Feeds:
تدوينات
تعليقات

1_21082009_13458_nicanorparradibam550x290

ثمان ثوانٍ مع نيكانور بارا- روبيرتو بولانيو.

هناك أمر وحيد فقط في وسعي أن أقوله بثقة عن شعر نيكانور بارا في هذا القرن الجديد: سوف يدوم. هذا يعني القليل جداً، بالتأكيد، وقد يكون بارا أول من يعترف. مع ذلك، سوف يدوم، جنباً إلى جنب مع شعر بورخيس، باييخو، ثيرنودا وقلة آخرين. لكن يتعين القول إن هذا لا يهم إلا بالكاد.

رهان بارا، سبره للمستقبل، معقد كثيراً ومن الصعب شرحه هنا. وقاتم للغاية. إنه يتملك ظلمة الحركة. الممثل الذي يتحدث أو يومئ، مهما يكن، مرئي تماماً. ملامحه، زخارفه، الرموز التي ترافقه مثل أورام، مألوفة: إنه الشاعر الذي ينام جالساً في كرسي، زير النساء الذي يضيع في مقبرة، المحاضر الذي يشد شعره حتى يقتلعه، الشجاع الذي يجرؤ على التبول جاثياً، المتعبد الذي يراقب ارتحال السنين، الإحصائي المتفجع. لقراءة بارا، من الجدير طرح السؤال الذي يطرحه هو بنفسه والذي يطرحه علينا فيتغنشتاين: هل هذه اليد يداً أم ليست كذلك؟ (يجب أن يطرح السؤال والمرء محدق في يده.)

أتساءل من سيكتب الكتاب الذي خطط له بارا ولم يكتبه أبداً: تاريخ الحرب العالمية الثانية مروياً أو مغنى معركة معركة، معسكر اعتقال فمعسكر اعتقال، بشكل كامل، قصيدة التي تصبح بشكل من الأشكال النقيض الفوري لقصيدة نيرودا “النشيد العام” و التي يحفظ منها بارا نصاً واحداً، “المانيفستو”، يشرح فيه عقيدته الشعرية، عقيدة بارا نفسه تجاهلها كلما استدعى الأمر ذلك، من بين أشياء أخرى لأن هذا بالضبط سبب وجود العقائد: لتمنح إحساساً غامضاً بالأراضي غير المكتشفة التي نحوها يتجه المرء و نادراً ما تنتقي الكتاب الواقعيين. عندما يتعلق الأمر بالمخاطر والمهالك المادية، العقائد لا تهم كثيراً.

دع الشجعان يتبعون بارا. الشجعان هم الشبان فقط، أنقياء القلوب هم الشبان فقط. لكن بارا لا يكتب نظماً صبيانياً. بارا لا يكتب عن النقاء. بل يكتب عن الألم والوحدة، عن التحديات غير الضرورية والضرورية، عن كلمات حتم عليها أن تفترق عن بعضها تماماً عندما تحتم على القبيلة أن تفترق. بارا يكتب كما لو أنه سوف يقتل بالصدمة الكهربائية في الغد. وعلى حد علمي، كان الشاعر المكسيكي ماريو سانتياغو الوحيد الذي امتلك فهماً واضحاً لعمله. أما بقيتنا حسبنا أنا لمحنا شهباً داكناً. أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

في رحلة الشاعر هناك لحظات يكون مضطراً فيها للارتجال. لعله يكون قادراً على إلقاء شعر جونثالو دي بيرثيو من الذاكرة ولعله على معرفة خبيرة بسباعيات جارثيلاسو واثني عشرياته، لكن هناك لحظات كل ما يمكنه فعله فيها هو رمي نفسه في الهاوية أو الوقوف عارياً أمام رهط من التشيليين المهذبين ظاهرياً. بطبيعة الحال، على المرء أن يعلم كيف يتقبل العواقب.  أول مطلب للعمل الفني المميز: أن يمر مرور الكرام.

ملاحظة سياسية: بارا تمكن من البقاء على قيد الحياة. هذا ليس بالكثير، لكنه شيء يذكر. لقد عاش بعد اليسار التشيلي، مع قناعاته اليمينة العميقة، واليمين التشيلي النازي الجديد متحدي الذاكرة، لقد عاش بعد اليسار اللاتين-أميركي الستاليني الجديد واليمين اللاتين -أميركي، المعولم الآن والشريك الصامت في القمع والإبادة الجماعية حتى عهد قريب. لقد عاش من بعد الأساتذة اللاتين -أميركيين من أنصاف المواهب الذين احتشدوا عند حرم الجامعات الأميركية والموتى الأحياء(الزومبي) الذين ترنحوا عبر قرية سانتياغو. لقد بقي حياً أيضاً من بعد أتباعه. وقد أذهب أبعد من ذلك-ربما تسوقني الحماسة-وأقول إن بارا، جنباً إلى جنب مع رفاقه (فيوليتا في مقدمتهم) وأسلافه الرابيللين[1]، حققوا واحداً من أعظم الأهداف الشعرية على الإطلاق: إنفاد الجماهير صبرها.

أبيات اختيرت بشكل عشوائي: “من الخطأ أن نظن بأن النجوم يمكن أن تساعد في شفاء السرطان،” قال بارا. وهو على حق.” فيما يتعلق بالعدم، أذكرك بأن الروح خالدة،” قال بارا وهو على حق ثانية. ويمكننا أن نمضي على هذا المنوال حتى تفرغ الغرفة. مع ذلك أذكركم، بأن بارا نحات أيضاً. أو فنان بصري. هذه التفاسير عديمة الفائدة تماماً. بارا ناقد أدبي أيضاً. لخص مرة تاريخ الأدب التشيلي بأكمله في ثلاثة سطور: ” شعراء تشيلي الأربعة العظام / ثلاثة:/ آلونسو دي إرثيا وروبن داريو.”

سيكون شعر العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين مخلوقاً هجيناً، كما سبق أن أصبح الأدب القصصي. ربما نتجه ببطء شديد نحو زلازل جديدة في الشكل. سيشهد أطفالنا في هذا المستقبل الملتبس، والشاعر نائم في كرسي ذو ذراعين، مجتمعاً إلى طاولة العمليات مع طائر الصحراء الأسود الذي يتغذى على طفيليات الإبل.  تحدث بريتون في مرحلة ما متأخرة من حياته، عن ضرورة ذهاب السريالية تحت الأرض، والنزول في مجارير المدن والمكتبات. ثم لم يتحدث أبداً عن الموضوع ثانية. لا يهم من قال إنَّ: زمن حط الرحال لن يأزف أبداً.

[1] نسبة إلى الكاتب الفرنسي الساخر فرانسوا رابليه.

 

الفارس-كارسن ماك كولرز.

001-CarsonMcCullers

الفارس-كارسن ماك كولرز[1]

وصل الفارس إلى مدخل غرفة الطعام، ثم بعد برهة من الوقت درج جانباً ووقف ساكناً، ظهره إلى الجدار. كانت الغرفة مزدحمة، فقد كان هذا اليوم ثالث أيام الموسم وجميع فنادق المنطقة ممتلئة. نثرت باقات من زهور شهر آب، في غرفة الطعام، بتلاتها على بياضات المائدة، وتناهت من البار المجاور اندفاعة من أصوات ثملة ودافئة. انتظر الفارس مسنداً ظهره إلى الجدار وتأمل الغرفة بعينين متضيقتين متغضنتين.

استطلع الغرفة حتى بلغت عيناه أخيراً طاولة في الركن الذي يقع قبالته قطرياً، كان يجلس إليها ثلاثة رجال. رفع الفارس ذقنه، وهو يراقب، وأمال رأسه إلى الخلف جانبياً، انقبض جسده المقزَّم، وتصلبت يداه فالتوت أصابعه نحو الداخل مثل مخالب رمادية.  متوتراً، راقب وانتظر على هذه الحال عند جدار غرفة الطعام.

كان يرتدي ذلك المساء بذلة خضراء اللون من الحرير الصيني، مفصلة بدقة وبحجم زيّ يناسب طفل. كان القميص أصفر اللون، وربطة العنق مخططة بألوان زاهية. لم يكن يحمل قبعة وكان شعر مقدمة رأسه مسرحاً باتجاه جبهته. كان وجهه منهكاً، فتياً، شاحباً، وهناك تجوّفين مظللين عند صدغيه، ارتسمت ابتسامة ضجرة على فمه. انتبه بعد حين إلى أن أحد الرجال الثلاث الذين كان يراقبهم رآه. لكن الفارس لم يومئ، حسبه أن زاد من ارتفاع ذقنه وعقف إبهام يده المشدودة في جيب معطفه.

كان الرجال الثلاث إلى طاولة الزاوية هم المدرب، وكيل المراهنات، ورجل ثري. كان سيلفستر المدرب –رجل ضخم البنية تقريباً له أنف متورد وعينان زرقاوان بليدتان. كان سيمونس وكيل المراهنات. أما الرجل الثري فقد كان يملك حصاناً يدعى سيلتزر، امتطاه الفارس ذلك الأصيل. شرب الرجال الثلاث الويسكي مع الصودا وجاءهم نادل يرتدي رداء أبيض بطبق العشاء الرئيس.

رأى سيلفستر الفارس أولاً. أشاح ببصره سريعاً، وضع كأس الويسكي، وهرس بعصبية أرنبة أنفه الحمراء بإبهامه. قال: “بتسي بارلو واقف هناك في الجهة الأخرى من الغرفة. يراقبنا”.

“أوه، الفارس”، قال الثري. كان بمواجهة الجدار فأدار رأسه نصف استدارة لينظر خلفه. “اطلب منه القدوم”.

“لا يا إلهي”، قال سيلفستر.

“إنه مجنون”، قال سيمونس. كان صوت وكيل المراهنات خفيضاً خالياً من النبرة. له وجه مقامر بالفطرة، يرتسم عليه تعبير مضبوط بدقة عن مأزق دائم، بين الخوف والجشع.

“حسناً، لم أكن لأدعوه بذلك تماماً”، قال سيلفستر. “عمر معرفتي به طويل. كان جيداً قبل ستة أشهر. لكن إذا استمر على هذا المنوال، لا يمكنني أن أراه يستمر سنة أخرى. لا يمكنني”.

“لقد كان بسبب ما حدث في ميامي”، قال سيمونس.

“ماذا”؟ سأل الثري.

رمق سيلفستر الفارس بنظرة عبر الغرفة وبلل زاوية فمه بلسانه الأحمر الممتلئ. “حادثة.  أصيب ولد على أرض الحلبة. كسرت ساقه ووركه. كان صديقاً مميزاً لبيتسي. إيرلندي.  ليس فارساً سيئاً أيضاً”

“هذا يدعو للأسف”، قال الثري.

“نعم. كانا صديقين مميزين”، قال سيلفستر. “كنت لتجده دوماً في غرفة بيتسي الفندقية. يلعبان الريمية (من ألعاب الورق) أو سواها من الألعاب، يقرآن معاً الصفحة الرياضية وهما مستلقيان على الأرض”.

“حسناً، تلك أشياء تحدث” قال الثري.

اقتطع سيمونس شريحة اللحم. أبقى أسنان شوكته موجهة نحو الطبق في الأسفل وكوم الفطر بنصل سكينه متأنياً. “إنه مجنون”، كرر. “يثير أعصابي”.

كانت جميع الطاولات في غرفة الطعام مشغولة. كانت تقام حفلة إلى طاولة الولائم في الوسط، وقد دخل فرَاش شهر آب بلونيه الأخضر والأبيض من الظلمة ورفرف حول لهب الشموع الجلي. عبرت فتاتان الغرفة ترتديان بنطالين واسعين من الصوف وسترتين، تمشيان ذراعاً بذراع، نحو البار. تناهت من الشارع الرئيس في الخارج أصداء هستيريا العطلة.

“يدَّعون أن ساراتوجا هي البلدة الأكثر ثراء في العالم فيما يخص نصيب الفرد الواحد في شهر آب.” التفت سيلفستر إلى الثري: “ما رأيك”؟

“لا يمكنني أن أعرف”، قال الثري. “قد يكون هذا جيداً جداً”

مسح سيمونس فمه الملوث بالدهن بطرف إصبعه على نحو جميل: “ماذا عن هوليوود؟ و وول ستريت-”

“انتظرا”، قال سيلفستر. “لقد قرر المجيء إلى هنا”.

غادر الفارس الجدار وكان يقترب من الطاولة في الزاوية. مشى بتبختر متكلف، يؤرجح ساقيه في نصف حلقة مع كل خطوة، ينهش كعباه السجادة المخملية الحمراء المفروشة على الأرض بحماس. وهو في طريقه حفَّ بمرفق امرأة بدينة ترتدي الساتان الأبيض تجلس إلى طاولة الولائم، تراجع وانحنى بكياسة متأنقة، عيناه مغلقتان تماماً. عندما عبر الغرفة جذب كرسياً وجلس إلى زاوية الطاولة، بين سيلفستر والثري، دون إيماءة تحية أو تغيير في قسمات وجهه الشاحب القاسي.

“هل تعشيت”؟ سأل سيلفستر.

“قد يسميه بعض الناس كذلك. “كان صوت الفارس عالياً، صافياً، ومريراً.

وضع سيلفستر سكينه وشوكته بتأنٍ على صحنه. بدَّل الثري جلسته، مستديراً جانبياً في كرسيه ومصالباً ساقيه. كان يرتدي بنطالاً من نسيج قطني مضلع خاصاً بالركوب، حذاءً غير ملمع، وسترة بنية رثة-هذا كان لباسه ليل نهار في موسم السباق، بالرغم من أنه لم يُر ممتطياً حصاناً مطلقاً. تابع سيمونس تناول عشاءه.

“مثل بقعة من بول سيلتزر”؟ سأل سيلفستر. “أو شيء من هذا القبيل”؟

لم يجب الفارس. سحب علبة سجائر ذهبية من جيبه ونترها. كانت تحتوي على بضع سجائر ومطواة صغيرة ذهبية. استعمل السكين لقطع السيجارة نصفين. عندما أشعلها رفع يده إلى نادل يمر بالطاولة: “كنتاكي بوربون، من فضلك”

“الآن، اسمع، يا ولد”، قال سيلفستر.

“لا تمازحني”.

“كن متزناً. أنت تعلم بأن عليك أن تتصرف باتزان”.

رفع الفارس زاوية فمه اليسرى في سخرية عسيرة. انخفضت عيناه نحو الطعام المفرود على الطاولة، لكنه رفع بصره مجدداً في الحال. كان طبق السمك قبالة الثري، مشوي مع صلصلة القشدة ومزين بالبقدونس. طلب سيلفستر البيض مع لحم الخنزير. كان هناك هليون، ذرة طازجة مع الزبد، وطبق جانبي فيه زيتون أسود ندي. كان طبق من البطاطا المقلية في زاوية الطاولة أمام الفارس. لم ينظر إلى الطعام ثانية، لكنه أبقى عينيه المتضيقتين على الزينة في وسط الطاولة، المكونة من أزهار الخزامى في أوج تفتحها. “لا أخال أنك تتذكر شخصاً يحمل اسم ماكجواير”، قال.

“الآن، اسمع”، قال سيلفستر.

جلب النادل الويسكي، وجلس الفارس يلاطف الكأس بيديه القاسيتي الجلد، القويتين، الصغيرتين. كانت تحيط بمعصمه إسورة ذهبية صلصلت على حافة الطاولة. بعد تدوير الكأس بين راحتيه، شرب الفارس الويسكي صرفةً في جرعتين شديدتين فجأة. وضع الكأس بحدة: “لا، لا أفترض بأن ذاكرتك بهذا الطول وهذه السعة”، قال.

“بالتأكيد، بيتسي”، قال سيلفستر. “ما الذي يجعلك تتصرف على هذا النحو؟ هل تسمع أخباراً عن الولد اليوم”؟

“تلقيت رسالة”، قال الفارس. “فك الشخص الذي نتحدث عنه الجبيرة يوم الأربعاء. ساق أقصر من الأخرى بإنشين. هذا كل شيء”.

طقطق سيلفستر بلسانه تعبيراً عن الاستهجان وهز رأسه: “أتفهَّم شعورك”.

“حقاً”؟ كان الفارس ينظر إلى الأطباق على الطاولة. عبرت تحديقته من طبق السمك إلى طبق الذرة، وتركزت أخيراً على طبق البطاطا المقلية. تضيق وجهه وسريعاً رفع بصره ثانية. تبعثرت زهرة والتقط إحدى البتلات، سحقها بين إبهامه وسبابته، ووضعها في فمه.

“حسناً، تلك أشياء تحدث”، قال الثري.

أنهى المدرب ووكيل المراهنات طعامهما، لكن كان يوجد بقايا طعام في أطباق التقديم قبالة صحنيهما. غمس الثري أصابعه الملوثة بالزبدة في كأس الماء وجففها بمنديله.

“حسناً”، قال الفارس.” ألا يريد أحدكم أن أمرر له شيئاً؟ أو ربما ترغبون بتكرار الطلب. قطعة أخرى من شريحة لحم البقر أيها السادة أو-”

“من فضلك”، قال سيلفستر. “تعقل.  لم لا تصعد إلى الأعلى”؟

“نعم لم لا أفعل”؟ قال الفارس.

ارتفع صوته المتكلف وكان فيه عواء الهستيريا الحاد.

“لم لا أصعد إلى غرفتي اللعينة وأتمشى وأكتب بعض الرسائل وأذهب إلى السرير مثل ولد صالح؟  لم لا-” دفع كرسيه إلى الخلف ونهض. “أوه، أياً يكن”، قال.” أي شيء لكم. أريد شراباً”

“كل ما يمكنني قوله هو إنه مأتمك،” قال سيلفستر.” أنت تعرف ماذا يفعله بك. تعرف ما فيه الكفاية”

عبر الفارس غرفة الطعام متوجهاً إلى البار. طلب مشروب مانهاتن، وراقبه سيلفستر واقفاً وكعباه مضغوطان معاً بإحكام، جسده متيبس كجسد جندي مصنوع من المعدن، يرفع بنصره من كأس المشروب ويرتشف الشراب ببطء.

“إنه مجنون”، قال سيمّونس. “كما قلت”.

التفت سيلفيستر إلى الثري: “إذا أكل قطعة اللحم، يمكنك أن ترى شكلها في معدته بعد ساعة. لم يعد في وسعه التخلص من الأشياء بعد الآن. إنه يزن مائة واثنا عشر ونصف.  لقد زاد وزنه ثلاثة باوندات منذ أن غادر ميامي”.

“لا يجب على الفارس أن يشرب”، قال الثري.

“لم يعد الطعام يرضيه كما عهده ولم يعد في وسعه التخلص منه. إذا أكل قطعة لحم، يمكنك أن تراها تبرز في معدته ولن يتخلص منها.”

أنهى الفارس شرابه. تجرعه، وسحق الكرز في قعر الكأس بإبهامه، ثم دفع الكأس بعيداً عنه. كانت الفتاتان في السترتين واقفتين إلى يساره، التفتتا بوجهيهما نحو بعضهما البعض، وعند الطرف الآخر للبار كان مستطلعان لأنباء السباق قد بدأا نقاشاً حول أي الجبال هو الأعلى في العالم. كان الجميع بصحبة شخص آخر، لم يكن هناك شخص يشرب وحيداً تلك الليلة.

دفع الفارس بورقة جديدة من فئة الخمسين دولار ولم يَعُدّ الفكة.

عاد إلى غرفة الطعام وإلى الطاولة التي كان يجلس إليها الرجال الثلاث، لكنه لم يجلس. “لا، أنا لا أجرؤ على التفكير بأن لذاكرتك هذه السعة”، قال. كان ضئيلاً جداً حتى أن حافة الطاولة وصلت إلى حزامه تقريباً، وعندما قبض على الزاوية بيديه النحيلتين لم يكن عليه الانحناء. “لا، أنت مشغول جداً بالتهام وجبات العشاء في غرف الطعام. أنت أيضاً-”

“صدقاً”، توسل سيلفستر.” عليك أن تتصرف بشكل عقلاني”

“عقلاني! عقلاني!” ارتعش وجه الفارس الشاحب، ثم ارتسمت عليه تكشيرة متجمدة وضيعة. هز الطاولة فصلصلت الصحون، وللحظة بدا بأنه قد يقلبها. لكنه توقف فجأة. امتدت يده نحو أقرب الأطباق إليه ووضع بتأنٍ بعض البطاطا المقلية في فمه.

مضغ ببطء، ارتفعت شفته العليا، ثم التفت وبصق اللقمة الطرية على السجادة الحمراء الناعمة المفروشة على الأرض. “فاسقون”، قال، وكان صوته رفيعاً وموهناً. كرر الكلمة مدمدماً، كما لو أن لها نكهة وكتلة أثلجت صدره.” أنتم فاسقون”، ردد ثانية، التفت وسار بمشيته المتبخترة المتصلبة وخرج من غرفة الطعام.

هزَّ سيلفستر أحد كتفيه الرخوين الجسيمين. مسح الرجل الثري بعض الماء الذي أريق على مفرش الطاولة، ولم ينبسوا بكلمة حتى جاء النادل لتنظيفه.

 

[1] روائية أميركية ولدت عام 1917 وتوفيت عام 1967، كتبت أيضاً القصة القصيرة، المسرحية، والمقالة.

 

أسفار بصحبة بول

آرثر برادفورد[1]

 

طردت من عملي بسبب تصرف طائش أحمق ارتكبته ما استدعى مغادرتي البلدة. حزمت أمتعتي بسرعة وحصلت على توصيلة برفقة واحد من معارفي كان متوجهاً نحو الغرب.  أقول “معارف” لأني لم ألتق به سوى مرة واحدة من قبل. كان إيرلندياً اسمه بول أومالي وهو من أقارب المرأة التي كنت على علاقة بها، أو ربما كانا عاشقين، هذا ما لم أعرفه على وجه الدقة. قدمته لي ذات ليلة في حانة بقولها،” هذا ابن عمي بول،” لكن نادراً ما كانت المسائل تتسم بالصدق بيني وبين تلك المرأة.

 

على أي حال، الخلاصة أن بول كان يعبر البلدة في طريقه إلى الساحل الغربي، وأعلن تلك الليلة في الحانة أنه سيغادر صباحاً. رأيته بعد أسبوعين من ذلك، فور طردي من ذلك العمل الذي حدثتكم عنه. كان يتجول وسط المدينة، يبدو عليه بعض الذهول والقلق.

 

” لم أنم منذ ثلاثة أيام،” قال لي.

 

” كنت أظنك ذاهباً نحو الغرب،” قلت.

 

” صحيح.”

 

” لكنك قلت إنك ستغادر منذ أسبوعين،”

 

” لقد بقيت. انتظر، أسبوعين؟ لم تمر كل هذه المدة الطويلة.”

 

” بلى.”

 

” أوه،” حكَّ بول رأسه. كان شعره خفيفاً في الأعلى. كان رجلاً نحيلاً طويل العنق وتفاحة آدم ضخمة تعلو وتهبط عندما يتكلم.  وكانت لحيته نابتة أيضاً، أو ربما كان يطيلها. شعر وجهه النامي كان عند ذلك الحد الأخرق المهلهل نوعاً ما.

 

” لقد طردت من عملي،” قلت لبول.” أود مغادرة البلدة.”

 

” هل تود مرافقتي؟ سأغادر غداً.”

 

أبهجت هذه الفكرة بول. صفق وفرك ذقنه الزغبة بكلتا يديه.

 

” بالتأكيد، نعم، موافق،” قلت.

 

” سنغادر في الصباح.”

 

“عظيم، ممتاز.”

 

غادرنا بعد يومين.  أقلَّني بول من منزلي، ولا يزال التعب والإرهاق باديين عليه.

 

” لم أستطع النوم،” قال.” لم أستطع إغلاق عيني.”

 

” ما خطبك؟” سألته.

 

” لا شيء. أرق. أنا بخير.”

 

” لا تبدو بخير.”

 

” حسناً، أشعر أني بخير،” قال.” لا يمكنني النوم فحسب.”

 

” اسمع، ” قلت له، ” لا أريد أي تسالٍ. يلزمني توصيلة للخروج من البلدة فقط.”

 

” بالتأكيد، صحيح، أفهم ذلك،” قال.

 

كانت سيارة بول صغيرة من نوع فورد هاتشباك. محشوة عن آخرها سلفاً بأمتعته ما استدعى أن أخلف ورائي العديد من أمتعتي. أودعتها في منزل صديق على أن أعود لاحقاً لأخذها ولم أفعل أبداً.

 

على كل حال، غادرنا المكان وبدأنا رحلتنا نحو الغرب. كانت سيارة بول مجهزة بطاقم من مقاعد مهترئة. كان ثمة خطب في مسند المقعد الذي كنت أجلس عليه، مقعد المسافر. وكان يميل إلى أحد الجانبين إذا استندت إلى الوراء، وكان عليَّ أن ألتوي على نحو غير مريح. كنت آمل أن أنام قليلاً وهو يقود، لكني رأيت حينها أن ذلك سيكون متعذراً.

 

بعد مرور زهاء ثلاث ساعات من القيادة، خرج بول عن الطريق السريع وتوقف أمام متجر لبيع البيتزا. أرخى بنطاله وأنزله حتى الركبتين. ثم نظر نحوي.

 

“ماذا تفعل؟” سألته.

 

” فكرت في أنك قد ترغب في ممارسة الجنس الفموي،” قال.

 

“لا،” قلت.” لا، لا أريد.”

 

زم بول شفتيه وأومأ برأسه.

 

“حسناً،” قال وهو يرفع بنطاله في عجالة. عشَّق تروس السيارة وأسرع عائداً إلى الطريق السريع.

 

بعدئذ حل الإرباك فيما بيننا. انطلقنا بضع ساعات صامتين. وراح وابل من المطر ينهمر ونحن نعبر الحدود مع أوهايو. عندما عبرت شاحنات كبيرة طرطش الماء على زجاج السيارة الأمامي وهدد بإخراج السيارة الصغيرة عن الطريق. كان على بول أن يهز عجلة القيادة هزاً عنيفاً في الاتجاهين ليبقينا على السكة.

 

” هل تعبت؟” سألت بول.” يمكنني القيادة. أنا سائق جيد.”

 

” لا بأس، قال بول.” أحب القيادة.”

 

لكنه قال بعد بضع دقائق،” في الواقع، لقد بدأت أقرف من هذا. ربما عليك أن تتولى القيادة.”

 

” حسناً،” قلت.

 

أوقف السيارة وتبادلنا المقاعد، بسرعة حول طرفي السيارة حتى لا يبللنا المطر.

لم يكن مقعد السائق بأفضل حال من المقعد الذي بجانبه. شعرت كأني كنت أجلس في جردل. كان من الصعب تشغيل سيارة الهاتشباك الصغيرة أيضاً. كان الترس رخواً ولم أكن واثقاً أبداً من دخوله في حيزه. على الطريق السريع عبرت الشاحنات بنا ودفعتنا مثل زورق في بحر عاصف.

 

” آمل أن يتوقف هذا المطر قريباً،” قلت لبول.

 

” أوه، سيتوقف،” قال.

 

استند بول إلى الوراء وحاول إغلاق عينيه. ولم تفلح جميع محاولاته إلا في إبقائهما مغلقتين بضع ثوان. ثم يفتحهما وينتر رأسه نحو الأمام دون سابق إنذار.

 

” ما هذا؟” سألني.

 

“لا شيء،” أقول،” أنا أقود وحسب.”

 

” لا أستطيع حتى أن أغفو،” قال بول أخيراً.” إنه لأمر مزعج.”

 

” ربما عليك أن تتناول حبوباً منومة،” اقترحت عليه.

 

” أوه، لن أفعل،” قال بول.” إنها تزيد الأمر سوءاً. الجميع يعرف ذلك.”

 

” حسناً،” قلت.

 

بعد فترة استقام بول في جلسته وقال،” هل تحاول قتلي؟”

 

“لا،” قلت،” لا. كنت أحاول المساعدة.”

 

حدق بول بي بعينين غاضبتين، ورأيت حينها أنه إذا لم ينم عاجلاً فإن الأمور ستزداد تعقيداً.

 

” سأوقف السيارة،” قلت لبول.” ربما عليَّ الخروج.”

 

” ماذا تعني؟” سأل.

 

” أظن أن عليَّ النزول هنا،” قلت.” لقد قطعت شوطاً كافياً.”

 

” عم تتحدث؟” قال بول. فرك وجهه وانحنى للأمام في مقعده.

 

” قلت إنك تريد الذهاب غرباً. ما زلنا في أوهايو.”

 

” أعرف ذلك،” قلت له.” أظن بأنك تحتاج إلى بعض النوم. كلانا في حاجة إليه، في الواقع.”

 

” حسناً، هذا ممتاز، لكن لا تتركني هنا. لا يزال أمامنا مسافات طويلة علينا قطعها قبل أن نصل. لن أفعل هذا بمفردي.”

 

” كنت ستفعل هذا بمفردك من قبل،” أشرت.

 

” أوه، لا تتلاعب بي الآن،” قال بول. خبط على النافذة. كان المطر ينحسر على الأقل. ظننت أن بول كان على وشك البكاء.

 

عبرنا بلافتة تشير إلى منطقة تدعى زينزفيل وقال بول،” هيه!”

 

“ماذا؟”

 

” أعرف شخصاً في زينزفيل.”

 

” لقد تجاوزناها للتو.”

 

“لا لنتوقف هنا. إنها فتاة لطيفة. ستقدم لنا الطعام. لم أرها منذ سنوات. ستسعد برؤيتي.”

 

لم أكن واثقاً جداً من ذلك، لكني فكرت في أنها ستكون فرصة لأغتسل، لذا توقفت عند المخرج التالي ورجعنا إلى زينسفيل. كانت بلدة موحلة تقع على ضفة نهر.  جعلني بول أطوف في الأرجاء على مدى أكثر من ساعة نبحث عن اسم شارع فيه كلمة ” كرز”.

 

” وادي الكرز. بلدة الكرز، شيء من هذا القبيل.”

 

عندما وجدنا الشارع كان اسمه شارع الكرم.”

 

” كرز ينمو في كروم،” شرح بول.” إنها نباتات. تزرع في كروم.”

 

بعد بعض الوقت من القيادة على غير هدى على امتداد هذا الشارع توقفنا أمام كوخ بني اللون علق عليه صندوق بريد على شكل كرة قدم.

 

” هذا منزل ألبيرتا،” قال بول.” هذا هو.”

 

” هل أنت واثق؟ كيف تعرف؟”

 

” كنت هنا سابقاً،” قال،” أمضيت أسبوعاً ونصف الأسبوع هنا. أتذكر هذا المكان.”

 

تقدمنا نحو الباب الرئيس وقرع بول الباب.

 

” ها قد عدنا أنا وألبيرتا،” قال لي بول.” كنا على علاقة طيبة.”

 

” متى حصل هذا؟” سألت.

 

” منذ ست سنوات،” قال بول.” أو ربما سبع. ستتذكرني.”

 

قرع على الباب مجدداً، لكن بدا أنه ما من أحد في البيت. اتكأ بول على السياج ونظر من خلال النافذة.

 

” هممم،” قال. حاول أن يدير مقبض الباب لكنه كان مقفلاً.  نظر في النافذة ثانية.

 

” ليس علينا الدخول،” قلت له.

 

” أعرف، أعرف.”

 

جلسنا على عتبة الباب وراقبنا السيارات العابرة. رأيت محطة باص في البلدة عندما كنا نتجول. فكرت في أنه قد يكون بإمكاني الحصول على توصيلة هناك وقد أجد حافلة متجهة نحو الغرب.

 

” أظن بأني سأتوجه نحو محطة الحافلات،” قلت لبول.

 

” أوه لا،” قال.” لا لن تفعل. أنت لم تلتق بألبيرتا بعد.”

 

” إنها ليست في البيت،” أشرت.” ربما لن تعود قبل أيام.”

 

فكر بول في هذا للحظة.” لن تفعل ذلك،” قال.” لن تختفي.”

 

” أنت لم ترها منذ ست سنوات،” قلت.” ليس لديك فكرة عما قد يكون آل إليه حالها.”

 

” انظر،” قال بول،” هل تثق بي أم لا؟”

 

كان عليَّ أن أصدقه القول وأخبره بأني لا أوليه الثقة. أي سؤال كان هذا؟ لكن بدلاً من ذلك قلت،” أثق بك بول.”

 

جلسنا على الدرجة مزيداً من الوقت. أغلق بول عينيه وأراح رأسه المزيت على كتفي. كنت أخشى أن أتحرك لأني عرفت مدى حاجته للنوم. جلسنا على هذه الحال مدة عشرين دقيقة خالية من الراحة ثم لمحنا شاحنة نصف نقل تقعقع في طريقها للوقوف أمام المنزل. مراهقان، فتى وفتاة، بدينان وشاحبان، ترجلا من السيارة وسارا نحونا باستغراب. يداً بيد. هززت كتفي وفتح بول عينيه.

 

” هذه ليست ألبيرتا،” قال لي. وأغلق عينيه ثانية.

 

” إنهما يسيران باتجاهنا،” قلت له.

 

” وماذا يعني هذا؟” قال بول.” رافضاً أن يتحرك.

 

نظرت الفتاة البدينة نحونا شزراً وهمست شيئاً في أذن صديقها. توقفا عن المشي ونظرا باتجاهنا. كانت الفتاة تضع الكثير من الماكياج الداكن اللون حول عينيها.  وحمرة شفاه داكنة أيضاً. كان شعر الفتى أسود لزجاً وينتعل جزمة كبيرة لها الكثير من الأربطة. ربما تنكرا من أجل الهالوين، لكن لم يكن هذا الوقت من السنة؟

 

بدا أنه ما من أحد سيبادر بالكلام فقلت،” مرحباً.”

 

“هاي،” قالت الفتاة.

 

لا يزال بول يريح رأسه على كتفي فهززته كي ينهض. فرك عينيه وطرف نحو الشابين البدينين أمامنا.

 

” ما الذي حصل لكما أنتما الاثنان؟” قال.

 

” أنا أعيش هنا،” قالت الفتاة.

 

“هنا؟” قال بول.

 

“نعم.”

 

وقف بول وتلفت من حوله كأنه لا يعلم بوجود منزل خلفه. وقفت أيضاً، بمظهر المعتذر.

 

” هذا منزل ألبيرتا،” قال بول.

 

“صحيح،” قالت الفتاة.” إنها أمي.”

 

نظر إليها بول متشككاً.” أمك؟ ما اسمك؟”

 

“ليندا،” قالت الفتاة.

 

” ليندا!” ند بول عن ابتسامة وتقدم نحوها. تراجعت الفتاة مبتعدة عنه.

 

تقدم الفتى متثاقلاً بصعوبة في جزمته الضخمة.

 

” أعرف أمك،” قال بول للفتاة.” وأعرفك أيضاً. أتذكر عندما كنت صغيرة جداً تبللين بنطالك كل صباح. أتذكرين ذلك؟ كنا أنت وأنا نطالع الرسوم الهزلية في الصحيفة معاً. يا فتاة، لقد كبرت حقاً. وسمنتِ، في الواقع. هذا أنا، بول أومالي، أتذكرين؟ ماذا فعلتما بوجهيكما بأية حال؟”

 

قالت ليندا:” لا أتذكرك.”

 

” بالتأكيد تتذكرين،” قال بول.” لكن حقاً، ما هذا الذي على شفاهك، صنارة صيد سمك؟”

 

كان يشير إلى الحلقة التي وضعتها ليندا عبر ثقب في شفتها. كان الفتى يضع واحدة أيضاً، إلا أنها كانت في حاجبه.

 

” أمي ليست في البيت،” قالت الفتاة.” إنها في العمل. ستعود إلى البيت ليلاً.”

 

” عظيم، لا مشكلة،” قال بول.” سننتظر في الداخل.”

 

أفسح الطريق كي تتمكن ليندا من المرور. تقدمتنا ليندا مع صديقها وفتحت الباب.

 

” لا ترتكب أية حماقة،” قالت ليندا.” سيطردك صديق أمي لو تلاعبت بأي شيء.”

 

” هذا ظريف،” قال بول،” لا أريد سوى الحصول على إغفاءة.”

 

كان المنزل ممتلئاً بالعديد من التحف الرخيصة، الكثير من الحيوانات المحنطة ومنتجات تتعلق بفريق أوهايو لكرة القدم. جلسنا في غرفة الجلوس وتحدثنا إلى الأولاد لفترة. كان اسم صديق ليندا راين. ذهبا إلى المدرسة معاً وكانا يتواعدان منذ ثلاثة أشهر. أخرج راين غليوناً وقدم لنا بعض الماريجوانا، لكن بول لم يمسها. قال إنها ستبقيه يقظاً.

 

سئمت ليندا وصديقها منا ودخلا إلى غرفة نومها وأغلقا الباب. صب بول لنفسه كأساً من حليب أخرجه من الثلاجة، وعاد إلى غرفة الجلوس، وشغل التلفاز.

 

” سأغادر الآن،” قلت.

 

” مستحيل،” قال بول.

 

” نعم أنا مغادر.”

 

” ابق فقط حتى أغط في النوم،” قال.” لم أنم منذ خمسة أيام.”

 

” أطفئ التلفاز، ونم.”

 

أطفأ بول التلفاز، شرب الحليب، واستلقى على الأريكة. كنت متعباً أيضاً ورأيت أن أرتاح لبعض الوقت. استلقيت على سجادة صوفية مفروشة على الأرض وأغلقت عيني. ظل بول يتقلب على الأريكة ويشتم فكان صعباً عليَّ أن أنام بالفعل. طوال الوقت كان يخيل لي أني سمعت صوت ألبيرتا قادمة فأنهض، خائفاً من أن تجدنا مستلقيان هناك مما قد يتسبب بهرج رهيب.

 

دلفت ضجة هائلة إيقاعية من غرفة نوم ليندا وقال بول،” هيه، هؤلاء الأولاد يحدثون ضجة هناك.”

 

قفز وقبل أن أتمكن من إيقافه كان يقرع على باب ليندا قائلاً،” أوقفوا ذلك، أيتها الأرانب السمينة!”

 

اندفع عبر الباب وكانا كلاهما عاريين يتدحرجان بين الحيوانات المحنطة على سريرها المفرد.

 

قالت ليندا،” هلا أغلقت الباب؟”

 

قال بول،” ليس قبل أن ترتدي ثيابك!”

 

كان موقفا مربكاً، لكن أخيراً تركهم بول وشأنهم واستلقى على الأريكة. توقف الضجيج الصادر من غرفة ليندا وأخيراً غططت في النوم على السجادة الصوفية. عندما استيقظت، كان بول في المطبخ يسعل ويحدث جلبة هائلة. دخلت إلى هناك وكان ينحني على الأرض ورأسه في الفرن. كانت تفوح في الغرفة رائحة الغاز.

 

” ما الذي يجري هنا؟” سألت.

 

” اللعنة،” قال بول.” هراء.”

 

كان يحاول أن يتنشق الغاز ليقتل نفسه لكنه لم يتمكن من أن يحكم الإغلاق حول رأسه فكان الغاز يتسرب نحو الغرفة. اختطفت ساقيه وسحبته بعيداً عن الفرن.

 

” دعني وشأني!” صرخ.

 

تصارعنا على أرضية المطبخ وأثناء ذلك حاول بول أن يقبلني، اندفع وجهه المشعر بشفتيه المتغضنتين نحو شفتي.

 

” أنا لست مثلياً،” قال.” لا يمكنني النوم. قبلني فقط.”

 

أخيراً هدأته وجلسنا معاً على مشمع الأرضية، نتنفس بصعوبة ونستنشق ذلك الهواء المشبع بالغاز.

 

” رأسي يؤلمني،” قال بول.

 

صدر صوت فرقعة من غرفة ليندا ثم هب لهب أزرق ساخن عبر الرواق وانفجر في المطبخ محدثاً صوت دوي مرتفع. لجزء من الثانية امتلأت الغرفة برمتها بجدار من النار وفي غفلة وجدنا أنفسنا نجلس في المطبخ المتفحم وبعض ألسنة من النار تومض من حولنا. كانت المناديل الورقية تحترق وبعض الحمالات والستائر. وقفت وبول ورحنا نلطم اللهب ونرمي الماء في كل مكان. جاء راين لمساعدتنا. نزعنا الستائر ونقعناها في الحوض. انطلق جرس الإنذار وضجته الثاقبة أصابتنا بالجنون إلى أن ضربه بول بعنف بمكنسة. بعد مدة تدبرنا الأمر لإطفاء النار في المنزل.

 

تلفعت السجادة الصوفية بالسواد وكان الدخان لا يزال يتصاعد من بعض من الحيوانات المحنطة. كانت ليندا تبكي في غرفة نومها. وكانت رائحة المكان رهيبة في ذلك الوقت، كرائحة البلاستيك المحروق. لاحظت وبول أن شعرنا كان مسفوعاً أيضاً. احترق حاجبانا كلياً وجلد وجوهنا كان أحمر وذاوياً.

 

” كنا على وشك أن نموت،” قال بول.

 

” هذا كان هدفك،” ذكرته.” وضعت رأسك في الفرن.”

 

اعتذر راين لأن قداحته تسببت بإثارة اللهب.

 

” هذا ما تحصل عليه من تدخين الماريجوانا أيها الفاحش الصغير،” قال بول.

 

” أنا آسف،” قال راين. كان بالفعل مخضوضاً. وكنا جميعاً كذلك.

 

كانت الساعة تدنو من الثامنة وقد حان موعد عودة ألبيرتا إلى البيت. رأى بول أنها قد لا تسعد برؤيته في النهاية. قررنا بعد نقاش موجز بعيداً عن الأولاد ثم انطلقنا مسرعين إلى سيارته الصغيرة وابتعدنا، تاركين لليندا وراين أمر شرح الفوضى التي خلفناها وراءنا.

 

” لقد تغيرت ليندا بالفعل،” قال بول.” أتذكر كم كانت ظريفة في صغرها. انظر إليها الآن، متشحة بالسواد ومثقبة بالمعدن.”

 

عبرت بنا سيارة شرطة ذاهبة في الاتجاه الآخر، أضواؤها تومض وصفارة إنذار تدوي. أصيب بول بالذعر وأصر أن نغادر السيارة. هذا كان جيداً بالنسبة إلي.

 

ركنا السيارة في شارع جانبي ومشينا نحو محطة الحافلات حيث اشترينا تذكرتين إلى سياتل، سبعاً وثلاثين ساعة من السفر. ونحن ننتظر ظهور الحافلة، استلقى بول على ثلاثة من تلك المقاعد البلاستيكية المتواجدة في موقف انتظار الحافلة وأخيراً غط في النوم. كان الجو بارداً هناك وبدت تلك المقاعد ككومة من الصخور، لكنه كان هناك يشخر.  فكرت لوهلة في إيقاظه عندما وصلت الحافلة وأذاعوا أنه حان الوقت للصعود، لكن فكرت بعدها بما هو أفضل من ذلك. كان لا يزال نائماً مثل طفل، متكوراً على نفسه برضى تحت مصابيح الفلوريسنت الشاحبة تلك، عندما انسحبنا وتوجهنا غرباً دونه.

 

 

[1] آرثر برادفورد: من مواليد عام 1969، كاتب ومخرج سينمائي أميركي.

 

ميجور ميبي- آن بيتي.

 

ميجور ميبي

آن بيتي[1].

 

ألقي القبض على السيدة المشردة ذات الشعر الأحمر بعد أن سقطت في الشارع وكادت تدهسها سيارة أجرة. كانت قبل أن تنطلق مسعورة في زحمة المرور مباشرة قد نعتت بالشيطان كلباً أسود مربوطاً برسن (من يتحمل مسؤولية تصرفاتها؟)، نعتاً رفضه مالك الكلب رفضاً قاطعاً بشكل مرهق. كان اسم الكلب ميجور ميبي[2] وكانت قصته ذائعة في حيِّنا أكثر من قصة السيدة ذات الشعر الأحمر. أطلق مربي الحيوانات على الكلب اسم ميجور، وحاولت العائلة التي اقتنته-عائلة ليفل التي تسكن بجورانا مناداته باسمٍ مشابه لا يتسبب بتشويشه. جربوا اسمي مارك وميسون، لكن الكلب لم يستجب لأي اسم يبدأ بحرف (الميم) إلى أن استنبطت ابنة العائلة كوري ليفل الصغيرة ذات الأربع أعوام، والتي كثيراً ما تتحدث إلى ألعابها -قائلة لهم إنهم ربما يذهبون لمشاهدة بارنيز[3] وربما يذهبون إلى المتنزه وربما يحصلون على كعكة محلاة إذا كانوا صالحين-الاسم الوحيد الذي سيرضى به الكلب كما خمنتم قطعاً. لاحقاً تبادر إليهم أنه سيكون أمراً مسلياً تسميته ميجور ميبي.

 

كان شريكي في السكن في هذه الأثناء طالباً اسمه إيجل سورس يدرس التمثيل. تزوج والده الإنجليزي من امرأة أمريكية ادعت أن لها أصولاً هندية من جهة أمها. في المدرسة كان يدعى إيجل سوارس باسم إيدي، وفي الحقيقة كان اسمه المسجل في شهادة الميلاد مكوناً من اسميه الأول والأوسط إيجل سوارس (تخلى لاحقاً عن اسمه الأخير، ستيفنس)، خطر له عندما بلغ العشرين من عمره أن الاسم قد يكون مفيداً إذا ما عزم على التمثيل.  كسب مالاً إضافياً من أخذ ميجور ميبي إلى النزهة عند الساعة الرابعة من بعد الظهر إلى الجادة العاشرة مروراً بالشارع الواحد والعشرين أو الثاني والعشرين نحو الجادة الثامنة عائداً عبر الشارع رقم 20 إلى البيت.

 

كان تشيلسي في تلك الأيام حياً تجارياً صغيراً.  ما من معارض فنية، بضعة نواد للجنس على الطريق الغربي فقط. كان هناك بائع زهور لطيف يدعى هوي. كنت أشتري أحياناً زهرة واحدة لآخذها إلى الشقة وأضمها إلى محرابي الصغير في الطرف القصي الأيسر للنوافذ العميقة المطلة على الفناء الخلفي، كنت قد وضعت فيه صورة لأمي وأبي في يوم زفافهما في إطار صغير على شكل قلب، صورة لأختي مستلقية على بساط من الفراء تبدو دائخة في اليوم الذي أعادوها فيه من المستشفى، لقطةٌ باهتة جداً لحيواني الأليف الأول، القطة دوريس في صندوق بلاستيكي، سوار من زهور مجففة لبسته في حفل تخرجي، وواحد من أضراس العقل تدلى من سلسلة معلقة على مقبض النافذة.

 

كنت قد جمعت هذه الأشياء بالتضامن مع ايجل سورس، كان يعرض على الجانب الأيمن من عتبة النافذة إطاراً مزدوجاً يضم صورة تخرجه من المدرسة الثانوية ولقطة للفتى الذي كان مفتوناً به في المدرسة الثانوية وعلى وجهه ضمادة كبيرة بعد عملية ترميم لأنفه (حادث دراجة)، مبراة على شكل فرس نهر يرتدي تنورة راقصات الباليه منفرج الساقين، ملعقة شاي مسروقة من السوق، ومذكرة طرد مؤطرة من مالكه السابق في كولومبوس، أوهايو. كانت مزحة متكررة إذ كلما جئت بوردة جديدة ينقلها إلى الجهة اليمنى عند منتصف الليل، وأعيدها إلى جهتي عندما يخرج للنزهة مع ميجور ميبي. تقاسمنا ثمن الخمر لأننا كنا نشرب كميتين متساويتين. كان أكثر اهتماماً بالحشيش، وكنت مهتمة بالمحافظة على وزني. مع ذلك كنا نشرب أسبوعياً مقدار جالون من النبيذ الأبيض الإيطالي الذي كان يردد بائعه دوماً أنه لن يكون بمقدوره تأمين المزيد منه (مع أنه ما من شيء كان سيجعلنا ندفع ثمن صندوق كامل من زجاجات النبيذ). كنت أعمل نادلة بدوام جزئي وترسل أمي لي شيكاً شهرياً لتغطية نصف ثمن الإيجار.

 

في يوم الحادثة بين الكلب والسيدة حمراء الشعر كنت وسورس جالسين على كراس صغيرة وضعت داخل السياج الحديدي أمام مبنى سكني brownstone، حيث أضفى أصيص نبتة خبيزة كبيرة وردية اللون وضعه رجل الطابق السفلي خارجاً جواً كثيراً. وضع وسائد مدورة على الكراسي أيضاً جعلت الجلوس عليها مريحاً أكثر. كان محللاً نفسياً مختصاً بالمراهقين الذين جاؤوا ورحلوا شديدي العبوس، يرمون سجائرهم ويدهسونها ونادراً ما ينظرون إلينا. أخبرنا المحلل النفسي أنه من الأفضل ألا نحيي زبائنه، لأن كل ما قد نقوله لهم لن يكون مناسباً إلى حد ما.

تقبلنا الأمر وتجاهلنا ثوران حب الشباب ودخان سجائرهم المنتشر والنظر نحوهم مباشرة بشكل أساسي، إلا في حال بدوا مستميتين في ودهم لأننا قلنا كلمة “مرحباً”. ذات مرة جاءت سيارة إسعاف لتأخذ زبوناً من الطابق السفلي، وعرفنا فيما بعد (بالرغم من السرية بين الطبيب والمريض) أنه كان ينزف وقد ارتدى ثياباً نظيفة ليأتي إلى موعده الأسبوعي. كان الطابق السفلي يدعى ” الشقة الحديقة “. عند إزهار شجرة الويستيريا كان المحلل النفسي يأخذ كراسيه الصغيرة ويضمها إلى أخرى في الباحة الخلفية للمنزل ويقيم حفلة شمبانيا كنا ندعى إليها دوماً. ربما جلس يوماً على الكراسي في الخارج لكننا لم نر ذلك. ثم مجدداً جلسنا عليها كثيراً، وكان رجلاً طيب الخلق مهذباً، فربما لم يكن لديه الكثير من الحظ.

 

كنا نتمرن على التمثيل. يقرأ سورس سطوره ويتعين عليَّ عند مرحلة معينة التدخل فجأة لصرف انتباهه، أو أن أصطنع نوبة من السعال، أو قد أقول أمراً عدائياً، من مثل ” أيها المنهك البائس، أنت لست بإدوارد، دع لير وشأنه!” كانت الفكرة أن أي شيء يمكن أن يحدث خلال الأداء وعلى الممثل أن يخمد رد فعله الاعتيادي ويستمر دون تلعثم. كان بحوزة سورس نسخة واحدة من النص، وإذ أن الحصول على نسخة يكلف مالاً جلسنا متقاربين. حاولت التمثيل أيضاً إلى حد أني لم أكن راغبة في أن يكون في وسعه توقع عطاسي أو انفجاراتي، التي عرفت أن في وسعه الإحساس بها من خلال التغير الطفيف في تنفسي وأنا أبادر بالكلام، أو من خلال حركتي مهما بلغ صغرها أو الصوت الخافت الذي يصدر عن شفتي عندما تنفرجان. كان من واجبي أن أحمسه دون سابق إنذار. في واقع الأمر، رميت نفسي مرة من على الكرسي وتلويت كشخص يعاني من نوبة. مزقت الأكمام الطويلة وبنطال الجينز عمداً فلم يكن الضرر الناجم كبيراً لكن الفتى الذي كان يركب دراجة ويوصل زجاجات المياه الغازية إلى المبنى المجاور توقف وهرع لمساعدتي وشعرنا بإحراج عندما كان علينا أن نشرح الأمر.

 

أنا عاطفية جداً. لا أكاد أصدق أننا عشنا مثل تلك الأوقات. (أنا طبيبة الآن، أعمل مع فرقة طبية في بورتلاند، ماين، سورس أب مطلق لتوأم يقود متحمساً طوفاً نهرياً، في رحلات شركة سياحية غرب البلاد، يكتب مقالات عن الطبيعة ويدرِّس في كلية رسمية.)

 

هَهُنا أمر بيِّن لم أفكر فيه إلا مؤخراً: لم يكن عيشنا معاً ملائماً لي ولسورس فقط. كنا متآلفين جداً لنتحول بسرعة قياسية إلى زوج وزوجة قديمين. كنا نمثل على مدى سنوات يوميات الزواج الرتيبة، كنت أتفاجأ أحياناً من انفجار نوبة غضب مجنون، مزحتنا الطويلة الأمد في نقل حلينا الرخيصة، سطورنا المتكررة باستمرار (ولو أن سطوره كانت مقتبسة من شكسبير على نحو مثالي.)

 

جزم سورس عندما كان في نيويورك بأنه فيما عدا الافتتان الكبير بصديقه في المدرسة الثانوية لم يكن مثلياً. كفَّ عن مواعدة الرجال وبدأ بالخروج معي ومع صديقاتي، ثم بدأ يواعد واحدة منهن حطم قلبها فيما بعد، لكن هذه قصة أخرى، وإن كان ثنائي الجنس إلا أنه فضل الزواج من امرأة.

 

بأية حال عندما كنا أنا وسورس نتمرن ذلك اليوم، وقفت السيدة ذات الشعر الأحمر من مجلسها على الرصيف وشتمت صديقنا الكلب صارخة،” إبليس الشرير! إبليسسس!” ثم اندفع ميجور ميبي المسكين خائفاً، وقد رفع لتوه ساقاً ليبول أمام شجرته المفضلة وكان مهاناً عندما توجب عليه أن يفعلها قبل أن يصل. مدت ذراعيها ربما بقصد أن تطيح بالسيد ليفيل الذي استدار ببساطة إلى الجانب الآخر وسمح للإعصار الوحشي بالعبور.

 

(تمدد ميجور ميبي المسالم على الأرض.) وهكذا راحت تدور بجنون بدءاً من قدميها الحافيتين الصغيرتين حتى ساقيها الثخينتين، لتتشابك تنورتها الطويلة الملطخة على نحو تسبب بتعثرها، فعندما واصلت طريقها بين السيارات المركونة في الشارع رقم عشرين مولولة أنه عندما يظهر الشيطان لن يكون منه فكاك، التف القماش حولها مثل غزل البنات وقذفت للأمام كما لو أن شخصاً حقيقياً لم تسره المعاملة.

 

زعقت سيارة أجرة إثر توقفها المفاجئ، وخرج سائقها بسرعة وانحنى عليها مثل حكم في مباراة رياضية مشيراً بإصبعه موبخاً المرأة على الأرض… إلى أن قفزت لتلفه بذراعيها وتحاول أن تعصره بشدة عند مرور طالب لاهوت والسيد ليفيل (الذي كان في خمسينياته) فاقتربا وحاولا إبعادها. كان ميجور ميبي يشعر بإهانة بالغة حتى أن فكه كان متدلياً، قذف رسنه على واحد من البروزات المستدقة للبوابة الحديدية المحيطة بالمنطقة الإسمنتية الصغيرة أمام بيته. كان سيختنق لو تمدد لأن الرسن كان بالغ القصر، فانبغى عليه أن يجلس ويراقب المشهد. حصل على نزهة منعشة، رفع ساقه ليبول قليلاً، واشتم أنفاساً عظيمة، والآن هذا: انفجار مشردة أرسلها في طريقنا فيدل كاسترو، الذي أطلق الكوبيين من المصحات العقلية ووضعهم على سفن مرسلاً إياهم إلى هنا ليختلطوا مع مجانيننا. في الأيام الجيدة، كانت السيدة ذات الشعر الأحمر تغني ترانيم بالإسبانية بصوتها السوبرانو الجميل والصافي. شعرت بالنسيم يهب في شعرها. تناولت البسكويت المملح ولم تعتدِ على أحد. في الأيام السيئة… حسناً.

 

أين الشرطة. أين الشرطة؟ حدث هذا قبل انتشار الهواتف الخلوية. تعامل رجال الشرطة لدى وصولهم مع السيدة ذات الشعر الأحمر بقسوة كبيرة اعترض عليها طالب اللاهوت. (لم يجد نفعاً.) كبلوها وأخفض رجل شرطة رأسها لتركب السيارة كما ينزل لاعب كرة سلة ليرمي بيد واحدة. بسهولة. لا يعتد بها. استئناف سريع للعبة.

 

علقت تماريننا. تناول السيد ليفل رسن الكلب وصعد درجات منزله. صعدنا سورس وأنا إلى الأعلى وفتحنا زجاجة نبيذ أبيض إيطالي وجلسنا في كراسينا القابلة للطي لفترة-كانت رخيصة ولا نملك سواها من أثاث عملياً. لم أنزعج من سرقة سورس لزهرتي. كانت زنبقة ذلك اليوم حمراء تناثر غبار طلعها على الأرض تحت النافذة مثل قشرة صفراء من رأس عملاق. كانت دالية الويستيريا وافرة وخضراء في الخارج، براعم ملتفة ومسننة خضراء شاحبة اللون كأصابع ساحرة قد تواصل الانتشار سريعاً، ولو أنها ليست مزهرة. تمشينا. ناقشنا مستقبلنا. تساءلنا عن احتمال فشلنا، مجرد فشل بسيط: إذا لم يحصل على دور محترم البتة، وإذا لم أتمكن من معرفة ما أرغب في فعله في الحياة. تساءلنا إذا ما كان الإيدز سينتشر في المدينة، إذا ما كانت السيدة ذات الشعر الأحمر سليمة العقل لتخاف في مخفر الشرطة، وكم سنة سيعيش ميجور ميبي.

 

أمسك سورس بيدي. لم نمسك بأيدي بعضنا من قبل لأننا بالتأكيد لم نكن ثنائياً. شبكنا أصابعنا، وكنت مذهولة من شدة نحول يده. كانت راحته متعرقة. ثم فعلنا ما يفعله الكثير من الناس في يوم زفاف شخص آخر، أو بعد جنازة شخص ما، ولو أنه في هذه الحالة كان يوماً اقتيدت فيه مشردة إلى مخفر الشرطة. عدنا إلى شقتنا وتضاجعنا.  كان أمراً مسلياً، لكن الأمر الوحيد الذي تغير فيما بعد ولسبب ما هو توقفنا عن مواصلة اللعب بلعبة سرقة الزهرة. سرعان ما توقفت عن شرائها.  اشتريت بالمال كماليات صغيرة مثل الماسكارا. شرع سورس بمواعدة صديقتي.

 

التقيت بالرجل الذي تزوجته في زفاف حضرته في كانون الأول في كيب نيديك، ماين، (حملت وصيفات العروس فراء للتدفئة أبيض مصنوعاً من فرو الأرانب)، ولو أننا لم نتزوج إلا بعد مرور ثماني سنوات. في البداية كنت مترددة بشأن ترك مدينة نيويورك. ثم عقدت العزم على التقدم إلى مدرسة طبية، وعندما لم أقبل في أية مدرسة من مدارس نيويورك لم يكن هناك بد من المغادرة.

 

لو كنت في نيويورك في الثمانينيات، قد تتساءل الآن أين ذهب الجميع، ثم تذكِّر نفسك أن عدداً قليلاً من الناس الذين أسسوا الحي حازوا ملكيتهم الخاصة وتعنتوا رافضين بيعها ثم ماتوا في نهاية المطاف. بعضهم مات مصاباً بالإيدز. بعضهم انتقل إلى بروكلن. أو إلى الغرب، أو أطلانطا. نزح بعد 11/9الكثير من شبان مدينة نيويورك إلى بورتلاند، ماين، حيث كانت المباني الكبيرة ذات الواجهات البحرية تحولت سلفاً إلى استديوهات فنية وشققاً خاصة ومتاجر للملابس في الطوابق الأرضية. بورتلاند المنعشة بسياحها في الصيف الذين يركبون المراكب ويأملون رؤية الفقمة وهم يطوفون نحو واحدة من الجزر.  هناك على البر، يلتقي زمن الهيبيين المنحرفين مصادفة مع سكان المباني الحجرية الذين لا يتوجب عليهم التفكير في المال. ينتشر فن الشارع، وكراس قابلة للطي موضوعة في النوادي الموسيقية. متاجر للكتب المستعملة لا تزال رائجة. إذا كنتِ قد تجاوزت سن الشباب فإن بورتلاند توجد في اقتباسات تهكمية إلى حد ما (ولو أنه ما من شخص ينتمي لثقافة معاصرة يجرؤ على إطلاقها علناً بالتأكيد.)

 

رأيت مؤخراً على موقع Airbnb [4]شقتي القديمة. كان يوجد صورة ملتقطة من خارج النافذة أيضاً، شد أحدهم جزءاً يسيراً من دالية الويستريا لتصبح الرؤية متاحة. أحدث مطبخ في جزء من الرواق الذي كان يستعمل كخزانة للمعاطف. مع ذلك بدا أن الأرض طليت باللون الأسود وفرشت ببساط شرقي. التقطت الصور عبر عدسات مفلترة. كانت شقة صغيرة تحت منحدر السطح فلم يكن بمقدورك الوقوف في بعض أماكن من غرفة النوم. لكنه خداع كله، أليس صحيحاً؟ تدرك أن الصورة تظهر مكاناً أرحب من المكان الفعلي.  يقع نظرك على مزهرية ملأى بزهور يانعة على طاولة الليل والتي ربما لها في الحياة الواقعية محيط مقلاة الفطائر.

 

مزهرية كبيرة ملأى بالزهور في الصورة الفوتوغرافية. شديدة الفخامة، يحمل بذخها أكثر من مجرد شعور بالرومانسية أو فكرة عن الحياة الرغيدة في شقة فسيحة. ربما أزيلت الزهور بعد التصوير، وأغلقت الستائر لتحجب ضوء النهار الذي من شأنه أن يبهت لون البساط.  أغلق الموقع، اجلب السواح، أضئه من جديد.

 

غبار الطلع الأصفر على الأرض لا يمحى.

[1] آن بيتي من مواليد عام 1947، كاتبة قصة قصيرة وروائية أميركية حاصلة على جائزة التميز من الأكاديمية الأمريكية ومعهد الفنون والآداب.

[2] Maybe: ربما بالعربية.

[3] Barney & Friends: مسلسل تلفزيوني للأطفال.

[4] موقع مختص بإيجار البيوت.

معشر الشبان-ج.د.سالينجر.

معشر الشبان

ج.د. سالينجر

 

حوالي الساعة الحادية عشرة، بدا للوسيل هندرسون بأن حفلتها كانت تسير نحو ما هو مرسوم لها، وبعد أن التفتت مبتسمة نحو جاك ديلروي، لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء نظرة خاطفة باتجاه إدنا فيليبس، التي لم تبارح الكرسي الأحمر الكبير منذ الساعة الثامنة، تدخن السجائر وتوزع التحيات ونظرات فيها الكثير من البريق وجدت ترحاباً عند الشبان المدعوين للحفلة. لم تلتفت إدنا إليها، تنهدت لوسيل هندرسون بالشدة التي سمح لها بها فستانها الضيق، ومن ثم قطبت حاجبيها محدقة في الغرفة إلى الشبان الصاخبين الذين كانت قد دعتهم لشرب الويسكي التي صنعها والدها. وبحركة سريعة مفاجئة التفتت إلى الركن الذي كان يجلس فيه وليم جيمسون الابن يقضم أظافره ويحدق بالصبية الشقراء الجالسة على الأرض برفقة ثلاثة فتيان من روتجرز.

“مرحباً،” قالت لوسيل هندرسون ممسكة بذراع وليم جيمسون الابن،” تعال، هناك شخص أريد أن أعرفك به.”

” من؟”

” هذه الفتاة، إنها رائعة.” تبعها جيمسون عبر الغرفة، وهو يحاول أن ينتهي سريعاً من نزع الجلد الميت عن قاعدة إبهامه.

“إدنا حبيبتي،” قالت لوسيل هندرسون،” أود أن تتعرفي إلى بيل جيمسون. بيل — إدنا فيليبس. أو هل سبق لكما أن التقيتما؟”

“لا.” قالت إدنا. مأخوذة بأنف جيمسون الكبير، فمه المترهل، وأكتافه الضيقة. “أنا جد سعيدة بلقائك.” قالت له.

“وأنا أيضاً.” أجاب جيمسون، يقارن ذهنياً إدنا مع الشقراء الصغيرة في الجهة الأخرى من الغرفة.

” بيل صديق مقرب من جاك ديلروي.” قالت لوسيل.

“لست على معرفة جيدة به.” قال جيمسون.

“حسناً. يجب أن أنصرف، أراكما لاحقاً!”

“هوني عليك.” صاحت إدنا خلفها. ثم، “لماذا لا تجلس؟”

“حسناً، لا أعرف، في الحقيقة أمضيت الليل جالساً.” قال جيمسون.

“لم أكن أعلم بأنك كنت صديقاً حميماً لجاك ديلروي. هو شخص مهم، ألا تظن ذلك؟” قالت إدنا.

“بلى، هو طيب كما أظن، معرفتي به سطحية، لم تكن علاقتي به قوية كثيراً.”

“أوه، حقاً؟ يخيل لي بأني سمعت (لو) تقول إنك كنت صديقاً حميماً له.”

“نعم، صحيح، لكن في الواقع لا أعرفه معرفة جيدة. في الحقيقة عليَّ أن أذهب إلى البيت. حصلت على هذه المقالة التي عليَّ تقديمها يوم الاثنين. لم أكن أنوي العودة إلى البيت عطلة هذا الأسبوع.”

“أوه لكن الحفلة ما زالت في بدايتها، الأمسية في أولها!” قالت إدنا.

“الأمسية في ماذا؟”

” الأمسية في أولها. أعني أن الوقت ما يزال مبكراً.”

“نعم، لكن صدقاً لم أكن أريد أن أحضر الليلة بسبب هذا الموضوع. لم أكن قد خططت للعودة إلى البيت عطلة نهاية هذا الأسبوع مطلقاً.” قال جيمسون.

“لكن ما زال الوقت مبكراً جداً.” قالت ادنا.

“أعلم ولكن..”

“وما هو موضوع مقالتك بأية حال؟”

فجأة انفجرت الشقراء الصغيرة ضاحكة من الجانب الآخر للغرفة وانضم الشبان الثلاثة من روتجرز إليها ضاحكين بلهفة.

“أقول عما يدور موضوعك بأية حال؟” كررت إدنا.

“أوه، لا أعلم. عن هذا الرسم لكاتدرائية ما، هذه الكاتدرائية في أوربا. لا أعرف.” قال جيمسون.

” حسناً، أقصد ما الذي عليك فعله؟”

“لا أعرف، يفترض أن أكتب نقداً عنه، شيء من ذلك. لقد حصلت عليه مدوناً.”

انفجرت الشقراء الصغيرة ورفاقها مقهقهين مرة ثانية.

“نقده؟ أوه، هذا يعني أنك رأيتها.”

“رأيت ماذا؟” قال جيمسون.

“هذه الكاتدرائية.”

“أنا؟ اللعنة، لا.”

“حسناً، أعني كيف لك أن تكتب نقداً عنها إذا كنت لم ترها قط؟”

“أوه. نعم. ليس أنا. بل هو الشخص الذي كتبها. من المفترض بي أن اكتب نقداً عنها بناء على ما كتبه.”

“أمم. فهمت. هذا يبدو صعباً.”

“ماذا قلت؟”

“قلت إن هذا يبدو صعباً. أعلم. لقد واجهتني أشياء مشابهة مرات عديدة.”

“أجل.”

“من الكاتب إذاً؟” قالت إدنا.

عادت أصوات المرح ثانية من ركن الفتاة الشقراء الصغيرة.

“ماذا؟” قال جيمسون.

“لقد قلت من كتبه؟”

“لا أعرف. جون روسكين.”

“أوه، يا رجل، أنت في ورطة يا صديقي.” قالت إدنا.

“ماذا قلت؟”

“قلت إنك متورط على ما يبدو. أعني أن هذا الأمر صعب.”

“أوه. نعم. أظن ذلك.”

“عمن تبحث؟ أعرف معظم الشلة الموجودة هنا الليلة.” قالت إدنا.

“أنا؟ لا أحد. أظن بأني سأشرب كأساً.” قال جيمسون.

“هيه! عمرك أطول من عمري كنت سأقول هذا للتو.”

نهضا معاً في الوقت نفسه. كانت إدنا أطول قامة من جيمسون.

“أعتقد، هناك شيء ما على الشرفة. سخافة ما، لست واثقة. تعال لنرى. من المفيد أن نأخذ نفساً من الهواء النقي بكل الأحوال.” قالت إدنا.

“حسناً.” قال جيمسون.

وتحركا باتجاه الشرفة، انحنت إدنا قليلاً ونفضت الرماد المفترض وجوده على حضنها منذ الساعة الثامنة. تبعها جيمسون، متلفتاً خلفه وهو يقضم سبابة يده اليسرى.

كانت شرفة هندرسون مضاءة بنور خافت-للقراءة، الخياطة، وإتقان أحاجي الكلمات المتقاطعة. يتسرب بخفة عبر منخل الباب، انتبهت إدنا على الفور للأصوات الخافتة القادمة من الجوار الأكثر ظلمة إلى ميسرتها. لكنها توجهت مباشرة إلى مقدمة الشرفة، اتكأت بتثاقل على الدرابزين الأبيض، أَخذت نفساً عميقاً جداً، وبعد ذلك التفتت ونظرت إلى جيمسون خلفها.

“أسمع شخصاً ما يتكلم.” قال جيمسون، منضماً اليهاً.

“صه … أليست ليلة رائعة؟ فقط خذ نفساً عميقاً.”

“نعم. أين الويسكي؟”

“ثانية فقط، خذ نفساً عميقاً لمرة واحدة.” قالت إدنا.

“أجل فعلت. ربما يكون هناك.” وتركها وذهب باتجاه المنضدة. التفتت إدنا مراقبة إياه. على الأرجح بواسطة ظله المنعكس، رأته يرفع ويضع أشياء على الطاولة.

“لم يتبقَّ شيء!” نادى جيمسون.

“صه لا ترفع صوتك كثيراً. تعال هنا دقيقة.”

ذهب باتجاهها.

“ما الأمر؟” سأل.

” فقط انظر إلى السماء.” قالت إدنا.

“نعم أستطيع سماع شخص ما يتكلم هناك، هل تسمع؟”

“نعم، أنت ساذج.”

” ماذا تقصدين بكلمة ساذج؟”

“بعض الناس يريدون أن يكونوا على انفراد.” قالت إدنا.

“أوه أجل فهمت.”

“لا ترفع صوتك، كيف سيكون رد فعلك إذا أفسد عليك الأمر شخص ما؟”

“نعم بالتأكيد.” قال جيمسون.

“أظن بأني سأقتل شخصاً ما، ألن تفعل؟”

“لا أعرف أجل أظن ذلك.”

” ما الذي تفعله عادة في عطلة نهاية الأسبوع؟” سألت إدنا.

“أنا؟ لا أعرف.”

“تستمتع بشبابك أظن ها؟”

“لم أفهم قصدك.” قال جيمسون.

“أنت تعلم، مطاردة الفتيات في جامعة جو.”

“لا لست أدري، ليس كثيراً.”

“هل تعرف، أنت تذكرني كثيراً بذلك الفتى الذي كنت أرافقه الصيف الماضي. أقصد شكلك وكل شيء كما أن باري كان له مثل بنيتك تماماً، أتعلم؟ نحيل وقوي.” قالت إدنا على نحو مفاجئ.

“حقاً؟”

“أمم. لقد كان فناناً. اوه، يا ربي.”

“ما المشكلة؟”

“لا شيء، فقط لن أنسى تلك الأيام التي كان يريد فيها أن يرسمني. لقد كان دائماً يقول لي-بشكل جدي كشيطان-أيضاً:” ايدي، أنت لست جميلة وفقاً للمعايير التقليدية، لكن هناك شيء ما في وجهك أريد أن ألتقطه.”-كان يقول ذلك بجدية بالغة، حسناً، لم أجلس سوى مرة واحدة ليرسمني..”

“أجل، هل يمكنني الدخول وجلب بعض الأشياء؟” قال جيمسون.

“لا، دعنا ندخن سيجارة فقط. إن المكان كبير جداً هنا في الخارج. أصوات المغرمين وكل شيء ماذا؟” قالت إدنا.

“لا أظن أن معي أياً منها هنا سأجلبها من الغرفة الثانية.”

“لا، لا تنزعج، معي بعض السجائر.” أخبرته إدنا وفتحت حقيبتها المسائية وأخرجت منها علبة مرصعة بالماس سوداء صغيرة فتحتها وقدمت واحدة من ثلاث سجائر إلى جيمسون. آخذاً واحدة أشار جيمسون إلى أن عليه الذهاب إذ أخبرها بأن عليه أن ينهي عملاً ليقدمه يوم الاثنين. أخيراً وجد عيدان الكبريت وأشعل واحداً.

” سوف تنتهي قريباً، بالمناسبة هل لاحظت دورويس ليجيت؟” قالت إدنا نافخة على سيجارتها.

“أي واحدة هي؟”

“قصيرة جداً؟ شقراء بالأحرى؟ كانت تخرج مع بيت ايلسنر؟ أوه، لا بد من أنك رأيتها. كانت تجلس على الأرض ضاحكة بأعلى صوتها مثل العادة.”

“هذه هي؟ تعرفينها؟” قال جيمسون.

“حسناً، نوعاً ما، نحن لم نخرج سوية أبداً، في الحقيقة أعرفها من كلام بيت ايلسنر عنها.” قالت له إدنا.

“من هو؟”

“بيتي ايلسنر؟ لا تعرف بيتي؟ أوه إنه رجل رهيب. لقد كان يخرج مع دوريس ريجيت لمدة. وفي رأيي هي كانت مجحفة في حقه ومسيئة على ما أظن.”

“كيف؟ ماذا تعنين؟” قال جيمسون.

“أوه دعنا من ذلك. أنت تعرفني. أكره أن أقول شيئاً لا أكون متأكدة منه تماماً بأية حال، كل ما في الأمر لا أظن بأن بيتي سوف يكذب علي في النهاية هذا ما أعنيه.”

” ليست سيئة دوريس ليجيت هذه؟” قال جيمسون.

“ليجيت؟” قالت ادنا.” أظن بأن دوريس من النوع الذي يجذب الرجال. لا أعرف، حتى أنا أعجبت بها بالرغم من ذلك لكن أقصد بالنسبة إلى شكلها، عندما كان شعرها طبيعياً. أعني أن الشعر المسحوب اللون بالنسبة إليَّ كان يبدو اصطناعياً عندما تراه تحت الضوء أو شيء من ذلك، لا أعرف ربما أكون على خطأ لا أعرف، كل شخص يفعل ذلك. يا إلهي أراهن أن أبي كان ليقتلني إذا ما عدت إلى البيت وشعري مغيراً ولو قليلاً، أنت لا تعرف أبي هو ذو عقلية قديمة بشكل رهيب، صدقاً أنا لا أعتقد بأني يوماً ما سأستطيع أن أغير في شعري، لكن كما تعلم أحياناً تفعل الأشياء الأكثر جنوناً. يا إلهي أبي ليس الوحيد أظن بأن باري هو أيضاً سيقتلني لو فعلتها.”

“من؟” قال جيمسون.

“باري ذلك الفتى الذي أخبرتك عنه.”

” هل هو هنا الليلة؟”

“باري؟ أوه يا إلهي لا أستطيع أن أتصور باري في مثل هذه الأشياء. أنت لا تعرف باري.”

“وهل هو جامعي؟”

“باري؟ تخرج من جامعة برينستون، أظن بأن باري قد أنهى الرابعة والثلاثين لست متأكدة أنا في الحقيقة لم أر باري منذ الصيف الماضي، حسناً هذا ليس حديثنا، عندما كنت ألتقيه في الحفلات كنت أتهرب منه عندما ينظر إليَّ أو كنت أغادر إلى مكان آخر.”

“اعتقدت بأنك معجبة بذلك الفتى.”

“أمم نعم أنا كذلك إلى حد ما.”

“لم أفهم.”

“لنذهب أنا أفضل ألا أتحدث عنه. هو أرهقني بطلباته باختصار، هذا كل شيء.”

” اوه.” قال جيمسون.

“أنا لست متزمتة. لا أعرف. ربما كنت كذلك. لدي معاييري الخاصة وفي طريقي في هذه الحياة أحاول الالتزام بها. أفعل ما في وسعي على أية حال.”

“انظري. كأن هذا السور يهتز.” قال جيمسون.

“ليس الموضوع أني لا أستطيع أن أقدر مشاعر فتى كان يواعدك طوال الصيف ويصرف مالاً لا يملكه على بطاقات المسرح والنوادي الليلية وكل شيء. أقصد بأني أستطيع أن أفهم. هو يشعر بأنه مدين لك بشيء ما. حسناً، أنا لست كذلك. أظن بأني لم أكن السبب. لكنه لم يكن حباً حقيقياً.” قالت إدنا.

“أجل انظري اوه حقاً علي الذهاب، كان علي أن أكون في البيت منذ ساعة مضت لذا أظن أني سأدخل وأشرب كأساً وأمضي.”

“حسناً، ادخل.” قالت إدنا.

“هل ستأتين؟”

“سألحق بك خلال دقيقة هيا.”

“حسناً، إلى اللقاء.” قال جيمسون.

استدارت إدنا باتجاه السياج، أشعلت السيجارة المتبقية في حقيبتها، شغل شخص ما في الداخل الراديو أو أن الصوت ارتفع فجأة، كانت المغنية ترفع صوتها خلال اللازمة من ذلك العرض الجديد وحتى فتيان التوصيل كانوا يبدؤون بالصفير.

لا باب يصفق مثل باب المنخل.

“إدنا! ” ألقت لوسيل هيندرسون التحية.

“مرحباً هاري.” قالت ادنا.

“ماذا تقولين”

“بيل في الداخل، هل لك أن تقدم لي كأساً هاري؟” قالت لوسيل.

“بالتأكيد.”

“ماذا حصل؟  ألست وبيل على انسجام؟ أليسوا هؤلاء فرانسيس وايدي هناك؟” أرادت لوسيل أن تعرف.

“لا أعرف من المفترض أنه غادر لديه الكثير من العمل ليوم الاثنين.”

“جيد، الآن هو هناك على الأرضية مع دوتي ليجيت. فرانسيس وإدي هناك.”

“بيل هذا رجل حقيقي.”

“نعم؟ كيف؟ ماذا تعني؟ “قالت لوسيل.

زمت إدنا فمها على شكل فم سمكة ونفضت رماد سيجارتها.

“معدنه أصيل وشهم، هل لي أن أقول ذلك؟”

“بيل جيمسون؟”

“حسناً، لا ينقصني. فقط دعي هذا الرجل بعيداً عني، ممكن؟” قالت إدنا.

” امم. عش وتعلم. أين ذلك المشروب هاري؟ سأراك لاحقاً، إد.” قالت لوسيل هيندرسون.

عندما أنهت ادنا سيجارتها دخلت أيضاً. سارت بسرعة، مباشرة على الدرج الذي يصعد إلى شقة والدة لوسيل هندرسون المدعم بقضبان للأيدي الفتية التي تحمل السجائر المشتعلة وأقداح الخمر الرطبة. بقيت في الطابق العلوي حوالي عشرين دقيقة وعندما نزلت عادت إلى غرفة الجلوس. كان وليام جيمسون الابن يحمل كأساً في يده اليمنى وأصابع يده اليسرى في فمه تقريباً ويجلس على بعد بضع رجال من الشقراء الصغيرة. جلست إدنا في الكرسي الأحمر الكبير الذي كان شاغراً. فتحت حقيبتها المسائية وأخذت علبتها السوداء الصغيرة المرصعة بالماس وانتزعت إحدى السجائر العشر أو الاثنتي عشرة.

صاحت منادية واضعة سيجارتها على ذراع الكرسي الأحمر الكبير.

” يا، لو! بوبي! ألا تستطيع أن تجد لنا شيئاً أفضل على الراديو! أقصد أن هذه الأغنية لا تصلح للرقص.”

 

 

 

تمرد طفيف بعيداً عن ماديسون[1]

ج.د سالينجر

اعتاد هولدن موريسي كولفيلد على ارتداء معطفه وقبعة ذات حافة عند حرف “V” في الأعلى، لدى حصوله على عطلة من مدرسة بينسي الإعدادية للبنين (“مدرس واحد لكل عشرة طلاب”). عندما كان يستقل باصات الجادة الخامسة، غالباً ما كانت الفتيات اللواتي يعرفنه يعتقدن بأنهن قد رأينه يمر بمتاجر ساكس أو ألتمان أو لورد وتايلور، لكن كان ذلك شخص آخر عادة.

بدأت عطلة هولدن لعيد الميلاد هذه السنة، من مدرسة بينسي الإعدادية، متزامنة مع عطلة سالي هايز من مدرسة ماري أ. ودروف للبنات (” عناية خاصة للمهتمين بالمسرحيات”). في عطلة من ماري أ ودروف، كانت تذهب سالي عادة حاسرة الرأس مرتدية معطفها الجديد الأزرق الفضي اللون المصنوع من فراء فأر المسك. وعندما تستقل باصات الجادة الخامسة، كان الصبية الذين يعرفون سالي غالباً ما يظنون بأنهم قد رأوها تمر بمتاجر ساكس أو التمان أو لورد وتايلور.[2] وكان من يرونه شخصاً آخر عادة.

وحال وصول هولدن إلى نيويورك، استقل سيارة أجرة وذهب إلى المنزل، رمى حقيبة سفره في البهو، قبَّل أمه، كوم قبعته ومعطفه على أقرب أريكة واتصل بسالي.

“هيه! سالي؟” قال عبر سماعه الهاتف.

“نعم. من المتصل؟”

“هولدن كولفيلد. كيف حالك؟”

“هولدن! أنا بخير! كيف حالك؟”

“ممتاز،” قال هولدن. “اسمعي. كيف حالك، بأية حال؟ أقصد كيف هي المدرسة؟”

“جيدة،” قالت سالي. ” كما تعلم.”

“ممتاز،” قال هولدن. “حسناً، ما الذي تنوين فعله الليلة؟”

صحبها هولدن إلى مسرح” The Wedgewood Room” تلك الليلة، وتأنقا كلاهما، ارتدت سالي ملابسها الجديدة فيروزية اللون. رقصا كثيراً. كان رقص هولدن يتمثل بخطوات طويلة، عريضة بطيئة، جيئة وذهاباً، كما لو أنه يرقص فوق بالوعة مفتوحة. رقصا خداً لخد وعندما صار وجهاهما لزجين من التلامس، لم يهتما للأمر. إذ مر وقت طويل على لقائهما الأخير.

تبادلا قبلاً رائعة أثناء ركوبهما سيارة الأجرة عائدين إلى البيت. هولدن كان متفاجئاً مرتين، عندما توقفت السيارة لوقت قصير في زحمة المرور.

“أحبك،” أقسم لسالي، مبعداً فمه عن فمها.

“أوه عزيزي، أنا أحبك أيضاً،” قالت سالي، وأضافت بقدر أقل من الشغف، “عدني بأنك ستطيل شعرك، سخيفة هي القصات القصيرة.”

في يوم الخميس التالي اصطحب هولدن سالي لحضور عرض نهاري لمسرحية “يا خليلتي” التي لم يسبق لأي منهما حضورها.  خلال فترة الاستراحة الأولى، دخنا في الرواق واتفقا بحماس على روعة أداء الثنائي لونت.  كان جورج هاريسون من اندوفر، يدخن في الرواق أيضاً وتعرف إلى سالي، كما كانت تنتظر منه. لقد تعارفا مرة في حفلة ولم يتقابلا منذ ذلك الحين. تبادلا في رواق مبنى الإمباير التحية بسرور بالغ يشبه فرحة من التقى بصديق الطفولة. سألت سالي جورج عما إذا كان العرض قد أعجبه. منح جورج لنفسه بعض الوقت قبل أن يجيب، وهو يدوس على قدم المرأة التي تقف خلفه. قال إن المسرحية نفسها لم تكن تحفة فنية بالتأكيد، لكن الثنائي لونت، كانا بالتأكيد، ملاكين لا شك في ذلك.

“ملائكة، فكر هولدن. ملائكة. بحق المسيح. ملائكة.”

بعد الحفلة، قالت سالي لهولدن إن لديها فكرة رائعة. “لنذهب للتزلج في راديو سيتي الليلة.”

“حسناً، بالتأكيد.” قال هولدن.

“هل أنت جاد؟” قالت سالي. “لا تقل إلا إذا كنت راغباً حقاً. أقصد إنني لن أنزعج، في كل الأحوال.”

“لا،” قال هولدن. “لنذهب. قد يكون الأمر مسلياً.”

كان كلٌّ من سالي وهولدن متزلجين سيئين. شعرت سالي بالألم في كعبيها، بسبب الالتقاء غير الصحيح لأحدهما مع الآخر، ولم يكن هولدن بأفضل حالاً. كان هناك في تلك الليلة مئة شخص على الأقل، وأفضل ما كان في وسعهما القيام به هو مراقبة المتزلجين.

“دعينا نجد طاولة ونشرب شيئاً،” اقترح هولدن فجأة.

“تلك أكثر الأفكار التي سمعتها اليوم روعة،” قالت سالي.

نزعا زلاجتيهما وجلسا إلى طاولة في الردهة الدافئة. خلعت سالي قفازيها الصوفيين الحمراوين. بدأ هولدن بإشعال أعواد الثقاب وتركها تحترق حتى لم يعد بإمكانه الإمساك بها، ومن ثم رمى ما تبقى في منفضة.

“انظر، لا بد من أن أعرف-هل ستساعدني في تزيين شجرة عيد الميلاد؟” قالت سالي.

“بالتأكيد،” قال هولدن دون حماسة.

“أعني أنه لا بد من أن أعرف،” قالت سالي.

فجأة توقف هولدن عن إشعال أعواد الثقاب. وانحنى على الطاولة. “سالي، هل شعرت بالضجر يوماً؟ أعني هل خشيت كثيراً من أن كل شيء سيزداد سوءاً إلا إذا قمت بالتحرك؟”

“بالتأكيد،” قالت سالي.

“هل تحبين المدرسة؟” استفهم هولدن.

“إنها مضجرة للغاية.”

“أقصد هل تكرهينها؟”

“حسناً، لا أكرهها.”

“حسناً، أنا أكرهها،” قال هولدن. “يا ولد، أنا أكرهها! لكن ليس ذلك فقط. بل كل شيء. أنا أكره العيش في نيويورك. أكره حافلات الجادة الخامسة وحافلات جادة ماديسون والخروج من أبواب المركز. أكره فيلم الشارع الثاني والسبعين، بتلك السحب المزيفة على السقف، وأن أتعرف على أولاد مثل جورج هاريسون، والنزول بالمصاعد عندما تودين الخروج، وأولاد يقيسون بنطالك طوال الوقت في محلات بروكس.” أصبح صوته أكثر إثارة. “أشياء مثل هذه. هل تعرفين ما أعنيه؟ هل تعرفين شيئاً؟ أنت السبب الوحيد الذي يجعلني آتي في عطلة.”

“أنت حلو،” قالت سالي، متمنية لو يغير الموضوع.

“يا ولد، أكره المدرسة! عليك أن تذهبي إلى مدرسة الصبية يوماً ما. كل ما تفعلينه هو الدراسة، وتتظاهرين بالاهتمام إذا ما فاز فريق كرة القدم، وتتحدثين عن الفتيات والثياب والخمر و-”

“الآن، اسمع،” قالت سالي مقاطعة. “الكثير من الأولاد يحصلون من المدرسة على ما هو أكثر من ذلك.”

“أوافق،” قال هولدن. “لكن هذا كل ما حصلت عليه منها. هل تفهمين؟ هذا ما أعنيه.  أنا لا أحصل على أي شيء من أي شيء. أنا في حال سيئة. أنا فاشل.  انظري، سالي.  كم تودين فقط لو تغادرينها؟ إليك فكرتي.  سأستعير سيارة فريد هاسلي وغداً صباحاً سننطلق إلى ماساشوتس وفيرمون ونواحيهما، أترين؟ إنها جميلة.  أقصد أن الذهاب إلى هناك رائع، صدقاً.  سنبقى في تلك المخيمات وأشياء من تلك إلى أن أفلس. أملك مئة واثني عشر دولاراً. ومن ثم عندما تنتهي النقود، سأحصل على عمل وسنعيش في مكان ما بسرية وخصوصية. هل تعرفين ما أعنيه؟ صدقاً، سالي، سيكون لدي وقت رائع. ومن ثم فيما بعد، سنتزوج أو شيء ما.  ماذا تقولين؟  هيا! ما تقولين؟ هيا!  لنفعلها، ها؟”

“لا يمكن فعل شيء كهذا بهذه الطريقة،” قالت سالي.

“لمَ لا؟” سال هولدن بحدة. “لمَ لا بحق الجحيم؟”

“لأنه لا يمكنك،” قالت سالي. “ليس باستطاعتك وحسب هذا كل شيء. افرض أن النقود التي بحوزتك نفدت ولم تحصل على عمل فماذا حينها؟”

“سأحصل على عمل. لا تقلقي بهذا الشأن. ليس عليك أن تقلقي بخصوص هذا الجزء ما المشكلة؟ ألا تودين الذهاب معي؟”

“ليس هذا،” قالت سالي. “ليس هذا على الإطلاق. هولدن، لدينا الكثير من الوقت لفعل هذه الأشياء-كل هذه الأشياء. بعد أن تذهب إلى الكلية ونتزوج وكل شيء. وسيكون هناك الكثير من الأماكن الرائعة التي يمكننا الذهاب إليها.”

“لا لن يكون،” قال هولدن. “سيكون الأمر مختلفاً كلياً.”

نظرت سالي إليه، لقد كان يناقضها تماماً.

“لن يكون الأمر نفسه على الإطلاق. سيكون علينا أن ننزل في المصاعد مع حقائب وأشياء. سيكون علينا أن نتصل بالجميع لنودعهم ونرسل إليهم البطاقات البريدية. وسيتوجب عليَّ العمل مع والدي وركوب حافلات جادة ماديسون وقراءة الجرائد. سيكون علينا الذهاب إلى الشارع الثاني والسبعين طوال الوقت ونشاهد الأخبار في السينما. أخبار السينما! هناك دوماً سباق خيول تافه وثمة سيدة تحطم زجاجة على السفينة. أنت لا تفهمين ما أعنيه أبداً.”

“ربما لا أفهم. ربما أنت لا تفعل، أيضاً،” قالت سالي.

وقف هولدن، وألواح التزلج تترنح على كتفيه.

“لقد تسببت لي بألم كبير،” أعلن بشكل محايد تماماً.

بعد منتصف الليل بقليل، جلس هولدن برفقة ولد بدين غير جذاب يدعى كارل لوسي في حانة وادسورث، يشربان الويسكي والصودا ويأكلان رقائق البطاطا المقلية، كان كارل في مدرسة بينسي الإعدادية أيضاً ويتقدم صفه.

“هيه، كارل،” قال هولدن، “أنت واحد من هؤلاء الأولاد المثقفين. قل لي شيئاً. بافتراض أنك كنت مشمئزاً. بافتراض أنك كنت ماضياً نحو جنون صارخ بكل ما في الكلمة من معنى. بافتراض أنك رغبت في ترك المدرسة وكل شيء والخروج من نيويورك. ما ستفعل؟”

“اشرب،” قال كارل. “فليذهب ذلك إلى الجحيم.”

“لا، أنا جاد،” اعترف هولدن.

“أنت تبحث عن المشاكل دوماً،” قال كارل، ونهض ثم غادر.

واصل هولدن الشراب. شرب بقيمة 9 دولارات من الويسكي والصودا، وفي الساعة الثانية صباحاً خرج من الحانة إلى كشك صغير، حيث كان هناك هاتف. اتصل بثلاثة أرقام قبل أن يطلب الرقم الصحيح.

“الو!” صرخ هولدن في الهاتف.

“من هناك؟” استفسر صوت بارد.

“هذا أنا، هولدن كولفيلد. هل بإمكاني التحدث إلى سالي، لو سمحت؟”

“سالي نائمة. أنا السيدة هايز. لمَ تتصل في هذه الساعة؟”

“هولدن؟”

“أود التكلم مع سالي، سيدة هايز. لأمر هام جداً. دعيها تكلمني.”

“سالي نائمة، هولدن. اتصل في الغد. ليلة سعيدة.”

“أيقظيها. أيقظيها، ها؟ أيقظيها، سيدة هايز.”

“هولدن،” قالت سالي، من جهاز هاتف آخر. “هذه أنا. ما الأمر؟”

“سالي؟ سالي، أهذه أنت؟”

“نعم. أنت ثمل.”

“سالي سآتي في ليلة الميلاد. لأزين الشجرة من أجلك. ما تقولين؟ ها؟”

“نعم، آوِ إلى سريرك الآن. أين أنت؟ من معك؟”

“سأزين الشجرة من أجلك. ها؟ ما قولك؟ ها؟”

“نعم، اذهب إلى النوم الآن. أين أنت؟ من معك؟”

“سأزين الشجرة من أجلك. ها؟ ما قولك؟ ها؟ حسناً؟”

“نعم! تصبح على خير!”

“ليلة سعيدة. ليلة سعيدة. حبيبتي سالي. سالي الحبيبة، عزيزتي.”

أغلق هولدن الهاتف ووقف بالقرب لمدة ربع ساعة تقريباً. ومن ثم وضع قطعة معدنية أخرى في الشق واتصل بنفس الرقم مجدداً.

“ألو!” صرخ في السماعة. “أود التحدث إلى سالي، لو سمحت.”

حدثت قرقعة حادة لدى إغلاق الهاتف، وأغلق هولدن أيضاً من جهته، وقف يترنح للحظة. ومن ثم توجه إلى مرحاض الرجال وملأ واحداً من الأحواض بالماء البارد. غمس رأسه حتى أذنيه، ومن بعدها مشى يقطر ماء نحو المشعاع وجلس عليه. جلس هناك يعد المربعات بلاط الأرض بينما الماء يقطر من وجهه ومن عنقه، مبللاً ياقة قميصه وربطه عنقه.

بعد عشرين دقيقة دخل عازف البيانو في الحانة ليسرح شعره المموج.

“هيه يا ولد!” حياه هولدن من على المشعاع. “أنا على المقعد الحار. لقد أداروا زر التشغيل. إني أتقلى.”

ابتسم عازف البيانو.

“يا ولد، بإمكانك العزف!” قال هولدن.” أنت حقيقة تستطيع العزف على البيانو. عليك الذهاب إلى الإذاعة. هل تعرف ذلك؟ أنت جيد جداً، يا فتى.”

“هل تريد منشفة، يا رفيق؟” سأل عازف البيانو.

“ليس أنا،” قال هولدن.

“لم لا تذهب إلى البيت، يا ولد؟”

هز هولدن رأسه. “ليس أنا،” قال، “ليس أنا.”

هز عازف البيانو كتفيه معيداً المشط النسائي الصغير إلى جيبه. عندما غادر الغرفة، نهض هولدن عن مشعاع التدفئة المركزية وطرف بعينيه عدة مرات لتخرج منها الدموع. ومن ثم ذهب إلى غرفة الملابس. لبس معطفه دون أن يزرره وضغط قبعته على رأسه الرطب المبلل.

اصطكت أسنانه بشدة، وقف هولدن على الناصية وانتظر باص جادة ماديسون، لقد كان انتظاراً طويلاً.

[1]  تمرد طفيف بعيداً عن ماديسون، القصة التي ستكون الأساس لرواية سالينجر الشهيرة، الحارس في حقل الشوفان، والتي تتضمن نسخة معدلة من القصة في فصلها السابع عشر.

[2]  أسماء لمتاجر في نيويورك.

اذهبي وقابلي ايدي

ج.د سالينجر

كانت غرفة نوم هيلين تُرتب دوماً أثناء استحمامها، حتى إذا ما خرجت من الحمام كانت تسريحتها خالية من حناجير المراهم والمناديل المتسخة في الليلة السابقة، تنعكس في مرآتها صورة الملاءات المرتبة ومساند المقاعد المنقطة. عندما يكون الطقس مشمساً، حاله الآن، تلقي الشمس بأشعتها الدافئة مبرزة الألوان الزاهية المنتقاة من دليل صغير للديكور.

كانت تسرح شعرها الأحمر الكثيف عندما دخلت الخادمة إلسي.

“سيدتي، السّيد بوبي هنا.” قالت إلسي.

“بوبي؟” سألت هيلين. “اعتقدت بأنّه في شيكاغو. ناوليني ثوبي –إلسي-ثمّ دعيه يدخل.”

واصلت تسريح شعرها وهي تسوي ثوبها الأزرق لتغطي ساقيها العاريتين الطويلتين، وبسرعة مباغتة كان يمر بها رجل طويل له شعر بلون الرمل يرتدي معطفه البولو، يمسها برفق مداعباً بسبابته ظاهر رقبتها. توجه مباشرة إلى الأريكة في الجانب الآخر من الغرفة وتمطمط قبل أن يخلع معطفه. رأته هيلين من خلال مرآتها.

“مرحباً،” قالت.” لا تخربها فقد تم ترتيبها تواً. اعتقدت أنك في شيكاغو.”

“عدت ليلة أمس،” قال بوبي متثائباً.” يا إلهي أنا متعب.”

“وهل كانت رحلتك ناجحة؟”  سألت هيلين.” ألم تذهب لسماع مغنية ما أو شيء من هذا القبيل؟”

“أوه.” أجاب بوبي مؤكداً.

“هل كانت المغنية على شيء من الجودة؟”

“لم يكن صوتها جميلاً بقدر ما كنت بارعة في هزِّ صدرها.”

وضعت هيلين فرشاتها، نهضت، وجلست في الكرسي الذي بلون الخوخ المقابل لقدمي بوبي. أخرجت من جيب ثوبها مبرداً وراحت تمرره على أظافرها الطويلة، المطلية باللون الوردي. واستفسرت: “وما الذي تعرفه أيضاً؟ ”

“ليس الكثير.” قال بوبي.

جلس مهمهماً، أخرج علبة السجائر من جيب معطفه، ألقى بها خلفه، ثم نهض ليخلع المعطف ورماه على سرير هيلين مبعثراً أشعة الشمس التي كانت تحتل المكان. واصلت هيلين برد أظافرها. جلس بوبي على حافة الأريكة، أشعل سيجارة متكئاً على حجره. كانت أشعة الشمس تغطيهما مبرزة جمال بشرة هيلين أما بوبي فلم تظهر الشمس منه سوى قشرة رأسه والجيوب تحت عينيه.

” هل تودين أن تعملي؟” سألها بوبي.

“أي عمل؟  أي نوعٍ من الأعمال؟” قالت هيلين وهي تبرد أظافرها.

” يستعد إدي جاكسون للبدء بالتدريبات على استعراضه الجديد. رأيته ليلة أمس. لو ترين كم يزداد الشيب في رأس ذلك الرجل. قلت له: هل يوجد مكان لأختي؟ قال: ربما، وأخبرته أنك قد ترغبين في العمل.”

” جيد أنك جعلت من هذا مجرد احتمال. أي عمل هو؟ الثالثة إلى اليسار أو شيء من هذا القبيل؟” قالت هيلين وهي تنظر إليه.

“لم أسأله عن نوع العمل. لكنه أفضل من لا شيء، أليس كذلك؟”

لم تجبه هيلين وواصلت برد أظافرها.

“لماذا لا تريدين أن تعملي؟”

” لم أقل إنني لا أريد.”

“حسناً، ثم ما المانع من رؤية جاكسون؟”

“لم أعد راغبة في العمل في جوقة مجدداً. إضافةً إلى أني أمقت ألحان إدي جاكسون.”

“نعم.” نهض وذهب إلى الباب ونادى الخادمة،” إلسي! هاتِ لي كوباً من القهوة!” ثم عاد إلى مكانه.

“أريدك أن تقابلي إدي.” قال لها.

“لا أريد رؤيته.”

“أريدك أن تريه. ضعي جانباً هذا المبرد اللعين لدقيقةٍ واحدة.”

استمرت تبرد أظافرها متجاهلة طلبه.

“أريدك أن تذهبي إلى هناك بعد ظهر اليوم، أتسمعين؟”

“لا لن أذهب إلى هناك عصر اليوم ولا في عصر أي يوم آخر. من تظن نفسك حتى تأمرني؟” قالت له هيلين مصالبة ساقيها.

بلكمة خفيفة من يده أوقع المبرد من بين أصابعها. لم تنظر إليه ولم تلتقط المبرد من على السجادة. فقط نهضت وعادت إلى تسريحتها لمتابعة تسريح شعرها الأحمر الكثيف. تبعها بوبي ليقف وراءها متحرياً عينيها في المرآة.

“اسمعيني، هيلين أريدك أن تقابلي إدي بعد ظهر اليوم؟”

“وماذا ستفعل إذا لم أذهب إلى هناك، أيها الرجل القوي؟” قالت هيلين مسرحة شعرها.

“هل تودّين أن أخبرك حقاً؟ هل تودين أن تعرفي ما أنا فاعل إذا لم تذهبي؟” قال مقاطعاً.

“نعم، أريد أن أعرف ماذا ستفعل إذا لم أذهب.” قالت هيلين ساخرة.

“لا تستفزينني وإلا سوف أشوه لك هذا الفم الساحر. لذا ساعديني، أريدك أن تذهبي. عليك أن تري إدي وأن توافقي على ذلك العمل اللعين.” قال بوبي محذراً.

” لا، أريدك أن تخبرني ما أنت فاعل إذا لم أذهب الى هناك.” قالت هيلين ولكن دون أي نبرة مستفزة.

” سأخبرك ما أنا فاعل.  سأهاتف زوجة خليلك القذر وأخبرها عما يدور بينكما.” قال بوبي مراقباً عينيها في المرآة.

“امضِ! اذهب فوراً، أيها الرجل الحكيم! هي تعرف كل شيء!” هيلين مقهقهة كحصان.

“تعرف، إيه؟” قال بوبي.

“نعم، تعرف! ولا تدعو فيل بالقذر! أنت تتمنى لو كنت بنصف وسامته!”

“هو قذر حقاً. محتال حقير قذر، ثمنه دولاران فقط خليلك القذر الرخيص هذا.” صرح بوبي.

“كل شيء يأتي منك فهو جيد.”

“هل سبق وأن رأيت زوجته؟” سألها.

“نعم رأيت زوجته، ماذا بها؟”

“هل رأيت وجهها؟”

“وما المميز في وجهها؟”

“لا شيء! ليس لها فم ساحر مثل فمك. إنه مجرد وجه لطيف. لماذا بحق الجحيم لا تتركين زوجها الغبي وشأنه؟”

” ليس من شأنك!” قالت هيلين بحدة.

وفجأة انغرست أصابع يده اليمنى في جوف كتفها. صرخت متألمة، التفتت، ومن موقع ضعف ولكن بكل ما أوتيت من قوة، وجهت ضربة عنيفة إلى يده بفرشاتها. ملتقطاً أنفاسه، استدار بسرعة شديدة لتصبح هيلين وإلسي الخادمة خلفه، التي جاءت بقهوته. وضعت إلسي الصينية على حافة النافذة بجانب الكرسي الذي كانت تجلس عليه هيلين تعتني بأظافرها، ثم انسحبت خارجة من الغرفة.

جلس بوبي يرتشف قهوته السوداء مستعيناً بيده الأخرى. بدأت هيلين، عند التسريحة، بترتيب شعرها وربطته على شكل كعكة كبيرة على طراز قديم.

استغرقت هيلين وقتاً طويلاً في تصفيف شعرها وكان بوبي قد أنهى قهوته وجلس يدخن وينظر عبر النافذة. لملمت أطراف ثوبها أقرب إلى صدرها، جلست على الأرض قربه وندت عنها آهة خفيفة إذ كادت تتعثر فاقدة توازنها. وضعت إحدى يديها على كاحله ملاطفةً، وخاطبته بنبرة مختلفة:

“بوبي، آسفة. لكنك أفقدتني هدوء أعصابي، عزيزي. هل آذيت يدك؟”

” يدي لا تهم ” قال مبقياً يده في جيبه.

“بوبي، أنا أحب فيل. أقسم بشرفي. لا أريدك أن تظن أنها مجرد علاقة عابرة. أنت لا تفعل، أليس كذلك؟ أعني بأنك لا تظن بأني ألهو فقط محاولة إيذاء الناس؟”

بوبي لم يجب.

“أقسم لك بوب. أنت لا تعرف فيل. هو حقاً شخصٌ رائع.”

نظر بوبي إليها وقال: ” أنت وأشخاصك العظماء الملاعين ما زلت تتعرفين على المزيد منهم. ذلك الرجل من كليفلند. بحقّ الجحيم ما كان اسمه؟ بوثويل. هاري بوثويل. وماذا عن ذلك الأشقر الذي كان يغنّي في بيل كاسيدي، لقد اجتمعت باثنين من أكثر الأشخاص العظماء لعنة.” نظر عبر النافذة ثانيةً. “أوه، بحق المسيح، هيلين.” قال أخيراً.

“بوب، تعرف كم كان عمري وقتها. لقد كنت صغيرة جداً. تعرف ذلك. لكن بوب، ما يحصل الآن مختلف. صدقاً مختلف وما أحس به اليوم لم أعشه أبداً من قبل. بوب، هل تعتقد في قرارة نفسك بأن علاقتي مع فِيل مجرد علاقة عابرة حقاً؟” قالت هيلين.

نظرَ بوبي إليها ثانيةً، رافعاً حواجبه، مرققاً شفاهه وسألها: “أتعرفين ماذا سمعت في شيكاغو؟”

سألت هيلين بلطف وبينما تداعب بأطراف أصابعِها كاحله: “ماذا بوب؟”

“سمعت رجلين يتكلّمان. لا تعرفينهما. كانا يتحدّثان عنك. أنت وهذا الرجل الذي يشبه الحصان، هانسون كاربينتر. يشوهان سمعتك في كل مكان.” توقف، “أنت على علاقةٍ معه أيضاً، هيلين؟”

“ذلك كذب لعين، بوب، بالكاد أعرف هانسون كاربينتر بما يكفي لألقي عليه التحية.” أخبرته هيلين بهدوء.

“ربما يكون هذا صحيحاً! لكنه شيء رائع أن يستمع أخ إلى هذه الأحاديث عن أخته، أليس كذلك؟ كلّ شخص في البلدة يضحك كالحصان عندما يراني قادماً!”

“بوبي. إذا كنت تصدق تلك التفاهات فذلك هو خطؤك اللعين. ماذا يهمك مما يقولون؟ أنت أكبر منهم.  ليس من الضروري أن تعير أي انتباه إلى عقولهم القذرة.”

“أنا لم أقل إنني أصدق ذلك. هذا ما سمعته يقال وذلك سيئ بما فيه الكفاية، أليس كذلك؟”

“حسناً، هذا ليس صحيحاً، هات ناولني سيجارة من عندك، همم؟” قالت له هيلين.

رمى علبة السجائر فأعواد الكبريت إلى حضنها. أشعلتها، دخنت، وأزالت قطعة التبغ من لسانها بأطراف أصابعها.

صرح بوبي موجزاً: “أنت كنت دائماً إنسانة رائعة مفعمة بالعاطفة.”

قالت الفتاة الصغيرة هيلين: “أوه! ولم أعد كذلك؟”

أما هو فالتزم الصمت.

“اسمعي، هيلين. سأخبر ك. تغدّيت قبل أيام من ذهابي إلى شيكاغو مع زوجة فيل.”

“نعم؟”

“إنها إنسانة رائعة وراقية.”

“راقية، هه؟”

“نعم. اسمعي. اذهبي لمقابلة إدي بعد ظهر اليوم. لن تخسري شيئاً. اذهبي وقابليه.”

“أكره إدي جاكسون. انه يحاول التلاعب بي دائماً.” قالت هيلين وهي تدخن.

“اسمعي،” قال بوبي، وهو ينهض.” تعرفين كيف تقفلين الباب في وجهه عندما تريدين.”

وقف بجانبها.” عليَّ أن أغادر. لم أذهب إلى المكتب بعد.”

نهضت هيلين وراقبته وهو يرتدي معطفه البولو.

قال بوبي وهو يلبس قفازيه المصنوعين من جلد الخنزير: “اذهبي وقابلي إدي، سمعتِ؟”

“سأتصل بك قريباً.” قال مزرّراً معطفه.

“أوه، حقاً ستتصل بي قريباً! متى؟ في الرابع من تموز؟” قالت هيلين موبخة.

“لا. قريباً. لقد كنت منشغلاً مؤخراً أكثر مما تتخيلين. أين، قبعتي؟ أوه، صحيح لم أجلبها معي.”

رافقته حتى الباب الرئيس، وقف في المدخل منتظراً المصعد. ثم أغلقت الباب وعادت مسرعة إلى غرفتها. ذهبت إلى الهاتف وأجرت اتصالاً بسرعة شديدة لكن بدقة.

“مرحباً؟” قالت في السماعة.” دعني أتكلّم مع السّيد ستون، رجاءً. قل له الآنسة ميسن.” وللتو أتى صوته. “فيل؟” قالت.” اسمع. كان أخي هنا منذ برهة. وهل تعرف لماذا؟ لأن زوجتك الصغيرة المحبوبة الفاسارية الملامح أخبرته عما بيننا. نعم! اسمع، فيل. اسمعني أنا لا يناسبني ذلك. لا يهمني فيما إذا كنت تعرف كيف ستتعامل مع ما حصل أو لا. هذا لا يناسبني. لا أهتم. لا أستطيع. لدي ارتباط سابق. لا أستطيع اللّيلة. يمكنك أن تدعوني غداً. أنا جدُّ منزعجة بشأن كل ما حصل. قلت إنه باستطاعتك أن تدعوني غداً، فيل. لا. قلت لا. فيل. مع السّلامة.”

أقفلت الخط، وضعت ساقاً فوق الأخرى، وراحت تقضم جلد إبهامها.

ثمّ استدارت وصرخت بصوت مرتفع: “إلسي!”

دخلت إلسي إلى الغرفة.

“خذي صينية السّيد بوبي.”

عاودت هيلين الاتصال بعد خروج إلسي من الغرفة.

“هانسن؟ هذه أنا. إننا. نحن. أنت كلب.” قالت.

 

HOKKU

WRITING THROUGH THE SEASONS

شوشرة وكتابة

ترجمات، مقالات، يوميّات

Book Rhapsody

A rhapsodic look at books.

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 410 متابعون آخرين