Feeds:
تدوينات
تعليقات

Andrew_Nance

مهجور

الاستبصار انفجار كيميائي كامن في الدماغ. نحب

شفته العليا، جلدة ظفره، عندما نفرُّ في غسق الشرفة،

من الخسارة المكبوحة المعلنة عبر محادثة

تقليدية وتيار من العواطف. تبدو الحقيقة بين

نقطتي حرف العلة، تلخيص، وتصريف للثقة

الداعمة لحقائق مغلوطة دوماً، في سبيل-تخميناً منا-حيوية

مستهلكة ولفظها الزوجي اللاذع. غارقة بالعرق

غير مقيدة. العزلة هنا هي عزلة لم يعد يحس بها في أي مكان.

 

 

سيرة قديس(1)

 

التفكير بالخيش كجسدٍ، التفكير

بالجسد كمحطة، التفكير

بهذه القصيدة بعد الممات.

كما لو أننا نفكر بالكراج خلف المنزل

والعَدَو عند الباب، بمثابةِ

طبيعةٍ طبيعية، أو الشُّعور بإسقاطٍ رقمي

على الأشجار.

محاولة القصيدة ربطَ

الطبيعة بالفن هي في الواقع

محاولتها لربط الحياة

بمجموعةٍ من عقائد صدرت حديثاً.

فكّي يغلق فجأة

عندما أهمُّ بفتحه تماماً. جهادٌ أكبر

يحدث داخل رئتي

أوقفهُ بالنوم.

نحن لا نعيش في هدوءٍ تام مطلقاً.

الدُّخان الذي أتنفسه يتكونُ من أجزاء متساوية من الزرنيخ والفحم،

ويدخل على ذهَب.

قيل لي أني أفتقر للشفقة على

أشكال أخرى من العاطفة. السماسرة، نعم،

لكن أيضاً البهائم

الجميع يوافق بعنف. كان يوم

موتهِ يوم صعود زحل.

سيرة قديس(2)

كيف لي أن

أكون جديراً؟ يد مضاءة إلكترونياً من الخلف

والأخرى

تعتني بمجلد. هل

تذكر القرن السادس عشر؟

أذكر غالباً

مصابيح الشارع

تتدلى

على الأرصفة. أذكر

غالباً كيف عشت عموماً.

وأني لم أكن يوماً

في عزلة. معظمنا

يلتقط

صوراً للشاشة. أغلبها

في الحمام مع زجاجة بيرة.

الأسى المنتشر على

هذه الورقة

يفسد في الشمس.

ما سبق

منشور بعد الواقعة

بكل الأحوال. أشعر بخفة

أكبر وأنا أجر حياتي

بمقياسها الزمني

الدقيق المفصول.

سيرة قديس(3)

 

دوماً هو عتيقٌ بالفعل.

ينتقل الهواء من الخارج إلى الداخل كما لو أنه

لن ينسحبَ قطّ. الحياة موجودة

بما يكفي تماماً لسيرة.

ليست وفيرة حقاً. أنا ألوِّح

بإيماءاتٍ جوفاء نحو

إوزةٍ ثابتة. ألتقط

صورة للشمس عبر

سلسلةٍ من المرايا. هناك

على شبكة الانترنت، هناك

تتدلى مثل جوَّالٍ فوق

دماغي. أوه! حِدّةٌ مباركة

لمشاهدات الصفحة. دون

نظارتكَ تراني

كأني أضع نظارتك.

سيرة قديس (4)

مواسم الفئران والقضيمات الصغيرة،

الناضجة، مشهد الشمس

مباعٌ في حركةِ سوقٍ صاعدة،

آلة الزمن، ترسانة ديود

متبلور مؤخراً.

كادر السجن يُضرب

لمساومة جماعية

في حين أخبرني الاتصال الذي تلقيته

أني أدين الآن بأكثر من

شهادة معاصرة في الفنون الجميلة. أنا أدنو كثيراً من

المصداقية، أو أيضاً سرعان ما

لن أرى. إذ أن

طريقتي: أنظر إلى

السقف، أرتدُّ

نحو تناغمٍ كهربي.

سيرة حياة قديس (5)

أولاً هناك الهاتف الذكي

يشع في زاوية

حانة-ذبالة من ذبالاتٍ كثر-

برسالةٍ: العالم

مغطى بالقذارة. ثم لاحقاً،

تقبِّلين غريباً

في سيارة بيضاء صندوقية-مقصورةٌ

للتقبيل-وتقطعين

عهداً تلو آخر.

الفردوس، تفكرين،

هو المكان الوحيد الذي يرضيك.

أولاً، ثم أخيراً-يوقظك

في الضحى و

تتذكرين: الفواتير، الأصدقاء الذين يكرهونك،

موت أخيكِ، أبيكِ

أمك…

تدركين أن العزلةَ

بيولوجية، غريزية،

وتتعزين، لهذه

النهاية، بموتِ الأحياء جميعاً.

هالة معكوسة

“ليمت وطني في سبيلي.”

جيمس جويس.

كيف تتسيد الغربان السود الدماغ الأحمر في مقهاه

بينما تزل كحلتنا الزرقاء و تميع، تنبعث رائحة كريهة

من دفة ظهورنا الطاعنة في السن –أيها الفارس، أيها الفارس

توجني ملكاً-بولينك يعزف “حفنة من الدولارات”[1]

على الاكسيلفيون، وجلدة جفوننا ترتعش

تحت مكيف الهواء مثل بندقية رابضة. مذابح

تقشعر لها أبداننا عندما تتهاوى دولاراتنا

أخيراً قائلين، أمامنا الكثير لنراه ونعمله، الكثير

لنفعله قبل أن تنفصل المضغة

ويتوجب علينا جميعاً أن نتضاجع. أمام مقهاه،

نستريح، ندخن، ونناقش الفرق بين

السكروز و بريطانيا العظمى-غاز السارين، القرار 687- نحب

كل “كأن” منطوقة كنبات معرش، كل

من أنا؟” تيجان، مثل مسترخٍ، نسختها الأصغر”

من فعل موسع، كلها تعني في النهاية أننا

لا نملك الوقت لكثير من القلق. سوف

نواصل العواء بطرق رسمية فقط، تسجيل حي

دون أي إشارة للمتعة، رجل إنقاذ، أو ما

قد نفكر به كمواقف

فردية لنوع محدد من البروليتاريا-أعرب خالد

الشيخ محمد بكلام مقفى وجامد

بين عينات صغيرة من الأتيفان على أنفاسنا.

حق فروست

 

عندئذ ليس لدي ما أظهره

سوى جمجمة

اميلي ديكنسون.

 

شوهت المسافة شيمي الأكثر نبلاً.

أهمها: الطريقة التي عقدت بها الخبز

في ذلك المقصف الذي يُغلي أسعاره. سامحني على هذا الضُّر

الذي تسببت لنا به.

في الظلام، لم يكن سوى النقاء على المحك-

حملة تلفزيوني لمنح النزر اليسير من الجمال.

لكن، كما قال المعمدان، كل شيء ضئيل قد يكون،

في النهاية، مفيداً عند الحاجة.

أما بالنسبة

للثقة التي منحتها في الأيام الأخيرة فقد أعدتها إلى مكونات

فكرت بها أخيراً-ولو أن الكلمة انتشرت

في رئتي، شوهت أغنية مقدر لها أن تتحجر –

فلماذا يتخلى فمي الفارغ عن عشبته الضارة؟

دقة راهنة؟ لافتة وضعت لتقنعني

بالدنو منها-زهور الخشخاش، ذاوية، لونها

موصوف، كما في أفضل الرموز، بالشجاعة.

في الظلام، أنا متعب من هذا الدرع-سأدفنه

في حقل أوكلتني عليه معرض للخطر في

ذكراه السنوية-كثيراً ما اختزل الانسان إلى أداة.

ثمة معلم آخر

جعلتني الاستقامة استقصائياً. ممتحناً إياها

مثل قلنسوة-عروض صراحتي المسكنة –

دومت الأسرار عائدة إلى نقطة انطلاقها

والمخارج كانت خلال تلك المفاصل الصغيرة

في الذاكرة: استرداد من ناحية

ومن ناحية أخرى خيال تهكمي.

هذا عندما

نصبت الركيزة في يوم عمل منهوب –

ثقتي مع الوقت تعمي

فرصتي في الانتماء إليه-قد أخلص نفسي

وأتعلق كالأشياء المتدلية

من مروحة السقف، على وشك الاختناق.

أليس من

طريق أفضل للخروج غير هذا الخندق؟

أليس من طريقة أخرى عدا تلك التي تبقيني

منحنياً نحو فيء

الظلال النامية؟ بوسعك دوماً القبول أو الرفض-

ما لا ينطبق على السرطان-لكن، كيفما كان، لا زلت

أفتقده.

.                                                                                                                       جمهور الحياة

عالق مجدداً في موشور مشتهى ولو أنه

معطل وبعيد، الحب مغتصب

من تلك الأيام العادية الشديدة البرودة

والمتبقية ظاهرياً. الخط الساخن، مشغول الآن،

لأننا لم نتعلم أبداً كيف نحتاط

من حب وسيم -خطأ مثمر

ينحني على صدورنا ونحن نتصنع السقوط

في مقعد سيارة خلفي-وجه بارد

أعلن عن جائزتنا وانتزعنا

من التوق.

فعندما نقول

أن الأسوأ انتهى من أساسه –

يتوقف أذى الغسق المنثعب عندما يدهم المطر

الثلج في سدود صغيرة-لا يظهر طريق العودة

إلا في ذكر الحب وليس،

كما أملنا، في شكل المشاعر.

الصحيفة الملطخة بالحبر تهمل الجليد

في غير أوانه وتستعرض

في نفس الوقت صورة للرئيس

في بوفالو، ولا نزال نسمع أنفسنا مرددين أننا

نتقدم نحو شتاء منعزل تاريخياً-

مكبوح وهو يعم مناطق

أخرى من البلاد. برغم ذلك، في النهاية،

الأرجحية التي نعتمد فيها على الحب

ستصمد أكثر حتى عندما ينتهي

الفصل، ونجد فائدة أكبر في استظهار

حيواتنا عن ظهر قلب.

رباطة جأش

بمناوبات ليلية عند قبري، أرى، في الثقوب

المنسكبة من الخضرة نوراً

داخلياً. فمي حافل بالغائب، عابر

نحو جسدي، وأنا في ذلك جمع

من الشهود-قصة تتأهب، عما قريب.

هذه الخسارة تثير صدقيتها مثل شباب ينأى

عن تململه.

كيف لامرئ

أن يرتجف بالثقة؟ يسأل أحدهم، بكل بساطة

للمحبوب الذي يدعوه لقبلة واثقة بنفسها.

أحاطتني غفلتي السرمدية و/ أو

تقرير المحقق السابق

بحصانة ضعيفة-حسيرة البصر.

انخفاض الستارة يسمح بدخول الضوء.

الصباح، المرسل عبري، يأتي لاحقاً

الآن إذ عدتني غير عازم.

ابتهج لوعد-عهد فاتر قد

يصير موتاً-ولو أن الألم

يلتفت نحوي، أجدني مسيطراً

على النقائص التي عهدت بي لي.

ثواب

 

منتظراً خمود محادثة الربيع الدافئ البغيضة

بسبب فحواها المالي، بناءها المرصوص،

هياكل وجوهنا تضيق مرحبة، أو بالحري،

ارتعاش يخاطر في إبداء الرأي ليوضح أن كل شيء

على وشك أن يتغير خاضع لضريبة جماعية. مع ذلك نبقى على

اتصال، هو ليس مجرد رقم شخص آخر نكف عن الاتصال به-

سحابة تلكم بشدة-خط التقاء خندق الساعات الأخير

محذرة أن قادماً صغيراً غاية في الرقة، كما يفعلون،

في هيئة النوم، أو أنه عهد ابن أبرشيتنا

العصبي عن وفرة الثمر، نوع من النفايات الصلبة،

أياً كانت ” النفايات” التي قد تلفظ أخيراً. خذ لقطة

أخرى في الحمام في جشع هذا الصباح البليد

وسترى: ما من نفقة اقتصدت بالمال-التنصت على

موسم جديد من مسلسل” شؤون القلب”، نعلم تماماً

أي يوم نحث ونقود الأوباش إلى مصب مصرف

وأي يوم من الأفضل أن نتجنب فيه هذا النوع من الأعمال.

رصيف

” أعتقد أن هناك شرطي”

رامبو

1

كم مرة يمكننا أن نراه

قبل أن يصبح مملاً؟ –

صورة ساكنة تحيط بأخرى

في ألواح نافذة زجاجية متحدة

المركز، سديم غسق متبدل اللون

عالق بين الأصبغة، أو مرآة

تعكس طاقة الحاضر

المتواصلة وهو يسيج

كل الزوايا المحتملة

لنظرة على مدرج الصباح الأوبرالي.

الإيمان ثمرة التجدد، نعم،

ولكن إذا كان لدينا الوقت

للتفكر بطيفنا

في وقت الفراغ بينما في مكان آخر

المعاناة التي لم نشعر بها يوماً أصبحت

معتادة ودائمة، سنقول لأنفسنا

أن قفلاً يوجد حيث

نلوح آخرين في نفس الوقت

وبأننا نحن نتأرجح-

الشمس لا زالت تغرب لتصل في

نفس اللحظة التي تغادر فيها

عيننا الحمراء الأرض. إبصار بدرجة 20-20

يوجد بشكل أساسي في استبصار عدد صحيح

وافر، كما في ضرب من الفراغ الذي لا يمكن

أن يوجد على أي شكل

تمكن معرفته،

فلسفة يقينية عن

تأنق الشك

القيود الموضوعة لدعم

أغلفة الأرض الأخرى

تفك للشمس كل صباح،

مضيئة تلويحة النهار-

تلك أشياء وصلت

وقد ناقشناها سابقاً:

حكة تفاقمت بتثمينها،

الطرق التي نتلطخ بها

في مطر الشوارع وصنيع الثلج

كموجه نستعمله لضبط

تراصف المدينة الحساس بعيداً

عن جفوننا الغامضة سلفاً.

لكن الثلج ينهمر على الحواف

المنهكة للرصيف هو شيء

عجزنا عن حل شيفرته

البتة إلا حادث آخر

في طابور طويل من العشوائية

قد نفكر فيه فقط

باعتباره بداية لانطلاقة جديدة.

(2)

الشك يخز مجدداً،

بشارة وجلة من أنواع،

تنتفخ في قاع

أحشائنا، تدفع الأمعاء نحو

أعماق ونحن نتألم عند كل

كرية دموية متاحة ممزوجة بالأوكسجين –

مدٌّ يسحب نحوه كل ما

يحيط به، ليس

القمر لكن ثمة طموح آخر

يمتص المشهد برمته نحو تلويحة

اليد، سؤال صغير

ظلَّ دون إجابة من الحبيب،

أو كسرة أخرى من أخبار حزينة، كئيبة

عاجزين عن وضعها تماماً

على الشكل الذي فطرت عليه-محتجون بلا

سوابق، فنحن نظن أنهم أكثر انتاجية لكونهم

لا معاصرين ولا

تاريخيين، قائمون كما هو حالهم

كانعكاسات عالقة بين

النوافذ، بين ابهام مشع

ومألوف. عاد الايقاع

عند الرصيف ليضرب-

حبال مسحوبة بإحكام قليل،

ماء يحضن بصورة رياضية،

حيوان معصوب بجوع

يعيد اختراع مكان بعدائية-

فنغادر الماء وحيداً

نتشمس ونراقب الأشكال

الجديدة التي تأخذها الغيوم.

(3)

ولو أننا نعرف جميعاً أن

انعكاس صورتنا مغيرة

بفرجة تدل على مرآة

وليس هذه ردود أفعالنا فقط

لكن الزمن فيما بينها

الذي يبدو مهماً، كما في

كل ما لا يمكننا العيش دونه-

ظل، غداء صغير نجتمع

عليه، سبل نشعر من خلالها

بحقنا بحب الآخر الذي

يعيش بالقرب منا وفقط

هناك، لا، لنقل، قفزة واحدة

أقصى اليسار أو على قطار

نسيناه في

بلاد لم نعد نتصور

أنها تستحق التدقيق يلفنا

التوق للانسحاب نحو العزلة،

لأننا غير مكلفين

بإدراك أن الموسيقى تعزف

باستمرار خلف الطوابير التي

تصنعها أجسادنا ثم ليست مسموعة

في النافذة أو أن

الذكاء أيضاً يبلغ

الذروة، لكن استعاراته هي

ما يتكفل برفضه

سحب الغطاء حتى العنق

والراحة مجدداً بداخل

حكايته-مفتوناً كعهده في أن يعيش

برصانة مثل سمك الراي في

حوض زجاجي، نحن داخل

حدود السماء النبوية

ومن خلفها ” العدم”

هو غرورها المبهج و

طريقتها الغريبة في قول أن

الحيوات مصنوعة من ذرى صغيرة

في المتعة ولا شيء

إلى جانب الهواء ينبع من ماء

قد تسمح لأسفار تكوين أخرى

أن تولد وتنمو منها.

(4)

البرج الصغير الذي نظرنا

منه إلى الماضي وتفحصنا

الحاضر في نفس الوقت

تغطيه الريح المتدحرجة

من محيط لا يمكننا رؤيته

أو النظر إليه مباشرة لأن إنذاراً

لا نستطيع تحديده يعلو

عبر حدقاتنا ويؤمن

أخيراً قدراً

من الراحة-مذكراً أن

أغنيتنا لا تزال مسموعة من

قبل جوالين آخرين، سعي طويل منذ أن

سمح بالموت لرغبة

بنسب كنا لنعتبره

معنوياً-والنار الأخيرة المنعكسة

في عرقنا هي من

مسافة كبيرة. كيف نغادر

هذا البرج الصغير؟ كيف، عندما تخور

ركبنا ولا يمكننا أن نتأرجح

مرة أخرى لعينة

عند قرميد دمجناه في الفجر-

نستعمله لبناء أبراج

نرى من خلالها بعضنا البعض

وأحياناً، الأرض القاحلة

المتبقية من بلدنا-كيف

نسينا الأغاني التي كنا

نستعملها لتصحيح نطقنا، أو

الأغاني التي كنا نسمعها من

والدينا عندما نرمي بثقلنا

على السرير بعد يوم أمضيناه

مترنحين في الغابة

لم يغادرنا متعبين بل

مفعمين بكبرياء أصيل، بحرارة

لقامات أجسادنا، و

وبغريزة البقاء تخطو عند الغسق. ربما

هو الرصيف فعلاً من أرسلنا

منذ منتصف النهار ونحن

نقتطع الظلال من أنفسنا

ونرميها في اليقظة

المتقدمة إذ ظهرت في اليوم التالي

مطعمة إلى الشاطئ

كما الأشنة والملح، السخام تسقط

من السقائل المرفوعة

على الحافة العليا لحد المد ذاتها حيث

صبح الرمل ماء، ماء

فولاذي هي الأغنية التي ترسم

حدود قدرتنا

لانتزاع الظلال عما

وصف بالغموض خلافاً لذلك

الأفضل مغادرة غرفة الجلوس

أو إلى حيث تعلق المعاطف-سبب لاستهلال

عاطفة لأننا لا نفهم العظمة

إلا كغياب للحركية،

قدرة النار على الحفظ دون

خشية من العودة سنين للوراء

نحن الآن نستعمل العد التصاعدي.

كلام صريح

هل يمكننا القفز فوق

هذه القاعدة التي علقنا

كلانا تحتها؟

يوم آخر محبوس

في طبقة التروبوبوز

يرى مباشرة من خلالي

بغض النظر عن

فضالة لياليك

من عهود بائدة

حتى وقتنا الحاضر.

لنتجاوز الخطاب الصريح

والقوي، دعنا لا نتجاوز الخطأ

ونصعد هذا

الحاضر الطويل.

لنتخطى

الدوران حول الشمس

والإثم، رواية

تنشئة أخرى

في صيغة نهائية

حتى احتضان الجذر.

[1] Per un pugno di dollari

Stoner

رأى وليم ستونر في أوج شبابه الحبَ حالةً من الوجود المطلق لا يبلغها إلا كل محظوظ، وفي سنين نضجه رأى الحبَ فردوسَ دين زائف على المرء أن يحدق إليه بجحود لاهٍ وازدراء مألوف برفق وحنين مُحرَج. أما الآن في خريف عمره فقد بدأ يدرك أن الحب ليس نعمة ولا وهماً، بل فعلَ صيرورة إنساني وشرطاً مختلقاً ومعدلاً لحظة فلحظة ويوماً بعد آخر بالتصميم والنهى والقلب.
أمضى الساعات في مكتبه يحدق من النافذة إلى المنظر المتألق والخاوي إزاء نظرته الفارغة برفقة كاثرين. كان يذهب في الصباح الباكر إلى مكتبه ويجلس ضجراً مدة لا تزيد عن عشر دقائق أو ربع ساعة، ثم غير قادر على إحراز الراحة، يطوف خارجاً من مبنى جيسي هول ويعبر الحرم الجامعي نحو المكتبة حيث يتصفح الأكداس عشر دقائق أو ربع ساعة أخرى. وأخيراً، كأنها لعبة لعبها مع نفسه، يخلص نفسه من حالة الانتظار المفروضة ذاتياً، يخرج من باب المكتبة الجانبي سالكاً طريقه نحو المنزل الذي تعيش فيه كاثرين.
كثيراً ما كانت تعمل حتى وقت متأخر في الليل، وفي بعض الأصباح عندما يأتي إلى شقتها كان يجدها مستيقظة لتوها وقد منحها النوم دفئاً وشهوانية، عارية تحت الروب الأزرق الداكن الذي ألقته عليها لتفتح الباب. في مثل هذه الأصباح غالباً ما كانا يمارسان الحب قبل أن يتحدثا، يذهبان إلى السرير الضيق الذي لا يزال مشعثاً وحاراً من نوم كاثرين.
كان جسدها طويلاً ناعماً وعاتياً برفق، انبعثت الحياة في يده الخرقاء عندما مست ذلك اللحم. بدا له جسدها مراراً مثل كنز دفين أؤتمن عليه، حرك أصابعه الغليظة على بشرة الفخذين والبطن الوردية الباهتة الندية وعجب من الرهافة البسيطة لنهديها الصغيرين الصلبين. خطر له أنه لم يعرف قطّ من قبل جسد الآخر، وأدرك أن هذا هو السبب الذي فصل ذات الآخر عن الجسد الذي حمل تلك النفس. وخطر له أخيراً بحتمية المعرفة أنه لم يعرف قطّ إنساناً بحميمية أو بثقة أو بدفء الالتزام الإنساني.
تحدثا كثيراً عن نفسيهما كما يفعل العشاق وكأنهما أرادا بذلك فهم العالم الذي أجازهما.
قالت كاثرين مرة:” يا إلهي! كم كنت أشتهيك! كنت أراك واقفاً أمام الطلاب في القاعة عظيماً جداً ومحبوباً ومربكاً، وكنت أشتهيك بعنف إلى حد ما. لم تعرف أبداً، هل فعلت؟”
قال وليم: “لا، ظننتك سيدة شابة وقورة جداً.”
ضحكت مغتبطة ” وقورة حقاً!” رصنت قليلاً وابتسمت للذكرى المستعادة” أظن أنني فكرت أني كذلك أيضاً. أوه، كم نبدو لأنفسنا وقورين عندما لا يكون هناك سبب لنكون غير ذلك! عليك أن تحب لتتعرف إلى نفسك. أحياناً أشعر معك بأنني مومس العالم، مومس تواقة مخلصة للعالم. هل يبدو لك هذا وقاراً؟”
“لا” قال وليم مبتسماً، ومد يده إليها.” تعالي إلى هنا.”
علم وليم أنها كانت في آخر سنواتها الجامعية على علاقة انتهت نهاية سيئة بالدموع والمهاترات والخيانات.
” انتهت أغلب العلاقات نهاية سيئة” قالت، وشملتهما لحظة كآبة.
صُدم وليم لعلمه بعلاقتها العاطفية السابقة، أدرك أنهما لم يوجدا حقيقة قبل أن يلتقيا معاً.
قالت:” لقد كان فتى خجولاً، مثلك نوعاً ما كما أظن، غير أنه كان لاذعاً وخائفاً ولم يتسن لي قطّ أن أعرف سبب خوفه. كان ينتظرني في نهاية ممر بيت الطلبة تحت شجرة كبيرة؛ لأن خجله الشديد كان يمنعه من التقدم بين الحشود. كان يقطع أميالاً في الريف إلى حيث لا يرانا أحد، لكننا لم نكن معاً بالفعل، حتى عندما كنا نمارس الحب.”
كاد ستونر أن يرى هذه الصورة المبهمة التي لم يكن يعرف لها وجهاً أو اسماً، تحول شعوره بالصدمة إلى حزن، وشعر بشفقة سخية على فتى مجهول أبعد عنه بمرارة غامضة ضائعة ما يملكه ستونر الآن.
كان يتمدد بين الحين والآخر_ في التكاسل الناعس عقب مضاجعتهما_ وهو يشعر بجريان لطيف ومتئد لشعور وفكر وئيدين، لم يعرف في ذلك الإحساس إن كان قد تكلم بصوت مرتفع أو أدرك الكلمات التي انتهى إليها كلّ من الإحساس والفكر.
حلم بالكمال وبعوالم يمكنهما فيها أن يكونا معاً دوماً، وآمن إلى حد ما بإمكانية تحقق حلمه. قال:” ماذا؟ قد يكون إذا..” وراح يؤسس إمكانية ليست أكثر جاذبية من الحالة التي وُجدا بها إلا بصعوبة. كان لدى كل منهما معرفة غير مفصح عنها بالإمكانيات التي تخيلاها وتوسعا بها، كانت لمحات من الحب والاحتفاء بالحياة التي يعيشانها معاً الآن.
لم يتخيل أي منهما الحياة التي عاشاها معاً حقيقةً. انتقلا من العاطفة إلى الشبق إلى شهوانيةٍ عميقةٍ تتجدد من لحظة إلى أخرى.
قالت كاثرين مرة:” شبق وتعلُّم، هذا حقيقة كل ما في الأمر، أليس صحيحاً؟”
بدا ذلك لستونر عين الحقيقة وأنه من الأمور التي تعلمها.
لأن حياتهما معاً في ذلك الصيف لم تكن كلها مضاجعة ومحادثة؛ تعلما أن يكونا معاً بصمت واعتادا الرقاد، جلب ستونر كتباً إلى شقة كاثرين وتركها إلى أن كان لزاماً عليهما أخيراً تركيب مكتبة إضافية لها. في الأيام التي أمضياها معاً وجد ستونر نفسه يعود إلى الدراسات التي هجرها، وواصلت كاثرين العمل على الكتاب الذي سيشكل أطروحتها. كانت تجلس ساعات دون انقطاع إلى المكتب الصغير قبالة الجدار، تحني رأسها بتركيز شديد على كتب وأوراق، يتقوس عنقها الشاحب النحيل وينساب من روب أزرق داكن ترتديه عادةً في حين يتمدد ستونر في الكرسي أو يضطجع على السرير في تركيز مشابه.
كانا يرفعان بصريهما أحياناً عن دراستهما، يتبادلان الابتسام ويعودان إلى القراءة، أحياناً قد يرفع ستونر بصره عن كتابه ويحدق إلى انحناءة ظهر كاثرين الرشيقة وإلى العنق النحيل حيث خصلة ملولبة من الشعر تسقط دوماً، ثم تعتريه رغبة بطيئة هينة كمهدئ، وقد ينهض ليقف خلفها ويلقي ذراعيه بخفة على كتفيها، فتستقيم وتعيد رأسها إلى الخلف على صدره، وتتقدم يداه نحو الروب الفضفاض وتمس برفق نهديها، ثم يمارسان الحب ويضطجعان لحظات بهدوء، ويعودان إلى دراستهما، كأن حبهما وتعلمهما يشكّلان عملية واحدة.
كان ذلك واحداً من الأمور الغريبة _سمياها “أحكاماً جاهزة”_ التي تعلماها ذلك الصيف. نشأا على تقليد مفاده-بشكل أو بآخر-أن كلاً من حياة العقل وحياة الحواس منفصلتان ومتعاديتان حقاً، آمنا دون أن يفكرا حقيقة بذلك أبداً أن واحدة مختارة على حساب الأخرى ولم يخطر لهما أن بوسع الواحدة أن تقوي الأخرى. وبما أن التجسد جاء قبل إدراك الحقيقة، بدا اكتشافاً يخصهما وحدهما. بدأا بتجميع هذه الأمور الغريبة عن “الأحكام الجاهزة” وكنزاها مثل ثروات كانت عوناً في عزلهما عن العالم الذي قد يقدم لهما هذه الآراء، وشدتهما بعضاً إلى بعض قليلاً لكن على نحو مؤثر، غير أن ستونر أدرك أمراً غريباً آخر لم يفاتح كاثرين به كان بشأن علاقته بزوجته وابنته.
كانت العلاقة وفقاً “للأحكام الجاهزة” لابد أن تسوء باطراد فيما قد يصفه “الحكم الجاهز” استمرار “علاقته الغرامية”، لكن هذا لم يحدث، بل على العكس بدا أنها تتحسن بثبات؛ فغيابه المطول بعيداً عما لا يزال يسميه “بيتاً” جعله أكثر قرباً من إديث وجريس مما كان خلال سنوات. بدأ يشعر تجاه إديث بحميمية غريبة تكاد تكون حباً وتبادلا الأحاديث بين الحين والآخر عن أمور عامة. خلال ذلك الصيف نظفت الشرفة المزججة وأصلحت الضرر الذي أحدثه سوء الطقس ووضعت فيها سريراً نهارياً، فلم يعد مضطراً إلى النوم في غرفة الجلوس.
وأحياناً كانت تجري اتصالاتها مع الجيران في نهاية الأسبوع وتدع جريس برفقة أبيها فقط. كانت إديث تطيل غيابها عن البيت أحياناً فيصحب ابنته في نزهات في الريف بعيداً عن البيت، خفّ تحفظ جريس الشديد الحذر، وابتسمت بين آن وآخر بهدوء وسحر. كبرت بسرعة في السنة الأخيرة وكانت شديدة النحول.
لم يستطع تذكير نفسه بخداعه لإديث إلا بجهد إرادي. كان جزءا حياته منفصلين كما تكون الأجزاء المنفصلة ومع أنه كان مدركاً ضعف قدراته في التفكر الذاتي وقدرته على خداع الذات فلم يتمكن من حمل نفسه على الاعتقاد أنه كان يؤذي شخصاً يشعر تجاهه بالمسؤولية.
لم يكن يتقن المواربة ولم تنتابه رغبة في إخفاء علاقته بكاثرين دريسكول أو في كشفها في العلن. لم يبد ممكناً له أن أي شخص قد يدرك علاقتهما أو حتى يكون مهتماً بها.
وبناء على ذلك شعر بصدمة مبهمة عميقة عندما اكتشف في نهاية الصيف أن إديث تعرف أمر العلاقة منذ البداية تقريباً.
ذات صباح تحدثت عنها دون اكتراث وهو جالس يرتشف قهوته الصباحية ويثرثر مع جريس. تحدثت إديث بشيء من الحدة قائلة لجريس أن تكف عن تضييع الوقت وتنهي تناول فطورها؛ لأن عليها أن تتمرن ساعة على البيانو قبل أن تتمكن من تبديد الوقت. راقب وليم هيئة ابنته النحيلة المتصلبة وهي تخرج من غرفة الطعام وانتظر بذهول إلى أن سمع أولى النغمات الطنانة تصدر عن البيانو القديم.
قالت إديث بشيء من الحدة في صوتها: “حسناً، تأخرت قليلاً هذا الصباح، أليس كذلك؟”
التفت وليم نحوها متسائلاً، ظل التعبير الساهي مرتسماً على وجهه.
قالت إديث:” ألن تغضب زميلتك الصغيرة إذا تركتها تنتظر؟”
شعر بخدر في شفتيه، سأل:” ماذا؟ ما ذلك؟”
” أوه، ويلي” قالت إديث وضحكت بخفة.” هل تظن أنني لا أعرف نزوتك الصغيرة؟ لماذا؟ أعرف كل شيء. ما اسمها؟ سمعته لكني نسيته.”
في صدمته وتشوشه لم يلتقط عقله إلا كلمة واحدة، وعندما تحدث بدا له صوته منزعجاً بعصبية:” أنت لا تفهمين، ليس هناك نزوة، كما دعوتها. إنها..”
” أوه، ويلي” قالت وضحكت مجدداً” تبدو شديد الإرباك. أوه، أعرف كل شيء عن هذه الأمور. رجل في مثل عمرك وكل شيء. هذا طبيعي، كما أظن. على الأقل قالوا إنه كذلك.”
صمت لحظة ثم قال على مضض:” إديث، إذا كنت تريدين التحدث عن هذا..”
“لا!” قالت وبعض الخوف في صوتها.” لاشيء للتحدث عنه. لاشيء على الإطلاق.”
ولم يتحدثا عنه لا في حينه ولا بعدئذٍ. تمسكت إديث أغلب الوقت بفكرة أن عمله هو ما يبعده عن البيت، لكنها أحياناً كانت تتحدث ذاهلة تقريباً بالمعرفة التي كانت دوماً في مكان ما في أعماقها. وفي أحيان أخرى تتحدث مثل امرأة لعوب، بشيء من الغيظ، وتارة تتحدث دون شعور قطّ، كأنها أكثر المواضيع التي تخيلتها تفاهة في المحادثة، ومن حين إلى آخر كانت تتحدث بوقاحة كأن أمراً تافهاً قد أزعجها.
قالت:” أوه، أعرف، عندما يبلغ الرجل أربعينياته. لكن حقيقة ويلي، أنت في عمر يؤهلك لتكون أباً لها، أليس كذلك؟”
لم يخطر له كيف يبدو بالنسبة إلى شخص دخيل وإلى العالم. رأى نفسه لحظة كما ينبغي له أن يبدو هكذا، وكان ما قالته إديث جانباً مما رآه. لمح هيئة قد تضاءلت في طرف غرفة للمدخنين وفي صفحات أدب رخيص-شخصاً جديراً بالشفقة يمضي إلى كهولته، غير متفهم من قبل زوجته، يسعى إلى تجديد شبابه، متحدثاً إلى فتاة تصغره بسنوات، يحاول بخراقة مثل القرد بلوغ الشباب الذي لم يستطع نيله، سخيفاً مهرجاً مبهرجاً يضحك العالم منه ضحك عدم الارتياح والشفقة والاحتقار. نظر إلى هيئته عن كثب لكنه كلما أطال النظر أصبح أقل ألفة، لم يكن نفسه الذي رآه فعرف فجأة أنه لا أحد.
لكنه كان يعلم أن العالم يتقدم زاحفاً إليه وإلى كاثرين والمشكاة الصغيرة التي ظنا أنها ملكاً لهما، راقب الدنو بحزن لم يستطع الإفصاح عنه حتى إلى كاثرين.
بدأ الفصل الدراسي الخريفي في أيلول في صيف غني بالألوان بعد صقيع مبكر. عاد ستونر إلى محاضراته بتوق لم يشعر به منذ وقت طويل، حتى احتمال مواجهة وجوه مئات الطلاب الجدد لم يقلل من عزيمته.
لم تتغير حياته مع كاثرين إلا فيما يخص شعوره بضرورة أخذ الحيطة مع عودته إلى الطلاب والعديد من المدرسين. في الصيف هُجر المنزل القديم الذي تعيش فيه كاثرين، وهكذا كان بوسعهما أن يكونا معاً في عزلة تامة إلى حد بعيد دون خوف من أن يلاحظهما أحد. الآن كان على وليم أن يأخذ حذره عندما يأتي إلى مسكنها بعد الظهر، وجد نفسه يذرع الشارع ناظراً حوله قبل أن يدنو من المنزل ويهبط الدرج خلسة إلى المنور الصغير المؤدي إلى شقتها.
فكرا بالبوادر وتحدثا عن التمرد، قالا لبعضهما إنهما مغرران بفعل أمر مشين والقيام باستعراض، لكنهما لم يفعلا ولم يكن لديهما رغبة حقيقية في ذلك. أرادا فقط أن يُتركا وحيدين وأن يكونا نفسيهما، وبهذه الإرادة عرفا أنهما لن يتركا وشأنهما وتوقعا أنهما لن يتمكنا من أن يكونا نفسيهما. تخيلا أنهما يدركان وبالكاد خطر لهما أن علاقتهما سيكون مشتبه بها. اتفقا ألا يلتقيا في الجامعة، وعندما لا يكون في وسعهما تفادي اللقاء في العلن يحيّ واحدهما الآخر بتكلف ولا يظن أن سخريته بينة.
لكن بعد أن بدأ الفصل الخريفي كانت العلاقة منتشرة انتشاراً سريعاً جداً؛ ربما يعود سبب اكتشافها إلى حدة إدراك الناس المميزة لمثل هذه المسائل؛ لأن أياً منهما لم يشر قطّ إلى حياتهما الخاصة، أو ربما نقل شخص ما تخمينه العبثي إلى شخص آخر وجده معقولا مما استرعى اهتماماً أكبر بكليهما وهذا الاهتمام بدوره… كانوا يعرفون أن تأملاتهم بلا جدوى لكنهم استمروا فيها.
ثمة بوادر عرفا من خلالها أنهما كُشفا؛ ذات مرة وهو سائر خلف طالبين من طلاب الدراسات العليا، سمع ستونر أحدهما يقول بشيء من الإعجاب والازدراء:” ستونر الكبير. قسماً بالله من يستطيع أن يصدق؟”ورآهما يهزان رأسيهما في سخرية وحيرة من الشرط الإنساني. أشار معارف كاثرين بأسلوب ملتوٍ إلى ستونر وأسروا إليها بأسرار حياتهما العاطفية دون طلب منها.
ما فاجأ كليهما أن الأمر لم يبد مهماً؛ فلم يرفض أحد الكلام إليهما، لم ينظر أحد إليهما نظرات عابسة، لم يعانيا من العالم الذي خشيا منه. بدأا يؤمنان أنهما يمكن أن يعيشا في المكان الذي ظنا أنه مؤذياً لحبهما، وعاشا هناك ببعض المهابة والسهولة.
في عطلة عيد الميلاد قررت إديث أن تأخذ جريس لزيارة أمها في سانت لويس، وللمرة الوحيدة خلال حياتهما معاً كان بوسع وليم وكاثرين أن يجتمعا مدة طويلة.
كل على حدة ودون اكتراث نشرا خبراً مفاده أنهما سيغادران الجامعة في عطلة عيد الميلاد، ستزور كاثرين أقرباءها في الشرق، وسيعمل وليم في مركز بيبليوغرافي ومتحف في مدينة كنساس. استقلا حافلتين مختلفتين في أوقات مختلفة والتقيا في بحيرة أوزارك، منتجع في جبال نائية من سلسلة جبال أوزارك العظيمة.
كانا الضيفين الوحيدين في السكن الوحيد في القرية الذي ظل مفتوحاً طوال السنة وكانا معاً طوال عشرة أيام.
كان قد تساقط ثلج ثقيل طوال ثلاثة أيام قبل وصولهما وأثلجت السماء ثانية في أثناء إقامتهما؛ فظلت التلال المتدحرجة بلطف بيضاء طوال الوقت الذي أمضياه هناك.
حصلا على مقصورة مكونة من غرفة نوم وغرفة جلوس ومطبخ صغير، كانت بعيدة عن باقي المقصورات وتطل على بحيرة تظل متجمدة شتاءً. كانا ينهضان في الصباح متعانقين، جسداهما دافئان ومترفان تحت الأغطية الثقيلة. يخرجان رأسيهما من الأغطية ويراقبان تنفسهما يتكاثف في غيوم كبيرة في الهواء البارد، يضحكان مثل طفلين ويسحبان الأغطية عن رأسيهما ويتقاربان أكثر. أحياناً كانا يمارسان الحب ويظلان في السرير طوال الفترة الصباحية ويتحدثان حتى تدخل الشمس من النافذة الشرقية، كان ستونر يقفز أحياناً من السرير حالما يستيقظان ويسحب الأغطية عن جسد كاثرين العاري ويضحك على صرخاتها وهو يشعل النار في الموقد الكبير. ثم يجتمعان معاً أمام الموقد يلفهما غطاء واحد، وينتظران حتى تبعث النار المتعاظمة الدفء فيهما إضافة إلى حرارة جسديهما الطبيعية.
رغم برودة الطقس تنزها يومياً في الغابات. بدت أشجار الصنوبر العظيمة السوداء الضاربة إلى الخضرة أمام الثلج ضخمةً منتصبةً نحو السماء الصافية الزرقاء الشاحبة، بين الحين والآخر يصدر صوت سقوط وانزلاق كتلة من الثلج عن بعض الأغصان مما جعل الصمت المحيط بهما أشد كثافة، كما كثف تغريد طائر وحيد العزلة التي مشيا بها. شاهدا مرة غزالاً ينزل من الجبال العالية بحثاً عن الطعام. كان ظبياً مسفوعاً باللون الأصفر يتألق أمام قسوة الصنوبر القاتم والثلج الأبيض، يرفع قدمه بلطف عن الثلج ويعيدها بدقة محدثاً صوت قرقشة صغير.
ذهبا بعد الظهر إلى مكتب السكن الرئيس الذي هو أيضاً متجر القرية العام ومطعمها، شربا القهوة وتحدثا إلى العابرين واشتريا بعض الأشياء لوجبتهما المسائية التي يتناولانها في حجرتهما.
أحياناً في المساء كانا يشعلان القنديل ويقرأان لكن في أحيان أكثر كانا يجلسان على الأغطية المنبسطة أمام الموقد يتحدثان ويصمتان ويراقبان اللهب يتلاعب متشابكاً على الخشب ويراقبان عزف النار على وجه كل منهما.
ذات مساء مع اقتراب نهاية المدة معاً قالت كاثرين بهدوء وبذهن شارد: ” إذا لم يكن لدينا شيئاً آخر فسيكون لدينا هذا الأسبوع ألا يبدو طائشاً هذا القول؟”
” لا يهم” قال ستونر. أومأ.” هذا صحيح.”
قالت كاثرين:” إذن سأقوله، سيكون لدينا هذا الأسبوع.”
في صباحهما الأخير رتبت كاثرين الأثاث ونظفت المكان بعناية متروية. نزعت خاتم الزواج وحشرته في شق بين الجدار والموقد. ابتسمت قائلة:” أردت أن أترك شيئاً يخصنا هنا، شيء ما أعرف أنه سيظل هنا طالما بقي هذا المكان. ربما هي حماقة.”
لم يستطع ستونر إجابتها. أمسك بذراعها وخرجا من المقصورة وسارا بجهد في الثلج نحو مكتب السكن حيث سيستقلان الحافلة التي ستعيدهما إلى كولومبيا.
في وقت متأخر من أصيل شباطي، بعد أيام من بدء الفصل الثاني تلقى ستونر اتصالاً من مكتب جوردون فينش، أخبرته السكرتيرة أن العميد يود التحدث معه ويطلب منه أن يمر في الأصيل أو في صباح اليوم التالي. قال ستونر لها إنه سيفعل، جلس بضع دقائق ويده على الهاتف بعد إغلاقه ثم تنهد وأومأ ونزل إلى مكتب فينش.
كان جوردون فينش يرتدي قميصاً دون سترة، ربطةُ عنقه رخوة وينحني إلى الخلف في كرسيه الدوار ويداه معقودتان خلف رأسه. عندما دخل ستونر الغرفة أومأ بلطف وأشار إلى الكرسي الخفيض المكسو بالجلد بجانب مكتبه.
” تخفف من حملك يا رجل، كيف حالك؟”
أومأ ستونر.” لا بأس.”
” هل المحاضرات تشغلك؟”
قال ستونر بجفاف:” إلى حد ما. عندي جدول كامل..”
” أعلم” قال فينش وهز رأسه.” لا يمكنني التدخل في هذا، كما تعلم، لكن إنه عار لعين.”
” لا بأس” قال ستونر متبرماً بعض الشيء.
” حسناً.” استقام فينش في كرسيه وشبك يديه على المكتب أمامه.
” لاشيء رسمياً بشأن هذه الزيارة يا رجل، أردت فقط أن أتحدث معك هنيهة.”
ساد صمت طويل. قال ستونر بلطف:” ما الأمر جوردون؟”
تنهد فينش ثم قال فجأة:” حسناً. أنا أتحدث معك الآن بوصفي صديقاً. ثمة حديث لا ينبغي لي أن ألقي اهتماماً له كوني عميداً لكن حسناً أحياناً قد أفعل، وفكرت أن علي أن أتحدث إليك صديقاً قبل حدوث أية تطورات جدية.”
أومأ ستونر.” حديث من أي نوع؟”
“أوه، اللعنة يا رجل! أنت والفتاة دريسكول كما تعلم.”
قال ستونر: “نعم، أعلم، أردت فقط أن أعلم إلى أي حد وصلت الأمور.”
” ليس بعيداً بعد. تلميحات وتعليقات وأشياء من هذا القبيل.”
قال ستونر:” أفهم، لا أعرف ماذا يمكنني فعله بهذا الشأن.”
جعد فينش ورقة بعناية.” هل الأمر جدي؟”
أومأ ستونر ونظر إلى النافذة.” أخشى ذلك.”
” ما الذي ستفعله؟”
“لا أعلم.”
بعنف مفاجئ جعد فينش الورقة التي طواها بحذر شديد ورماها في سلة المهملات وقال:
” حياتك ملك لك نظرياً. نظرياً، يجب أن تكون حراً في الارتباط بأي شخص وأن تفعل أي شيء ترغب فيه، ولا ينبغي أن يشكل هذا مشكلة طالما أنه لا يتعارض مع عملك. لكن اللعنة، حياتك ليست ملكك إنها.. أوه، يا للجحيم! هل تعلم ما أعنيه؟”
ابتسم ستونر.” أخشى ذلك.”
” إنه أمر سيء، ماذا عن إديث؟”
” في الظاهر، تتعامل مع الأمر برمته بجدية أقل من سواها. وإنه لأمر طريف يا جوردون، أنا لا أخال أننا تعاملنا مع بعضنا تعاملاً أفضل مما فعلنا هذه السنة الأخيرة.”
ضحك فينش بإيجاز.” لا يمكنك أن تعرف، هل تستطيع؟ لكن ما أعنيه هل ستحصل على الطلاق؟ هل هناك شيء من هذا القبيل؟”
“لا أعرف، ربما، لكن إديث قد تجابه هذا. سيكون ورطة.”
” ماذا عن جريس؟”
غص ستونر بألم مفاجئ في حلقه وعلم أن الألم باد عليه.” هذا أمر آخر، لا أعرف جوردون.”
قال فينش ببرود كأنهما يتكلمان عن شخص آخر:” ربما تحصل على الطلاق إذا لم يكن هناك الكثير من الجلبة. سيكون صعباً لكنك ربما ستحصل عليه. وإذا لم يكن هذا الأمر مع دريسكول جدياً، إذا كنتما فقط تتسليان، حسناً يمكن معالجته أيضاً. لكنك تخاطر، أنت تسعى لذلك.”
” أظن ذلك” قال ستونر.
ساد صمت، قال فينش مغتماً:” أظن أحياناً أنني لست الرجل المناسب لهذا العمل.”
ابتسم ستونر.” قال ديف ماسترز يوماً أنك لست ابن زانية كبير بما يكفي لتكون ناجحاً بحق.”
قال فينش:” ربما كان محقاً، لكني أشعر غالباً بأنني شخص واف.”
” لا تقلق جوردون، أنا أتفهم منصبك. وإذا استطعت تسهيل الأمر بالنسبة إليك..” توقف وهز رأسه بحدة وتابع:” لكن لا يمكنني القيام بشيء الآن علي أن أنتظر. بطريقة ما…”
أومأ فينش ولم ينظر إلى ستونر، حدق إلى سطح مكتبه كما لو أن قدراً يدنو منه بحتمية بطيئة. انتظر ستونر بضع لحظات وعندما لم يتكلم فينش نهض بهدوء وذهب إلى مكتبه.
تأخر ستونر ذلك الأصيل في العودة إلى شقة كاثرين بسبب حديثه مع جوردون فينش. سار في الشارع دون أن يزعج نفسه بالنظر حوله، دخل. كانت كاثرين تنتظره، لم تغير ملابسها، وانتظرت جالسة بانتصاب وتيقظ على الأريكة بوضعية رسمية تقريباً.
قالت بفتور:” تأخرت”
” آسف، لقد عوقت.”
أشعلت كاثرين سيجارة بيد مرتجفة قليلاً. عاينت عود الثقاب لحظة ونفخت عليه نفثة من دخان. قالت:” أشارت إحدى زميلاتي المدرسات أن العميد فينش دعاك هذا الأصيل.”
” نعم، هذا ما أخرني.”
” هل كان بشأننا؟”
أومأ ستونر.” سمع بعض الأمور.”
” ظننت أن هذا هو السبب، بدت صديقتي تعرف شيئاً لم ترغب في قوله لي. أوه، يا مسيح!”
” ليس هذا على الإطلاق، جوردون صديق قديم، أظن حقيقة أنه أراد حمايتنا، أؤمن أنه سيفعل لو كان بوسعه.”
صمتت كاثرين حيناً. خلعت حذاءها واستلقت على الأريكة محدقة إلى السقف. قالت بهدوء:” الآن إنه يبدأ. أظن أنه كان أكثر مما ينبغي، أملنا أنهم سيتركوننا بحالنا. أخال أننا لم نفكر مطلقاً بجدية بأنهم سيفعلون.”
قال ستونر: “إذا ساء الأمر كثيراً يمكننا الرحيل، يمكننا أن نفعل شيئاً.”
“أوه !” ضحكت كاثرين قليلاً بصوت مبحوح ورقيق. جلست على الأريكة.” أنت محبوبي الأغلى الأغلى، أغلى مما يخال الجميع. ولن أدعهم يزعجوننا. لن أدعهم!.”
عاشا على مدى الأسابيع القليلة التالية_ كما في السابق_ بإستراتيجية مفادها أنه لن يكون في وسعهما تدبر الأمر كما فعلا في السنة السابقة بقوة لم يعلما أنهما يملكانها، تعلما المراوغة والانكفاء ناشرين قدراتهما مثل جنرالات مهرة لابد أن ينجوا بقواتهم الضئيلة. صارا حذرين ومحترسين ببراعة، منحتهما المناورة متعة ضارية. لم يأت ستونر إلى شقتها إلا في جنح الظلام، عندما لا يمكن أن يراه أحد وهو يدخل، في النهار، بين المحاضرات، ظهرت كاثرين في المقاصف مع مدرسين شبان، وكانت الساعات التي أمضياها معاً تتكثف بمصيرهما المشترك. قالا لنفسيهما إنهما كانا أكثر قرباً من أي وقت سابق، ولمفاجأتهما أدركا صحة ذلك، كانت الكلمات التي تبادلاها ليريحا نفسيهما أكثر من معزية، مجيزة الألفة وحتمية الالتزام.
عاشا في عالم نصف مظلم وقدما له أفضل ما لديهما، وهكذا بعد مدة بدا لهما العالم الخارجي حيث يتحدث الناس ويسيرون زائفاً وغير حقيقي، حيث هناك حركة مستمرة ومتغيرة وكانت حياتهما منقسمة بحدة بين عالمين وبدا لهما طبيعياً هذا الانقسام.
عاشا بين فصلي الشتاء الربيع في سكون لم يحظيا به من قبل، عندما أغلق العالم الخارجي عليهما أصبحا أقل إدراكاً لحضوره ولم يكونا في حاجة إلى الحديث عن سعادتهما أو للتفكير بها في شقة كاثرين الصغيرة المعتمة المخفية مثل كهف تحت منزل ضخم كبير، وجدا نفسيهما يتحركان خارج الزمن في عالم أزلي من اكتشافهما.
بعدئذ، ذات يوم من أواخر شهر نيسان، استدعى جوردون فينش ستونر ثانية إلى مكتبه، ذهب ستونر إليه بخدر ناجم من معرفة لم يعترف بها، ما حدث كان مبسطاً تقليدياً، شيء ما لا بد أن يتنبأ ستونر به ولو أنه لم يفعل.
قال فينش:” إنه لوماكس، بطريقة ما عرف اللعين بالأمر ولن يسكت عنه.”
أومأ ستونر.” كان عليَّ أن أفكر بذلك، كان عليَّ أن أتوقعه. هل تظن أن حديثي إليه سيحدث فرقاً؟”
هز فينش رأسه، مشى في المكتب ووقف أمام النافذة. مرت شمس ما بعد الظهيرة على وجهه الملتمع بالعرق. قال متعباً:” أنت لا تفهم، لا يلعب لوماكس بتلك الطريقة، لم يأت على ذكرك؛ إنه يخطط من خلال الفتاة دريسكول.”
” هو ماذا؟” سأل ستونر بدهشة.
قال فينش: “لابد أن تعجب به إلى حد ما، عرف جيداً أني على علم بالأمر. فجاء البارحة ارتجالاً، كما تعلم، وقال لي إنه سيضطر إلى طرد الفتاة دريسكول وحذرني من أن سمعتها ستسوء.”
“لا” قال ستونر. آلمته يداه حيث أمسكتا بذراعي الكرسي الجلدي المنخفض.
تابع فينش:” على حد قول لوماكس، تقدم بعض الطلاب وبعض أهل المنطقة بشكاوى. يبدو أن الرجال شاهدوك وأنت تخرج وتدخل إلى شقتها في كل حين، سوء تصرف فظيع هذا النوع من الأمور، أوه، لقد فعل هذا على وجه جميل، ليس لديه اعتراض شخصي، بل إنه يعجب بالفتاة في واقع الأمر، لكن عليه التفكير بسمعة القسم والجامعة. أشفقنا على ضرورات الانحناء لما تمليه أخلاقيات الطبقة الوسطى، موافقاً أن مجتمع الطلاب ينبغي أن يكون ملجأ للثورة على النظم الأخلاقية البروتستانتية، وتوصلنا في نهاية ذلك الحديث العملي أننا عاجزون. قال إنه يأمل مع نهاية الفصل الدراسي أن يتمكن من تجاوز الأمر لكنه لم يكن واثقاً من قدرته على ذلك. وطوال الوقت كان ذلك اللعين يعلم أننا نفهم بعضنا فهماً تاماً.”
جعلت غصة في حلق ستونر الكلام بالنسبة إليه مستحيلاً. ازدرد ريقه مرتين وجرب صوته، كان ثابتاً وخفيضاً:” ما يريده واضح تماماً بالتأكيد.”
” أخشى أنه كذلك” قال فينش.
قال ستونر دون تركيز:” عرفت أنه يكرهني، لكني لم أدرك قطّ…لم أتخيل قطّ أنه قد..”
” ولا أنا أيضاً” قال فينش، عاد إلى مكتبه وجلس متثاقلاً.” ولا يمكنني فعل شيء يا رجل، أنا عاجز. إذا رغب لوماكس في مشتكين فسيظهرون وإذا احتاج إلى شهود فسيظهرون؛ لديه أتباع كما تعلم. وإذا ما وصلت كلمة إلى الرئيس….” هز رأسه.
” ما الذي تتخيل أنه قد يحصل لو رفضت الاستسلام؟ لو رفضنا أن نكون خائفين؟”
قال فينش بصراحة تامة:” سيضحي بالفتاة، سوف تُجر إلى هذا وكأنه مصادفة. الأمر منظم بإحكام.”
قال ستونر:” إذاً يبدو أنه ما من شيء يمكن فعله.”
” يا رجل” قال فينش، ثم حل صمت. أراح رأسه على قبضتيه المغلقتين. قال دون حماس:” هناك فرصة. فرصة واحدة. أظن أنه يمكنني أن أردعه إذا أنت…إذا الفتاة دريسكول سـ….”
قال ستونر: “لا، لا أظن أن بمقدوري فعل ذلك. حرفياً، لا أظن أنه يمكنني فعل ذلك.”
” اللعنة!” كان صوت فينش معذباً.” إنه يعتمد على ذلك! فكر قليلاً. ما ستفعل؟ نحن في نيسان ونقترب من أيار، أي عمل يمكنك الحصول عليه في هذا الوقت من السنة إذا ما قيض لك أن تحظى بواحد؟”
” لا أعرف، شيء..”
” وماذا بشأن إديث؟ هل تظن أنها ستستلم وتمنحك الطلاق صاغرة؟ وجريس؟ ما الذي قد يحل بها في هذه البلدة إذا ما انسلخت عنها؟ وكاثرين؟ أي حياة قد تعيش؟ ما الذي سيحل بكما؟”
لم يتحدث ستونر. كان الخواء ينشأ في مكان ما بداخله، شعر بوهن وتقوض. قال أخيراً:” هل لك أن تمنحني أسبوعاً؟ …عليَّ أن أفكر. أسبوع؟”
أومأ فينش.” يمكنني أن أؤخره هذه الفترة على الأقل. لكن ليس أكثر. أنا آسف، أنت تعرف ذلك.”
“نعم” نهض عن الكرسي وتريث قليلاً يمتحن خدر ساقيه الثقيل.” سأعلمك. سأعلمك عندما أستطيع.”
خرج من المكتب إلى ظلمة الممر الطويل ومشى بتثاقل في ضوء الشمس نحو العالم المفتوح الذي كان كالسجن أينما ولى وجهه.
سيلتفت بعد سنين في لحظات غريبة إلى تلك الأيام التي تلت حديثه مع جوردون فينش وسيكون عاجزاً عن استحضارها بوضوح. وكأنه كان ميتاً لا يحركه شيء سوى ديدن إرادة صعبة المراس، ولكنه كان يعي بغرابةٍ نفسه والأماكن والأشخاص والأحداث التي حدثت أمامه في تلك الأيام القليلة، وعلم أنه أبدى للعامة مظهراً مناقضاً لحالته. درس محاضراته وحيا زملاءه وحضر الاجتماعات الواجب عليه حضورها، ولم يعلم أحد من الناس الذين التقى بهم يومياً وجودَ أي خطب.
لكنه كان يعرف بمجرد خروجه من مكتب جوردون فينش_ في الخدر الذي تنامى من مركز وجوده الصغير _أن فصلاً من حياته قد انتهى وأن جزءاً منه كان يدنو كثيراً من الموت واستطاع أن يرى اقترابه بهدوء تقريباً. كان مدركاً بغموض أنه عبر الحرم في الحر المتوهج المنعش لما بعد ظهيرة ربيعية، كانت أشجار القرانيا الممتدة على طول الأرصفة وفي الباحات الأمامية مزهرة ترتعش مثل غيوم هشة، شفافة ورقيقة، وتجاه نظرته بلل الهواءَ العطرُ الشذي لأزهار الليلك الملونة.
عند وصوله إلى شقة كاثرين كان مبتهجاً ابتهاجاً محموماً وشديداً. تجاهل أسئلتها عن لقائه الأخير مع العميد، أرغمها على الضحك، وراقب بحزن لا متناه جهدهما الأخير في الابتهاج مثل رقصة ترقصها الحياة أمام جسد الموت.
أدرك أخيراً أن لا مفر من الحديث، ولو أن الكلمات التي قالاها كانت تشبه تنفيذ شيء تمرنا عليه مراراً وتكراراً في خلوة وعيهما. باحا بتلك المعرفة باستعمال نحوي: تقدما من الكمال..” كنا سعداء، ألم نكن؟” بالنسبة إلى الماضي..” كنا سعداء…أسعد من الجميع، كما أظن..” وأخيراً وصلا إلى ضرورة الحديث.
بعد بضعة أيام من المحادثة مع فينش، في لحظة هدوء اعترضت البهجة الشبه هستيرية التي اختاراها كعرف أكثر ملائمة ليساعدهما على تخطي أيامهما الأخيرة معاً، قالت كاثرين:” ليس أمامنا الكثير من الوقت، أليس كذلك؟”
“نعم” قال ستونر بهدوء.
” كم؟” سألت كاثرين.
” بضعة أيام، يومان أو ثلاثة.”
أومأت كاثرين.” لطالما فكرت أنني لن أكون قادرة على احتماله، لكنني خدرة تماماً، لا أشعر بشيء.”
” أعلم” قال ستونر. صمتا لحظة، قال:” أنت تعلمين لو كان بمقدوري فعل أي شيء، كنت..”
قالت:” لا تكمل، أعلم بالتأكيد.”
استند إلى الوراء على الأريكة ونظر إلى السقف الخفيض المعتم الذي كان بمثابة السماء لعالمهما. قال بهدوء:” لو نبذت كل شيء…إذا ما تخليت عن كل شيء وانسحبت فستذهبين معي أليس كذلك؟”
“بلى”
” لكنك تعلمين أنني لن أفعل ذلك أليس صحيحاً؟”
“بلى، أعلم.”
شرح ستونر لنفسه:” لأنه حينئذٍ سيكون كله بلا معنى ..أي شيء فعلناه، أي شيء كناه. أنا على ثقة تقريباً أنه لن يكون بمقدورنا أن ندرس، وأنت أنت قد تصبحين شيئاً آخر. نحن الاثنان سنصبح شيئاً آخر، شيئاً مختلفاً عن حقيقتنا. قد نكون..لا شيء.”
“لاشيء” قالت.
” وعلينا أن ننجو من هذا على الأقل بأنفسنا. نعرف أننا..ما نحن عليه.”
“نعم” قالت كاثرين.
” لأنه على المدى الطويل، ليست إديث أو حتى جريس أو قطعية خسارة جريس التي تبقيني هنا، ليس الفضيحة أو الأذى الذي قد يصيبك أو يصيبني، ليست المشقة التي قد نعانيها أو حتى خسارة الحب التي يمكن أن نواجهها. إنه ببساطة هلاكنا، مما نفعله.”
” أعلم” قالت كاثرين.
” ونحن من هذا العالم في النهاية، لابد أن نعرف ذلك. نحن نعلم، كما أعتقد، لكن كان علينا أن ننسحب قليلاً، نتظاهر قليلاً، بحيث أمكننا..”
قالت كاثرين: ” أعلم، عرفت كل شيء، كما أظن. حتى فيما يتعلق بالتظاهر، علمت ذلك في وقت ما، قد.. علمت.” توقفت ونظرت إليه بثبات. برقت عيناها فجأة بالدمع.” لكن اللعنة على كل شيء يا رجل، اللعنة على كل شيء!”
اكتفيا بما قالاه وتعانقا فلا يتلاقى وجهيهما، ومارسا الحب كي لا يضطرا إلى الكلام. اقترنا بالشهوة القديمة العطوفة لمعرفتهما الجيدة وبلهفة الفقد الجديدة الكثيفة. بعدئذٍ تمددا بصمت في ليل الغرفة الصغيرة الأسود، يتلامس جسداهما بخفة. بعد لحظات طويلة هدأ تنفس كاثرين كأنها غفت. نهض ستونر بهدوء، ارتدى ثيابه في الظلمة وخرج من الغرفة دون أن يوقظها. مشى في شوارع كولومبيا الهادئة الخالية حتى بدأ أول خيط رمادي من الضوء يبزغ في الشرق، ثم توجه إلى حرم الجامعة. جلس على الدرجات الحجرية أمام جيسي هول وراقب الضوء يزحف من الشرق على الأعمدة الحجرية الضخمة وسط الساحة. فكر بالنار التي دمرت قبل أن يولد وخربت البناء القديم، واغتم لرؤية ما بقي منها من كثب. عندما طلع الفجر دخل المبنى وذهب إلى مكتبه حيث انتظر موعد أولى المحاضرات.
لم ير كاثرين دريسكول بعد ذلك. نهضت ليلاً بعد مغادرته، حزمت أمتعتها جميعها ووضعت الكتب في صناديق وأعطت للقيِّم على المنزل العنوان الذي تود إرسالها إليه. أرسلت بالبريد إلى مكتب اللغة الإنجليزية علاماتها وإرشاداتها لصرف النظر عن صفوفها طوال مدة الأسبوع ونصف الأسبوع المتبقية على نهاية الفصل الدراسي، كما أرسلت استقالتها. وفي الساعة الثانية من بعد الظهر كانت على متن القطار في طريقها لمغادرة كولومبيا.
أدرك ستونر أنها كانت قد قررت الرحيل سابقاً منذ بعض الوقت، شعر بالامتنان لعدم معرفته؛ ولأنها غادرته دون أن تترك له ملحوظة أخيرة تقول فيها ما لا يمكن قوله.

حُبّ- جاسبار نوي.

gaspar-noe-s-nsfw-love-trailer-leaves-little-to-the-imagination-483085

لقاء مع المخرج جاسبار نوي وحديث عن فيلمه الجديد “حب”-أجرى اللقاء نيجل م. سميث.

 

عاد إلى الواجهة هذا الأسبوع المخرج الفرنسي الأرجنتيني جاسبار نوي بعد مضي ست سنوات على إحداثه صدمة في مهرجان كان السينمائي بفيلمه “الدخول في الفراغ”، لتقديم العرض الأول لفيلمه الأخير وجهده الأكثر جسارةً ” حب.” أحدثت قصة الحب الجنسية الصريحة المصورة على طريقة الأبعاد الثلاثية دوياً منذ أن تم الإعلان عنها كإضافة متأخرة لجلسة منتصف الليل في المهرجان، متبوعة بإطلاق ملصقاتها (غير الآمنة للمشاهدة في العمل NSFW.) قوبل الفيلم ببعض الهياج لعرضه المشاهد الجنسية الأكثر جرأة على الشاشة في مهرجان كان (في الفيلم الكثير منها وهو يعرض على مدى أكثر من ساعتين.) عمل موقع indie wire مع نوي بضعة أيام بعد عرضه الأول لمناقشة المشروع، وسؤاله عن السبب الذي دعاه للتصوير بطريقة الأبعاد الثلاثية وما أثاره من انتقادات.

 

كانت الآمال كبيرة في انتظار عرض منتصف الليل ويعود السبب إلى حد بعيد للملصقات الإعلانية الصريحة التي أثارت هرجاً ومرجاً على الشبكة العنكبوتية. كيف يتم التعامل مع الآمال المعقودة على مشروع مثل فيلم “حب”؟

تم تنفيذ هذه الصور منذ سنة للحصول على القليل من التمويل خلال مهرجان كان. لم يكن مفترضاً بهذه الملصقات أن تكون نهائية فهي مجرد ملصقات دعائية لاجتذاب الموزعين الأجانب. لم أتوقع أبداً أن صورة تم نشرها على موقع تويتر يمكن أن تحدث كل هذه الجلبة. هناك أمر مضحك يتعلق بمهرجان كان السينمائي: المهرجان نفسه يحتاج إلى فيلم فاضح أو اثنين أو ثلاثة أفلام كل سنة لإضفاء حيوية عليه. أظن أنه لم يكن في هذه السنة ما يمكن اعتباره فضيحة محتملة، ولم يكن الفيلم جاهزاً عندما تم الإعلان عن المسابقة الرسمية. ولم يكن جاهزاً أيضاً بعد أسبوع من عرض المسودة الأولية على تيري فريمو. الذي عده مناسباً لمهرجانه.   بعدئذ توجب عليَّ العمل مدة عشرين ساعة يومياً لأكمله كما ينبغي لأكون فخوراً به. والآن أنا فخور لكني لم أعمل من قبل بهذا الجد لإنهاء شيء في الوقت المناسب. لذا كان فضيحة معلن عنهاً مسبقاً في هذه السنة من المهرجان. الحقيقة هي أن الفيلم سوداوي في الغالب. جميع المشاهد الجنسية ليست كما ترى عادة، بل تم إظهارها بطريقة أكثر جمالاً، حزناً أو سوداوية.

جاء معجبوك باندفاع كبير لمشاهدة العرض الأول، يهللون لك ويهتفون باسمك قبل أن يبدأ ثم أتبعوه بحفاوة بالغة حالما انتهى العرض. كيف كانت تلك الليلة؟

كانت مبهجة. لقد رأيت سابقاً عروضاً في صالة العرض الرئيسية ولم تكن مبهجة إلى هذا الحد– لا أتذكر أن الناس صفقت   لدى انتهاء أي عرض منها. لكن أيضاً بالنظر إلى كونه عرض في منتصف الليل ويمكن للناس الحضور بثيابهم العادية وليس بملابسهم الرسمية.. كانت الحيوية مبهجة على غير العادة.

هل ترى هذا كـ”فيلمٍ حدث“؟

من الطريف أن تقول ذلك. كنت أقرأ سريعاً بعض المراجعات ومرة ثانية وجدت أكثر المراجعات حقداً لدى Variety، واللوموند. مرة أخرى يتوقف أمر الإعجاب به أو كراهيته على الناس.

هل تحب تصنيف الجماهير؟

نعم (يضحك).  نصف الصحافة تكره جميع أفلامي دوماً.

لماذا تقرأ مراجعاتك؟ هل تشعر بأنك تتعلم منها أو تتسلى بقراءتها وحسب؟

 

أستمتع بها. تحظى بتسلية أكبر من المراجعات المؤذية وليس من المراجعات الجيدة. تساعد المراجعات الجيدة الفيلم على أن يحيا، لكن السيئة منها تساعدك على التوصل إلى خطط انتقامية، وتثير فيك الرغبة بصنع فيلم آخر. أنها توقظك وتثير فيك الضحك. أعتقد أن مقالة Variety كانت مسلية جداً.

لكن ألا تنال منك بأي شكل من الأشكال؟

لا. ربما كنت أكثر حساسية وأنا أصور أول أفلامي القصيرة، أول أفلامي الروائية، لكن لدي الكثير من الأشياء في الماضي من أفلامي السابقة ..أنها جزء من اللعبة. لكني لا أقرأها جميعاً، لأن هناك الكثير منها في هذه الأيام.

 

لدي فضول لمعرفة ما الذي جاء في المرتبة الأولى عندما كنت تخطط لهذا الفيلم. هل كانت القصة التي رويتها في “حب”، أو الوصف الجريء لحدود الحياة الجنسية؟

أردت فقط أن أصور العاطفة الجنسية بأقصى ما يمكن، لأنها شائعة في الحياة الواقعية لكنك ربما لا تراها مصورة على الشاشة بشكل مناسب. آخر فيلم رأيت الحب فيه مقدماً بصدق فيلم “الأزرق أكثر الألوان دفئاً” لأنه بالنسبة لهم ساحة مليئة بالأفراح والآلام. الأمر برمته الذي يجعل عملية البحث عن الحب مثل إدمان على بعض المواد الكيميائية الغريبة فدماغك يتحرر وتدمن على السيروتونين والدوبامين والاندروفين.

أليس صحيحاً أنك كنت تحمض فيلمك هذا قبل أن يصدر ذلك الفيلم؟

نعم، في الواقع كان هذا المشروع لا يزال في مرحلة المعالجة الأولية قبل فيلم ” لا رجعة فيه” وعرضته على فينسنت كاسل ومونيكا بيلوتشي وحينها رفضاه كلياً بسبب مشهد المتحول جنسياً.

مثير للاهتمام. لكن بعدها قبلا العمل في فيلم ” لا رجعة فيه” الذي يروي قصة اغتصاب.

ورفضا العمل قائلين بأنهما لن يمثلا في فيلم يتضمن مشاهد جنسية صريحة وقلت لماذا لا نصنع فيلماً عن انتقام واغتصاب بطريقة الخطف خلفاً، ووافقا. في ذلك الحين كان اسم النص السينمائي للمشروع “خطر” لأني ظننت بأنه شبيه بقولك الحب خطر، إنه منطقة خطرة.

لماذا غيرت العنوان إلى” حب”؟

أعجبت ب “حب” أكثر. تخيل نفس المشهد البصري باسم “خطر”، لن يكون ناجحاً.

 

مشهد نادي الجنس في “حب” هو نزهة إلى حد بعيد. هل هو مكان حقيقي؟

نعم، نادي الجنس حقيقي.

في باريس؟

نعم، وكان الممثلون الثانويون في الغالب ممثلي بورنو. هناك الكثير منها في باريس.

أنا لا أعرف نواد شبيهة في الولايات– بمثل تلك الأناقة.

نعم، هناك البعض منها. سمعت أن هناك واحداً في ناشفيل.

 (ضحك) واضح أن مقارنة ستجري بينك وبين الشخصية الأساسية في الفيلم بالنظر إلى كونه مخرج سينمائي يحكي عن سبب رغبته بصنع فيلم يصور جنساً حقيقياً.  إلى أي حد فيلم حب هو سيرة ذاتية؟

أكثر من نصف أصدقائي يعملون في صناعة السينما، ولكوني أتسكع برفقة المخرجين أو صناع المؤثرات البصرية قررت أن أصنع فيلماً عن أناس يشبهونني أو أناس أعرفهم، وهو ليس سيرة ذاتية بل خليط، هناك الكثير من الأفكار في رأسه لا تشبه أفكاري، لأنها أفكاره الأميركية، لكن في نفس الوقت ليس الرجل بطلاً ولا هو (الوغد)، هو مجرد رجل عادي يملك حساً موضوعياً سليماً أو يتصرف أحياناً بصرامة شديدة، ربما محاكاة ساخرة لي ولأصدقائي.

صوت الشخصية السردي في فيلم “حب” بالغ الجدية وهادئ في الإلقاء. من الذي اختاره؟

جربنا صوته بطريقة أكثر عاطفية، لكن حينذاك لا يمكنك أن تشعر بقراءة طبيعية للنص أو تمثيل الدور. أظن أن الأفكار داخل دماغك واهنة. لأقل أنه كان خفيضاً خال من الحيوية مقطوع الأنفاس، ثم يمكن لصوتك أن ينقل بعض المشاعر. لا أظن أن الأفكار الداخلية يمكن أن تحتوي على صوت مرتجف.

هل وضع الممثلون معك أي حدود للتصوير، أو وافقوا على تنفيذ أي شيء تطلبه منهم؟

إنه أمر غريب، أحياناً لديهم قضايا حول أمور لا يمكنني فهمها. على سبيل المثال عندما يشتري الثنائي ديلدو (في الفيلم).

اعتقدت أنهم سيستعملونه.

ظننت أنهم قد يفعلون، لكن الممثلة قالت،” مستحيل، لن أستعمل الديلدو أمام الكاميرا.” بالنسبة لها كان هذا مشهدا منحلاً أو مخزياً. قالت،” مستحيل أن أضع هزازاً أو ما شابه في عضوي.”

كيف تتعامل مع ضروب هذه المسائل عندما تواجهك؟

لم تكن ممثلة بل كانت مجرد فتاة. كانت تعمل عارضة أزياء ووافقت على العمل في الفيلم باعتباره تجربة حياتية. لم يكن لديها خطط مهنية، وهي حالياً لا تعرف إذا ما كانت ترغب بالتمثيل في فيلم آخر أو لا. إنها تعيش لحظتها الراهنة.

من الذي صمم المشاهد الجنسية؟

لم يكن هناك تصميم للمشهد.

لم يكن هناك تصميم بتاتاً؟ حتى في مشهد الجنس الثلاثي الذي يمتد على مدى عشر دقائق؟

لا، أنا أضعهم في مواقعهم وحسب وأقول،” حسناً، مظهركم جيد، حسناً، ابدؤوا المشهد.”

ماهي الإرشادات التي تقدمها لهم عندما يكونون على وشك البدء؟

“هيا لنبدأ.” لم أتدخل كثيراً أثناء التصوير. حالما تضع الناس في أمكنتهم المناسبة فهذا حسن. لنبدأ. يعرفون ما عليهم فعله. أنا لست مخرجاً بالمعنى الحرفي للكلمة.

حقاً؟

نعم، أنا على العكس من ذلك تقريباً. أتذكر حديثاً لي مع بينوكيو ديلتورو حين قلت ” من المخرج الذي تفضل العمل معه؟” قال ستيفن سبيلبرغ. قلت،” لماذا؟”” لأنه لا يقول لي كيف عليَّ أن أمثل.”(ضحك)” هو الوحيد الذي لا يقول لي شيئاً.”

هل ترسم لوحات قصص أفلامك؟

لا. لا أكتب الحوار مسبقاً ولا أرسم لوحات القصة. هناك حالة نطورها معاً في موقع التصوير.

يطيب لك الوقت طويلاً بين المشاريع. مضت ست سنوات منذ فيلم “الدخول في الفراغ”. هل ترى أنك قد تسرع الخطى قريباً؟

لا أعلم (ضحك).  رغبت أن أبدأ هذا الفيلم منذ سنتين، لكن حينها كنت أؤجل مراراً. أحياناً لا ترغب بالتخلي عن موضوع لتذهب إلى آخر وتعود، لذا ربما بسبب وسواس جنوني لدي أتشبث بفكرتي وأفضل أن أنتظر بدلاً من أن أفعل شيئاً ليس هو شغفي الأساسي.

هل في جعبتك أية أعمال قادمة؟

لا، ليس بعد، ليس قبل فترة. يجب أن أرتاح وأرى.

تبدو أفلامك مثل أحلام محمومة. لدي فضول لمعرفة أحلامك وفيما إذا كنت تسجلها بشكل من الأشكال– إذا ما كنت تنهض في الصباح وتكتبها؟

لا أتذكر أني حلمت يوماً أحلاماً مجنونة. تمر حقب في حياتك تحلم فيها أكثر كفنان.. تتذكر أحلامك في الصباح، وتمر فترات في حياتك على مدى شهر أو شهرين لا تتذكر أي حلم. تذكرت في آيسلندا. ربما بسبب وجود الكثير من الأوكسجين هناك، أتذكر اعتقادي بأني تحت تأثير الأفيون، لأني كنت أحلم كل صباح وكل قيلولة. ربما للأمر علاقة بالأوكسجين.

بالانتقال إلى ناحية تصوير فيلم “حب”على طريقة الأبعاد الثلاثية ما الذي راقك في التجربة؟

أنها تجعل الأشياء أكثر حميمية وواقعية. تشعر كما لو أنك دمى في صندوق مستطيل والوجوه بداخله.

هل من تجربة بعينها مصورة على طريقة الأبعاد الثلاثية ألهمتك لتصور فيلم حب بهذه الطريقة؟

لا. أنا حقاً أحب فيلم “جرافيتي” بسبب تصويره على طريقة الأبعاد الثلاثية، لكن أيضا في “هوجو” لمارتن سكورسيزي. كان هناك لقطة طويلة.. مثل الصورة المقربة لجورج ميليس أمام الكاميرا وعلى شاشة كبيرة فبدت مثل نصب تذكاري. عليك أن تكون شديد الحذر عندما تصور فيلماً بالأبعاد الثلاثية وألا تقطع بسرعة كبيرة أو تفرط في المونتاج لأنه منهك للعقل. حالما تملأ الفراغ من الأفضل أن تبقي المشهد على حاله.

هل ستكرر التصوير بطريقة الأبعاد الثلاثية ثانية؟

ربما. لا أعلم. لا أعلم ما الذي سأصوره لاحقاً.

هل يجب أن يشاهد فيلم “حب” في نسخته ثلاثية الأبعاد؟

أعتقد أنه مثير للعواطف أكثر في نسخته ثلاثية الأبعاد. لم أر النسخة الثنائية أبداً.

اتصال هاتفي- دوروثي باركر.

dorothy-parker-1411-t-600x600-rw

اتصال هاتفي-دورثي باركر.

أرجوك يا الله دعه يتصل بي الآن. عزيزي الله، دعه يتصل بي الآن. لن أطلب منك أي شيء آخر، صدقاً لن أطلب. وهذا ليس بالكثير. سيكون أمراً بالغ الضآلة بالنسبة لك يا الله، حقاً أمر ضئيل، ضئيل. فقط دعه يتصل بي الآن. أرجوك يا إلهي. أرجوك، أرجوك، أرجوك.

لو أتوقف عن التفكير في الأمر، ربما يرن الهاتف. أحياناً يحصل ذلك. لو أفكر بشيء آخر. لو أفكر بشيء آخر. لو أعد لأصل حتى الرقم خمسمائة بحلول الساعة الخامسة قد يرن في هذه الأثناء. سأعد ببطء. لن أغش. وإذا ما رن عند وصولي للرقم ثلاثمائة لن أتوقف، لن أجيب إلى أن أصل حتى الخمسمائة. خمسة، عشرة، خمسة عشرة، عشرون، خمس وعشرون، ثلاثون، خمس وثلاثون، أربعون، خمس وأربعون، خمسون… أوه، فلترن أرجوك. أرجوك.

هذه آخر مرة أنظر فيها إلى الساعة. لن أنظر إليها مجدداً. إنها الساعة السابعة وعشر دقائق. قال بأنه سيتصل عند الخامسة.” سأتصل بك عند الخامسة عزيزتي.” أظن أن هذا ما قاله ” عزيزتي” مرتين والمرة الثانية كانت عندما قال وداعاً. ” وداعاً عزيزتي.” كان منشغلاً ولم يتمكن من التحدث طويلاً في المكتب لكنه دعاني “عزيزتي” مرتين. هو لا يمكنه أن ينسى اتصاله بي. أعرف أن ليس عليك أن تستمري بالاتصال بهم، أعرف أنهم لا يحبون ذلك. عندما تفعلين يعرفون أنك تفكرين بهم وترغبين بهم وذلك يجعلهم يكرهونك. لكن لم أتحدث إليه منذ ثلاثة أيام، منذ ثلاثة أيام.

وكل ما فعلته هو أني سألته عن حاله، كما يفعل أي شخص قد يتصل به. غير وارد أن يرفض ذلك. لا يمكن أن يكون قد تناهى إليه بأني أزعجه.” لا بالتأكيد، أنت لا تفعلين،” قال. وقال بأنه سيتصل بي.  لم يكن مجبراً على ذلك القول. لم أطلب منه، حقاً لم أفعل. أنا واثقة من أني لم أفعل. لا أظن بأنه قد يقول بأنه سيتصل بي ثم لا يفعل أبداً. أرجوك لا تدعه يفعل ذلك يا الله، أرجوك لا.

“سأتصل بك عند الخامسة عزيزتي.” وداعاً عزيزتي.” كان منشغلاً وعلى عجلة من أمره وكان هناك أناس من حوله لكنه ناداني “عزيزتي” مرتين. لي أنا، لي أنا. أملك ذلك حتى لو لم أره ثانية. أوه لكن ذلك قليل جداً. ذلك ليس كافياً. لا شيء كاف إذا لم أره مجدداً. أرجوك دعني أراه ثانية   يا الله. أرجوك أريده كثيراً. أريده كثيراً. سأكون طيبة يا الله. سأحاول أن أكون أفضل، سأفعل إذا ما جعلتني أراه ثانية، إذا ما جعلته يتصل بي، أوه دعه يتصل بي الآن.

آه، لا تدع صلاتي تبدو ضئيلة جداً عليك يا الله. أنت تجلس هناك في الأعلى، عجوز ناصع البياض، وجميع الملائكة من حولك والنجوم تنساب بالقرب منك. وأنا أجيئك بصلاة عن اتصال هاتفي. آه لا تضحك يا الله. كما ترى، لا تعرف كيف يكون الشعور. أنت آمن جداً هناك على عرشك، والأزرق يدوِّم من تحتك. لا شيء يمكنه أن يمسَّك، ما من شخص يمكنه أن يلوي قلبك بيديه. هذا عذاب يا الله هذا عذاب سيء، سيء ألن تساعدني؟  بحق ابنك ساعدني. أنت قلت بأنك ستفعل ما يطلب منك باسمه. أوه يا الله باسم ابنك الحبيب يسوع المسيح ربنا دعه يتصل بي الآن.

لا بد أن أتوقف عن هذا. لا ينبغي عليَّ أن أكون هكذا. أنظر، لنفترض أن شاباً يقول بأنه سيتصل بفتاة وثم يحدث أمر ما ولا يفعل، هذا ليس أمراً رهيباً، أليس كذلك؟  لأنه يحدث في شتى أنحاء العالم في هذه الدقيقة تماماً. أوه لمَ أهتم لما يحدث في جميع أنحاء العالم؟ لم لا يمكن لهذا الهاتف أن يرن؟ لم لا يمكنه ذلك؟ لم لا يمكنه ذلك؟ ألا يمكنك أن ترن؟ آه أرجوك هل يمكنك؟ أنت ملعون، قبيح، ورائق. قد يؤلمك أن ترن أليس صحيحاً؟ أوه ذلك قد يؤلمك، عليك اللعنة، سأنزع توصيلاتك القذرة من الجدار، سأحطم وجهك الأسود المعتد بنفسه إلى شظايا. عليك اللعنة وإلى الجحيم.

لا، لا، لا. لابد أن أكف عن ذلك. لابد أن أفكر بشيء آخر. هذا ما سأفعله، سأضع الساعة في الغرفة الأخرى فلا يمكنني النظر إليها. إذا ما كان عليَّ النظر إليها سيتوجب عليَّ السير إلى غرفة النوم وهذا سيكون أمراً عليَّ القيام به. ربما قبل أن أنظر إليها ثانية سيتصل بي. سأكون رقيقة معه لو اتصل بي، إذا قال بأنه لا يستطيع أن يراني الليلة سأقول:” لماذا، لا بأس عزيزي، لماذا، بالتأكيد لا بأس.” سأكون كما كنت معه في أول مرة التقيته بها ثم ربما سأعجبه مجدداً، كنت عذبة دوماً في البداية، أوه، من السهل جداً أن تكون عذباً مع الناس قبل أن تحبهم.

لابد أنه لا يزال يحبني قليلاً. لا يمكنه أن يدعوني ” عزيزتي” مرتين اليوم لو لم يكن لا يزال يحبني قليلاً.  لم ينته كل شيء لو كان لا يزال يحبني قليلاً، حتى لو كان فقط قليلاً، قليلاً جداً. كما ترى يا الله، لو فقط تدعه يتصل بي لن أطلب المزيد. سأكون رقيقة معه، يمكن أن أكون مرحة سأكون كما كنت تماماً، وحينها سيحبني ثانية. وحينها لن يكون عليَّ أبداً أن أطلب منك أي شيء آخر. ألا ترى يا الله؟ إذن هلا جعلته يتصل بي؟ هلا فعلت رجاء، رجاء، رجاء؟

هل تعاقبني، يا الله لأني لم أكن صالحة؟ هل أنت غاضب مني لأني فعلت ذلك؟ أوه لكن يا إلهي هناك الكثير من الأناس السيئين-لا يمكن أن تقسو عليَّ وحدي. ولم يكن الأمر بالغ السوء، لا يمكن أن يكون سيئاً. لم نؤذ أحد يا الله. الأمور تكون سيئة فقط عندما تسبب بالأذى للناس. لم نؤذ شخصاً واحداً أنت تعرف ذلك. أنت تعرف أنه لم يكن سيئاً، أليس كذلك يا الله؟ إذن هلا جعلته يتصل بي الآن؟

إذا لم يتصل بي سأعرف أن الله غاضب مني. سأصل حتى الرقم خمسمائة مع حلول الساعة الخامسة وإذا لم يتصل بي عندها سأعرف أن الله لن يساعدني ثانية ابداً. ستكون هذه إشارة. خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون، أربعون، خمسة وأربعون، خمسون، خمسة وخمسون… لقد كان سيئاً. أعرف أنه كان سيئاً. حسناً يا الله أرسلني إلى الجحيم. أنت تظن بأنك تخيفني بجحيمك أليس كذلك؟ تظن جحيمك أسوأ من جحيمي؟

لا ينبغي علي، لا ينبغي فعل هذا. لنفترض أنه تأخر قليلاً بالاتصال، هذا ليس أمراً يستدعي رد فعل هستيري. ربما لن يتصل، ربما هو قادم من غير أن يتصل. سيستغرب إذا ما رآني أبكي. هم لا يحبونك إذ تبكين. هو لا يبكي. أتمنى من الله بأن أجعله يبكي. أتمنى أن أتمكن من جعله يبكي ويدب على الأرض ويشعر بأن قلبه ثقيل وكبير ويتقيح في داخله. أتمنى لو استطعت أن أجرحه كالجحيم.

هو لم يتمنَّ لي ذلك. لا أظن أنه يعلم كيف أشعر بسببه. أتمنى لو يعلم دون أن أخبره. هم لا يحبون أن تخبريهم بأنهم جعلوك تبكين. هم لا يحبون أن تقولي لهم بأنك تعيسة بسببهم. إذا ما فعلت سيظنون بأنك تملكية ومتطلبة وحينها سيكرهونك.  يكرهونك متى قلت أي شيء حقيقة تفكرين فيه، عليك دوماً أن تلعبي بعض الألاعيب الصغيرة.

أنا أوه أعتقد أنه ليس علينا ذلك، أعتقد أن هذا كان كبيراً جداً ويمكنني أن أقول كل ما أقصد قوله. أظن بأنك لا تستطيعين أبداً. أظن أن ليس هناك أي شيء كبير إلى ذلك الحد. أوه لو يتصل فقط، لن أقول له بأني كنت حزينة بسببه. هم يكرهون الحزانى. سأكون عذبة ومرحة جداً، لن يستطيع إلا أن يعجب بي. لو يتصل فقط، لو يتصل فقط.

ربما هذا ما يفعله. ربما هو قادم إلى هنا دون أن يتصل. ربما هو في طريقه الآن. شيء ما قد حصل له. لا، لا شيء يمكن أن يصيبه. لا يمكنني أن أتصور أن مكروهاً أصابه. أنا لم أتصوره يوماً صريعاً. لم أره ممدداً بهدوء طويلاً وميتاً.  أتمنى لو كان ميتاً. هذه أمنية فظيعة. هذه أمنية جميلة. لو كان ميتاً سيكون لي. لو كان ميتاً لن أفكر أبداً بالوقت الحالي وبآخر بضعة أسابيع. سأتذكر فقط الأوقات الجميلة. ستكون جميلة تماماً. أتمنى لو كان ميتاً. أتمنى لو كان ميتاً، ميتاً، ميتاً.

هذا سخف. من السخف أن تتمنى للناس أن يكونوا موتى فقط لأنهم لم يتصلوا بك في نفس الدقيقة التي قالوا إنهم سيفعلون فيها. ربما الساعة مسرعة، لا أعرف إذا كانت صحيحة. ربما هو لم يتأخر على الإطلاق. أي شيء قد يجعله يتأخر قليلاً. ربما كان عليه أن يبقى في مكتبه. ربما ذهب إلى البيت ليتصل بي من هناك وجاءه شخص ما. هو لا يحب أن يتصل بي في حضرة الناس. ربما هو قلق فقط قليلاً، قليلاً جداً لأنه يجعلني أنتظر. ربما أمل بأني سأتصل به، يمكنني أن أفعل ذلك، يمكنني الاتصال به.

لا ينبغي، لا ينبغي، لا ينبغي علي. أوه يا إلهي أرجوك لا تجعلني اتصل به. أرجوك امنعني من فعل ذلك. أعلم يا الله تماماً كما أنت تعلم بأنه لو كان قلقاً علي سيتصل من أي مكان كان فيه أو لو كان هناك الكثير من الناس من حوله. أرجوك اجعلني أعرف ذلك يا الله. أنا لا أطلب منك أن تسهل الأمر علي، ليس بوسعك أن تفعل ذلك، لذلك كله أنت خلقت عالماً. فقط اجعلني أعرفه يا الله. لا تدعني أستمر بالأمل. لا تجعلني أحدث نفسي بأشياء مريحة. أرجوك لا تدعني آمل يا عزيزي الله، أرجوك لا.

لن أتصل به. لن أتصل به ثانية البتة طوال حياتي. سيتعفن في الجحيم قبل أن أتصل به، ليس عليك أن تعطيني القوة يا الله فأنا أملكها، إذا ما أرادني يمكنه الوصول إلي، هو يعرف مكاني، هو يعرف بأني أنتظر هنا، هو شديد الثقة بي، شديد الثقة. أتساءل لمَ يكرهونك حالما يثقون بك؟ علي أن أفكر بأن شعورك بالثقة سيكون له أثر بالغ العذوبة عليك.

سيكون من السهل جداً أن أتصل به. حينها قد أعرف. ربما لن يكون حماقة ترتكب. ربما هو لا يمانع. ربما سيعجبه ذلك. ربما كان يحاول الاتصال بي. أحياناً يحاول الناس الاتصال بك بواسطة الهاتف ويقولون إن الرقم لا يجيب. أنا لا أقول ذلك فحسب لأهون على نفسي، هذا يحدث حقيقة. أنت تعلم بأن هذا يحدث فعلاً يا الله. أوه يا الله أبعدني عن ذلك الهاتف. أبعدني. دعني أملك بعض الكبرياء. أظن بأني سأحتاج إليه يا الله. أظن بأنه سيكون كل ما أملك.

أوه، وما ذا يهم الكبرياء عندما لا أستطيع أن أحتمل الامتناع عن التحدث إليه؟ الكبرياء بهذا الشكل سخف، أمر صغير تافه. الكبرياء الحقيقي، الكبرياء الكبير هو ألا يكون لديك كبرياء. أنا لا أقول ذلك فقط لأني أريد أن أتصل به. أنا لن أفعل، هذا حقيقة، أعرف أنها حقيقة. سأكون كبيرة. سأكون أكبر من مجرد كبرياء صغير.

أرجوك يا الله امنعني من الاتصال به، أرجوك يا الله.

لا أرى ما يفيد الكبرياء في ذلك. هذا مجرد أمر صغير، ماذا سأفيد من الكبرياء، ماذا سأفيد بإثارة هذه الضجة من حوله. ربما أسأت فهمه. ربما طلب مني أن أتصل به عند الخامسة.” اتصلي بي عند الخامسة، عزيزتي.” ربما قال ذلك، جيداً جداً. ربما لم أسمعه بشكل صحيح.” اتصلي بي عند الخامسة يا عزيزتي.” أنا واثقة بأن هذا ما قاله. يا إلهي لا تجعلني أتحدث بهذه الطريقة مع نفسي. دعني أعرف أرجوك، دعني أعرف.

سأفكر بشيء آخر. سأجلس بهدوء تام. إذا استطعت أن أجلس بهدوء. يا ليتني أستطيع الجلوس هادئة. ربما يمكنني القراءة. أوه، كل الكتب تحكي عن أناس يحبون بعضهم بصدق وبعذوبة. ما الذي يريدون من كتابة أشياء عن ذلك؟  ألا يعرفون أنها ليست حقيقة؟ ألا يعرفون بأنها كذبة، إنها كذبة لعينة؟ ما الذي يجعلهم يروون عن ذلك في حين أنهم يعرفون كم يتسبب بالألم؟ عليهم اللعنة، عليهم اللعنة، عليهم اللعنة.

لن أفعل. سأكون هادئة. هو ليس أمراً يستدعي الهياج. انظر، لنفترض أنه كان شخصاً لا أعرفه معرفة جيدة. لنفترض أنه فتاة أخرى. حينها كنت سأتصل وأقول،” حسناً بحق الله ما الذي حدث لك؟” هذا ما سأفعله ولن أفكر بالأمر. لم لا يمكنني أن أكون طبيعية وغير متكلفة فقط لأني أحبه؟ يمكنني أن أكون، صدقاً يمكنني. سأتصل به وأكون رفيقة جداً وسارَّة. انظر إذا لم أفعل، يا الله، أوه لا تدعني أتصل به، لا، لا، لا.

إلهي، ألن تجعله حقاً يتصل بي؟ هل أنت واثق يا إلهي؟ ألا يمكنك أن ترق أرجوك؟ ألا يمكنك؟ أنا لا أطلب منك أن تدعه يتصل بي في هذه اللحظة يا الله، فقط دعه يفعل خلال وقت قصير. سأعد خمسمائة حتى الخامسة. سأفعل ببطء شديد وبوضوح شديد. إذا لم يتصل حينها، سأتصل به. سأفعل. أوه أرجوك يا عزيزي الله، عزيزي الله الطيب، يا أبتي المقدس في السماوات دعه يتصل قبل ذلك الحين، أرجوك يا الله، أرجوك.

خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون.

http://biblioklept.org/2015/07/24/a-telephone-call-dorothy-parker/

دوروثي باركر ( 22/8/1893-7/6/1967)  شاعرة أمريكية ، كاتبة قصة قصيرة، وناقدة .

دوروثي باركر ( 22/8/1893-7/6/1967)  شاعرة أمريكية ، كاتبة قصة قصيرة، وناقدة .

ملاحظة: جيمس سالتر،1925-2015

salter_young

ملاحظة: جيمس سالتر،1925-2015

نيك بومجارتن.

توفي جيمس سالتر يوم الجمعة عن تسعين عاماً أتمها قبل تسعة أيام من وفاته. ” بطريقة ما حل عيد الميلاد هذه السنة بسرعة أكبر مما كنت أتوقع،” قال مصرحاً لمجلة Stern الألمانية التي نوهت به باعتباره مؤلف أكثر الكتب مبيعاً وهذا لم تفعله أغلب نعواتنا.” توقعت أن تطول ثمانينياتي أكثر. قد أقول بأني رجل منهك بما يفوق معظم التوقعات، لكني مثل الجميع لا يزال عندي أمل.”

احتفل بعيد ميلاده السبت الماضي في ساج هاربر شرق لونج آيلاند في منزل ماريا ماتيسن أرملة بيتر ماتيسن الذي توفي السنة الماضية.” شربنا معاً قدراً كبيراً أحياناً،” كتب سالتر متذكراً.” لقد هرمنا.” كان عشاءاً جمع زهاء عشرين شخصاً من الأصدقاء، كتب لي أحدهم ليلة الجمعة،” بدا معافى وفي غاية السعادة مرتدياً بزته المصنوعة من قماش الكتان الأبيض التي لا يرتديها إلا في ليال صيفية مميزة.  كان حاداً كالورد البري وخفيف الروح في عرفانه لكل ما قيل خطابات. كان مفعماً بالحيوية بشكل خاص لاحقاً إزاء هدية قدمها شخص ما: رواية ميلفيل “بيلي بود، البحار” إصدار عام 1946. بدا متفائلاً إلى حد كبير تلك الليلة بأن يطول عمره قليلاً على الأرض.”

بعد مضي أقل من أسبوع أصيب بنوبة قلبية قاتلة في النادي الرياضي. بدت الأنباء على غير ماهو متوقع منها، مثل واحد من تلك التحولات التي تخطف الأنفاس في رائعته “سنوات ضوئية” أو عمله الأخير “كل ما هنالك”. امتدت كلاً من الروايتين على مدى عقود في تصوير لحيوات عادية تتناثر عليها ضربات القدر. سالتر ولو أنه مقدر بالدرجة الأولى باعتباره نحات للعبارات، ربما كان فريداً في موهبته وذائقته للتعبير عن قسوة مرور الزمن (تخطر في بالي أليس مونرو أيضاً). أصدقاء، محار، مارتيني، كتان أبيض، أمل، نباهة، وسحر: كان خبيراً العيش الطيب ووصفه على حد سواء، لكنه ربما كان خبيراً على نحو مضاعف في إيصال لا دوامية كل أشكال الحياة على الإطلاق. لم تكن حياته عادية. تخرج من أكاديمية ويست بوينت العسكرية، طياراً مقاتلاً، محارباً في الحرب الكورية، مخرجاً سينمائياً، وكاتب سيناريو، رياضياً، مبارزاً بالسيف، رجلاً لعوباً في الخارج-الإنسان إنسان أولاً والكاتب كاتب لاحقاً. غير أن العمل كان رقيقاً وقارياً إلى حد كبير، ربما أكثر صرامة من الرجل الذي ألفه، لكن خجول إلى حد ما.

ولد باسم هورويتز واختار سالتر. عندما كنت أعمل على ملف عنه منذ سنتين قال لي أن أول مرة توصل فيها لاسم مستعار كانت بهدف إخفاء هويته عن زملائه من طيارين وضباط في القوى الجوية الذين كان يكرسهم في قصصه القصيرة المبكرة ورواياته.

“كتبت قائمة طويلة من الأسماء، وبعضها كان غريباً تماماً. فكرت، لا تسترسل هنا، اختر شيئاً بسيطاً لا يستجلب الكثير من الانتباه فقط. واستعملته لهذا السبب. كان اعتباطياً ولا أظنه كان خياراً عظيماً.” قال.

سألته فيما إذا كان يعتبر نفسه كاتباً يهودياً.

” حسناً، حاولت ألا أكون،” قال.” هذا كان واحداً من طموحاتي. هناك الكثير منهم. وبالتأكيد، لم يكن لأولى الكتب التي ألفتها علاقة بهذا. في الواقع الكتاب الثالث لم يكن له علاقة أيضاً.” كان الكتابان الأولان عن القوى الجوية، وعمله الثالث الأشهر والساحر ربما ” رياضة وتسلية،” عن علاقة غرامية تجمع منفي أمريكي وبائعة فرنسية.

كان متواضعاً لكن واثقاً من مواهبه، قلقاً لكن هادئاً فيما يخص شهرته، وبطريقة ما رصيناً ومتدفقاً حول تأثيراته. عندما سألته عن فكرته بشأن مصدر أسلوبه أجاب،” من يدري.” ومع ذلك أحب الحديث عن كتابه المفضلين وما تعلمه منهم. غير أن الموهبة هي الموهبة.” نوعاً ما هي السبيل الذي يجعل أناساً بعينهم قادرين على التماشي مع اللحن ويتعذر على غيرهم فعل ذلك،” قال. “بعض الناس يمكنهم الحفاظ على كلمة نغمية، إذا صح التعبير، بخلاف البعض الآخر. وفوق كل شيء بعض الناس يمكنهم رواية قصة، وآخرون لا يمكنهم ذلك. لا يسمعون تلك النقطة حيث لا بد لشيء آخر أن يأتي. هذه موهبة عادية يمكنك أن تسمعها في أي بار. أنت تجلس هناك مصغياً، وهي قصة ممتازة رويتها للتو، أو رواها للتو. وشخص آخر يقص واحدة ويتوه عقلك. تنتظر أن تقاطع. ما هذا؟ لا يعني أنها ليست مثيرة للاهتمام. ليس موضوع وراثة أو أي شيء. حسبه ذلك الشيء الصغير مثل التماشي مع اللحن.

بالرغم من أهميته ومن معجبيه، تمكن في نهاية المطاف طوال فترة تجاهله النقدي والتجاري السابقة، أن يخلف وراءه أعمالاً قوية جداً -روايتان من المحتمل أن تكونا خالدتين (“سنوات ضوئية” و “ورياضة وتسلية”) بالإضافة الى أفضل الروايات الأميركية عن تسلق الجبال “وجوه مفردة” وقتال الطائرات ” الصيادون “والعديد من القصص القصيرة التي لا تنسى وسيرة ذاتية استثنائية “حريق الأيام” وأيضاً كتاب ممتاز ومميز كتبه مع زوجته كاي عن الطعام “الحياة وجبات”. نشرت روايته الأخيرة “كل ما هنالك،” قبل بلوغه عامه الثامن والثمانين، كانت وداعاً فريداً وفخماً، جلبت له أخيراً الاهتمام الذي لطالما استحقه واشتهاه على الصعيدين التجاري والنقدي. كان باختصار مؤلفاً لأفضل الكتب مبيعاً.

جرى لقائي به للمرة الأولى عام 1992 بعد قراءة مقالته ” حياة التزلج” في مجلة Outside وصادفت وصفه لموت عمتي ميتا بوردن إثر انهيار ثلجي في آسبن. خلال السنتين التاليتين جرت بيننا بعض الاتصالات والمراسلات الإلكترونية فيما يخص أعمال المجلة والتزلج، بعدئذٍ قرأت أخيراً “سنوات مضيئة”. تحت التأثير النضر لتنبهها لقصر الحياة، ذهبت لزيارته في منزل كاي في بريدج هامبنتون أحد فصح عام 2012. رفض تلميحي حول تأسيسه شخصية بطلة سنوات مضيئة ندرا، الأنانية والمغوية عن شخصية عمتي. بحلول فصل الشتاء التالي أمضيت عدة أيام في منزله في آسبن وأجريت مقابلة معه من أجل الملف وحينها أخبرني أن الشخصية التي كانت المصدر الحقيقي لندرا هي امرأة تدعى باربرا روزينثال، صديقة وجارة عرفها بداية الستينات في مقاطعة بوتنام، نيويورك، بعد أن ترك القوى الجوية ليتفرغ للكتابة الأدبية. كتب مرة: ” تمضي الحياة على الصفحات كما تمضي في أي مكان، ليس لديها مكان آخر تقصده. على الأقل سيكون للصفحات بعض الديمومة.”

http://www.newyorker.com/books/page-turner/postscript-james-salter-1925-2015

هايكو-ريتشارد رايت

richard-wright-and-haiku

هايكو-ريتشارد رايت

1

احزمي أمرك أيتها الحلزونة!

نصفك داخل منزلك،

ونصف خارجه!

2

فلتغادر حالاً أيها العث،

سأطفئ الضوء

وأذهب للنوم.

3

حسناً، يا عصافير الدوري،

غربت الشمس وبوسعك الآن

أن تكفي عن الزقزقة!

4

عطسة الكلب العنيفة

تفشل في إثارة ذبابة واحدة

على ظهره الأجرب.

5

في صباحات الشتاء

تكشف الشمعة عن آثار شاحبة

لأسنان الجرذان.

6

بأنف مرتعش

يقرأ كلب برقية

على جذع شجرة رطب.

7

شباك العناكب

تدبق على وجهي المتعرق

في الغابات المتربة.

8

نصل سكين دام

لعقته قطة

إبان نحر خنزير.

9

في الثلج النادف

فتى ضاحك يمد راحتيه

حتى يغطيهما البياض.

10

زهرة ماغنوليا

تدلت على أخرى

في العشب المبلل بالندى.

11

مع الشمس الآفلة،

تنشق بطيخة خضراء

والعصير يسيل.

12

ريشة دوري

على شوكة سلك صدئ

في الحر القائظ.

13

مطر ثلجي ليلاً

يطيِّب اللفت المنتفخ

بنكهة مميزة.

14

أكوام الكرز الأسود

تتلألأ بقطرات المطر

في شمس المساء.

15

النهار طويل جداً

حتى عصافير الدوري الصاخبة

ران عليها صمت غريب.

16

يبدأ الربيع حيياً

بدبوس من عشب أخضر

في أصيص زهرة.

17

مغادراً عشه،

الدوري يغط هنيهةً،

ثم يفرد جناحيه.

18

مثل صنارة صيد،

ظل زهرة عباد الشمس الطويل

يحوم في البحيرة.

19

في الشمس الآفلة،

براعم الشجرة تتضيق سريعاً

لتجفف قطرات المطر.

20

سرعان ما تتلاشى،

قطرات مطر الصيف الأولى

على باب خشبي قديم.

21

طار الغراب سريعاً جداً

مخلفاً نعيبه الوحيد

وراءه في الحقول.

22

تنتحب وتبكي،

أوتار إوزة شجية

مارة بمقبرة.

23

ذات مساء خريفي

يدخل غريب قرية

ويخرج منها.

24

دوري جريح

يغط في ماء بحيرة بارد صاف،

بعينين مفتوحتين.

25

بين الزهور

ساعة خزفية تتكتك

في غرفة الميت.

26

بسخط

فتاة صغيرة تصفع دميتها-،

صوت مطر الخريف.

27

قبعة الفزاعة القديمة

تطوحها رياح الشتاء

في مقبرة.

28

قادماً من الغابات،

ثور وغصن ليلك

يتدلى من قرنه.

29

ضوء القمر الصيفي

يومض على كير الحداد

ويبرد حمر الجمرات.

30

كل أجراس المدينة

ترن رنيناً صاخباً منتصف هذه الليلة،

مخيفة السنة الجديدة!

31

ما من طائر يطير،

أوراق الشجرة ساكنة سكون حجر-

في مساء خريفي.

32

في سقيفة الحطب القديمة

رؤوس الكتل الجليدية الطويلة

تشحذ الريح.

33

صبية صغار يقذفون

أحجاراً على فزاعة آثم

في حقل مغطى بالثلج.

34

منتصباً بصبر،

يقيم الحصان لندف الثلج

بيتاً على ظهره.

35

متخبطاً طوال اليوم،

ينام البحر البارد الآن نوماً عميقاً

على سرير النجوم.

36

غابة ربيعية صامتة:

يفتح غراب منقاره الحاد

ويخلق سماء.

37

صياح ديك ثاقب

يقود نجوم فجر الربيع

بعيداً عن السماء.

38

من ناطحة سحاب،

الشوارع النشطة تميل جميعها

نحو بحر الربيع.

39

وأنا أحرث الأرض،

تزور غرباني جميعها

مزرعة مجاورة.

40

لابد أن قمر الربيع ذاك،

شديد الصفرة وبالغ الهشاشة،

سيتصدع عند غيمة!

41

حاملة مطر كثيراً،

زهرة التوليب تنحني وتسكبه،

ثم تستقيم مجدداً.

42

مثل نار متفشية،

تقفز الزهور من شجرة إلى شجرة

في ربيع متوهج.

43

الرعد المباغت

أجفل الماغنوليا

فابيضت من شدة الشحوب.

44

مغادراً عيادة الطبيب،

يبدو العالم أجمع مختلفاً

في هذا الصباح الخريفي.

45

كدت أنسى

أن أعلق قمر الخريف

على الجبل.

46

; فاحت برائحة الورود

لكن عندما أضأت المصباح،

كانت بنفسجاً.

47

صباح جليدي:

تركت قليلاً من جلدي

على عصا المكنسة.

48

سماء الربيع شديدة الصفاء

تخال أنها تشف عن

الغد.

49

ريح ربيعية منعشة

تذكرني بشيء

لا أستطيع استحضاره.

50

أشعر بمطر الخريف

يحاول أن يشرح شيئاً

لست راغب بمعرفته.

51

سيرك على شاطئ البحيرة:

فيل يرتعش

يلوّح في مياه زرقاء.

52

وهي تخلع ثيابها،

يمس قمر الربيع نهديها

لسبع ثوان.

53

فواق الرضيع

يخمد وأزيز ذباب

يملأ الغرفة المشمسة.

54

رجل ذو أرجل كالأوتاد

يتجول في الحديقة،

مشذباً الزهور.

55

أول يوم من أيام الربيع:

تسرح الخادمة شعرها الأشقر

تسريحة جديدة.

56

قرية في وادٍ

رابضة في قبضة ضوء القمر

كم هي وحيدة.

57

في مطر ربيعي خفيف

عجوز تبصق

في منديل.

58

فأرة ميتة تعوم

على وجه دلو ممتلئ بالقشدة

في ضوء فجر ربيعي.

59

في هذه الغرفة المستأجرة

يقف شتاء آخر خارج

لوح نافذتي الزجاجي المتسخ.

60

سيجارتي تتوهج

دون أن تمسها شفتاي

نسمة ربيعية ركينة.

61

ترسو على شاشة

صالة سينما مزدحمة،

فراشة بيضاء.

62

فراش مرض فارغ:

مخدة بيضاء مجعدة.

في شمس شتاء واهية.

63

بينما الغربان تنعق،

نباتات الخشخاش بإخلاص

تزيد أحمرها دكنةً.

64

امرأة بدينة عارية

تقف عند موقد المطبخ،

تتذوق عصير التفاح.

65

غاسلة الملابس

تصبغ حوض الماء بالأزرق-،

رياح الربيع المشمسة!

66

في صالون الحلاقة

نتن الصابون والشعر-،

يوم صيفي حار!

67

العشب الأخضر الخشن

عالق في الشعر السميك الصوفي

لرأس الصبي الأسود.

68

أدفع الإيجار

عن القملة في غرفتي الباردة

وضوء القمر أيضاً.

69

أدخل بلدتي

والثلج يندف مدراراً،

أشعر بأني غريب.

70

لقد تهت

في بلدة غريبة ليلاً-،

سماء مضاءة بنجوم باردة قديمة.

71

محبوس في صندوق الثلج،

جدجد يسقسق ناعساً

في شتاء غريب.

72

واصل السيرة بمحاذاة هذا الحاجز،

ثم استدر يميناً حيث ستجد

شجرة دراق مزهرة.

tumblr_lnj0k0ktCN1qczy2h

فرار أبي الأخير-برونو شولز.

 

حدث ذلك في الفترة المتأخرة والبائسة من تمزق كلي، إبَّان سدادنا لديون عملنا. رفعت اللافتة التي تعلو متجرنا، أنزلت المصاريع إلى المنتصف، وكانت أمي في المتجر تعمل بتجارة الآثار غير المشروعة. سافرت آديلا إلى أمريكا وسرت شائعة عن غرق المركب الذي أبحرت على متنه وعن هلاك جميع ركابه. لم نستطع التأكد منها، لكن فقدنا كل أثر للفتاة ولم نسمع عنها مجدداً أبداً. بدأت حقبة جديدة فارغة رصينة وكئيبة، مثل صفحة ورق بيضاء. كانت جينيا المستخدمة الجديدة، تعاني من فقر الدم، شاحبة وضعيفة ترتحل بين الغرف. تتلوى عندما يربت أحد على ظهرها وتتمدد مثل أفعى، أو تخرخر مثل قطة. بشرتها بيضاء باهتة اللون وحتى بطانة جفنيها كان لونها أبيض. كانت شديدة الذهول حتى أنها صنعت أحياناً صلصة بيضاء من رسائل وفواتير قديمة: كانت مثيرة للغثيان وغير صالحة للأكل.

كان أبي حينئذٍ ميتاً بلا شك. حدث أن احتضر مرات عدة، لطالما ترافقت بشكوك دعتنا لإعادة النظر في موقفنا إزاء حادثة الوفاة. وكان لهذا مزاياه. جعلنا أبي نألف موته بتجزئته إلى دفعات. تدريجياً لم نعد نبالي بعودته-التي كانت تزداد قصراً وتعاسة في كل مرة. كانت قسماته قد تفرقت في أنحاء الغرفة التي عاش ونشأ فيها، مبتكرة في بعض الأماكن صوراً غريبة من التشابهات كانت معبرة إلى حد بعيد. بدأ ورق الجدران في عدة أماكن يحاكي عِرَّته العصبية الاعتيادية، رتبت تصاميم الزهور نفسها على شكل ابتسامته الكئيب متناظرة مع النقش المتحجر لحيوان مفصلي منقرض. لفترة من الوقت منحنا مساحة واسعة لمعطفه المصنوع من الفراء المبطن بجلود الظربان. فاحت رائحة المعطف المصنوع من الفراء. عبر به ذعر الحيوانات الصغيرة المدروزة معاً، يتشبث واحدها بالآخر، في تيارات بائسة وضاع في طيات الفراء. إذا ما قرب المرء أذناً منه قد يسمع تناغم خرخرة نوم الحيوانات الشجية. صمد أبي سنوات عديدة في هذا الشكل المدبوغ جيداً وسط الرائحة الخفيفة للظربان، القتل، والتزاوج الليلي. لكنه لم يدم.

.

عادت أمي ذات يوم من البلدة مغتمةً. “انظر يا جوزيف،” قالت،” يا للصدفة السعيدة. أمسكت به على الدرج يقفز من درجة إلى أخرى”-ورفعت المنديل الذي يغطي شيئاً في طبق. تعرفت إليه في الحال. كان التشابه صادماً بالرغم من أنه كان حينها سرطاناً أو عقرباً كبيراً. تبادلت وأمي النظرات: كان التشابه لا يصدق بالرغم من الانمساخ.” هل هو حي؟” سألت.” بالتأكيد. بالكاد يمكنني الإمساك به،” قالت أمي.” سأضعه على الأرض.” وضعت الطبق أرضاً، وانحنينا عليه وراقبناه عن كثب. كان يوجد مكان مجوف بين قوائمه العديدة المقوسة التي كان يحركها بخفة.

بدت ملاقطه المرفوعة ومجساته تصيخ السمع، أملتُ الطبق وسار أبي على الأرض باحتراس وبشيء من التردد. وحالما مسَّ السطح المستو تحته، انطلق فجأة بجميع قوائمه في حين أصدرت مفاصله صوت طقطقة. أعقته فتعثر متحققاً من العقبة بمجساته ثم رفع ملاقطه واستدار يركض جانباً، لم يكن في الاتجاه الذي اختاره أثاث ليتخذ منه ملجأ، فوصل إلى الجدار يجري في نخعات متموجة على قوائمه المتعددة وقبل أن نتمكن من إيقافه ركض برشاقة متسلقاً إياه دون أن يتوقف في أي مكان، نفرت مرتجفاً بشكل غريزي وأنا أراقب تقدمه على ورق الجدران. في هذه الأثناء بلغ أبي خزانة صغيرة في المطبخ، تعلق للحظة بحافتها مختبراً المجال بملاقطه، ثم دخلها زاحفاً.

كان يعيد استكشاف الشقة من وجهة نظر سرطان، يظهر أنه تحسس جميع الأشياء بواسطة حاسته الشمية فبالرغم من تفحص دقيق لم أجد أي عضو بصري عنده. بدا أنه يراعي الأشياء التي تعترض طريقه بحذر، متوقفاً ليتحسسها بمجساته ثم يحتضانها بملاقطه كما لو ليختبرها ويتعرف عليها، ليتركها بعد حين ويواصل سيره جاراً جوفه وراءه يعلو الأرض بقليل، وهذا ما فعله مع قطع الخبز واللحم التي كنا نرميها له على الأرض آملين أن يأكلها، كان يتفحصها لا مبالياً ويواصل السير غير عارف بأنها صالحة للأكل.

قد يستنتج المرء من خلال مراقبته لهذا الاستطلاع الصبور للغرفة أنه يبحث بحثاً حثيثاً عن شيء ودونما كلل. يجري من حين لآخر نحو زاوية المطبخ، زاحفاً تحت برميل الماء الذي كان يرشح ويشرب من بركة صغيرة. اختفى لأيام متواصلة أحياناً. بدا أنه يتدبر أمره تماماً بغير طعام، لكن هذا لم يبد أنه يقلل من حيويته. بمزيج من العار والاشمئزاز أخفينا نهاراً خوفنا السري من زيارته لسريرنا ليلاً. لكن هذا لم يحدث أبداً بالرغم من أنه قد يتجول في النهارات على الأثاث إلا أنه أعجب بشكل خاص بالبقاء في الفراغات بين الخزائن والجدار.

لم نستطع أن نغضَّ الطرف عن عدة مظاهر من تفكير وحس دعابة أيضاً. فعلى سبيل المثال لم يتلكأ أبي أبداً عن الظهور في غرفة الطعام أثناء الوجبات بالرغم من أن مشاركته فيها كانت بحت رمزية. إذا صودف أن كان باب غرفة الطعام مغلقاً خلال تناول وجبة العشاء، وقد ترك في الغرفة المجاورة، خربش أسفل الباب يجري جيئة وذهاباً على طول الفرجة حتى نفتحه له. تعلم مع الوقت كيف يدخل ملاقطه وقوائمه من فرجة الباب السفلية وبعد عدة مناورات متقنة نجح أخيراً في دس جسده خلالها جانبياً ليدخل غرفة الطعام. هذا بدا سبباً لمتعته. ثم بعد ذلك سيتوقف تحت الطاولة مستلقياً بهدوء بجوف ينبض قليلاً، ولم نستطع تصور ما قد تعنيه هذه النبضات الايقاعية. ومع أنها بدت فاحشة وخبيثة لكنها عبرت في نفس الوقت عن ارتياح شامل وشهواني. كان كلبنا نمرود يقترب منه ببطء ودون اقتناع، يشتمه باحتراس ويعطس ثم يبتعد بغير اكتراث من غير أن يتوصل إلى أي استنتاج.

كان التثبيط في عائلتنا يتنامى في هذه الأثناء. تنام جينيا طوال اليوم يموج جسدها النحيل الضعيف مع أنفاسها العميقة. غالباً ما كنا نجد في الحساء بكرات قطنية رمتها دون تفكير مع الخضار. كان متجرنا مفتوحاً ليل نهار دون توقف. تواصل عمليات البيع في خضم مساومات معقدة ومباحثات.  توج ذلك كله مجيء العم تشارلز للإقامة.

كان مكتئباً وصامتاً على نحو غريب. أعلن متنهداً عن قراره بتغيير طريقة عيشه بعد تجاربه الأخيرة التعسة وتكريس نفسه لدراسة اللغات. لم يخرج مطلقاً بل ظل حبيس الغرفة القصية وقد أزالت جينيا منها جميع السجاجيد والستائر إذ لم يستسغ زائرنا وجودها. أمضى وقته في قراءة قوائم أسعار قديمة. حاول عدة مرات بوحشية أن يطأ أبي. طلبنا منه صارخين هلعاً أن يكف عن ذلك. فيما بعد اكتفى بابتسامة ساخرة لنفسه، في حين كان أبي يتسكع ويتفحص بعض البقع على الأرض غير مدرك للخطر الذي يحدق به.

أبي السريع والمتنقل كما عهده عندما كان يقف على قدميه، تقاسم سمات جميع القشريات فعندما كان ينقلب على ظهره يتجمد جموداً شديداً، ستشعر بالحزن والشفقة إذا ما رأيته وهو يحرك جميع قوائمه ويدور حول محوره بعجز. كنا نجبر أنفسنا بصعوبة على النظر إلى آلية تركيبه البنيوي اللافتة والمخجلة إلى حد ما، المكشوفة تماماً تحت البطن الممفصل الأجرد. في مثل تلك اللحظات لم يكن بوسع العم تشارلز كبح جماح نفسه عن أن يطأ أبي إلا لماماً، وكنا نهرع لإنقاذه ببعض الأشياء التي في متناول اليد، فيتشبث بها بملاقطه ويستعيد سريعاً وقفته المعتادة، بعدئذ، في الحال، يشرع بجري خفيف متعرج، بسرعة مضاعفة كما لو أنه راغب بإلغاء ذكرى سقطته القبيحة.

يتعين عليَّ إرغام نفسي على رواية المأثرة التي لا تصدق رواية صادقة، التي لا زالت ذاكرتي تنتفض بسببها حتى الآن. إلى هذا اليوم لم أستطع فهم تحولنا إلى جناة عمداً. لا بد أن فاجعة غريبة أفضت بنا إلى ذلك إ لأن القدر لا يتفادى الوعي أو الإرادة بل يجتاحهما في آليته، بحيث نكون قادرين على الاعتراف والقبول بأمور-كما لو في غيبوبة منومة-كانت لتملأنا رعباً في ظل ظروف طبيعية.

بارتعاش شديد سألت أمي يائساً مراراً وتكراراً، ” كيف أمكنك فعل ذلك؟ يا ليتها كانت جينيا من أقدم على ذلك-لكن أنت بنفسك؟” انتحبت أمي مقلبة راحتيها ولم تجد جواباً. هل فكرت أن أبي سيكون أفضل حالاً؟ هل رأت في عملها الحل الوحيد لحالة ميؤوس منها، أو أنها أقدمت على ذلك بخفة وطيش لا يمكن تخيله؟ عندما يختار القدر أن يفرض علينا أهواءه اللا معقولة، لديه ألف مكيدة. تعتيم مؤقت، لحظة سهو أو عمى كاف ليدس عمل نفسه عندما يتوجب الاختيار بين أمرين أحلاهما مر. بعد ذلك تأملنا طويلاً بإدراك متأخر ذلك الفعل شارحين دوافعنا، محاولين اكتشاف نوايانا الحقيقية، لكن ما فعلناه لا يمكن الرجوع عنه.

عندما جُلب أبي على طبق ثبنا إلى رشدنا وفهمنا تماماً ما حدث.  تمدد عريضاً ومنفوخاً بعد سلقه، رمادياً شاحباً وقد صار هلامياً. جلسنا في صمت وذهول. وحده العم تشارلز رفع شوكته نحو الطبق لكن وضعها من فوره متردداً ينظر نحونا شزراً. أمرت أمي بحمله إلى غرفة الجلوس. فيما بعد وضع هناك على طاولة مغطاة بمفرش مخملي، بجانب ألبوم صور العائلة وصندوق سجائر موسيقي. معرضين عنه جميعاً، وضع هناك فقط.

لكن جولات والدي الأرضية لم تكن قد وصلت إلى منتهاها بعد، والدفعة التالية-يتجاوز نطاق القصة الحدود المباحة-هي الأكثر إيلاماً على الإطلاق. لماذا لم يستسلم، لماذا لم يعترف بهزيمته عندما كانت لديه أسباب الاعتراف جميعها، وعندما لم يعد بوسع القدر أن يوغل في إزعاجه مطلقاً أيضاً؟ بعد عدة أسابيع من السكون في غرفة الجلوس، استجمع قواه بطريقة ما وبدا أنه يتعافى ببطء. ذات صباح وجدنا الطبق فارغاً. قائمة ملقاة على حافته، انتشرت آثار فراره في صلصة طماطم متخثرة وهلام. وبالرغم من أنه كان مسلوقاً تتناثر قوائمه على الطريق، جر نفسه بما بقي من قوته إلى مكان ما كي يبدأ تجوالاً شريداً ولم نره مجدداً.

ترجمتها عن البولندية سيلينا فينيسكا.

ترجمتها عن الانجليزية: أماني لازار.

Book Rhapsody

Bookish rants & raves. Rhapsodizing thoughts & feelings.

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

the heart beats on

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 401 متابعون آخرين