Feeds:
تدوينات
تعليقات

كينو-هاروكي موراكامي.

كينو-هاروكي موراكامي.

عن مجلة النيويوركر الأمريكية

haruki-murakami-kino

اعتاد الرجل الجلوس على نفس المقعد، أكثر المقاعد بعداً على طول النُّضُد. أي عندما لا يكون مشغولاً، لكنه كان معظم الوقت شاغراً. فالحانة لم تكن تزدحم إلا فيما ندر، لاسيما أن ذلك المقعد لم يكن ظاهراً للعيان ولم يكن مريحاً كباقي المقاعد. كان السقف مائلاً وخفيضاً بسبب درج خلفي، فكان من الصعب الوقوف عنده دون أن تخبط رأسك. ومع أنه طويل القامة، لكنه فضَّل تلك البقعة الضيقة والمحصورة لسبب من الأسباب.

تذكر كينو قدوم الرجل إلى حانته لأول مرة. لأن ظهوره استرعى انتباهه في الحال-برأسه الحليق الضارب إلى الزرقة، أكتافه الهزيلة والعريضة، البريق الحاد في عينه، العظام البارزة في الوجنتين والجبهة العريضة. بدا أنه في مقتبل ثلاثينياته، يرتدي معطفاً مطرياً طويلاً رمادي اللون، حتى وإن لم تكن تمطر.  ظنه كينو في البداية عضواً في عصابة ياكوزا[1] ، ولم يأمن جانبه. كانت الساعة السابعة والنصف في مساء بارد منتصف شهر نيسان، والحانة فارغة. اختار الرجل المقعد عند طرف النضد، خلع معطفه، وطلب كاساً من البيرة بصوت هادئ، ثم راح يقرأ بصمت في كتاب كبير الحجم.  بعد نصف ساعة، انتهى من شرب البيرة، رفع يده مقدار بوصة أو اثنتين مومئاً لكينو، وطلب ويسكي.” أي نوع من الويسكي؟” سأل كينو، فقال بأن ليس من نوع مفضل لديه.

” حسبه أن يكون من الأنواع المعروفة. مزدوج.  أضف كمية مساوية من الماء والقليل من الثلج، لو سمحت.”

صب كينو القليل من ويسكي  ” وايت ليبل” في كأس، أضاف مقداراً مساوياً من الماء ومكعبي ثلج صغيرين جميلين. أخذ الرجل رشفة من الكأس، ممعناً النظر فيه. ” هذا سيفي بالغرض.”

قرأ لمدة نصف ساعة أخرى، نهض ودفع فاتورته نقداً. عدَّ النقود المطلوبة بالضبط بحيث لا يستعيد أي قدر من الفكة. شعر كينو ببعض الارتياح آن خروجه من الباب. لكن حضور الرجل ظلَّ رغم مغادرته. كان كينو في وقوفه خلف النضد، يحدق بين الفينة والأخرى نحو المقعد الشاغر، يكاد يتوقع أن يراه هناك، رافعاً يده مقدار بوصتين ليطلب شيئاً.

راح الرجل يتردد بانتظام على حانة كينو. مرة أو مرتين أسبوعياً على الأكثر. اعتاد أن يطلب البيرة أولاً، ثم الويسكي. قد يتفحص قائمة طعام اليوم على اللوح الأسود ويطلب وجبة خفيفة أحياناً.

نادراً ما يتفوه الرجل بكلمة. يأتي دوماً أول المساء، متأبطاً كتاباً، يضعه على النُّضد. عندما يتعب من القراءة (على الأقل بحسب ظنّ كينو)، يرفع نظره عن الصفحة ويتفحص زجاجات الشراب المصفوفة أمامه على الرفوف، كما لو أنه يتفحص سلسلة من حيوانات محنطة غريبة من أراضٍ قصيَّة.

عندما اعتاد كينو على الرجل، لم يشعر بالضيق منه قط، حتى حين يكونان بمفردهما.  لم يبادر كينو إلى الحديث أبداً، ولم يجد صعوبة في التزام الصمت في حضرة الناس. الرجل يقرأ وكينو يقوم بعمله وحيداً-يغسل الأطباق، يحضر الصلصات، يختار التسجيلات، أو يتصفح جريدة.

لا يعرف كينو اسم الرجل. كان واحداً من زبائن الحانة وحسب، يستمتع بشرب البيرة والويسكي، يقرأ صامتاً، يدفع نقداً، ويغادر. لم يزعج أحداً بتاتاً. ما الذي يحتاج كينو لمعرفته عنه سوى ذلك؟

في أيام الكلية، كان كينو عداءً بارزاً في المسافات المتوسطة، لكن في السنة الأولى أصيب بتمزق في وتر العرقوب وكان عليه التخلي عن فكرة الانضمام إلى فريق المسار المشترك. بعد التخرج، أخذ بنصيحة مدربه وعمل في شركة تنتج المعدَّات الرياضية، مدة سبع عشرة سنة. كانت مهمته في العمل تتلخص في إقناع المتاجر الرياضية التموّن بالأحذية التي يبيعها وتسويقها بين الرياضيين. الشركة متوسطة المستوى مقرها في أوكاياما، لم تكن ذائعة الصيت، وتفتقر للملاءة المالية التي لشركات مثل نايكي أو أديداس فلم يكن بمقدورها الحصول على عقود حصرية مع أفضل العدائين العالميين. إلا أنها صنعت أحذية متقنة يدوية الصنع لأرقى الرياضيين، وقد أشاد عدد لا بأس به منهم بمنتجاتها. كان شعار مؤسس الشركة ” اعمل عملاً صادقاً ولسوف يثمر “، وهذا النهج البسيط، الذي لا يكاد يناسب العصر توافق وشخصية كينو. فكان وهو الرجل الصموت غير الاجتماعي قادراً على تحقيق النجاح في المبيعات. في الحقيقة، وثق المدربون به بسبب شخصيته وأحبه الرياضيون. أصغى باهتمام لجميع حاجات العداء، وحرص على موافاة إدارة المصنع بجميع التفاصيل. لم يكن المرتب كبيراً جداً لكنه وجد العمل جذاباً ومرضياً. بالرغم من عدم قدرته على الجري، إلا أنه سعد برؤية العدائين يتسابقون حول المضمار، شكلهم نموذج مثالي.

عندما ترك كينو عمله، لم يكن بداعي الاستياء من العمل لكن لاكتشافه خيانة زوجته له مع أفضل أصدقائه في الشركة. كان كينو يمضي وقتاً في السفر أكثر من الوقت الذي يمضيه في بيته في طوكيو.  يحشو حقيبة رياضية كبيرة بنماذج الأحذية ويقوم بجولات على متاجر السلع الرياضية في أرجاء اليابان، زار أيضاً كليات محلية وشركات ترعى فرق الجري. نشأت علاقة زوجته بزميله أثناء سفره. لم يكن ممن يستدلون على القرائن بسهولة.  ظن أن زواجه على ما يرام، ولم يكن في أقوال زوجته أو أفعالها ما يثير شكوكه. لو لم يعد إلى البيت باكراً ذات يوم من رحلة عمل لم يكن ليكتشف أبداً ما كان يجري.

عندما عاد إلى طوكيو ذلك اليوم، ذهب مباشرة إلى شقته في كاساي، ليجد زوجته وصديقه عاريين متضافرين في غرفة نومه، في سرير الزوجية. كانت زوجته في الأعلى، وعندما فتح الباب جاء وجهاً لوجه معها وكان نهداها الجميلين يتنططان صعوداً وهبوطاً. كان يبلغ من العمر آنئذٍ تسعة وثلاثون عاماً، وزوجته خمسة وثلاثون. لم يكن لديهما أطفال.  أخفض كينو رأسه، أغلق باب غرفة النوم، غادر الشقة، ولم يعد أبداً. في اليوم التالي ترك العمل.

كان لكينو خالة عزباء، الأخت الكبرى لوالدته. كانت تعامله بلطف منذ أن كان طفلاً.  كان لها علاقة بصديق يكبرها سناً امتدت لسنوات (” عاشق” قد تكون الصفة الأكثر دقة)، وقد قدم لها بسخاء منزلاً صغيراً في أوياما. سكنت في الطابق الثاني من المنزل، وفتحت مقهى في الطابق الأول. كان المنزل يطل على حديقه صغيره وشجره صفصاف تثير الإعجاب بأغصان تتدلى مورقة. كان المنزل يقع في شارع ضيق خلف متحف نيزو، ليست المنطقة الفضلى لجلب الزبائن على وجه الدقة، لكن خالته كانت موهوبة في اجتذاب الناس، وعاد مقهاها بدخل لائق.

بعد أن بلغت الستين من العمر، مع إصابتها بألم في الظهر، كانت مشقتها في إدارة المقهى بمفردها تزداد أكثر فأكثر. قررت أن تنتقل إلى شقة خاصة للتصييف في هضاب أوزو كوجين. ” كنت أتساءل إذا ما كنت ترغب في إدارة المقهى؟” سألت كينو. هذا كان قبل ثلاثة أشهر من اكتشافه خيانة زوجته. ” أثمّن العرض،” قال لها،” لكني الآن سعيد في عملي.”

بعد أن قدم استقالته من العمل، اتصل بخالته ليسأل عما إذا كانت قد باعت المقهى. كان مدرجاً لدى وكيل لبيع العقارات، قالت له، لكن لم تقدم أية عروض جدية حتى الآن.” أود أن أفتح حانة هناك لو يمكنني،” قال كينو.” هل يمكنني أن أدفع لك الإيجار شهرياً؟”

” لكن ماذا عن عملك؟” سألت.

” تركته منذ يومين.”

” أليس لزوجتك اعتراض على ذلك؟”

” قد ننفصل قريباً.”

لم يشرح كينو السبب، وعمته لم تسأل كذلك. حل الصمت لوهلة على الطرف الثاني من الخط. ومن ثم حددت خالته مقدار الإيجار الشهري، أقل بكثير مما كان يتوقع. ” أظن أن بمقدوري دفع هذا المبلغ،” قال لها.

لم يتحدث مع خالته حديثاً بهذا الطول من قبل (حذرته أمه من التقرب منها)، لكن بدا دوماً أن لديهما نوع من تفاهم مشترك. عرفت أن كينو لم يكن ممن يحنثون بالوعد.

صرف كينو نصف مدخراته لتحويل المقهى إلى حانة. اشترى أثاثاً بسيطاً، ووضع نضداً طويلاً متيناً. ألصق ورق جدران جديد بلون يبعث على الهدوء، جلب مجموعة تسجيلاته من المنزل، وصفَّ التسجيلات على أحد الرفوف في الحانة. كان يملك ستيريو من نوع لائق-جهاز أسطوانات من نوع تورينز، مضخماً من نوع loxman، ومكبرين للصوت صغيرين ثنائيي الاتجاه من نوع JBL–اشتراها عندما كان عازباً، كان ثمنها باهظاً في ذلك الحين. لكنه كان يستمتع دوماً بالاستماع لتسجيلات الجاز القديمة. فهي هوايته الوحيدة، الهواية التي لا يتشاركها مع أي شخص عرفه. أثناء دراسته، كان يعمل نادلاً في حانة بدوام جزئي في روبونجي، لذلك كان ضليعاً جداً في فن مزج المشروبات.

أطلق على حانته اسم كينو.  لم يستطع التوصل إلى اسم أفضل. في الأسبوع الأول من الافتتاح، لم يدخلها زبون، لكن لم ينزعج. ففي النهاية هو لم يروج للمكان، ولم يضع لافتة تجذب الانتباه أيضاً. ببساطة انتظر بصبر أن يعثر الفضوليون على الحانة الخلفية.  لا يزال يملك القليل من مدخراته، ولم تطالب زوجته بأية نفقة. كانت تعيش مع زميله السابق، وقررا هي وكينو بيع شقتهما في كاساي. عاش كينو في الطابق الثاني لمنزل خالته، وبدا مع ذلك أنه بمرور الوقت سيكون قادراً على تدبر أموره.

عندما كان ينتظر أول زبائنه، استمتع كينو بسماع الموسيقى التي يحبها وقراءة الكتب التي كان يرغب بقراءتها. كما ترحب الأرض الجافة بالمطر، غارقاً في العزلة، الصمت، والوحدة.  استمع إلى كثير من معزوفات آرت تاتوم على البيانو. التي بدت بطريقة ما مناسبة لمزاجه.

لم يعرف سبباً لعدم شعوره بالغضب أو بالعداء تجاه زوجته، أو تجاه زميله الذي خانته معه. كانت الخيانة صادمة بالتأكيد لكن مع مرور الوقت راوده شعور بأنها كان من المتعذر تفاديها، كما لو أن هذا كان مكتوباً له. فهو لم ينجز شيئاً في حياته، في نهاية الأمر، ولم يكن منتجاً على الإطلاق. لم يستطع أن يسعد أحداً، كما لم يسعد نفسه بالـتأكيد. السعادة؟ لم يكن يعرف معناها. لم يكن لديه معنى واضحاً أيضاً لعواطف مثل الألم، أو الغضب، الخذلان، والاستسلام. وكيف ينبغي أن تشعر بها. جلَّ ما كان بمستطاعه هو خلق مكان حيث قلبه-خالياً الآن من أي عمق أو ثقل يمكن أن يقيده، ويمنعه من التجوال بلا هدف. هذه الحانة الصغيرة، كينو، المطوية في شارع خلفي أصبحت ذلك المكان. وأصبحت أيضاً-ليس قصداً، مكاناً مريحاً بشكل غريب- بالضبط.

tumblr_n1bvj6ksUa1r79yxho1_500

لم يكن إنساناً من اكتشف أولاً الراحة الكبيرة في حانة كينو بل قطة ضالة. هرة رمادية صغيرة لها ذيل طويل جميل. فضلت الهرة أن تتكور على نفسها في خزانة للعرض مغمورة في إحدى زوايا الحانة وتنام فيها. لم يكترث كينو كثيراً للقطة متصوراً أنها ستغادر ذات يوم من تلقاء نفسها. أطعمها وبدل لها الماء لكن لا شيء أكثر من ذلك، وصنع باباً صغيراً لتتمكن من الدخول والخروج متى شاءت.

ربما جلبت القطة معها بعض الحظ الجيد، فمن بعد ظهورها تبعتها ثلة من الزبائن. بعضهم راح يأتي على نحو منتظم-ممن راقتهم هذه الحانة الخلفية الصغيرة، بشجرة الصفصاف المعمرة الرائعة، وبصاحبها الهادئ المتوسط العمر، التسجيلات الكلاسيكية التي تغزل على سطح الفونوغراف، والقطة الرمادية المحشورة في الزاوية. وجلب هؤلاء الناس أحياناً بعض الزبائن الجدد.  الحانة التي لم تكن تحقق الأرباح على الأقل عادت بالإيجار. كان هذا كافياً بالنسبة لكينو.

جاء الشاب حليق الرأس إلى الحانة بعد افتتاحها بحوالي شهرين. ولم يتعرف كينو إلى اسمه إلا بعد مرور شهرين، كاميتا.

كان المطر خفيفاً في ذلك اليوم، المطر الذي لا تكون متيقناً لدى هطوله من حاجتك لمظلة. كان هناك ثلاثة زبائن في الحانة، كاميتا ورجلان يرتديان بدلاً. كانت الساعة السابعة والنصف. وكاميتا كالعادة في المقعد القصي عند طرف النضد، يرتشف كأساً من ويسكي “وايت ليبل” ممزوجاً بالماء ويقرأ. كان الرجلان جالسين إلى طاولة، يشربان زجاجة نبيذ أحمر من نوع “بينوت نوار”. جلباها معهما، واستأذنا كينو في شربها هناك، مقابل خمسة آلاف ين ثمناً للخدمة. كانت المرة الأولى بالنسبة لكينو، لكنه لم يجد سبباً للرفض. فتح الزجاجة ووضع قدحين والقليل من المكسرات المشكَّلة. ليس الكثير من الإزعاج بتاتاً.  دخن الرجلان كثيراً، ولو أن هذا بالنسبة لكينو الذي يكره دخان السجائر، كان سبباً لجعلهما غير مرحب بهما قليلاً. ولما لم يكن عليه القيام بالكثير من العمل جلس كينو على مقعد واستمع لأسطوانة كولمان هاوكينز التي تحتوي على مقطوعة ” Joshua Fit the Battle of Jericho.”  وجد غناء ماجور هولي المنفرد بصوته الجهير مدهشاً.

في البدء، بدا الرجلان في حال ممتاز، مستمتعان بنبيذهما، لكن فيما بعد نشأ خلاف في الرأي على موضوع ما-ولم يكن لدى كينو فكرة عنه-وصار الرجلان أكثر انفعالاً بشكل مطرد. عند حد معين، وقف أحدهما، خبط على الطاولة ورمى المنفضة الممتلئة وواحد من أقداح الخمر على الأرض. أسرع كينو بالمكنسة، وكنس الأرض، ووضع كؤوساً نظيفة ومنفضة على الطاولة.

من الواضح أن كاميتا-مع أن كينو لم يكن يعرف اسمه حينذاك-كان مشمئزاً من سلوك الرجال. لم تتغير ملامحه، لكنه راح ينقر بأصابع يسراه بخفة على النضد، كما يتفحص عازف بيانو المفاتيح.  لابد أن أسيطر على الوضع، فكر كينو. ذهب نحوهما. ” آسف،” قال بتهذيب،” لكن أتساءل إذا لم يكن لديكما مانعاً من أن تخفضا صوتيكما قليلاً.”

رمقه أحدهما وبريق بارد يلتمع في عينيه ثم نهض.  لم يكن كينو قد لحظ ضخامته حتى ذلك الحين. ليس فارع الطول، عريض الصدر، بذراعين هائلين، البنية التي تتوقعها لمصارع من مصارعي السومو.

كان الآخر أقصر طولاً. نحيلاً وشاحباً، بسحنة داهية، النمط الذي يبرع في تحريض الناس. نهض ببطء من مقعده، ووجد كينو نفسه وجهاً لوجه مع كليهما. قرر الرجلان فيما يبدو أن يستغلا الفرصة لإيقاف شجارهما والعمل معاً لمواجهة كينو. كانا على وفاق تام، كما لو أنهما كانا ينتظران سراً ظهور هذه الحالة.

” إذن، هل تظن أن بإمكانك مقاطعتنا واعتراضنا؟” قال الأضخم بينهما، بصوت خشن وخفيض.

بدت البدل التي يرتديانها غالية الثمن، لكن بعد نظرة فاحصة لها تجد أنها مصنوعة على نحو رديء ومبهرج. ياكوزا غِرّ، مهما كان العمل الذين ينخرطان فيه فقد كان واضحاً أنه ليس عملاً محترماً. للرجل الأضخم شعر قصير، في حين كان شعر رفيقه مصبوغاً بلون بني ومسرحاً للخلف على شكل ذيل فرس مرتفع.  شد كينو من عزيمته منتظراً الأسوأ. وراح العرق يتصبب من إبطيه.

” أعذراني،” قال صوت آخر.

التفت كينو ليجد كاميتا واقفاً خلفه.

” لا تلوما الإدارة،” قال كاميتا، مشيراً إلى كينو. ” أنا من طلب أن تخفضا صوتيكما. كان من الصعب عليَّ التركيز ولم أتمكن من قراءة كتابي.”

كان صوت كاميتا أهدأ، وأكثر ضعفاً من المعتاد. لكن شيء غير مرئي كان يبدأ بالتقلب.

” لا يمكنني قراءة كتابي،” قال الأصغر مردداً، كما لو أنه يتأكد من عدم وجود خطأ قواعدي في الجملة.

” ماذا، أليس لديك بيتاً؟” سأل الرجل الأضخم كاميتا.

” بلى،” أجاب كاميتا. ” أعيش في مكان قريب من هنا.”

” إذن لم لا تذهب إلى بيتك وتقرأ هناك؟”

” أحب القراءة هنا،” قال كاميتا.

تبادل الرجلان النظرات.

” أعطني الكتاب،” قال الرجل الأقصر.” سأقرأه لك.”

” أحب أن أقرأ بنفسي، بهدوء،” قال كاميتا.” وأكره لو أخطأت في تهجئة الكلمات.”

” ألست تحفة،” قال الرجل الضخم.” يا له من رجل مسل.”

” ما اسمك بأية حال؟” سأل صاحب الشعر الطويل.

” اسمي كاميتا،” قال.” إنه مكتوب بنقوش ” إله”-كامي-و “حقل”: ” حقل الله.” لكنه لا يلفظ “كاندا،” كما قد تتوقع.  بل ” كاميتا.”

” سأتذكر ذلك،” قال الرجل الضخم.

” فكرة حسنة، قد تنفع الذاكرة،” قال كاميتا.

” بأية حال، ماذا رأيك بالخروج؟” قال الرجل القصير. ” حيث يمكنك أن تقول ما تريده تماماً.”

” جيد بالنسبة لي،” قال كاميتا.”  في أي مكان تحددانه. لكن قبل ذلك هل يمكن أن تدفعا ثمن الأضرار فأنتما لا ترغبان في أن تتسببا للحانة بأية مشاكل.”

طلب كاميتا من كينو أن يأتي بفاتورتهما، ووضع ثمن مشروبه على النضد. أخرج صاحب ذيل الفرس عشرة آلاف ين من محفظته ورمى بها على الطاولة.

” لا أحتاج أن تعيد لي شيئاً،” قال صاحب ذيل الفرس لكينو.” لكن لم لا تشتري كؤوساً أفضل من هذه؟ إنه نبيذ ثمين، وكؤوس مثل هذه تجعل طعمه كالبراز.”

” صحيح. حانة رخيصة وزبائن مثلها،” قال كاميتا. ” إنها لا تناسبكما.  سيكون مكان آخر مناسب لكما. ولا أعرف أين يكون.”

” الآن، أولستَ رجلاً حكيماً،” قال الرجل الضخم.”  أنت تثير ضحكي.”

” فكر بذلك فيما بعد، وأضحك كثيراً ما شاء لك الضحك،” قال كاميتا.

” الآن لم لا تخبرني أين يجب أن أذهب،” قال ذيل الفرس. وهو يلعق شفتيه ببطء، كأفعى تمعن النظر في فريستها.

فتح الرجل الضخم الباب وخرج، تبعه ذيل الفرس. ربما استشعرت التوتر في الجو، قفزت القطة، بالرغم من هطول المطر، إلى الخارج في إثرهما.

” هل أنت واثق من أنك بخير؟” قال كينو لكاميتا.

” لا داع للقلق،” قال كاميتا، بابتسامة خفيفة.” لا تحتاج لأن تفعل شيئاً، سيد كينو.  فقط ابق على حالك، سرعان ما سينتهي هذا الأمر.”

خرج كاميتا مغلقاً الباب. كانت لا تزال تمطر، أكثر غزارة بقليل من ذي قبل. جلس كينو على مقعد وانتظر. كان الجو في الخارج لا يزال غريباً، ولم يتمكن من سماع شيء. كتاب كاميتا مفتوح على النضد، مثل كلب مدرب ينتظر سيده. بعد عشر دقائق، فتح الباب، ودخل كاميتا وحيداً.

” هلا ناولتني منشفة؟” سأل.

ناوله كينو منشفة نظيفة، مسح كاميتا رأسه. ومن ثم وجهه وعنقه وأخيراً يديه.” شكراً لك. كل شيء على ما يرام الآن،” قال. ” لن يظهر وجه واحد من هؤلاء هنا ثانية.”

” ما الذي حدث؟”

اكتفى كاميتا بهز رأسه، كما لو أنه يقول،” من الأفضل ألا تعرف.” مضى إلى مقعده، شرب ما بقي من الويسكي، وأخذ كتابه من حيث تركه.

في المساء، بعد أن ذهب كاميتا، خرج كينو وطاف بالحي. كان الزقاق خالياً وهادئاً. ما من أثر لشجار، ولا للدم. لم يتخيل ما حدث. عاد إلى الحانة لينتظر زبائن آخرين، لكن لم يأت أحد تلك الليلة. لم تعد القطة أيضاً. صبَّ لنفسه القليل من ويسكي” وايت ليبل”، أضاف قدراً مساوياً من الماء ومكعبين صغيرين من الثلج، تذوقها. لاشي مميز، كما قد تتوقع. لكن جسده في تلك الليلة كان بحاجة لجرعة من الكحول.

بعد مرور ما يقارب الأسبوع على الحادثة، نام كينو مع زبونة. كانت أول امرأة يمارس معها الجنس منذ أن ترك زوجته. كانت في الثلاثين من عمرها، أو ربما أكثر قليلاً. لم يكن على يقين من إمكانية تصنيفها كجميلة، لكن كان فيها شيئاً مميزاً، شيئاً بارزاً.

سبق أن جاءت المرأة إلى الحانة عدة مرات، وفي كل مرة برفقة رجل من نفس العمر تقريباً يضع نظارات ذات إطار على شكل درع سلحفاة وسكسوكة كالتي كان يطلقها جيل البيت في الخمسينات. كان له شعر أشعث ولم يرتد أبداً ربطة عنق، لذا فقد حسب كينو أنه ربما لم يكن من موظفي الشركات النموذجيين. ارتدت المرأة دوماً فستاناً ضيقاً يظهر جسدها الأهيف والجميل. جلسا إلى النضد، يتبادلان بين الحين والآخر كلمة أو كلمتين هادئتين وهما يرتشفان المشروب الكحولي أو الخمر الإسباني. لم يطيلا المكوث أبداً. تصور كينو أنهما كانا يشربان قبل ممارسة الحب. أو ربما بعدها. لم يستطع أن يحدد لكن طريقتهما في الشراب ذكرته بالجنس. جنس كثيف مطول.  كان كلاهما جامدي الملامح على نحو غريب، لاسيما المرأة، التي لم يرها كينو تبتسم أبداً. حدثته أحياناً، دوماً عن الموسيقى التي كان يشغلها. تحب الجاز وكانت تجمع التسجيلات بنفسها. ” كان أبي يستمع إلى هذه الموسيقى،” قالت له.” سماعها يعيد لي الكثير من الذكريات.”

لم يعرف كينو من خلال نبرتها إذا ما كانت ذكريات عن الموسيقى أو عن والدها. لكنه لم يجسر على السؤال.

حاول كينو في الواقع ألا يختلط كثيراً بالمرأة. كان بيناً أن الرجل لم يسر كثيراً بتودده إليها.  جرت بينه وبينها مرة محادثة طويلة -تبادلا المعلومات عن المتاجر التي تبيع التسجيلات المستعملة في طوكيو وأفضل طريقة للعناية بالتسجيلات المصنوعة من مادة الفينيل وبعد ذلك راح الرجل يرمقه بنظرات باردة مرتابة. كان كينو في العادة يتفادى المشاكل بحرص. لم يكن هناك أسوأ من الغيرة والغرور، ولكينو العديد من التجارب الرهيبة بسبب واحد منهما. كثيراً ما صدم أن به ما يثير الجانب المظلم في الناس.

تلك الليلة، حينما جاءت المرأة إلى الحانة بمفردها. لم يكن هناك زبائن سواها، وعندما فتحت الباب انسلَّ هواء ليلي منعش. جلست إلى النضد، طلبت براندي، والتمست من كينو تشغيل بعضاً من أغاني بيلي هوليداي. ” شيء قديم بالفعل، لو سمحت.” وضع كينو أسطوانة كولومبيا على الجهاز، تلك التي تحوي أغنية” “جورجيا في بالي.” استمعا بصمت. ” هل يمكنك أن تشغل الوجه الآخر أيضاً؟” سألت عندما انتهت الأغنية، واستجاب لطلبها.

شربت على مهلٍ ثلاثة كؤوس من البراندي، تستمع لبعض من التسجيلات الأخرى -” مونجلو” لإيرول جارنر، ” لا يمكنني أن أبدأ.” لبودي ديفرانكو. أولاً، ظن كينو أنها تنتظر الرجل، لكنها لم تنظر إلى ساعتها ولو مرة. جلست هناك تستمع إلى الموسيقى، غارقة في التفكير ترتشف البراندي.

” ألن يأتي صديقك اليوم؟” قرر كينو أن يسأل مع اقتراب وقت الإغلاق.

” ليس بآتٍ. إنه مسافر،” قالت المرأة. نهضت عن المقعد ومشت إلى حيث تنام القطة. مسدت ظهرها برؤوس أصابعها. استمرت القطة في نومها هادئة.

” قد لا نلتقي مجدداً،” قالت المرأة.

لم يعرف كينو بم يجيب، فلم يقل شيئاً، وظل واقفاً خلف النضد.

” لست أدري كيف أعبر،” قالت المرأة. توقفت عن ملاطفة القطة وعادت إلى النضد، تصدر طقطقة عن كعبها العالي. ” علاقتنا ليست طبيعية تماماً.”

” ليست طبيعية تماماً.” كرر كينو كلماتها دون اعتبار لمعانيها حقيقة.

أنهت القدر القليل من البراندي المتبقي في كأسها.” هناك ما أود أن أريك إياه يا سيد كينو،” قالت.

لم يرغب كينو برؤية شيء. كان واثقاً من ذلك. لكن الكلمات لم تسعفه.

خلعت المرأة سترتها الصوفية ووضعتها على المقعد.  مدت يديها إلى الوراء وفتحت سحَّاب الفستان. أدارت ظهرها لكينو. رأى تحت إبزيم حمالة صدرها البيضاء تماماً نثار متفرق من علامات فحمية باهتة اللون، مثل كدمات. ذكرته بالكواكب النجمية في سماء الشتاء. صفٌ داكن من نجوم مستنزفة.

لم تقل المرأة شيئاً، فقط كشفت عن ظهرها لكينو. كمن يمكنه فهم معنى السؤال الذي سأله ، حدق كينو بالعلامات. أخيراً، أغلقت السحاب وأدارت له وجهها. لبست سترتها ورتبت شعرها.

” هذه حروق سجائر،” قالت ببساطة.

ضاع الكلام من كينو. ولما كان عليه أن يقول شيئاً. ” من فعل بك ذلك؟” سأل بصوت جاف.

لم تجب المرأة، ولاحظ كينو أنه لم يكن يأمل الإجابة.

” يوجد سواها في أماكن أخرى أيضاً،” قالت أخيراً، بصوت خال من التعبير. ” رجاء، تلك يصعب الكشف عنها.”

شعر كينو، منذ البداية، أن هناك شيئاً خارجاً عن المألوف في تلك المرأة. شيء ما أثار رد فعل غريزي، محذراً إياه من التورط معها. كان في الأساس شخصاً حذراً. لو احتاج بالفعل لمعاشرة امرأة، يمكنه دوماً أن يفعل مع محترفة.  أضف إلى ذلك أنه لم يكن يشعر بالجاذبية نحو هذه المرأة.

لكنها تلك الليلة في حالة من اليأس رغبت أن يحبها رجل-وبدا أنه كان هذا الرجل. كانت عيناها ضحلتين، توسعت الحدقتان بغرابة، لكن البريق القاطع فيهما لم يكن يحتمل أي تراجع. ليس لكينو القدرة على المقاومة.

أغلق الحانة، وصعدا الدرج. في غرفة النوم، خلعت المرأة فستانها بسرعة، وسروالها الداخلي، وأرته الأماكن التي كان من الصعب الكشف عنها. أزاح كينو بصره أولاً، لكن فيما بعد عاد لينظر. لم يفهم ولم يكن لديه الرغبة في أن يفهم عقل الرجل الذي يقدم على فعل شيء بهذه القسوة، أو كيف تتحمل امرأة طوعاً. كان مشهداً متوحشاً من كوكب قاحل. عاش كينو بعيداً عن عنه مسافة سنوات ضوئية.

أخذت المرأة يده وأرشدتها نحو آثار الحروق، ليلمس كل واحد بدوره. كان هناك آثار على صدرها، وبالقرب من عضوها التناسلي.  تتبع تلك العلامات الغامقة القاسية كما لو أنه يستعمل قلماً ليصل بين النقاط. بدا أن العلامات تتخذ شكلاً ذكره بشيء ما، لكنه لم يتمكن من التوصل لمعرفته.

مارسا الجنس على الأرض المفروشة. لم يتبادلا كلمة، ولا مداعبة، لم يكن هناك وقت لإطفاء الضوء أو لفرش الحشية. انزلق لسان المرأة على حنجرته، حفرت أظافرها في ظهره. تحت الضوء، مثل حيوانين جائعين يلتهمان اللحم المشتهى. عندما انبلج الفجر في الخارج، زحفا على الحشية وناما، كما لو أنهما محمولان نحو الظلمة.

استيقظ كينو قبيل الظهر، كانت المرأة قد رحلت. شعر أنه رأى حلماً شديد الواقعية، لكن بالتأكيد لم يكن حلماً. كانت الخدوش تخط ظهره، وعلى ذراعيه آثار العضات، يعتصر عضوه ألم جاف. بضع شعرات طويلة التفت على مخدته البيضاء، وللملاءات رائحة قوية لم يشمها من قبل.

جاءت المرأة إلى البار عدة مرات بعد ذلك، برفقه الرجل ذو السكسوكة دوماً. يجلسان إلى النُّضد، يتحدثان بأصوات منخفضة وهما يشربان كأساً أو اثنين ويغادران. قد تتبادل المرأة بضع كلمات مع كينو حول الموسيقى غالباً. كانت نبرتها كالسابق كما لو أنها لا تتذكر شيئاً مما حدث بينهما تلك الليلة. مع ذلك، استطلع كينو وميض الرغبة في عينيها، مثل ضوء خافت عميق في منجم. كان متأكداً.  وأعاد إليه بقوة كل شيء-  خدوش أظافرها على ظهره واللسعة في عضوه، لسانها الطويل الزاحف، رائحتها على فراشه.

وهو يتحدث مع المرأة، تتبع مرافقها بإمعان تعابير كينو وتصرفاته. أحس كينو بشيء لزج يحيط بهما، كما لو أن هناك سراً عميقاً لا يعرفه سواهما.

في آخر الصيف، تم طلاق كينو والتقى بزوجته في حانته ذات أصيل، قبل موعد افتتاحها، للاهتمام ببعض المسائل العالقة.

تم الاتفاق على القضايا القانونية سريعاً، ووقع كلاهما الوثائق الضرورية. كانت زوجة كينو ترتدي فستاناً أزرق جديداً، بتسريحة شعر قصيرة. بدت في حال أحسن وأكثر سروراً مما رآها في أي وقت مضى.  لا شك أنها بدأت حياة جديدة أكثر إرضاءاً. نظرت في أرجاء الحانة.” يا للمكان الجميل،” قالت. ” هادئ، نظيف، وساكن-يشبهك.” تبع ذلك صمت قصير.” لكن لا شيء هنا حقيقة يثيرك”: تخيل كينو أن تلك كانت الكلمات التي رغبت بقولها.

” هل تودين أن تشربي شيئاً؟” سأل.

” القليل من النبيذ الأحمر، إذا كان لديك.”

أخرج كينو كأسين وصب بعضاً من نبيذ “نابا زينفاندل”. شربا بصمت. لم يزمعا على شرب نخب طلاقهما. تقدمت القطة وقفزت فجأة في حضن كينو. الذي داعبها خلف أذنيها.

” أستميحك عذراً،” قالت زوجته أخيراً.

” على ماذا؟” سأل كينو.

” لأني أذيتك،” قالت.” كنت مجروحاً، قليلاً، أليس كذلك؟”

” أفترض ذلك،” قال كينو، بعد أن استغرقه بعض التفكير.” أنا إنسان، في النهاية، كنت مجروحاً، لكن لا أعرف إن كان كثيراً أو قليلاً.”

” أردت أن أراك لأعتذر منك.”

أومأ كينو.” اعتذرت وقبلت اعتذارك. لا داعي للقلق بهذا الشأن بعد اليوم.”

” أردت أن أقول لك ما كان يحدث، لكني لم أعثر على الكلمات.”

” لكن ألم نكن لنصل إلى نفس النهاية بأية حال؟”

” أظن ذلك،” قالت زوجته.

رشف كينو النبيذ.

” إنه ليس خطأ أحد،” قال.” لم يكن علي القدوم باكراً إلى البيت. أو كان عليَّ أن أعلمك بقدومي. وبذلك لم نكن لنقع في هذا.”

لم تقل زوجته شيئاً.

” متى بدأت ترين ذلك الرجل؟” سأل كينو.

” لا أظن أن علينا أن نخوض في ذلك.”

” هل تعنين أنه من الأفضل لي ألا أعرف؟ ربما أنت محقة في ذلك،” اعترف كينو. وواصل ملاطفته للقطة، التي هرَّت بشدة.

” ربما ليس لي الحق لأقول هذا،” قالت زوجته،” لكني أظن من الأفضل أن تنسى ما حصل وتجد شخصا جديداً.”

” ربما،” قال كينو.

” أعلم أنه لابد من وجود امرأة تناسبك. ليس من الصعب إيجادها. لم أكن قادرة على أن أكون ذلك الشخص بالنسبة لك، وفعلت أمراً رهيباً. أشعر بالفظاعة نحوه. لكن كان هناك ثمة خطب فيما بيننا منذ البداية، كما لو أنا زررنا الأزرار بطريقة خاطئة، أظن أن عليك أن تكون قادرا على أن تحيا حياة سعيدة أكثر طبيعية.

زررنا الأزرار بطريقة خاطئة، فكر كينو.

نظر إلى الفستان الجديد الذي كانت ترتديه. كانا يجلسان متقابلين، فلم يتمكن من معرفة إذا ما كان يوجد سحاب أو أزرار على ظهره. لكن لم يستطع الامتناع عن التفكير بما قد يراه إذا ما فك سحاب أو أزرار ملابسها. لم يعد جسدها ملكاً له، فكل ما كان بمستطاعه هو التخيل. عندما أغلق عينيه، رأى آثاراً عديدة لحروق بنية غامقة اللون تتلوى على ظهرها الناصع البياض، مثل سرب من الديدان. هز رأسه ليطرد تلك الصورة، بدا أن زوجته أساءت التفسير.

وضعت يدها على يده بلطف.” أنا آسفة،” قالت.” أنا آسفة بحق.”

حلَّ الخريف واختفت القطة.

لم ينتبه كينو لرحيلها إلا بعد بضعة أيام. هذه القطة-التي لا تزال بلا اسم-كانت تجيء إلى الحانة عندما ترغب وأحياناً كانت تختفي لفترة، فإذا مر أسبوع ولم يرها كينو، أو حتى عشرة أيام، لم يكن ينتابه قلق واضح. كان مولعاً بالقطة، وبدا أن القطة تثق به. كانت أيضاً مثل حظ جيد ساحر للحانة. كان يشعر كينو بالاطمئنان طالما هي نائمة في الزاوية. لكن عندما مر أسبوعان بدأ يقلق. بعد ثلاثة أسابيع، حدس كينو حدثه بأن القطة لن تعود.

في غياب القطة بدأ كينو يلحظ أفاعي في الخارج، قرب المبنى.

كانت أول أفعى رآها طويلة وبنية. في ظل شجرة الصفصاف في الباحة الأمامية، تزحف بروية. كينو، ممسكاً بكيس البقالة، لم يكن قد أقفل الباب عندما لمحها. من النادر أن ترى أفعى وسط طوكيو. تفاجأ قليلاً، لكنه لم يقلق بشأنها. كان متحف النيزو يقع خلف بنايته بحدائقه الكبيرة. لم يكن مستبعداً وجود أفعى هناك.

لكن بعد يومين، وهو يفتح الباب قبل الظهر تماماً ليأخذ الصحيفة، رأى أفعى مختلفة في نفس المكان. كانت زرقاء، أصغر من الأخرى، ولها منظر قذر. عندما رأت الأفعى كينو، توقفت، رفعت رأسها قليلاً، وحدقت به، كما لو أنها تعرفه. تردد كينو، غير متيقن مما يتوجب عليه فعله، والأفعى أخفضت رأسها ببطء واختفت في الظل. الأمر برمته أصاب كينو بالذعر.

بعد ثلاثة أيام، لمح الأفعى الثالثة. كانت تحت شجرة الصفصاف في الباحة الأمامية. هذه كانت أصغر من الأخريات بشكل ملحوظ وسوداء. لا يعرف كينو شيئاً عن الأفاعي، لكن هذه صدمته باعتبارها الأكثر خطورة. بدت سامة بشكل ما. أحست بحضوره بسرعة، زحفت مبتعدة في الأعشاب. ثلاث أفاعي في المكان خلال أسبوع، لا يهم كيف تعتبرها كانت عديدة شيء ما غريب كان يجري.

اتصل كينو بخالته في ايزو. بعد إعلامها بما يجري في الحي، سألها إذا ما رأت من قبل أفاعي حول المنزل في ايوياما.

” أفاعي؟” قالت خالته بصوت مرتفع، متفاجئة. ” عشت هناك لوقت طويل لكني لا أتذكر أني رأيت أفعى. أو ليست علامة على حدوث زلزال أو شيء ما. تستشعر الحيوانات بالكوارث وتتصرف بغرابة.”

” إذا هذا حقيقي، ربما من الأفضل أن أتمون بكميات كبيرة،” قال كينو.

” هذه ربما فكرة جيدة. قد يضرب طوكيو زلزالاً ضخماً يوماً ما.”

” لكن هل الأفاعي تستشعر بحدوث الزلازل؟”

” لا أعلم بم تستشعر،” قالت خالته.” لكن الأفاعي مخلوقات ذكية. في الأساطير القديمة، غالباً ما تساعد الناس وترشدهم. لكن، عندما تقودك الأفعى لا تعرف فيما إذا كانت تأخذك في اتجاه جيد أو سيء، في أغلب الحالات هو خليط من الخير والشر.”

” هذا غامض،” قال كينو.

” تماماً. الأفاعي مخلوقات ملتبسة بشكل أساسي. في هذه الأساطير، الأفعى الأكبر والأذكى تخفي قلبها في مكان ما خارج جسدها. وبهذا لا يمكن أن تقتل. إذا ما أردت أن تقتل تلك الأفعى، عليك أن تذهب إلى مخبئها عندما لا تكون فيه، وتجد القلب الخفاق، وتقطعه إلى اثنين. ليست مهمة سهلة، بالتأكيد.”

كيف تعرف خالته كل هذا؟

” في ذلك اليوم كنت أشاهد برنامجاً على قناة يقارن بين أساطير مختلفة حول العالم،” شرحت،” وكان أستاذاً من جامعة ما يتحدث عن هذا. يمكن أن يكون التلفاز مفيداً تماماً-عندما يكون لديك متسعاً من الوقت عليك أن تشاهد التلفاز.”

صار كينو يشعر كما لو أن المنزل محاط بالأفاعي. شعر بحضورها الهادئ. في منتصف الليل، عندما أغلق الحانة، كان الحي ساكناً، دونما صوت آخر سوى الإنذارات التي تصدر أحياناً. هادئ جداً حتى أنه استطاع أن يسمع صوت الأفاعي وهي تزحف. أخذ لوحاً وأغلق بإحكام الباب الذي صنعه للقطة، بحيث لا يمكن للأفاعي أن تدخل المنزل.

ذات ليلة ظهر كاميتا قبيل الساعة العاشرة.  تناول البيرة، وتبعها بكأسه المعتاد من ويسكي وايت ليبل المزدوج، وتناول طبقاً من محشي الكرنب. لم يكن من عادته أن يأتي متأخراً، ويبقى طويلاً. أحياناً، كان يرفع بصره عن قراءته ليحدق بالجدار المواجه له، كما لو أنه يتأمل شيئاً. بحلول وقت الإغلاق  ظل حتى غادر آخر الزبائن.

” سيد كينو،” قال كاميتا برسمية بعد أن دفع حسابه.” أجد أنه من المؤسف أن يصل الأمر إلى هذا الحد.”

” يصل إلى هذا الحد؟” أجاب كينو.

” إذ يتوجب عليك إغلاق الحانة وإن إلى حين.”

حدق كينو بكاميتا، غير عارف بم يجيبه. أغلق الحانة؟

نظر كاميتا في أرجاء الحانة الفارغة، ومن ثم عاد إلى كينو. ” ألم تستوعب ما أقول أليس كذلك؟”

” لا أظن.”

” أنا معجب كثيراً بهذه الحانة فعلاً،” قال كاميتا، كما لو أنه يأتمنه على سر. ” كانت هادئة، بحيث تمكنت من القراءة، واستمتعت بالموسيقى. كنت سعيداً جداً عندما افتتحت الحانة هنا. للأسف، مع ذلك هناك أشياء ناقصة.”

” ناقصة؟” قال كينو. لم يكن لديه فكرة عما تعنيه.  كل ما استطاع تصوره كوب شاي ورقاقة صغيرة في حافته.

” تلك القطة الرمادية لن تعود،” قال كاميتا.” في هذا الوقت على الأقل.”

” لأن هذا المكان ينقصه شيء؟”

لم يجب كاميتا.

تبع كينو نظرة كاميتا، ونظر بحذر في أرجاء الحانة، لكن لم ير شيئاً غير مألوف. ومع ذلك أحس بفراغ المكان أكثر من أي وقت مضى، مفتقراً للحيوية واللون. شيء يتجاوز المعتاد، مقفلة لتوها مع حلول الليل.

رفع كاميتا صوته.” سيد كينو، أنت لست من النوع الذي يرتكب الخطأ من تلقاء نفسه. أعرف ذلك تمام المعرفة. لكن أحياناً في هذا العالم لا يكون كافياً ألا ترتكب الأخطاء. بعض الناس يستعملون هذه المساحة الخالية كمهرب. هل تفهم ما أقول؟”

كينو لم يفهم.

“فكر بذلك بعناية،” قال كاميتا، محدقاً مباشرة في عيون كينو. ” إن هذه المسألة شديدة الأهمية، تستحق بعض التفكير الجدي. ولو أن الجواب لن يأتي بهذه السهولة ربما.”

” تقول بأن مشكلة خطيرة قد حدثت، ليس لأني ارتكبت خطأ لكن لأني لم أفعل الأمر الصائب؟ ثمة مشكلة تتعلق بهذه الحانة، أو بي؟”

أومأ كاميتا.” يمكنك أن تصوغه بتلك الطريقة. لكن لا ألومك سيد كينو.  أنا مخطئ أيضاً، لأني لم ألحظ هذا سابقاً.  كان عليَّ أن أهتم أكثر. لم يكن هذا المكان مريحاً لي وحسب لكن للجميع.”

” إذن ماذا عليَّ أن أفعل؟” سأل كينو.

” أغلق الحانة لفترة وابتعد. لا شيء آخر يمكنك فعله في هذه المرحلة. أظن من الأفضل أن تغادر قبل أن يكون لدينا نوبة أخرى طويلة من المطر. أعذرني على السؤال، لكن هل لديك ما يكفي من المال للذهاب في رحلة طويلة؟”

” أظن أن بإمكاني تحمل نفقات الرحلة لفترة.”

” جيد. يمكنك أن تفكر بما يأتي بعد ذلك عندما تصل إلى تلك المرحلة.”

“من أنت بأية حال؟”

” أنا مجرد رجل اسمه كاميتا،” قال كاميتا.” يكتب بالأحرف كامي، ” إله،” وتا، ” حقل،” لكن لا يقرأ “كاندا.” أعيش هنا منذ زمن طويل.”
قرر كينو أن يمعن في السؤال أكثر. ” سيد كاميتا، لدي سؤال. هل رأيت أفاعٍ هنا من قبل؟”

لم يجب كاميتا. “إليك ما عليك فعله. ابتعد، ولا تبقى في مكان واحد طويلاً. وأرسل يومي الاثنين والخميس بطاقة بريدية. لأعرف أنك بخير.”

” بطاقة بريدية؟”

” أي نوع من البطاقات المصورة من مكان تواجدك.”

” لكن لمن عليَّ أن أرسلها؟”

” يمكنك أن ترسلها إلى خالتك في ايزو. لا تكتب اسمك أو أي رسالة بتاتاً. ضع العنوان الذي ترسل إليه فقط. هذا هام جداً، لا تنسى.”

نظر كينو نحوه متفاجئاً. ” تعرف خالتي؟”

” نعم، أعرفها حق المعرفة. في الحقيقة، طلبت مني الاهتمام بك لتكون على يقين من عدم حصول ما هو سيء. يبدو أني فشلت في المهمة مع ذلك.”

من يكون هذا الرجل؟ سأل كينو نفسه.

” سيد كينو، سأتصل بك عندما أعرف أن الأمور مناسبة لعودتك. ابق بعيداً عن هنا، حتى ذلك الحين. هل تفهم؟”

حزم كينو حقائب الرحلة في تلك الليلة، من الأفضل أن تغادر قبل نوبة طويلة أخرى من المطر. كان التصريح مفاجئاً جداً، لم يدرك مغزاه. لكن قدرة كلمات كاميتا على الإقناع كانت تتخطى المنطق. لم يسئ كينو الظن به. حشا حقيبة كتف من القياس المتوسط ببعض الملابس والمستحضرات، نفس الحقيبة التي كان يستعملها في رحلات العمل. عند طلوع الفجر، ثبت ملحوظة على الباب الأمامي: ” نعتذر لأن الحانة ستكون مغلقة في الوقت الحالي.” بعيداً، قال له كاميتا. لكن لم يكن لديه فكرة حقيقة عن المكان الذي ينبغي أن يتوجه إليه.  هل يتجه شمالاً؟ أو جنوباً؟ قرر أن يبدأ بتتبع المسار الذي كان يسلكه غالباً عندما كان يبيع الأحذية الرياضية. استقل باص الطريق السريع ذاهباً إلى تاكامتسو. سيطوف في شيكوكو ثم يتوجه إلى كيوشو.

توقف في فندق لرجال الأعمال بالقرب من محطة تاكاماتسو وبقي فيه ثلاثة أيام. تجول في المنطقة وذهب لمشاهدة الأفلام. كانت صالات السينما خالية آناء النهار، والأفلام دون استثناء مخدرة للعقل ليلاً، عاد إلى غرفته وشغل التلفزيون. تبع نصيحة خالته وشاهد برامج تعليمية، لكن لم يحصل منها على معلومة مفيدة. كان اليوم الثاني في تاكاماتسو خميساً، فاشترى بطاقة بريدية من المتجر، ألصق الطابع، وأرسلها إلى خالته. كما أشار عليه كاميتا، كتب اسمها والعنوان.

” فكر به ملياً،” قال له كاميتا.” هذه مسألة في غاية الأهمية، تستحق بعض التفكير الجدي.” لكن مع أن كينو فكر بجدية بالغة إلا أنه لم يتوصل لمعرفة المشكلة.

بعد بضعة أيام، كان كينو يقيم في فندق رخيص بالقرب من محطة كوماموتو، في كيوشو. سقف منخفض، ضيق، سرير رديء، جهاز تلفاز صغير، مغطس حمام صغير، ثلاجة صغيرة قذرة. شعر كأنه عملاق أخرق، مشوش. مع ذلك، فيما عدا الذهاب إلى متجر الوجبات السريعة القريب، بقي متوارياً في الغرفة طوال اليوم. اشترى من المتجر زجاجة صغيرة من الويسكي، مياه معدنية، وبعض البسكويت لوجبة خفيفة. استلقى على سريره يقرأ. عندما يتعب من القراءة، يشاهد التلفزيون. عندما يتعب من مشاهدة التلفزيون، يقرأ.

إنه يومه الثالث في كوماموتو. لا يزال يملك مالاً في حساب التوفير، وكان بمقدوره لو رغب أن ينزل في فندق أفضل بكثير. لكنه شعر أن هذا المكان يناسبه في الوقت الحاضر. إقامته في مكان صغير مثل هذا، ستعفيه من التفكير بما ليس ضرورياً، وكل شيء يحتاجه في المتناول. كان ممتناً لهذا على غير انتظار. كل ما تمناه كان بعض الموسيقى.  تيدي ويلسون، فيك ديكنسون، باك كلايتون-تاق أحياناً توقاً شديداً للاستماع إلى مقطوعاتهم القديمة من موسيقى الجاز، بتقنياتهم الثابتة الموثوقة وأوتارهم الصريحة. رغب بأن يشعر بالفرح الخالص الذي كانوا يشعرون به وهم يعزفون، وتفاؤلهم الرائع. لكن تسجيلاته كانت بعيدة. تخيل حانته، هادئة منذ أن أغلقها. الزقاق، شجرة الصفصاف الكبيرة. الناس وعم يقرؤون الملحوظة التي كتبها وغادر. ماذا عن القطة؟ لو عادت ستجد بابها مغلقاً، وكانت الأفاعي لا تزال تذرع المنزل صامتة؟

أمام نافذته مباشرة في الطابق الثامن كانت نافذة في مبنى عمومي يرى من خلالها أناساً يعملون من الصباح إلى المساء، لم يكن لديه فكرة عن نوع هذا العمل. رجال بربطات عنق يدخلون ويخرجون في حين أن النساء يطرقن على لوحات مفاتيح الحواسيب، يجبن على الهاتف، يصنفن المستندات، ليس مشهداً من النوع الذي يلفت الانتباه تماماً. كانت قسمات وملابس العاملين عادية، بل مبتذلة. راقبهم كينو لساعات لسبب بسيط واحد: لم يكن لديه ما يفعله.  ووجد أنه من غير المتوقع، والمفاجئ، كم تبدو عليهم السعادة أحياناً. ينفجر بعضهم بالضحك بين الحين والآخر، لماذا؟ يعملون طوال اليوم في مثل هذا المكتب الذي يفتقر إلى الجاذبية، يقوم بأشياء بدت (على الأقل بالنسبة لكينو) غير ملهمة على الإطلاق -كيف يمكنهم القيام بهذا ويشعرون مع ذلك بهذا القدر من السعادة؟ هل كان هناك ثمة سر خفي لم يستطع فهمه؟

كان موعد انتقاله مجدداً على وشك الحلول. لا تبق في مكان واحد طويلاً، قال له كاميتا. ومع ذلك لم يستطع كينو إرغام نفسه على مغادرة هذا الفندق الصغير السيء في كوماموتو. لم يكن راغباً بالذهاب إلى أي مكان. كان العالم محيطاً شاسعاً دون معالم، وكينو مركب صغير فقد خريطته البحرية ومرساته. عندما فرد خريطة كيوشو، احتار إلى أين يمضي، شعر بالغثيان، بدوار البحر. استلقى في السرير وقرأ كتاباً، يرفع بصره بين الفينة والأخرى ليشاهد الناس في المكتب المقابل.

كان يوم الاثنين، فاشترى بطاقة بريدية من متجر للهدايا في الفندق مع صورة لقلعة كوماموتو، كتب اسم خالته والعنوان، وألصق الطابع. أمسك بالبطاقة لفترة، محدقاً بالقلعة بنظرة خاوية. صورة نمطية، من النوع الذي تنتظر أن تراه على بطاقة بريدية: القلعة تتسامق بغرور أمام السماء الزرقاء والغيوم البيضاء المنفوخة. أطال كينو النظر في الصورة، إلا أنه لم يجد جدوى من الاتصال بينه وبين تلك القلعة. بدافع ما قلب البطاقة وكتب رسالة إلى خالته:

كيف حالك؟ وكيف حال ظهرك هذه الأيام؟ كما ترين أنا لا أزال أرتحل وحيداً. أحياناً أشعر كما لو أني نصف شفاف بحيث يمكنك رؤية أعضائي الداخلية، مثل حبار مصطاد للتو. فيما عدا ذلك أنا بخير أتمنى أن أزورك يوماً ما. كينو.
لم يكن كينو متيقناً من دافع كتابة ذلك. فقد منع كاميتا ذلك بحزم. لكنه لم يستطع تمالك نفسه. عليَّ بطريقة ما أن أتواصل مع الواقع مجدداً، فكر، وإلا لن أكون أنا. سأصبح رجلاً غير موجود. وقبل أن يغير رأيه، سارع إلى صندوق البريد قرب الفندق وزلق البطاقة بداخله.

عندما استيقظ، كانت الساعة التي بجوار سريره تشير إلى الثانية والربع. كان أحدهم يطرق على بابه. ليس طرقاً عالياً لكن بصوت حازم، ضاغط كما يدق نجار ماهر مسماراً. انتزع الصوت كينو من نوم عميق حتى أن صحوه كان صافياً على نحو كامل وشديد أيضاً.

عرف كينو ما يعنيه هذا الطرق. وعرف أن عليه النهوض من السرير ليفتح الباب فمهما فعل الطارق لن يكون من القوة بحيث يتمكن من فتح الباب من الخارج. كان ينبغي أن يفتحه كينو.

خطر له أن هذه الزيارة كانت ما تمناه تماماً، وفي نفس الوقت، ما كان يخشى قبل كل شيء. هذا كان غامضاً: الانتظار في فراغ بين حدين.” كنت مجروحاً قليلاً أليس كذلك؟” سألته زوجته.” أنا إنسان، في النهاية. كنت مجروحاً،” أجاب. لكن لم تكن الحقيقة. بل نصفها على الأقل كان كذبة. لم أكن جريحاً إلى الحد الذي يجب أن أكون عليه، اعترف كينو لنفسه.  عندما كان عليَّ الشعور بألم حقيقي خنقته. لم أرغب بتحمله، فتجنبت مواجهته. لهذا قلبي فارغ الآن. خطفت الأفاعي تلك البقعة في محاولة لإخفاء قلوبها الخافقة ببرود هناك.

” لم يكن المكان مريحاً بالنسبة لي فقط لكن للجميع،” قال كاميتا. فهم كينو أخيراً ما عناه.

شد كينو الغطاء عليه، أغلق عينيه، وغطى أذنيه بيديه. لن أنظر، لن أصغي، قال لنفسه. لكنه لم يستطع أن يتخلص من الصوت. حتى لو ركض إلى أقصى أركان الأرض وسدَّ أذنيه بالطين، ستتبعه تلك الطرقات دونما شفقة طالما لا يزال حياً. لم يكن طرقاً على باب في فندق. بل طرقاً على باب قلبه. أحداً لا يمكنه التملص من ذلك الصوت.

لم يكن يعرف على وجه اليقين كم مضى من الوقت، لكنه أدرك أن الطرق قد توقف. كانت الغرفة ساكنه كالجهة الأخرى من القمر. مع ذلك، بقي كينو تحت الأغطية. كان عليه أن يبقى متأهباً. فالكائن الذي يقف ببابه لن يستسلم بسهولة. لم يكن هناك داع للعجلة. لم يكن هناك قمر. سوى مجموعة شاحبة من النجوم تناثرت في السماء على نحو كئيب. انتمى العالم لمدة أطول لتلك الكائنات الأخرى. لديهم طرق مختلفة كثيرة. يمكنهم الحصول على ما يريدون بكل الوسائل. الجذور المظلمة يمكن أن تنتشر في كل مكان تحت الأرض. بصبر تأخذ وقتها باحثة عن نقاط ضعف، لقد كسروا الصخرة الأكثر صلابة.

أخيراً، كما توقع كينو، بدأ الطرق من جديد. لكن هذه المرة سُمع من اتجاه آخر. أكثر قرباً من ذي قبل. أياً يكن الطارق فقد كان خارج النافذة المحاذية لسريره تماماً. يتشبث بحائط المبنى الشفاف، بارتفاع ثماني طوابق، تاب-تاب- يطرق على الزجاج الذي يخطه المطر.

تواصل الطرق على نفس المنوال. مرتين. ومن ثم اثنتين مجدداً.  دون توقف. كخفق قلب ينبض بالمشاعر.

كانت الستارة مفتوحة. قبل أن يغط في النوم، كان يشاهد الأشكال التي شكلتها قطرات المطر على الزجاج. تخيل كينو ما سيراه الآن، لو أخرج رأسه من تحت الأغطية. لا-لم يتمكن من تخيله. كان عليه أن يخمد القدرة على تخيل أي شيء. ليس عليَّ أن أنظر إليه، قال لنفسه. ليس مهماً أن يكون فارغاً، فهو قلبي مع ذلك. لا يزال فيه بعض الدفء الانساني. ذكريات، مثل طحلب يلتف حول دعائم على الشاطئ، ينتظر صامتاً المد العالي.  إذا ما جرحت المشاعر ستنزف.  لا يمكنني أن أدعها تجول في مكان ما يتجاوز إدراكي.

” يمكن أن تكون الذكريات معيناً،” قال كاميتا. خطرت فكرة فجائية لكينو: أن كاميتا كان بشكل ما متصل مع شجرة الصفصاف المعمرة أمام منزله.  لم يعي كيف يكون هذا معقولاً، بالضبط، لكن عندما استحوذت عليه الفكرة أصبحت الأشياء مفهومة. تصور كينو فروع الشجرة، مورقة خضراء، متدلية بثقل، تكاد تلامس الأرض. في الصيف، وفرت ظلاً بارداً للباحة. في الأيام المطيرة، تلألأت قطيرات ذهبية على أغصانها الغضة. في الأيام العاصفة، تأرجحت مثل قلب متعب، وحلقت طيور صغيرة عالياً، يصرخ بعضها لبعض، تحط بأناقة على الأغصان النحيلة الغضة، فقط لتحلق مجدداً.

تحت الملاءات، التف كينو كدودة، أغلق عينيه بإحكام، وفكر بالصفصافة.  تخيل أوصافها-لونها وشكلها وحركاتها واحدة تلو الأخرى. وصلى أن يطلع الفجر.  كل ما استطاع فعله كان الانتظار هكذا بصبر حتى انبلاج النور والطيور استيقظت وبدأت يومها. كل ما فعله كان الثقة بالطيور، بكل الطيور، بأجنحتها ومناقيرها. حتى ذلك الحين لم يستطع أن يفرغ قلبه. ذلك الفراغ، الخواء الذي أنتجه، سيستجرها. عندما لم تكن شجرة الصفصاف كافية، فكر كينو بالقطة النحيلة الرمادية، وولعها بالطحلب المشوي. تذكر كاميتا عند النضد، غارقاً في كتاب، عداؤون شبان في تدريبات قاسية متكررة على المضمار، مقطوعة البيانو الجميلة لبين ويبستر ” رومانسيتي.” تذكر زوجته في فستانها الأزرق الجديد، شعرها بقصته القصيرة. أمِل أنها تعيش حياة سعيدة معافاة في منزلها الجديد. أمل ألا يكون على جسدها أية ندوب.  استسمحتني وجهاً لوجه، وقبلت اعتذارها، فكر. أحتاج أن أتعلم الصفح وليس النسيان.

لكن بدا أن حركة الزمن ليست مثبتة كما ينبغي. كان ثقل الرغبة الدامي ومرساة الندم الصدئة يعيقان تدفقه الطبيعي. المطر المتواصل، عقارب الساعة المربكة، الطيور النائمة، ساعي البريد المجهول يفرز بصمت البطاقات البريدية، نهدا زوجته الجميلان يتنططان بعنف في الهواء، شيء ما يطرق بعناد على النافذة. كما لو أنه يستدرجه نحو أعماق متاهة مثيرة، هذا الطرق المنتظم اللانهائي. تاب تاب تاب تاب، ومرة أخرى-تاب تاب. “لا تنظر بعيداً، انظر مباشرة نحوه،” همس أحدهم في أذنه.” هذا هو شكل قلبك.”

هز نسيم الصيف المبكر أغصان الصفصافة. في غرفة صغيرة مظلمة، في مكان داخل كينو، كانت يد دافئة تحاول الوصول إليه. بعيون مغلقة، شعر بتلك اليد على يده، ناعمة وحقيقية. لقد نسي هذا، وقد فارقه منذ زمن بعيد. نعم، أنا مجروح. عميقاً جداً جداً. قال هذا لنفسه. وبكى.

لم يتوقف المطر طوال الوقت، مبللاً العالم بقشعريرة باردة. ♦

150223_r26182-881

ترجمها عن اليابانية فيليب جابرييل.

ترجمة أماني لازار.

http://www.newyorker.com/magazine/2015/02/23/kino

[1] منظمة إجرامية يابانية انخرطت في أعمال غير قانونية مثل الإتجار بالمخدرات، الدعارة، والابتزاز.

ورعٌ أقلّ- خابيير مارياس.

ورعٌ أقلّ

خابيير مارياس.

كنت في أشد الحاجة للنقود حتى أني تقدَّمت منذ يومين لاختبار سينمائي بهدف المشاركة في فيلم “بورنو” وصعقت لدى رؤيتي ذلك العدد الكبير من النساء اللاتي رغبنَ في الحصول على واحد من تلك الأدوار التي لا تشتمل على الحوار قطعاً، أو بالأحرى الأدوار التي لا تتطلب سوى الصياح. ذهبت إلى هناك خجلةً متحرِّجة، أقول لنفسي بأنه يتوجب عليَّ تأمين الغذاء لابنتي، وأن الأمر لم يكن على ذلك القدر من الأهمية فمن غير المرجَّح أن يشاهد الفيلم أيٌّ من معارفي، بالرغم من علمي أن الجميع دوماً يكتشفون ما حدث في نهاية الأمر. ارتبت مع ذلك، من أني لن أكون أبداً شديدة الأهمية مستقبلاً ما يجعلني أتعرض للابتزاز بشأن ماضيّ. إلى جانب أن هناك ما يكفي سلفاً لهذا.

عندما رأيت الطوابير داخل المنزل، على الدَّرج وفي غرفة الانتظار (كانت اختبارات الشاشة مثل التصوير السينمائي، تعقد في منزل مؤلفٍ من ثلاث طبقات، في مكان ما حول توربيديرو توكومان، وهي منطقة لا أعرفها)، ساورني الخوف من أنهم لن يختاروني، ولو أني حتى ذلك الحين كنت أخشى أن يفعلوا، وكان ما آمله حقيقة هو ألا يفعلوا، وأني لن أكون جميلة في نظرهم إلى حد يمكّنهم من قبولي، أو ذات موهبة جيدة بما يكفي لمنحي الدور. لم يكن ذلك ممكناً، فلطالما كنت محط الأنظار دوماً، طوال حياتي، أنا لا أغالي فهذه حقيقة، ولم يكن في هذا الكثير لصالحي.

“من المرجح ألّا أحصل على هذا العمل أيضاً،” فكرت عندما رأيت جميع النساء الطامحات. ” إلا إذا كان الفيلم يتضمن مشهد جنس جماعي هائل يحتاجون فيه لعدد كبير من الممثلين.” كان هناك الكثير من الفتيات في عمري ومنهن أيضاً من يصغرنني أو يكبرنني، سيدات لهنَّ مظهر مألوف جداً، ربما هن أمَّهات مثلي، لكن أمهات لهن أولاد، يتعذر إصلاح محيط خصورهن، تلبسن جميعاً تنانير قصيرة وكعوب عالية وستر ضيقة سيئة الصنع، كما هي ملابسي، وقد كان هذا سخيفاً بحق، طالما أننا سنظهر عراة، ما إذا تمّ اختيارنا. منهن من اصطحبن أطفالهن معهن، وكانوا يذرعون الدرج صعوداً ونزولاً، وقد كانت نساء أخريات يلعبن معهم حين يمرون بهن.

كان هناك الكثير من الطالبات أيضاً، ببناطيل الجينز والقمصان القصيرة الأكمام، لابد أن لهنَّ أهلاً، ما الذي يفكر به الأهل فيما لو تم اختيار بناتهن وصادف أن شاهدوا الفيلم يوماً ما، حتى لو تم بيعه فقط على أشرطة الفيديو، ليفعلوا ما يشاؤون بها بعد ذلك، ففي النهاية سيتم عرضه على شاشة التلفزيون في ساعات الصباح القليلة، وأب مؤرق قادر على فعل أي شيء، وأم أقل بقليل. الناس بحاجة حقيقةً وهناك الكثير من العاطلين عن العمل: يغوصون في أرائكهم أمام التلفزيون ويشاهدون أي شيء يعرض بهدف قتل الوقت والفراغ، لا شيء يصدمهم، فعندما لا يكون لديك شيء، يبدو كل شيء مقبولاً، تبدو الوحشية طبيعية ويصبح أي ورع أخلاقي نسياً منسياً، وفي آخر الأمر، لا يتسبب هذا النوع من القذارة بأي أذى، بل يمكن أن يكون مسلياً أحياناً. يمكنك أن تطّلع على بعض الأمور.

خرج رجلان من الغرفة العلوية التي كانوا يجرون فيها اختبارات الشاشة، خلف غرفة الانتظار، وعندما شاهدوا الطابور، أمسكا رأسيهما بأيديهما وقررا تفحصه بروية-بالتدريج-. ” يمكنك الذهاب،” قالوا لإحدى السيدات. ” أنت لست مناسبة، لست ملائمة، ما من فائدة من الانتظار،” قالوا لنساء أخريات، وكذلك لشابات بدون شديدات الخجل وبالغات السمنة، خاطبونا جميعا بـ ” أنتِ”. وطلبوا أيضاً من فتاة أن تبرز بطاقتها الشخصية. ” لم أجلبها معي،” قالت. ” إذن بإمكانك أن تخرجي، لا نريد أية مشاكل مع فتيات لم يبلغنَ السن القانونية بعد،” قال الرجل الأطول، الذي دعاه الآخر “مير”. للرجل الأقصر شارب وبدا أكثر تهذيباً وأكثر مراعاة لشعور الآخرين. اختصروا الطابور إلى ثلاثة أرباعه، فكان هناك فقط ثماني أو تسع فتيات ودخلنا جميعاً الواحدة تلو الأخرى. خرجت الفتاة التي تتقدمني بعد بضع دقائق باكية، لا أعرف ما إذا كان بكاؤها ناجم عن رفضهم لها أو لأنهم جعلوها تقوم بشيء مهين. ربما قد تسلوا بجسدها. لكن ما إذا دخلت من أجل هذه الأمور، لا بد أن تكون على علم بما قد ينتظرها. لم يفعلوا لي شيئاً، أولاً طلبوا مني كالعادة أن أخلع ملابسي قطعةً فقطعة. كانوا جالسين إلى طاولة، مير والرجل القصير ورجل آخر له شعر مربوط كذيل الفرس، لجنة تحكيم ثلاثية، ومن ثم زوج من التقنيين، ورجل واقف ببنطال أحمر، ووجه كالقرد، وذراعين مطويين، لا أعرف ما الذي كان يفعله، ربما كان صديقاً تم إدخاله لحضور الجلسة، متلصص، مهووس جنسي، بدا مثل شخص مهووس بالجنس. صوروا بعض أفلام الفيديو، تفرسوا بي جيداً، من هذه الناحية وتلك الناحية، مباشرة وعبر الشاشة، استديري، ارفعي يديك، كالعادة، من الواضح أنني كنت محرجة قليلاً، لكني شعرت برغبة بالضحك عندما رأيتهم يدونون بجدية الملاحظات على بطاقات، كما لو أنهم مدرسون في امتحان شفهي، يا إلهي.

“يمكنك أن ترتدي ملابسك،” قالوا فيما بعد.” كوني هنا بعد غدٍ في الساعة العاشرة. لكن تأكدي من أن تحصلي على قدر جيد من النوم، لا تعودي بهالات داكنة تحت عينيكِ، إنها تظهر فعلاً على الشاشة.”  قال مير ذلك، وكان محقاً، بالفعل هناك هالات تحت عيني، نمت نوماً قلقاً طوال الليل وأنا أفكر باختبار الشاشة. كنت على وشك المغادرة عندما ناداني الرجل ذو الشعر المربوط كذيل الفرس، الذي دعاه الآخران كوستاردوري، ” هيه،” قال،” فقط كوني هنا دون أي مفاجأة أو مشاكل كي لا تخيبينا في اللحظة الأخيرة: سيكون عليك القيام بالقليل من الفرنسي، القليل من الكوبي والمضاجعة، تمام؟”

التفتَ نحو الرجل الطويل ليؤكد هذا: ” ليس عليها أن تفعل أي شيء يوناني، أليس كذلك؟” ” لا، ليس معها، ألا ترى أنها مبتدئة،” قال مير.  فرد الرئيس يديه وصالبهما ثانية مبادلاً بينهما، منزعجاً، يا إلهي، أي منظر كان له ببنطاله الأحمر. حاولت أن أتذكر بسرعة، سمعت هذه المصطلحات، أو رأيتها في الإعلانات الجنسية في الصحف، ربما عرفت معناها نوعاً ما. لا يوجد يوناني كما قالوا، لكن هذا لا يهم، على الأقل حالياً. كان من الواضح أن الفرنسي هو الجنس الفموي، لكن الكوبي؟

” ماذا تعني بالكوبي؟” سألت.

نظر الرجل القصير نحوي مستنكراً.

” تعرفين،” قال، ورفع يديه إلى ثدييه غير الموجودين. لم أكن واثقة من أني فهمت تماماً، لكن تجرأت على طرح سؤال آخر:

” هل اخترتم شريكي؟” شعرت بأني راغبة بالقول ” زميلي الممثل”، لكني فكرت أنهم قد يظنون بأنني أسخر.

” نعم، ستلتقيه بعد غدٍ. لا تقلقي، هو صاحب خبرة كبيرة وسيتولى القيادة.” ذلك كان التعبير الذي استعمله الرجل القصير، كما لو أنه يصف قاعة للرقص، في حين كان من المنطقي أن يقول: ” سأتولى القيادة.”

ها أنا قد عدت، وأنا مجدداً في غرفة الانتظار، بانتظار أن يبدأ التصوير مع شريكي الذي قدم للتو، صافحني. جلسنا على الأريكة الضيقة قليلاً، كانت صغيرة جداً حتى أنه انتقل فجأة إلى الكرسي المقابل رغبة في الحصول على راحة أكبر. كان الرجال الطويل والقصير وصاحب الشعر المربوط كذيل الفرس والتقنيين يصورون زوجاً آخر (كنت آمل ألا يكون هناك ذلك المهووس بالجنس، لقد أخافني بعينيه المنتفختين، وأنفه المفلطح وبنطاله الشنيع). في الأفلام، كما سمعت، يُصوّر كل شيء في الفيلم للأبد ويتأخر كل شيء أثناء ذلك، وهكذا قالوا لنا أن ننتظر ونتعارف وهذا ما كان سخيفاً.” لا أعرف هذا الرجل مطلقاً وبعد عدة دقائق سأمارس معه الجنس الفموي،” فكرت ولم أستطع التوقف عن التفكير في تلك الكلمات الدقيقة.

” ما الفكرة من تعارفنا ومحادثتنا.” تجرأت بالكاد على النظر إليه، فعلت ذلك بطرف عيني، هجمة مشؤومة من التواضع إلى حد ما. عندما قدموني إليه قالوا: ” هذا لورين، شريكك.” كنت أفضل لو سموه ” شريكي في البطولة”، لكني أفترض بأن في ذلك بعض التباهي. كان عمره يناهز الثلاثين، يرتدي بنطالاً وقبعة و”جزمة” راعي بقر، يبالغ الممثلون دوماً في “تأمركهم”، حتى وإن كانوا لا يظهرون سوى في أفلام “بورنو”. هكذا يبدأ الكثير منهم، ربما يصبح ممثلاً كبيراً يوماً ما. لم يكن سيء المظهر على الإطلاق، مستخفاً بالمظاهر، من النوع الرياضي، من يذهب إلى النادي الرياضي باستمرار، له أنف معقوف قليلاً وعينان رماديتان، هادئتان وباردتان، وفم ظريف، لكن ربما لن يكون ذلك الفم الظريف هو ما سيتوجب عليَّ تقبيله.

بدا غير متأثر تماماً، كان جالساً مصالباً ساقيه مثل الكاوبوي وكان يتصفح جريدة، لم يكترث بي كثيراً. ابتسم عندما تم تقديمنا لبعضنا البعض، كان هناك فراغات بين أسنانه منحت وجهه منظراً طفولياً. بعدها خلع قبعته، لكنه أعادها في الحال، ربما قد يبقيها أثناء التصوير. قدم لي بعض الحلوى المصنوعة من السوس، لكني رفضت، كان يمص اثنتين في آن، ربما من الأفضل ألا نتبادل القبل على الإطلاق. ارتدى في رسغه طوقاً مصنوعاً من جلد الفيل، كان ضيقاً جداً. هي ليست بالسوار تماماً. أفترض أنه بدا عصرياً، بينما بدوت فجأة موضة قديمة بتنورتي الضيقة، ثوبي الضيق الأسود وكعبي، لا أعرف ما الذي دعاني لارتداء أعلى كعب لدي، ربما، لو انتبهوا له، لرغبوا بألا أخلعه، يحب الكثير من الرجال رؤية النساء بهذا الشكل، عاريات وبكعوب عالية، جميع تلك التخيلات طفولية بعض الشيء، هو بقبعته وأنا بكعبي العالي. أدركت بأني كنت أشد تنورتي قليلاً للأسفل، لأنها كانت ترتفع عندما أجلس، وهذا جعلني أبدو سخيفة. حتى شريكي في البطولة لم ينتبه لفخذي، وقد كان على حق، فخلال فترة  قصيرة، لن يكون هناك تنورة، ولا أي شيء.

” اعذرني،” قلت حينها، ” لقد قمت بمثل هذا العمل من قبل أليس كذلك؟”

نظر من فوق الصحيفة، لكنه لم يضعها جانباً، كما لو أنه لم يكن واثقاً من رغبته في أن يشرع بمحادثة حقيقية، أو بالأحرى كما لو أنه كان واثقاً من أنه لا يريد.

” نعم،” قال،” لكن ليس إلى حد كبير، مرتان، لا، ثلاث مرات، منذ فترة وجيزة. لكن لا تقلقي، إنسي أمر الكاميرا مباشرة. قالوا لي أنك هنا للمرة الأولى.” كنت ممتنةً لأنه عبر عن الأمر بتلك الطريقة، بدلاً من أن يدعوني مبتدئة كما فعل مير الطويل الأصلع. ” لا تشعري بالحرج، هذا قاتل، فقط اتبعيني وحاولي أن تستمتعي قدر استطاعتك، ولا تكترثي للآخرين.”

” سهل القول وصعب التطبيق،” أجبت.”  آمل أن يكونوا صبورين فيما لو توترت. أنا عصبية بعض الشيء.”

ابتسم الممثل لورنزو لي ابتسامه عريضة. كان يقرأ صفحات الرياضة. بدا واثقاً بنفسه إذ قال:

” انظري، أنت لن تلحظي حتى أنهم يصورون. سأعتني بذلك.” قال ذلك بنبرة تنم عن الصراحة وليس الفخر، لأن ليس ذلك ما كان يقلقني، لكن ما أقلقني أنه لم يخطر له أن مراقبة الناس ليست هي السبب الرئيسي لإثارة أعصابي في موقع التصوير.

” صحيح، ” قلت، لم أجرؤ على التشكيك به، ربما من الخوف.” سيكون هناك استراحات أليس كذلك؟ بسبب اللقطات المختلفة وهلم جراً. وما الذي يحدث حينها؟ ما الذي تفعله فيما بينهما؟”

” لا شيء، يمكنك أن ترتدي الثوب لو تحبين وتشربي الكوكا كولا. لا تقلقي،” قال ثانية.” هناك أمور أسوأ. وبالتأكيد هناك بضعة صفوف من الكوكا لو رغبت.”

” أوه، إذن هناك أشياء أكثر سوءاً؟” قلت مستفزة قليلاً بسبب بروده المفرط. ” من الواضح أني لم أصادفها بعد، هيا أخبرني المزيد.” أخيراً وضع الصحيفة وأضاف بسرعة: ” أنا لا أقول ذلك بسببك. لم أقصدك، هل تفهمين ذلك، أتفهمين؟  أنا أفعل ذلك من أجل المال، لكنك لن تقولي لي بأنه مع ذلك ليس أمراً فظيعاً تماماً ما أقوم به. حسناً، أنا لا أعرف رأيك، لكن هذا من ناحيتي.”

تجاهل لورين محاولاتي في عدم إهانته وركز على ما قلته سابقاً. نظر إليَّ بعينيه الهادئتين، لكنه بدا الآن ساخطاً بعض الشيء، كما لو أنه قد استفز أو كما لو أنه كان شخصاً ليس لديه أية قابلية للشعور بالاستفزاز، ولم أعرف أي نبرة صوت أستعمل. كانت عيناه الرماديتان متوسعتين قليلاً أيضاً، بعيدتان تماماً عن أنفه المعقوف، الذي بدا أنه يشد شفتيه للأعلى، بمنخرين من النوع الذي يبدو صاحبهما دوماً كما لو أنه يعاني من البرد.

” هناك أمر سيء،” قال. ” وسأخبرك عنه الآن. عملي السابق كان أكثر سوءاً، لا يعني هذا أني سأستمر في هذا العمل إلى الأبد، لكن لا بأس في أن تمضي به إلى أن يلوح شيء ما في الأفق، وليس لديك فكرة كم ستكون المقارنة عظيمة مع ما كنت أفعله سابقاً.”

” ماذا كنت تفعل إذن؟  هل رمى أحدهم السكاكين عليك في السيرك؟”

لا أعرف لمَ قلت ذلك. لابد أنه بدا مسيئاً كما لو أن الممثل لورنزو حتماً ينتمي لمنزلة أدنى في عالم الترفيه. في النهاية، كنت أفعل تماماً ما يفعله، وخسرت عملي منذ سنتين وزوجي السابق اختفى ورحل، وابنةٌ عليَّ أن أعتني بها. ربما كان له ابنةً أيضاً. أضف إلى ذلك أنه لا يوجد عروض مثل تلك الآن، تلك القبعة القديمة، لم يعد هناك الكثير من فرق السيرك الآن.

“انظري، أيتها المتذاكية،” قال، لكن بدون أدنى تأنيب ودون أن ينوي إهانتي، لست واثقة إذا ما كان ذلك واضحاً لأنه كان شديد التسامح أو لأنه لم يكن بارعاً. قالها بطريقة الأطفال في المدرسة: ” لا، أيتها المتذاكية. كنت حارساً.”

“حارساً؟ ماذا تعني بحارس؟ حارس ماذا؟” هذه كانت آخر كلمة توقعت أن أسمعها من شفتيه ولم أتمكن من إخفاء مفاجأتي، التي قد تبدو مسيئة. نظرت ممعنة في وجهه، حارس، بدا مثل شخص خارج من فيلم من أفلام “الويسترن”.

لمس حافة قبعته بارتباك، كما لو أنه يسويها.

” حسناً، أقصد، هناك شخص تحت حراستي وحمايتي. كما لو أني مرافق، لكن بشكل مختلف.”

” أوه، مرافق شخصي،” قلت، وارتسم على وجهي تعبير ينم عن أني أضعه في منزلة أدنى.” وما السيء في ذلك؟ كان عليك باستمرار أن تمنع الرصاصات من إصابة رئيسك أو شيء ما؟” لم يكن لدي سبب لعدائيتي نحوه، لكني واصلت الإجابة بهذا الشكل الصلف، ربما كنت قد بدأت أشعر بالاشمئزاز من فكرة أني قريباً سيتوجب عليَّ ممارسة الجنس الفموي دون تمهيد معه، كان الوقت يمر. نظرت كرهاً إلى عضوه، وفي الحال أبعدت نظري. فكرت به ثانية مستعملة ذلك الفعل، ” أمصُّه،” يجعل هذا العصر الحديث لجميعنا لساناً بذيئاً، أو ربما لا نهتم كثيراً لو كنا كذلك، أو ربما هو الفقر وحسب: طالما أنك تملك القليل من المال فلديك ورع أقل أيضاً. وعندما نتقدم في العمر لا يبقى لنا من الحياة سوى القليل، ولن يكون أمامنا الكثير.

” لا، لم أكن حارساً من ذلك النوع، لست بلطجياً،” قال،” لست على الإطلاق، ضعي جانباً سخريتي، لكن لنتحدث بجدية، بصراحة، بشفافية. كان عليَّ أن أراقب مريضة، أن أمنعها من إيذاء نفسها، كان أمراً صعباً. عليك مراقبتها أربعاً وعشرين ساعة يومياً، أن تكوني متنبهة طوال الوقت ولا يمكنك دوماً أن تنجحي في ذلك.”

” من تكون؟ ما الذي حدث لها؟”

خلع لورين قبعته وخبط قمتها بساعده الأيمن، بالطريقة التي يفعلها الكاوبوي في الأفلام. ربما كانت إيماءة تعبر عن الوقار. كان شعره خفيفاً.

” كانت ابنة رجل ثري، مليونيراً كبيراً، لا يصدق، واحد من رجال الأعمال الذين لا يعرفون كم يملكون من المال. لابد أنك تعرفين اسمه، لكن من الأفضل ألا أخبرك. كانت الابنة مجنونة، هستيرية لديها ميول انتحارية، كانت تقدم بين الحين والآخر على قتل نفسها. تعيش لأسابيع حياة طبيعية كما يبدو وثم فجأة من دون سابق إنذار تقطع أوردة معصميها في الحمام. كانت مجنونة تماماً. لم يرغبوا في إدخالها المستشفى لأن هذا سيكون قاسياً جداً، وسيعرف العالم بمجمله وزوجته بالأمر في النهاية، في حين أن بعض الناس، الناس الذين كانوا أكثر قرباً منها، عرفوا بمحاولات الانتحار. لذا وظفوني رغبة في منع حدوث ذلك، وهكذا نعم كنت حارساً شخصياً لكن ليس لأحميها من الآخرين كما يفعل الحراس الشخصيون عادة لكن لأحميها من نفسها. اعتبرني أصدقاؤها حارساً شخصياً عادياً، لكني لم أكن كذلك. كان عملي مختلفاً، أكثر شبهاً بالوصي.”

فكرت بأنه ربما عرف تلك الكلمة لأنه تكبد العناء ليجد الكلمة التي تصف دوره. تعرف عليها عندما وجدها.

” أرى،” قلت.” وذلك كان أسوأ من هذا. كم عمرها؟ لمَ لم يأتوا بممرضة تعتني بها؟”

مرر لورين ظاهر يده تحت ذقنه، بالاتجاه المعاكس، كما لو أنه أدرك فجأة بأنه لم يحلق جيداً. كان سيقبلني في كل مكان. لكن كان يبدو لي أنه قد حلق حلاقة جيدة، كنت أشعر بالغواية في أن ألمس وجهه لكني لم أجرؤ، فقد يعتبرها ملاطفة.

” لنفس السبب، لأن الممرضة أكثر وضوحاً، ما الذي تفعله شابة طوال اليوم مع ممرضة تتسكع في المكان؟ يمكنك أن تفهميها أن لديها حارساً شخصياً، كون والدها فاحش الثراء. يمكنها أن تعيش حياة طبيعية، كما ترين، كانت تذهب إلى الجامعة، في العشرين من عمرها، ذهبت إلى الحفلات، وبالتأكيد إلى الطبيب النفسي أيضاً، لكنها لم تكن مكتئبة طوال اليوم أو ما شابه، لا. كانت لتبدو طبيعية لفترة، وودودة. تنتابها فجأة هجمة وكانت دوماً هجمة انتحارية، ولا يمكنك أبداً أن تعرفي ما الذي حصل.

لم يكن هناك أدوات حادة في غرفة نومها، لا مقصات، لا مديات، لا شيء، لا أحزمة يمكنها أن تشنق نفسها بها، ما من حبوب في أي مكان، ولا حتى الاسبرين، ما من أحذية بكعوب عالية أيضاً، كانت أمها تحرص دوماً ألا يكونوا بالغي الحدة منذ أن خدشت ابنتها خديها بواحد منها، كان عليهم أن يجروا لها عملية تجميلية، لا يمكنك أن تعرف، لكنها جرحت نفسها جرحاً بليغاً فادحاً. لم يكن مسموحاً لها أن تنتعل أحذية فهي أسلحة حقيقية بالفعل. بهذا المعنى، عاملوها كسجينة، ليس مسموحاً بأدوات خطرة. كان أبيها على وشك أن يخلع نظارتيه الشمسيتين عندما رأى الجزء الثالث من فيلم العراب الذي يقتل فيه شخص رجلاً آخر بنظارتيه، بالحافة الحادة للذراع، صدقاً، كانوا يفتشون الرجل تفتيشاً كاملاً بحثاً ومضى وقطع حنجرة الرجل الآخر بذلك. هل رأيت العراب 3؟”

” لا لم أفعل. رأيت الجزء الأول.”

” يمكنني أن أعيرك إياه، إن رغبت،” قال لورين بدماثة. ” إنه الأفضل بين الثلاثة إلى حد كبير.”

” لا أملك جهاز فيديو. هيا أكمل،” قلت، خائفة من أن يُفتح الباب في أية لحظة ليكشف عن وجه مير الطويل أو الوجه الهزيل لكاستردوري أو شارب الرجل القصير، ليطلبوا منا أن نبدأ بتصوير مشاهدنا.  لن نكون قادرين على الكلام أثناءها، ليس بنفس الطريقة، كان علينا أن نركز، ونواصل العمل.

” على أية حال، كان عليَّ أن أبقى حولها طوال اليوم وأنام بنصف إغماضة، كانت غرفتي مجاورة لغرفتها، وكان يصل بينهما باب أملك مفتاحه، تعلمين، كما يحدث في الفنادق أحياناً، كان المنزل ضخماً. لكن بالتأكيد هناك طرق لا تعد ولا تحصى يمكنك أن تؤذي نفسك بواسطتها، إذا ما أراد المرء فعلاً أن يقتل نفسه، سيفعل ذلك في النهاية، تماماً كالقاتل، إذا ما أراد شخص قتل آخر، سينتهي إلى فعل ذلك مهما كانت ضحيته محمية، حتى لو كان رئيس الوزراء، أو الملك، إذا ما قرر شخص القتل ولا يهتم للنتائج سيقتل، لا شي يمكنك فعله بهذا الشأن ليس لديهم شيئاً ليخسرونه، لو لم يهتموا بما سيحدث فيما بعد.

انظري إلى كنيدي، انظري إلى الهند، هناك بالكاد سياسي واحد باقٍ على قيد الحياة هناك. حسناً، إنه نفس الأمر مع من يريد قتل نفسه. الإقدام على الانتحار يثير بي الضحك. كانت الأميرة سترمي نفسها برعونة على السلم المتحرك في متجر كبير لنمسك بها وجرح بليغ في جبهتها وخدوش في ساقيها، من حسن الحظ أني كنت هناك.  أو أنها كانت سترمي بنفسها على واجهة العرض، على نافذة المتجر في وسط الشارع، ليس لديك فكرة كيف يكون هذا، مغطاة بالجروح تلتصق بها مئات الشظايا من الزجاج ، في حالة من الجنون التام، وتعوي من شدة الألم، لأنك لو لم تتمكني من قتل نفسك فهذا يتسبب بألم حقيقي.

لم يتمكنوا من حبسها أيضاً، لأن هذا لم يكن فيه شفاءها. كنت أرى الخطر في كل مكان، هذا رعب حقيقي، أن تري العالم كله كتهديد، لا شيء بريء وكل شيء ضدك، رأيت أعداء في أكثر الأشياء المسالمة، كان على تخيلاتي أن تسبق تخيلاتها، كان عليَّ أن أمسك بذراعها في كل مرة نعبر فيها الطريق، واثقاً من أنها لن تقترب من أي نوافذ عالية، شديد الحذر في أحواض السباحة، أخرجها من الحوض بعيداً عن أي عامل قد يحمل قضيباً وهو يمشي لأنها قد تحاول أن تخوزق نفسها به، حسناً هكذا كنت أرى الأشياء، كانت قادرة على أي شيء، بدأت بالارتياب بكل شيء، الناس، الأشياء، الجدران.”- “هكذا كنت عندما كانت ابنتي صغيرة،” فكرت، ” أنا لا زلت كذلك حتى الآن إلى حد ما، ولم أرتح تماماً. أعرف كيف يكون هذا. نعم، إنه مريع.”-” مرة، حاولت أن ترمي نفسها تحت حوافر الأحصنة في السبط الأخير في السباقات، لحسن الحظ، استطعت أن اختطفها من كاحلها عندما كانت على وشك أن تدوس على المسار، خاطرت فقد كنت أراهن وانزلقت مبتعدة عني، يا إلهي، يا لهذا الرعب الذي شعرت به حتى وجدتها تركض نحو الأحصنة.”

توقف الممثل لورنزو شفهياً، لكن ليس عقلياً، استطعت أن أرى أنه كان لا يزال يفكر بما كان يقوله وما سيقوله.” يمكنني أن أؤكد لك، أنه كان أكثر سوءاً من هذا، ضغط رهيب، قلق مستمر، لا سيما بعد أن ضاجعتها، ضاجعتها مرتين: حسناً، الباب الواصل، وبحوزتي المفتاح، أمضيت الليالي دوماً نصف مستيقظ ومتوثب، كان شيئاً لا مفر منه. إلى جانب أنه عندما أكون معها لم يكن هناك خطر، لا شيء يمكن أن يحدث لها وأنا فوقها وذراعي حولها، وأنا فوقها كانت آمنه، كما ترين.”-” الجنس هو المكان الأكثر أمناً،” فكرت،” تتحكم بالآخر، تبقيه مشلولاً وآمناً.”

كان قد مضى وقت طويل منذ أن كنت في ذلك المكان الآمن. – ” لكن بالتأكيد، تضاجع امرأة مرتين وتتعلق بها. حسناً، ليس ذلك التعلق، كان لدي حبيبة أيضاً، لكن ليس لأن من المتوجب عليّ ذلك، لكن الأمر مختلف، لقد لمستها، قبلتها ولم تعد تنظر إليها بنفس الطريقة أبداً، وهي عاملتك بحب أيضاً.” تساءلت فيما إذا كنت سأعامله بحب بعد الجلسة التي تنتظرنا. أو سيتعلق بي بسبب ذلك. لم أقاطعه.” لذا بعيداً عن الضغط الذي ينطوي عليه العمل، كان هناك أيضاً القلق، لا أقول الذعر، لا أريد أن يحدث لها أي شيء، ذلك كان آخر شيء في العالم أرغبه. باختصار، كان مزعجاً حقيقة، عدا ذلك، مهمة سهلة.”

” مزعج” و ” مهمة سهلة”، تسمع تلك الكلمات أقل وأقل، بدتا فكهتان في الغالب.

” نعم،” قلت. ” ما الذي حدث، هل اشمأزت؟” سألت، غير متوقعة منه أن يجيب مؤكداً. في الواقع، قد قال لي ما حدث وتوقف متفكراً قبل أن يخبرني بالبقية.

وضع لورين قبعته وتنفس بصعوبة من خلال المنخرين الرطبين كما لو كان يستجمع القوة قبل أن يفعل شيئاً يتطلب جهداً. غطت حافة قبعته عينيه الرماديتين الباردتين، لم يكن وجهه الآن سوى أنف وشفتين، الشفتان الظريفتان اللتان لن أقبلهما. لم يكن هناك قبل على الفم في أفلام “البورنو”.

” لا، خسرت عملي. فشلت. ذبحت الأميرة نفسها في مطبخ منزلها منذ ثلاثة أسابيع، عند منتصف الليل، ولم أسمعها تغادر غرفة النوم حتى، ما رأيك في ذلك؟ بقيت دون أحد أعتني به، كارثة، كارثة محققة” للحظة، كانت تستولي عليَّ فكرة أن الممثل لورنزو كان ربما يتصرف رغبة في إلهائي وإراحة أعصابي. فكرت للحظة بفتاتي الصغيرة، التي تركتها مع إحدى الجارات. وقف، مشى حول الغرفة، في نفس الوقت شد بنطاله الجينز. توقف بجانب الباب المغلق الذي سنعبر من خلاله. فكرت بأنه كان سيلكمه، لكنه لم يفعل. قال بعصبية: ” متى سنبدأ، ليس لدي كل اليوم لأمضيه منتظراً.”

وُلدَ خافيير مارياس في مدريد عام 1951. له أكثر من اثنتي عشرة رواية وتُرجِمَت أعماله إلى أربعين لغة، كما حصد عدداً كبيراً من الجوائز العالمية. من رواياته “ملك الزمان”، و”القرن”، و”كل الأرواح”، و”قلب أبيض جداً”، و”فكر فيّ غداً أثناء المعركة”.

Matteo di Giovanni: Massacre of the Innocents (detail), inlaid marble mosaic, 1481-1482

حروبنا، ضحايانا- تشارلز سيميك.

17/2/2015- عن نيويورك ريفيو أوف بوكس.

جون ستيوارت: ” الآن تماماً، يخرج الشرق الأوسط عن السيطرة. ما الذي يتوجب على أمريكا أن تفعله؟”

باسم يوسف، كوميدي مصري وساخر: ” حسناً، ماذا عن… لا شيء.”

  • الديلي شو، 9/2/2015.

بما أننا لا نرى صوراً حقيقية لحروبنا اليوم إلا نادراً وينبغي علينا العودة إلى تلك المحاكاة في أفلام هوليوود التي تظهرنا بمظهر حسن، أتساءل عما قد يقوله الأميركيون لو عرض عليهم مشهد حي مصور لنتائج هجمات الطائرات الأميركية بدون طيار، يذهب الظن بنا إلى أن بعضاً من حفلات الزفاف الكثيرة أو الجنائز هي تجمعات للإرهابيين مقللين من قيمتهم قائلين ” بقايا حشرة”، على حد تعبير هؤلاء الذين يطلقون صواريخنا. الفكرة عن أن القضاء على حفنة من الأبرياء مع القليل من الأشرار ستجعلنا أكثر أمناً في البلاد دون أن تكسبنا المزيد من العداوات في كل مكان فكرة مجنونة. وكذلك هو القول بأن الوحشية التي نجدها مرعبة عندما يرتكبها آخرون تكون مقبولة عندما نقترفها نحن.

كل هذا يجب أن يكون واضحاً لقادتنا في واشنطن، لكن يبدو أنه ليس كذلك.  طلب الرئيس أوباما الجديد لشرعنة الحرب، رهن الكونجرس الآن، لمقاتلة داعش خلال السنوات الثلاث القادمة بغارات جوية إضافية وعمليات برية ” محدودة”. بالرغم من فشل جميع محاولاتنا السابقة كلياً في ليبيا، العراق، أفغانستان، باكستان واليمن في القيام بأي تقدم قد يشرعن حروبنا لكن ليس بمقدوره أن يجعلها أقل حماقة.

ما قاله تشيسلاف ميلوش عن القرن الماضي ينطبق للأسف على القرن الحالي: يا أسفي على من يظنون أن بإمكانهم إنقاذ أنفسهم دون أن يكون لهم نصيب من المأساة. لا يزال ملايين الأميركيون بالتأكيد يفكرون بهذه الطريقة، حتى بعد 11 أيلول وكل الحروب التي قاتلنا فيها منذ ذلك الحين ولا نزال نقاتل. مشاهد تلفزيونية وصور صحفية لا تعبر عن الصورة الحقيقية للدمار والموت في مدينة نيويورك ذلك اليوم. لم يكن على المرء سوى أن يقف مرة على الأقل تحت البرجين ليستوعب ارتفاعهما الهائل وعظمتهما. وبالرغم من أني فعلت، استغرقني الأمر أياماً وأشهراً لأفهم تماماً ما الذي حدث. حتى بعد أن ضربت الطائرة الثانية الأبراج، لم يخطر في بالي أنهما قد ينهارا. عندما حصل، لم يتقبل عقلي ما كانت تراه عيناي. كان مثل الفيلم، قال الناس فيما بعد، سنخرج من صالة سينمائية مظلمة مرتعدين ونعود لحيواتنا. ظننت أن الأمريكيين قد بدأوا أخيراً يفهمون معنى القصف.

الذي يثير ذهولي دوماً حول البلاد في زمن الحرب هي كيفية تجاهل قتل الأبرياء بأيد أجنبية. الناس الذين لا يدوسون نملة في الوطن ليس لديهم الحماس لمعرفة أي رعب يقترفه بلدهم في الخارج. هذا السلوك القاسي يصبح أكثر إساءة عندما يفكر المرء بهؤلاء المذعورون في نيويورك وهم يجرون عبر النار والدخان الصاعد من الأبراج المدمرة. في الأيام التي تلت الهجمات ضج نقادنا وسياسيونا مطالبين بانتقام سريع وعنيف لا يفرق بين البريء والمذنب، بمعنى آخر، لنبدأ فقط بقصف الأوغاد ولا تهتم للقتلى-أو بأرجحية الانتقام الذي قد يرغب به من نقوم بقصفهم يوماً ما.

منذ 11 أيلول ولا يزال الناس يقولون أن الأشياء لن تعود إلى سابق عهدها في هذا البلد، وهذا مثبت حقيقية. إيماننا بأنا نستطيع إبادة الشر في العالم هو الذي لم يتغير.  من المرجح أن نرى عناصر طالبان يحلقون لحاهم ويسمحون لزوجاتهم وبناتهم بارتداء التنانير القصيرة أكثر من رؤية قادتنا وقد كفوا عن ولعهم بالحروب. بالتالي ما من فكرة مطروحة في واشنطن عن أن هناك ضرر ناجم من قتالنا في الشرق الأوسط وفي مكان آخر على المجتمعات والبلاد التي هاجمناها، ولا عما تسبب بالكراهية والرغبة بالثأر ضدنا في العالم الإسلامي. في نصنا التاريخي، فعل مختطفو طائرات 11 أيلول الذين جلبوا الكثير من المآسي للكثير من الناس ما فعلوه وذهبوا إلى موتهم لأنهم مقتوا حرياتنا وقيمنا، في حين أن المآسي التي تسببنا بها في بلدان أخرى ليست سوى ضرر جانبي مصاحب لجهدنا المخلص الذي نبذله في سبيل حرية تلك البلدان، نحن الأميركيين محظوظون أنا تعلمنا إغلاق عيوننا عما نفعله بالآخرين، وإلا سنكون في خطر خسارة نظرتنا المحبة لأنفسنا باعتبارنا أبرياء فاضلين بشكل استثنائي وبدلاً من ذلك نبدأ بالتفكير بأننا منافقين أخساء.

أتذكر في الأيام التي تلت 11 أيلول مشاهدة الملصقات السريعة الارتجالية على أعمدة الإنارة، أكشاك الهواتف العامة، وجدران وسط المدينة وعليها صور للمفقودين وأوصاف مختصرة لأشكالهم والقليل من المعلومات الإضافية عن أن هنري أو ميري شوهدا آخر مرة في الطابق 101، بل ما هو مفجع أكثر-إذا ما كان ذلك ممكناً-مصادفة نساء مسعورات في الشارع تحملن صور أزواجهن المفقودين وأبنائهن تسأل جميع من تلتقينه فيما إذا شاهدوهم. مع رائحة الأشلاء النتنة في الهواء والكثير من الناس الذاهلين يتحركون على غير هدى. تذكرت شكل الشوارع في بلغراد ورائحتها بعد غارات التحالف الجوية في الحرب العالمية الثانية. أكثر الأمور ترويعاً في مقتل الأبرياء هو أنه لن يتوقف أبداً. بمشاهدة هجماتنا الجوية على بغداد في آذار 2003 عرفت أنه ليس من المرجح أن يقتل صدام وضباطه بل سيئو الحظ من العراقيين العاديين الذين وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ في الزمن الخطأ عند سقوط القذائف.

انسَ أمر الأموال الهائلة التي صرفت سلفاً على هذه الحروب، مات آلاف الأميركيون وتشوهوا، أعداد أكبر من الموتى وعشرات الملايين من النازحين في هذه البلدان لم يكن لدينا الحق في دمارهم ولم يكن لدينا الحق بالتدخل في هذه الصراعات الدينية والمحلية، لنرى إذا ما كانت ستوفق قنابلنا وجنودنا هذه المرة وهم على الأقل مرحب بهم باعتبارهم منقذين على امتداد الشرق الأوسط. لا تحبسوا أنفاسكم. لكن طالما أن الطبقة السياسية الفاسدة لدينا تحب الحرب لأنها تملأ خزائنهم بالنقود وتظهرهم بمظهر الفاضلين والأشداء، سيكون لدينا المزيد من هذه الحروب الضارة، حتى وإن أودت آجلاً أم عاجلاً إلى دمارنا.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/feb/17/our-wars-our-victims/

أغنية ليلية-جيمس آتلي.

Luneenforêt

أغنية ليلية-جيمس آتلي.

أشكركم جزيل الشكر على دعوتي للمجيء والتحدث إلى رابطة الصداقة الأنجلو -إسبانية. أنه لمن دواعي عظيم سروري أن أزور مدينتكم. لقد كانت فطنة من أمين سركم أن اهتدى إلى سيرتي المهنية القصيرة كمترجم عن اللغة الإسبانية. كم هي مدهشة شبكة الإنترنت. (ضحك). عندما تلقيت دعوته فكرت أنه ولكوني سأزور المنطقة بأية حال فلن يكون من بالغ الجرأة أن آتي وأتقاسم معكم بعض الكلمات عن كاتب أثار اهتمامي بشكل خاص في وقت من الأوقات ولم أعد واثقاً تماماً من أسباب هذا الاهتمام. كما يحدث دوماً مع قراءاتنا، يصعب الآن فصل جرس صوته عن صخب حياتي، أو ملاحظاته وتجاربه عن ملاحظاتي وتجاربي. بأية حال، جلست منذ ما يقارب الأسبوع ودوَّنت مذكراتي عن علاقتي بأعماله على مدى سنوات، ولهذا السبب سأقرأ من بعد إذنكم. إنها قصة بسيطة، لكني آمل أن تكون مثيرة لبعض الاهتمام. أتذكر تماماً أول مرة سمعت فيها عن الكاتب الأرجنتيني ألبرتو فوزّي.  حدث ذلك في الفترة الوجيزة التي كنت فيها طالباً بصفة رسمية-وبصفة غير رسمية بالتأكيد، كنت لا أزال في تلك الأثناء، ولا بد من الاعتراف، شخصاً يمضي معظم الوقت في دراسة الناس وليس الكتب. فبالتالي لم يكن جلوسي ذات أصيل-في ناد تحت-أرضي للشرب في لندن مفاجئاً، برفقة شاعر تشيلي ملتح صغير ورفيقته الجميلة الصامتة أغلب الوقت.

لابد أن صديقتي كانت تجلس إلى الطاولة أيضاً، صحبة عدد من الرفاق المسافرين الآخرين، كنت أتجاهلها محاولاً إثارتها، منهمكاً مع هؤلاء في سلسلة متصلة من اللقاءات العابرة التي كانت تستغرق معظم وقتي ولا تدع للتقدم في الحقلين الأكاديمي أو العاطفي إلا إمكانية صغيرة. كانت صديقة الشاعر مكسيكيةً، تعمل كفتاة استعراض، على ما أذكر، شيء مختلف كلياً بالنسبة لراقصة غريبة (كان الشاعر واضحاً في هذه النقطة) ورتبنا لنلتقي بها خلال فترة الاستراحة بين الاستعراضات. ارتدت قميصاً طويل الأكمام فضفاضاً فوق حلتها. وضعت على القماش المخملي للمقعد الذي جلست عليه زينة رأسها، نوع من إكليل أو تاج مزين بريش طويل ملون، شيء من الجاذبية بالنسبة للتشيليي، الذي لم يزح بصره عنها.

“ضعيه،” همس إليها ملحاً، منحنياً نحوها عبر الطاولة، ” ضعيه” لكنها تجاهلته، مغتمة العينين إلى أبعد حد، بوجه جامد الملامح، حضور صامت ولكنه قوي فيما بيننا. كانا مستغرقان تماماً بعلاقتهما، التي بدت بالنسبة لمراقب خارجي جلية بنفسها كنوع من نزاع طقسي، إذ أنهما تصرفا كما لو أنهما كانا وحيدين تماماً.

أخيراً ألبسها إياه. بتنهيدة صغيرة، التقطت غطاء الرأس ووضعته على رأسها، رافعة بصرها ليلتقي بعينيه دون أن تنبس بكلمة. تحولت في لحظة إلى آلهة من آلهات أمريكا الوسطى، خالدة، فخورة، هادئة، نوع من الربات اللاتي قد تصادفهن في ضوء المتحف الخافت بعيدة مسافة نصف عالم عن مملكتها الشرعية، محمولة هناك من قبل جماعة من الإثنوغرافيين المندرسين منذ زمن طويل.

جلس الشاعر والراقصة هناك، يحدق أحدهما بالآخر. خمد الحديث حول الطاولة. كنا جميعاً نراقب التشيلي عندما انحنى ثانية وقال، بصراحة بينة وحدِّة ضارية، عيناه في عينيها، ” أحلم بك طوال اليوم.” وأخفضت بصرها ثانية مبتسمة ابتسامة طفيفة محدقة بساعتها وسرعان ما ذهبت، تصعد الدرج نحو المخرج تحشر غطاء رأسها في كيس بلاستيكي.

راح التشيلي يشرب حينها وسألته لأشرع في محادثة عن رأيه ببابلو نيرودا. كنت أعرف القليل عن الثقافة التشيلية لكني ورثت نسخة مستعملة من مذكرات نيرودا وقرأت بعضاً من شعره الغنائي عن الحب والشعر الذي كتبه عن الحرب الأهلية الاسبانية. أعرف أن بعض الناس يجدون كتاباته السيرية مزعجة قليلاً، وأنها عمل يهدف من خلاله أسطرة نفسه، لكنها لا تبدو لي كذلك.

كنت في التاسعة عشرة من عمري! كان نيرودا شاعراً شديد الجدية بشأن فنه وناشطاً سياسياً، أمضى وقتاً لا بأس به مطارداً من قبل حكومات قمعية، وكان في قلب قرائه حرفياً، الذين أخفوه وأطعموه في بعض الأحيان. هناك حادثة واحدة أثارتني على وجه الخصوص. وصل إلى ثغرة بعض مناجم الملح في أقصى الجنوب التشيلي القاسي، عند نهاية نوبة من نوبات العمل. على حد قوله، رآه الرجال لدى خروجهم من الثغرة هناك وبدأوا بإلقاء شعره ارتجالاً-فقد كانوا يحفظونه عن ظهر قلب.  كان هذا في بلادي نوعاً من التفاعل الذي قد يلقاه نجم من نجوم الروك في الشارع، أو ممثل كوميدي يقدم عرضاً شهيراً على التلفزيون، لكن أن يحظى به شاعر. مستحيل.

بالتأكيد أدرك الآن أن شخصاً ما من تشيلي (لاسيما لشاعر غير معروف)، قد يجد في طرحك أسئلة عن نيرودا إهانة. كان نيرودا الكاتب التشيلي الوحيد المعروف خارج البلاد في ذلك الوقت، والممثل الوحيد لثقافته الأدبية التي تفضَّل العالم بانتباهه عليها. بعيداً عن تملقي لنفسي لم أكشف سوى عن حماقتي وافتقاري للمعرفة.

رد الشاعر متأففاً على سؤالي، زاماً شفتيه بشكل فكاهي وسط لحيته، التي كانت كثة على نحو مثير للإعجاب وتشبه لحية كاسترو. ” كان نيرودا رجلاً جيداً، لكنه ككاتب لا يقول إلا الهراء حقيقة. إذا أردت أن تقرأ شعر أمريكا اللاتينية عليك أن تقرأ الشعر الأرجنتيني، ألبيرتو فوزي.” ومع قوله ذلك عمد إلى تجاهلي. أومأت مطيعاً ودونت الاسم في مفكرتي، حيث بقي على ما يبدو إلى أن فقدت المفكرة خلال 24 ساعة عندما كنت مسرعاً في الذهاب إلى الجزء الآخر من المدينة، كما فقدت معظم مقتنياتي التي في متناولي إبان ذلك الوقت.

لم أرّ الشاعر التشيلي ثانية، ولا صديقته. (أوَ هل كانت صديقته؟ ربما كان يتودد لها فقط على طريقته الخاصة في حين كانت صديقة شخص آخر، هذا قد يشرح التيار الكهربائي الذي فرقع بينهما خلال ما بدا في الجو ذلك الأصيل الطويل تحت الأرض).

لكن من الواضح، أني لم أنس تماماً اسم فوزي. صادفته في المرة التالية، برعشة صغيرة من الاعتراف بالاتصال المفقود منذ زمن طويل والذي يكاد يكون أسطورياً الآن، في مقالة في مجلة أدبية قارنت بين مقتطفات من يوميات الشعراء مع قصائدهم المنشورة. عُنيت الاقتباسات من يوميات فوزي كما شعره بالقمر. كتبتها ولا زلت أحتفظ بها.  جاءت مدخلات اليوميات أولاً.

10/6/1934

السماء الليلة، أومض القمر وسط

سحب حانقة، ليذكرني بشيء.

ما هو-أوه نعم، غسيل قلم حبر

في الحوض، التف الحبر الأسود-المزرق

منتشراً في الماء، ليحجب بياض

البورسلين.

ومن ثم تلتها قصيدتان قصيرتان:

في ليلة غائمة

في ليلة غائمة

القمر عملة من الفضة مررت على

طاولة-

شوهدت للحظة

ثم تلاشت بخفة يد مقامر

قمر بدر

اتفق الله مع الشيطان أن يدوما عملة

لروح الإنسان.

رمى الشيطان العملة في الهواء

عالياً جداً حتى أنها لم تنزل حتى الآن

ولما كانت هذه ترجمات لم أستطع التحقق عما فاتني من عدم قراءة الأصل الاسباني، بطريقة ما اشتبهت أن الترجمة نفسها، عملية يمكنها أن تضيف بعداً يردد صوت الكاتب، كما لو أنه يسمع عبر راديو قديم، متفقة إلى حد ما مع هذه الأرجنتينية الأنيقة. كانت الملاحظة السيرية في هامش المقالة مختصرة. ” الشاعر الأرجنتيني ألبرتو فوزي المولود في إيطاليا، نشر ديواناً شعرياً واحداً ومجموعة من المقالات في الارجنتين في الثلاثينات. كان القمر هو الموضوعة الأساسية في شعره. عمل كمسؤول نقابي في معمل للسجائر واختفى بسرعة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.”

كنت في مراحل مبكرة من البحث في كتاب ذو موضوع قمري في ذلك الوقت وهكذا وضعت ملاحظاتي عن فوزي في إضبارة تحتوي قصاصات ورقية متنوعة، مقتطعات من صحف وصور لبطاقات بريدية عن مناظر قمراء، منتظراً لحظة مستقبلية يكون لدي الوقت الكافي للبحث فيها. استقر فوزي مرة ثانية في قاع وعيي، مثل رواسب في بركة.

مرت سنتان كما تمر السنون، توليفة من عمل، حب، خيبة وكتابة: من تفويت للفرص وشاكراً لتحقيق بعض الإنجازات الصغيرة. إلى أن حان الوقت لفتح الإضبارة ومحاولة إنعاش محتوياتها، كما يبحث العالم عن تركيبة مناسبة من العناصر للحصول على تفاعل، بدا كما لو أن فوزي صعد إلى القمة، فقط باكتشاف المزيد عن هذه الشخصية الهامشية، الذي لا يبدو أن أحداً يتذكره الآن، تمكنت من بعث الحياة في أبحاثي.

كنت قد هجرت التطواف الذي انشغلت به عبر المدينة منذ وقت طويل، لكني لا زلت أهتم باللقاءات العابرة. في حفلة في منزل بعض الأصدقاء، الذين أجَّروا عليتهم لطلاب أجانب ليتمكنوا من دفع الفواتير، التقيت بنزيلتهم، طالبة شابة تدرس الآداب من بيونس إيرس اسمها أنجيلينا. وصلت إلى البلاد منذ بضعة أسابيع.

لم تكن لغتها الإنجليزية جيدة وانسحبت إلى المطبخ بدعوى جلب المزيد من صواني الطعام لكن حقيقة فكرت أنها تهربت من بلوى الأسئلة التي أحاطها بها ضيوف آخرين. كنت هناك لسبب ما. لحسن الحظ، كنت قد شربت من النبيذ ما يكفي كي لا أشعر بالحرج تجاه ضعف لغتي الاسبانية. التي كانت في مستوى أولي. تجاهلت تلعثمي، كنوع من المساعدة، كما أتوقع، لأكون قادراً على تجاهل إنجليزيتها لبعض دقائق. لم تحاول أن تتحدث ببطء من أجلي، لكنها وجدت متعة بالغة في الإسراف اللغوي في لغتها الأم، في الوقت نفسه تأكل بشره وكما يبدو بعشوائية من صحون الطعام المفرودة على الطاولة.

تحدثنا عن دراساتها وعن الكتاب الأرجنتينيين محط إعجابها، بمن فيهم بويج وبورخيس. كانت مدافعة قوية عن أدب بلادها وموهوبة بشكل واضح في أحقيتها. أملت أن افتتاني لم تكن بادياً كثيراً. ” ربما تعرفين شعر ألبرتو فوزي؟ ” سألت، فخوراً إلى حد ما بامتلاكي الاسم، الذي انبثق فجأة من مخزن بيانات ذاكرتي، على طرف لساني. ” قرأت بعضاً من أعماله منذ سنوات، لكني لم أعد إليه منذ ذلك الحين: لا أظن أنه يوجد الكثير من التراجم له.”

توقفت والقضمة في منتصف الطريق إلى فمها ونظرت إليَّ نظرة غريبة. ” فوزي؟ أوه، أخشى أنه ليس دارجاً كثيراً الآن. ربما لا يزال مقروءاً من قبل بعض المسنين، لا أعرف.”

عاد إلي فجأة وجه الشاعر التشيلي، بشفاهه المضمومة بازدراء. ساخراً مني عندما اقترح أن أبحث عن عمل لهذه الشخصية القليلة الأهمية والغامضة؟ ربما اكتشف بما للعاشق من حس عال اهتمامي برفيقته المكسيكية؟ (زرت مؤخراً ذات مساء باب منصة المسرح الذي تقدم فيه عروضها، لكن لم أحصل على الإذن بالدخول.) دخل شخص المطبخ في تلك اللحظة من باب خلفي وفي الحال تغير وجه أنجلينا تماماً كما لو أن نوراً أضيء فانثنيت بالسرعة نفسها بعناية مزيحاً كل أمل في التعرف عليها أكثر. ركضت عبر الغرفة إلى الشخص الذي في العتبة، شاب في قميص أحمر باهت وكيس كبير عند قدميه، وطوقته.

تبادلا الغزل بالإسبانية وحك الخدود على طريقة الحمام. منتبهاً لحضوري، ابتسم لي من فوق شعرها المتشابك المفرود على صدره ورفعت كأسي محيياً إياه.  ولا بد أن هذه الحادثة ستكون نهاية اهتمامي بأدب أمريكا اللاتينية.

امرأتين غامضتين وغير متاحتين وموضوعين بينين رداً على تساؤلاتي لابد أن تكون كافية بالنسبة لأي شخص.  بعد عدة أسابيع وافقت على دعوة قدمها صديق لشرب البيرة بعد العمل، اتصل ليقول بأن لديه شيئاً من أجلي.

لما كنت أستعمل عنوان منزله أحياناً كعنواني البريدي عندما كنت أنتقل من شقة لأخرى، توقعت كمشة من فواتير مستحقة الدفع ونخبة من الكتيبات الصقيلة الأوراق، محاولة لبيعي بطاقات ائتمان أو عطلات خارجية. عندما جلسنا بحث في حقيبته وأخرج كيساً ورقياً مدون عليه اسمي. ” أرسلت أنجلينا هذا لك من الأرجنتين،” قال. ” لابد أنك تركت انطباعاً لديها.” غمز للحظة (بشكل منفر كما أظن) ومن ثم أصبح كئيباً.

” صارت مزعجة. غادرت بعد يومين من الحفلة، جاء صديقها ببطاقة وأخذها إلى بلادها. أظن أنها لم تكن سعيدة.  نحن في حال تشوش تام، لم نؤجر الغرفة بعد.” انتهى إلى الصمت وشرع يقضم أظافر يده اليمنى بضراوة.  لم أرغب بسماع مشاكله المالية، التي جعلتني كئيباً لأنها ليست بجدية مشاكلي، انشغلت بالكيس. كان في داخله كتاب مهترئ ورقي الغلاف، أنطولوجيا عن الشعر الأرجنتيني في القرن العشرين منشورة في الستينات، مجموعة إلى مذكرة مكتوبة بالإنجليزية.

عزيزي-، تقول. استمتعت بمحادثتنا في حفلة مايك ومايكل. كنت الإنجليزي الوحيد الذي تحدثت إليه خلال الأسابيع الثلاثة ونصف الأسبوع التي قضيتها في بلادك-بالإضافة إلى معلمي الذي كان مسناً جداً، مثل سلحفاة، وأمضى معظم وقته في الأدب وليس في التحديق بنهدي. وجدت بعض مؤلفات فوزي من أجلك-بالإسبانية! يمكنك ترجمتها، ستكون لك مراناً جيداً. لغتك الإسبانية فظيعة حقيقة!  لكنه ليس بشاعر عظيم، كما أظن، وهكذا لن تتسبب بكثير من الأذى للأدب. (بالمناسبة، الأرجنتينيات لا تجدن المحادثة كثيراً.) تعال وزرنا في بيونيس آيريس لو تحب. صديقتك، أنجلينا. كانت رسالة جيدة أضحكتني. ولم تنفرني من فوزي.

عملت على ترجمة ستة قصائد وجدتها في الكتاب وبعض قصائد أخرى وجدتها فيما بعد، وهذا ما ساعد على تطوير لغتي الإسبانية، بالرغم من أن مفرداته التي تعلمتها لم تكن ملائمة للمحادثة اليومية ربما. استمتعت بطريقته في جمع الصور السريالية والرومانسية مع عناصر من الفلكلور وأوصاف الحياة اليومية في المدينة المعاصرة.

ومع مجيء قصتي إلى نهايتها، أقدّم واحدة من محاولاتي، ترجمة قصيدة لفوزي تدعى أغنية ليلية، التي تصور شيئاً من هذا الجو.

أغنية ليلية

وأنا واقفٌ إلى النافذة

سمعت غناء امرأة عند الناصية

للقمر

صوتها سيال كتغريد طائر

انزل أيها القمر، كانت تناديه،

انزل، فصدري يتألم من أجلك

أستلقي على سريري

أحاول أن أرتاح في بياض

الملاءات وبرودتها

ملأ صوتها عقلي كالدخان

نبح كلب من مكان ما

منضماً للكورس

إلى أن رماه رجل بحذاء على رأسه

شاتماً بغضب.

ترجمة: أماني لازار.

قوائم سوزان سونتاج.

1

قوائم سوزان  سونتاج-اختارتها جوانا والش.

كانت الكاتبة والناقدة الأمريكية سوزان سونتاج مهووسة بصنع القوائم. ها هنا بعض القوائم من يومياتها المنشورة في كتابها ” حين يكون الوعي مسخراً للجسد”.

أفعال(1964)

يُشَّطِب   يتملص

يقشر   يبادل

يهتز    يعبث

ينبثق   يثلم

يعدو   يلكم

تنافرَ   يتذمر

أسماء (1964)

حزمة ريش  درع

مُعامل      هرج ومرج

لفظة جديدة  صهريج

شجاعة       هزل

غشاء    إيقاع

طقطقة حافة فيدورا[1] سخط

ثريد     وضع معقد

فرق موسيقية بريطانيين (1964)

لوني دونيجان

كريس باربر

….

كريس ريتشارد + وفرقته ظلال

سيلا (أسود)

هيلين شابيرو

….

:Merseyميرزي

البيتلز

ديف كلارك 5

الرولينج ستون

الطيور the birds

دستي سبرينج فيلد

شكل الجسم (س س تصف نفسها) (1964)

طويلة

ضغط دم منخفض

تحتاج للكثير من النوم

رغبة مفاجئة بالسكر الأبيض

(لكنها لا تحب الحلويات – ليس بتركيز عال قط)

حساسية مفرطة تجاه الخمر

مدخنة شرهة

ميل لفقر الدم

اشتهاء كبير للبروتين

الربو

الصداع

معدة جيدة جداً-لا يوجد حرقة-إمساك-إلخ.

تشنج طمثي لا يذكر

تتعب من الوقوف بسرعة

تحب المرتفعات

تستمتع برؤية المشوهين (متلصصة)

مرهقة الأعصاب

صرير الأسنان

حسر البصر، انحراف

تبرد كثيراً (حساسة للبرد، تحب فصول الصيف الحارة)

لا تتأثر بالضجة

(درجة عالية من التركيز السمعي الانتقائي)

تجارب مجددة (1965)

الغطس في البحر

الشمس

مدينة قديمة

الصمت

سقوط الثلج

الحيوانات

قائمة غير مسماة (1965)

…مجزوز من

عمل في حبوب الـ

هرس ب

حسود

ازدرى

مرتاب

قيء

غداء

غير صالح لـ

مائع

دنس

معدل

إهانة  مختارة…

مشتت

بديل مؤقت

قانط

9066950_4202377_pm

صفات تؤثر بي (لابد لمن أحب أن يتحلى باثنتين أو ثلاث منها على الأقل (1970)

– ذكي.

-جميل، أنيق

-عذب (اللطف، الدماثة)

-الفتنة، الشهرة

-القوة

-الحيوية، الشبق، البهجة، السحر

– التعبير العاطفي، الحنان (اللفظي، الجسدي)، رقيق القلب.

اثني عشر مسافراً (1972، الصين)

ماركو بولو

(ماتيو) ريتشي

اليسوعي الذي رسم سوليه دو موران

بول كلوديل

مالرو

تيلهارد دو شاردان

ادجار سنو

نورمان بيثون

أبي

ريتشارد نيكسون

أنا

مقابر (1972)

المقبرة الجديدة في مرسيليا

هارامونت (من قرى باريس حيث تملك نيكول ستيفان منزلاً)

لينجواجلوسا (صقلية)

جزيرة لوندو

هايجيت (لندن)

بالقرب من تارودانت (المغرب)

باناريا (جزيرة بالقرب من صقلية)

ثلاث موضوعات كنت أتبعها طوال حياتي (1972)

الصين

النساء

النزوات

وهناك رابع: المنظمة، المرشد الروحي

روائيون بريطانيون جدد (1976)

ب. س. جونسون

آن كوين

ديفيد بلانت

كريتسين بروك روز

بريجيد بروفي

جابرييل جوزيبوفيتشي

21/2/1977

أشياء أحبها: النار، فينيسيا، التاكيلا، غروب الشمس، المواليد الجدد، الأفلام الصامتة، الارتفاع، الملح الخشن، القبعات الرسمية، الكلاب ذات الوبر الطويل، مصغرات السفن، القرفة، اللحف المصنوعة من ريش الإوز، ساعات الجيب، رائحة العشب المجزوز حديثاً، الكتان، باخ، أثاث لويس الثالث عشر، السوشي، المجاهر، الغرف الكبيرة، المرتفعات، الجزم، شرب الماء، حلوى القيقب.

أشياء لا أحبها: النوم في شقة وحيدة، الطقس البارد، الثنائيات، مباريات كرة القدم، السباحة، الأنشوفة، الشوارب، القطط، المظلات، أن أتصور، مذاق السوس، أن أغسل شعري (أو أن يكون مغسولاً)، ارتداء ساعات المعصم، إلقاء محاضرة، السيجار، كتابة الرسائل، الاستحمام، روبرت فروست، الطعام الألماني.

أشياء أحبها: العاج، السُّتر، الرسومات المعمارية، التبول، البيتزا (الخبز الروماني)، البقاء في الفنادق، مشابك الورق، اللون الأزرق، الأحزمة الجلدية، صنع القوائم، عربات النوم، دفع الفواتير، الكهوف، مشاهدة التزلج على الجليد، طرح الأسئلة، ركوب سيارات الأجرة، فن دولة بنين الافريقية، التفاح الأخضر، أثاث المكتب، اليهود، أشجار الأوكاليبتوس، المديات، الحِكَم، اليدين.

أشياء لا أحبها: التلفاز، الفاصولياء المعلبة، الرجال المشعرون، الكتب ذات الأغلفة الورقية، الوقوف، لعب الورق، الشقق القذرة أو غير المرتبة، المخدات المسطحة، أن أكون في الشمس، عزرا باوند، النمش، العنف في الأفلام، أن أقطر في عيني، رغيف اللحم، الأظافر المطلية، الانتحار، لعق المغلفات، الكاتشب، الدعائم (مساند)، قطرات الأنف، الكوكا كولا، السكيرين، التقاط الصور.

أشياء أحبها: الطبلة، القرنفل، الجوارب، قرون البازلاء، مضغ قصب السكر، الجسور، دورير[2]، السلالم الدوارة، الطقس الحار، سمك الحفش، طويلو القامة، الصحاري، الجدران البيضاء، الخيول، الآلات الكاتبة الكهربائية، الكرز، الأملود، الأثاث المصنوع من الخيزران، الجلوس متصالبة الساقين، السيور، النوافذ العريضة، الشبت الطازج، القراءة بصوت مرتفع، الذهاب إلى المتاجر، الغرف رهن التأثيث، الرقص، اوبرا (أريان على ناكسوس).

[1] نوع من القبعات.

[2] البريخت دورير: رسام ألماني.

بحث في الموثوقية- تيم باركس.

Archiv Susanne Schleyer

بحث في الموثوقية

4/2/2015

تيم باركس-عن نيويورك ريفيو أوف بوكس.

“هل هذه مخاوف حقيقية؟ وهل هذا العمل مقنع؟”

قد تكون هذه هي الأسئلة الفاصلة-والأكثر مراوغة من بين جميع الأسئلة الأخرى التي قد يطرحها المرء حول رواية ما. ربما علينا تقبّل أن الإجابة المباشرة بنعم أو لا لن تكون ممكنة في العديد من الحالات. سيكون هناك ظلال رمادية.  ومع ذلك، ربما علينا أن نبذل جهداً كي نقرر في النهاية فيما إذا كان عمل أدبي ببيئته وشخصياته، بتفاعلاته وهمومه، إلخ-يشعر بالـ ” موثوقية”، سواء أعجبنا به، أو حملناه على محمل الجد. لكن ماذا نعني بالموثوقية؟ طالما لا يمكننا أن نطالب الأدب بالدقة الوثائقية إلا لماماً فما الذي نبحث عنه بالضبط؟

لنتناول بعض الحالات اليسيرة. تزدحم أعمال ديكنز باليتامى أو بأناس ليسوا على علاقة وثيقة بالمجموعات العائلية أو المنتديات. من المستحيل قراءة أي مما كتبه دون الشعور بأن مسألة الانتماء كانت قضية أساسية بالنسبة له. كان عليه أن يكتب عن هذه المسائل. إذا ما قرأنا قصص الخيال العلمي المرعبة للوفركرافت، التي قد تكون غريبة وغير ممتعة، وتلح جميعها على موضوعات الخوف من الآخر-النساء، أناس من أعراق أخرى، والمخلوقات الفضائية. ينشأ الرعب المتضخم في الكتب كلياً من هذا الخوف الغريزي. هو لا يمكنه التخلي عنه. سواء أحببنا الكتب أو لا وبغض النظر عن أي احتمال، إلا أنه من الواضح أن الكاتب ينطلق مباشرة من مخاوف شخصية. لم يؤلف عمله بهدف الحصول على جائزة أدبية فقط. شكل معين من التكرار، لا سيما إعادة الصياغة اللانهائية، في عشرات من الصياغات المختلفة، ربما كان الصراع من نفس الجوهر هو السمة المميزة للموثوقية.

الآن بالنظر إلى رواية أميركية معاصرة. لديف إيجرز “عمل مفجع عن عبقري مدهش” تفرض توتراً بين الحاجة لرواية قصة شخصية تعيسة والرغبة باستغلال تلك القصة والتلاعب بها لتحقيق شهرة وصيت ذائعين. كان يرغب باستعمال معاناته ليصبح متميزاً، لكن مخاوفه خانت أمثاله ممن يعانون وخانته هو نفسه إلى حد ما في المعالجة. هذا القلق من كون المشروع معيباً أصبح هو نفسه شكلاً آخر من أشكال المعاناة الذي يمكن استغلاله ثانية في وصف بارع بهدف توكيد الذات. الطبيعية السيرية للعمل، التي تقدم نسخة من فتوة ايجر وسنوات رشده المبكرة، التصادم المتكرر بشكل هزلي ومستمر بين الرغبة في التجاوب برحابة صدر مع المعاناة (باختصار في أن يكون خيراً)، والتوق لأن يكون معترفاً به كعبقري ويحقق النجومية، سرعان ما يقنعنا أنه سواء أعجبنا الكتاب أو لا، فهو نابع من شيء أصيل.

حتى عندما لا يتكلم إيجرز عن نفسه، فذات المشكلة حاضرة: في مرحلة ما يوافق الواثق آدم ريتش على أن تذكر مجلة ديف أنه مقتول كجزء من مشروع صالح نوعاً ما ليسخر من هوس الجمهور بالشهرة. بأية حال، سرعان ما يتساءل ديف،

هل يفعل كل هذا حقاً من أجل لفت الانتباه؟ هل يستحلب ماضيه فعلاً ليستعطي الشفقة من جمهور لطالما كان لا مبالياً؟

لا، لا. هو ليس حريصاً، ولا تهكمياً إلى حد كافٍ. قد يحتاج الأمر لوحش، مشوه ومعدم. حقاً، أي نوع من الأشخاص ذلك الذي يقدم على مثل هذه الأمور؟

أي أن ديف يسقط مخاوفه حول الباعث على آدم. لا تعيق الموثوقية الهوس الأحادي، بل على العكس تماماً. لطالما فعل الروائيون ذلك. كان لأبطال شكسبير التراجيديون نفس المخاوف عن المظهر والواقع، الأداء والحياة الداخلية.

بأية حال، في عمله اللاحق “زيتون”، يكتب ايجر رواية لا تعتبر عملاً أدبياً قصصية لكنها في صيغة رواية عن عربي يتهم ظلماً وتساء معاملته من قبل الشرطة والقضاء بعد أن يختار البقاء في منزله في نيو أورليانز في أعقاب إعصار كاترينا. الكتاب يدعى “أنا أتهم”. يبدو حينها أنه تم ترويض دافع الشفافية في العمل السابق ووضعه في خدمة الغيرية. لكن هل فعل؟ “زيتون” مكتوبة بأسلوب شديد التماسك وشديد الأناقة، تلفت الانتباه لحكايتها الميلودرامية. والإصرار على صلاح البطل يبدو في كثير من الأحيان مصطنعاً. قد تكون القصة غير أدبية لكننا لسنا مقتنعين. عدا عن مواجهة هذه الدوافع المتضاربة-الرغبة في أن تكون خيراً تتشابك مع التصميم على أن تكون مشهوراً-يزعم الكتاب بأن الثاني قد مكرس للراحة لكن يخامرنا الشك بأن هذا ليس صحيحاً.

من ناحية أخرى الحبكة المجنونة لروايته “سوف تعرف سرعتنا”، حيث يحاول أمريكيان الذهاب حول العالم في غضون أسبوع كي يقدما مبلغاً قيمته 32000 دولاراً لأي فقير يرون أنه جدير بتسلمه، مرة ثانية يضع الصدام بين الهوس الأحادي والغيرية في أسلوب هزلي عظيم. هنا أبطال ايجر في السنغال:

وجدنا مجموعة من الفتية يعملون في حقل.. كانوا جيدين. لكني لم أستطع أن أتجاسر..

” هذه سرقة،” قلت.

” نعم ولكن لا بأس.”

” لنذهب. سنجد شخصاً أفضل.”

انطلقنا، ولو أني لم أكن متأكداً من أنه سيكون صحيحاً على الإطلاق. كنت لأعطيهم 400$،500$، لكن في ذلك الوقت كنا قد مضينا. كان من الخطأ جداً أن أطاردهم، وحتى مخطئاً أكثر لأني لم أعطهم المال، حياة-قدر متغير من المال هنا، حيث معدل الربح السنوي كان، قد نقول، حوالي 1600 دولار. كان كل شيء مغلوطاً وحينها كنا على بعد ميل متجهين نحو الساحل.

أخيراً شخص ما-ويبدو كما لو أن ايجرز نفسه يتكلم-مشيراً إلى أن هؤلاء قد يكونوا متبرعين ذلك أنه بعيداً عن فعل الخير والتخلي عن النفوذ الذي يمنحه المال، هم بالفعل يمارسون سلطتهم في تعسف شديد باختيارهم للمتلقي. ولو أن لدينا الآن حبكة مختلفة تماماً، لكن مع ذلك نفس المسائل، لا يمكنك إلا أن تشعر بأن القصة تصدر عن قلق شخصي حقيقي.

الكتاب الذين يتحولون بين نوع الكتابة والأدب القصصي الجدي يقدمون بعداً إضافياً لهذه المسألة. هل العمل الأدبي أصيل ونوع العمل ليس كذلك؟ كتب جورج سيمونون خمسة وسبعين رواية بوليسية تضم شخصية المحقق ميجريت وبدأ في وقت متأخر بعض الشيء أربع وأربعين رواية يعتقد الكثيرون أنه يجب أن ينال من أجلها جائزة نوبل. سيرة ذاتية متكررة (ونتذكر هنا تفاخر سيمنون بأنه مارس الحب مع عشرة آلاف امرأة)، يعيد الأدب القصصي “الجدّي” العمل بشكل لا نهائي على نفس المجال. أعجبك أو لم يعجبك، فهذه لا تبدو من سمات الموثوقية الأدبية. الحياة، في روايات سيمنون الأدبية، تثبت ذاتها بوحشية، ” بعض الناس يبدون أقوياء،” تشير إحدى الشخصيات بشكل نمطي،” وربما هم كذلك للحظة. لكنهم ليسوا أقوياء أبداً-ولا تنسى ذلك-كما يتظاهرون، لأنه مهما كانوا أقوياء فهناك دوماً من هم أقوى.”

قد يتم إنهاء الصراع الناجم أحياناً أو احتواءه في تفاهمات مشتركة، لكن غالباً ما يقود إلى نزاع مفتوح وكارثة. في واحدة من أقوى تلك الروايات، “الثلج القذر”، يسعى شاب لإثبات نفسه بالسرقة، القتل، والخداع. لكن المفارقة أنه يفتعل فعل هذا بطريقة سوف يكون من خلالها مراقباً من قبل جار طيب كان يغوي ويضلل ابنته الفتية في أكثر الطرق قباحة. يبدو البطل الشاب استفزازياً بشكل مخيف، وفي الوقت نفسه يسعى للاعتراف والإدانة، النصر والهزيمة. منطلقاً بسرعة للمال الذي هو مكافأة السارق والقاتل، على علم بأنه يلفت الانتباه، لكن يفكر،” لم قال بأنه كان قلقاً عندما كان هادئاً تماماً، عندما كان بكامل حريته وبكامل وعيه، من كان يعمل كل شيء ليتسبب بدماره الذاتي؟” من الصعب تخيل كتباً أكثر تعارضاً من كتاب سيمنون “روايات صعبة”.

ما علاقة هذا كله بالمحقق ميجريت، الذي اختلقه الكاتب منذ سنوات كجزء من مشروع طويل المدى ليصبح شديد الثراء، ومن ثم أشار أربع أو خمس مرات في السنة إلى جزء كبير من حياته كبالغ؟ تنحو الحبكات حتماً نحو التقليدية وهي غالباً آلية بشكل مضجر. من الواضح أن غواية قراءتها جميعا ترقى إلى شكل من أشكال الإدمان، بدلاً من ذلك النوع من الارتباط المثمر الذي يألفه المرء مع الأدب القصصي. بالتأكيد أيضاً أن ميجريت نفسه فريد من نوعه لأن كل تلك الإثارة المستبعدة المحيطة به مقنعة. في عالم مصمم بسرعة عن باريس الضواحي أو فرنسا ببلداتها الصغيرة الرثة، الطموح، الشغف، والصراع الناتج الذي أدى إلى القتل. هذه منطقة الروايات الجدية لكن تم اختزالها حالياً إلى رسوم ساخرة.

يدخل القاتل بعد وقوع الجريمة في صراع من نوع مختلف، هذه المرة مع ميجريت. إنها معركة من الأفكار والإرادات. ميجريت البليد، العنيد، والرائع، يكسب دوماً. لكن ليس بالعنف، التأكيد المحض للقوة، لكن من خلال فهم طرائده على المستوى الإنساني، إلى أن يتمكن من توقيفهم، هو غالباً ” يسامح” المغتالين شخصياً. كما لو أنه تم حل جانبي الصراع في “ثلج قذر” في شخص خيالي واحد، كان ميجريت من ذلك النوع الذي قد يفهم ويسامح سيمونون نفسه على مغازلاته اللانهائية (بعض منها تكاد تكون اغتصاباً)، والطموح الذي لا يرحم الذي أنتج كل هذه الكتب، غالباً ما يثير الغضب بين أفراد العائلة والأصدقاء الذين شعروا بأنه أسيء تقديمهم بشكل فادح.

بهذه الطريقة أفسر الموثوقية: مهما كانت وسائل الكاتب العديدة التي يعيد تأليف مادته من خلالها، فهي مميزة باعتبارها مادته. قد نقول إنه منصاع/ة للحاجة، أو لمصدر الإلهام، حتى عندما يشرع في عمل من نوع مختلف. بتناولنا لكاتب جديد، قد يكون من الصعب أن نحدد فيما إذا كان العمل موثوقاً أو لا. في هذه الحالة، من الأفضل أن نستمتع بالتشوش الناجم عن عدم معرفتنا الأكيدة بمدى جدية كاتبنا، بوزن الحجج في كلا الجانبين، نقرأ رواية أخرى لنرى مدى تطابقها. هذا جزء من متعة القراءة، أيضاً، محاولة الإحاطة بالعمل، بالدخول في لعبة طويلة على مدى ثلاثة، أربعة، خمسة كتب. لقد حصلت على هذه المتعة بقراءة آني برولكس. أو ديمون جالجو مجدداً، الذي ركز في عمله الأخير على مسائل الخوف والشجاعة بكثافة.

بصورة عامة، عندما تعالج رواية ما مادتها ببراعة كي تتفق مع معتقدات العصر، أو بالتبادل لتهاجم تلك المعتقدات ليس لسبب آخر سوى الشفافية أيُّ شكل من الهجوم سيتولد، عندما تكون جميع استعاراتها الأدبية مألوفة بشكل كبير، نثرها الذكي يذكر بنثر آخر مشابه، حينها ستنزلق إبرة البوصلة مبتعدة عن الشمال الحقيقي. رواية ويليام جيرالدي “وحوش منشغلون”، رواية أندريه نيومان “مسافر من قرن آخر”، رواية إليانور كاتون “الكواكب النيرة”، كلها أمثلة معاصرة. (جيمس والتون، يكتب في نيويورك رفيو، متحدثاً عن ” الشعور بأن رواية الكواكب النيرة هي صورة زائفة عن رواية عظيمة أكثر من كونها شيء حقيقي.”) عندما من ناحية أخرى، يهجر الكاتب تحريفاً هيناً، رشوة متوقعة، لأخذنا نحو مناطق لا نتوقعها لكن برغم ذلك تتلاءم وسياق القصة، حينها تكسب الرواية قوة ويقيناً. وعندما هو أو هي يفعلها مرة ثانية، مخبراً قصة مختلفة تماماً ومع ذلك مدفوعاً بنفس التوترات اللجوجة، حينها من المرجح أن ننتقل إلى منطقة الموثوقية.

هذه المقاربة للروايات، والتي هي واحدة من مقاربات عديدة، تنضوي على تضمينات حول رؤيتنا للعلاقة بين عمل الكاتب وحياته لا محالة. بتقصي سيرة حياة ديكنز أو سيمونون سرعان ما يتعزز حدس المرء في قراءة الروايات. الصراعات في أدبهما تظهر بوضوح شديد في حياتهما.” الفنان،” علق سيمونون،” هو قبل كل شيء شخص مريض، وبكل الأحوال هو شخص غير مستقر.”

هذا ليس مفهوماً من السهل تدريسه في صف الكتابة الإبداعية.

ترجمة: أماني لازار.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/feb/04/novels-search-authenticity/

marbles-through-water-droplets

ألعاب بلا نهاية -إيتالو كالفينو.

عندما أصبحت المجرات أكثر بعداً، تم تعويض تخلخل الكون بتشكيل مجرات إضافية مركبة من مادة مخترعة حديثاً.  للمحافظة على استقرار وسطي الكثافة للكون يكفي اختراع ذرة هيدروجين كل مئتين وخمسين مليون سنة لكل أربعين سنتيمتراً مكعباً من الفضاء الواسع. (نظرية حالة الاستقرار هذه، كما هو معروف، كانت معارضة لفرضيات أخرى، عن أن الكون ولد في لحظة دقيقة كنتيجة للانفجار العظيم.)

كنت طفلاً، لكني كنت على علم مسبق بها-يروي قفوفق -كنت عارفاً بكل ذرة هيدروجين، ذرةً ذرة، كنت ألحظ كل ذرة جديدة حال انبثاقها. عندما كنت ولداً، كانت ذرات الهيدروجين هي الألعاب الوحيدة في الكون برمَّته، وكنا نلعب بها طوال الوقت، وكان هناك طفل في مثل عمري اسمه بفوفب.

أي نوع من الألعاب؟  يمكن شرح الأمر ببساطة. إذ أن الفضاء كان مقوَّساً، كنا نرسل الذرات كي تتدحرج على امتداد قوسه، كمجموعة كبيرة من الكريَّات الزجاجية، ومن تبتعد ذرته أكثر يفوز في اللعبة. عندما ترمي عليك أن تكون حذراً، أن تحتسب للمؤثرات والمسارات، لابد أن تكون على دراية لتستثمر الحقول المغناطيسية وحقول الجاذبية، وإلا ستحيد الكرة عن المسار ويتم طرحها من المباراة.

كانت القواعد كالمعتاد: تضرب بإحدى الذرات أخرى من ذراتك وترسلها إلى الأمام، أو سوى هذا يمكنك أن تسدد ضربة نحو ذرة خصمك. كنا نحرص ألا نرميها بقوة بالتأكيد، لأنه عندما تصطدم ذرتا هيدروجين، يحدث قرقعة! وحينها يمكن أن تتشكل ذرة الديوتيريوم، أو أيضاً ذرة الهيليوم، ولمقاصد اللعبة، كانت مثل هذه الذرات مستبعدة: وعلاوة على ذلك، إذا ما كانت ذرة من الاثنتين تعود لخصمك، عليك أن تعطيه ذرة من ذراتك بالمقابل.

تعرف كيف يتشكل منحني الفضاء: ستدور كرة صغيرة ومن ثم في لحظة رائعة ستبدأ بالانحدار ولن تتمكن من الإمساك بها. لذا، ونحن نمضي في اللعب، يقلّ عدد الذرات في اللعبة، ومن تنتهي ذراته أولاً يكون هو الخاسر.

بعدئذ، تماماً في اللحظة الحاسمة، تبدأ هذه الذرات الجديدة بالبزوغ. ولا شك أن هناك فرقاً تاماً بين ذرة جديدة وذرة مستعملة: الذرات الجديدة مشعَّة، برَّاقة، طازجة، ورطبة، مثل قطرة ندى. وضعنا قواعد جديدة: تساوي الذرة الجديدة ثلاث ذرات مستعملة، وكنا نتقاسم الذرات الجدد لدى تشكُّلها فيما بيننا مناصفةً.

بهذه الطريقة لم تنتهِ لعبتنا أبداً، وكذلك لم نكن نشعر بأنها مملَّة، ففي كل مرة نجد ذرات جديدة كانت اللعبة تبدو جديدة أيضاً، كما لو كنا نلعبها للمرة الأولى.

بعدئذٍ، لسببٍ أو لآخر، مع مضي الأيام، صارت اللعبة أقل إثارة.  لم نعد نرى المزيد من الذرات الجديدة: لم نتمكن من استبدال الذرات التي خسرناها، ضعفت ضرباتنا، وصارت أقل ثقةً، لأننا كنا نخشى أن نخسر القطع القليلة التي لا تزال في اللعبة، في ذلك الفضاء العقيم المنبسط.

تغير بفوفب أيضاً: أصبح شارد الذِّهن، متشرداً ولم يكن إيجاده ممكناً عندما يحين دوره بالتسديد، كنت أناديه، لكن لا ألقى جواباً، ثم يحضر بعد نصف ساعة.

” هيا إنه دورك، هل لا زلت في اللعبة؟”

“بالـتأكيد. لا تستعجلني. سأقوم بالتصويب الآن.”

“حسناً إذا ما استمريت بالابتعاد وحيداً، قد نتوقف عن اللعب أيضاً!”

“أوف! أنت فقط تصنع كل هذه الهرج لأنك خاسر.”

كان هذا صحيحاً: لم يبقَ بحوزتي أية ذرة، في حين أن بفوفب كان لديه دوماً واحدة احتياطية. إذا لم تنشأ بعض الذرات الجديدة لنتقاسمها، لم يكن لدي الأمل بالتعادل معه.

عندما رحل بفوفب في المرة التالية، تبعته على رؤوس الأصابع. كان في حضوري يتظاهر بأنه يتمشى بلا هدف وهو يصفِّر: لكن عندما صار بعيداً عن مرمى نظري بدأ يهرول في الفضاء، عازماً كمَن في ذهنه غرضٌ محدد. وكان غرضه-هذا الخائن، كما سترى-سرعان ما اكتشفته: كان بفوفب يعرف جميع الأماكن التي كانت تتشكل الذرات الجديدة فيها ومن حين لآخر يذهب في نزهة قصيرة ليجمعها في لحظة تولُّدها ثم يخفيها. لهذا كان بحوزته دوماً الذرات التي يحتاجها للعب!

لكن قبل وضعها في اللعبة، كان وهو الغشَّاش الذي لا يرتدع، يعمل على تمويهها على أنها ذرات قديمة، يمسِّد غشاء الالكترون حتى يصبح بالياً وكامداً كي أصدق أنها ذرة قديمة كان يملكها طوال الوقت وحدث أن عثر عليها في جيبه.

ولم تنتهِ القصة عند ذلك: حصرت بسرعة عدد الذرات التي لُعبت وأدركت أنها كانت جزء صغيراً من تلك التي سرقها وأخفاها. هل كان يكدس ذرات الهيدروجين في مخزن؟ ما الذي كان ينوي فعله بها؟ ماذا يدور في ذهنه؟  ساورني الشك فجأة: أن بفوفب أراد بناء كون خاص به، كوناً جديداً تماماً.

من تلك اللحظة، لم أستطع البقاء هادئاً: يجب عليَّ أن أتعادل معه. ربما عليَّ أن أقتدي به: الآن وقد عرفت الأماكن، يمكنني الذهاب إلى هناك متقدماً عليه بقليل واختطف الذرات الجديدة لحظة ولادتها، قبل أن يتمكن من وضع يده عليها! لكن ذلك سيكون في غاية البساطة. أردت أن أوقعه في شركٍ يتناسب مع خيانته. بادئ ذي بدء، بدأت بصنع ذرات مزيفة: في حين كان يقوم بغزواته الغادرة، كنت في مخزني السِّري، أضرب وأخلط وأعجن كل المواد التي في متناول يدي. كي أكون صادقاً معك، لم تكن هذه المواد بالقدر الكبير: إشعاعات ضوئية، أجزاء صغيرة من حقول مغناطيسية، بعض النيوترونات تم جمعها من الطريق: لكن بدحرجتها على شكل كرات وتبليلها بالرضاب، استطعت إلصاقها ببعضها. بمعنى آخر، حضَّرت بعض الكريات الصغيرة التي لدى تفحصها عن كثب كان جلياً أنها غير مصنوعة من الهيدروجين أو أي عنصر آخر ممكن التعرف إليه، لكن بالنسبة لشخص مستعجل، مثل بفوفب، الذي هرع خلفها ودسَّها خلسةً في جيبه، بدت مثل هيدروجين حقيقي وجديدة بشكل استثنائي.

هكذا وفي حين لم يكن لديه أدنى شك، تقدمته في جولاته. وكنت قد عملت مذكرة ذهنية متأنية عن جميع الأماكن.

الفضاء مقوَّس في كل مكان، لكنه كان في بعض الأماكن أكثر تقوساً من سواها: مثل جيوب أو أعناق زجاجات أو كوى، حيث الخلاء مجعد. في هذه الكوى كل مئتين وخمسين سنة، هناك صوت رنين خفيف وذرة هيدروجين مشعة مشكلة على هيئة لؤلؤة بين فلقتي محارة. مشيت، وضعت الذرة في جيبي، ووضعت الذرة المزيفة مكانها. لم يلحظ بفوفب شيئاً: نهَّاب جشع ملأ جيوبه بتلك النفايات وأنا أراكم كل الثروات التي حفظها الكون في عُبِّه.

خضعت حظوظ ألعابنا لتغيير: كان لدي دوماً ذرات جديدة لأرميها، في حين أن بفوفب كان يخفق بشكل متكرر. حاول ثلاث مرات وكانت الذرات تتفتت إلى شظايا كما لو أنها تهشمت في الفضاء. حينها كان بفوفب يجد لنفسه العذر تلو الآخر، محاولاً إلغاء اللعبة.

” هيا،” أصريت،” إذا لم ترم، فاللعبة لصالحي.” وقال: ” هذه ليست محسوبة. عندما تتحطم ذرة فاللعبة لاغية وباطلة، وابدأ من جديد.” هذه كانت قاعدة اخترعها في اللحظة نفسها.  لم أمنحه أي فرصة للطمأنينة، رقصت من حوله، قفزت من فوق ظهره، وغنيت:

” ارمها ارمها ارمها

وتعرف أنك خاسر إن لم ترمها

ففي كل مرة لا تفعل فيها

سأحظى برمية إضافية.”

” هذا يكفي،” قال بفوفب، ” لنغير اللعبة.”

“آها!” قلت.” لم لا نلعب بالمجرات الطائرة؟”

” مجرات؟” شع وجه بفوفب فجأة بالسرور.” اتبعني. لكن أنت… أنت ليس لديك مجرة!”

“بلى عندي.”

“وأنا أيضاً.”

” هيا! لنرى من يمكنه أن يطيرها أعلى!”

وأخذت كل الذرات الجديدة التي كنت قد أخفيتها وطوحت بها في الفضاء. في البداية كانت تتبدد، ومن ثم تجمعت معاً في غيمة ضوئية، وراحت الغيمة تنتفخ أكثر فأكثر، وتشكلت بداخلها ثمة تكثفات براقة، ودوّمت إلى أن أصبحت عند نقطة معينة حلزونة من الكواكب لم ترَ من قبل، حلزونة ترفرف في مهب الريح، ومن ثم سارعت مبتعدة وأنا ممسك بذيلها أركض خلفها. لكن حينها لم أكن أنا من جعل المجرة تطير، بل المجرة هي التي كانت ترفعني عالياً، متمسكاً بذيلها: أقصد، لم يكن هناك أي ارتفاع أو عمق لكن فضاء وحسب متسعاً، والمجرة في وسطه مفتوحة على اتساعها أيضاً، وأنا معلق هناك، أتلاعب بحركات وجهي لبفوفب، الذي كان على بعد آلاف السنوات الضوئية سلفاً.

بفوفب، لدى حركتي الأولى، كان قد نبش في الحال جميع مدخراته، يرشقها بحركة متزنة كما لو أنه توقع أن يرى وشائع مجرة لانهائية مفتوحة في السماء. لكن بدلاً من ذلك، لم يحدث شيء. كان هناك صوت نشيش من الإشعاعات، وميض فوضوي، ومن ثم كل شيء اختفى فجأة.

” هل هذا أفضل ما بوسعك؟” صرخت على بفوفب، الذي كان يصرخ شاتماً إياي، مخضراً من شدة الغضب:

” سأريك، قفوفق، أيها الخنزير!”

لكن في غضون ذلك كنت ومجرتي نحلق بين آلاف المجرات الأخرى، وكانت مجرتي الأحدث، موضع حسد السماء برمتها، حارقة بما فيها من الهيدروجين الصغير والكربون الأصغر والبيريليوم المولود لتوه. تفادتنا المجرات القديمة، تأكلها الغيرة، وتفاديناها، بخيلاء وغرور، مهجورة ومملة حتى تعاف النظر نحوها.  ولما تطور ذلك التحليق العكسي، أبحرنا عبر الفضاءات التي أصبحت أكثر وأكثر تخلخلاً وفراغاً: ومن ثم رأيت مجرات جديدة، مشكلة من مادة ولدت لتوها، مجرات أكثر جدة من مجرتي. سرعان ما أصبح الفضاء ممتلئا مجدداً، وكثيفاً، مثل كرم قبل موعد قطافه تماماً، وحلقنا، نهرب من واحدة إلى أخرى، فرت مجرتي من المجرات الأكثر حداثة كما فعلت المجرات الأقدم، وهربت المجرات الأكثر جدة والأقدم منا. وواصلنا التحليق عبر السماوات الفارغة، التي أصبحت بدورها مسكونة أيضاً، وهلم جراً.

في واحدة من هذه الإشعاعات سمعت: ” قفوفق، ستدفع الآن أيها الخائن!”  ورأيت مجرة جديدة من خلفنا تنطلق في إثرنا، وكان هناك منحنياً للأمام من طرف الحلزونة، يصرخ بالتهديد والشتائم، رفيقي في اللعب بفوفب.  بدأت المطاردة.  حيث ارتفع الفضاء كانت مجرة بفوفب، الفتية والرشيقة، تحرز تقدماً، لكن على المنحدرات، غاصت مجرتي الأكثر ثقلاً مجدداً.

في كل أنواع السباق هناك سرّ: يعود كل شيء لطريقتك في التعامل مع المنحنيات.  نحت مجرة بفوفب لتضييقها، ومجرتي للتأرجح. وفيما كنت أواصل توسيع المنحنيات، كنا أخيراً مطوحين خلف حافة الفضاء، وبفوفب من خلفنا. واصلنا المطاردة، باستعمال النظام المستخدم دوماً في مثل هذه الظروف، هكذا، خالقين فضاء أمامنا ونحن نمضي قدماً.

هكذا كنت هناك، ومن أمامي العدم، وبفوفب بوجهه القذر من خلفي: منظر كريه في كل مكان. بكل الأحوال، فضلت أن أنظر قدماً، وماذا أرى؟ بفوفب، الذي خلفته عيناي للتو ورائي، كان يسرع على مجرته أمامي مباشرة. ” آه!” صرخت، ” الآن دوري في مطاردتك!” ” ماذا؟” قال بفوفب، من أمامي أو خلفي، لست متأكداً، ” أنا الذي يطاردك!”

استدرت: كان بفوفب لا يزال يجري في أعقابي. نظرت قدماً مجدداً: وكان هناك، يجري مديراً لي ظهره. لكن عندما دققت النظر أكثر، رأيت أنه في مقدمة مجرته هذه كان آخر يسبقني، وتلك المجرة الأخرى كانت لي، لأني كنت عليها، واضحة حتى ولو مرئية من الخلف. والتفت نحو البفوفب الذي يتبعني ودققت النظر: رأيت أن مجرته كانت تلحقها مجرة أخرى، مجرتي، وأنا عليها، التفت في ذلك الوقت نفسه لأنظر خلفاً.

وهكذا خلف كل قفوفق كان هناك بفوفب، وخلف بفوفب قفوفق، وكل بفوفب كان يلحق بقفوفق، الذي كان يتبعه والعكس بالعكس. قصرت مسافاتنا قليلاً أو طالت قليلاً، لكن الآن كان واضحاً أن الواحد لن يتخطى الآخر أبداً، ولا الآخر سيتجاوز الأول. لم نعد نستمتع في لعبة المطاردة هذه، ولم نعد أطفالاً بنتيجة الأمر، لكن في ذلك الحين لم يعد بوسعنا فعل أي شيء آخر.

من المجموعة القصصية ” كونيات هزلية.”

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

"Black Mist and other stories"

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

اداچيو

الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

The Civilized Frontier

A Journal of Thoughts concerning Life, Liberty, and the Pursuit of Sanity in a World of Chaos

RANDOM MAGIC

to divine is sublime

dotwri8

let's blog

جداويستا

في عشق عروس البحر الأحمر

pastnow

History, Arts and Stuff

ثرَاء

مذكرة حول وفرة الحياة

بين أغلفة الكتب ..

الفردوس المفقود ..

صُدفة

كان يمكن أن لا تكون

طرب مصري

الطرب لطيفة تخطر لك فتبدلك من حال إلى حال

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 368 other followers