Feeds:
تدوينات
تعليقات

aat_f2

الحياة، الحياة-أرسيني تاركوفسكي

لا أؤمن بالنحس ولا تخيفني

الهواجس. لا أتفادى الوشاية

ولا السم. الموت غير موجود.

الكل خالد. وكل الأشياء كذلك.

لا جدوى من خشية الموت في عمر السابعة عشرة،

ولا في السبعين. ليس سوى هنا والآن، والضوء،

لا الموت موجود ولا الظلمات.

نحن الآن جميعاً على شاطئ البحر،

أنا واحد من أولئك الذين سيسحبون الشباك

عندما يعوم فوج الخلود بمحاذاتها.”

Naziwik

خوان مينديلوث تومبسون-روبيرتو بولانيو من كتاب الأدب النازي في الأمريكتين.

بوينس آيرس،1920-بوينس آيرس،1991

أدرك خوان، الابن الثاني لادلميرا تومبسون، في عمر مبكر أن في وسعه فعل ما يشاء في حياته. مارس الألعاب الرياضية (كان لاعب تنس مقبول الجودة وسائق سيارة سباق مدهش)، ناصر الآداب (أو بالأحرى تآخى مع البوهيميين والمجرمين حتى اعترض سبيله كلاً من والده وأخوه الأكبر القوي وكان نهيهما مرفقاً بالوعيد والعنف في بعض الأحيان)، درس القانون قبل أن يتحول إلى الأدب.

نشر روايته الأولى ” الأنانيون” في العشرين من عمره، حكاية عن سر غامض وتبجيل الشباب، تدور أحداثها في لندن باريس وبوينس آيرس. تتسارع الأحداث انطلاقاً من واقعة بسيطة في الظاهر: رب أسرة دمث ومهذب يصرخ فجأة على زوجته آمراً إياها أن تأخذ الأطفال وتغادر المنزل في الحال أو تضعهم في غرفة وتقفل الباب. ثم يقفل على نفسه باب الحمام. بعد ساعة تخرج المرأة من الغرفة المقفلة التي التجأت إليها مطيعة وتذهب إلى الحمام لتجد زوجها ميتاً وفي يده شفرة ذبيح الحنجرة. بدا هذا الانتحار أولاً قضية مكشوفة ومقفلة، حقق فيها تحر من شرطة سكوتلاند يارد مدفوعاً من شغف بالروحانية وبتكليف من أحد أبناء القتيل. استغرق التحقيق أكثر من خمس عشرة سنة مستخدماً كذريعة لتقديم سرب من الشخصيات بمن فيهم شاب فرنسي ينتمي للملكيين الجدد وشاب نازي ألماني سمح لهما بالتحدث مطولاً بلسان حال الكاتب على ما يبدو.

حققت الرواية نجاحاً (بحلول عام 1943، نفذت أربع طبعات منها في الأرجنتين، وكانت المبيعات كبيرة في اسبانيا، كما في تشيلي، الأورغواي وبلدان أمريكا اللاتينية الأخرى)، لكن خوان مينديلوث قرر أن يهجر الأدب مؤثراً السياسة.

عد نفسه كتائبياً ونصيراً لخوسيه أنطونيو بريمو دي ريفيرا لحين. فكان معادياً للولايات المتحدة الأميركية وللرأسمالية. تحول لاحقاً لبيروني وشغل مناصب حكومية هامة في العاصمة وفي مقاطعة قرطبة. لم تشب عمله في الخدمة العامة شائبة. مع نهاية الحقبة البيرونية خضعت توجهاته السياسية لتحول آخر: تحول إلى مؤيد لأمريكا (في واقع الأمر اتهمه اليسار الأرجنتيني بنشر خمسة وعشرين عميلاً لوكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA في مجلته وهذا رقم مضخم بكل المقاييس)، أصبح شريكاً في إحدى الشركات القانونية الرئيسة في بوينس آيرس، وعين أخيراً في منصب سفير في اسبانيا. نشر عند عودته من مدريد رواية “الخيَّال الأرجنتيني”، راثياً فيها الفقر الروحي في العالم الحديث، انحسار الشفقة والتعاطف، وقصور الرواية الحديثة، لاسيما في ركاكتها ومظاهرها الفرنسية غير الهادفة، عن فهم المعاناة وابتكار الشخصيات.

أصبح شهيراً باسم كاتو[1] الأرجنتيني. تنازع مع أخته لوز مينديلوث على التحكم بمجلة العائلة. وعندما كسب النزاع حاول أن يشن حملة على نقص المشاعر في الرواية المعاصرة. شن بالتزامن مع نشر روايته الثالثة، “الربيع في مدريد” حملة ضد الفرانكوفيلية (الولع بفرنسا)، ثقافة العنف، الإلحاد والأفكار الغريبة. شكلت الرسائل الأميركية والأرجنتين الحديثة منابراً جنباً إلى جنب مع العديد من صحف بوينس آيرس التي كانت متحمسة للنشر بالرغم من دهشتها أحياناً إزاء تنديده بكورتاثار إذ وصفه بأنه زائف ودموي، ووصفه لقصص بورخيس على أنها “معارضات المعارضات” وعن شخصياته الشاحبة بادية الانحدار المستقاة من تراث الأدب الإنجليزي والفرنسي الباليين، ” مكرراً نفس الحبكات القديمة والتكرار الممل.” طالت حملته بيوي كاساريس، موجيكا لينز، إرنستو ساباتو (الذي جسد في نظره ثقافة العنف والعداء المجاني)، ليبولدو ماريشال وآخرين.

كان قد نشر ثلاث روايات أخرى وهي: اندفاع الشباب، نظرة على الأرجنتين في العام 1940، بيدريتو سالادانيا الباتاغوني، قصة عن مغامرات في الجنوب تتقاطع مع ستيفنسون وكونراد، ورواية غموض مضيء، عن النظام والفوضى، العدالة والظلم، الله والخواء.

هجر الأدب في عام 1975 مجدداً لصالح السياسة.  وكان ولاؤه لكل من البيرونية والحكومات العسكرية على درجة متساوية. تولى في عام 1985 إدارة أعمال العائلة بعد موت أخيه الأكبر، وفوض هذه المهمة لابنه وأبناء أخيه عام 1989، بنية العمل على رواية لم يتمها. نشر هذا العمل الأخير “جزر غارقة”، في إصدار مميز أعده الديميرو كاروزوني ابن سكرتيرة والدته. محادثات بطول خمسين صفحة تدور بين شخصيات غامضة وأوصاف فوضوية لتلاطم أنهار وبحار لا نهائي.

[1] Cato: وتعني الأريب، الداهية.

ميجور ميبي- آن بيتي.

920x920

ميجور ميبي-آن بيتي[1].

نشرت القصة في مجلة النيويوركر 

ألقي القبض على السيدة المشردة ذات الشعر الأحمر بعد أن سقطت في الشارع وكادت تدهسها سيارة أجرة. كانت قبل أن تنطلق مسعورة في زحمة المرور مباشرة قد نعتت بالشيطان كلباً أسود مربوطاً برسن (من يتحمل مسؤولية تصرفاتها؟)، نعتاً رفضه مالك الكلب رفضاً قاطعاً بشكل مرهق. كان اسم الكلب ميجور ميبي[2] وكانت قصته ذائعة في حيِّنا أكثر من قصة السيدة ذات الشعر الأحمر. أطلق مربي الحيوانات على الكلب اسم ميجور، وحاولت العائلة التي اقتنته-عائلة ليفل التي تسكن بجورانا مناداته باسمٍ مشابه لا يتسبب بتشويشه. جربوا اسمي مارك وميسون، لكن الكلب لم يستجب لأي اسم يبدأ بحرف (الميم) إلى أن استنبطت ابنة العائلة كوري ليفل الصغيرة ذات الأربع أعوام، والتي كثيراً ما تتحدث إلى ألعابها -قائلة لهم أنهم ربما يذهبون لمشاهدة بارنيز[3] وربما يذهبون إلى المتنزه وربما يحصلون على كعكة محلاة إذا كانوا صالحين-الاسم الوحيد الذي سيرضى به الكلب كما خمنتم قطعاً. لاحقاً تبادر إليهم أنه سيكون أمراً مسلياً تسميته ميجور ميبي.

كان شريكي في السكن في هذه الأثناء طالباً اسمه إيجل سورس يدرس التمثيل. تزوج والده الانجليزي من امرأة أمريكية ادعت أن لها أصولاً هندية من جهة أمها. في المدرسة كان يدعى إيجل سوارس باسم إيدي، وفي الحقيقة كان اسمه المسجل في شهادة الميلاد مكوناً من اسميه الأول والأوسط إيجل سوارس (تخلى عنه لاحقاً عن اسمه الأخير، ستيفنس)، خطر له عندما بلغ العشرين من عمره أن الاسم قد يكون مفيداً إذا ما عزم على التمثيل.  كسب مالاً إضافياً من أخذ ميجور ميبي في نزهة عند الساعة الرابعة من بعد الظهر إلى الجادة العاشرة مروراً بالشارع الواحد والعشرين أو الثاني والعشرين نحو الجادة الثامنة عائداً عبر الشارع رقم 20 إلى البيت.

كان تشيلسي في تلك الأيام حياً تجارياً صغيراً.  ما من معارض فنية، بضعة نواد للجنس على الطريق الغربي فقط. كان هناك بائع زهور لطيف يدعى هوي. كنت أشتري أحياناً زهرة واحدة لآخذها إلى الشقة وأضمها إلى محرابي الصغير في الطرف القصي الأيسر للنوافذ العميقة المطلة على الفناء الخلفي، كنت قد وضعت فيه صورة لأمي وأبي في يوم زفافهما في إطار صغير على شكل قلب، صورة لأختي مستلقية على بساط من الفراء تبدو دائخة في اليوم الذي أعادوها فيه من المستشفى، لقطةٌ باهتة جداً لحيواني الأليف الأول، القطة دوريس في صندوق بلاستيكي، سوار من زهور مجففة لبسته في حفل تخرجي، وواحد من أضراس العقل تدلى من سلسلة معلقة على مقبض النافذة.

كنت قد جمعت هذه الأشياء بالتضامن مع ايجل سورس، كان يعرض على الجانب الأيمن من عتبة النافذة إطاراً مزدوجاً يضم صورة تخرجه من المدرسة الثانوية ولقطة للفتى الذي كان مفتوناً به في المدرسة الثانوية وعلى وجهه ضمادة كبيرة بعد عملية ترميم لأنفه (حادث دراجة)، مبراة على شكل فرس نهر يرتدي تنورة راقصات الباليه منفرج الساقين، ملعقة شاي مسروقة من السوق، ومذكرة طرد مؤطرة من مالكه السابق في كولومبوس، أوهايو. كانت مزحة مستمرة إذ كلما جئت بوردة جديدة ينقلها إلى الجهة اليمنى عند منتصف الليل، وأعيدها إلى جهتي عندما يخرج للنزهة مع ميجور ميبي. تقاسمنا ثمن الخمر لأننا كنا نشرب كميتين متساويتين. كان أكثر اهتماماً بالحشيش، وكنت مهتمة بالمحافظة على وزني. مع ذلك كنا نشرب أسبوعياً مقدار جالون من النبيذ الأبيض الايطالي الذي كان يردد بائعه دوماً أنه لن يكون بمقدوره تأمين المزيد منه (مع أنه ما من شيء كان سيجعلنا ندفع ثمن صندوق كامل من زجاجات النبيذ). كنت أعمل نادلة بدوام جزئي وترسل أمي لي شيكاً شهرياً لتغطية نصف ثمن الإيجار.

في يوم الحادثة بين الكلب والسيدة حمراء الشعر كنت وسورس جالسين على كراس صغيرة وضعت داخل السياج الحديدي أمام مبنى سكني  brownstone ، حيث أضفى أصيص وضعه رجل الطابق السفلي خارجاً  نبتة خبيزة كبيرة وردية اللون جواً كثيراً. وضع وسائد مدورة على الكراسي أيضاً جعلت الجلوس عليها مريحاً أكثر. كان محللاً نفسياً مختصاً بالمراهقين الذين جاؤوا ورحلوا شديدي العبوس، يرمون سجائرهم ويدهسونها ونادراً ما ينظرون إلينا. أخبرنا المحلل النفسي أنه من الأفضل ألا نحيي زبائنه، لأن كل ما قد نقوله لهم لن يكون مناسباً إلى حد ما.

تقبلنا الأمر وتجاهلنا ثوران حب الشباب ودخان سجائرهم المنتشر والنظر نحوهم مباشرة بشكل أساسي، إلا في حال بدوا مستميتين في ودهم لأننا قلنا كلمة “مرحباً”. ذات مرة جاءت سيارة اسعاف لتأخذ زبوناً من الطابق السفلي، وعرفنا فيما بعد (بالرغم من السرية بين الطبيب والمريض) أنه كان ينزف وقد ارتدى ثياباً نظيفة ليأتي إلى موعده الأسبوعي. كان الطابق السفلي يدعى ” الشقة الحديقة “. عند إزهار شجرة الويستيريا كان المحلل النفسي يأخذ كراسيه الصغيرة ويضمها إلى أخرى في الباحة الخلفية للمنزل ويقيم حفلة شمبانيا كنا ندعى إليها دوماً. ربما جلس يوماً على الكراسي في الخارج لكننا لم نر ذلك. ثم مجدداً جلسنا عليها كثيراً، وكان رجلاً طيب الخلق مهذباً، فربما لم لديه الكثير من الحظ.

كنا نتمرن على التمثيل. يقرأ سورس سطوره ويتعين عليَّ عند مرحلة معينة التدخل فجأة لصرف انتباهه، أو أن اصطنع نوبة من السعال، أو قد أقول أمراً عدائياً، من مثل ” أيها المنهك البائس، أنت لست بإدوارد، دع لير وشأنه!” كانت الفكرة أن أي شيء يمكن أن يحدث خلال الأداء وعلى الممثل أن يخمد رد فعله الحياتي ويستمر دون تلعثم. كان بحوزة سورس نسخة واحدة من النص، وإذ أن الحصول على نسخة يكلف مالاً جلسنا متقاربين. حاولت التمثيل أيضاً إلى حد أني لم أكن راغبة في أن يكون بوسعه توقع عطاسي أو انفجاراتي، التي عرفت أن بوسعه الإحساس بها من خلال التغير الطفيف في تنفسي وأنا أبادر بالكلام، أو من خلال حركتي مهما بلغ صغرها أو الصوت الخافت الذي يصدر عن شفتي عندما تنفرجان. كان من واجبي أن أحمسه دون سابق إنذار. في واقع الأمر، رميت نفسي مرة من على الكرسي وتلويت كشخص يعاني نوبة. مزقت الأكمام الطويلة وبنطال الجينز عمداً فلم يكن الضرر الناجم كبيراً لكن فتى الذي كان يركب دراجة ويوصل زجاجات المياه الغازية إلى المبنى المجاور توقف وهرع لمساعدتي وشعرنا بإحراج عندما كان علينا أن نشرح الأمر.

أنا عاطفية جداً. لا أكاد أصدق أننا عشنا مثل تلك الأوقات. (أنا طبيبة الآن، أعمل مع فرقة طبية في بورتلاند، ماين، سورس أب مطلق لتوأم يقود متحمساً طوفاً نهرياً، في رحلات شركة سياحية غرب البلاد، يكتب مقالات عن الطبيعة ويدرِّس في كلية رسمية.)

ها هنا أمر بيِّن لم أفكر به إلا مؤخراً: لم يكن عيشنا معاً ملائماً لي ولسورس فقط. كنا متآلفين جداً لنتحول بسرعة قياسية إلى زوج وزوجة قديمين. كنا نمثل على مدى سنوات يوميات الزواج الرتيبة، كنت أتفاجأ أحياناً من انفجار نوبة غضب مجنون، مزحتنا الطويلة الأمد في نقل حلينا الرخيصة، سطورنا المتكررة باستمرار (ولو أن سطوره كانت مقتبسة من شكسبير على نحو مثالي.)

جزم سورس عندما كان في نيويورك بأنه فيما عدا الافتتان الكبير بصديقه في المدرسة الثانوية لم يكن مثلياً. كفَّ عن مواعدة الرجال وبدأ بالخروج معي ومع صديقاتي، ثم بدأ يواعد واحدة منهن حطم قلبها فيما بعد، لكن هذه قصة أخرى، وإن كان ثنائي الجنس إلا أنه فضل الزواج من امرأة.

بأية حال عندما كنا أنا وسورس نتمرن ذلك اليوم، وقفت السيدة ذات الشعر الأحمر من مجلسها على الرصيف وشتمت صديقنا الكلب صارخة،” إبليس الشرير! إبليسسس!” ثم اندفع ميجور ميبي المسكين خائفاً، وقد رفع لتوه ساقاً ليبول أمام شجرته المفضلة وكان مهاناً عندما توجب عليه أن يفعلها قبل أن يصل. مدت ذراعيها ربما بقصد أن تطيح بالسيد ليفيل الذي استدار ببساطة إلى الجانب الآخر وسمح للإعصار الوحشي بالعبور.

(تمدد ميجور ميبي المسالم على الأرض.) وهكذا راحت تدور بجنون من قدميها الحافيتين الصغيرتين حتى ساقيها الثخينتين، لتتشابك تنورتها الطويلة الملطخة على نحو تسبب بتعثرها، فعندما واصلت طريقها بين السيارات المركونة في الشارع رقم عشرين مولولة أنه عندما يظهر الشيطان لن يكون منه فكاك، التف القماش حولها مثل غزل البنات وقذفت للأمام كما لو أن شخصا حقيقياً لم تسره المعاملة.

زعقت سيارة أجرة إثر توقفها المفاجئ، وخرج سائقها بسرعة وانحنى عليها مثل حكم في مباراة رياضية مشيراً بإصبعه موبخاً المرأة على الأرض… إلى أن قفزت لتلفه بذراعيها وتحاول أن تعصره بشدة عند مرور طالب لاهوت و السيد ليفيل (الذي كان في خمسينياته) فاقتربا وحاولا إبعادها. كان ميجور ميبي يشعر بإهانة بالغة حتى أن فكه كان متدلياً، قذف رسنه على واحد من البروزات المستدقة للبوابة الحديدية المحيطة بالمنطقة الإسمنتية الصغيرة أمام بيته. كان سيختنق لو تمدد لأن الرسن كان بالغ القصر، فانبغى عليه أن يجلس ويراقب المشهد. حصل على نزهة منعشة، رفع ساقه ليبول قليلاً، واشتم أنفاساً عظيمة، والآن هذا: انفجار مشردة أرسلها في طريقنا فيدل كاسترو، الذي أطلق الكوبيين من المصحات العقلية ووضعهم على سفن مرسلاً إياهم إلى هنا ليختلطوا مع مجانيننا. في الأيام الجيدة، كانت السيدة ذات الشعر الأحمر تغني ترانيماً بالإسبانية بصوتها السوبرانو الجميل والصافي. شعرت بالنسيم يهب في شعرها. تناولت البسكويت المملح ولم تعتدِ على أحد. في الأيام السيئة… حسناً.

أين الشرطة. أين الشرطة؟ حدث هذا قبل انتشار الهواتف الخلوية. تعامل رجال الشرطة لدى وصولهم مع السيدة ذات الشعر الأحمر بقسوة كبيرة اعترض عليها طالب اللاهوت. (لم يجد نفعاً.) كبلوها وأخفض رجل شرطة رأسها لتركب السيارة كما ينزل لاعب كرة سلة ليرمي بيد واحدة. بسهولة. لا يعتد بها. استئناف سريع للعبة.

علقت تماريننا. تناول السيد ليفل رسن الكلب وصعد درجات منزله. صعدنا سورس وأنا إلى الأعلى وفتحنا زجاجة نبيذ أبيض إيطالي وجلسنا في كراسينا القابلة للطي لفترة-كانت رخيصة ولا نملك سواها من أثاث عملياً. لم أنزعج من سرقة سورس لزهرتي. كانت زنبقة ذلك اليوم حمراء تناثر غبار طلعها على الأرض تحت النافذة مثل قشرة صفراء من رأس عملاق. كانت دالية الويستيريا وافرة وخضراء في الخارج، براعم ملتفة ومسننة خضراء شاحبة اللون كأصابع ساحرة قد تواصل الانتشار سريعاً، ولو أنها ليست مزهرة. تمشينا. ناقشنا مستقبلنا. تساءلنا عن احتمال فشلنا، مجرد فشل بسيط: إذا لم يحصل على دور محترم البتة، وإذا لم أتمكن من معرفة ما أرغب بفعله في الحياة. تساءلنا إذا ما كان الايدز سينتشر في المدينة، إذا ما كانت السيدة ذات الشعر الأحمر سليمة العقل لتخاف في مخفر الشرطة، وكم سنة سيعيش ميجور ميبي.

أمسك سورس بيدي. لم نمسك بأيدي بعضنا من قبل لأننا بالتأكيد لم نكن ثنائياً. شبكنا أصابعنا، وكنت مذهولة من شدة نحول يده. كانت راحته متعرقة. ثم فعلنا ما يفعله الكثير من الناس في يوم زفاف شخص آخر، أو بعد جنازة شخص ما، ولو أنه في هذه الحالة كان يوماً اقتيدت فيه مشردة إلى مخفر الشرطة. عدنا إلى شقتنا وتضاجعنا.  كان أمراً مسلياً، لكن الأمر الوحيد الذي تغير فيما بعد ولسبب ما هو توقفنا عن مواصلة اللعب بلعبة سرقة الزهرة. سرعان ما توقفت عن شراءها.  اشتريت بالمال كماليات صغيرة مثل الماسكارا. شرع سورس بمواعدة صديقتي.

التقيت بالرجل الذي تزوجته في زفاف حضرته في كانون الأول في كيب نيديك، ماين، (حملت وصيفات العروس فراء للتدفئة أبيض مصنوعاً من فرو الأرانب)، ولو أننا لم نتزوج إلا بعد مرور ثماني سنوات. في البداية كنت مترددة بشأن ترك مدينة نيويورك. ثم عقدت العزم على التقدم إلى مدرسة طبية، وعندما لم أقبل في أي مدرسة من مدارس نيويورك لم يكن هناك بد من المغادرة.

لو كنت في نيويورك في الثمانينات، قد تتساءل الآن أين ذهب الجميع، ثم تذكِّر نفسك أن عدداً قليلاً من الناس الذين أسسوا الحي حازوا ملكيتهم الخاصة وتعنتوا رافضين بيعها ثم ماتوا في نهاية المطاف. بعضهم مات مصاباً بالإيدز. بعضهم انتقل إلى بروكلن. أو إلى الغرب، أو أطلانطا. نزح بعد 11/9الكثير من شبان مدينة نيويورك إلى بورتلاند، ماين، حيث كانت المباني الكبيرة ذات الواجهات البحرية تحولت سلفاً إلى استديوهات فنية وشققاً خاصة ومتاجر للملابس في الطوابق الأرضية. بورتلاند المنعشة بسياحها في الصيف الذين يركبون المراكب ويأملون رؤية الفقمة وهم يطوفون نحو واحدة من الجزر.  هناك على البر، يلتقي زمن الهيبيين المنحرفين مصادفة مع سكان المباني الحجرية الذين لا يتوجب عليهم التفكير بالمال. ينتشر فن الشارع، وكراس قابلة للطي موضوعة في النوادي الموسيقية. متاجر للكتب المستعملة لا تزال رائجة. إذا كنتِ قد تجاوزت سن الشباب فإن بورتلاند توجد في اقتباسات تهكمية إلى حد ما (ولو أنه ما من شخص ينتمي لثقافة معاصرة يجرؤ على إطلاقها علناً بالتأكيد.)

رأيت مؤخراً على موقع Airbnb [4]شقتي القديمة. كان يوجد صورة ملتقطة من خارج النافذة أيضاً، شد أحدهم جزءاً يسيراً من دالية الويستريا لتصبح الرؤية متاحة. أحدث مطبخ في جزء من الرواق الذي كان يستعمل كخزانة للمعاطف. مع ذلك بدا أن الأرض طليت باللون الأسود وفرشت ببساط شرقي. التقطت الصور عبر عدسات مفلترة. كانت شقة صغيرة تحت منحدر السطح فلم يكن بمقدورك الوقوف في بعض أماكن من غرفة النوم. لكنه خداع كله، أليس صحيحاً؟ تدرك أن الصورة تظهر مكاناً أرحب من المكان الفعلي.  يقع نظرك على مزهرية ملأى بزهور يانعة على طاولة الليل والتي ربما لها في الحياة الواقعية محيط مقلاة الفطائر.

مزهرية كبيرة ملأى بالزهور في الصورة الفوتوغرافية. شديدة الفخامة، يحمل بذخها أكثر من مجرد شعور بالرومانسية أو فكرة عن الحياة الرغيدة في شقة فسيحة. ربما أزيلت الزهور بعد التصوير، وأغلقت الستائر لتحجب ضوء النهار الذي من شأنه أن يبهت لون البساط.  أغلق الموقع، اجلب السواح، أضئه من جديد.

غبار الطلع الأصفر على الأرض لا يمحى♦.

http://www.newyorker.com/magazine/2015/04/20/major-maybe

[1] آن بيتي من مواليد عام 1947، كاتبة قصة قصيرة وروائية أميركية حاصلة على جائزة التميز من الأكاديمية الأمريكية ومعهد الفنون والآداب.

[2] Maybe: ربما بالعربية.

[3] Barney & Friends: مسلسل تلفزيوني للأطفال.

[4] موقع مختص بإيجار البيوت.

page_2_thumb_large

طبيبة الأسنان

5/12/1968

وصلت إلى عيادة طبيبة أسنان عند نهاية متاهة مؤلفة من ممرات مسقوفة، فيما يشبه السوق إلى حد ما.

لم تكن طبيبة الأسنان موجودة لكن ابنها الفتي كان هناك. طلب إلى العودة لاحقاً، ثم غير رأيه وقال أن أمه ستعود في الحال.

أغادر. فألتقي بامرأة صغيرة جداً جميلة ومرحة. إنها طبيبة الأسنان. تقودني إلى غرفة انتظار. أقول لها بأن ليس لدي متسع من الوقت. تفتح فمي على اتساعه وتنفجر باكية وهي تقول لي أن جميع أسناني متسوسة وليست أهلاً للعلاج.

فمي مفتوح باتساع رحيب. أحس تقريباً بتسوس كلي واضح.

فمي عريض جداً، وطبيبة الأسنان بالغة الصغر، حتى خيل لي أنها ستضع رأسها كله في فمي.

توجهت لاحقاً إلى مركز التسوق التجاري. لأشتري فرن غاز بثلاثة رؤوس ثمنه 26 ألف فرنك وثلاجة بسعة 103 ليتر.

القضيب

17/7/1970

” ذات صباح رائع،” أنا من جديد في معسكر اعتقال. عند موعد الاستيقاظ، التحدي هو أن أجد ثياباً (أنا أرتدي الزي اليومي، سترة من قماش التويد وحذاء انجليزي.)

كل شيء في المعسكر معروض للبيع. أرى كثيراً من لفافات الفواتير الكبيرة. يعطي الحراس جرعات الدواء للمعتقلين.

يجد أحدهم لي سترة. نصطف للمغادرة (نحن في حجرة كبيرة في الطابق الثاني لثكنة مستهدفة).

نختبئ لحظة في رواق.

نمشي في رتل رباعي. يرصفنا ضابط يحمل قضيباً طويلاً من البامبو. لطيف في البدء، ثم فجأة يشرع بإهانتنا بصورة مريعة.

في صف من أجل المناداة على الأسماء. لا يزال الضابط يصرخ لكنه لا يضرب أحداً. عند حد معين، يمسك كل واحد منا (أنا وهو) بطرف من طرفي القضيب، تنتابني نوبة من الذعر عندما أرتاب في أنه سيضربني.

عالم المعسكر قائم: لا شيء يمكن أن يؤثر به.

لاحقاً أنفجر بالبكاء لدى مروري بخيمة تتم فيها معالجة أطفال مصابين بمرض عضال. ها هنا فرصتهم الوحيدة بالنجاة. أتساءل إذا كانت هذه النجاة لا تنطوي على تحولهم إلى حبوب الدواء، ما يذكرني بطرفة عن اتباع وصفة علاجية ناجعة لأن الأخصائيين وصفوا تناول حبوب تحتوي في الواقع على دودة شريطية.

الوباء

28/10/1970

(هذه القصة برمتها مثل رواية تروى بضمير الغائب) جلس الحالم في مطعم صغير. هو غريب، لكنهم يأتون سريعاً لاستقباله كالعادة. يتحدث الرئيس عن الوباء مع بعض الزبائن. يدخل الطاهي الصيني (يظن الحالم أنه يشبه شخصاً يعرفه)، يقول الطاهي الصيني إن عليهم إيجاد بديل عنه، لأنه لم يعد بوسعه تشغيل الأفران والطهي للفتيات. يقتبس في هذه الملحوظة الحكمة الشكسبيرية:

لم يموتوا جميعاً، لكنهم كانوا كلهم مرضى!

ينظر مالك المقهى مندهشاً إلى الحالم: هو من علمه هذه الحكمة. يفهم الحالم في الحال أنه لم يعد غريباً إلى طاولة وأنه يمثل الآن” الشخصية المحورية”، يتعرف في نفس الوقت إلى الطاهي الصيني، لا يعرف سواه، هو الذي يأتي من حين لآخر متطوعاً من أجل الفتيات.

كان وباء الكوليرا ينتشر بسرعة هائلة. رغب الجميع بالخضوع للفحص. من أعراض المرض بصق الدم.  يتجول الحالم واثنان من أصدقائه في أرجاء البلدة. يصلون عند درج يسده عدد كبير من الفتيات الصغيرات، لابد أنها مدرسة ابتدائية. يتظاهران بأن لهم الأولوية باعتبار واحداً منهم مصاباً فكان على الطبيب أن يعتني بهم أولاً. كان على الطبيب أن يفسح لهم مجالاً ليعبروا بين الفتيات.

بعد قليل في حشد الفتيات المريضات الممددات، يلتقط الحالم كمشة تراب (وليست قطعة من النفايات أو الغائط) من الأرض. ويجد صديقه ج. ممدداً خلف باب ميتاً متحولاً إلى تراب، متحولاً إلى حاجز من تراب تنقصه القطعة التي التقطها الحالم لتوه.

البائع

7/1977

لقد قتلت زوجتي وقطعتها إرباً بخشونة إلى حد ما، لففتها على عجل في حزم ورقية. وسعت بكاملها في صندوق من ورق مقوى لا يزال من السهل نسبياً حمله.

كل ما آمله هو أن يقوم شخص ما بتحويلها إلى نبيذ أو كحول. أذهب إلى معمل للتقطير. أدخل دون أن أقرع الباب غرفة يوجد فيها ثلاث نساء ترتدين المعاطف الواقية. اثنتان جالستان والثالثة تقف قرب باب قصير مزدوج (مثل باب الحانة).

إما أن أخاطبهنَّ بغمزة كما لو أننا على سابق معرفة أو أصيح بشكل قاطع شيئاً مثل:

“لدي خمسين كيلوغراماً من اللحم الجيد!”

تأخذني الشابة التي كانت واقفة إلى غرفة صغيرة حيث تبدأ بتفحص بضاعتي. يوجد على رزمتي كل الملصقات اللازمة، لكن الشابة تدعي أن الشركة التي أمثلها ليست زبوناً مستحسناً لشركتها وأني لن أتمكن من إتمام الصفقة بسهولة.

أخرج على سبيل العينة سلسلة من زجاجات صغيرة من الرزمة. لن يكلف الأمر أكثر من كلفة بسيطة، لكن هناك عدد كبير من الزجاجات وهذا ما أصابني بذهول شديد: نبيذ أحمر، نبيذ أبيض، وردي، جميع أنواع المشروب، إبريق ماء صغير أيضاً لكن ممتلئ وعلاوة على ذلك منتزع السدادة: يمكنك أن تغمس فيه إصبعاً دون أن يطفح، الأمر الذي لفتني باعتباره دليلاً واضحاً مجرباً يقينياً عن التناضح أو الخاصية الشَّعرية.

كل البراهين أثبتت فشلها: جاء رجل من المكتب المجاور وقال لي أن هذا سيعود عليَّ بالسوء إذا لم يجدوا اسمي ضمن ملفاتهم.

هذه المقتطفات مجتزأة من كتاب الدكان الغامض: 124 حلماً من أحلام جورج بيريك، ترجمها عن الفرنسية دانيل ليفين بيكر.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2013/feb/07/perec-dream-diary/

1430253818480.cached لم تتوفر أفلام باستر كيتون على نطاق واسع إلا مؤخراً إبان صدورها على أشرطة الفيديو، ربما شاهد أحدهم فيلم الجنرال (1926) في حلقة دراسية، أو أدرك بضعة أفلام قصيرة في معرض استعادي للأفلام الكوميدية الصامتة، لكن أمثال هذه الفرص كانت نادرة ومعدومة بالنسبة لمعظم رواد السينما في هذا البلد. عندما يحضر اسم كيتون، يفصح من عرفه غالباً عن تفضيلهم لا مبالاته الهادئة على عاطفية شابلن، معترفين في نفس الوقت بحسرة أن وقتاً طويلاً مر دون أن يشاهدوا واحداً من أفلامه. سمعت عن باستر كيتون بادئ الأمر من خلال جدتي التي كانت تعتبره أيضاً الممثل الأكثر إضحاكاً من بين الممثلين الكوميديين في الأفلام الصامتة. لم يكن هذا ليعني لي الكثير إبان ذلك إذ أنها وصفته بالرجل الذي لم يبتسم أبداً، والذي لطالما حافظ على جدية تامة بينما كانت تصرخ وبقية المشاهدين من شدة البهجة. أتذكر محاولتي لتخيل سحنته من خلال ما حكته لي عنه والذهاب أبعد من ذلك واقفاً أمام مرآة بوجه خال من التعابير حتى لم يعد بمقدوري الامتناع عن الضحك. كان في بلغراد في الأيام الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية، صالة سينما تعرض أفلاماً صامتة. صحبتني جدتي لمشاهدة شابلن، هارولد لويد، وبين توربين الأحول، لكن لسبب ما لم نر كيتون بتاتاً. هل هذا هو؟ كنت ألكزها بين الحين والآخر وأهمس لدى ظهور وجه غير مألوف وكئيب على الشاشة. ضجرة من مقاطعاتي التي عوقت استغراقها المنفعل في الأفلام، أخرجت ذات يوم لدى عودتنا إلى البيت كومة من المجلات المصورة. صنعت فنجان البابونج المعتاد وراحت تقلب في الأعداد المغبرة، مجيزة لي أن أفعل الأمر نفسه بعد أن تنتهي. أتذكر صورة بالأبيض والأسود لبحر من القبعات في جنازة ملك أو ملكة، وواحدة لرجل ممدد في بركة من الدماء في الشارع، ووجه امرأة جميلة ترتدي فستاناً رسمياً كاشفاً تراقبني بإمعان من طاولة في مطعم أنيق وجزء من نهديها بادياً للعيان. لم تجد جدتي كيتون أبداً.  ولم أر أي فيلم من أفلامه إلا بعد مرور سبع سنوات. حينها كانت جدتي قد توفيت في العام 1933، وكنت أعيش في باريس. على الأرجح كنت هارباً من المدرسة في ذلك الأصيل متسللاً إلى السينما عندما كان من المفترض أن أكون في قاعة الدرس، لكن باستر كيتون كان على الشاشة أخيراً، يرتدي قبعة البروك باي ويقف على الرصيف عند نهاية طابور انتظار الطعام المجاني الطويل. الطابور يتقدم لكن سبباً ما منع الرجلين الواقفين أمامه من التزحزح. هما دميتا متجر الملابس لكن باستر لم يدرك ذلك. يتناول دبوساً من طية سترته وينخز واحداً من الشخصين المتوانيين، لكن لم يلق استجابة، تضاءل الطابور في هذه الأثناء أمامه أكثر فأكثر بعد أن تسلم كل رجل رغيفاً من الخبز. ثم خطرت لباستر فكرة. نخز نفسه ليرى إذا كان الدبوس يعمل. خرج في تلك اللحظة مالك المتجر، مد يده ليتأكد من هطول المطر، وأخذ الدميتين الكاسيتين تحت ذراعيه وحملهما إلى الداخل. ظلت بعض القفشات الأخرى حية في ذاكرتي منذ تلك المشاهدة الأولى لأفلام كيتون القصيرة. في فيلم يدعى ” شرطة” (1922)، يشتري باستر حصاناً مسناً وعربة. يضع زوجاً من سماعات الرأس على أذني الحصان الأصم الذي لم يسمع أوامره ويجلس في مقعد السائق محاولاً أن يهتف للحصان. في مشهد آخر يربت على رأس ذلك الحصان فتقع سنه الاصطناعية. في فيلم قصير يدعى المسرح (1921) يلعب كيتون جميع الأدوار. دور الزبون الذي يشتري البطاقة، ودور قائد الأوركسترا وعازفيه، الراقصين التسعة، عمال المسرح وجميع أفراد الجمهور من البالغين والأطفال. أما بالنسبة لهيئة باستر كيتون نفسه، كان كل شيء بشأنه متبايناً. كان غريب الشكل وعادياً تماماً. لم يتغير تعبيره أبداً، لكن عيناه كانتا فصيحتين، ذكيتين وحزينتين في نفس الوقت. كان ذو قامة ضئيلة، مشدودة وقادرة على القيام بأعمال بهلوانية مذهلة مفاجئة. كيتون الذي ولد عام 1895 في نزل في بيكوي، كنساس، بدأ في مسرح الفودفيل عندما كان في عمر الثالثة. أبوه ابن طحان من اوكلاهوما، ترك والديه لينضم إلى “عرض طبي” وهناك التقى بزوجته المستقبلية. كان والدها شريكاً في إحدى هذه الفرق. على مدى السنوات العشرين التالية تجولوا في أرجاء البلاد، برفقة أكثر المؤدين المعاصرين شهرة غالباً من مثل هاري هوديني. أخيراً طور الثلاثي كيتون كما كانوا يدعون التمثيل الهزلي الفودفيل الذي تضمن مزاحاً بهلوانياً تركز على فكرة الطفل المفرط النشاط ووالديه الذاهلين. رمى باستر الأشياء على أبيه وضربه بعنف بمنشة الذباب والمكانس بينما والده يلوح به حول الخشبة بمقبض حقيبة سفر ربط إلى ظهر الفتى. ما بدا مثل شجار مرتجل كان بالفعل سلسلة مخطط لها بعناية من الحركات البهلوانية. هذه الفكرة تستحق التأكيد لأن صناعة الفيلم الصامت الكوميدي نشأت من هذا وأمثاله من الأدوار في الفودفيل. أول ركن من أركان شخصية كيتون الهزلية هو الفضول الدائم. الواقع آلة معقدة تشتغل بطرق غامضة وهو يعمل محاولاً أن يفهم. إذا لم يبتسم فهذا عائد لشدة الانشغال. هو متردد كلياً، ويبدو مع ذلك كامل العزم.” سيزيف الهزلي،” كما سماه دانيل مويز.” أتى بطلنا من اللا مكان،” يقول تعليق في فيلم لافتة عالية 1920 مواصلاً:” لم يكن ذاهباً إلى أي مكان وقد انطلق من مكان ما.” مشوشاً بعقبات لا نهاية لها، باستر هو صنوك البطيء – متوسط التفكير، يبحث عن منطق خفي في عالم غير منطقي.” إن إنجاز فيلم فكاهي،” كما قال،” مثل تجميع ساعة يد، لا بد أن تكون “رصيناً” لتجعلها تدق.” في هذه الأثناء، كنا أمي، أخي، وأنا ننتقل مجدداً. غادرنا باريس متجهين إلى نيويورك. عدت بعد بضع سنوات إلى فرنسا جندياً امريكياً. اكتشفت أنهم كانوا لا يزالون يعرضون أفلام كيتون في سينمات صغيرة على الضفة اليسرى. وفي هذا الوقت رأيت أغلب الأفلام القصيرة وبعض من الأفلام الروائية الطويلة مثل الجنرال والملاح 1924. وكنت لتجد في باريس احتفاء دائماً بكيتون، فقد جاء اليوم الذي صحبت فيه أطفالي لمشاهدة الأفلام. أحبوها وجعلوني أرى القفشات بطريقة مختلفة، إذ أنهم غالباً ما كانوا يلاحظون تفاصيل هزلية كنت قد فوتها. ” الكوميديا الجيدة يمكن أن تكتب على بطاقة بريدية،” قال كيتون. وعلينا أن نضيف أن القصة الهزلية رويت بصمت، حتى أن طفلاً يمكنه الاستمتاع بها.  هل صمت الصورة هو الذي يحرر الخيال الهزلي؟ بالتأكيد. فكر بالرسوم المتحركة. لا يمكننا في الأفلام الصامتة سماع صوت الأمواج، الريح في الأوراق، زعيق السيارات لدى توقفها، صوت إطلاق البنادق، فنمتلئ بالصوت. على سبيل المثال، في فيلم كيتون الطويل الخامس “سبع فرص” عام 1925، يعلم رجل أن جده ترك له 7 ملايين دولار بشرط أن يتزوج قبل الساعة السابعة من مساء يوم عيد ميلاده السابع والعشرين الذي كان بالمصادفة ذلك اليوم. تقدم إلى جميع النساء اللواتي يعرفهن ورفضنه، ووضع اعلاناً في صحيفة ما بعد الظهيرة شارحاً مأزقه ومتعهداً أن يكون في الكنيسة عند الساعة الخامسة من ذلك الأصيل. ظهرت مئات الزوجات المستقبليات مسنات وشابات يرتدين فساتين الزفاف، وصلت واحدة منهن على الزلاجات. العريس المتوقع يركض لينجو بحياته وتركض العرائس من خلفه وسط مدينة لوس انجلس المزدحم. لا يزال بوسعنا جميعاً نحن الذين شاهدنا الفيلم سماع صوت أقدامهن. يكتب مارك توين الملاحظات التالية في مقالة عنوانها” كيف تروي حكاية،” إن أساس الفن الأميركي هو نظم المتنافرات والسخافات معاً بطريقة تخبطية وعشوائية أحياناً ، وأن تبدو غافلاً عن كونها سخافات على نحو بريء.ثانياً التغاضي عن الفكرة . ثالثاً أن ترمي تعليقاً يبدو متعمداً على عكس الحقيقة، كأن شخصا يفكر بصوت مرتفع. الوقفة هي الرابعة والأخيرة.   يشرح توين ما يعنيه: الوقفة سمة أشد ما تكون أهمية في أي نوع من القصص، وسمة متكررة الحدوث أيضاً. إنها أمر نيِّقٌ، ودقيق، وأيضاً ملتبس وغادر، لأن طولها لا بد أن يكون صحيحاً تماماً -لا أكثر ولا أقل-أو أنها ستفشل في تأدية غرضها وتتسبب بالمشاكل. إذا كانت الوقفة بالغة القصر، كانت الفكرة الهامة قد مرت ولدى الجمهورمتسع من الوقت للتنبؤ بأن مفاجأة مقصودة-وحينها لا يمكنك مفاجأتهم بطبيعة الحال.   تدور أحداث الكوميديا حول التوقيت، التوقيت السليم. ليس ما تدور القصة حوله، لكن ما يجعلها مضحكة هو الطريقة سردها بانعطافاتها ومفاجآتها. يرسم كيتون خطافاً بالطبشور على الجدار ويعلق معطفه عليه. تقع مصاصة ولد مزعج في المسرح من الشرفة على سيدة أنيقة في مقصورة فتلتقطها وتستعملها كمنظار. يستعمل الجلاد عصبة عيني للضحية لتلميع الوسام المعلق على سترته. تزخر الأفلام القصيرة بشكل خاص بمثل هذه البدع غير المتوقعة. ليس لنجم سواه من نجوم الأفلام الصامتة الكوميدية هذه البراعة. أفضل من بين مئات من الشواهد من أفلام كيتون، واحداً من الفيلم القصير “شرطة”.  في استعراض شرطة مدينة نيويورك السنوي يجد باستر وحصانه وعربة أنفسهم بين رجال الشرطة السائرين. يريد باستر أن يشعل سيجارة فيبحث في جيبه عن أعواد الثقاب، عندها يرمى فوضوي قنبلة من سطح بيت على المقعد قربه بفتيلها القصير الذي بدأ ينش. هناك وقفة،” وقفة ملهمة،” كما يقول توين، تؤسس نفسها نحو صمت عميق.  يتناول باستر القنبلة عند بلوغها الزمن المناسب بذهن شارد، يشعل بها سيجارته كما لو أنه يقوم بأمر عادي جداً ويرميها إلى الخلف من فوق رأسه. الفيلم القصير “شرطة” هو فيلم كيتون النموذجي. من جديد الحبكة هي البساطة بحد ذاتها. نرى في المشهد الافتتاحي باستر خلف قضبان. يتضح أن القضبان هي قضبان بوابة حديقة منزل الفتاة التي يحبها.” لا أريد أن أتزوجك حتى تصبح رجل أعمال،” تقول له. يذهب بعيداً عبر سلسلة من المغامرات، أولاً مع شرطي سري بدين في عجلة من أمره لتلقف سيارة أجرة، تقع محتويات محفظته بين يدي باستر. ثم يخدعه غريب ويبيعه شحنة أثاث على الرصيف، مدعياً أنه رجل جائع مشرد. ينتقل المالك الفعلي للأثاث وعائلته إلى مكان آخر. عندما يبدأ باستر بشحن الحمولة في العربة التي اشتراها للتو، يخطئ المالك فيظنه الرجل الناقل الذي كانوا بانتظاره. تبلغ رحلته عبر البلدة خلال زحمة المرور منتهاها عندما يجد نفسه على رأس استعراض للشرطة يمر بمظلة الحفل الملفوفة بالعلم حيث قائد الشرطة، رئيس البلدية، وشابة التقاها عند بوابة الحديقة ينظرون بدهشة. يهتف الحشد فيظن أن الهتاف من أجله. هرب الجميع بعد رميه قنبلة الفوضوي وانفجارها.” هات بعضاً من رجال الشرطة لحماية رجالنا،” أمر رئيس البلدية قائد الشرطة.  هرع الناس باحثين عن ملاذ، فرغت الشوارع، وشرع جميع قوات الشرطة بمطاردة البطل الضئيل. يا لسخرية القدر! مستهلاً بالحب وبرغبته في إصلاح حاله وإثارة إعجاب الفتاة التي يعشق، كل ما حصل عليه بالمقابل هو ورطة لا تنتهي. صنعت الحبكة هنا من عدم التناسق المضحك بين أمله المتهور والعاقبة. يمنح الجزء الأول من الفيلم بما فيه من تبادل سريع للقفشات انطباعاً مضللاً لسلسلة من الانتصارات الصغيرة على الظروف غير المواتية عندما يظن باستر أنه تغلب على حظه السيء أخيراً، تضرب الكارثة مجدداً. تهبط القوة المطلقة للقانون والنظام إذا جاز التعبير على رأسه. بريء كما في حالته، مطارد من قبل المئات من رجال الشرطة. مهما حاول أن يفعل، لا تتوصل جميع مراوغاته الذكية والمعوقة إلى شيء لأنه لا يستطيع أن يتفادى مصيره. يصل بعد مطاردة طويلة على غير قصد منه إلى باب مخفر الشرطة بالذات. يتجمع رجال الشرطة عليه من كل حدب وصوب كدبابير غاضبة، مغلقين المدخل في سعارهم ملقين بهراواتهم عليه، يخرج باستر من بين ساقي آخر شرطي زاحفاً بشكل لا يصدق، هو نفسه يرتدي زي الشرطة الآن. وحيداً في الشارع، يخرج مفتاحاً من جيبه فجأة، يقفل باب المخفر من الخارج ويرمي المفتاح في حاوية قمامة قريبة.  في تلك اللحظة تمر به الفتاة المبتلى بحبها. ينظر بعاطفة إليها، لكنها تمضي مترفعة عنه. يتردد باستر قليلاً، ثم يمضي إلى الحاوية مستعيداً المفتاح.” ما من زي يمكن أن يحميه الآن بعد أن سحق قلبه،” تقول جابرييلا اولدهام في بحثها الرائع حول أفلام باستر كيتون القصيرة. في نهاية الفيلم نراه يفتح الباب لتجره أيدي رجال الشرطة الكثر إلى ظلمة المبنى. ما يجعل من كيتون شخصاً عصياً على النسيان هو التزامه رباطة الجأش وعزة النفس في مواجهة النكبات الكثيرة في هذا الفيلم وفي أفلامه الأخرى. إنها تفوق احتمال أي شخص كما نظن. ومع ذلك، طالما أن بوستر يسعى لتحقيق الحلم الاميركي فنتوقع نهاية سعيدة، أو على الأقل أن يضحك البطل أخيراً.  هذا نادراً ما يحصل. ففي أفلام كيتون جو من السوداوية بالرغم من ضحكها. نشعر بالإحباط عندما ينتهي فيلم “شرطة” بمشهد لشاهدة قبر منعزلة تستكين عليها قبعة باستر البروكبي. جميع صوره وهو يركض على طول الجادة العريضة الفارغة، محاولته الواهية للتنكر برفع مشبك ربطة عنقه تحت أنفه ليحاكي شارباً وسكسوكة مثيرة للعواطف بالتساوي. أمله أن نفلح في محاولتنا لجعل الحظ يضحك لنا. كوميديا من هذا المستوى الراقي تحكي عن مأزق الفرد العادي في العالم أكثر من المأساة. إذا كنت تسعى للجدية الحقة وتظن أنها غير منفصلة عن الضحك فلابد أن يكون باستر كيتون فيلسوفك المفضل. النص الأصلي على الرابط التالي: http://www.thedailybeast.com/articles/2015/04/25/the-stacks-the-deadpan-genius-of-buster-keaton.html

Rushdie-Gunter-Grass-690

عظَمة غونتر غراس- سلمان رشدي.

عن مجلة النيويوركر.

عندما كنت في هامبورغ عام 1982 بداعي صدور الترجمة الألمانية لـكتاب ” أطفال منتصف الليل،” سألني الناشرون عن رغبتي بلقاء غونتر غراس.  لاشك أني رغبت بذلك وهكذا ذهبت إلى قرية Wewelsfleth في ضواحي هامبورغ حيث كان يعيش غراس في ذلك الحين. كان يملك منزلين في القرية، كتب وعاش في واحد منهما واستعمل الآخر كاستديو فني. عبر فجأة عن استحسانه بعد قدر معين من مثاقفة عاجلة-كان منتظراً مني باعتباري الكاتب الأصغر سناً أن أنحني احتراماً وشعرت بالسعادة إذ فعلت -وقادني إلى حجرة خاصة يحتفظ فيها بمجموعة كؤوسه الأثرية وطلب مني اختيار واحد منها.

ثم تناول زجاجة مشروب منكَّه (شنابس)، وبدأت صداقتنا مع انتهائنا من شرب الزجاجة.  فيما بعد مشينا بتثاقل نحو الأستديو الفني، فتنت بما رأيته هناك من أشياء تعرفت عليها جميعاً من الروايات: ثعابين ماء برونزية، سمك مفلطح من الطين المحروق (التراكوتا)، نقش إبري على المعدن لفتى يضرب على طبل صفيح. كدت أحسده على موهبته الفنية أكثر مما أعجبت بعبقريته الأدبية. يا لروعة أن تهبط الشارع في نهاية يوم أمضيته في الكتابة لتصير فناناً من نوع مختلف! صمم أغلفة كتبه أيضاً: انتقلت كلاب، جرذان، وضفادع من ريشته إلى أغلفة كتبه المغبَّرة.

بعد ذلك اللقاء رغب كل صحفي ألماني التقيته بمعرفة رأيي به، وعندما عبرت عن اعتقادي بأنه واحد من بين اثنين أو ثلاثة من أعظم الكتاب الأحياء في العالم بدا بعض من هؤلاء الصحفيين خائباً وقال،” حسناً، ” طبل الصفيح،” نعم، لكن ألم يمض وقت طويل على ذلك؟” وعليه حاولت الإجابة بأنه حتى لو لم يكن غراس قد كتب تلك الرواية بتاتاً فأعماله الأخرى تكفي لتكسبه تقديري الذي عبرت عنه، وإضافة إلى أن كتابته لرواية” طبل الصفيح” وضعته في مصاف الخالدين. بدا الصحفيون المتشككون خائبون. كانوا يفضلون شيئاً ما أكثر لؤماً، ولكن لم يكن عندي ما أقوله من هذا القبيل.

أحببته لكتاباته، بالتأكيد-لحبه لحكايات الأخوين جريم، التي جددها ملبساً إياها حلة معاصرة، للكوميديا السوداء التي تسببت بمراجعة التاريخ، لجديته المرحة، والشجاعة المشهودة التي رمق بها وجه الشر المهول في عصره وحوَّل ما لا يوصف إلى فن عظيم. _ فكرت لاحقاً عندما قذفه الناس بالافتراءات-نازي-معاد للسامية: دع الكتب تتحدث عنه، أعظم ما كتب من التحف المعادية للنازية على الإطلاق، بما تحتويه من فقرات عن تعامي الألمان المقصود عن الهولوكوست التي لا يمكن لأي من معادي السامية كتابتها.)

في عيد ميلاده السبعين، اجتمع العديد من الكتاب-نادين غورديمر، جون ايرفينغ، وجميع الأدباء الألمان-لينشدوا له المدائح في مسرح تاليا في هامبورغ، لكن خيرة ما أتذكره هو أنه عندما انتهت المدائح صدحت الموسيقى بالعزف، تحولت خشبة المسرح إلى ساحة للرقص، وظهر غراس معلماً لما اسميه الرقص التطوعي. هو يتقن رقص الفالس، البولكا، الفوكستروت، التانجو، و الغافوت، و كانت أجمل الفتيات الألمانيات يقفن في طابور بانتظار دورهن لمراقصته. وعندما تأرجح ودار وغط مبتهجاً فهمت أن هذا ما كانه: راقص الأدب الألماني العظيم، يرقص من أهوال التاريخ نحو جمال الأدب، ناجياً من الأذى لما يتحلى به من نعمة شخصية وحس كوميدي بما هو مثار للسخرية أيضاً.

قلت لهؤلاء الصحفيين الذين كانوا راغبين مني إهانته عام 1982،” ربما عليه أن يموت حتى تفهموا أي رجل عظيم فقدتم.”  ها قد حل ذلك الوقت الآن. آمل أن يفهموا.

file:///C:/Users/USER/Desktop/The%20Greatness%20of%20G%FCnter%20Grass%20-%20The%20New%20Yorker.html

ArthurBradford_profile

أسفار بصحبة بول

آرثر برادفورد[1]

طردت من عملي بسبب تصرف طائش أحمق ارتكبته ما استدعى مغادرتي البلدة. حزمت أمتعتي بسرعة وحصلت على توصيلة برفقة واحد من معارفي كان متوجهاً نحو الغرب.  أقول “معارف” لأني لم ألتق به سوى مرة واحدة من قبل. كان ايرلندياً اسمه بول أومالي وهو من أقارب المرأة التي كنت على علاقة بها، أو ربما كانا عاشقين، هذا ما لم أعرفه على وجه الدقة. قدمته لي ذات ليلة في حانة بقولها،” هذا ابن عمي بول،” لكن نادراً ما كانت المسائل تتسم بالصدق بيني وبين تلك المرأة.

على أي حال، الخلاصة أن بول كان يعبر البلدة في طريقه إلى الساحل الغربي، وأعلن تلك الليلة في الحانة أنه سيغادر صباحاً. رأيته بعد أسبوعين من ذلك، فور طردي من ذلك العمل الذي حدثتكم عنه. كان يتجول وسط المدينة، يبدو عليه بعض الذهول والقلق.

” لم أنم منذ ثلاثة أيام،” قال لي.

” كنت أظنك ذاهباً نحو الغرب،” قلت.

” صحيح.”

” لكنك قلت بأنك ستغادر منذ أسبوعين،”

” لقد بقيت. انتظر، أسبوعين؟ لم تمر كل هذه المدة الطويلة.”

” بلى.”

” أوه،” حكَّ بول رأسه. كان شعره خفيفاً في الأعلى. كان رجلاً نحيلاً طويل العنق وتفاحة آدم ضخمة، تعلو وتهبط عندما يتكلم.  وكانت لحيته نابتة أيضاً، أو ربما كان يطيلها. شعر وجهه النامي كان عند ذلك الحد الأخرق المهلهل نوعاً ما.

” لقد طردت من عملي،” قلت لبول.” أود مغادرة البلدة.”

” هل تود مرافقتي؟ سأغادر غداً.”

أبهجت هذه الفكرة بول. صفق وفرك ذقنه الزغبة بكلتا يديه.

” بالتأكيد، نعم، موافق،” قلت.

” سنغادر في الصباح.”

“عظيم، ممتاز.”

غادرنا بعد يومين.  أقلَّني بول من منزلي، ولا يزال التعب والإرهاق باديين عليه.

” لم أستطع النوم،” قال.” لم أستطع إغلاق عيني أيضاً.”

” ما خطبك؟” سألته.

” لا شيء. أرق. أنا بخير.”

” لا تبدو بخير.”

” حسناً، أشعر أني بخير،” قال.” لا يمكنني النوم وحسب.”

” اسمع، ” قلت له، ” لا أريد أي تسالي. يلزمني توصيلة للخروج من البلدة فقط.”

” بالتأكيد، صحيح، أفهم ذلك،” قال.

كانت سيارة بول صغيرة من نوع فورد هاتشباك. محشوة عن آخرها سلفاً بأمتعته ما استدعى أن أخلف ورائي العديد من أمتعتي. أودعتها في منزل صديق على أن أعود لاحقاً لأخذها ولم أفعل أبداً.

على كل حال، غادرنا المكان وبدأنا رحلتنا نحو الغرب. كانت سيارة بول مجهزة بطاقم من مقاعد مهترئة. كان ثمة خطب في مسند المقعد الذي كنت أجلس عليه، مقعد المسافر. وكان يميل إلى أحد الجانبين إذا استندت إلى الوراء، وكان عليَّ أن ألتوي على نحو غير مريح. كنت آمل أن أنام قليلاً وهو يقود، لكني رأيت حينها أن ذلك سيكون متعذراً.

بعد مرور زهاء ثلاث ساعات من القيادة، خرج بول عن الطريق السريع وتوقف أمام متجر لبيع البيتزا. أرخى بنطاله وأنزله حتى الركبتين. ثم نظر نحوي.

“ماذا تفعل؟” سألته.

” فكرت بأنك قد ترغب بممارسة الجنس الفموي،” قال.

“لا،” قلت.” لا، لا أريد.”

زم بول شفتيه وأومأ برأسه.

“حسناً،” قال وهو يرفع بنطاله في عجالة. عشَّق تروس السيارة وأسرع عائداً إلى الطريق السريع.

بعدئذ حل الإرباك فيما بيننا. انطلقنا بضع ساعات صامتين. وراح وابل من المطر ينهمر ونحن نعبر الحدود مع أوهايو. عندما عبرت شاحنات كبيرة طرطش الماء على زجاج السيارة الأمامي وهدد بإخراج السيارة الصغيرة عن الطريق. كان على بول أن يهز عجلة القيادة هزاً عنيفاً في الاتجاهين ليبقينا على السكة.

” هل تعبت؟” سألت بول.” يمكنني القيادة. أنا سائق جيد.”

” لا بأس، قال بول.” أحب القيادة.”

لكنه قال بعد بضع دقائق،” في الواقع، لقد بدأت أقرف من هذا. ربما عليك أن تتولى القيادة.”

” حسناً،” قلت.

أوقف السيارة وتبادلنا المقاعد، بسرعة حول طرفي السيارة حتى لا يبللنا المطر.

لم يكن مقعد السائق بأفضل حال من المقعد الذي بجانبه. شعرت كأني كنت أجلس في جردل. كان من الصعب تشغيل سيارة الهاتشباك الصغيرة أيضاً. كان الترس رخواً ولم أكن واثقاً أبداً من دخوله في حيزه. على الطريق السريع عبرت الشاحنات بنا ودفعتنا مثل زورق في بحر عاصف.

” آمل أن يتوقف هذا المطر قريباً،” قلت لبول.

” أوه، سيتوقف،” قال.

استند بول إلى الوراء وحاول إغلاق عينيه. ولم تفلح جميع محاولاته إلا في إبقائهما مغلقتين بضع ثوان. ثم يفتحهما وينتر رأسه نحو الأمام دون سابق إنذار.

” ما هذا؟” سألني.

“لا شيء،” أقول،” أنا أقود وحسب.”

” لا أستطيع حتى أن أغفو،” قال بول أخيراً.” إنه لأمر مزعج.”

” ربما عليك أن تتناول حبوباً منومة،” اقترحت عليه.

” أوه، لن أفعل،” قال بول.” إنها تزيد الأمر سوءاً. الجميع يعرف ذلك.”

” حسناً،” قلت.

بعد فترة استقام بول في جلسته وقال،” هل تحاول قتلي؟”

“لا،” قلت،” لا. كنت أحاول المساعدة.”

حدق بول بي بعينين غاضبتين، ورأيت حينها أنه إذا لم ينم عاجلاً فإن الأمور ستزداد تعقيداً.

” سأوقف السيارة،” قلت لبول.” ربما عليَّ الخروج.”

” ماذا تعني؟” سأل.

” أظن أن عليَّ النزول هنا،” قلت.” لقد قطعت شوطاً كافياً.”

” عم تتحدث؟” قال بول. فرك وجهه وانحنى للأمام في مقعده.

” قلت إنك تريد الذهاب غرباً. لا زلنا في أوهايو.”

” أعرف ذلك،” قلت له.” أظن بأنك تحتاج لبعض النوم. كلانا بحاجة له، في الواقع.”

” حسناً، هذا ممتاز، لكن لا تتركني هنا. لا يزال أمامنا مسافات طويلة علينا قطعها قبل أن نصل. لن أفعل هذا بمفردي.”

” كنت ستفعل هذا بمفردك من قبل،” أشرت.

” أوه، لا تتلاعب بي الآن،” قال بول. خبط على النافذة. كان المطر ينحسر على الأقل. ظننت أن بول كان على وشك البكاء.

عبرنا بلافتة تشير إلى منطقة تدعى زينزفيل وقال بول،” هيه!”

“ماذا؟”

” أعرف شخصاً في زينزفيل.”

” لقد تجاوزناها للتو.”

“لا لنتوقف هنا. إنها فتاة لطيفة. ستقدم لنا الطعام. لم أرها منذ سنوات. ستسعد برؤيتي.”

لم أكن واثقاً جداً من ذلك، لكني فكرت بأنها ستكون فرصة لأغتسل، لذا توقفت عند المخرج التالي ورجعنا إلى زينسفيل. كانت بلدة موحلة تقع على ضفة نهر.  جعلني بول أطوف في الأرجاء على مدى أكثر من ساعة نبحث عن اسم شارع فيه كلمة ” كرز”.

” وادي الكرز. بلدة الكرز، شيء من هذا القبيل.”

عندما وجدنا الشارع كان اسمه شارع الكرم.”

” كرز ينمو في كروم،” شرح بول.” إنها نباتات. تزرع في كروم.”

بعد بعض الوقت من القيادة على غير هدى على امتداد هذا الشارع توقفنا أمام كوخ بني اللون علق عليه صندوق بريد على شكل كرة قدم.

” هذا منزل ألبيرتا،” قال بول.” هذا هو.”

” هل أنت واثق؟ كيف تعرف؟”

” كنت هنا سابقاً،” قال،” أمضيت أسبوعاً ونصف الأسبوع هنا. أتذكر هذا المكان.”

تقدمنا نحو الباب الرئيسي وقرع بول الباب.

” ها قد عدنا أنا وألبيرتا،” قال لي بول.” كنا على علاقة طيبة.”

” متى حصل هذا؟” سألت.

” منذ ست سنوات،” قال بول.” أو ربما سبع. ستتذكرني.”

قرع على الباب مجدداً، لكن بدا أنه ما من أحد في البيت. اتكأ بول على السياج ونظر من خلال النافذة.

” هممم،” قال. حاول أن يدير مقبض الباب لكنه كان مقفلاً.  نظر في النافذة ثانية.

” ليس علينا الدخول،” قلت له.

” أعرف، أعرف.”

جلسنا على عتبة الباب وراقبنا السيارات العابرة. رأيت محطة باص في البلدة عندما كنا نتجول. فكرت أنه قد يكون بإمكاني الحصول على توصيلة هناك وقد أجد حافلة متجهة نحو الغرب.

” أظن بأني سأتوجه نحو محطة الحافلات،” قلت لبول.

” أوه لا،” قال.” لا لن تفعل. أنت لم تلتق بألبيرتا بعد.”

” أنها ليست في البيت،” أشرت.” ربما لن تعود قبل أيام.”

فكر بول بهذا للحظة.” لن تفعل ذلك،” قال.” لن تختفي.”

” أنت لم ترها منذ ست سنوات،” قلت.” ليس لديك فكرة عما قد يكون آل إليه حالها.”

” أنظر،” قال بول،” هل تثق بي أم لا؟”

كان عليَّ أن أصدقه القول وأخبره بأني لا أوليه الثقة. أي سؤال كان هذا؟ لكن بدلاً من ذلك قلت،” أثق بك بول.”

جلسنا على الدرجة مزيداً من الوقت. أغلق بول عينيه وأراح رأسه المزيت على كتفي. كنت أخشى أن أتحرك لأني عرفت مدى حاجته للنوم. جلسنا على هذه الحال مدة عشرين دقيقة خالية من الراحة ثم لمحنا شاحنة نصف نقل تقعقع في طريقها للوقوف أمام المنزل. مراهقان، فتى وفتاة، بدينان وشاحبان، ترجلا من السيارة وسارا نحونا باستغراب. يداً بيد. هززت كتفي وفتح بول عينيه.

” هذه ليست ألبيرتا،” قال لي. وأغلق عينيه ثانية.

” إنهما يسيران باتجاهنا،” قلت له.

” وماذا يعني هذا؟” قال بول.” رافضاً أن يتحرك.

نظرت الفتاة البدينة نحونا شزراً وهمست شيئاً في أذن صديقها. توقفا عن المشي ونظرا باتجاهنا. كانت الفتاة تضع الكثير من الماكياج الداكن اللون حول عينيها.  وحمرة شفاه داكنة أيضاً. كان شعر الفتى أسود لزجاً وينتعل جزمة كبيرة لها الكثير من الأربطة. ربما تنكرا من أجل الهالوين، لكن لم يكن هذا الوقت من السنة؟

بدا أنه ما من أحد سيبادر بالكلام فقلت،” مرحباً.”

“هاي،” قالت الفتاة.

لا يزال بول يريح رأسه على كتفي فهززته كي ينهض. فرك عينيه وطرف نحو الشابين البدينين أمامنا.

” ما الذي حصل لكما أنتما الاثنان؟” قال.

” أنا أعيش هنا،” قالت الفتاة.

“هنا؟” قال بول.

“نعم.”

وقف بول وتلفت من حوله كأنه لا يعلم بوجود منزل خلفه. وقفت أيضاً، بمظهر المعتذر.

” هذا منزل البيرتا،” قال بول.

“صحيح،” قالت الفتاة.” إنها أمي.”

نظر إليها بول متشككاً.” أمك؟ ما اسمك؟”

“ليندا،” قالت الفتاة.

” ليندا!” ند بول عن ابتسامة وتقدم نحوها. تراجعت الفتاة مبتعدة عنه.

تقدم الفتى متثاقلاً بصعوبة في جزمته الضخمة.

” أعرف أمك،” قال بول للفتاة.” وأعرفك أيضاً. أتذكر عندما كنت صغيرة جداً تبللين بنطالك كل صباح. أتذكرين ذلك؟ كنا أنت وأنا نطالع الرسوم الهزلية في الصحيفة معاً. يا فتى، لقد كبرت حقاً. وسمنتِ، في الواقع. هذا أنا، بول أومالي، أتذكرين؟ ماذا فعلتما بوجهيكما بأية حال؟”

قالت ليندا،” لا أتذكرك.”

” بالتأكيد تتذكرين،” قال بول.” لكن حقاً، ماهذا الذي على شفاهك، صنارة صيد سمك؟”

كان يشير إلى الحلقة التي وضعتها ليندا عبر ثقب في شفتها. كان الفتى يضع واحدة أيضاً، إلا أنها كانت في حاجبه.

” أمي ليست في البيت،” قالت الفتاة.” إنها في العمل. ستعود إلى البيت ليلاً.”

” عظيم، لا مشكلة،” قال بول.” سننتظر في الداخل.”

أفسح الطريق كي تتمكن ليندا من المرور. تقدمتنا ليندا مع صديقها وفتحت الباب.

” لا ترتكب أي حماقة،” قالت ليندا.” سيطردك صديق أمي لو تلاعبت بأي شيء.”

” هذا ظريف،” قال بول،” لا أريد سوى الحصول على إغفاءة.”

كان المنزل ممتلئاً بالعديد من التحف الرخيصة، الكثير من الحيوانات المحنطة ومنتجات تتعلق بفريق أوهايو لكرة القدم. جلسنا في غرفة الجلوس وتحدثنا إلى الأولاد لفترة. كان اسم صديق ليندا راين. ذهبا إلى المدرسة معاً وكانا يتواعدان منذ ثلاثة أشهر. أخرج راين غليوناً وقدم لنا بعض الماريجوانا، لكن بول لم يمسها. قال إنها ستبقيه يقظاً.

سئمت ليندا وصديقها منا ودخلا إلى غرفة نومها وأغلقا الباب. صب بول لنفسه كأساً من حليب أخرجه من الثلاجة، وعاد إلى غرفة الجلوس، وشغل التلفاز.

” سأغادر الآن،” قلت.

” مستحيل،” قال بول.

” نعم أنا مغادر.”

” ابق فقط حتى أغط في النوم،” قال.” لم أنم منذ خمسة أيام.”

” أطفئ التلفاز، ونم.”

أطفأ بول التلفاز، شرب الحليب، واستلقى على الأريكة. كنت متعباً أيضاً ورأيت أن أرتاح لبعض الوقت. استلقيت على سجادة صوفية مفروشة على الأرض وأغلقت عيني. ظل بول يتقلب على الأريكة ويشتم فكان صعباً عليَّ أن أنام بالفعل. طوال الوقت كان يخيل لي أني سمعت صوت ألبيرتا قادمة فأنهض، خائفاً من أن تجدنا مستلقيان هناك مما قد يتسبب بهرج رهيب.

دلفت ضجة هائلة إيقاعية من غرفة نوم ليندا وقال بول،” هيه، هؤلاء الأولاد يحدثون ضجة هناك.”

قفز وقبل أن أتمكن من إيقافه كان يقرع على باب ليندا قائلاً،” أوقفوا ذلك، أيتها الأرانب السمينة!”

اندفع عبر الباب وكانا كلاهما عاريين يتدحرجان بين الحيوانات المحنطة على سريرها المفرد.

قالت ليندا،” هلا أغلقت الباب؟”

قال بول،” ليس قبل أن ترتدي ثيابك!”

كان موقفا مربكاً، لكن أخيراً تركهم بول وشأنهم واستلقى على الأريكة. توقف الضجيج الصادر من غرفة ليندا وأخيراً غططت في النوم على السجادة الصوفية. عندما استيقظت، كان بول في المطبخ يسعل ويحدث بجلبة هائلة. دخلت إلى هناك وكان ينحني على الأرض ورأسه في الفرن. كانت تفوح في الغرفة رائحة الغاز.

” ما الذي يجري هنا؟” سألت.

” اللعنة،” قال بول.” هراء.”

كان يحاول أن يتنشق الغاز ليقتل نفسه لكنه لم يتمكن من أن يحكم الإغلاق حول رأسه فكان الغاز يتسرب نحو الغرفة. اختطفت ساقيه وسحبته بعيداً عن الفرن.

” دعني وشأني!” صرخ.

تصارعنا على أرضية المطبخ وأثناء ذلك حاول بول أن يقبلني، اندفع وجهه المشعر  بشفتيه المتغضنتين نحو شفتي.

” أنا لست مثلياً،” قال.” لا يمكنني النوم. قبلني فقط.”

أخيراً هدأته وجلسنا معاً على مشمع الأرضية، نتنفس بصعوبة ونستنشق ذلك الهواء المشبع بالغاز.

” رأسي يؤلمني،” قال بول.

صدر صوت فرقعة من غرفة ليندا ثم هب لهب أزرق ساخن عبر الرواق وانفجر في المطبخ محدثاً صوت دوي مرتفع. لجزء من الثانية امتلأت الغرفة برمتها بجدار من النار وفي غفلة وجدنا أنفسنا نجلس في المطبخ المتفحم وبعض ألسنة من النار تومض من حولنا. كانت المناديل الورقية تحترق وبعض الحمالات والستائر. وقفت وبول ورحنا نلطم اللهب ونرمي الماء في كل مكان. جاء راين لمساعدتنا. نزعنا الستائر ونقعناها في الحوض. انطلق جرس الإنذار وضجته الثاقبة أصابتنا بالجنون إلى أن ضربه بول بعنف بمكنسة. بعد مدة تدبرنا الأمر لإطفاء النار في المنزل.

تلفعت السجادة الصوفية بالسواد وكان الدخان لا يزال يتصاعد من بعض من الحيوانات المحنطة. كانت ليندا تبكي في غرفة نومها. وكانت رائحة المكان رهيبة في ذلك الوقت، كرائحة البلاستيك المحروق. لاحظت وبول أن شعرنا كان مسفوعاً أيضاً. احترق حاجبينا كلياً وجلد وجوهنا كان أحمر وذاوٍ.

” كنا على وشك أن نموت،” قال بول.

” هذا كان هدفك،” ذكرته.” وضعت رأسك في الفرن.”

اعتذر راين لأن قداحته تسببت بإثارة اللهب.

” هذا ما تحصل عليه من تدخين الماريجوانا أيها الفاحش الصغير،” قال بول.

” أنا آسف،” قال راين. كان بالفعل مخضوضاً. وكنا جميعاً كذلك.

كانت الساعة تدنو من الثامنة وقد حان موعد عودة ألبيرتا إلى البيت. رأى بول أنها قد لا تسعد برؤيته في النهاية. قررنا بعد نقاش موجز بعيداً عن الأولاد ثم انطلقنا مسرعين إلى سيارته الصغيرة وابتعدنا، تاركين لليندا وراين أمر شرح الفوضى التي خلفناها وراءنا.

” لقد تغيرت ليندا بالفعل،” قال بول.” أتذكر كم كانت ظريفة في صغرها. انظر إليها الآن، متشحة بالسواد ومثقبة بالمعدن.”

عبرت بنا سيارة شرطة ذاهبة في الاتجاه الآخر، أضواؤها تومض وصفارة إنذار تدوي. أصيب بول بالذعر وأصر أن نغادر السيارة. هذا كان جيداً بالنسبة لي.

ركنا السيارة في شارع جانبي ومشينا نحو محطة الحافلات حيث اشترينا تذكرتين إلى سياتل، سبعاً وثلاثون ساعة من السفر. ونحن ننتظر ظهور الحافلة، استلقى بول على ثلاثة من تلك المقاعد البلاستيكية المتواجدة في موقف انتظار الحافلة وأخيراً غط في النوم. كان الجو بارداً هناك وبدت تلك المقاعد ككومة من الصخور، لكنه كان هناك يشخر.  فكرت لوهلة في إيقاظه عندما وصلت الحافلة وأذاعوا أنه حان الوقت للصعود، لكن فكرت بعدها بما هو أفضل من ذلك. كان لا يزال نائماً مثل طفل، متكور على نفسه برضى تحت مصابيح الفلوريسنت الشاحبة تلك، عندما انسحبنا وتوجهنا غرباً دونه.

[1] آرثر برادفورد: من مواليد عام 1969، كاتب ومخرج سينمائي امريكي.

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet ʘϪʘ O planeta Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

Kaneesh Sports

"الإحصاءات مثل البيكيني تكشف كل شيء ما عدا الأكثر أهمية" .........بوزديار ماليكوفيتش "مدرب منتخب سلوفينيا لكرة السلة

Lady.Teco

Find Myself

BEACHMOUNT'S WRITING CORNER

TRANSLATIONS, ESSAYS, SHORT STORIES, POETRY, PHOTOS AND MORE

robinstories

know me.

Hannasistek's Weblog

Just another WordPress.com weblog

Jamaljobran's Blog

Just another WordPress.com site

"Black Mist and other stories"

I dreamt for stars, gathered stardust in my soul, sprinkling some to earth now, waiting for them to grow up in dream wood.

WordPress.com News

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

اداچيو

الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

The Civilized Frontier

A Journal of Thoughts concerning Life, Liberty, and the Pursuit of Sanity in a World of Chaos

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 387 other followers