Feeds:
المقالات
التعليقات

عندما كنت صغيراً اعتاد والدي أن يصحبني معه في شاحنته. كان يعمل في تجارة اللافتات في لونغ آيلاند وكان لديه متجر صغير يحمل اسم Kal Signfeld Sign، كال ساينفلد وشركاه للافتات.
لقد فعل حقاً.
كنت أركب في مقدمة الشَّاحنة وأرفع قدمي منتعلاً حذائي الرياضي على لوحة القيادة، وهناك حدث أني عرفت لأول مرة واحدة من متع الحياة العظيمة المتمثلة بمشاهدة الآخرين أثناء عملهم.
في الحقيقة، كان هناك قلَّة فقط من الأشخاص الذين كانت مشاهدتهم مسلية بالقدر نفسه الذي كانت عليه مشاهدة والدي. لم يتمتع كوميدي محترف على الإطلاق بحضور أفضل على المسرح، أو تفوق عليه أحد في التصرف أو التوقيت أو الأداء. لقد كان عبقرياً مضحكاً يبيع اللافتات البلاستيكية المطلية التي يكتب عليها أشياء من قبيل”Phil’s Color TV” ولافتات مصنوعة من الكرتون المقوى من قبيل: “إذا كنت تريد تربية الماشية، فلماذا لا تكف عن إطلاق النار على الثور؟ “
أكثر ما أتذكره عن تلك الأصائل هو ترداد والدي قوله لي مرات عديدة: “في بعض الأحيان لا يهمني حتى أن أحصل على الطلبية، كل ما علي فعله هو إيذاء مشاعر صاحب ذلك الوجه.”
لقد عاف رؤية وجوه رجال الأعمال الجادة تلك. أعتقد أن هذا هو السبب في أنه، مثلي، لم يبد على الإطلاق قادراً على الاحتفاظ بأي نوع من الأعمال الحقيقية.
في كثير من الأحيان عندما أكون على الخشبة، أجد نفسي أقلد حركة جسدية صغيرة أو نوعاً بعينه من التوقيت الذي قد يؤديه.
“لكسر ذلك الوجه”.
كان شيئاً يتمتع بالأهمية في منزلي. أتذكر عندما كان آلان كينج يظهر في برنامج إد سوليفان، سماع والدتي تقول: “الآن، هدوء.” كان بوسعنا التحدث أثناء نشرة الأخبار، ولكن ليس خلال عرض برنامج آلان كينج. كان هذا رجلاً مهماً.
وكنت فخوراً بكوني الولد الوحيد في الحي الذي أسكن فيه ممن يملك مجموعة ألبومات بيل كوسبي الكاملة. لقد كان الممثل الكوميدي المفضل لدي وأول ممثل أسود البشرة يلعب دور البطولة في مسلسل تلفزيوني. لكن بالنسبة لي، كان أول شخص بالغ على شاشة التلفزيون ينتعل أحذية رياضية بشكل منتظم. أنا أعلم أن هذا كان له أثر علي، لكنني لست متأكد بأية طريقة.
عاش والدي ليراني وقد أصبحت كوميدياً وكان دائماً أكثر داعميَّ حماسة. علمني أن الهبة وجدت لتُمنح. وكما وهبني إياها، آمل أن أكون قادراً على منحها لكم.

قصيدة سورية حتى تاريخه.

سهرنا طويلاً، ثم نمنا فصحونا لنسهر

وما انتهى الليل

ها قد جاءت الكهرباء يا حبيبي

فلماذا تظل في حيكم مقطوعة

لماذا لا يقطعونها عنا جميعا مرة واحدة

ونهائية

” عصارة روحنا نفذت”

فكيف سنحيا بغير روح

إذا عاد النور ليضيء هذا العالم الخرب؟

متى االمازوت؟

هل أتى الغاز؟

ومتى ستعود التغطية؟

متى الحياة؟ ها؟ متى الحياة?

هذا المساء.

التقطت هذه الصورة بكاميرا الموبايل من خلف زجاج النافذة اليوم 11/1/2023 الساعة الرابعة وعشرين دقيقة.

قصيدة حربية.

أماني، ها قد جاءت الماء، هل أدرت المحرك؟

أماني، أطفئي المحرك، يكاد الخزان أن يطوف.

أماني، هل مسحت بلورة المدفأة قبل أن تشعليها؟

أماني، خففي المازوت عن المدفأة، فليس لدينا الكثير.

أماني، لا تخففي المازوت عن المدفأة، فهذا يتسبب بتشكل الشّحار.

أماني، هل دارت الغسالة عندما عادت الكهرباء؟

أماني، لماذا رميت تلك العلبة في سلة المهملات؟

ألا تعلمين بأن كل شيء ممكن أن نحتاجه في هذه الأيام؟

أماني، مع من تتكلمين على الانترنت؟ إياك أن يكون معارضاً؟

أماني، لماذا تستمعين إلى أغان تركية، وتركيا تكيد لنا المكائد!

أماني، أتترجمين الآن؟ ولماذا تتعبين نفسك في الترهات؟

نشروا لك في الصحيفة؟ وهل هذه الصحيفة معنا أو ضدنا؟

أماني، لماذا تشاهدين هذه القناة؟ ألا تعلمين بأنها مغرضة؟

أماني، ماذا تفهمين مما يقولون على تلك القناة؟ وهل نحن أكراد؟

أماني، كوني حذرة ألا يضحك أحد عليك، يقولون في الراديو أن الخداع منتشر على الانترنت.

أماني، لماذا لا تخرجين لتمشي قليلاً، عل وزنك يخف، لماذا تجلسين ساهمة طوال الوقت؟

أماني، ماذا حل ببيتنا يا ترى؟ هل يقولون شيئاً في الفيسبوك عنه؟

أماني، لا تنامي طويلاً، انهضي واعملي شيئاً مفيداً.

أماني، لا تسهري كثيراً، ففي الغد عليك الذهاب إلى العمل.

أماني، أماني، أماني…

أماني، اللعنة يا أماني…

حكاية من الدفتر العتيق-2

منذ زمن طويل، قبل عصور مواقع التواصل الإجتماعي من فيسبوك وتويتر، تعرفت على شاب فلسطيني كان يعيش في النرويج، ربما حدث هذا من خلال غرف المحادثة أو أحد الماسينجرات البائدة، طلب مني في ذلك الحين لو أستطيع أن أجد له عددا من الأغاني اللبنانية القديمة التي لم تكن متوفرة بعد على الشبكة، ومنها أغنية لمنى مرعشلي، فرحتُ أبحث في المحلات التي تبيع أشرطة الكاسيت عن تلك الأغاني النادرة حتى في ذلك الحين، لكني بدأب وبإصرار وجدتها جميعا، ثم كان علي أن أحمل هذه الأشرطة إلى شخص قام بتحويلها من شريط كاسيت إلى قرص مضغوط CD لأتمكن من إرسالها له عبر الانترنت الذي كان وقتها لا يزال في سوريا اتصال DIAL-UP! كانت عملية شاقة إلى حد ما لكن فرح ذلك الشاب بتلك الأغاني كان تعويضا مجزيا عن كل مشقة.. تذكرته عندما سمعت أغنية منى مرعشلي لعله يكون بخير..

حكاية من الدفتر العتيق.

في يوم من الأيام، اتصلت بي صديقتي (س) وسألتني عن رغبتي بالذهاب إلى دير مار موسى الحبشي، مضيفةً أنه ستكون برفقتنا واحدة من معارفها الجدد ومعها ابنها البالغ من العمر أربع سنوات، وعندما قالت لي اسمها عرفت فيها زميلة لي من أيام المدرسة الثانوية، كانت معرفتي بـ (ن) سطحية، فقد كانت في الصفوف التي تدرس اللغة الإنجليزية، وكنت أنا في صفوف الفرنسية. كانت (ن) ابنة لعائلة مسلمة، غير أنها لم تكن ترتدي الحجاب، وعلمت من (س) أنها مطلقة تعرفت على أخيها في بلد عربي حيث كانت تعمل لفترة بعد طلاقها، ويبدو أن علاقة حب نشأت بينهما هناك، ولدى عودتها إلى البلاد رغب الشاب أن تتعرف على أخته وكانت هذه الزيارة لدير مار موسى الحبشي مناسبة لذلك.

وافقت بالطبع، فلم أكن في ذلك الوقت لأفوت مثل تلك الفرصة، كان دير مار موسى مكانا فريداً في طبيعته حيث يقع في ذلك الوادي الوعر من منطقة القلمون، يعلو وحيداً هناك إذ بني على آثار برج روماني لمراقبة القوافل في طريقها من دمشق إلى تدمر، ناهيك عن حكاية ترميمه وإعادة إحياءه بفضل باولو الراهب اليسوعي القادم من إيطاليا، والذي صار رئيساً للدير فيما بعد، وحياة التقشف التي كان يعيشها الرهبان هناك وكل من يزورهم، وكان الزوار كثراً من كل العالم ومن كل الطوائف. ببساطة كان الدير مكاناً تنسى فيه الدنيا ومن فيها، على الأقل هذا ما كنت أحسه.

في الدير، كان يقام يومياً قداس مسائي في الساعة السابعة، حيث كنا نجلس على الأرض المفروشة بالسجاد وبعض البسط المنسوجة من الصوف، والتي لا تزال رائحتها تسكن ذاكرتي، بخلاف ما يجري عادة في الكنائس، حيث يجلس المصلون على المقاعد الخشبية وما شابه. بنهاية القداس يتناول المصلون القربان المقدس الذي يباركه الكاهن، في الدير، كان باولو يبارك القربان ويديره على المصلين، كأس من النبيذ وخبز مقطع إلى مربعات صغيرة، عندما كان القربان على وشك الوصول إلي، قفزت الراهبة (هـ) من مكانها فجأة، والتي صادف جلوسها في الجهة المقابلة للمكان الذي كنت أجلس فيه، وطلبت مني موشوشة إياي عدم أتناول القربان المقدس، ولم يكن المجال يسمح بمزيد من الشرح، أخبرت صديقتي (س) الجالسة بقربي، عما طلبته مني (ه)، فقالت لي لا تلق بالاً لكلامها. وهكذا تناولت القربان كما فعل الجميع، لكن عيناي كانتا قد ترغرغرتا بالدمع، وما إن كاد القداس ينتهي حتى أجهشت بالبكاء، بكاء مؤلم جداً، ربما لأنه بكاء نابع من أكثر من سبب، فهو من ناحية، لإحساسي في تلك اللحظة، كما لو أن المسيح كان ينكرني، ومن ناحية أخرى، إذ قيل لي بعد أن خرجنا من الكنيسة، أن الراهبة (ه) القادمة في إجازة صيفية من دراستها للاهوت في إيطاليا، علمت أن من بين الفتيات الثلاث اللواتي قدمن اليوم إلى الدير، واحدة مسلمة، وعلى حد قولها عندما تقدمت بالاعتذار، أن هناك تعليمات من الفاتيكان بعدم السماح لغير المسيحيين بتناول القربان المقدس، وقد ظنت أني تلك الفتاة، ولهذا السبب بكيت أيضاً، فماذا لو كنت أنا المسلمة بالفعل، لمَ أمنع من تناوله، ألم يكن المسيح فادياً للبشر جميعاً؟

آني إرنو تحول الذكريات إلى أدب

يكتب الكثير من المؤلفين عن حيواتهم. خلال ما يقارب خمسين عاماً اكتشفت الفائزة بجائزة نوبل طرقاً جديدة للقيام بذلك.

بقلم ألكسندرا شوارتز

14/11/2022

قالت آني إرنو مؤخراً فيما بعد ظهيرة أحد الأيام، عندما طلب إليها أن تصف فوزها بجائزة نوبل في الأدب: “لا أشعر كما لو أني امرأة أخرى على وجه الخصوص”. هل يحولك كسب جائزة- الجائزة- إلى شخص آخر؟ إنه يفعل في عقول الآخرين. على الرغم من أن إرنو لم تكن منشغلة البال بتوقعات نوبل على الإطلاق، لطالما اعتبرت منافسة من قبل هؤلاء الذين يلتذون في التَّفكر حول أي من كتاب العالم سوف يتوج السُّويديون لاحقاً. غادرت إرنو بيتها العام الماضي في موسم نوبل في الضاحية الباريسية سيرجي وذهبت إلى موعد للعلاج الفيزيائي ووجدت نفسها محاطة بالصحفيين الذين خيموا أمام بوابة بيتها ” تحسباً فقط “.

في اليوم الذي سبق إعلان هذا العام، حذَّرها الناس في دار نشر غاليمار الفرنسية، من الخروج أو الرد على الهاتف صباح اليوم التالي. التزمت، حتى عندما رأت رقماً سويدياً يظهر على شاشة الهاتف بشكل متكرر. افترضت (“أنها مزحة سيئة”. تعرضت للخداع في الماضي). في الساعة الواحدة وبضع دقائق من بعد الظهر أدارت راديو الترانزستور في مطبخها وسمعت اسمها. قالت إرنو: “كان غير حقيقي بالكامل “. كانت وحيدة مع قططها.

التقيت بإرنو بعد ستة أيام، في حي ترايبكا الجميل في شرفة دانيل سيمون، مدير دار النشر الأميركية، سفن ستوريز برس Seven Stories Press . لا تزال ممشوقة القوام في الثانية والثمانين من عمرها (والفضل يعود للمورثات) وشقراء (باختيارها). كانت ترتدي بنطالا أسود رصين وحذاء مع بعض الألوان هنا وهناك: وشاح بلون خضرة جيفرني في الصيف، وقميص بلون الفوشيا.

كانت أمامها على طاولة القهوة علبة تابروير بلاستيكية لحفظ الطعام ممتلئة بكعك البراوني و الماكارون، بقية غداء احتفالي كان قد عقد للتو على شرفها في مكتب الدَّار القريب جداً. رسمياً، حضرت إرنو إلى المدينة لحضور عرض مهرجان نيويورك السِّينمائي لفيلم “السَّنوات الثماني البديعات” الذي عملت عليه مع ابنها دافيد إرنو بريوت، لكن الجائزة حولت الرحلة إلى جولة انتصار مرتجلة. استقبلت في مسرح والتر ريد Walter Reade وفي نشاطات مجدولة فيما سبق في بَرنارد ومتجر البرتين لبيع الكتب الفرنسية بترحاب في أماكن احتشدت بالجمهور. كان هناك موائد عشاء ينبغي حضورها وأكوام من الكتب ليتم التوقيع عليها.

تنحو كتب إرنو لأن تكون قصيرة، غالباً نحو مئة صفحة، وحادة بشراسة، مكتوبة بأسلوب مباشر وتقريري كانت قد دعته بالـ “كتابة المسطحة“. (” لن أختبر مطلقاً متعة التلاعب بالمجازات أو الانغماس في لعبة أسلوبية”، كتبت سابقاً تبدو عازمة عزم راهب فرنسيسكاني- ومتحسرة أيضاً قليلاً) قد يتوقع قارئ صرامة إلى حد ما في طبع إرنو، لكنها تحب أن تكون مع الناس وهذا ليس خافياً. ربما لأنها أمضت سنوات في التدريس لطلاب المرحلة المتوسطة هي من جماعة “لا يوجد أسئلة حمقاء” عندما يتعلق الأمر بلقاء الجمهور والإجابة على أسئلتهم. قبل أن نلتقي كنت قد اعتقدت أن إرنو التي لم تزر نيويورك منذ ما يزيد على العقدين، قد تود أن ترى شيئاً من المدينة، لكني جزعت أن تتعبها كل هذه الضجة. قالت: “لا، لا. أشعر بالإرهاق فقط عندما أكون بمفردي “.

العدد الكبير من الأنشطة ترك القليل من الوقت للحديث عن جائزة نوبل. ” صحيح أنها مزعزعة للغاية”، أخبرتني إرنو بالفرنسية. كانت تواظب على كتابة اليوميات منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها– تشكل هذه التجربة حجر الأساس في حياتها الكتابية- لكنها لا تزال لم تدون النبأ. آخر ما دونته مؤرخ في الليلة السابقة للإعلان عندما لاحظت “في حالة عميقة من الاستياء” أنها إذا فازت “سوف يسرقون شيخوختي مني“. قد تكون منشغلة للغاية فلا يتاح لها الوقت لتكتب على الأقل لمدة سنة. في عمر الأربعين قد لا يكون ذلك مهماً، لكن في الثانية والثمانين؟” أنا مسنة بالفعل “، قالت لي.” تلك مشكلة. حسناً، ليست مشكلة. إنها حالة، الحالة التي صادف أني فيها ولا أشعر على الإطلاق بالسوء أن أكون فيها. أنا فقط ألحظ ما تغير”.

عرفت عن الشَّباب المسروق، قلت، لكن لم تخطر لي فكرة شيخوخة مسروقة.

“بالضبط”، قالت إرنو. “ما يهمني حقاً في الشباب هو أنه دوماً الوقت الذي تتذكره لاحقاً. لكن لن يكون بوسعي أن أتذكر شيخوختي. إذن! علي أن أعيشها حتى الجمام”.

خلال عمر سيرتها المهنية الذي يقارب الخمسين عاماً نشرت إرنو أكثر من عشرين كتاباً. كانت أول بضعة كتب ما قد أدعوه أنا وأنت روايات السيرة الذاتية: البطلات، شابات أعارت لهن إرنو أفكارها وتجاربها وهن بشكل صريح صوراً ذاتية لها. سريعاً جداً مع ذلك أسدلت إرنو ستارة الخيال وتبنت صيغة المتكلم. “الأنا” التي تكتب بها ليست مصطنعة، دعوة خجولة لقارئها كي يحاول فك ما هو حقيقي عما هو زائف. أعمال إرنو من المادة الواقعية للحياة حصرياً – حياتها. لكن كيف تشكل الوقائع وتحضرها؟ كيف تقدم لقوتها الخاصة والطريقة التي تتغير فيها الحقيقة أو لا تتغير بعد تعرضها لقوى الذاكرة والزمن؟ هذه أسئلة فنية عميقة أساسية لكل من ممارسة إرنو الإبداعية ومبادئها الأخلاقية.

كانت قد كتبت: “أؤمن أن أي تجربة، مهما كانت طبيعتها تملك الحق غير القابل للمصادرة لكي تدون . لا يوجد شيء يدعى حقيقة أقل شأناً”.

تلك العقيدة قد تفسر لماذا أثبتت إرنو لنفسها أنها كموضوع لا ينضب. هي لا تكتب طريقها في الحياة على طريقة كارل أوفه كنوسغور مفصلة كل صغيرة وكبيرة من التجربة، مجلداً بعد آخر حتى الزمن الحاضر. هي أكثر شبهاً بغطاس يلمح شيئاً يضيء تحت سطح الوعي وتغطس نحوه. لهذه النزوة هي تحب أن تزاوج منهجين جدليين. يمكن لصور ومدخلات الصُّحف أن يكونا بأهمية تدوينتاها اليومية كأدوات لإعادة بناء الماضي:

بطبيعة الحال لن أفضل السرد الذي قد يعني اختراع واقع بدلاً من البحث عنه. كما أني لن أكتفي بمجرد انتقاء ونسخ الصُّور التي أتذكرها وحسب سوف أعالجها مثل وثائق، متفحصة إياها من زوايا مختلفة لأمنحها معنى. بتعبير آخر سوف أنجز دراسة اثنولوجية عن نفسي.

نشر “خزي” الكتاب الذي تظهر فيه هذه السُّطور في العام 1997 (الترجمة الإنكليزية لتانيا ليزلي). افتتاحيته لا تنسى: “حاول والدي قتل أمي ذات يوم أحد من شهر حزيران في باكورة ما بعد ظهيرة “. حدث ذلك في صيف العام 1952 عندما كانت إرنو تبلغ من العمر أحد عشر عاماً. لزمها خمسة وأربعين عاماً تقريباً وهي تحاول أن تعقل معنى هذا الحدث المريع بالنسبة لها، ومع نهاية الكتاب كانت لا تزال غير واثقة من أنها فعلت ذلك. تكتب: لطالما أردت أن أؤلف كتاباً من النوع الذي أجد التحدث عنه مستحيلاً فيما بعد، كتاب من نوع الذي يجعل الأمر مستحيلاً بالنسبة لي مقاومة تحديقة الآخرين“. هذه الأمنية المتناقضة، أن تكشف الأجزاء الأكثر ظلمة من نفسها بمثل هذه الدقة التي لا ترحم حتى أنها ستكون مرغمة على الصَّمت مرة وإلى الأبد، هي تعبير استثنائي عن الطموح الكتابي. لم تتحقق بعد بأية حال.

تعتقد إرنو أن الغرض من كتابتها ليس مجرد تسجيل أمور حدثت، بل أن “تجعل الأشياء موجودة”. هذا قوي لكنه بالكاد أقوى ما قالته عن عملها. “أنا وسيط”، أخبرتني. “أشعر أني شخص يمكنه نقل الأشياء”.

الكثير مما تنقله إرنو- ما ذا يكون أن تنشأ في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة في مجتمع يحتقر العمال، ما يعني أن تكوني امرأة مطرودة من جسدها بقوانين الدولة، أو الامتيازات الطاغية للرغبة- جعلها نموذجاً أدبياً، بل حتى بطلة في نظر هؤلاء الذين تشاركوا معها تجارب أو وجهات نظر مماثلة. كتاب إرنو “الحدث” الذي تصف فيه السَّعي لإجهاض غير قانوني وهي طالبة في عمر الثالثة والعشرين، مقياس نسوي تم تحويله السنة الماضية إلى فيلم على يد المخرجة اودري ديوان. كتَّاب مثل ديديه اريبون، أدوار لوي، وماري ندياي يدينون صراحة لإرنو في كل من الأسلوب والمادة. سئلت إرنو إذا ما كانت فخورة بتبنيها كنوع من عرابة أدبية أو حتى كمتحدثة لكنها تشعر بأن “الفخر” كلمة خاطئة. “لم أرغب قط أن أكتب من أجل”، أخبرتني إرنو، “أنا أكتب من”. مع ذلك، كانت متأثرة بالابتهاج الذي به رحب القراء بإعلان نوبل. اعتبرت الجائزة إنجازاً “جماعياً”.

الأشياء نفسها التي تجعل كثير من الناس يحبون إرنو تجعل كثر آخرين يبغضونها. بلا هوادة، شخصية في أدبها، كانت في الحياة العامة تتخذ دور الكاتب الملتزم، ملتزمة صراحة بعدد من القضايا السياسية اليسارية و بينما كان يتم تكريمها في نيويورك، اتهامات تحركت من قبل المحافظين الذين يحطون من قدرها كانت تنتشر سريعا في فرنسا. اتهمت إرنو  بأنها معادية للسامية ( تدعم المقاطعة، التجريد، حركة العقوبات كطريقة  لتقدم القضية الفلسطينية)، اسلاموفاشيستية( تعتبر الكراهية الفرنسية للحجاب وسائل لإسكات النساء)  مغتصبة أطفال (آخر كتبها “الشَّاب” يحكي عن  علاقة غرامية كانت لإرنو في خمسينياتها  مع رجل كان يصغرها بثلاثين عاماً) هي wokiste  (مؤيدة  لحملة أنا أيضاً و للسترات الصفراء). “بلا تردد سارت ” أكاديمية” الأشخاص المسنين والمنكمشين هذه خطوة إضافية في السخيف والخلاعي”. شجبت مقالة افتتاحية تحت عنوان “نوبل في الأدب غير موثوقة حتماً”. في الصحيفة المحافظة الـ لو فيغارو، بخس كاتبٌ قرار منح الجائزة “للكاهنة العليا لكتابة التخييل الذاتي “لعمر أمضته في الكتابة عن نفسها”.

قالت لي إرنو: “يعتقدون أني لست شرعية. ما يثير اشمئزازهم أن هناك أناس وجدوا في الأدب شيئاً يخاطبهم، وأن هؤلاء الأشخاص ليسوا مدراء تنفيذيين أو رؤساء شركات”. إرنو أيضاً أول امرأة فرنسية تفوز بجائزة نوبل. وذلك لا يناسبهم على الإطلاق”. تعاطت لسنوات مع النقد المنحاز جنسياً وليس فقط من قبل اليمين. بعد أن نشرت “شغف بسيط”، وهي حكاية تبوح بمكنونات النفس عن علاقة حب مع رجل متزوج، أخذ ناقد أدبي في الأسبوعية الليبرالية لو نوفل اوبسيرفاتور Le Nouvel Observateur يدعوها مدام أوفاري. هنا لعب على الكلام بين كلمتي ovary وتعني المبيض  واسم بوفاري من كتاب فلوبير مدام بوفاري .

طرحت على إرنو فكرة أنه قد يكون هناك شيء مثبت في التدفق الحالي للبغض. ألم تكن تكتب لسنوات عن احتقار الأغنياء للفقراء، والرجال للنساء، الحكام للمضطهدين؟ “إنه دليل”، وافقت. مع ذلك أصابها بالاكتئاب. في الهرج والمرج رأت إرنو تجديداً لموجة التهويل للفضيحة التي كانت قد غمرتها منذ عشر سنوات عندما نشرت عموداً في صحيفة اللوموند مستنكرة “مرثاة أدبية لاندرس بريفيك”، مجرد دفاع مستور  عن القاتل الجماعي النرويجي لريتشارد مييه، وهو كاتب ومحرر في غاليمار. أثناء استهجانه جرائم بريفيك، ألقى مييه اللوم على التعددية الثقافية وتآكل الهوية المسيحية الأوروبية، دعت إرنو نصه “بالنشرة الفاشية التي تصم الأدب”. بعد ثلاثة أيام استقال مييه من اللجنة الاعتبارية للقراءة في غاليمار. تشارك كثر آخرون شعور إرنو  بالاشمئزاز. على سبيل المثال، ج م جي لو كليزيو، الحائز على جائزة نوبل العام 2008. لكن عمود إرنو الصحفي، الذي وقَّع عليه مئة وثمانية عشرة كاتباً، استغل باعتباره نقطة اشتعال. أصبح لافير L’affaire لريتشارد مييه نوع من استبيان حول ما لم يكن بعد قد سمي بثقافة الإلغاء، و إرنو متهمة بأنها عجوز مشاكسة مصممة على فرض رقابة صَّوابية سِّياسية على حساب السيرة المهنية للرجل. “لقد دعيت بالقاتلة”، قالت إرنو. هي نفسها شعرت أنه” كان حقا hallali نداء صيد”- و إرنو  هي الأيل المطارد.

واحدة من العبارات الأكثر ترافقاً مع إرنو، ” transfuge de classe “، يمكن أن تبدو ازدراء. ” transfuge ” تعني منشقة. لكن إرنو بنفسها تستعمل التعبير، من ناحية كوصف موضوعي لحالتها كامرأة التي من خلال التعليم ارتقت إلى الطبقة المتوسطة، من ثم بقوة الموهبة إلى النخبة الثقافية- ومن ناحية أخرى يمكن أن يبدو كنوع من لقب مستحق يعبر عن مشاعرها المتناقضة كونها انتقلت بعيداً عن عالم والديها. في العام 1983 عندما نشرت كتاب “مكان رجل” وهو سرد لحياة والدها، استعملت كمستهل للكتاب اقتباس لقول جان جينيه: “إذا كان لي أن أتجاسر على الاتيان بتفسير: الكتابة هي الملاذ النهائي لهؤلاء الذين خانوا “.

ولدت آني دوشين في شهر أيلول 1940 في ليليبون وهي بلدة في النورماندي حيث أدار والداها مقهى بقالية. منذ القرن التاسع عشر كانت  تهيمن على المنطقة التي تقع في واد شمال نهر السين مصانع القطن. “حتى الآن أن تذكر الوادي في أوقات قبل الحرب يعن أن تستحضر صور الرعب: أكبر كثافة في عدد الأمهات المدمنات على الكحول والعازبات، الرطوبة تسيل على الجدران، والأطفال يموتون جراء إصابتهم بالإسهال خلال ساعتين” تكتب إرنو في “قصة امرأة” 1987 المرافق “لمكان رجل” عن أمها. مع ذلك كانت الحياة هناك بالنسبة لوالديها خطوة نحو الأعلى. كل من الفونس دوشين وبلانش دومنيل تركا المدرسة في عمر الثانية عشرة ليعمل الفونس في مزرعة وبلانش من أجل عمل في مصنع للمارغرين. التقيا خلال العمل في مصنع للحبال في ايفيتوت مسقط رأس بلانش. كان الفونس وهو شاب طويل القامة يملك دراجة ويرتاد السينما “لم يبد عادياً” كانت بلانش تقول. كانت أصغر منه بسبع سنوات، مفعمة بالحيوية وفخورة ومزاجية، سريعة الضَّحك وسريعة الصِّياح، كاثوليكية صهباء أحبت قراءة الروايات ورفضت أن تفوت قداساً. تزوجا في العام 1928 مما أثار احتقار أخوات ألفونس اللواتي عملن كخادمات واحتقرن فتيات المصانع. بلانش احتقرتهن بدورها كما احتقرت أي شخص آخر كسب لقمة عيشه من “لعق مؤخرات الأغنياء”. أثبتت بلانش أنها محرك الزواج، الحالمة والفاعلة. كانت صاحبة فكرة تولي مسؤولية المقهى البقالية – كانت خلف النضد في مكانها الطبيعي- ولو أن  هذا لم يكن نهاية الأوقات الصعبة. كان الزبائن فقراء، وغالباً طلبوا الشراء بالدين. عمل ألفونس أعمالاً أخرى ليبقي العائلة واقفة على قدميها. ثم حدث الاحتلال الألماني والتدافع الفوضوي في التقنين وإعادة الإعمار الذي أعقب الحرب. عندما كانت آني في الخامسة من عمرها انتقلت العائلة إلى أيفيتوت وتولت إدارة مقهى آخر أكثر مردودا، وأقاموا في الغرف التي تعلو المقهى. هنا حيث نشأت إرنو: تنام مع والديها في غرفة نوم مفردة، تستخدم مرحاضاً خارجياً، تحيي الزبائن ب”صباح الخير” واضحة بصوت مرتفع وهي تراقب وفقاً لتعليمات بلانش بأن تحرص على أن لا يخطفوا شيئاً عن الأرفف.

هذه هي الوقائع التأسيسية لحياة إرنو المبكرة، وهي تقدمها لنا مباشرة. إنها في “مكان رجل” حيث تقدم فكرة الكتابة المسطحة التي صارت في النسخة الإنكليزية من الكتاب تسمى “الطريقة المحايدة في الكتابة” ولو أن ذلك ليس صحيحاً حقاً. تقول إرنو إن اللغة ليست محايدة مطلقاً. الغرض من أسلوبها “المسطح” سياسي، ليس فني فقط. هي لا تريد أن تضخم حيوات العامل الفقير وتجعلها عاطفية لكي يميل نحو الفخ المزدوج للشفقة والشعبوية. تستعمل أنواعاً من التفصيل “الروائي” بأناقة قد يستعملها ديكنز معاصر كثيراً لكن الأثر هادئ وليس ملونا كما لو أننا كنا نرى شرائح موضوعة تحت ميكروسكوب: أكياس الثوم التي كانت مخاطة داخل قمصان الأطفال عندما كان والدها صغيراً لتحمي من الديدان، طريقة رفض جدتها لأبيها وهي امرأة ذات أسلوب أن تتبول واقفة كما فعل ريفيون آخرون، كيف غسلت جدتها لأمها وهي امرأة مقتصدة بالرماد واستعملت حرارة الموقد المتلاشية لتجفيف البرقوق. “هذه المعرفة- التي تم تسليمها من أم إلى ابنة على مدى الكثير من القرون- تتوقف عند جيلي،” تكتب إرنو. “أنا مجرد أمينة أرشيف”. لذا أخذت رماد الغسيل والبرقوق المجفف واستعملتهم لإنتاج سوسيولوجيا عن عالم ضائع. (كان بورديو ذو تأثير كبير).

لكن يوجد أيضاً جانب نفسي لما تفعله إرنو. كل من “مكان رجل” و”قصة امرأة” يبدأان بموت أحد الوالدين وليس فقط الموت، قبل أن نلتقي حتى بهؤلاء الأشخاص، ترينا إرنو جسديهما. ها هنا والدها الذي توفي فجأة في البيت في عمر السَّابعة والستين- عيناه المفتوحتان، لثته المكشوفة، العروق المتشعبة على صدره، حتى عضوه التناسلي بشكل موجز مكشوفة أثناء تغيير ملابسه من أجل الدفن- و هنا أمها، ملفوفة في شرشف في دار النقاهة حيث أمضت سنواتها الأخيرة، وقد ابتليت بمرض الزهايمر. هناك شيء ما  شديد البرودة و منفر بهذه الطريقة بالنظر ، الكلمات الأولى في “قصة امرأة “-” ماتت أمي يوم الاثنين السابع من نيسان”- تردد جملة كامو الشهيرة “اليوم ماتت أمي “، و قد يكون من الصعب العثور على نموذج أفضل  للانفصال. لكن الانفصال لا يساوي اللامبالاة دوماً. يبدو قرار إرنو هنا مشابهاً كثيراً لأداء طفل تعهد بأن يتصرف كبالغ، أن يكون جسوراً في مواجهة الرعب. يمكن للكتابة “المسطحة” أن تبدو سهلة، بل حتى غير بارعة. تقول إرنو، في الحقيقة إنه صعب بشكل مؤلم للغاية، لكن تقديم الرقة قد يفسد مشروعها بكامله:

عندما أفكر بطبع أمي العنيف، ثورانات العاطفة، وموقف تأنيبي، أحاول ألا أراها كجوانب لشخصيتها، بل أربطها بقصتها و خلفيتها الاجتماعية. هذه الطريقة في الكتابة التي تبدو أنها تقربني من الحقيقة، تحررني من العبء المظلم والثقيل للذاكرة الشخصية بتأسيس مقاربة أكثر موضوعية. ومع ذلك شيء ما عميق في الداخل يرفض أن ينصاع ويريد مني أن أتذكر أمي بمفردات عاطفية على نحو صرف- تأثر أو دموع- دون البحث عن تفسير.

ليست “الحقيقة” مفهوماً ثابتاً إلا بالكاد في الحياة أو في الأدب، وللحظة تسمح إرنو لنا بإلقاء نظرة خاطفة على نسختين منها في الحال: القشرة الباردة للواقع المادي و في الأسفل تغلي مشاعرها الشخصية المكبوتة بجهد. كان “مكان رجل” كتاب إرنو الرابع نجاحها الأول الكبير. فاز بجائزة رينودو، سمعت إرنو من جحافل القراء وليس فقط الفرنسيين منهم ممن شعروا بأنها كانت تكتب لهم وعنهم. لا يتجه الناس للاستجابة للسوسيولوجيا بهذا الشكل. قالت إرنو إنها أعطتهم “مرآة”. بمعنى آخر، أعطتهم فناً.

في الوقت نفسه، تقول إرنو ، الكتابة المسطحة جاءتها بشكل طبيعي. كانت اللغة الخط الفاصل الأصلي بين المكان الذي جاءت منه عائلتها والمكان الذي كانت ذاهبة إليه. بلانش التي كان “همها المهيمن” أن تمنح ابنتها “كل شيء لم تحصل عليه”، أصرت على إرسال آني إلى مدرسة كاثوليكية خاصة. صحح لها مدرسوها إذا انزلقت في اللهجة النورماندية، وعندما ذهبت إلى البيت صححت هي لوالديها.

 “كيف تنتظرون مني أن أتحدث بشكل صحيح إذا كنتما تواظبان على ارتكاب الأخطاء؟” تتذكر إرنو سؤالها والدها وهي تبكي.

 عندما في عمر التاسعة عشرة غادرت فرنسا لتعمل جليسة أطفال في لندن، كتبت لها أمها رسائل قاسية مبلغة إياها عما كان يجري في الحي، عمن مات، وعن الطقس. أجابت إرنو بلطف: “أي محاولة في الأسلوب كانت اعتبرت تنكراً”.

ارتادت إرنو الجامعة في روين حيث درست الأدب. التهمت روايات القرن التاسع عشر وأحبَّت جسارة الوجودية. لكن ما احتاجت إليه لكتابتها كان “لغة أخرى”، لغة تجهلها الطبقة المتعلمة. سمحت الكتابة ببساطة قدر المستطاع لإرنو أن تكون مفهومة من قبل والديها ولاحقاً من قبل أناس مثلهما. سمحت لها أيضاً أن تختفي. في “قصة امرأة” تدعو إرنو حقيقة كون أمها “أمضت طوال اليوم تبيع الحليب والبطاطا ما مكنني من الجلوس في قاعة المحاضرات وتعلمت عن أفلاطون” “ظلماً سافراً”.

هذا بلا شك صحيح لكن موضوعي، مثل النشرة. فقط أثناء كتابة “العار” بعد عشر سنوات من موت بلانش، تمكنت من التعبير عن مشاعرها حول انفصالهما. متحررة بصدمة هجوم والدها على والدتها- رجل حسن الطوية انتتر ذات يوم تحت ضغط تهديد بلانش واختطف محشَّاً-  حل العار على آني البالغة من العمر أحد عشر عاماً كنوع من بلوغ استثنائي، شرط مبرم علَّم نهاية طفولتها. رأت  العلامات المذلة لوضع عائلتها في كل مكان: في المدرسة، واجهت “لامبالاة وازدراء” فتيات أخريات، عند طبيب الأسنان حيث سئلت إذا الأسنان المنخورة  تؤلم لدى شربها مشروب التفاح، شراب الطبقة العاملة. ومع ذلك عمل العار كحافظ للماضي. كان لدى بروست   مادلين. قد تكون طريقة إرنو باستحضار الزمن المفقود أقل عذوبة لكنها تعمل أيضاً تماماً. في الثانية والعشرين أخذت إرنو عهداً على نفسها: “عندما أبلغ الخامسة والعشرين سوف أنتحر إن لم أحقق وعدي بكتابة رواية”. كتبت واحدة عندها لكنها لم تتمكن من نشرها. مع ذلك اختارت الحياة- أو كلا منهما. تزوجت وأنجبت طفلين وأصبحت مدرِّسة. التقت بفيليب إرنو في بوردو حيث درس العلوم السياسية وحصلت على شهادتها التدريسية.” ناقشنا جان بول سارتر و الحرية، ذهبنا لمشاهدة فيلم انطونيوني  “المغامرة”،  تشاركنا  وجهات النظر اليسارية نفسها “، تكتب إرنو. لكن بعد أن تزوجا في العام 1964 انتقل الثنائي إلى آنيسي  حيث عمل فيليب و استقرا نحو روتين منزلي ضيق. اعتنت إرنو بالمنزل، طهت الوجبات، واعتنت بالأطفال أثناء تنقلها إلى الفصول وتصحيح الأوراق الامتحانية- “امرأة ليس لديها وقت لتوفره”. أخفت حياتها الأخرى تلك التي ذات “وجود أدبي”، تكتب في السر لتخفي عملها عن عيني زوجها.

في هذا كان لديها متعاون غير متعمد. بعد وفاة ألفونس باعت بلانش المقهى -البقالية وذهبت لتقيم مع إرنو وعائلتها. “جلبت لي كل دفاتري، دفاتر الرياضيات، كل شيء كان لدي، لكن ليس دفاتر مذكراتي”، أخبرتني إرنو. “لم أجرؤ على القول لها، “ماما لماذا لم تجلبي دفاتر مذكراتي؟ عرفت ما قد تقول: بسبب ما كان فيها “تبين أن بلانش تخلصت من دفاتر المذكرات: كل ما كتبته إرنو من عمر السادسة عشرة حتى الثالثة والعشرين. “فعلت ذلك كي لا يتمكن زوجي من قراءتها على الإطلاق”، قالت إرنو. “لتحفظ ماء وجهي بشكل أساسي”. لاحقاً سوف تبصقين في وجوهنا، اعتادت بلانش أن تشتكي عندما أبدت آني إشارات على التمرد الفتي. ولو أن بلانش كانت تميل أحياناً لترى ابنتها “منافسة طبقية”، كما كتبت إرنو، هي مع ذلك عاشت في خوف من أن إرنو قد تراودها نفسها لتعود إلى نقطة البداية.

هذه الفترة المنزلية عندما كان ابنا إرنو صغيرين و زواجها لا يزال متماسكاً تشكل أساس “السنوات الثماني الرائعات”. في العام 1972 اشترى آل إرنو كاميرا لتصوير فيديوهات منزلية. كانت فكرة ديفيد إرنو بريوت  أن يحول عقداً من المشاهد المصورة المتحصلة إلى فيلم. أرسل مقطعاً إلى أمه وطلب منها أن تكتب وتسجل نصاً ليترافق مع الصور، وهذا ما فعلته أثناء العزلة في بداية الجائحة. صوتها- عن عمد بطيء وجذاب، بل حتى خفيف على نحو بناتي- استخدم على أنه الموسيقا التصويرية الأساسية للفيلم. أردت أن أعرف كيف بدا لها أن تتعاون مع ابنها؟

“أوه لكني لم أتعاون”. قالت وضحكت.

مع ذلك كانت هذه الطريقة من العمل الترادفي جديدة على إرنو. كانت قد استعملت صوراً كمحفزات من قبل بشكل ملحوظ في كتاب “السنوات” العام 2008 وهو كتابها الأكثر صراحة، صورة جيلية كاسحة فيها تعلم الفترة الزمنية بوصف صور لنفسها معرضة صورتها الخاصة لنفس التحديقة الصريحة التي طبقتها على جسدي والديها. هنا مع ذلك كانت موجهة من قبل شخص آخر- تحديقة فيليب المصور السينمائي بحكم الواقع للفيلم الذي كما أشارت إرنو بجفاء عند عرض الفيلم في مهرجان نيويورك مات في العام 2009 إثر إصابته بسرطان مدخن”. لم يخطر قط لأي منهما أنها قد تستعمل الكاميرا بنفسها. كان التصوير عمل رجل.

بطبيعة الحال، سرد إرنو يقيم على تشابك الشَّخصي والسِّياسي. هناك رحلات إلى وجهات غير معتادة مثل البانيا الشُّيوعية وتشيلي الليندي التي رآها الثنائي بحزن كرؤيا لما كان ممكناً أن تصبح عليه فرنسا لو نجحت انتفاضة العام 1968. غالباً هناك حياة بيتية ناضجة لفك الشيفرة كأي ثقافة أجنبية. إرنو ساخرة حول موضوع التصميم الداخلي للثنائي، ورق الجدران المنقوش وأغراض مختارة بعناية من متاجر الانتيكات، “كل الأشياء التي وسمتنا على أننا قادمين جدد إلى البرجوازية”. من ثم هناك إرنو نفسها.” في الفيلم أنا غالباً أتكلم عن نفسي بصيغة الغائب لأني حقاً شخص آخر”، قالت لي إرنو. في أحد المتتاليات المصورة في مهرجان بيروث في صيف العام 1973 تقف إرنو بمواجهة الكاميرا، تبدو تماماً مثل الزوجة الشابة العصرية التي هي عليها. سلفاً مع ذلك هي في طريقها لتصبح شخصاً آخر. سريعاً ستعرف أن الكتاب الذي كانت تؤلفه قد تمت الموافقة على نشره. “خزائن فارغة” الذي ظهر في السنة التالية هو رواية سيرة ذاتية عن طالبة تدرس الأدب تفكر في شبابها أثناء خضوعها لعملية إجهاض غير قانونية. أرسلت إرنو عبر البريد المخطوط ببساطة إلى غاليمار دون أن تخبر أحداً.

لا ينحو الناس لتصوير جدالاتهم ومشاجراتهم.  أشارت إرنو إلى مغازلة زوجها، لكن كما هو متوقع هي ميالة لاعتبار انفصالهما ظاهرة اجتماعية بقدر ما هو ظاهرة خاصة. “من كل من حولهم تكاثر الطلاق “، تكتب إرنو في “السنوات” مشيرة إلى زمرتها من النساء اللواتي نشأن وقد قيل لهن أن الجنس قبل الزواج خطيئة والحمل خارج الزواج كارثة فقط لترى الجيل التالي قوبل” بموافقة إجماعيه” عندما تفادوا الهيكل. في العام 1981 نشرت إرنو روايتها الثالثة “امرأة متجمدة” وهي عن زوجة شابة و أم تشعر بأنها مخنوقة بقيود الحياة المنزلية.  هنا عندما فيديوهات العائلة. غادرت إرنو الزواج إلى الأبد.

الآن إرنو جاءت إلى حياتها الخاصة. نشرت الكتب عن والدها وأمها. كان لديها جمهور، اسم. ثم في العام 1991 جاء “شغف بسيط” وكل شيء اعتقد القراء أنهم عرفوه عن هذه المرأة المكظومة العقلية خرج من النافذة. “من أيلول السنة الماضية لم أفعل شيئاً آخر سوى انتظار رجل: كي يتصل بي و أن يأتي إلى بيتي”، تكتب إرنو في البداية.  الصفحات الستون تقريبا اللاتي تبعت تساوي سرداً عن عبودية بالإرادة .خلال الأشهر من علاقتها مع أ كما تدعو حبيبها، تميل إرنو نحوه كما تميل زهرة نحو الشمس. تبقى في البيت عندما يجب أن تخرج، لا تستعمل المكنسة الكهربائية خوفا من أن يطغى صوتها على رنين الهاتف. أ أجنبي من شرق أوروبا ضعفه  تجاه الرفاهية الغربية يذكر إرنو بنفسها عندما كانت مراهقة “محدثة النعمة” تتوق إلى الفساتين و العطلات التي امتلكها أصدقاؤها الأكثر ثراء. أ لا يشاركها شيئا من اهتماماتها الفكرية، لكن ماذا يعني هذا؟ هي بنفسها يمكنها فقط الاستماع إلى أغاني الحب.

بعد أن يعود أ. إلى وطنه، تكتئب إرنو. تفكر أنه لو نقل لها الإيدز ، “على الأقل يكون قد ترك لي ذلك”. ومع ذلك في هذا الكتاب المشبع بالجنس لا يوجد الكثير من الجنس. إرنو  في معظم  صورها في المقدمة حيث تصف مشاهدة فيلم  مصنف جنسي على التلفزيون مندهشة بتصويره الواقعي لما كان محرماً لقرون. تفكر أن الكتابة يجب أن تحاول تحقيق الأثر نفسه: “شعور بالقلق والتخدير، ايقاف الحكم الأخلاقي”.

كان “شغف بسيط” من الكتب الأكثر مبيعاً وهذا ليس مفاجئاً، لو اختبرت العذاب من النوع الذي تصفه إرنو، لن تصادف تصويراً أكثر تركيزا له. مع ذلك شعر بعض القراء بالخيانة. عندما دعيت إرنو لتتحدث في ويلسلي، هاجمها الطلاب لكونها خنوعة. ألم تدعي أنها نسوية؟ نعم، وهذا ما جعل “شغف بسيط” قوياً إلى هذه الدرجة ومرعباً للغاية. تمكنت إرنو من نقل القوة التي بها  يمكن للرغبة أن تحول بقية الحياة- بقية النفس- فارغة تواً. لم تكن توصي النساء أن يفقدن عقولهن من أجل رجل. كانت تصف ما يبدو عليه عندما يحدث كما قد تصف إعصاراً سوى منزلك بالأرض.

بعد عقد من الزمن فعلت إرنو شيئاً مفاجئاً ونشرت مقتطفات من اليوميات التي واظبت على كتابتها خلال العلاقة. كان ذلك الكتاب” الضياع” قد صدر في الولايات المتحدة في شهر أيلول بترجمة أليسون ل ستراير. هنا أخيراً الجنس الذي أسقطته إرنو غالباً في “شغف بسيط”- الوضعيات، سوائل الجسد- وعذاب الانتظار، عرضت في كل شقاءها وقته الحقيقي. ” كانت حياتي برمتها جهداً لانتزاع نفسي من رغبة ذكر، بتعبير آخر من رغبتي الشخصية”، تعترف إرنو. (ربما كان لدى طلاب ويليسلي وجهة نظر محقة). إرنو ليست كقاعدة كاتبة مسلية لكن الخلاف بين عقلها المتطور على نحو ممتاز والمتطلبات الغاشمة لجسدها تنتج لحظات من الكوميديا الحقيقية. عندما تفقد عدسات لاصقة وتجدها على عضو حبيبها أول ما يخطر في بالها هو زولا الذي فقط نظاراته بين أثداء النساء”.

ثم هناك الوهدة بين تفرغها لحبيبها- “ادمان” قد تكون الكلمة الأفضل- ووعيها لتوسطه الواضح. الآن دعي بحرف اسمه الأول الحقيقي س، يتبين أنه عضو في الحزب الشيوعي السوفيتي ويبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، التقته إرنو في عمر الثامنة والأربعين في رحلة كاتب إلى الاتحاد السوفيتي “ثانية أتشوق لرؤيته”، تسجل. “ومع ذلك كل ما يتعلق به هذا: هو يضاجع، يشرب الفودكا ويتحدث عن ستالين”.

هنا إرنو تخاطر في المسايرة. “السنوات” التي تغطي الفترة من 1941 حتى العام 2006 و هي على وجه الخصوص كونية في نبرتها ومجالها، تجري على مدى مئتي صفحة لكن “الضياع” أطول بشكل من الأشكال. ما الذي دفعها للنشر؟ أخبرتني أنها في الفترة التي تبعت العلاقة،  “كنت ممنوعة من قراءة اليوميات من قبل عاشق غيور للغاية”. وافقت على ختمها في مغلف، حيث بقيت حتى انفصالهما بعد ست سنوات.” ثم قرأتها واكتشفت أنها تمتلك وحدة رائعة. لكنها لم تكن على الإطلاق مشابهة “لشغف بسيط”. كان نص آخر. وكنت امرأة أخرى أيضاً. شعرت كما لو أني كنت أقرأ رواية. كانت الكتابة نفسها التي كانت تعمل علي كما لو أني لم أعرف ما الذي سيحدث لاحقاً!” هذا كان الاستسلام الطرب ليس من قبل عاشق بل قارئ. كانت إرنو مطعونة بشخصية خيالية صادف أن تكون هي نفسها.

هذا المفهوم في أن تصبح امرأة أخرى- عن النفس وقد غيرها مرور الزمن- ينعش كل أعمال إرنو. كما تقول في “العار”، الكتابة عن نفسها المتلاشية والأصغر سناً هي واحدة من طريقتين فقط تعرفهما “أن أجمع كل واحدة منا  معاً”. (الآخر، ذروة النشوة، “لحظة  يكون إحساسي بالهوية والتماسك في أعلى مستوياته”، هو أكثر زوالا وهذا غني عن القول). لكن، تشرح في “شغف بسيط”، فترة الوقت يمكن أن تكون أيضاً راحة بل حتى ضرورة إبداعية .

بطبيعة الحال لا أشعر بالعار من كتابة هذه الأشياء بسبب الوقت الذي يفصل لحظة كتابتها- عندما أنا أستطيع رؤيتها فقط – عن اللحظة التي سوف تكون مقروءة من قبل أشخاص آخرين، لحظة أشعر أنها لن تأتي مطلقاً. مع حلول ذلك الوقت قد أكون أصبت في حادث أو مت، قد تكون اندلعت حرب أو ثورة. هذا التأخير يمكنني  أن أكتب اليوم بنفس الطريقة التي اعتدت فيها أن أستلقي في الشمس اللافحة ليوم كامل عندما كنت في السادسة عشرة أو أمارس الحب دون تناول حبوب منع الحمل في العشرين دون التفكير بالعواقب.

تنهي إرنو أحياناً كتبها بتواريخ تأليفها، كما لو لتربطها بتلك الفترة العزيزة عندما عاشت معها بمفردها. كان “الحدث” نشر في العام 2000 قد تم تأليفه بين شهري شباط وتشرين أول من العام 1999، ستة وثلاثين عاماً بعد حدوث الأحداث. “كان لدي إحساس بالكتابة خارج الزمن” أخبرتني إرنو. كان الإجهاض قد سمح في فرنسا منذ العام 1975 واعتبره الناس شيئا مسلما به، لم يبد أحد أنه مهتم بإحياء ذكرى النضال الذي قادته سيمون فيل لتشريعه أو بتذكر الرعب الذي واجهته النساء قبل ذلك. “هناك مسيرة كل رابع عشر من تموز”، قالت إرنو. “نحتفي بذلك، ليس مفروض بنا أن ننسى. لكن لو أنه يهم النساء؟ كل شيء انتهى لا أحد يحتاج للتحدث عنه. كان لدي شعور أني قد أموت ذات يوم ولن يكون هناك أثر له. ما كنت لأكون قادرة على نقل أيا يكن ما احتجت له”.

ما احتاجت إرنو لنقله في ذلك الكتاب الراسخ الكليل كان ما يشبه أن تسعى لاجهاض في خريف العام 1963 وشتاء العام 1964 عندما كل من قام بإجهاض أو سعى لإجهاض أو شجع عليه أو حتى  أيد استعمال منع الحمل قد يكون مغرماً ويرسل إلى السجن. كانت إرنو تدرس في روين عندما اكتشفت أنها حامل. “بطريقة ما شعرت بوجود اتصال بين خلفيتي الاجتماعية وظرفي الحالي”، تكتب.  الكثير من أجل تعليمها الفاخر: “افتضح أمري، والشيء الذي ينمو في داخلي رأيته كوصمة عار من الفشل الاجتماعي”. مع ذلك فكرت أن الحصول على اجهاض قد يكون سهلاً. كانت قد قرأت عن عمليات الإجهاض في الروايات وقد سمعت عن نساء في ايفيتوت يناقشن في الخفاء. عرفت أنه قد يكون مؤلما، لم يكن لديها فكرة أنها قد تموت.

عرفت. على الرغم من أن “الحدث” مكتوب بوضوح إرنو المعتاد والثاقب، يبدو أن الكتاب يكشف نوعا من فجر خانق عندما أقفلت الجادات التي نشدتها آني البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاما أقفلت في وجهها، واحدة تلو الأخرى. يدعوها صديق تثق به وتحكي له إلى العشاء مع زوجته وطفله ثم يحاول إغواءها. الأطباء يرفضون المساعدة. تحاول آني بيأس أن تجد صديقاً لصديق مشاع أنه يعرف أخصائي بالإجهاض. يفترض بها أن تعمل على أطروحتها، عن الكاتبات السرياليات لكنها يمكنها أن تركز فقط على واقعها الأنثوي. “بطريقة غريبة كان عجزي عن كتابة أطروحتي مروعاً أكثر بكثير من حاجتي للإجهاض”، تكتب إرنو. “كنت قد توقفت عن كوني “مثقفة”. لا أعرف إذا ما كان هذا الشعور شائع. إنه يسبب ألماً لا يصدق”. نوع مختلف من الألم يتبع محاولة فاشلة لحل مشكلتها بزوج من إبر الحياكة. في هذه الأثناء تشعر بأن “الزمن يتدفق داخلي وخارجي”- التقويم العادي يتحرك قدماً، تقويمها يعود إلى الخلف.

لقد تم التكهن بالفعل بأن كتابة إرنو عن الإجهاض قد تكون السبب الذي جعل لجنة تحكيم نوبل ترى من المناسب منح الجائزة لها هذه السنة بعد أقل من أربعة أشهر على إسقاط قانون  رو ف. ويد Roe v. Wade الذي شرع الإجهاض في امريكا. خلال زيارتها في شهر أكتوبر لبارنارد سئلت  إرنو غالباً كما لو  أنها سياسية إذا ما كانت ترغب بقول شيء للنساء الاميركيات. أجابت أنها وجدته استثنائيا أن الولايات المتحدة التي كانت قد شرعت الإجهاض قبل فرنسا يجب أن” تعود إلى الهمجية”.  هذه الملاحظة استدعت التصفيق من قبل الحاضرين. لكن “الحدث” عندما نشر حصل على رد فعل فاتر. “كان كتاباً أزعج الناس”، أخبرتني إرنو. بعيدا عن الأحداث نفسها المنقولة بدقة خانقة بما لا يطاق- الإجهاض وما يحدث بعده وحشي للغاية حتى أن اقتباس الفيلم يبدو لطيفاً بالمقارنة- هناك افتقار إرنو الكلي للشعور بالذنب حول ما فعلته. قد  لا يكون هناك مسيرة لكن لسنوات احتفت ليلة العملية ك”ذكرى سنوية”.

أخبرتني إرنو إنها خلال السنوات القليلة الماضية كان لديها الإحساس بأنها حققت مساراً معيناً. “لا ليس مساراً. مقصداً”. ضحكت لكنها عنتها. “ليس مقصداً بمعنى أنه كان مقدرا منذ البداية. بل مقصد تم بناءه شيئا فشيئا بالطبع”.

سبب واحد كبير من أجل ذلك هو كتاب  “قصة فتاة “الذي نشرته إرنو في العام 2016 . يتعامل الكتاب مع صيف العام 1958 عندما غادرت إرنو التي كانت في الثامنة عشرة من عمرها تقريبا البيت بمفردها للمرة الأولى لتعمل كمرشدة في مخيم صيفي. في ليلتها الثالثة هناك اختارها رئيس المرشدين البالغ من العمر اثنين وعشرين عاما من أجل مواعدة، مع ذلك أن نصف لقاءهما بتلك الكلمة قد يفهم على أنه علاقة غرامية أو على الأقل استمتاع. آني طفلة وحيدة محمية على قدر كبير من السذاجة الاجتماعية، فتاة “لا تعرف كيف تجري اتصالا هاتفيا، لم يسبق لها أن أخذت حماما في مغطس ” تشعر بنفسها حرة وعلى شفير الحياة مستعدة لتهرب من البيت، وتحظى بمغامرات وتقع في الحب. الآن هي مستلقية على سرير رجل غريب و تشاهد بينما  يستعمل جسدها من أجل متعته. لكن التجربة ليست “مرعبة ولا مخزية، فقط خضوع لما كان يحدث”. بعيدا عن رؤية نفسها ضحية تصبح مكرسة بعبودية لواقعة خضوعها أمام هذا “السيد” اللا مبالي.

يشكل الحدث الحارق جوهر الكتاب. تبني إرنو حوله قصة بوليسية من نوع ما. آني من العام 1958 شخص مفقود. لا توجد صور لها من ذلك الصيف. حرقت أمها اليوميات التي واظبت على كتابتها. لكن إرنو تعرف أن الفتاة لا تزال حية، كانت تعيش داخلها لعقود. هي عند جذر كل ما أصبحت إرنو عليه كامرأة وككاتبة والآن لا بد أن تتم مواجهتها بشروطها الخاصة.

بدا أن هناك شيء ما محرر في هذا، لكن إرنو لا توافق.

“لم أفكِّر في الكتابة قط على أن تكون شكلاً من أشكال الانعتاق”، قالت. “الصورة التي أملكها دوماً صورة نزول، تعميق شيء ما. ولا يوجد الكثير من الحرية هناك في الأسفل، ليس حقاً. غالباً عندما أتحدث مع كتاب آخرين- مع كاتبات – تختلف الصورة التي نملكها عن الكتابة. بعض منهن يقلن إنه بالنسبة لهن إنها طريقة للصعود نحو شيء ما. لكن بالنسبة لي إنه العكس تماماً. ليس ذهاباً إلى الأسفل بالضبط. لكن في بئر”.

 ما الذي يشدها إلى الأسفل؟ فكرة من نوع ما؟ لا: “هاجس”.

صورة البئر تعيد إلى الذهن مهمة إنقاذ. إرنو المتفانية للغاية في تأريخ ما تدعوه “تخدير الواقعي”، لديها جانب غامض أيضاً. “يبدو لي أني حررت أخيراً فتاة العام 1958، كسرت التعويذة التي أبقتها سجينة لما يزيد عن خمسين عاماً”. تكتب إرنو عن ذاتها الأصغر سناً. هذا منتصر، ساحر، قد ينفع لأن يكون نهاية رائعة. لكنه ليس نهاية الكتاب، فقط نقطة المنتصف. كل النهايات مؤقتة في عالم إرنو. معنى ما تصفه لا يني يتبدل مع تبدل الزمن. سوف يكون النقاد مستدرجين للإشارة لنتاج إرنو، هذه الخمسين عاماً من ريادة مغاور النفس، على أنه عمل فني ، لكنها تكره تلك الكلمة. “العمل الفني” شيء مغلق، أخبرتني. “وعملي لن يكون مغلقاً إلا بموتي “.

نشرت في النسخة المطبوعة من إصدار الـ 21 من شهر نوفمبر 2022 تحت عنوان “الذاكرة تخدم”.

https://www.newyorker.com/magazine/2022/11/21/annie-ernaux-turns-memory-into-art

كنت منذ عدة أيام أتصفح مدونتي لأرى ماذا كنت قد نشرت في مثل هذه الأيام السنة الماضية كي أعيد مشاركة هذه التدوينات إن كانت مناسبة، فوجدت قصيدة للمغني والشاعر الكندي ليونارد كوهين التي تحمل عنوان ” إلى أي، جي، بي” وعلى الأغلب أن المقصود بهذا الإهداء هو ادوين جون دوف برات المولود في العام 1882 والمتوفى في العام 1964 وقد كان شاعراً كندياً من الرواد في زمنه، وفاز ثلاث مرات بجائزة الحاكم العام للبلاد وكان قد سمي بالشاعر الكندي الأول في النصف الأول من القرن العشرين.
لكن في الحقيقة عندما أعدت قراءة ترجمتي للقصيدة وجدت أن الترجمة بحاجة للمراجعة لأني وجدت غموضاً وأنها لا تزال غير مفهومة لي تماماً، يبدو أني تسرعت في ترجمتها كما يحدث في كثير من الأحيان، ولا سيما في البداية عندما يتحدث ليونارد عن قصائد صينية وكؤوس النبيذ، فذهبت إلى التسجيل على يوتيوب حيث يقرأ ليونارد القصيدة بصوته لأعيد الاستماع إليها حيث يقول:

I once believed a single line
in a Chinese poem could change
forever how blossoms fell
and that the moon itself climbed on
the grief of concise weeping men
to journey over cups of wine

اعتقدت فيما مضى أن بيتاً واحداً من الشعر
في قصيدة صينية بوسعه أن يغير
إلى الأبد كيفية تساقط الأزهار
وأن القمر بنفسه تسلق
حزن رجال ضئال القامة يذرفون الدموع
ليرتحل فوق أكواب مترعة بالنبيذ


وهكذا إلى آخر القصيدة التي يمكنكم قراءتها على المدونة بالطبع، لكن لحسن الحظ وجدت تعليقا على الفيديو حيث يقرأ ليونارد القصيدة بصوته وفيه يشير الشَّخص صاحب التعليق إلى ما قصده ليونارد بحديثه عن النبيذ والقصائد الصينية الا وهو ما يسمى باجتماع خيمة الأوركيد!
منذ 1600 عام كان اجتماع خيمة الأوركيد حدثاً ثقافياً وشعرياً أثناء حكم أسرة جين بين العامين 266-420 من عصر السلالات الست الحاكمة في الصين. يحظى هذا الحدث نفسه باهتمام موروث وشعري فيما يخص تطور الشِّعر المكتوب في وصف الطبيعة والأفكار الفلسفية للفيلسوف الصيني جوانزي. يشتهر اجتماع خيمة الأوركيد أيضاً بمهارة وانغ شي جي الفنية في فن الخط الكاليغرافي، وكان وانج أحد المشاركين بالإضافة إلى كونه المؤلف والخطاط للتصدير للقصائد التي تم تأليفها عند خيمة الأوركيد.
في العام 353 التقى الخطاط المعروف وانغ شي جي307–365 Wang Xizhi مع أصدقائه عند خيمة الأوركيد للاحتفاء بمهرجان الربيع وأقاموا مسابقة شعرية. كان عددهم 42 على جبل كوايجي تماماً جنوب منطقة كوايجي ، في اليوم الثالث من الشَّهر الثالث، لتأليف القصائد وشرب خمر هوانغ جو وهو نبيذ الأرز. انخرط الرجال في مسابقة للشرب عرفت باسم الكؤوس الطافية على مجرى مائي متعرج، كانت أكواب مملوأة بنبيذ الأرز تطوف على جدول صغير متعرج بينما كان الرجال يجلسون على طول ضفتيه، كلما توقف كأس كان على الرجل الأقرب إليه إفراغه وكتابة قصيدة. في النهاية، ألف ستة وعشرون من المشتركين سبعة وثلاثين قصيدة. عندما انتهى وقت كان احد عشر رجلا من بين المشاركين قد ألف كل واحد منهم قصيدتين وخمسة عشر رجلا ألف كل واحد منهم قصيدة واحدة، الرجال الستة عشر الذين لم يتمكنوا من تأليف أي شيء ومن بينهم خيانجي، ابن وانغ عوقبوا بشرب ثلاث كؤوس إضافية من النبيذ. صور الرسام الصيني تشيان غو Qian Gu هذا الحدث الأدبي الشهير حوالي العام 1556، عامت كؤوس النبيذ على وجه المياه بينما اصطف الشعراء على كلا الضفتين شربوا بحرية وكافحوا لإنهاء قصائدهم.

يمكنكم الاستماع إلى هذه التدوينة على ساوند كلاود هنا:

وهذا الرابط على يوتيوب:

عن الكتابة- ريموند كارفر

في منتصف السِّتينات وجدت أني لم أعد قادراً على صبِّ تركيزي لوقت طويل بغرض تأليف كتاب روائي طويل. واجهت لفترة من الوقت صعوبة في محاولة قراءة مثل هذه الكتب، ناهيك عن تأليفها. كانت سعة انتباهي قد فارقتني، ما عدت أتحلى بالصَّبر لمحاولة تأليف الروايات. إنها قصَّة معقَّدة، مملة للغاية فلن أتحدث عنها هنا. لكني أعلم الآن أنها تتعلق إلى حدٍّ بعيد بما يدعوني لكتابة الشِّعر والقصص القصيرة. ادخل، واخرج. لا تتباطأ. امض في طريقك. قد يكون الأمر أني افتقدت لأي مطامح عظيمة في الوقت نفسه تقريباً عندما كنت في أواخر عشريناتي. إذا كان هذا صحيحاً، أعتقد أن حدوثه كان جيداً. الطموح وقليل من الحظ أشياء من الجيد لكاتب امتلاكها. يمكن للكثير من الطموح والحظ السيء، أو دون حظ على الإطلاق، أن تكون قاتلة. لا بد من وجود موهبة.
يتمتع بعض الكتاب بعدد من المواهب، جميع الكتاب الذين أعرفهم يتمتعون بها. لكن طريقة مميزة ودقيقة بالنظر إلى الأمور وإيجاد السِّياق الصَّحيح للتعبير عن تلك الطريقة فإنه أمر آخر. العالم بحسب غارب هو بالطبع العالم البديع وفق جون ايرفينغ. يوجد عالم آخر بحسب فلانري أوكونر، وآخر بحسب وليم فوكنر وارنست هِمينغواي. هناك عوالم بحسب شيفر، ابدايك، سينجر، ستانلي الكين، آن بيتي، سينثيا اوزيك، دونالد بارثيلم، ماري روبنسن، وليم كيتريدج، باري هانا، اورسولا ك. لو جوين. يخلق كل كاتب عظيم، أو حتى كل كاتب ممتاز عالماً وفق مواصفاته الخاصة.
ما أتحدث عنه قريب من الأسلوب، لكنه ليس الأسلوب وحده. إنه إمضاء الكاتب الخاص والجلي على كل ما يكتبه. إنه عالمه وليس عالم أي شخص سواه. هذا واحد من الأمور التي تميز كاتباً عن الآخر. وليس الموهبة. يوجد الكثير من ذلك هنا وهناك. لكن الكاتب الذي يتمتع بطريقة خاصة بالنظر إلى الأمور ويسبغ تعبيراً فنياً على تلك الطريقة: قد يكون ذلك الكاتب موجوداً لحين من الزمن.
قالت ايساك دنسن إنها كتبت كل يوم القليل، بلا أمل أو يأس. ذات يوم سوف أدون ذلك على بطاقة صغيرة وأعلقها على الحائط قرب مكتبي. لدي بعض البطاقات المشابهة على الجدار الآن. ” الدقة الأساسية بالتعبير هي الفضيلة الوحيدة المنفردة للكتابة “. عزرا باوند. إنها ليست كل شيء بأي شكل من الأشكال، لكن إذا امتلك الكاتب “دقة أساسية في التعبير”، فإنه على الأقل على الطريق الصَّحيح.
أعلق على حائطي بطاقة مدون عليها هذا الجزء من عبارة تضمنتها قصة ألفها تشيخوف: “وفجأة اتضح له كل شيء “. أجد هذه الكلمات مفعمة بالدهشة والامكانية. أحب وضوحها البسيط، والتلميح عن الكشف المضمر. يوجد غموض أيضاً. ما الذي لم يكن واضحاً من قبل؟ لماذا فقط الآن يصبح واضحاً؟ ما الذي حدث؟ ماذا الآن؟ – أكثر من أي شيء آخر. هناك عواقب كنتيجة لمثل هذه الصحوات المفاجئة. ينتابني إحساس حاد بالارتياح والترقب.
سمعت الكاتب جيفري وولف يقول لمجموعة من طلاب صف الكتابة: “لا للخدع الرخيصة”. ينبغي تدوين تلك العبارة على بطاقة صغيرة. قد أعدلها قليلاً لـتصبح” لا للخدع”. نقطة. أكره الخدع. ما إن أرى العلامة الأولى على خدعة أو وسيلة للتحايل في قطعة أدبية، سواء كانت خدعة رخيصة أو حتى خدعة مدروسة، أميل للتوقف عن القراءة. الخدع مملة للغاية، وأنا شخص سريع الملل، هذا قد يتماشى مع عدم قدرتي على إطالة التركيز. لكن كتابة ذكية مفرطة في البهرجة ، أو حتى مجرد كتابة سخيفة بسيطة، تصيبني بالنعاس.
لا يحتاج الكتَّاب إلى الخدع أو وسائل للتحايل أو حتى بالضَّرورة ليسوا بحاجة لأن يكونوا الأكثر ذكاءً من بين زملاءهم. عرضة لخطر الظهور بمظهر الأحمق قد يكون الكاتب بحاجة أحياناً إلى مجرد القدرة على الوقوف والاندهاش لرؤية هذا الأمر أو ذاك- غروب أو حذاء قديم- باستغراب بسيط وقطعي. قال جون بارث منذ بضعة أشهر في مجلة نيويورك تايمز بوك ريفيو إنه منذ عشر سنوات معظم الطلاب في ندوته الدراسية المخصصة للكتابة الأدبية كانوا مهتمين بـ”الابتكار الشكلي”، ويبدو أن الحال لم يعد كذلك. هو يشعر ببعض القلق من أن الكتاب سوف يبدؤون بتأليف روايات سخيفة في الثمانينات. هو قلق من أن التجريب قد يكون مشارفاً على الانتهاء بالإضافة إلى التحررية. يصيبني بعض التوتر إذا ما وجدت نفسي على مرمى السَّمع من نقاشات كئيبة حول “الابتكار الشكلي” في كتابة الأدب. في كثير من الأحيان “التجريب” رخصة لكي تكون متهاوناً، سخيفاً، أو زائفاً في الكتابة. بل أسوأ، رخصة لمحاولة تغريب القارئ أو تجريده من انسانيته.
في كثير من الأحيان لا تقدم لنا مثل هذه الكتابة أية اخبار عن العالم، وإلا تصور منظراً صحراوياً و هذا كل ما في الأمر- بعض كثبان رملية و سحالي هنا وهناك، لكن ما من أشخاص، مكان غير مسكون بأي شيء بشري على نحو يمكن ادراكه، مكان لا يهم إلا بعض المختصين بالعلم. يجب أن نلحظ أن التجريب الحقيقي في الأدب أصيل، ومكتسب بمشقة و باعث على الابتهاج. لكن طريقة شخص آخر بالنظر إلى الأمور، بارثيلم على سبيل المثال، يجب ألا تتبع من قبل كتاب آخرين. لأنها لن تنجح. يوجد بارثيلم واحد فقط، وإن محاولة كاتب آخر تملك حساسية بارثيلم الخاصة أو أسلوبه في رسم المشاهد تحت اسم الابداع ليس إلا فوضى وكارثة بل ما هو أسوأ، خداع الذات. يجب على التجريب الحقيقي أن يجعله جديد، كما أصر باوند، و في غضون ذلك عليه أن يجد أشياء تخصه. لكن إذا لم يفقد الكتاب أصالة الرأي ، هم أيضاً يرغبون بالبقاء على اتصال معنا، يرغبون بنقل الأنباء من عالمهم إلى عالمنا.
من الممكن في قصيدة أو في قصَّة قصيرة، أن تكتب عن أمور وأشياء مألوفة مستعملاً لغة مألوفة لكن دقيقة ولتمنح هذه الأشياء- سواء كانت كرسياً، ستارة نافذة، شوكة، حجراً، قرط امرأة- قوة هائلة، بل حتى مروعة. من الممكن أن تكتب سطراً من حوار غير مؤذ ظاهرياً وتجعله قادراً على أن يصيب القارئ بالقشعريرة- مصدر البهجة الفنية، كما كان لنابوكوف أن يفعل. هذا النوع من الكتابة الذي يثير اهتمامي أكثر من أي نوع سواه. أكره الكتابة القذرة أو الاتفاقية سواء كانت ترفرف تحت راية التجريب وإلا بخلاف ذلك حسبها أن طوعت الواقعية على نحو غير متقن. في قصة اسحق بابل القصيرة “غي دو موباسان” كان لدى الراوي هذا ليقوله عن كتابة الأدب: “ما من مسمار يمكن له أن يثقب القلب بعنوة كما تفعل النقطة موضوعة في المكان المناسب تماماً “، هذا أيضا يجب أن يدون على بطاقة.
قال ايفان كونيل ذات مرة إنه عرف أنه قد انتهى من كتابة قصة قصيرة عندما وجد نفسه يعيد مراجعتها ويحذف فواصل ثم يعيد قراءة القصَّة مرة ثانية ويعيد وضع الفواصل في الأماكن نفسها. أحب تلك الطريقة في العمل على شيء ما. أحترم ذلك النَّوع من الاهتمام بما تم انجازه. هذا كل ما لدينا أخيراً الكلمات، ومن الأفضل أن تكون الكلمات المناسبة، مع وضع علامات الترقيم في الأماكن الصحيحة فيمكنها أن تكون أفضل تعبير عما هو معني بها أن تقوله. إذا كانت الكلمات مثقلة بعواطف الكاتب الجامحة، أو إذا كانت غامضة وخاطئة لسبب آخر- إذا الكلمات بأية طريقة غير واضحة- سوف تمر عليها عينا القارئ ولن يتم تحقيق شيء. ببساطة لن يكون إحساس القارئ الفني منخرطاً. دعا هنري جيمس هذا النوع من الكتابة البائسة “توصيف ضعيف”.
أخبرني بعض من أصدقائي إنه كان عليهم الإسراع في تأليف كتاب فقد كانوا بحاجة إلى النقود، كان المحرر الخاص بهم، أو الزوجة، تضغط عليهم أو تتركهم- شيء ما، ثمة التماس للعذر لأن الكتابة ليست في أحسن أحوالها. “كان يمكن أن يكون أفضل لو أني أخذت الوقت”. كنت مدهوشاً عندما سمعت روائياً صديقاً يقول هذا. أنا ما زلت، لو فكرت في الأمر، لكني لا أفكر به. إنه ليس من شأني. لكن إذا لم يكن ممكنا للكتابة أن تتم بشكل جيد كما هي في داخلنا، إذن لماذا نكتب؟ في النهاية، الرضا عن بذل قصارى جهدنا، وبرهان هذا الجهد، هو الأمر الوحيد الذي يمكننا أن نحمله معنا إلى القبر. أردت القول لصديقي، بربك اذهب وافعل شيئا آخر. لا بد أن يكون هناك طرق أسهل وربما أكثر صدقاً لمحاولة كسب القوت. وإلا فقط افعلها بأفضل ما لديك من مؤهلات، ومواهب ثم لا تبرر أو تقدم الأعذار. لا تتذمر، لا تشرح.
في مقالة دعيت بمقدار كاف من البساطة “كتابة القصص القصيرة”، تتحدث فلانري أوكونر عن الكتابة كفعل اكتشاف. تقول أوكونر إنها في أغلب الأحيان لم تعرف إلى أين كانت ماضية عندما جلست لكتابة قصة قصيرة. تقول إنها تشك أن الكثير من الكتاب يعرفون أين هم ذاهبون عندما يبدؤون بشيء ما. تستخدم قصتها القصيرة “ريفيون صالحون” كمثال على كيفية جمعها للمام قصة قصيرة لم تتمكن حتى من تخمين نهايتها سوى قبل أن تبلغها بقليل:
عندما بدأت كتابة تلك القصَّة لم أعرف أنه سيكون فيها حاصلة على شهادة دكتوراه في الفلسفة ذات ساق خشبية. حسبي أني وجدت نفسي ذات صباح أكتب وصفاً لامرأتين عرفت عنهما شيئاً، وقبل أن أدرك الأمر كنت قد زودت واحدة منهما بابنة لها ساق خشبية. أتيت ببائع اناجيل، لكن لم يكن لدي أدنى فكرة ماذا كنت سأفعل معه. لم أعرف أنه كان سيسرق تلك السَّاق الخشبية حتى قبل عشر أو اثنتا عشر سطرا من قيامه بذلك، لكن عندما عرفت أن هذا ما سيحدث أدركت أنه كان محتماً.
شكل هذا بالنسبة لي عندما قرأته منذ عدة سنوات بمثابة صدمة أنها، أو أي شخص بهذا الخصوص، كتبت قصصاً على هذا النمط، اعتقدت أن هذا كان سري غير المريح، وقد كنت منزعجا بعض الشيء بسببه. بالتأكيد اعتقدت أن هذه الطريقة في العمل على قصة قصيرة بطريقة ما كشفت مواطن الضعف عندي. أتذكر أني تشجعت بشكل هائل بقراءة ما قالته حول الموضوع.
جلست ذات مرة لأكتب ما تبين أنها قصَّة جيدة إلى حدٍّ كبير، ولو أن العبارة الأولى فقط في القصة قدمت لي نفسها عندما بدأتها. كنت لعدَّة أيام أدور هذه العبارة في رأسي: “كان يشغل المكنسة الكهربائية عندما رن الهاتف”، عرفت أن هناك قصة وأنها ترغب بأن تروى. لقد شعرت بقوة في قرارة نفسي أن قصة انتمت لتلك البداية، لو يمكنني فقط أن أجد الوقت لكتابتها. وجدت الوقت، يوما بكامله- اثنتا عشرة، خمسة عشرة ساعة حتى- لو أردت أن استعملها. فعلت، وجلست في الصَّباح وكتبت العبارة الأولى، وعبارات أخرى بدأت فجأة تتوالى. صنعت القصة تماما كما قد أصنع قصيدة، سطر ثم الآخر، والذي يليه. سرعان ما كان بوسعي أن أرى قصة، وعرفت أنها قصتي، القصة التي كنت أرغب بكتابتها.
يعجبني الأمر عندما يكون ثمة شعور بالتهديد أو إحساس بالتوعد في القصص القصيرة. أعتقد أن قليل من التهديد لا بأس أن تتضمنه قصة. إنه من ناحية جيد من أجل الرواج. يجب أن يكون هناك توتر، إحساس بأن شيء ما على وشك الحدوث، وأن أمورا بعينها في حركة لا هوادة فيها، وإلا، في غالب الأحيان، ببساطة لن يكون هناك قصة. الذي يخلق التوتر في قطعة أدبية هو جزئيا كيف تتصل الكلمات المتماسكة معا لتصنع الحدث المرئي للقصة. لكن أيضا الأمور التي تم التخلي عنها، تلك المضمنة، المنظر تماما تحت السطح الأملس للأمور (لكن المكسور والمتقلقل أحياناً).
يعرِّف ف.س بريتشت القصَّة القصيرة على أنها “شيء ما تلمحه بطرف العين بشكل عابر”. لاحظ جزئية “اللمحة” في هذا. أولاً اللمحة. ثم اللمحة منحت حياة، تحولت إلى شيء ما ينير اللحظة ويمكن، إذا حالفنا الحظ – تلك الكلمة ثانية- أن تمتلك نطاقاً أوسع من النتائج والمعنى. مهمة كاتب القصة القصيرة هي استثمار اللمحة بكل ما أوتي من قوة. سوف يستخدم ذكاءه ومهارته الأدبية لدعم (موهبته)، احساسه بالتناسب واحساسه بملائمة الأمور: عن حقيقة الأمور الموجودة بالفعل وكيف يرى تلك الأمور- كما لا يراها سواه. وهذا يتم من خلال استعمال لغة محددة وواضحة، اللغة المستعملة رغبة في إحياء التفاصيل التي ستجعل القصة سلسة للقارئ. فلكي تكون التفاصيل متماسكة وتنقل المعنى، يجب على اللغة أن تكون دقيقة ومقدمة بوضوح. يمكن للكلمات أن تكون دقيقة للغاية لدرجة أنها قد تبدو مسطحة، لكنها مع ذلك يمكن أن تستحوذ على المشاعر، إذا ما استعملت بشكل صحيح، يمكنها أن تترك الأثر المرغوب.

يمكنكم الاستماع إلى هذه المقالة بصوتي على حسابي على ساوند كلاود هنا:

كما يمكن الاستماع إليها على قناتي على يوتيوب هنا:

 
في المطبخ، صبَّ كأساً آخر ونظر إلى أثاث غرفة النَّوم في حديقته الأمامية. كانت الحشيَّة مجرَّدة من الملاءات المخططة كالحلوى والموضوعة إلى جانب وسادتين على خزانة الأدراج. فيما عدا ذلك، بدت الأشياء كما كانت في غرفة النوم ــ طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي ينام عليها من السَّرير، طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي تنام عليها من السَّرير.

جهته، جهتها.
تفكَّر في هذا وهو يرتشف الويسكي. كانت خزانة الأدراج تبعد بضعة أقدام عن قدم السَّرير. كان قد أفرغ الأدراج في صناديق من الورق المقوَّى ذلك الصَّباح، وكانت الصَّناديق في غرفة الجلوس. كان هناك سخَّان نقَّال بالقرب من خزانة الأدراج. وعند قدم السَّرير كرسي من الخيزران ووسادة مزخرفة. أخذ طقم المطبخ المصنوع من الألمنيوم الملمَّع حيِّزاً من الدَّرب. غطَّى مفرش عريض جداً من قماش الموسلين الأصفر الطَّاولة، وتدلَّى على كل جانب من جوانب الطاولة، كان هدية. على الطاولة سرخس مزروع في أصيص جنباً إلى جنب مع صندوق يحتوي على الأواني الفضية ومسجِّلة، هدايا أيضاً.
وضع جهاز تلفزيون كبير من الطَّراز الشبيه بخزانة على منضدة قهوة، وكان يوجد على مسافة بضعة أقدام منه أريكة وكرسي ومصباح أرضي. كان المكتب مدفوعاً نحو باب المرآب. كان هناك بعض الأواني على المكتب، مع ساعة جدارية ولوحتين مؤطرتين. كان هناك في الدَّرب المؤدي إلى المنزل أيضاً صندوق يحتوي على فناجين وكؤوس وأطباق، كل قطعة منها ملفوفة بأوراق الصُّحف. كان قد أخرج الملابس ذلك الصَّباح وفيما عدا الصَّناديق الثلاثة في غرفة الجلوس، كانت جميع الأشياء خارج المنزل. كان قد مدَّ سلكاً وتم وصل كل شيء. عملت الأشياء بنفس الطريقة التي كانت تعمل فيها عندما كانت في الدَّاخل.

تريثت سيارة بين الحين والآخر وحدَّق الأشخاص منها. لكن لم يتوقف أحد.
خطر له أنه لن يتوقف أيضاً.
قالت الفتاة للفتى: «لا بدَّ أن تكون هذه الأشياء في الحديقة معروضة للبيع».
كان كل من الفتاة والفتى يؤثثان شقَّة صغيرة.
قالت الفتاة: «لنرَ أي ثمن يطلبون مقابل السَّرير».
قال الفتى: «والتِّلفاز».
قاد الفتى السَّيارة باتجاه الدَّرب وتوقَّف أمام طاولة المطبخ.
ترجلَّا من السَّيارة وبدأا يستطلعان الأشياء، تلمّست الفتاة مفرش الموسلين، الفتى يشغِّل الخلاط ويدير القرص نحو «الفَرم»، تحمل الفتاة موقد تسخين الطعام الصَّغير، يشغِّل الفتى التلفاز ويجري عمليات الضَّبط. جلس على الأريكة ليشاهد. أشعل سيجارة، وأجال بصره من حوله، ونقف عود الثَّقاب على العشب. جلست الفتاة على السَّرير. خلعت حذاءها واستندت إلى الوراء. خيِّل إليها أنها رأت نجمة المساء.
قالت: «تعال إلى هنا، جاك. جرِّب هذا السَّرير. هاتِ واحدة من تلك الوسائد».
قال: «كيف هو؟».
قالت: «جرِّبه».
نظر من حوله. كان المنزل مظلماً.

قال: «أشعر بالسُّخف. من الأفضل أن نرى إذا كان يوجد أحد في البيت».
نطَّت على السَّرير.
قالت: «جربه أولاً».
استلقى على السَّرير ووضع الوسادة تحت رأسه.
قالت الفتاة: «كيف يبدو؟».
قال: «يبدو متيناً».
التفتت جانبياً ووضعت يدها على وجهه.
قالت: «قبِّلني».
قال: «لننهض».
قالت: «قبِّلني».
أغمضت عينيها. عانقته.
قال: «سأرى إذا كان يوجد أحد في المنزل».
لكنه استقام في جلسته ولزم مكانه، يتظاهر بأنه كان يشاهد التلفاز.
أضيئت المصابيح في المنازل على امتداد الشَّارع.
قالت الفتاة: «أما كان له أن يكون مسلياً إذا…» كشَّرت ولم تنهِ كلامها.
ضحك الفتى، ليس لسبب وجيه. ودون سبب وجيه أضاء مصباح القراءة.
طردت الفتاة بعوضة، وعند ذاك نهض الفتى وسوَّى قميصه داخل بنطاله.
قال: «سأرى إذا ما كان هناك أحد في البيت. لا أظن أنه يوجد أحد. لكن إذا كان، سأرى كيف تسير الأمور».
قالت: «مهما طلبوا، اعرض مبلغاً أقل بعشرة دولارات. إنها دوماً فكرة سديدة. وعدا ذلك لا بد أن يكونوا يائسين أو شيء ما».
قال الفتى: «إنه تلفاز جيد للغاية».
قالت الفتاة: «اسألهم عن الثَّمن».
سار الرجل على الرَّصيف يحمل في يده كيس مشتريات. معه شطائر وبيرة وويسكي. رأى السَّيارة في الدَّرب الخاص بمنزله والفتاة على السَّرير. رأى التلفاز يعمل والفتى على الشُّرفة.
قال الرجل للفتاة: «مرحباً. وجدتِ السَّرير. هذا جيد».
قالت الفتاة: «مرحباً» ونهضت. مهَّدت السَّرير وأضافت: «كنت أجربه فقط. إنه سرير جيد جداً».
قال الرجل: «إنه سرير جيد». وضع الكيس وأخرج البيرة والويسكي.
قال الفتى: «اعتقدنا أنه لا يوجد أحد. نحن مهتمان بالسَّرير وربما بالتلفاز والمكتب».
«كم تريد ثمناً للسرير؟».
قال الرجل: «كنت أفكر بخمسين دولاراً مقابل السَّرير».
سألت الفتاة: «هل توافق على بيعه بأربعين؟».

قال الرجل: «حسنًا سآخذ أربعين».
أخرج كأساً من الصُّندوق. نزع الصحيفة عنه. وفتح سدادة زجاجة الويسكي.
قال الفتى: «ماذا عن التلفاز؟».
«خمس وعشرون».
قالت الفتاة: «هل تقبل بخمسة عشر؟».
قال الرجل: «لا بأس بخمسة عشر. يمكنني القبول بخمسة عشر».
نظرت الفتاة إلى الفتى.
قال الرجل: «أيها الولدان، هل تريدان شراباً. الكؤوس في الصُّندوق. أنا سأجلس. سأجلس على الأريكة».
جلس الرجل على الأريكة، استند إلى الوراء، وحدَّق بالفتى والفتاة.
عثر الفتى على كأسين وصبَّ الويسكي.
قالت الفتاة: «هذا يكفي. أظن أني أريد أن أضيف الماء إلى كأسي».
سحبت كرسياً وجلست إلى طاولة المطبخ.
قال الرجل: «يوجد ماء في الحنفية هناك».
«أدر تلك الحنفية».
عاد الفتى بالويسكي بعدما أضاف إليه الماء. تنحنح وجلس إلى طاولة المطبخ. كشَّر. لكنه لم يشرب شيئاً. تدافعت طيور في الجو سعياً وراء الحشرات، طيور صغيرة تحركت بسرعة قصوى.

حدَّق الرجل بالتلفاز. أنهى شرابه وصبَّ آخر، وعندما مدَّ يده ليشعل المصباح الأرضي وقعت سيجارته من بين أصابعه وحطَّت بين الوسائد.
نهضت الفتاة وساعدته على ايجادها.
قال الفتى للفتاة: «إذن ماذا تريدين؟».
أخرج الفتى دفتر الشِّيكات وألصقه بشفتيه كما لو أنه يفكر.
قالت الفتاة: «أريد المكتب. كم ثمن المكتب؟».
لوَّح الرجل بيده إزاء هذا السُّؤال السَّخيف.
قال: «قولي رقماً».
نظر إليهما حيث هما جالسان إلى الطاولة. في ضوء المصباح، كان هناك أمر في وجهيهما. لم يعرف بالضَّبط فيما إذا كان لطيفاً أو كريهاً.
قال الرجل: «سوف أطفئ هذا التلفاز وأشغِّل المسجلة. هذه المسجلة للبيع أيضاً. رخيصة. قدم لي عرضاً».
صبَّ المزيد من الويسكي وفتح علبة بيرة.
«كل شيء للبيع».
مدَّت الفتاة كأسها وصبَّ الرجل الشَّراب.
قالت: «شكراً لك. أنت لطيف للغاية».

قال الفتى: «سوف تثملين. لقد أسكَرتني». رفع كأسه وهزَّه.
أنهى الرجل شرابه وصبَّ آخر، ثم وجد صندوق التَّسجيلات.
قال الرجل للفتاة: «اختاري شيئاً» ومدَّ التسجيلات نحوها.
كان الفتى يكتب الشِّيك.
قالت الفتاة وهي تلتقط شيئاً: «هنا»، كانت تلتقط أي شيء لأنها لم تتعرف إلى الأسماء المكتوبة على هذه التسجيلات. نهضت عن الطاولة وجلست ثانية. لم ترغب في أن تظل ساكنة.
قال الفتى: «سأجعل الشِّيك صالحاً للدفع نقداً».
قال الرجل: «بالتأكيد».
شربوا. وأصغوا إلى التَّسجيل. من ثمَّ وضع الرجل تسجيلاً آخر.
قرر أن يقول، لماذا لا ترقصان؟ من ثم قالها: «لماذا لا ترقصان؟»
قال الفتى: «لا أظنُّ ذلك».
قال الرجل: «هيا. إنها حديقتي الخاصَّة. يمكنكما الرقص إذا كنتما ترغبان بذلك».
ذرع الفتى والفتاة الدَّرب جيئة وذهاباً متعانقين، ينضغط جسد كل منهما على جسد الآخر. كانا يرقصان. وعندما انتهى التَّسجيل، أعاداه ثانية، وعندما انتهى ذلك التسجيل قال الفتى: «أنا ثمل».
قالت الفتاة: «أنت لست ثملة».

قال الفتى: «حسناً، أنا ثمل».
قلب الرجل الأسطوانة وقال الفتى: «أنا كذلك».
قالت الفتاة للفتى: «ارقص معي». من ثم للرجل، وعندما وقف الرجل تقدمت منه بذراعين مفتوحتين.
قالت: «هؤلاء الناس هناك إنهم يشاهدون».
قال الرجل: «لا بأس. إنه بيتي. يمكننا أن نرقص».
قالت الفتاة: «دعهم يراقبون».
قال الرجل: «هذا صحيح. اعتقدوا أنهم رأوا كل شيء هنا. لكنهم لم يروا هذا، هل فعلوا؟».
شعر بأنفاسها على عنقه وقال: «آمل أن يعجبك سريرك».
أغمضت الفتاة عينيها ثم فتحتهما. أقحمت وجهها في كتف الرجل. وقرَّبت الرَّجل منها أكثر.
قالت: «لا بد أن تكون يائساً أو شيء ما».
قالت بعد أسابيع: «كان الرجل في خريف العمر تقريباً. كل أشيائه هناك في حديقة منزله. صدقاً. ثملنا ورقصنا. في الدَّرب. أوه يا إلهي. لا تضحك. شغَّلَ لنا تلك التسجيلات. انظر إلى هذه المُسجلة. أعطاها لنا الرجل المسنّ. تلك التَّسجيلات الرَّديئة أيضاً. هلَّا نظرت إلى هذا الهراء؟».
تحدَّثت دون توقف. أخبرت الجميع. كان هناك أكثر من ذلك، لكنها لم تتمكن من البوح بكلِّ شيء. كفَّت عن المحاولة بعد حين.

ملاحظة: سبق أن نشرت هذه الترجمة في ملحق كلمات الصادر مع جريدة الأخبار اللبنانية في أحد أعداد شهر شباط العام 2017. القصة من المجموعة القصصية “ما الذي نتحدث عنه عندما نتحدث عن الحب”.

Naim Attallah Online

I am Chairman of Quartet Books, a leading independent publisher with a fine tradition of pursuing an alternative to the mainstream. Welcome to my blog.

Clod & Pebble

a place for poetry

Another Lost Shark

the poems and other words of Graham Nunn

Viral Press

Highland Print Studio Blog

the stanza

a little room for poetry and the writing life

Little Book Review

Picture Books for All

David J. Bauman

Co-author of Mapping the Valley

Reading Partisan Review: 1930s--1970s

metropolitan ideas. The life of an American Radical Intellectual Journal

The Russian Reader

News and views from (the) other Russia(n)(s)

The Untranslated

A blog about literature not yet available in English

Dan Powell

Reading. Writing. Teaching. Learning.

Reading in Translation

Translations Reviewed by Translators

Theater Talk News Update

What's happening on the most prestigious show about the world of the stage

ضباب

"كان هكتور في قاع الموجة، الموجة التي كانت بنفسها في قاع المحيط، المحيط الذي كان بنفسه في قاع الكون ، ثمة أمر ما يجعله يشعر بأنه صغير"