Feeds:
تدوينات
تعليقات

اتصال هاتفي- دوروثي باركر.

dorothy-parker-1411-t-600x600-rw

اتصال هاتفي-دورثي باركر.

أرجوك يا الله دعه يتصل بي الآن. عزيزي الله، دعه يتصل بي الآن. لن أطلب منك أي شيء آخر، صدقاً لن أطلب. وهذا ليس بالكثير. سيكون أمراً بالغ الضآلة بالنسبة لك يا الله، حقاً أمر ضئيل، ضئيل. فقط دعه يتصل بي الآن. أرجوك يا إلهي. أرجوك، أرجوك، أرجوك.

لو أتوقف عن التفكير في الأمر، ربما يرن الهاتف. أحياناً يحصل ذلك. لو أفكر بشيء آخر. لو أفكر بشيء آخر. لو أعد لأصل حتى الرقم خمسمائة بحلول الساعة الخامسة قد يرن في هذه الأثناء. سأعد ببطء. لن أغش. وإذا ما رن عند وصولي للرقم ثلاثمائة لن أتوقف، لن أجيب إلى أن أصل حتى الخمسمائة. خمسة، عشرة، خمسة عشرة، عشرون، خمس وعشرون، ثلاثون، خمس وثلاثون، أربعون، خمس وأربعون، خمسون… أوه، فلترن أرجوك. أرجوك.

هذه آخر مرة أنظر فيها إلى الساعة. لن أنظر إليها مجدداً. إنها الساعة السابعة وعشر دقائق. قال بأنه سيتصل عند الخامسة.” سأتصل بك عند الخامسة عزيزتي.” أظن أن هذا ما قاله ” عزيزتي” مرتين والمرة الثانية كانت عندما قال وداعاً. ” وداعاً عزيزتي.” كان منشغلاً ولم يتمكن من التحدث طويلاً في المكتب لكنه دعاني “عزيزتي” مرتين. هو لا يمكنه أن ينسى اتصاله بي. أعرف أن ليس عليك أن تستمري بالاتصال بهم، أعرف أنهم لا يحبون ذلك. عندما تفعلين يعرفون أنك تفكرين بهم وترغبين بهم وذلك يجعلهم يكرهونك. لكن لم أتحدث إليه منذ ثلاثة أيام، منذ ثلاثة أيام.

وكل ما فعلته هو أني سألته عن حاله، كما يفعل أي شخص قد يتصل به. غير وارد أن يرفض ذلك. لا يمكن أن يكون قد تناهى إليه بأني أزعجه.” لا بالتأكيد، أنت لا تفعلين،” قال. وقال بأنه سيتصل بي.  لم يكن مجبراً على ذلك القول. لم أطلب منه، حقاً لم أفعل. أنا واثقة من أني لم أفعل. لا أظن بأنه قد يقول بأنه سيتصل بي ثم لا يفعل أبداً. أرجوك لا تدعه يفعل ذلك يا الله، أرجوك لا.

“سأتصل بك عند الخامسة عزيزتي.” وداعاً عزيزتي.” كان منشغلاً وعلى عجلة من أمره وكان هناك أناس من حوله لكنه ناداني “عزيزتي” مرتين. لي أنا، لي أنا. أملك ذلك حتى لو لم أره ثانية. أوه لكن ذلك قليل جداً. ذلك ليس كافياً. لا شيء كاف إذا لم أره مجدداً. أرجوك دعني أراه ثانية   يا الله. أرجوك أريده كثيراً. أريده كثيراً. سأكون طيبة يا الله. سأحاول أن أكون أفضل، سأفعل إذا ما جعلتني أراه ثانية، إذا ما جعلته يتصل بي، أوه دعه يتصل بي الآن.

آه، لا تدع صلاتي تبدو ضئيلة جداً عليك يا الله. أنت تجلس هناك في الأعلى، عجوز ناصع البياض، وجميع الملائكة من حولك والنجوم تنساب بالقرب منك. وأنا أجيئك بصلاة عن اتصال هاتفي. آه لا تضحك يا الله. كما ترى، لا تعرف كيف يكون الشعور. أنت آمن جداً هناك على عرشك، والأزرق يدوِّم من تحتك. لا شيء يمكنه أن يمسَّك، ما من شخص يمكنه أن يلوي قلبك بيديه. هذا عذاب يا الله هذا عذاب سيء، سيء ألن تساعدني؟  بحق ابنك ساعدني. أنت قلت بأنك ستفعل ما يطلب منك باسمه. أوه يا الله باسم ابنك الحبيب يسوع المسيح ربنا دعه يتصل بي الآن.

لا بد أن أتوقف عن هذا. لا ينبغي عليَّ أن أكون هكذا. أنظر، لنفترض أن شاباً يقول بأنه سيتصل بفتاة وثم يحدث أمر ما ولا يفعل، هذا ليس أمراً رهيباً، أليس كذلك؟  لأنه يحدث في شتى أنحاء العالم في هذه الدقيقة تماماً. أوه لمَ أهتم لما يحدث في جميع أنحاء العالم؟ لم لا يمكن لهذا الهاتف أن يرن؟ لم لا يمكنه ذلك؟ لم لا يمكنه ذلك؟ ألا يمكنك أن ترن؟ آه أرجوك هل يمكنك؟ أنت ملعون، قبيح، ورائق. قد يؤلمك أن ترن أليس صحيحاً؟ أوه ذلك قد يؤلمك، عليك اللعنة، سأنزع توصيلاتك القذرة من الجدار، سأحطم وجهك الأسود المعتد بنفسه إلى شظايا. عليك اللعنة وإلى الجحيم.

لا، لا، لا. لابد أن أكف عن ذلك. لابد أن أفكر بشيء آخر. هذا ما سأفعله، سأضع الساعة في الغرفة الأخرى فلا يمكنني النظر إليها. إذا ما كان عليَّ النظر إليها سيتوجب عليَّ السير إلى غرفة النوم وهذا سيكون أمراً عليَّ القيام به. ربما قبل أن أنظر إليها ثانية سيتصل بي. سأكون رقيقة معه لو اتصل بي، إذا قال بأنه لا يستطيع أن يراني الليلة سأقول:” لماذا، لا بأس عزيزي، لماذا، بالتأكيد لا بأس.” سأكون كما كنت معه في أول مرة التقيته بها ثم ربما سأعجبه مجدداً، كنت عذبة دوماً في البداية، أوه، من السهل جداً أن تكون عذباً مع الناس قبل أن تحبهم.

لابد أنه لا يزال يحبني قليلاً. لا يمكنه أن يدعوني ” عزيزتي” مرتين اليوم لو لم يكن لا يزال يحبني قليلاً.  لم ينته كل شيء لو كان لا يزال يحبني قليلاً، حتى لو كان فقط قليلاً، قليلاً جداً. كما ترى يا الله، لو فقط تدعه يتصل بي لن أطلب المزيد. سأكون رقيقة معه، يمكن أن أكون مرحة سأكون كما كنت تماماً، وحينها سيحبني ثانية. وحينها لن يكون عليَّ أبداً أن أطلب منك أي شيء آخر. ألا ترى يا الله؟ إذن هلا جعلته يتصل بي؟ هلا فعلت رجاء، رجاء، رجاء؟

هل تعاقبني، يا الله لأني لم أكن صالحة؟ هل أنت غاضب مني لأني فعلت ذلك؟ أوه لكن يا إلهي هناك الكثير من الأناس السيئين-لا يمكن أن تقسو عليَّ وحدي. ولم يكن الأمر بالغ السوء، لا يمكن أن يكون سيئاً. لم نؤذ أحد يا الله. الأمور تكون سيئة فقط عندما تسبب بالأذى للناس. لم نؤذ شخصاً واحداً أنت تعرف ذلك. أنت تعرف أنه لم يكن سيئاً، أليس كذلك يا الله؟ إذن هلا جعلته يتصل بي الآن؟

إذا لم يتصل بي سأعرف أن الله غاضب مني. سأصل حتى الرقم خمسمائة مع حلول الساعة الخامسة وإذا لم يتصل بي عندها سأعرف أن الله لن يساعدني ثانية ابداً. ستكون هذه إشارة. خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون، أربعون، خمسة وأربعون، خمسون، خمسة وخمسون… لقد كان سيئاً. أعرف أنه كان سيئاً. حسناً يا الله أرسلني إلى الجحيم. أنت تظن بأنك تخيفني بجحيمك أليس كذلك؟ تظن جحيمك أسوأ من جحيمي؟

لا ينبغي علي، لا ينبغي فعل هذا. لنفترض أنه تأخر قليلاً بالاتصال، هذا ليس أمراً يستدعي رد فعل هستيري. ربما لن يتصل، ربما هو قادم من غير أن يتصل. سيستغرب إذا ما رآني أبكي. هم لا يحبونك إذ تبكين. هو لا يبكي. أتمنى من الله بأن أجعله يبكي. أتمنى أن أتمكن من جعله يبكي ويدب على الأرض ويشعر بأن قلبه ثقيل وكبير ويتقيح في داخله. أتمنى لو استطعت أن أجرحه كالجحيم.

هو لم يتمنَّ لي ذلك. لا أظن أنه يعلم كيف أشعر بسببه. أتمنى لو يعلم دون أن أخبره. هم لا يحبون أن تخبريهم بأنهم جعلوك تبكين. هم لا يحبون أن تقولي لهم بأنك تعيسة بسببهم. إذا ما فعلت سيظنون بأنك تملكية ومتطلبة وحينها سيكرهونك.  يكرهونك متى قلت أي شيء حقيقة تفكرين فيه، عليك دوماً أن تلعبي بعض الألاعيب الصغيرة.

أنا أوه أعتقد أنه ليس علينا ذلك، أعتقد أن هذا كان كبيراً جداً ويمكنني أن أقول كل ما أقصد قوله. أظن بأنك لا تستطيعين أبداً. أظن أن ليس هناك أي شيء كبير إلى ذلك الحد. أوه لو يتصل فقط، لن أقول له بأني كنت حزينة بسببه. هم يكرهون الحزانى. سأكون عذبة ومرحة جداً، لن يستطيع إلا أن يعجب بي. لو يتصل فقط، لو يتصل فقط.

ربما هذا ما يفعله. ربما هو قادم إلى هنا دون أن يتصل. ربما هو في طريقه الآن. شيء ما قد حصل له. لا، لا شيء يمكن أن يصيبه. لا يمكنني أن أتصور أن مكروهاً أصابه. أنا لم أتصوره يوماً صريعاً. لم أره ممدداً بهدوء طويلاً وميتاً.  أتمنى لو كان ميتاً. هذه أمنية فظيعة. هذه أمنية جميلة. لو كان ميتاً سيكون لي. لو كان ميتاً لن أفكر أبداً بالوقت الحالي وبآخر بضعة أسابيع. سأتذكر فقط الأوقات الجميلة. ستكون جميلة تماماً. أتمنى لو كان ميتاً. أتمنى لو كان ميتاً، ميتاً، ميتاً.

هذا سخف. من السخف أن تتمنى للناس أن يكونوا موتى فقط لأنهم لم يتصلوا بك في نفس الدقيقة التي قالوا إنهم سيفعلون فيها. ربما الساعة مسرعة، لا أعرف إذا كانت صحيحة. ربما هو لم يتأخر على الإطلاق. أي شيء قد يجعله يتأخر قليلاً. ربما كان عليه أن يبقى في مكتبه. ربما ذهب إلى البيت ليتصل بي من هناك وجاءه شخص ما. هو لا يحب أن يتصل بي في حضرة الناس. ربما هو قلق فقط قليلاً، قليلاً جداً لأنه يجعلني أنتظر. ربما أمل بأني سأتصل به، يمكنني أن أفعل ذلك، يمكنني الاتصال به.

لا ينبغي، لا ينبغي، لا ينبغي علي. أوه يا إلهي أرجوك لا تجعلني اتصل به. أرجوك امنعني من فعل ذلك. أعلم يا الله تماماً كما أنت تعلم بأنه لو كان قلقاً علي سيتصل من أي مكان كان فيه أو لو كان هناك الكثير من الناس من حوله. أرجوك اجعلني أعرف ذلك يا الله. أنا لا أطلب منك أن تسهل الأمر علي، ليس بوسعك أن تفعل ذلك، لذلك كله أنت خلقت عالماً. فقط اجعلني أعرفه يا الله. لا تدعني أستمر بالأمل. لا تجعلني أحدث نفسي بأشياء مريحة. أرجوك لا تدعني آمل يا عزيزي الله، أرجوك لا.

لن أتصل به. لن أتصل به ثانية البتة طوال حياتي. سيتعفن في الجحيم قبل أن أتصل به، ليس عليك أن تعطيني القوة يا الله فأنا أملكها، إذا ما أرادني يمكنه الوصول إلي، هو يعرف مكاني، هو يعرف بأني أنتظر هنا، هو شديد الثقة بي، شديد الثقة. أتساءل لمَ يكرهونك حالما يثقون بك؟ علي أن أفكر بأن شعورك بالثقة سيكون له أثر بالغ العذوبة عليك.

سيكون من السهل جداً أن أتصل به. حينها قد أعرف. ربما لن يكون حماقة ترتكب. ربما هو لا يمانع. ربما سيعجبه ذلك. ربما كان يحاول الاتصال بي. أحياناً يحاول الناس الاتصال بك بواسطة الهاتف ويقولون إن الرقم لا يجيب. أنا لا أقول ذلك فحسب لأهون على نفسي، هذا يحدث حقيقة. أنت تعلم بأن هذا يحدث فعلاً يا الله. أوه يا الله أبعدني عن ذلك الهاتف. أبعدني. دعني أملك بعض الكبرياء. أظن بأني سأحتاج إليه يا الله. أظن بأنه سيكون كل ما أملك.

أوه، وما ذا يهم الكبرياء عندما لا أستطيع أن أحتمل الامتناع عن التحدث إليه؟ الكبرياء بهذا الشكل سخف، أمر صغير تافه. الكبرياء الحقيقي، الكبرياء الكبير هو ألا يكون لديك كبرياء. أنا لا أقول ذلك فقط لأني أريد أن أتصل به. أنا لن أفعل، هذا حقيقة، أعرف أنها حقيقة. سأكون كبيرة. سأكون أكبر من مجرد كبرياء صغير.

أرجوك يا الله امنعني من الاتصال به، أرجوك يا الله.

لا أرى ما يفيد الكبرياء في ذلك. هذا مجرد أمر صغير، ماذا سأفيد من الكبرياء، ماذا سأفيد بإثارة هذه الضجة من حوله. ربما أسأت فهمه. ربما طلب مني أن أتصل به عند الخامسة.” اتصلي بي عند الخامسة، عزيزتي.” ربما قال ذلك، جيداً جداً. ربما لم أسمعه بشكل صحيح.” اتصلي بي عند الخامسة يا عزيزتي.” أنا واثقة بأن هذا ما قاله. يا إلهي لا تجعلني أتحدث بهذه الطريقة مع نفسي. دعني أعرف أرجوك، دعني أعرف.

سأفكر بشيء آخر. سأجلس بهدوء تام. إذا استطعت أن أجلس بهدوء. يا ليتني أستطيع الجلوس هادئة. ربما يمكنني القراءة. أوه، كل الكتب تحكي عن أناس يحبون بعضهم بصدق وبعذوبة. ما الذي يريدون من كتابة أشياء عن ذلك؟  ألا يعرفون أنها ليست حقيقة؟ ألا يعرفون بأنها كذبة، إنها كذبة لعينة؟ ما الذي يجعلهم يروون عن ذلك في حين أنهم يعرفون كم يتسبب بالألم؟ عليهم اللعنة، عليهم اللعنة، عليهم اللعنة.

لن أفعل. سأكون هادئة. هو ليس أمراً يستدعي الهياج. انظر، لنفترض أنه كان شخصاً لا أعرفه معرفة جيدة. لنفترض أنه فتاة أخرى. حينها كنت سأتصل وأقول،” حسناً بحق الله ما الذي حدث لك؟” هذا ما سأفعله ولن أفكر بالأمر. لم لا يمكنني أن أكون طبيعية وغير متكلفة فقط لأني أحبه؟ يمكنني أن أكون، صدقاً يمكنني. سأتصل به وأكون رفيقة جداً وسارَّة. انظر إذا لم أفعل، يا الله، أوه لا تدعني أتصل به، لا، لا، لا.

إلهي، ألن تجعله حقاً يتصل بي؟ هل أنت واثق يا إلهي؟ ألا يمكنك أن ترق أرجوك؟ ألا يمكنك؟ أنا لا أطلب منك أن تدعه يتصل بي في هذه اللحظة يا الله، فقط دعه يفعل خلال وقت قصير. سأعد خمسمائة حتى الخامسة. سأفعل ببطء شديد وبوضوح شديد. إذا لم يتصل حينها، سأتصل به. سأفعل. أوه أرجوك يا عزيزي الله، عزيزي الله الطيب، يا أبتي المقدس في السماوات دعه يتصل قبل ذلك الحين، أرجوك يا الله، أرجوك.

خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون.

http://biblioklept.org/2015/07/24/a-telephone-call-dorothy-parker/

دوروثي باركر ( 22/8/1893-7/6/1967)  شاعرة أمريكية ، كاتبة قصة قصيرة، وناقدة .

دوروثي باركر ( 22/8/1893-7/6/1967)  شاعرة أمريكية ، كاتبة قصة قصيرة، وناقدة .

ملاحظة: جيمس سالتر،1925-2015

salter_young

ملاحظة: جيمس سالتر،1925-2015

نيك بومجارتن.

توفي جيمس سالتر يوم الجمعة عن تسعين عاماً أتمها قبل تسعة أيام من وفاته. ” بطريقة ما حل عيد الميلاد هذه السنة بسرعة أكبر مما كنت أتوقع،” قال مصرحاً لمجلة Stern الألمانية التي نوهت به باعتباره مؤلف أكثر الكتب مبيعاً وهذا لم تفعله أغلب نعواتنا.” توقعت أن تطول ثمانينياتي أكثر. قد أقول بأني رجل منهك بما يفوق معظم التوقعات، لكني مثل الجميع لا يزال عندي أمل.”

احتفل بعيد ميلاده السبت الماضي في ساج هاربر شرق لونج آيلاند في منزل ماريا ماتيسن أرملة بيتر ماتيسن الذي توفي السنة الماضية.” شربنا معاً قدراً كبيراً أحياناً،” كتب سالتر متذكراً.” لقد هرمنا.” كان عشاءاً جمع زهاء عشرين شخصاً من الأصدقاء، كتب لي أحدهم ليلة الجمعة،” بدا معافى وفي غاية السعادة مرتدياً بزته المصنوعة من قماش الكتان الأبيض التي لا يرتديها إلا في ليال صيفية مميزة.  كان حاداً كالورد البري وخفيف الروح في عرفانه لكل ما قيل خطابات. كان مفعماً بالحيوية بشكل خاص لاحقاً إزاء هدية قدمها شخص ما: رواية ميلفيل “بيلي بود، البحار” إصدار عام 1946. بدا متفائلاً إلى حد كبير تلك الليلة بأن يطول عمره قليلاً على الأرض.”

بعد مضي أقل من أسبوع أصيب بنوبة قلبية قاتلة في النادي الرياضي. بدت الأنباء على غير ماهو متوقع منها، مثل واحد من تلك التحولات التي تخطف الأنفاس في رائعته “سنوات ضوئية” أو عمله الأخير “كل ما هنالك”. امتدت كلاً من الروايتين على مدى عقود في تصوير لحيوات عادية تتناثر عليها ضربات القدر. سالتر ولو أنه مقدر بالدرجة الأولى باعتباره نحات للعبارات، ربما كان فريداً في موهبته وذائقته للتعبير عن قسوة مرور الزمن (تخطر في بالي أليس مونرو أيضاً). أصدقاء، محار، مارتيني، كتان أبيض، أمل، نباهة، وسحر: كان خبيراً العيش الطيب ووصفه على حد سواء، لكنه ربما كان خبيراً على نحو مضاعف في إيصال لا دوامية كل أشكال الحياة على الإطلاق. لم تكن حياته عادية. تخرج من أكاديمية ويست بوينت العسكرية، طياراً مقاتلاً، محارباً في الحرب الكورية، مخرجاً سينمائياً، وكاتب سيناريو، رياضياً، مبارزاً بالسيف، رجلاً لعوباً في الخارج-الإنسان إنسان أولاً والكاتب كاتب لاحقاً. غير أن العمل كان رقيقاً وقارياً إلى حد كبير، ربما أكثر صرامة من الرجل الذي ألفه، لكن خجول إلى حد ما.

ولد باسم هورويتز واختار سالتر. عندما كنت أعمل على ملف عنه منذ سنتين قال لي أن أول مرة توصل فيها لاسم مستعار كانت بهدف إخفاء هويته عن زملائه من طيارين وضباط في القوى الجوية الذين كان يكرسهم في قصصه القصيرة المبكرة ورواياته.

“كتبت قائمة طويلة من الأسماء، وبعضها كان غريباً تماماً. فكرت، لا تسترسل هنا، اختر شيئاً بسيطاً لا يستجلب الكثير من الانتباه فقط. واستعملته لهذا السبب. كان اعتباطياً ولا أظنه كان خياراً عظيماً.” قال.

سألته فيما إذا كان يعتبر نفسه كاتباً يهودياً.

” حسناً، حاولت ألا أكون،” قال.” هذا كان واحداً من طموحاتي. هناك الكثير منهم. وبالتأكيد، لم يكن لأولى الكتب التي ألفتها علاقة بهذا. في الواقع الكتاب الثالث لم يكن له علاقة أيضاً.” كان الكتابان الأولان عن القوى الجوية، وعمله الثالث الأشهر والساحر ربما ” رياضة وتسلية،” عن علاقة غرامية تجمع منفي أمريكي وبائعة فرنسية.

كان متواضعاً لكن واثقاً من مواهبه، قلقاً لكن هادئاً فيما يخص شهرته، وبطريقة ما رصيناً ومتدفقاً حول تأثيراته. عندما سألته عن فكرته بشأن مصدر أسلوبه أجاب،” من يدري.” ومع ذلك أحب الحديث عن كتابه المفضلين وما تعلمه منهم. غير أن الموهبة هي الموهبة.” نوعاً ما هي السبيل الذي يجعل أناساً بعينهم قادرين على التماشي مع اللحن ويتعذر على غيرهم فعل ذلك،” قال. “بعض الناس يمكنهم الحفاظ على كلمة نغمية، إذا صح التعبير، بخلاف البعض الآخر. وفوق كل شيء بعض الناس يمكنهم رواية قصة، وآخرون لا يمكنهم ذلك. لا يسمعون تلك النقطة حيث لا بد لشيء آخر أن يأتي. هذه موهبة عادية يمكنك أن تسمعها في أي بار. أنت تجلس هناك مصغياً، وهي قصة ممتازة رويتها للتو، أو رواها للتو. وشخص آخر يقص واحدة ويتوه عقلك. تنتظر أن تقاطع. ما هذا؟ لا يعني أنها ليست مثيرة للاهتمام. ليس موضوع وراثة أو أي شيء. حسبه ذلك الشيء الصغير مثل التماشي مع اللحن.

بالرغم من أهميته ومن معجبيه، تمكن في نهاية المطاف طوال فترة تجاهله النقدي والتجاري السابقة، أن يخلف وراءه أعمالاً قوية جداً -روايتان من المحتمل أن تكونا خالدتين (“سنوات ضوئية” و “ورياضة وتسلية”) بالإضافة الى أفضل الروايات الأميركية عن تسلق الجبال “وجوه مفردة” وقتال الطائرات ” الصيادون “والعديد من القصص القصيرة التي لا تنسى وسيرة ذاتية استثنائية “حريق الأيام” وأيضاً كتاب ممتاز ومميز كتبه مع زوجته كاي عن الطعام “الحياة وجبات”. نشرت روايته الأخيرة “كل ما هنالك،” قبل بلوغه عامه الثامن والثمانين، كانت وداعاً فريداً وفخماً، جلبت له أخيراً الاهتمام الذي لطالما استحقه واشتهاه على الصعيدين التجاري والنقدي. كان باختصار مؤلفاً لأفضل الكتب مبيعاً.

جرى لقائي به للمرة الأولى عام 1992 بعد قراءة مقالته ” حياة التزلج” في مجلة Outside وصادفت وصفه لموت عمتي ميتا بوردن إثر انهيار ثلجي في آسبن. خلال السنتين التاليتين جرت بيننا بعض الاتصالات والمراسلات الإلكترونية فيما يخص أعمال المجلة والتزلج، بعدئذٍ قرأت أخيراً “سنوات مضيئة”. تحت التأثير النضر لتنبهها لقصر الحياة، ذهبت لزيارته في منزل كاي في بريدج هامبنتون أحد فصح عام 2012. رفض تلميحي حول تأسيسه شخصية بطلة سنوات مضيئة ندرا، الأنانية والمغوية عن شخصية عمتي. بحلول فصل الشتاء التالي أمضيت عدة أيام في منزله في آسبن وأجريت مقابلة معه من أجل الملف وحينها أخبرني أن الشخصية التي كانت المصدر الحقيقي لندرا هي امرأة تدعى باربرا روزينثال، صديقة وجارة عرفها بداية الستينات في مقاطعة بوتنام، نيويورك، بعد أن ترك القوى الجوية ليتفرغ للكتابة الأدبية. كتب مرة: ” تمضي الحياة على الصفحات كما تمضي في أي مكان، ليس لديها مكان آخر تقصده. على الأقل سيكون للصفحات بعض الديمومة.”

http://www.newyorker.com/books/page-turner/postscript-james-salter-1925-2015

هايكو-ريتشارد رايت

richard-wright-and-haiku

هايكو-ريتشارد رايت

1

احزمي أمرك أيتها الحلزونة!

نصفك داخل منزلك،

ونصف خارجه!

2

فلتغادر حالاً أيها العث،

سأطفئ الضوء

وأذهب للنوم.

3

حسناً، يا عصافير الدوري،

غربت الشمس وبوسعك الآن

أن تكفي عن الزقزقة!

4

عطسة الكلب العنيفة

تفشل في إثارة ذبابة واحدة

على ظهره الأجرب.

5

في صباحات الشتاء

تكشف الشمعة عن آثار شاحبة

لأسنان الجرذان.

6

بأنف مرتعش

يقرأ كلب برقية

على جذع شجرة رطب.

7

شباك العناكب

تدبق على وجهي المتعرق

في الغابات المتربة.

8

نصل سكين دام

لعقته قطة

إبان نحر خنزير.

9

في الثلج النادف

فتى ضاحك يمد راحتيه

حتى يغطيهما البياض.

10

زهرة ماغنوليا

تدلت على أخرى

في العشب المبلل بالندى.

11

مع الشمس الآفلة،

تنشق بطيخة خضراء

والعصير يسيل.

12

ريشة دوري

على شوكة سلك صدئ

في الحر القائظ.

13

مطر ثلجي ليلاً

يطيِّب اللفت المنتفخ

بنكهة مميزة.

14

أكوام الكرز الأسود

تتلألأ بقطرات المطر

في شمس المساء.

15

النهار طويل جداً

حتى عصافير الدوري الصاخبة

ران عليها صمت غريب.

16

يبدأ الربيع حيياً

بدبوس من عشب أخضر

في أصيص زهرة.

17

مغادراً عشه،

الدوري يغط هنيهةً،

ثم يفرد جناحيه.

18

مثل صنارة صيد،

ظل زهرة عباد الشمس الطويل

يحوم في البحيرة.

19

في الشمس الآفلة،

براعم الشجرة تتضيق سريعاً

لتجفف قطرات المطر.

20

سرعان ما تتلاشى،

قطرات مطر الصيف الأولى

على باب خشبي قديم.

21

طار الغراب سريعاً جداً

مخلفاً نعيبه الوحيد

وراءه في الحقول.

22

تنتحب وتبكي،

أوتار إوزة شجية

مارة بمقبرة.

23

ذات مساء خريفي

يدخل غريب قرية

ويخرج منها.

24

دوري جريح

يغط في ماء بحيرة بارد صاف،

بعينين مفتوحتين.

25

بين الزهور

ساعة خزفية تتكتك

في غرفة الميت.

26

بسخط

فتاة صغيرة تصفع دميتها-،

صوت مطر الخريف.

27

قبعة الفزاعة القديمة

تطوحها رياح الشتاء

في مقبرة.

28

قادماً من الغابات،

ثور وغصن ليلك

يتدلى من قرنه.

29

ضوء القمر الصيفي

يومض على كير الحداد

ويبرد حمر الجمرات.

30

كل أجراس المدينة

ترن رنيناً صاخباً منتصف هذه الليلة،

مخيفة السنة الجديدة!

31

ما من طائر يطير،

أوراق الشجرة ساكنة سكون حجر-

في مساء خريفي.

32

في سقيفة الحطب القديمة

رؤوس الكتل الجليدية الطويلة

تشحذ الريح.

33

صبية صغار يقذفون

أحجاراً على فزاعة آثم

في حقل مغطى بالثلج.

34

منتصباً بصبر،

يقيم الحصان لندف الثلج

بيتاً على ظهره.

35

متخبطاً طوال اليوم،

ينام البحر البارد الآن نوماً عميقاً

على سرير النجوم.

36

غابة ربيعية صامتة:

يفتح غراب منقاره الحاد

ويخلق سماء.

37

صياح ديك ثاقب

يقود نجوم فجر الربيع

بعيداً عن السماء.

38

من ناطحة سحاب،

الشوارع النشطة تميل جميعها

نحو بحر الربيع.

39

وأنا أحرث الأرض،

تزور غرباني جميعها

مزرعة مجاورة.

40

لابد أن قمر الربيع ذاك،

شديد الصفرة وبالغ الهشاشة،

سيتصدع عند غيمة!

41

حاملة مطر كثيراً،

زهرة التوليب تنحني وتسكبه،

ثم تستقيم مجدداً.

42

مثل نار متفشية،

تقفز الزهور من شجرة إلى شجرة

في ربيع متوهج.

43

الرعد المباغت

أجفل الماغنوليا

فابيضت من شدة الشحوب.

44

مغادراً عيادة الطبيب،

يبدو العالم أجمع مختلفاً

في هذا الصباح الخريفي.

45

كدت أنسى

أن أعلق قمر الخريف

على الجبل.

46

; فاحت برائحة الورود

لكن عندما أضأت المصباح،

كانت بنفسجاً.

47

صباح جليدي:

تركت قليلاً من جلدي

على عصا المكنسة.

48

سماء الربيع شديدة الصفاء

تخال أنها تشف عن

الغد.

49

ريح ربيعية منعشة

تذكرني بشيء

لا أستطيع استحضاره.

50

أشعر بمطر الخريف

يحاول أن يشرح شيئاً

لست راغب بمعرفته.

51

سيرك على شاطئ البحيرة:

فيل يرتعش

يلوّح في مياه زرقاء.

52

وهي تخلع ثيابها،

يمس قمر الربيع نهديها

لسبع ثوان.

53

فواق الرضيع

يخمد وأزيز ذباب

يملأ الغرفة المشمسة.

54

رجل ذو أرجل كالأوتاد

يتجول في الحديقة،

مشذباً الزهور.

55

أول يوم من أيام الربيع:

تسرح الخادمة شعرها الأشقر

تسريحة جديدة.

56

قرية في وادٍ

رابضة في قبضة ضوء القمر

كم هي وحيدة.

57

في مطر ربيعي خفيف

عجوز تبصق

في منديل.

58

فأرة ميتة تعوم

على وجه دلو ممتلئ بالقشدة

في ضوء فجر ربيعي.

59

في هذه الغرفة المستأجرة

يقف شتاء آخر خارج

لوح نافذتي الزجاجي المتسخ.

60

سيجارتي تتوهج

دون أن تمسها شفتاي

نسمة ربيعية ركينة.

61

ترسو على شاشة

صالة سينما مزدحمة،

فراشة بيضاء.

62

فراش مرض فارغ:

مخدة بيضاء مجعدة.

في شمس شتاء واهية.

63

بينما الغربان تنعق،

نباتات الخشخاش بإخلاص

تزيد أحمرها دكنةً.

64

امرأة بدينة عارية

تقف عند موقد المطبخ،

تتذوق عصير التفاح.

65

غاسلة الملابس

تصبغ حوض الماء بالأزرق-،

رياح الربيع المشمسة!

66

في صالون الحلاقة

نتن الصابون والشعر-،

يوم صيفي حار!

67

العشب الأخضر الخشن

عالق في الشعر السميك الصوفي

لرأس الصبي الأسود.

68

أدفع الإيجار

عن القملة في غرفتي الباردة

وضوء القمر أيضاً.

69

أدخل بلدتي

والثلج يندف مدراراً،

أشعر بأني غريب.

70

لقد تهت

في بلدة غريبة ليلاً-،

سماء مضاءة بنجوم باردة قديمة.

71

محبوس في صندوق الثلج،

جدجد يسقسق ناعساً

في شتاء غريب.

72

واصل السيرة بمحاذاة هذا الحاجز،

ثم استدر يميناً حيث ستجد

شجرة دراق مزهرة.

tumblr_lnj0k0ktCN1qczy2h

فرار أبي الأخير-برونو شولز.

 

حدث ذلك في الفترة المتأخرة والبائسة من تمزق كلي، إبَّان سدادنا لديون عملنا. رفعت اللافتة التي تعلو متجرنا، أنزلت المصاريع إلى المنتصف، وكانت أمي في المتجر تعمل بتجارة الآثار غير المشروعة. سافرت آديلا إلى أمريكا وسرت شائعة عن غرق المركب الذي أبحرت على متنه وعن هلاك جميع ركابه. لم نستطع التأكد منها، لكن فقدنا كل أثر للفتاة ولم نسمع عنها مجدداً أبداً. بدأت حقبة جديدة فارغة رصينة وكئيبة، مثل صفحة ورق بيضاء. كانت جينيا المستخدمة الجديدة، تعاني من فقر الدم، شاحبة وضعيفة ترتحل بين الغرف. تتلوى عندما يربت أحد على ظهرها وتتمدد مثل أفعى، أو تخرخر مثل قطة. بشرتها بيضاء باهتة اللون وحتى بطانة جفنيها كان لونها أبيض. كانت شديدة الذهول حتى أنها صنعت أحياناً صلصة بيضاء من رسائل وفواتير قديمة: كانت مثيرة للغثيان وغير صالحة للأكل.

كان أبي حينئذٍ ميتاً بلا شك. حدث أن احتضر مرات عدة، لطالما ترافقت بشكوك دعتنا لإعادة النظر في موقفنا إزاء حادثة الوفاة. وكان لهذا مزاياه. جعلنا أبي نألف موته بتجزئته إلى دفعات. تدريجياً لم نعد نبالي بعودته-التي كانت تزداد قصراً وتعاسة في كل مرة. كانت قسماته قد تفرقت في أنحاء الغرفة التي عاش ونشأ فيها، مبتكرة في بعض الأماكن صوراً غريبة من التشابهات كانت معبرة إلى حد بعيد. بدأ ورق الجدران في عدة أماكن يحاكي عِرَّته العصبية الاعتيادية، رتبت تصاميم الزهور نفسها على شكل ابتسامته الكئيب متناظرة مع النقش المتحجر لحيوان مفصلي منقرض. لفترة من الوقت منحنا مساحة واسعة لمعطفه المصنوع من الفراء المبطن بجلود الظربان. فاحت رائحة المعطف المصنوع من الفراء. عبر به ذعر الحيوانات الصغيرة المدروزة معاً، يتشبث واحدها بالآخر، في تيارات بائسة وضاع في طيات الفراء. إذا ما قرب المرء أذناً منه قد يسمع تناغم خرخرة نوم الحيوانات الشجية. صمد أبي سنوات عديدة في هذا الشكل المدبوغ جيداً وسط الرائحة الخفيفة للظربان، القتل، والتزاوج الليلي. لكنه لم يدم.

.

عادت أمي ذات يوم من البلدة مغتمةً. “انظر يا جوزيف،” قالت،” يا للصدفة السعيدة. أمسكت به على الدرج يقفز من درجة إلى أخرى”-ورفعت المنديل الذي يغطي شيئاً في طبق. تعرفت إليه في الحال. كان التشابه صادماً بالرغم من أنه كان حينها سرطاناً أو عقرباً كبيراً. تبادلت وأمي النظرات: كان التشابه لا يصدق بالرغم من الانمساخ.” هل هو حي؟” سألت.” بالتأكيد. بالكاد يمكنني الإمساك به،” قالت أمي.” سأضعه على الأرض.” وضعت الطبق أرضاً، وانحنينا عليه وراقبناه عن كثب. كان يوجد مكان مجوف بين قوائمه العديدة المقوسة التي كان يحركها بخفة.

بدت ملاقطه المرفوعة ومجساته تصيخ السمع، أملتُ الطبق وسار أبي على الأرض باحتراس وبشيء من التردد. وحالما مسَّ السطح المستو تحته، انطلق فجأة بجميع قوائمه في حين أصدرت مفاصله صوت طقطقة. أعقته فتعثر متحققاً من العقبة بمجساته ثم رفع ملاقطه واستدار يركض جانباً، لم يكن في الاتجاه الذي اختاره أثاث ليتخذ منه ملجأ، فوصل إلى الجدار يجري في نخعات متموجة على قوائمه المتعددة وقبل أن نتمكن من إيقافه ركض برشاقة متسلقاً إياه دون أن يتوقف في أي مكان، نفرت مرتجفاً بشكل غريزي وأنا أراقب تقدمه على ورق الجدران. في هذه الأثناء بلغ أبي خزانة صغيرة في المطبخ، تعلق للحظة بحافتها مختبراً المجال بملاقطه، ثم دخلها زاحفاً.

كان يعيد استكشاف الشقة من وجهة نظر سرطان، يظهر أنه تحسس جميع الأشياء بواسطة حاسته الشمية فبالرغم من تفحص دقيق لم أجد أي عضو بصري عنده. بدا أنه يراعي الأشياء التي تعترض طريقه بحذر، متوقفاً ليتحسسها بمجساته ثم يحتضانها بملاقطه كما لو ليختبرها ويتعرف عليها، ليتركها بعد حين ويواصل سيره جاراً جوفه وراءه يعلو الأرض بقليل، وهذا ما فعله مع قطع الخبز واللحم التي كنا نرميها له على الأرض آملين أن يأكلها، كان يتفحصها لا مبالياً ويواصل السير غير عارف بأنها صالحة للأكل.

قد يستنتج المرء من خلال مراقبته لهذا الاستطلاع الصبور للغرفة أنه يبحث بحثاً حثيثاً عن شيء ودونما كلل. يجري من حين لآخر نحو زاوية المطبخ، زاحفاً تحت برميل الماء الذي كان يرشح ويشرب من بركة صغيرة. اختفى لأيام متواصلة أحياناً. بدا أنه يتدبر أمره تماماً بغير طعام، لكن هذا لم يبد أنه يقلل من حيويته. بمزيج من العار والاشمئزاز أخفينا نهاراً خوفنا السري من زيارته لسريرنا ليلاً. لكن هذا لم يحدث أبداً بالرغم من أنه قد يتجول في النهارات على الأثاث إلا أنه أعجب بشكل خاص بالبقاء في الفراغات بين الخزائن والجدار.

لم نستطع أن نغضَّ الطرف عن عدة مظاهر من تفكير وحس دعابة أيضاً. فعلى سبيل المثال لم يتلكأ أبي أبداً عن الظهور في غرفة الطعام أثناء الوجبات بالرغم من أن مشاركته فيها كانت بحت رمزية. إذا صودف أن كان باب غرفة الطعام مغلقاً خلال تناول وجبة العشاء، وقد ترك في الغرفة المجاورة، خربش أسفل الباب يجري جيئة وذهاباً على طول الفرجة حتى نفتحه له. تعلم مع الوقت كيف يدخل ملاقطه وقوائمه من فرجة الباب السفلية وبعد عدة مناورات متقنة نجح أخيراً في دس جسده خلالها جانبياً ليدخل غرفة الطعام. هذا بدا سبباً لمتعته. ثم بعد ذلك سيتوقف تحت الطاولة مستلقياً بهدوء بجوف ينبض قليلاً، ولم نستطع تصور ما قد تعنيه هذه النبضات الايقاعية. ومع أنها بدت فاحشة وخبيثة لكنها عبرت في نفس الوقت عن ارتياح شامل وشهواني. كان كلبنا نمرود يقترب منه ببطء ودون اقتناع، يشتمه باحتراس ويعطس ثم يبتعد بغير اكتراث من غير أن يتوصل إلى أي استنتاج.

كان التثبيط في عائلتنا يتنامى في هذه الأثناء. تنام جينيا طوال اليوم يموج جسدها النحيل الضعيف مع أنفاسها العميقة. غالباً ما كنا نجد في الحساء بكرات قطنية رمتها دون تفكير مع الخضار. كان متجرنا مفتوحاً ليل نهار دون توقف. تواصل عمليات البيع في خضم مساومات معقدة ومباحثات.  توج ذلك كله مجيء العم تشارلز للإقامة.

كان مكتئباً وصامتاً على نحو غريب. أعلن متنهداً عن قراره بتغيير طريقة عيشه بعد تجاربه الأخيرة التعسة وتكريس نفسه لدراسة اللغات. لم يخرج مطلقاً بل ظل حبيس الغرفة القصية وقد أزالت جينيا منها جميع السجاجيد والستائر إذ لم يستسغ زائرنا وجودها. أمضى وقته في قراءة قوائم أسعار قديمة. حاول عدة مرات بوحشية أن يطأ أبي. طلبنا منه صارخين هلعاً أن يكف عن ذلك. فيما بعد اكتفى بابتسامة ساخرة لنفسه، في حين كان أبي يتسكع ويتفحص بعض البقع على الأرض غير مدرك للخطر الذي يحدق به.

أبي السريع والمتنقل كما عهده عندما كان يقف على قدميه، تقاسم سمات جميع القشريات فعندما كان ينقلب على ظهره يتجمد جموداً شديداً، ستشعر بالحزن والشفقة إذا ما رأيته وهو يحرك جميع قوائمه ويدور حول محوره بعجز. كنا نجبر أنفسنا بصعوبة على النظر إلى آلية تركيبه البنيوي اللافتة والمخجلة إلى حد ما، المكشوفة تماماً تحت البطن الممفصل الأجرد. في مثل تلك اللحظات لم يكن بوسع العم تشارلز كبح جماح نفسه عن أن يطأ أبي إلا لماماً، وكنا نهرع لإنقاذه ببعض الأشياء التي في متناول اليد، فيتشبث بها بملاقطه ويستعيد سريعاً وقفته المعتادة، بعدئذ، في الحال، يشرع بجري خفيف متعرج، بسرعة مضاعفة كما لو أنه راغب بإلغاء ذكرى سقطته القبيحة.

يتعين عليَّ إرغام نفسي على رواية المأثرة التي لا تصدق رواية صادقة، التي لا زالت ذاكرتي تنتفض بسببها حتى الآن. إلى هذا اليوم لم أستطع فهم تحولنا إلى جناة عمداً. لا بد أن فاجعة غريبة أفضت بنا إلى ذلك إ لأن القدر لا يتفادى الوعي أو الإرادة بل يجتاحهما في آليته، بحيث نكون قادرين على الاعتراف والقبول بأمور-كما لو في غيبوبة منومة-كانت لتملأنا رعباً في ظل ظروف طبيعية.

بارتعاش شديد سألت أمي يائساً مراراً وتكراراً، ” كيف أمكنك فعل ذلك؟ يا ليتها كانت جينيا من أقدم على ذلك-لكن أنت بنفسك؟” انتحبت أمي مقلبة راحتيها ولم تجد جواباً. هل فكرت أن أبي سيكون أفضل حالاً؟ هل رأت في عملها الحل الوحيد لحالة ميؤوس منها، أو أنها أقدمت على ذلك بخفة وطيش لا يمكن تخيله؟ عندما يختار القدر أن يفرض علينا أهواءه اللا معقولة، لديه ألف مكيدة. تعتيم مؤقت، لحظة سهو أو عمى كاف ليدس عمل نفسه عندما يتوجب الاختيار بين أمرين أحلاهما مر. بعد ذلك تأملنا طويلاً بإدراك متأخر ذلك الفعل شارحين دوافعنا، محاولين اكتشاف نوايانا الحقيقية، لكن ما فعلناه لا يمكن الرجوع عنه.

عندما جُلب أبي على طبق ثبنا إلى رشدنا وفهمنا تماماً ما حدث.  تمدد عريضاً ومنفوخاً بعد سلقه، رمادياً شاحباً وقد صار هلامياً. جلسنا في صمت وذهول. وحده العم تشارلز رفع شوكته نحو الطبق لكن وضعها من فوره متردداً ينظر نحونا شزراً. أمرت أمي بحمله إلى غرفة الجلوس. فيما بعد وضع هناك على طاولة مغطاة بمفرش مخملي، بجانب ألبوم صور العائلة وصندوق سجائر موسيقي. معرضين عنه جميعاً، وضع هناك فقط.

لكن جولات والدي الأرضية لم تكن قد وصلت إلى منتهاها بعد، والدفعة التالية-يتجاوز نطاق القصة الحدود المباحة-هي الأكثر إيلاماً على الإطلاق. لماذا لم يستسلم، لماذا لم يعترف بهزيمته عندما كانت لديه أسباب الاعتراف جميعها، وعندما لم يعد بوسع القدر أن يوغل في إزعاجه مطلقاً أيضاً؟ بعد عدة أسابيع من السكون في غرفة الجلوس، استجمع قواه بطريقة ما وبدا أنه يتعافى ببطء. ذات صباح وجدنا الطبق فارغاً. قائمة ملقاة على حافته، انتشرت آثار فراره في صلصة طماطم متخثرة وهلام. وبالرغم من أنه كان مسلوقاً تتناثر قوائمه على الطريق، جر نفسه بما بقي من قوته إلى مكان ما كي يبدأ تجوالاً شريداً ولم نره مجدداً.

ترجمتها عن البولندية سيلينا فينيسكا.

ترجمتها عن الانجليزية: أماني لازار.

تاريخ الصين غير المرئي: مقابلة مع الفنان والمخرج السينمائي هاو جي.

أجرى اللقاء إيان جونسون

على الرغم من عدم عرض أعماله في الصين عروضاً جماهيرية، إلا أن هاو جي واحد من المخرجين الصينين اللافتين.  اشتهر بثلاثيته الوثائقية عن الصين الماوية، وتشتمل على فيلم “البحث عن روح لين جاو” عام 2004 الذي يروي القصة الأسطورية المعاصرة عن شابة مسيحية قتلت تحت التعذيب لرفضها التراجع عن انتقاداتها للحزب أثناء حملة مكافحة اليمينيين عام 1957،” مع أني رحلت” عام 2007 عن مدَّرسة تعرضت للضرب حتى الموت على أيدي طلابها في مطلع الثورة الثقافية عام 1960 إثر محاولتها فضح مجاعة القفزة الكبرى التي قتلت ما يزيد عن 30 مليون نفساً. أنتج هاو في الآونة الأخيرة وهو يبلغ من العمر سبعة وخمسين عاماً سلسلة لافتة من الرسوم المنقوشة على الخشب عن المجاعة معتمداً على رسومات رسمها خلال مقابلات أجراها لصالح فيلم “شرارة”. كان من المفترض عرضها في تيانجين السنة الماضية لكن لاعتبارها مثيرة للجدل إلى حد بعيد تم إلغاء المعرض.

إيان جونسون: لابد أنك تعاني صعوبة في إنتاج أفلامك. بالنظر إلى ندرة التسجيلات البصرية لهذه الأحداث. هل هناك أي لقطات تاريخية للمجاعة العظمى؟

هاو جي: لا، على الإطلاق. فقد كان المزارعون الصينيون مدقعي الفقر. كما كانوا يعيشون في عزلة، مجردين من أي وسيلة تمكنهم من تسجيل مصائرهم.

كيف تدبرت الأمر خلال عملك على فيلم spark؟

راجعت الكثير من السجلات، فقد شعرت بضرورتها من أجل التصوير، وإلا سأكون عرضة للمساءلة القانونية. لا يتكلم الموتى لكن يمكن لسجلاتهم على الأقل أن تروي القصص. أعتقد أن الوثائق بالغة القوة. لابد من جانب فني للأفلام الوثائقية لكن ينبغي أن يكون الأمر الرئيسي واقعياً. من الجيد بالتأكيد أن تملك تسجيلات بصرية لكن في هذه الحالة كان الأمر مستحيلاً.

يحكي فيلم “سبارك” عن مجلة أسسها أربعة طلاب حاولوا توثيق المجاعة التي شاهدوا أحداثها تدور من حولهم. تدبروا أمر إصدار بضع نسخ فقط قبل أن يتم إيقافهم. كيف اكتشفت أمرها؟

قيل لي عن هذه المجلة أثناء العمل على فيلم لين جاو. وتمكنت أخيراً من الحصول على العددين الوحيدين الصادرين وأجريت لقاءات مع الناجين. كان الأمر رهيباً لأن الناس لم يكونوا على علم بسبب وفاة أقربائهم. ظن رجل أن والده كان معادياً للثورة وهذا ما تسبب بإعدامه في مظاهرة حاشدة. كان يشعر بالخزي وهو يحدثني. لم يكن يعرف أنه كان يملك الشجاعة للوقوف والتحدث علناً ضد المجاعة. لقد ساند الطلبة لكن الابن لم يدرك ذلك.

هل تأثرت بالكتب الحديثة حول المجاعة، من مثل “شاهدة قبر” ليانغ جي شينغ؟

لم أكن على علم به في البداية. وسمعت لاحقاً عن تأليفه لهذا الكتاب فذهبت لزيارته وأجريت مقابلة معه. قدم لي الكثير من الإرشادات والتوجيهات.

كيف نشأ اهتمامك بصنع أفلام عن أحداث على هذا القدر من الحساسية؟ روى فيلمك السابق، “البحث عن روح لين جاو” في عام 2004 قصة امرأة اضطهدت أثناء فترة تطهير اليمينيين التي سبقت المجاعة الكبرى.

لم نتعلم – نحن أبناء جيلي-في المدرسة الابتدائية عن الحركة المناهضة لليمين وفي المدرسة الإعدادية تعلمنا القليل جداً. لم يكن هناك كتب منشورة تتحدث عنها. لم نفهم شيئاً عن الحركة المناهضة لليمين أو عن المجاعة الكبرى. عندما اطلعت على هذه المواد وتحدثت مع زملاء لين جاو، كانوا في كل مرة يحدثوني بأشياء تصيبني بالصدمة وأدركت أن كل ما عرفته عن التاريخ تم اخفاؤه، وأن الرواية الرسمية للتاريخ لم تكن سوى مجرد لغو. فشعرت بضرورة خروج هذه الكلمات الحقيقية للعلن. انتهيت بعد أربع سنوات لكن لم أعرضه إلا على بعض الأصدقاء من مثل تسوى وى بينغ، دينغ دونغ، يو جي، ليو شياو بو. وقد ساعدوني في بعض الأمور.

وحينها جاء فيلم “ولو أني رحلت”، عن قتل بيان زونجين خلال أحداث الثورة الثقافية من قبل فتيات ونخبة مدرسة بكين الثانوية حيث كانت تُدَّرس.

عندما أنهيت فيلم لين جاو شعرت فجأة بأن كثراً كانوا يصنعون الأفلام الوثائقية، لكنهم كانوا شباناً ولم يكن عدداً كبيراً منهم يصنع أفلاماً تاريخية. لذا فكرت أن عليَّ مواصلة صنع هذا النوع من الأفلام. أنا أكبر سناً بقليل من الآخرين لذا كان الأمر أكثر سهولة إلى حد ما بالنسبة لي لأني أملك بعض الذكريات عن الماضي، وعن أحداث مثل الثورة الثقافية. رأيت كل ذلك بأم عيني عندما كنت صغيراً: القتال، ضرب الناس، القتل، جلسات النضال. ففكرت أني سأستمر. كان مقتل بيان زونجين الخطوة المنطقية التالية.

متبوعاً بفيلم “الشرارة” (يترجم أحياناً إلى “جمرات متقدة”)، الذي فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان الأفلام الوثائقية المستقلة في تايوان السنة الماضية. صدمتني طريقتك في جعل المشاهد تتوالى ببطء. أنت تأخذنا إلى أماكن يتجلى فيها التاريخ، ترينا وثائق وتتحدث إلى الناجين والشهود وتمر ببطء على الناس.

شاهدت فيلم Shoah لكلود لانزمان عدة مرات. لكني شاهدت الكثير من الأفلام الأجنبية، يعود الفضل للأقراص المضغوطة لا سيما المقرصن منها. تعلمت الكثير عن الأساليب من خلال مشاهدة هذه الأفلام.

woodcut-crowd_jpg_600x1134_q85

لننظر إلى بعض نقوشك عن سلسلة المجاعة الكبرى. في هذه الصورة يظهر ثنائي يطوف في السماء.

الأرض جرداء قاحلة. لكنهما يطيران. تصعد أرواحهما نحو السماوات. هو هذيان تقريباً. يشبه الأمر “غداً سيكون جميلاً” لدى الحزب الشيوعي، لكنهم يموتون جوعاً.

famine-flying-woodcut_jpg_600x1165_q85

هل هذه الصور مستمدة جميعها من قصص معينة؟

نعم. كلها من لقاءات أثناء تصوير فيلم سبارك. تأثرت أيضاً بقصص حدثني بها صديق اسمه يي وا عاشت عائلته فترة المجاعة وهاجرت إلى أميركا. بعض الصور مستمدة من تجاربه.

تشير بعض النقوش إلى قواعد معينة ولوائح جعلت المجاعة أكثر سوءاً.

على سبيل المثال، كان الهرب من مناطق القحط مخالفاً للقانون. واعتبر الهاربون ” مجرمون مطلوبون.” عندما التقيت بالناس قالوا إنه في كل مكان كان هناك لافتات تحذر من هذا الفعل.

نفذت أيضاً سلسلة سميت “نحن”. بعض هذه الصور أكثر تفاؤلاً. هذه الصورة تظهر طفلاً يرفع بصره.

إنها تظهر شارعاً ستعبره سيارات قادة الحزب. الجميع ينكسون رؤوسهم لكن طفلاً ينظر عالياً. في الواقع أظن أن جميع أعمالي تنطوي على الأمل. هناك دوماً شخص ما لا يُسَّلم بالرواية الرسمية.

لماذا تستعمل وسيلة الطباعة على الخشب؟ إنها تذكرني بالثلاثينيات وبالفنانين الألمان مثل كيتي كولويتز أو الفنانين الصينين الذين استعملوها حينها أيضاً.

نعم، هم فنانون كانوا على علاقة وثيقة بحياة الناس العاديين اليومية. اعتقد الكاتب لو زيون أن هذه ستكون وسيلة جيدة لإظهار الحياة الواقعية وأيد الطباعة الخشبية. في النقش على الخشب وضوح يضعك مباشرة في تماس مع الأحداث.

أشعر أن فن هذه الأيام المعاصرة يسلك مسلكاً شديد الغرابة. إنه قادر على الاندماج بالعالم ولاسيما مع الفن الغربي، لكنه أبعد نفسه عن الصين. تخاطب الأشياء التي يتم إنتاجها اليوم المجاميع الغربية لكنها غير ذات صلة بالصين أو بالفن الصيني أيضاً. ليس في نيتي انتقاد الفنانين. إنهم يسعون للفن لكنهم لا يفعلون شيئاً يتصل بالواقع.

ولدت عام 1958 عندما كانت المجاعة على وشك أن تبدأ تماماً. تمكنت من الإفلات من أسوأ ما فيها لأن والدك كان عسكرياً، لكن كان للثورة الثقافية التي بدأت عام 1966 تأثير مباشر عليك وكنت في الثامنة من عمرك.

بداية كانت المدارس مغلقة ثم عندما أعادوا افتتاحها لم نتعلم شيئاً. كانت الأيام مزدحمة بجلسات النضال، التظاهرات، اجتماعات التنديد، وأشياء من هذا القبيل. لم تكن عائلتنا تنتمي إلى طبقة صالحة كثيراً وغالباً ما كان على أمي الذهاب للإدلاء بنقدها الذاتي. كانت طبيبة ويتوجب عليها الذهاب إلى المصانع ومعالجة المرضى فلا تعود إلا في وقت متأخر جداً. لم تعتن بنا فعلياً. كان أبي جندياً ولم يتواجد في البيت. توجب عليَّ الاعتناء بكثير من الأمور لأني كنت الأكبر سناً، ووقعت على عاتقي مهمة العناية بأختين لي أصغر سناً مني.

إذن استؤنف تعليمك فقط من مرحلة الدراسة الإعدادية؟

نعم، لكنا لم نتعلم شيئاً في واقع الأمر. لم نتعلم – أنا ومن هم في مثل عمري شيئاً في المدرسة بشكل جوهري.  تعلمت أن أكون مكافحاً من ناحية أخرى. في شبابي كان عليَّ أن أربي الدجاج، الإوز، الخراف-حتى لو كنا نعيش في المدينة. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لكسب المال. تعلمت كيف أعتني بنفسي. كان الأولاد يتشاجرون كثيراً وكان ينتهي بي الأمر غالباً بأنف دام ووجه متورم.

من أين أتى اهتمامك بالسينما والفنون؟ أفترض أن اطلاعك عليها كان قليلاً بالنظر إلى نشأتك وسط مثل هذا الاضطراب.

التحقت بكلية آداب جيش التحرير الشعبي في بكين بين عامي 1989 و 1991. كان لتعرفي على مشهد بكين الأدبي وعلى قدرة الفن على التعبير عن المشاكل الاجتماعية أثر كبير علي. حدث هذا تماماً بعد الرابع من حزيران وكان المجتمع كئيباً حينها. ولم يكن من أحد هناك يتكلم بصراحة كبيرة. لكن تبادلت الأفكار مع هؤلاء الفنانين وتعلمت أشياء جديدة.

بعد أن غادرت جيش التحرير الشعبي الصيني عام 1992 بدأت تجوالك الطويل في الصين. عشت في منطقة القصر الصيفي القديمة وبدأت بعملك السينمائي.

حينها لم يكن عدد صناع الأفلام الوثائقية كبيراً. في حقيقة الأمر لم يكن هناك أحد تقريباً. ولم يكن بمقدورك أن تجد كتاباً عن كيفية صنع أفلام وثائقية. شعرت بجدية خطورة المشاكل في المجتمع، لكن الإعلام لم يكن يبث سوى البروباجندا. كان هناك هوَّة. فكرت حينها: لم لا يقول هؤلاء الصحفيون الحقيقة؟ ثم فكرت لم لا تحاول أنت قول شيء حقيقي؟ عاد صديق من اليابان ومعه كاميرا سوبر 8 مم فاشتريتها. وهكذا سافرت بصحبة كاميرا ذاهباً إلى شنغهاي، ذهبت إلى ماينز، وصورت كثيراً. كان كل شيء شعبياً، جلست مع أناس فقراء جداً ولا يملكون شيئاً.

حينها عملت لوقت قصير لصالح وكالة الأنباء الرسمية شينجوا.

كان عملاً ممتعاً. تم التعاقد معي لصنع أفلام وثائقية قصيرة. يمكنك أن تصور المسؤولين الفاسدين ممن تم إيقافهم للتو والذهاب إلى السجن لإجراء اللقاءات معهم. فتحوا لي قلوبهم باكين منتحبين. مرة أرسلوني للقاء مختار قرية. تعرض أمين سر الحزب في القرية للضرب على يد بلطجية طالبين منه تنفيذ أوامرهم. رأيت أموراً من هذا القبيل. لكن حينها أعتقد أنهم علموا بأني كنت أصور أشياء أخرى لحسابي وطلب مني المغادرة.

هذا كان بسبب فيلم لين جاو؟

لم أدع أحداً يعرف يوماً بأني أصور الفيلم. عرفت من خلال عملي في شينجوا كيف ترغب الحكومة بالمحافظة على الأسرار، ولا ترغب بأن يعرف عامة الناس أموراً من هذا القبيل. لكني شعرت أن الأمر على قدر كبير من الأهمية. في الصين في ذلك الحين لم يجرؤ أحد على قول شيء، لكن شخص واحد فعل. كان الجميع خائفين من الموت باستثناء واحداً. شعرت عندما كنت أعمل على فيلم لين جاو، وألتقي بالناس، أني لم أكن أعرف التاريخ الذي درسته.

ما مدى صعوبة العمل في صناعة الأفلام الوثائقية؟

أنا لا أقبل مالاً أبداً من أي شخص، لا سيما من الأجانب. كسبت بعض المال من الجوائز. الشرطة شديدة الوضوح في هذه الناحية. لا تتلقى أموالاً من الآخرين. لكن الشرطة تعرف كل شيء. يعرفون كل حركة من تحركاتك. يتصلون بي ويقولون” أستاذ هاو، إلى أين أنت ذاهب؟ يمكننا أن نوصلك.” يتصلون أحياناً بشكل مباشر ويطلبون من الناس ألا يلتقوا بي.

كيف تشعر إزاء عدم عرض أفلامك في الصين؟ هل من فائدة ترجى إذا كان الجمهور الصيني لا يستطيع مشاهدتها؟

هناك فائدة لأنك إذا لم تعمل على تسجيلها سيموت هؤلاء الناس ولن يدري أحد بقصصهم. لن يعرف أحد أبداً بها. بالتأكيد لن ترويها الحكومة، إذا لم يفعل الناس ذلك، سيموت هؤلاء وستموت قصصهم معهم. على سبيل المثال، مات ما يزيد عن اثني عشر شخصاً ممن صورتهم لقصة لين جاو. من ناحية أخرى هي أنه خلال هذه الحقبة المريرة، العنيفة، الأكثر هولاً، لا يزال الناس يفكرون بما كان يجري. لم يهابوا الموت. ماتوا سراً، ونحن أبناء الأجيال التالية لا نعرف شيئاً عن بطولتهم. أظن أنها مسألة أخلاقية. لقد ماتوا من أجلنا. مأساة إذا كنا لا نعرف هذا. عندما كنت أصور فيلم Spark، حكم على واحد ممن أيدوا المجلة سابقاً بالسجن مدة ثمانية عشر عاماً وشتم القضاة قائلاً إن للمحكمة رائحة الموت. ألا يشمونها؟ الموت جوعاً. أشعر بأننا إن لم نفهم تاريخ أشخاص على هذا القدر من الشجاعة فلسوف يختفي.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/may/27/chinas-invisible-history-hu-jie

قصص لا نستطيع رؤيتها-تيم باركس.

عن النيويورك ريفيو أوف بوكس

411el4VMDpL._SY344_BO1,204,203,200_

يطرح بيتر مندلسند في كتابه الجديد الآسر والمفرح هذا السؤال: ” ما الذي نراه عندما نقرأ (عدا الكلمات على الصفحة)؟”  أو على نحو أكثر دقة ” ما الذي نتصوره في عقولنا؟”.

هل نرى آنا كارنينا بعينيها الرماديتين المتألقتين تحت أهدابها الكثيفة وابتسامتها الشاحبة وشفاهها الحمراء، أو يوريا هيب بعينيه الحمراوين وشعره الأحمر ومنخريه المثقوبين وسبابته الضامرة؟ أو القبطان آهاب الذي” يبدو مثل رجل أنزل عن وتد الإعدام حرقاً، عندما باكتساح أتت النار على جميع الأطراف دون أن تلتهمها؟” بالتأكيد يبدو هذا نابضاً بالحياة بما يكفي. لكن هل نراه؟

مندلسند على يقين من أن القراء يعرفون سلفاً أو يظن أنهم يعرفون الجواب على هذا السؤال.  يقول لنا ويحسب على امتداد صفحات كتابه “ما نراه عندما نقرأ” أن هذه التجربة متشابهة عند الجميع تقريباً: ” عندما نتذكر تجربة قراءة كتاب نتخيل انبساطاً مستمراً للصور.” و” ينبغي علينا عندما نقرأ أن نصدق أننا نرى كل شيء.” مجدداً.

يبدو أن لنا مصلحة شخصية في افتراض أهليتنا لتصور شريط متصل من الأحداث في رواية أو في واقع الأمر، أحداث تجربتنا السابقة، إلى درجة أننا نجد” عدم مقدرتنا على تلخيص العالم في نسخة مطابقة أمر مخيف ومربك.” لابد أن نمتلك العالم بصرياً في عقولنا.

استثمر مندلسند وهو المدير الفني في دار knopf للنشر ومصمم أغلفة الكتب المحترم جداً-في كل ما هو بصري ويبدو أحياناً أنه يعتقد أن البصري جزء لا يتجزأ من القراءة ودليل على قدراتنا القرائية. يقول متحدثاً عن عبور القارئ من الكتب المصورة للأطفال حتى الروايات للكبار:” أتساءل إذا ما كنا بحاجة إلى وقت إضافي كي نتعلم كيف نتصور النصوص السردية دون مساعدة.” من سخرية القدر أن الجانب الأقل نجاحاً من كتابه هو استعماله التطفلي “للدعم” البصري. عندما يتحدث مندلسند عن التوقيت المرتبط بالوصف الأدبي، مسألة أن الروائي قد يخفي سمة من سمات الشخصية على مدى صفحات-أمر لا يمكن للفيلم بسهولة أن يفعله وسوف يستدركه القراء في الحال-يضع لنا صورة لساعة رقمية. أنه تشتيت واستعراض أكثر من كونه ” رسماً توضيحياً”.

المشكلة هي أننا نجد تجربة القراءة لدى النظر فيها عن كثب أكثر تعقيداً وأقل بصرية مما هو مفترض عموماً، أو مما يفترض مندلسند أنه مفترض عموماً. واحدة من متع كتابه هي في صدقه وتشوشه عند اكتشاف أن كل ما يبديه من أهمية لعملية التصور يتفكك بسرعة تحت الضغط. يخلص إلى أننا لا نرى فعلاً شخصيات مثل آنا كارنينا أو القبطان آهاب، أو الأماكن الفعلية الموصوفة في الروايات وبقدر ما نراها ربما أو نلمحها، فإن ما نراه هو ما تخيلناه، وليس ما رآه الكاتب. حتى بوجود رسوم توضيحية كما في العديد من روايات القرن التاسع عشر، فهي تفرض رؤيتها للشخصيات بشكل شديد الإيجاز ليس إلا.  تصبح في عدد لاحق من الصفحات مائعة ومبهمة كما هي الذاكرة البصرية. عند حد معين يثبت مندلسند فكرة أننا ربما لا نقرأ رغبة في أن نكون تحت رحمة البصري بل رغبة في عدم الرؤية.

إذن ما الذي نراه عندما نقرأ؟ بالتأكيد الصفحة أولاً ثم الكلمات المطبوعة عليها. لن تكون أي” صورة” لدينا للشخصيات أو الأماكن حسية أبداً بقدر الحاضر المستمر غير القابل للشك، مثل الكتاب الورقي أو القارئ الالكتروني نفسه. في غضون ذلك للشخصيات والأماكن المقدمة لنا في أجزاء غير مترابطة-أنف له شكل ما، شعر على نحو ما، وشاح، عرج، تكشيرة-وللعملية التي يقر بها مندلسند علاقة كبيرة مع الذكريات بحيث نتوصل إلى انطباع فحواه أننا نعرف هذا الشخص وهذه الأماكن.” رجل في الخامسة والأربعين من العمر،” يقول أورويل عن الأخ الأكبر، “بشارب كثيف أسود وملامح وسيمة صارمة، “ويكفينا أن ننتقي الرجل من بين رجال الشرطة. ليس عليك سوى أن تجد الرجل الشبيه بستالين.

إذن قابلية الإدراك هامة. يقول الروائي “ابتسامة صفراء” ونحن على يقين من معرفتنا ما تعنيه ابتسامة صفراء لأننا ربطنا تلك الكلمات بابتسامة شخص ما في الماضي. لكن هل نتصور أو نتخيل هذه الابتسامة؟ لا يستند مندلسند في الحقيقة أبداً على هذه الكلمات-تصور، تخيل-التي ليس لها نظائر في حواس أخرى على نحو مستغرب. لا يوجد كلمة مقابلة لإنعاشنا المتعمد لأصوات أو روائح أو لمسات أو طعوم في رؤوسنا، كما لو أنه مسلَّم عموماً أن ذكريات تجارب هذه الحواس الأخرى هي سلبية أكثر في حين يمكننا بصرياً أن نعيد بناء التجربة بشكل نشط.

لكن هل بوسعنا؟ لو كنت أفكر بمن أعرفهم، بل بهؤلاء المقربين إلي أيضاً، فليس هناك علاقة بين الانطباع المبهم الذي أملكه عن وجوههم، أجسادهم، مشيتهم مع كثافة حضورهم الواقعي المباشرة وصلابته. قد ” يومضون على تلك العين الداخلية،” كما ومضت زهور النرجس في حالة الشاعر وردورث في لحظات شديدة المباغتة من قبيل صدى لحضورها لكنه أمر ليس بمقدوري التحكم به فهو مؤقت ولا يمكن الحفاظ عليه. ذاكرتنا البصرية في الغالب هي انتظار شعوري لظهور الشخص المجهول: نقف عند بوابة الوصول في مطار نفكر بابن أو ابنة عائدين إلى الوطن. هم في عقولنا بشكل مبهم ينتظرون أن يتم التعرف إليهم حتى يصيروا واقعيين. لكننا لم نرهم بعد.

بطريقة عادية جداً قد نقف عند شريط تجميع الأمتعة نراقب الحقائب اللانهائية وهي تتشقلب على الحبل. واضعين في عقولنا فكرة ظليلة عن حقيبتنا. ثم فجأة نجدها هناك وينقطع فعل التصور. ربما ندرك أن الحقيبة ليست كما تذكرناها تماماً. هناك ثلاثة سحابات أو اثنين. أو على الأقل هذا ما اختبرته. وعندما أقرأ لا أرى جانباً كبيراً من الشخصيات والأماكن بما يكفي لأتعرف إليهم حال ظهورهم. وهذا سبب انزعاجنا عندما نرى الفيلم المقتبس عن كتاب عندما لا يشبه الممثلون الأشخاص الذين يفترض أننا نعرفهم.

عموماً كما يؤكد مندلسند، يعتمد فعل التصور والكفاح لرؤية ما ليس حاضراً إلى حد كبير على علم دلالات الألفاظ وعلى الكلمات. إنه شفوي بقدر ما هو بصري. إذا ما كنت جالساً في منتزه بمحاذاة نهر مغلق العينين أحاول تصور المشهد قائلاً لنفسي، نهر، أشجار، مقاعد، ساعياً للربط فيما بينها بعلاقة مع أن أي فكرة قد أبنيها في عقلي لن تضاهي الحضور الكثيف للمشهد عندما أفتح عيني من جديد. ببساطة شديدة نحن لا نملك العالم على نحو بصري في عقولنا. وإذا لم يكن هناك كلمة موازية لكلمةـ “تصور” بالنسبة لحواس أخرى فهذا عائد ربما إلى أن إعادة بناء التجارب الحسية الأخرى أكثر صعوبة شفوياً: قد نصف رائحة بأنها شذية، حمضية أو قد نلفظ الاسم الذي أطلقناه عليها كالمسك، الخزامى لكن لا يمكننا تجميعها تدريجياً كما قد نفعل مع شجرة، التفكير بالجذع، اللحاء، الأغصان، الأوراق إلخ. وقد تعود إلينا رائحة قديمة تكاد تكون منسية بكثافة شديدة لكن من الصعب أن نستدعيها إرادياً بل من الصعب أن نتحايل على أنفسنا كي نصدق أن بمقدورنا استدعاءها.

يقول مندلسند أن ” ممارسة القراءة تبدو مثل الوعي نفسه وهي كذلك: ناقصة، مجتزأة، غامضة، إبداعية تشاركية.” يبدو لي هذا مدهشاً. ليس وعيي بما يحيط بي غامضاً ولا مجتزأ على الإطلاق. فيما أنا أكتب الآن، شاشة، أصابع، لوحة مفاتيح، والغرفة كلها شديدة الحضور وحقيقية بشكل رائع، على الأقل طالما لا تزال عيناي مفتوحتين. ربما يقصد مندلسند أن تجربتنا ونحن نقرأ أو في تذكر ما قرأنا تبدو مثل فهمنا العادي لكل ما هو ليس حاضراً بشكل مباشر بالنسبة لنا، الأماكن والناس الذين نحاول تخيلهم عندما نكون بعيدين عنهم. عملية القراءة تنشط نماذج تجربة سابقة لتخلق قصصاً جديدة، ذكريات مستعارة في عقولنا.

لكن إذا لم نتصور الناس والأماكن الذين نقرأ عنهم في الروايات فعلاً فما هي وظيفة الوصف الأدبي؟ مقتبساً قول نابوكوف عن ديكينز و” تخيلاته الحسية بحدة،” يضع مندلسند هذه الأسطر من “المنزل الكئيب”: ” عندما سطعت الشمس من بين الغيوم جاعلة البرك الفضية في بحر داكن..” ورد نابوكوف المتحمس: ” تعرض هذه البرك الفضية في البحر الداكن ما لحظه ديكينز لأول مرة بعين فنان حقيقي بريئة وحسية، رأى وصاغها من فوره في كلمات.”

مندلسند غير مقتنع. تحث خصوصية الصورة إدراكنا وتقنعنا أن الكاتب منصت لعالم نعرفه ونتقاسمه.  لكن لا تجعلنا نرى حقيقة. ما لم يشر إليه أحد هو أن ديكنز يقدم لنا شخصيات رئيسة دوماً -ديفيد كوبرفيلد، بيب في الآمال الكبيرة-يتذبذب مزاجها بين الاكتئاب اليائس والبهجة الصافية وأن هذه حالات مستدعاة بشكل متكرر من خلال إشارات للطقس والطبيعة. الوصف جزء من مخطط عاطفي، ما يسميه مندلسند “لعبة العناصر “. تعني شيئاً آخر غير محتواها البصري.

على وجه العموم الأوصاف مستعملة حرفياً في صوت وجزء من سحر شفوي كلي، “الدخول في النشيد”-هذا في الواقع ما لا يناقشه مندلسند أبداً في كتابه والذي يمثل بالنسبة لي على الأقل التجربة المركزية عندما نقرأ الأدب الجيد. هنا فقرة يقتبسها من كتاب هاكلبيري فين. تُظهر الجمل بين أقواس معقوفة بعض الكلمات التي يغفلها مندلسند:

أول ما نراه ونحن نجيل النظر على صفحة المياه خيط باهت اللون- تلك هي الغابات على الضفة الأخرى،ليس بوسعك أن تلحظ شيئاً آخر، ثم موضع شاحب في السماء، ثم شحوب أكبر ينتشر في الأرجاء، ثم يخف تلوث النهر فلم يعد أسود اللون بل رمادي،] قد ترى بقعاً داكنة صغيرة تنجرف على طوله في البعيد- قوارب تجارية وما شابه و أشرطة سوداء طويلة-أطواف[،قد تسمع أحياناً صرير مجداف كبير، أو خليط أصوات خامد جداً وأصوات لا تزال مسموعة حتى الآن، و شيئاً فشيئاً ترى شريطاً على المياه تعرف من هيئته أن جذع شجرة يعيقه في التيار السريع ويجعل ذلك الشريط يبدو بتلك الهيئة، وترى سحب الضباب تلتف مبتعدة عن المياه، و يحمر الشرق والنهر و تلحظ كوخاً خشبياً في طرف الغابة البعيد على ضفة النهر الأخرى.

يعلق مندلسند قائلاً أن تجميع التفاصيل في فقرة لا يساعد على ” رؤية كل شيء”: ” رأيت الخط الباهت ثم الشحوب المنتشر ثم سمعت صريراً ثم أصوات ثم رأيت ..” يقول إن للفقرة قوة بلاغية وليس قدرة بصرية اندماجية. إنه على حق بشأن البلاغة لكن من الغريب أنه يصور هذا على أنه محبط. في حين يبدو لي انتصاراً. أمامنا وصف لانجراف في نهر حيث تتوالى الأشياء متتابعة وليس جميعها دفعة واحدة (يحسم الجزء الذي يغفله ذلك). ونحن نقرأه ندخل صوت هاك المميزو يقظته الجادة وقلقه الدائم من أن النهر سيطرح ثمة مفاجأة تعيسة: ينشأ ترقب بالغ (تتواصل الفقرة على مدى صفحات) على منوال يذكرنا بأن الخيال بدأ في تقليد شفوي للصوت الفاتن، الصوت الذي يجيز لنا أن نلهو بالوهم إذ رأينا أشياء لم نرها وسمعنا أموراً لم نسمعها وفي مشاركة عامة في تجربة شخص لم نلتق به من قبل إلا من خلال هذه الكلمات المبهرة على الصفحة التي هي كل ما نراه حقيقة عندما نقرأ.

كتاب بيتر مندلسند” ما الذي نراه عندما نقرأ” إصدار Vintage..

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2015/may/05/stories-we-cant-see/

aat_f2

الحياة، الحياة-أرسيني تاركوفسكي

لا أؤمن بالنحس ولا تخيفني

الهواجس. لا أتفادى الوشاية

ولا السم. الموت غير موجود.

الكل خالد. وكل الأشياء كذلك.

لا جدوى من خشية الموت في عمر السابعة عشرة،

ولا في السبعين. ليس سوى هنا والآن، والضوء،

لا الموت موجود ولا الظلمات.

نحن الآن جميعاً على شاطئ البحر،

أنا واحد من أولئك الذين سيسحبون الشباك

عندما يعوم فوج الخلود بمحاذاتها.”

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

the heart beats on

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

اداچيو

الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 396 متابعون آخرين