدين، معرفتي تشوشني للغاية فلا أستطيع متابعة حياتي، ولهذا السبب لا أريد أن أعرف بأنك مولعة بي. كيف يمكنني أنا الأحمق، إذا ما عرفت، أن أواصل الجلوس في مكتبي، أو هنا في البيت، بدلاً من القفز لأستقل قطاراً مغلقاً عيني ولا أفتحهما إلا عندما أكون معك؟”

من كافكا إلى فيليس باور-1912.

المصدر:

http://historybuff.com/8-beautiful-love-letters-from-authors-in-tortured-relationships-ZrYRD6j6Dmp9

 

1_21082009_13458_nicanorparradibam550x290

ثمان ثوانٍ مع نيكانور بارا- روبيرتو بولانيو.

هناك أمر وحيد فقط في وسعي أن أقوله بثقة عن شعر نيكانور بارا في هذا القرن الجديد: سوف يدوم. هذا يعني القليل جداً، بالتأكيد، وقد يكون بارا أول من يعترف. مع ذلك، سوف يدوم، جنباً إلى جنب مع شعر بورخيس، باييخو، ثيرنودا وقلة آخرين. لكن يتعين القول إن هذا لا يهم إلا بالكاد.

رهان بارا، سبره للمستقبل، معقد كثيراً ومن الصعب شرحه هنا. وقاتم للغاية. إنه يتملك ظلمة الحركة. الممثل الذي يتحدث أو يومئ، مهما يكن، مرئي تماماً. ملامحه، زخارفه، الرموز التي ترافقه مثل أورام، مألوفة: إنه الشاعر الذي ينام جالساً في كرسي، زير النساء الذي يضيع في مقبرة، المحاضر الذي يشد شعره حتى يقتلعه، الشجاع الذي يجرؤ على التبول جاثياً، المتعبد الذي يراقب ارتحال السنين، الإحصائي المتفجع. لقراءة بارا، من الجدير طرح السؤال الذي يطرحه هو بنفسه والذي يطرحه علينا فيتغنشتاين: هل هذه اليد يداً أم ليست كذلك؟ (يجب أن يطرح السؤال والمرء محدق في يده.)

أتساءل من سيكتب الكتاب الذي خطط له بارا ولم يكتبه أبداً: تاريخ الحرب العالمية الثانية مروياً أو مغنى معركة معركة، معسكر اعتقال فمعسكر اعتقال، بشكل كامل، قصيدة التي تصبح بشكل من الأشكال النقيض الفوري لقصيدة نيرودا “النشيد العام” و التي يحفظ منها بارا نصاً واحداً، “المانيفستو”، يشرح فيه عقيدته الشعرية، عقيدة بارا نفسه تجاهلها كلما استدعى الأمر ذلك، من بين أشياء أخرى لأن هذا بالضبط سبب وجود العقائد: لتمنح إحساساً غامضاً بالأراضي غير المكتشفة التي نحوها يتجه المرء و نادراً ما تنتقي الكتاب الواقعيين. عندما يتعلق الأمر بالمخاطر والمهالك المادية، العقائد لا تهم كثيراً.

دع الشجعان يتبعون بارا. الشجعان هم الشبان فقط، أنقياء القلوب هم الشبان فقط. لكن بارا لا يكتب نظماً صبيانياً. بارا لا يكتب عن النقاء. بل يكتب عن الألم والوحدة، عن التحديات غير الضرورية والضرورية، عن كلمات حتم عليها أن تفترق عن بعضها تماماً عندما تحتم على القبيلة أن تفترق. بارا يكتب كما لو أنه سوف يقتل بالصدمة الكهربائية في الغد. وعلى حد علمي، كان الشاعر المكسيكي ماريو سانتياغو الوحيد الذي امتلك فهماً واضحاً لعمله. أما بقيتنا حسبنا أنا لمحنا شهباً داكناً. أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

في رحلة الشاعر هناك لحظات يكون مضطراً فيها للارتجال. لعله يكون قادراً على إلقاء شعر جونثالو دي بيرثيو من الذاكرة ولعله على معرفة خبيرة بسباعيات جارثيلاسو واثني عشرياته، لكن هناك لحظات كل ما يمكنه فعله فيها هو رمي نفسه في الهاوية أو الوقوف عارياً أمام رهط من التشيليين المهذبين ظاهرياً. بطبيعة الحال، على المرء أن يعلم كيف يتقبل العواقب.  أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

ملاحظة سياسية: بارا تمكن من البقاء على قيد الحياة. هذا ليس بالكثير، لكنه شيء يذكر. لقد عاش بعد اليسار التشيلي، مع قناعاته اليمينة العميقة، واليمين التشيلي النازي الجديد متحدي الذاكرة، لقد عاش بعد اليسار اللاتين-أميركي الستاليني الجديد واليمين اللاتين -أميركي، المعولم الآن والشريك الصامت في القمع والإبادة الجماعية حتى عهد قريب. لقد عاش من بعد الأساتذة اللاتين -أميركيين من أنصاف المواهب الذين احتشدوا عند حرم الجامعات الأميركية والموتى الأحياء(الزومبي) الذين ترنحوا عبر قرية سانتياغو. لقد بقي حياً أيضاً من بعد أتباعه. وقد أذهب أبعد من ذلك-ربما تسوقني الحماسة-وأقول إن بارا، جنباً إلى جنب مع رفاقه (فيوليتا في مقدمتهم) وأسلافه الرابيللين[1]، حققوا واحداً من أعظم الأهداف الشعرية على الإطلاق: إنفاد الجماهير صبرها.

أبيات اختيرت بشكل عشوائي: “من الخطأ أن نظن بأن النجوم يمكن أن تساعد في شفاء السرطان،” قال بارا. وهو على حق.” فيما يتعلق بالعدم، أذكرك بأن الروح خالدة،” قال بارا وهو على حق ثانية. ويمكننا أن نمضي على هذا المنوال حتى تفرغ الغرفة. مع ذلك أذكركم، بأن بارا نحات أيضاً. أو فنان بصري. هذه التفاسير عديمة الفائدة تماماً. بارا ناقد أدبي أيضاً. لخص مرة تاريخ الأدب التشيلي بأكمله في ثلاثة سطور: ” شعراء تشيلي الأربعة العظام / ثلاثة:/ آلونسو دي إرثيا وروبن داريو.”

سيكون شعر العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين مخلوقاً هجيناً، كما سبق أن أصبح الأدب القصصي. ربما نتجه ببطء شديد نحو زلازل جديدة في الشكل. سيشهد أطفالنا في هذا المستقبل الملتبس، والشاعر نائم في كرسي ذو ذراعين، مجتمعاً إلى طاولة العمليات مع طائر الصحراء الأسود الذي يتغذى على طفيليات الإبل.  تحدث بريتون في مرحلة ما متأخرة من حياته، عن ضرورة ذهاب السريالية تحت الأرض، والنزول في مجارير المدن والمكتبات. ثم لم يتحدث أبداً عن الموضوع ثانية. لا يهم من قال إنَّ: زمن حط الرحال لن يأزف أبداً.

[1] نسبة إلى الكاتب الفرنسي الساخر فرانسوا رابليه.

 

a6a9f65ed9a091a3d649afa839177da0

 

 

مفتاح إعادة القراءة-تيم باركس.

لنعد قراءة نابوكوف حول إعادة القراءة.  يدَّعي نابوكوف أننا لدى تناولنا للرواية لأول مرة تغرقنا كمية المعلومات الكبيرة ويرهقنا الجهد الذي نبذله في التدقيق في السطور. فقط لاحقاً في لقاءات متتابعة مع النص سنبدأ برؤيته وتقديره ككل كما نفعل مع لوحة.  وهكذا-للمفارقة-عندئذ “ليس هناك قراءة، فقط إعادة قراءة.”

يرقى هذا الموقف-وقد ألمحت إليه مؤخراً في هذا الحيز-إلى جدول أعمال نخبوي، وهاجس مغموم بالسيطرة، ورغبة في الاستحواذ على النص (مع الإيحاء دوماً أن هناك قلة قليلة من النصوص التي تستحق الحيازة) بدلاً من قبول احتمالية كل قراءة لحظة بلحظة.

يعترض قارئ قائلاً: ” خطأ! ليس صحيحاً،” ويدعو لمقارنة مع الموسيقى ” عندما نسمع أغنية جديدة للمرة الأولى هل يمكننا أن نستمتع بها حقيقة؟  فقط بعد مرتين أو ثلاث مرات من سماعها ستبدأ بمنحنا المتعة فعلياً.” ثم يضيف هذه الصيغة المثيرة للاهتمام:

عندما نعي شيئاً جديداً للمرة الأولى لا يمكننا أن نعيه وعياً فعلياً لافتقارنا للبنيان المناسب الذي يسمح لنا بإدراكه. يشبه دماغنا صانع أقفال يصنع قفلاً عندما يكون المفتاح على قدر من الأهمية. لكن عندما يكون المفتاح قصيدة جديدة على سبيل المثال، أو أنواع جديدة من الحيوانات-إنه اللقاء الأول، ليس هناك قفل جاهز لمثل هذا المفتاح. أو على وجه الدقة، ليس المفتاح مفتاحاً بعد طالما أنه لا يفتح أي شيء. إنه مفتاح محتمل. بأية حال، يدفع اللقاء بين الدماغ وهذا المفتاح المحتمل باتجاه صناعة قفل. في اللقاء الثاني أو الإدراك الثاني للشيء/ المفتاح سوف يفتح القفل المحضر من أجله في الدماغ.

إنها نظرية معقدة وتبين في الواقع أن القارئ هو الفيلسوف وعالم النفس ريكاردو مانزوتي. ما يثير الاهتمام قبل كل شيء هو إبطال مقارنة المفتاح/ القفل المعتادة. بالمقارنة العقل ليس مبتكراً لمفتاح يحل شيفرة النص، إنه مهيئ نفسه بطريقة يسمح فيها للنص أن يصبح مفتاحاً يفض قفل إحساس و “معنى” في العقل. هل مانزوتي محق؟ وإذا كان محقاً ماذا يقول لنا هذا عن القراءة؟

بالتأكيد خبرنا جميعاً ما وصفه حول أول لقاء مع نصوص صعبة، لاسيما الشعر. لم يكن بالإمكان تسمية قراءتي الأولى للأرض اليباب في مقرر الأدب في المدرسة الثانوية في عمر السادسة عشر قراءة إلا لماماً. ستستغرق دروس عدة وقراءة إضافية قبل أن يبدأ تناول إليوت فجأة بإنتاج تقدير يقظ وإعجاب قبل “إبريل أقسى الشهور،” بمعنى آخر، ذكرتني بصدق مدى صعوبة الحياة والتغيير على عكس السبات. استحضر العقل قفلاً سمح للقصيدة أن تعمل كمفتاح تلاءم مع عقلي وشيء ما أدير وانفتح.

صورتان.   بدا قفل الأرض اليباب هذا مناسباً تماماً أيضاً أو مكيفاً بسهولة لقدر من مفاتيح أخرى، يمكن لعقلي الآن أن ينفتح بواسطة قصائد حداثية أخرى بسرعة أكبر بكثير، لا سيما قصائد اليوت الأخرى، جميعها تنشط الحواس بسلاسة كافية، مع أن المرء قد لا يحصل على إشباع فضوله من قصيدة جديدة في قراءة واحدة، إلا أن القفل يقوم بعملية أسرع الآن، بالتأكيد إلى حد الإحساس أحياناً بالـ “ديجا فو”: أوه، إنه قفل من النوع الذي يرغب المفتاح بفتحه. أو حتى: ليس هذا مجدداً، يا للخيبة! ما قد يشرح سبب توقف الشعراء عن الكتابة بهذه الطريقة.

هذا يستدعي تأملاً آخر. تكمن المتعة في نوع محدد من القراءات في عملية صنع القفل، التشابك المتدرج بين العقل والنص، عندما نألف هذه التجربة يفتح النص في عقولنا، سنكون أقل إثارة. أو على الأقل ستكون المتعة من نوع مختلف، مقدمة طمأنة ما هو معلوم، أو ببساطة تجعلنا نتذكر بسعادة مرحلة صنع القفل الحماسية، مثل هذا الفارق قد يساعدنا على الإمساك بالفكرة القديمة عن الفرق بين القصة والعمل الأدبي. ليس هناك عملية تعلم متواصل مع نوع “القصة” نعلم كيف نقرأ ميجريت ولن نحلم أبداً بقراءة ثانية. إنها تحث دوماً على نفس ردود الأفعال. لكن مع رواية أدبية سنترقب متعة جهد التنظيم وصور ذهنية جديدة فتحت في العقل.

إذن لعل نابوكوف كان محقاً، أو على الأقل بالنسبة لروايات معقدة-التي ربما كانت بالنسبة له الروايات الوحيدة التي يهتم لها. علينا إعادة قراءتها.

بالتأكيد من المحتمل أن تكون القصيدة مستغلقة على الأقل في البداية، لأنها موجزة. يمكن قراءة الأرض اليباب في عشرين دقيقة ولكن ليس يقظة فينيجن. شعوري أن رواية هي رواية حقيقة في الغالب ستأخذنا أو إلى حد ما في عملية صنع القفل في الصفحات الافتتاحية حيث قد نجد أننا نعيد قراءة فقرة أو اثنتين رغبة في الحصول على توجهاتنا هذه، في الصفحة الافتتاحية من السيدة دالاوي على سبيل المثال. بفضول كاف في فقرة سابقة استعملت وولف مقارنة إذا لم يكن أقفال ثم من محاور كلاريسا دالاوي تنتظر قدوم بعض العمال لينزعوا الأبواب من مفاصلها في الأرض منزلها لتسهيل الحفلة التي تخطط لإقامتها في وقت لاحق من ذلك اليوم، ثم وهي تندفع إلى الشارع لدينا:

يا له من مرح! يا له من انغمار! ذلك أن الأمر بدا لها دائماً عندما كانت مفاصل النوافذ تصدر صريراً خافتاً يمكنها سماعه الآن، فتحت النوافذ الفرنسية على مصراعيها يغمرها هواء بورتون الطلق. كم هو منعش وكم هو نظيف، أكثر سكوناً من هذا بالتأكيد كان الهواء في الصباح الباكر لكأنه لطمة الموج، قبلة الموج، بارداً وحاداً ومع ذلك (بالنسبة لفتاة بعمر الثامنة عشرة كما كانت آنئذٍ) رصين، كانت تشعر، بوقوفها هناك عند النافذة المفتوحة، أن شيئاً ما رهيباً على وشك الحدوث، تنظر إلى الزهور، إلى الأشجار والدخان يتلوى من حولها وطيور الغدفان تعلو وتحط تقف وتنظر إلى أن قال بيتر والش، ” تتأملين بين الخضراوات؟” هل كان ذلك؟ – ” أنا أفضل الرجال على القرنبيط”-هل كان ذاك؟

ماهي التجربة، أو القابلية التي يبتغي هذا النص أن يطلقها فينا؟ حيث الماضي والحاضر مشتركين كأفكار، أنواع عديدة سمح لها بالانتشار في طيات نحوية ممتدة، إلى أن يأتي شخص ما ليقطعها بملاحظة ساخرة ومدية. ستتكرر الصيغة مئات المرات في الكتاب، يخلص العقل في حلم يقظة وثم فجأة يعود إلى الحاضر من خلال اقتحام ما. قد يحتاج القراء قليلي التجربة حقاً إلى إعادة القراءة مرات عديدة قبل أن يتيقظ النص ويفتح القفل المصنع حديثاً في عقولهم.

لكن القراء ليسوا متشابهين جميعاً. ليسوا جميعاً في نفس العمر. كما لاحظ جريجوري باتسون في خطوات نحو إيكولوجية العقل، لا يصنف البشر أنفسهم كثيراً من حيث قدراتهم على التعلم، بل من حيث قدرتهم على تعلم كيف يتعلمون، إدراك هذه الحالة الجديدة يتطلب عملية تعلم وتسهيل تلك العملية بكل وسيلة. إذن فالقارئ الخبير يأتي إلى وولف ثائباً إلى رشده في الحال إلى أن مصدر إزالة المفاصل وغمر الأبواب يقول لهم شيئاً عن كيفية قراءة الكتاب.  مع الوقت نصل إلى هذه الفقرة، بعد عشرين صفحة، حيث يوزع رجل نشرات دينية، إغراء الكنيسة الأم، على الأقل هذا الجانب من المنهج سيكون الآن شديد الوضوح في كونه تكلفاً خطراً:

عندئذٍ، في حين يحمل الرجل عسير الوصف غير طبيعي المظهر حقيبة جلدية ويقف على درج كاتدرائية القديس بولس متردداً، فيا لها من رائحة عطرية تفوح فيها ، يا له من ترحيب عظيم ، عدد كبير من القبور ورايات تلوح فوقها، علامات ليس على انتصارات الجيوش ، بل الفكر، تلك الروح المزعجة للبحث عن الحقيقة التي تتركني في الحاضر بدون حالة، وأكثر من ذلك تقدم الكاتدرائية  الرفقة، فكر،  تدعوك للانتماء إلى المجتمع، ينتمي إليها رجال عظماء ، شهداء ماتوا من أجلها، لم لا أدخلها، فكر،  ضع هذه الحقيبة الجلدية المحشوة بالكتيبات أمام المذبح، الصليب، رمز لشيء حام متجاوزاً البحث  و مساءلة  وقرع كلمات معاً وأصبح روح خالصة، منفصل عن الجسد، شبحي-  لم لا أدخلها؟ فكر وفي تردده حلقت طائرة فوق سيرك لودجيت.

دون شك بنهاية السيدة دالاوي هذا اللعب بين ضلالات عقل الفرد وتعديات العالم، بين الانسان المعزول والمجتمع، كل شيء شديد الوضوح. أنت بالكاد تحتاج للعودة وإعادة قراءة إلا سعياً وراء متعة رؤية حرف T المتقاطع. التي يمكن أن تكون متعة هائلة. أو ربما قد ترغب بعد سنوات-وقد أصبح القفل صدئاً الآن-بالعودة والانغماس لتنظفه وتتذكر في إعادة سريعة التجربة التي تستدعيها كتابة وولف. ” آه نعم،” تقول بعد عدة صفحات، ” تلك هي التروس والعجلات التي تديرها السيدة دالاوي.”

هذه تجربتي الشخصية في إعادة القراءة. أنا لا أعيد قراءة كامل الرواية في الخطة النابوكوفية الشعورية وفيها ينبغي علي امتلاك كل شيء وأثبات كل فارق دقيق. أنغمس فيها مجدداً، أقرأ فصلاً أو اثنين، أو حتى صفحة واحدة هنا وهناك، بشكل عشوائي تماماً. لأتذكر اضطراب المشاعر التي أدارها ذلك القفل الخاص في عقلي.

إذن فتحت نسختي القديمة من كتاب بيكيت “واط” مؤخراً، ووجدت فقرة لم أتمكن من تذكر أني قرأتها على الإطلاق، لكنها استرجعت بشكل بهي جميع التقنيات التي جعلت هذا القفل الخاص في الرأس واحداً من أكثر الأقفال الباروكية تعقيداً لتقلب كل شيء. إذا فتح. بشكل مضحك تتحدث الفقرة تماماً عن مشكلة الإدراك وعن أشياء لم يكن بوسعها -في حالة واط -من أن تكون منطقية:

كان واط قد بدأ يشعر بالتعب من الجري، عيناه تذرعان هذا الطريق السريع عندما أسر شخص انسان على ما يبدو-انتباهه وأيقظه وهو يتقدم قادماً من رأس الشارع. كانت أول فكرة خطرت لواط أن هذا المخلوق طلع من الأرض، أو سقط من السماء. وفكرته الثانية بعد خمس عشرة أو عشرين دقيقة، هي أنه ربما تصور وضعه الحالي عن طريق سياج أولاً ومن ثم خندق. لم يكن بوسع واط تحديد فيما إذا كان هذا شكلاً لرجل أو امرأة أو كاهن أو راهبة. هو لم يكن لصبي أو لفتاة فقد كان واضحاً، في رأي واط، من خلال أبعاده. لكن أمر تحديد فيما إذا كان لرجل أو لامرأة أو لكاهن أو لراهبة كان يتجاوز قدرة واط، مجهداً عينيه. إذا كان لامرأة أو لراهبة فهي امرأة أو راهبة من حجم غير عادي، حتى لهذا الجانب من الريف، بالحجم الاستثنائي اللافت لنسائه وراهباته. لكن واط يعلم جيداً جداً، جيداً جداً جداً أي مقاييس لنساء بعينهن وراهبات بعينهن كن قادرات على الانتهاء من أولئك هذا الطواف، وأن هذا الطواف لم يكن امرأة ولا راهبة لكن رجل أو كاهن…

 

هذا ما زاد من اضطراب واط كثيراً، ذلك أنه خلال عشر دقائق أو نصف ساعة انصرمت، منذ أن أدرك أولاً أن هذا الشخص، الذي يخطو خطوات واسعة عند رأس الشارع، نحو المحطة، لم يزدد طولاً أو عرضاً أو تميزاً في الملامح مصراً على التقدم طوال هذا الوقت، دون أن يفتر اندفاعه المتعثر نحو المحطة، ولم يحرز المزيد من التقدم أكثر مما يمكنه أن يفعل لو كان حجر رحى.

كان واط محتاراً إزاء هذا، إلى أن بهتت الشخصية باطراد دونما هوادة في سيرها واختفت أخيراً.

يمكن وصف كامل رواية “واط” على أنها تذوق سادي لمفتاح وقفل لا يجتمعان أبداً، كما لو أن بيكيت كان يثبط من عزيمة قرائه كي لا يتخيلوا أبداً أن أي نص من نصوصه يمكن أن يحدث يوماً صوتاً -” تكة”-لطيفاً في أدمغتهم الأدبية.

 

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/jul/11/rereading-unlocking-the-mind/

 

 

 

 

757212

 

 

 

تقديم الكتاب بقلم جورج باتاي

أنتمي إلى جيل مضطرب، ابناً لحياة أدبية في معمعة السريالية. في السنوات التي تلت الحرب العالمية كان هناك شعور يشارف على الفيضان. كان الأدب يضيق بقيوده وبدا أنه يحمل بذور الثورة.

كتب هذه الدراسات، المتماسكة بشكل مدهش، رجل ناضج. ومع ذلك فقد أنتجت في حمأة شبابه المضطرب، وهي تعكس هذا بشكل خافت.

أجده مهماً أن جزءاً من الإصدار الأول من هذه المقالات كان يجب أن يظهر في مجلة Critique، التي تدين بنجاحها إلى طابعها الجدي. لكن يتعين عليَّ أن أضيف أنه إذا ما توجب علي بين الحين والآخر أن أعمل على إعادة تنقيحها فالسبب يعود أولاً، إلى أنني لم أتمكن من تقديم سوى صياغة مبهمة لأفكاري بسبب الاضطراب في عقلي. اضطراب أصيل ينطلي على دراستي بمجملها، إنه زبدة كتابي. لكن حان الوقت للسعي نحو صفاء الوعي. أقول بأن الوقت قد حان.. لكن تمر لحظات يبدو الوقت فيها معدوماً تقريباً أو ضاغطاً بأية حال.

هذه الدراسات هي حصيلة محاولاتي لاستخراج جوهر الأدب. الأدب إما أن يكون أساسياً أو لا يكون. أؤمن أن للشر-لشكل شديد من الشر-الذي يفصح، قيمة حاكمة بالنسبة لنا. لكن هذا المفهوم لا يستثني الأخلاق: بل على العكس، يتطلب ” فرطاً في الأخلاق.”

الأدب هو اتصال.  اتصالاً يتطلب إخلاصاً. تتولد الأخلاق المتزمتة من التورط في معرفة الشر، المعرفة التي هي قوام الاتصال المكثف.

ليس الأدب ببريء. إنه مذنب وعليه أن يعترف بهذا. الفعل بمفرده لديه حقوقه وامتيازاته. أردت أن أثبت أن الأدب هو عودة إلى الطفولة. لكن هل تملك الطفولة التي تحكمه حقيقتها الخاصة؟ قبل ضرورة الفعل، نحن مندهشون إزاء نزاهة كافكا، التي لا تلغي أي حق من حقوقها. أياً كانت الأمثولة المتضمنة في كتب جينيه، دفاع سارتر مرفوض. على الأدب أن يعترف بالذنب. [1]

 

إميلي برونتي

فصل من كتاب جورج باتاي[2] الأدب والشرّ

 

يبدو أن إميلي برونتي، من بين كل النساء، كانت هدفاً للعنة مميزة. كانت حياتها القصيرة شقيّة إلى حدّ ما وحسب. ولكن، مع احتفاظها بطهرها الأخلاقي سليماً، عانت من فظاعات الشرّ أشد معاناة. ولو أنّ بعض الناس قد يكونون أكثر قسوة، أكثر جرأة أو أكثر لياقة، إلا أنها سبرت أغوار الشرّ السّحيقة.

تلك كانت مهمّة الأدب، التخيّل والحلم. كانت حياتها بعد بلوغها الثلاثين من عمرها مستترة كليةً. ولدت عام 1818 ولم تغادر منزل قس يوركشاير القائم في أرض بور وعرة إلا فيما ندر حيث قدم لها والدها، القس الإيرلندي، تعليماً متقشفاً، بسيط جداً. توفيت أمها في وقت مبكر وكانت أختاها قاسيتين للغاية. دمر أخ فاسق نفسه عاطفياً إلى حد ما. نعرف أنه في صرامة منزل القس عاشت الأخوات الثلاث برونتي في سعار الإبداع الأدبي. كانت تربط بينهن الألفة اليومية، ولو أنّ إميلي مع ذلك ظلت محافظة على تلك العزلة الأخلاقية التي نمت فيها أشباح خيالها. كانت متحفظة ومع ذلك يبدو أنها كانت أيضاً صالحة، نشيطة ومتفانية، كانت بالفعل غاية في اللطف. عاشت في صمت بدا أن ليس بوسع شيء تمزيقه سوى الأدب. صبيحة وفاتها، بعد مرض في الرئة لم يطل أمده، نهضت في الوقت المعتاد، انضمت إلى عائلتها دون أن تنبس بكلمة ولفظت أنفاسها الأخيرة قبل الظهر، دون أن تعود إلى السرير. لم ترغب في رؤية طبيب.

خلفت وراءها مجموعة صغيرة من القصائد وواحد من أعظم الكتب على الإطلاق. مرتفعات ويذرينج هي بالتأكيد قصة الحبّ الأكثر جمالاً والأكثر فهماً للعنف. ومع ذلك يبدو أن إميلي برونتي، بالرغم من جمالها، لم تعش تجربة الحب، كانت معرفتها للعاطفة معرفة موجوعة. معرفة لا تربط الحب بالنقاء وحسب، لكن أيضاً بالعنف والموت، لأنّ الموت كما يبدو هو حقيقة الحب، تماماً كما هو الحب حقيقة الموت.

 

الايروتيكية هي قبول الحياة بانتظار الموت

 

إذا كنت أتكلم عن إميلي برونتي، ينبغي عليَّ أن أصل بالفرضية الأساسية إلى ختامها المنطقي. أرى أن الايروتيكية هي قبول للحياة بانتظار الموت. تستلزم الجنسانية الموت، ليس فقط بالمعنى الذي يطيل فيه الجديد ويستبدل ما توارى، لكن أيضاً فيما يفيد أن حياة الكائن الذي يتناسل على المحك. أن تتناسل يعني أن تختفي، وحتى أبسط الكائنات التي لا تملك أعضاء جنسية منتخبة بالتوالد. هؤلاء الذين يتوالدون لا يموتون، إذا كنا نقصد بالموت معبراً من الحياة إلى التحلل، لكن هو الذي يكف عن أن يكون ما كانه بالتناسل -لأنه يضاعف نفسه. ليس الموت الفردي سوى واحد من مظاهر التوسع التكاثري للكائن. التكاثر الجنسي نفسه هو مظهر واحد فقط -الأكثر تعقيداً-من مظاهر خلود الحياة التي هي على المحك في التكاثر اللا جنسي. إنه مظهر من مظاهر الخلود، ومن مظاهر الموت الفردي في نفس الوقت. لا يمكن لحيوان أن يتكاثر جنسياً دون الانصياع إلى تلك الغريزة التي يمثل الموت وجهها النهائي. أساس الدفق الجنسي هو نفي انعزال الأنا التي لا تختبر النشوة إلا بتخطي نفسها، بتجاوز نفسها في العناق الذي يفقد فيه الكائن عزلته.  سواء كانت مسألة ايروتيكية (رغبة جنسية) خالصة (حب –عاطفة) أو شهوانية جسدية، تتزايد الشدة إلى حد يصبح فيه الدمار-موت الكائن-جلياً. ما نسميه عيباً قائم على هذا المعنى الضمني العميق للموت. وعذاب الحب النقي هو رمزية مضاعفة لصدق الحب الأقصى عندما يقترب الموت من أولئك الذين يوحدهم ويضربهم.

لا ينطبق هذا على حب هائل بقدر ما ينطبق على الاتحاد بين بطلي مرتفعات ويذرينج، كاثرين إيرنشو وهيثكليف. لم يتمكن أحد من كشف هذه الحقيقة بقوة أكبر مما فعلت إميلي برونتي. ليس أنها تصورتها بمفردات باتة ومزعجة كان عليَّ أن أفسرها: شعرتْ بها وعبرت عنها على نحو مهلك، يكاد يكون إلهياً.

الطفولة، العقل والشر

الإلهام القاتل لمرتفعات ويذرينج شديد البأس حتى أني أظن بأن الكلام عنه قد يكون عقيماً دون محاولة استنزاف السؤال الذي يثيره. قارنت رذيلة (التي كانت ولا تزال تعتبر تعبيراً هاماً عن الشر) مع عذاب الحب الأنقى. هذه المقارنة الإشكالية تسلم نفسها لالتباس جسيم، لذا سأحاول تبريرها.

ولو أن حب كاثرين وهيثكليف يعطل الشهوانية إلى حين، تثير رواية مرتفعات ويذرينج، في الواقع، مسألة الشر فيما يتعلق بالعاطفة، كما لو أن الشر هو الوسيلة الأكثر قوة للكشف عن العاطفة. لو نستثني الشكل السادي للرذيلة، قد نقول بأن الشر، كما يظهر في كتاب إميلي برونتي، قد بلغ شكله الأكثر كمالاً.

ليس بوسعنا اعتبار أن الأفعال المرتكبة بغية نفع مادي تعبر عن الشر. هذا النفع أناني بلا شك، لكنه يفقد أهميته لو انتظرنا منه شيئاً سوى الشر نفسه -لو نرجو منه بعض الفائدة، على سبيل المثال. ينال السادي من ناحية أخرى، المتعة من تأمل الخراب، الخراب الأكثر كمالاً هو موت إنسان آخر. السادية هي شر. عندما يقتل رجل من أجل فائدة مادية لا تصبح جريمته حقيقة فعل شر محض إلا إذا كان فعلاً يستمتع باقترافها، بغض النظر عن النفع الناجم عن ارتكاب فعل القتل.

سأعود إلى الموضوعة الأساسية لمرتفعات ويذرينج، مرحلة الطفولة، كي أقدم صورة أمثل عن الخير والشر، المرحلة التي ولد فيها الحب بين كاثرين وهيثكليف. أمضى الطفلان وقتهما في الجري بعنف على المرج. تخليا عن نفسيهما، غير مقيدين بأي قيد أو عرف سوى التحريم على ألعاب الفجور. لكن في براءتهما، وضعا حبهما الأبدي المتبادل على مستوى آخر، وبالفعل ربما يمكن اختزال هذا الحب إلى رفض التنازل عن حرية طفولية لم تعمل قوانين المجتمع أو التهذيب المتعارف عليه على تصويبها. عاشا حياتهما البرية، خارج العالم، في الشروط الأكثر بدائية، وهذه هي الشروط التي جعلتها إميلي برونتي ملموسة، الشروط الأساسية للشعر، للشعر العفوي الذي رفض الطفلان التوقف عندها.

لكن المجتمع يقارن لعب البراءة الطليق مع العقل، العقل المؤسس على حسابات المصلحة. المجتمع محكوم برغبته بالبقاء على قيد الحياة. لا يمكنه النجاة إذا سمح بالغلبة لهذه الغرائز الطفولية التي تربط الأطفال بشعور الرفقة. سيتطلب القيد الاجتماعي من الوحشين الصغيرين التخلي عن سلطانهما البريء، سيتطلب منهما الخضوع لأعراف الكبار المتزنة التي تعود بالفائدة على المجتمع.

هذه المعارضة على قدر كبير من الأهمية في مرتفعات ويذرينج.  كما أشار جاك بلونديل[3]،  علينا دوماً أن نضع في حسباننا أن “المشاعر تشكلت أثناء طفولة كاثرين وهيثكليف”. لكن حتى إذا امتلك الأطفال القدرة على نسيان عالم الكبار إلى حين، مع ذلك، هما محكومان بالعيش في هذا العالم. تنتج كارثة. اضطر هيثكليف اللقيط، لأن يولي هارباً من المملكة المسحورة حيث تسابق مع كاثرين على المرج، مع أنها تحتفظ بقسوتها وتنكر كاثرين طفولتها الوحشية: تسمح لنفسها أن تستدرج إلى حياة رخية متجسدة بشاب محترم مرهف الحس وغني. زواجها من إدجار لينتون يحتفظ، حقاً، بصفة الغموض. هو ليس إنكاراً حقيقياً. لا يمكن وصف عالم مزرعة ثروش كروس، حيث تعيش كاثرين مع لينتون بالقرب من مرتفعات ويذرينج، بعالم مستقر في نظر إميلي برونتي. لينتون رجل سخي. لم يفقد تيه الشباب الفطري، لكنه يحطّ رحاله. سلطانه يتخطى الشروط المادية التي ينتفع منها، لكن إذا لم يكن على وفاق عميق مع عالم العقل الراسخ لا يمكنه أن ينتفع منه. لذا عندما يعود ثرياً من رحلة طويلة، هيثكليف مهيأ لتصديق أن كاثرين خانت مملكة الطفولة ذات السيادة التي انتمت معه إليها جسداً وروحاً.

هذه إذاً، بشكل ما، خلاصة غير متقنة لقصة يعاد فيها سرد عنف هيثكليف الجامح بهدوء وببساطة. انتفاضة الرجل الملعون هي موضوع الكتاب، الرجل الذي كان مصيره النفي من مملكته والذي سوف لن يمنعه شيء عن استردادها. لا أنوي تقديم رواية مفصلة عن سلسلة من فصول آسرة. سأتذكر فقط أن ليس بوسع قانون أو قوة، عرف أو شفقة زاجرة، كبح جماح غضب هيثكليف للحظة واحدة -وليس حتى الموت نفسه، لأنه السبب الانفعالي والقاسي لمرض كاثرين وموتها، ولو أنه يؤمن بأنها ملك له. لأني نويت أن أعالج الأهمية الأخلاقية للطبيعة الثورية لخيال إيميلي برونتي وأحلامها.

إنها انتفاضة الشر على الخير. وهي لا عقلانية شكلاً. عم تعبر مملكة الطفولة التي يرفض هيثكليف ب

صورة شيطانية التخلي عنها، سوى الموت المحال والمطلق؟  هناك طريقان للانتفاض في وجه العالم الواقعي، المحكوم بالعقل والمؤسس على إرادة البقاء. الأكثر شيوعاً وسداداً هو رفض عقلانيته. يسهل فهم أن المبدأ الأساسي للعالم الحقيقي ليس سبباً واقعياً، لكن سبباً توصل إلى تفاهم مع ذلك العنصر المتحكم المتولد عن عنف وغرائز الماضي الصبيانية. تكشف مثل هذه الانتفاضة مقاومة الخير للشر، ممثلاً بالعنف أو بالصبيانية. أصدر هيثكليف حكماً على العالم الذي يعارضه. هو لا يمكنه أن يطابقه مع الخير لأنه يقاتله. لكن حتى إذا كان يقاتله بشراسة، فإنه يفعل هذا بوضوح شديد: هو يعرف أنه هو يمثل الخير والعقل. هو يكره الإنسانية والصلاح الذي يثير سخريته. إذا ما تخيلناه خارج القصة، محروماً من سحر القصة، تبدو شخصيته مصطنعة ومدبرة. لكنه متصور في أحلام المؤلف، وليس في المنطق. لم ترد شخصية في الأدب الرومانسي أكثر إقناعاً أو أكثر بساطة من هيثكليف، بالرغم من أنه يمثل حالة أساسية جداً-طفل ثائر ضد عالم الخير، ضد عالم الكبار، ويقف في ثورته إلى جانب الشر.

يستمتع هيثكليف في هذه الانتفاضة بانتهاك جميع القوانين دون استثناء. يرى أن أخت زوج كاثرين تحبه، فيتزوجها كي يتسبب بالأذى لزوج كاثرين قدر مستطاعه. يختطفها وحالما يتزوجان يحتقرها. ثم يعمد إلى سوقها إلى حالة من اليأس بمعاملته القاسية لها. جاك بلونديل محق[4]  في مقارنته الفقرتين التاليتين من ساد واميلي برونتي: ” كم هو حسي فعل التدمير،” يقول واحد من الجلادين في جوستين،” لا يمكنني أن أفكر بشيء يثيرني أكثر لذة منه. ليس هناك من نشوة مشابهة لتلك التي نختبرها عندما ننصاع لهذا الفجور المقدس.” “ولدت حيث القوانين أقل قسوة ومذاقها أقل لذة،” يقول هيثكليف،” عليّ أن أهدي نفسي تشريحاً بطيئاً لهذين الاثنين كتسلية مسائية.”

اميلي برونتي والانتهاك

يكفي أن تبتكر فتاة فاضلة وعديمة الخبرة شخصية موقوفة للشر بشكل كامل كي يشكل الأمر مفارقة. لكن ابتكار شخصية هيثكليف مقلق لا سيما للأسباب التالية: كاثرين ايرنشو نفسها هي أخلاقية قطعاً. هي أخلاقية جداً حتى أنها تموت لعدم قدرتها على الانفصال عن الرجل الذي أحبته في طفولتها. لكن بالرغم من أنها تعلم أن الشر كامن فيه، تحبه إلى حد القول، “أنا هيثكليف”.

بناء على ذلك، فإذا ما تفحصنا الشر عن كثب، فهو ليس حلم الشرير وحسب: إنه إلى حد ما حلم الخيِّر. الموت هو العقاب، منشوداً ومقبولاً لهذا الحلم المجنون، لكن لا شيء يمكن أن يمنع الحلم من أن يُحلم به.  لقد حلمت به كاثرين ايرنشو سيئة الطالع فضلاً عن إميلي برونتي. كيف يمكن للشك أن يخامرنا بأن إميلي برونتي، التي تحرقت شوقاً لتجربة الحالات العقلية التي وصفتها، ماثلت نفسها بكاثرين إيرنشو؟

لمرتفعات ويذرينج صلة وثيقة بالمأساة الإغريقية. موضوع الرواية هو الإخلال المأساوي بالقانون. الكاتب المأساوي متفق مع القانون، وقد وصف انتهاكه، لكنه أسس كل أثر عاطفي على اتصال التعاطف الذي شعر به تجاه شخص المتعدي. في الحالتين للتكفير صلة بالانتهاك. يختبر هيثكليف قبل أن يموت وأثناء احتضاره، حالة مستغربة من الطوباوية، لكن في هذه الطوباوية أمر مخيف: إنها مأساوية. تموت كاثرين المحبة لهيثكليف لانتهاكها قوانين الوفاء -ليس موتاً جسدياً بل روحياً. وموت كاثرين هو الاحتضار الأبدي الذي يعانيه هيثكليف نتيجة عنفه. في مرتفعات ويذرينج، كما في المأساة الإغريقية، ليس القانون نفسه هو المدان: ما يحرمه وصف بوضوح على أنه ميدان إنساني بشكل جوهري، مصنوع من أجل الإنسان. الميدان المحرم هو الميدان المأسوي أو بصورة أفضل، الميدان المقدس. الإنسانية تنفيه، حقاً، لكن رغبة في تعظيمه فقط، ويجمِّل المنع ما يمنع الوصول إليه. إنه يطوع الوصول إلى التكفير-إلى الموت. ومع ذلك يشكل الحظر دعوة وحائلاً في نفس الوقت. العبرة من مرتفعات ويذرينج، من المأساة الإغريقية، وفي النهاية من جميع الأديان هو أن هناك ميلاً غريزياً نحو الافتتان المقدس الذي لا يمكن للعالم العقلاني للحساب احتماله. هذا الميل مناقض للخير. الخير معتمد على مصلحة مشتركة تستتبع اعتباراً للمستقبل. الافتتان المقدس الذي ترتبط به غرائز الطفولة ارتباطاً وثيقاً، هو كلياً في الحاضر. في تربية الأطفال أولوية للوقت الحاضر هي التعريف العام للشر. يمنع الكبار هؤلاء الذين عليهم أن يبلغوا ” النضج” من الدخول إلى مملكة الطفولة المقدسة. لكن تجريم الوقت الحاضر في سبيل المستقبل هو انحراف. تماماً عندما تقتضي الحاجة لمنع الوصول إليه بسهولة، فمن الضروري استعادة ميدان اللحظة (مملكة الطفولة)، وذلك يتطلب انتهاك مؤقت للتحريم.

مثل هذا الانتهاك المؤقت هو الأكثر إعتاقاً مع اعتبار التحريم غير ملموس. لذا يظهر أن اميلي برونتي وكاثرين ايرنشو في ضوء الانتهاك والتكفير، معتمدتين بدرجة أقل على الأخلاق من التطرف الأخلاقي. التطرف الأخلاق هو أساس ذلك التحدي للأخلاق وهو أساسي في مرتفعات ويذرينج.  ولو أنه لا يشير فعلياً إلى المبدأ الذي قدمته، استشعر بلونديل بالعلاقة. يكتب[5]: تظهر اميلي برونتي نفسها… قابلة لتحرير نفسها من كل تحامل يبدر عن النظام الاجتماعي أو الأخلاقي. وهكذا تتطور عدة حيوات.. تنقل كل واحدة منها إحساساً بتحرر كامل من المجتمع والأخلاق. هناك رغبة بالابتعاد عن العالم لمعانقة الحياة في تمامها واكتشاف ما هو مرفوض من الواقع في إبداعية فنية. هذا هو الكشف، أو بالأحرى التدشين، لإمكانيات غير معروفة بعد. ذلك أن هذا التحرر الضروري لكل فنان مضمون، ويمكن أن يلمس بشكل أكثر كثافة من قبل هؤلاء المتجذرين عميقاً في قيمهم الأخلاقية. [6]

هذا الاتصال الوثيق بين انتهاك القانون الأخلاقي والتطرف الأخلاقي هو المعنى النهائي لمرتفعات ويذرينج. يصف جاك بلونديل الإطار الديني في مكان آخر[7]: البروتستانتية متأثرة بتذكر نموذج مفخم من نماذج الميثودية، التي نشأت فيها الشابة إميلي برونتي. كان عالمها مسحوقاً بالتوتر الأخلاقي والتشدد. ومع ذلك صورة إميلي برونتي عن الصرامة تختلف عن تلك التي كانت المأساة الإغريقية مؤسسة عليها. المأساة موازية لمحرمات الدين الأساسية، مثل تلك التي تحرم القتل وزنا المحارم، التي لا يمكن أن تبرر عقلانياً. حررت إميلي برونتي نفسها من الأرثوذكسية: ابتعدت عن البساطة المسيحية والبراءة، لكنها شاركت في الروح الدينية لعائلتها إلى الحد الذي فيه المسيحية هي إخلاص صارم للخير المؤسس على العقل. القانون الذي انتهكه هيثكليف -وكاثرين أيضاً بحبها له على الرغم من نفسها-هو قانون العقل. هو على الأقل، قانون مجتمع مؤسس بالمسيحية على اقتران بين محرمات دينية بدائية، القدسية والعقل[8].  في إله المسيحية، يفلت المبدأ الأساسي للقدسية، جزئياً من العنف التعسفي الذي كان العالم الإلهي مؤسساً عليه في الأزمنة القديمة. كان التابو الأساسي موجهاً بشكل جوهري ضد العنف-في عقل متمرن يحقق نفس الغرض الذي يؤديه التابو، في حين كان للتابو البدائي نفسه علاقة فاترة مع العقل. هناك في المسيحية تناقض، حيث الله والعقل مهمان ما أدى إلى الشعور بعدم الارتياح وهذه الظاهرة التابعة، الجانسينية [9]. بعد هذا الاستخلاص من التناقض المسيحي، ما يظهر فجأة للضوء في سلوك إميلي برونتي، بوسائل صلابة أخلاقية غير الملموسة، هو حلم العنف المقدس الذي ما من تسوية مع المجتمع المنظم يمكنها التقليل من شدته.

الطريق إلى مملكة الطفولة محكوم بالسذاجة والبراءة، ولهذا هو مسترد برعب التكفير. نقاوة الحب مستردة في حقيقتها الحميمة، التي هي كما قلت، حقيقة الموت. يندمج الموت وآنية الافتتان المقدس عندما يعارض كل منهما مقاصد الخير المعتمدة على حسبة عقلانية. والموت يدل على الآني، الذي بقدر ما هو آني، ينكر البحث المدروس عن البقاء. آنية الكائن الفرد الجديد معتمدة على موت الكائنات الأخرى. إذا لم يموتوا لن يكون هناك مكان لآخرين جدد. التوالد والموت يقيدان التجديد الخالد للحياة، يقيدان الآني الذي هو جديد دوماً. ولهذا يمكن فقط أن يكون لدينا نظرة مأساوية لسحر الحياة، لكن ذلك أيضاً ما يجعل المأساة رمزاً للسحر. ربما بشرت الحركة الرومانسية بمجملها بهذا[10]، لكن تلك التحفة الأخيرة، مرتفعات ويذرينج، تبشر به بشكل أكثر إنسانية.

 

الأدب، التحرر والتجربة الصوفية.

 

الأمر الأكثر بروزاً في هذه الحركة هو أن عقيدتها، بخلاف العقيدة المسيحية أو الديانات القديمة، لم تستهدف مجتمعاً منظماً لتجعل منه قاعدة لها.  بل استهدفت الفرد المعزول والمفقود التي لا تمنحه شيئاً فيما عدا في هذه اللحظة المفردة: إنه أدب مجرد. الدرب نحو الأدب، يؤدي إليها بطريقة مجانية ولا عضوية. لهذا السبب تتخلف عن تدريس الحكماء الأوثان أو عن الكنيسة، التي توصلت إلى تفاهم مع الضرورة الاجتماعية المتمثلة في معظم الأحيان بالأعراف (المنتهكة) وأيضاً بالعقل. الأدب وحده يمكن أن يكشف عملية انتهاك القانون -من دونه لن يكون هناك عاقبة للقانون-بشكل مستقل عن ضرورة ابتكار نظام. لا يمكن للأدب أن يتولى مهمة تنظيم الضرورة الجمعية. ليس عليه أن ينتهي إلى “ما قلته يعهد بنا إلى احترام أساسي لقوانين المدينة” أو مثل المسيحية، “أن ما قلته (مأساة الإنجيل) تظهر لنا درب الصلاح” (الذي هو حقيقة درب العقل). الأدب خطر خطورة التعدي على القوانين الأخلاقية.

لا عضويته تجعله غير مسؤول. لا شيء يرتكز عليه. يمكنه أن يقول كل شيء وسيشكل خطراً هائلاً (إلى الحد الذي يكون فيه معتمداً وكاملاً) لم يكن تعبير “هؤلاء ممن قيمهم الأخلاقية متجذرة عميقاً.” ولو أن التأثير المباشر للتمرد قد يجعل هذه الحقيقة غامضة، مهمة الأدب الأصيل هي مع ذلك مجازة فقط فيما يخص الرغبة باتصال أساسي مع القارئ. (أنا لا أشير بالتأكيد إلى مجموعة من الكتب الغرض منها أن تضلل قدراً كبيراً من الناس).

الأدب مرتبط منذ الرومانسية بانحطاط الدين في أنه ينحو إلى طرح مطالبة رصينة بميراث الدين، هو ليس قريب الشبه مع محتوى الدين حاله مع محتوى التصوف الذي هو على سبيل الصدفة، أكثر جوانب الدين انطوائية. بشكل مشابه، التصوف أقرب بكثير إلى الحقيقة. لا أعني بالتصوف أنظمة التفكير تلك التي يعبر عنها هذا الاسم الغامض. بل أشير بالأحرى إلى “التجربة التصوفية”، إلى تلك “الحالات التصوفية” المختبرة في العزلة. يمكننا في تلك الحالات رؤية حقيقة مختلفة معنية بإدراك الأشياء، أو حقاً بالموضوع المتصل مع النتائج الفكرية للملاحظة. لكن هذه ليست حقيقة شكلية. لا يمكن تفسير النقاش المترابط. قد يكون من المتعذر إبلاغه إذا لم نستطع معالجته بطريقتين: من خلال الشعر ومن خلال وصف تلك الشروط التي يمكن للمرء بواسطتها بلوغ تلك الحالات.

تتوافق هذه الشروط بشكل حاسم مع الموضوعات التي أشرت إليها والتي تشكل أساس العاطفة الأدبية الحقيقية. الموت بمفرده -أو على الأقل، دمار الفرد المنعزل بحثاً عن السعادة في الوقت المحدد-يقدم ذلك الانتهاك الذي لا يبلغ شيء دونه إلى حالة النشوة[11].  وما نسترده بذلك هو دوماً بريء وافتتان الوجود. يفقد الكائن المعزول نفسه في سواه. لا أهمية لما يمثله “الشيء الآخر”. ولا يزال واقعاً أنه يتجاوز الحدود العامة. مطلق جداً هو حتى أنه ليس شيئاً: إنه لا شيء.

“الله هو العدم،” قال ايكهارت. من المؤكد أنه في الحياة اليومية يكون “المحبوب” نفسه إزالة للقيود التي يفرضها الآخرون-فهو الكائن الوحيد الذي بواسطته نتوقف عن الشعور، أو أننا بوجوده نصبح أقل وعياً، حدود الفرد المحتجز في تلك العزلة هي في ذاتها خللاً. الحالة التصوفية مشخصة بالميل إلى الكبت بشكل جذري وبانتظام، أن الصورة المركبة للعالم التي يجد المرء فيها الوجود الفردي بحثاً عن النجاة. بدافع مفاجئ (كما في الطفولة أو العاطفة) يكف الجهد عن أن يكون منظوماً: الحدود منتهكة بشكل مجهول، ليس من قبل قوة إرادة فكرية قوية. صورة هذا العالم تشوش وحسب، أو إذا وجدت تماسكها، تتجاوزها كثافة العاطفة. صحيح أن العاطفة تسعى لإطالة أمد المتعة المجربة في فقدان الذات، لكن بالتأكيد تبدأ بالذوبان في الآخر. لا يمكننا أن نشكك بأن الوحدة الأساسية لكل تلك الغرائز التي نهرب بوساطتها من حسابات المصلحة ونشعر فيها بكثافة اللحظة الراهنة التصوفية بعيدة عن عفوية الطفولة بعدها عن الشرط العرضي للعاطفة. لكنها تعبر عن تجلياتها من خلال مفردات الحب وتأمل متحرر من انعكاس منطقي بسيط بساطة ضحكة الطفل.

أؤمن أن التشديد أساسي على تلك الجوانب المشتركة بين الأدب الحديث التقليدي والتصوفي. وبالفعل فإن التشابه لافت فيما يتعلق بإميلي برونتي. يتحدث جاك بلونديل في دراسته الأخيرة عن تجربتها التصوفية كما لو أن إميلي برونتي خبرت رؤى ونشوة تيريزا دي أفيلا. لكن على الأرجح أن بلونديل اشتط في ذلك. ليس هناك دليل، ولا سند قاطع للتفسير الذي لم يعمل، في الواقع، سوى على إطالته. استشعر آخرون قبله علاقة بين الحالات الروحية للقديسة تيريزا وتلك التي عبرت عنها إميلي برونتي في شعرها. مع ذلك، من غير المؤكد فيما إذا كانت مؤلفة مرتفعات ويذرينج ملمة بذلك الأصل الميثودي[12] في الذات والذي يسد مسد التعريف الأساسي للتجربة التصوفية.

يقتبس جاك بلونديل عدة مقاطع من قصائدها. هي تصف بالفعل مشاعر محددة متبصرة وحالات عقلية مضطربة تنبي عن حياة روحية معذبة وصلت إلى حد تمجيد عارم. إنها تعرب عن تجربة عميقة عنيفة بما لا يقاس من الحزن أو أفراح العزلة. حقاً، لا شيء يخولنا للمفاضلة بين مثل هذه التجربة مع بحث أكثر انتظاماً، خاضع لمبادئ الدين أو صورة محددة للعالم، إيجابية أو سلبية. نكاد نقول بأن هذه الدوافع الطائشة، المنظمة بالصدفة، ويمكن نسبتها دوماً إلى تفكير هائم، هي أكثر غنى من الجميع أحياناً. العالم الغامض الذي تكشفه القصائد لنا هائل ومحير. لكن علينا أن نتوخى الحذر من تشبيهه بشكل قريب جداً بالعالم المألوف نسبياً الموصوف بالخفايا العظمى. إنه أقل هدوءاً وأكثر عنفاً. عنفه ليس متشرباً ببطء في التجربة التدريجية للتنوير. هو باختصار أكثر قرباً إلى اللوعة المتعذر وصفها المعبر عنها في مرتفعات ويذرينج.

ولكن سوف لن أضيع لدغة، لن أتمنى عذاباً أقل،

كلما زاد ذلك العذاب في إيلامه، كلما عجل في تطويبه،

مكسو بنيران الجحيم، أو متوهج بألق سماوي

فقط إذا كان منذراً بالموت، فالرؤيا مقدسة!

أرى أن هذه الأبيات من “السجين” هي المثال الأكثر قوة على ذلك الشعور الذي يكمن وراء شعر إميلي برونتي. فهي تنقل حالتها العقلية على نحو رائع.

أخيراً ليس على قدر من الأهمية فيما إذا كانت إميلي برونتي حقاً قد عاشت ما نسميه تجربة صوفية، لأنه يظهر أنها قد بلغت جوهر مثل هذه التجربة.

“كل شيء يقودنا إلى الإيمان،[13] ” كتب أندريه بريتون، “ذلك أن هناك نقطة معينة في العقل حيث الحياة والموت، الواقع والخيال، الماضي والمستقبل، الشائع والمكتوم، لم تعد ملموساً تناقض الواحدة منها مع الأخرى.” وسأضيف: الخير والشر، الألم والفرح. هذه النقطة المنوه عنها من خلال الأدب العنيف وبعنف التجربة التصوفية: فقط النقطة تهم.

ومن المهم أن ندرك أيضاً أن مرتفعات ويذرينج، أكثر أعمال إميلي برونتي عنفاً وشعرية هي اسم مكان مرتفع مشرف على الحقيقة. إنه اسم منزل لعين دعا عليه هيثكليف آن دخوله. بمفارقة مدهشة،” الكائنات تفنى” عندما تبتعد عن هذا المكان اللعين[14].  وحقاً العنف الذي يرتكبه هيثكليف هو أساس كل من البؤس والسعادة التي لا “تفتن سوى العنيف”. نهاية حكاية إميلي برونتي الكئيبة ظهور مفاجئ لشعاع باهت من الضوء.

بقدر ما يلقي العنف بظلاله على الكائن ويرى الموت “وجهاً لوجه”، الحياة مفيدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لا شيء يمكن أن يدمرها. الموت هو شرط تجددها.

أهمية الشر

في اتحاد المتضادات هذا، لم يعد الشر مناهضاً للنظام الطبيعي بشكل لا يمكن الرجوع عنه عندما يوجد ضمن حدود العقل. بما أن الموت هو شرط الحياة، الشر الذي هو بشكل أساسي شقيق للموت، هو أيضاً قاعدة الوجود في نحو ملتبس إلى حد ما. ولو أن الكائن ليس محكوماً بالشر، عليه أن يحاول تفادي أن يصبح مطوقاً بحدود العقل. عليه أولاً أن يقبل هذه الحدود ويعترف بضرورة المصلحة المحتسبة، لكن عليه أيضاً أن يعرف أن ذلك متعذر اختزاله، جزء سيادي من نفسه متحرر من القيود ومن الضرورة التي يعرفها.

بقدر ما يعبر عن انجذاب نحو الموت، وبقدر ما هو تحد يوجد في كل أشكال الايروتيكية، لطالما كان الشر هدفاً لإدانة مبهمة. يمكن أن يكون مفخرة حاله في الحرب، بكل أهواله. لكن للحرب نتائج استعمارية.. قد يكون من غير الضروري إنكار أن الشر ينطوي دوماً على نزعة كامنة لكي يزداد سوءاً، وهذا ما يبرر اللوعة والتقزز. لكن القول إن الشر المرئي في ضوء الانجذاب النزيه نحو الموت، مختلف عن الشر المعتمد على المصلحة الذاتية ليس أقل صحة. فعل إجرامي “قذر” هو معاكس للفعل “الانفعالي”. يرفض القانون كليهما، لكن الأدب الإنساني أنه طور راق من العاطفة حقاً. ومع ذلك لا تمضي العاطفة دون لعنة: فقط “حصة ملعونة” موضوعة جانباً لذلك الجزء من حياة الإنسان على قدر عظيم من الأهمية[15].  اللعنة هي الدرب الضروري للنعمة الحقيقية.

يقبل الإنسان الشريف أسوأ ما قد ينجم من عواقب عن تحديه بإخلاص. بل يخرج لملاقاتها أحياناً. “الحصة الملعونة” هي المقامرة، الخطر، المهلكة. وهي أيضاً سلطان، لكنه سلطان يجب التكفير عنه. عالم مرتفعات ويذرينج هو عالم سلطان مناوئ. وهو أيضاً عالم التكفير. عندما يتم قبول الكفارة تظهر ابتسامة الحياة الحقيقية.

 

 

[1] حذفت من هذه المجموعة دراسة عن أناشيد مالدورور لأنها قائمة بذاتها بجدارة حتى أنها بدت فائضة عن الحاجة. من نافل القول إن شعر لوتريامون يوافق نظرياتي. أليست قصائده أدباً يعترف بالذنب؟ إنها تحيرنا لكن إذا كان فهمها ممكناً فهذا بلا شك في ضوء تأويلي.

[2] جورج باتاي، روائي وكاتب مقالات فرنسي، ولد عام 1897. تحول إلى الكاثوليكية، ثم إلى الماركسية، وكان مهتماً بالتحليل النفسي والمذهب الصوفي. كقيم على مكتبة بلدية أورليانز، عاش حياة بسيطة نسبياً، بالرغم من أنه انخرط بالحركة السريالية. أسس المجلة الأدبية Critique عام 1946، التي قام بتحريرها حتى وفاته عام 1962 وكان أيضاً مؤسساً لمجلة Documents، التي نشرت للكثير من أهم الكتاب السرياليين كتابته خليط من الشعر والفلسفة الخيال والتاريخ وروايته الأولى قصة العين، نشرت تحت اسم مستعار لورد اوتش. تتضمن أعمال باتاي الأخرى روايات Blue of Noon، L’Abbé C ورواية بعنوان أمي. وكتاب المقالات Eroticism.

[3] جاك بلونديل، اميلي برونتي. التجربة الروحية والإبداع الشعري، 1955.

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] أضفت العبارة بالخط المائل (المؤلف).

[7] المرجع المذكور.

[8] ما من شك أنه داخل حدود المسيحية، يتفاهم العقل مع تلك الأعراف الاجتماعية التي تبدي شكلاً ما من أشكال الانتهاك.

[9] مذهب من المذاهب المسيحية(المترجمة)

[10] أبرز جاك بلونديل دين اميلي برونتي للرومانسية ولا سيما لبايرون الذي قرأته بالتأكيد.

[11] التصوفية المسيحية مؤسسة على “موت النفس”. التصوفية الشرقية كان لها نفس الأساس. “في الهند،” كتب مرسيا إلياد،” المعرفة الميتافيزيقية تعبر عن نفسها بمصطلحات الانفصال والموت… (و) هذه المعرفة تشتمل على.. تركة صوفية… ممارس اليوغا يحاول أن يفصل نفسه عن الشرط الدنيوي.. يحلم بـ” الموت في هذه الحياة”. بالفعل، نرى موتاً يتبع ولادة جديدة، طريقة أخرى للوجود-طريقة الوجود التي هي خلاص.” يوغا، خلود وحرية، بانثيون للكتب، 1958.

[12] الميثودية: كنيسة أو مذهب مسيحي(المترجمة)

[13] بيانات السريالية،” المانيفستو الثاني” (1930).

[14] جاك بلونديل، المرجع المذكور.

[15] في كتاب La Part maudite إصدارات de Minuit، 1949، شرعت في تتبع هذه النظرة في التاريخ الديني والاقتصادي.

 

نشر النص في العدد السادس/2015 من كتاب الشاعر الذي يصدره الأستاذ نصر سامي.

the short story of my day

Just another WordPress.com site

Cauldrons and Cupcakes

Recipes for Creativity, Soul Growth, Writing and Life...

Mad About Books

نهر الإسبرسّو

أحمد العلي

محمد رشو

شاعر - سوريا

HOKKU

WRITING THROUGH THE SEASONS

شوشرة وكتابة

ترجمات، مقالات، يوميّات

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta de Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site