Feeds:
المقالات
التعليقات

قادتني الصدفة منذ فترة إلى مشاهدة فيلم “كارول” من إنتاج العام 2015 وإخراج تود هاينز  وبطولة كيت بلانشيت وروني مارا، وهو فيلم جميل عرفت أنه مقتبس عن رواية من تأليف كاتبة أمريكية تبين أن معظم أعمالها  نقلت إلى السينما، ما أثار فضولي ودعاني لمشاهدة فيلم آخر مقتبس عن روايتها الأولى “غريبان على قطار” الذي أخرجه للسينما المخرج البريطاني الشهير ألفريد هيتشكوك، لكن الفيلم الذي كان بمثابة ضربة على الرأس هو الفيلم المقتبس عن الرواية المسماة ” السيد ريبلي الموهوب” من إخراج أنتوني مينغلا وبطولة مات ديمون وجود لو، والسبب خلف هذا الاحساس هو شدة واقعية شخصية البطل لدرجة أني أحسست أني من الممكن أن أكون أنا مكانه في ظروف أخرى. وهنا داهمني الحماس لتسجيل هذه الحلقة للتعريف بهذه الكاتبة المجهولة أغلب الظن للقارئ العربي، فلم أجد مترجما إلى العربية إلا روايتها الأولى غريبان  في قطار والصادرة عن دار الهلال المصرية العام 2000  ترجمة محمد عبد المنعم جلال. فذهبت لمشاهدة اللقاءات المتوفرة معها على يوتيوب والبرامج الإذاعية المعدة عنها بالإضافة إلى مراجع أخرى لتشكيل فكرة موجزة وكافية مبدئيا قبل البدء بقراءة كتبها ومتابعة مشاهدة الأفلام المقتبسة عن رواياتها 

هذه النبذة هي عن الكاتبة الأميركية باتريشيا هايسميث التي كانت واحدة من أكثر الكتاب نجاحا في كتب الإثارة النفسية في القرن العشرين حيث تزخر أعمالها بشخصيات مضطربة نفسيا والموت والحب لا ينفصلان مطلقا في كتاباتها. باتريشيا هايسميث التي لا تزال أعمالها تكتشف دون توقف وتنقل إلى السينما والمسرح والتلفزيون حتى اليوم.

ولدت ماري باتريشيا بلانغمان في 19 كانون الثاني من العام 1921 في فورت وورث، تكساس في منزل جدتها لأمها قبل تسعة أيام من طلاق والديها وقد كانا فنانين تجاريين وهما ماري كوتس وجاي برنارد بلانجمان الذي كان من أصول ألمانية. ثم تزوجت والدتها مرة أخرى عندما كانت باتريشيا في الثالثة من عمرها من الفنان ستانلي هايسميث الذي منحها اسمه، فانتقلت للعيش مع والدتها في نيويورك، مانهاتن. وبحسب ما ورد في سيرتها الذاتية كان يحلو لوالدتها إخبار الناس عن محاولتها إجهاض ابنتها بشرب زيت التربنتين. ومن هنا يبدأ التعقيد في علاقة باتريشيا بوالدتها حيث امتزج الحب بالكراهية. عندما كانت تبلغ من العمر اثني عشر عاما أرسلت هايسميث إلى فورت ورث وعاشت مع جدتها لأمها لمدة سنة. دعت هذه السنة بأنها “أشد السنوات حزنا في الحياة” وشعرت بأنها متروكة من قبل أمها. عادت إلى نيويورك لتتابع العيش مع أمها وزوجها في مانهاتن. يذكر أن والدتها قد توفيت قبل وفاة باتريشيا بأربع سنوات عن عمر 95 عاما.

بعد انهاء دراستها الجامعية في كلية بارنارد حيث درست الكتابة المسرحية وتكوين اللغة الانكليزية بداية الاربعينات في موسم عيد الميلاد، عملت في نيويورك بائعة في قسم الألعاب في بلومينغديل في مانهاتن كي تكسب نقودا تمكنها من دفع أجر المحللين النفسيين. فقد أرادت استكشاف الازدواجية الحادة التي شعرت بها تجاه الارتباط بخطيبها برباط الزواج، وكان روائياً يدعى مارك براندل. رأت أن المثلية الجنسية علة نفسية يمكن إصلاحها بحسب الرؤية السائدة في ذلك الحين. عندما اقترح طبيبها عليها أن تنضم إلى مجموعة علاج نفسي مؤلفة من نساء متزوجات ممن هن مثليات الجنس مستترات كتبت هايسميث في يومياتها: “قد أتسلى بإغواء عدد منهن”. لم تتزوج من براندل مطلقا ولا من أي شخص آخر .

وأثناء عملها في قسم الألعاب هذا ألهمتها إحدى السيدات التي جاءت إلى المكان لشراء لعبة لابنتها لكتابة روايتها التي صدرت أولا بعنوان “ثمن الملح” وتحكي فيها قصة علاقة غرامية بين امرأتين.

نشرت روايتها الأولى غريبان على متن قطار في العام 1950 وكانت هايسميث في التاسعة والعشرين من عمرها وعلى الفور تم نقلها إلى السينما على يد المخرج الفريد هيتشكوك.

نشر كوارد-ماكان في شهر أيار 1952 رواية “ثمن الملح” ، رفضت دار نشر هاربر وبروز التي نشرت “غريبان على متن قطار” قبل عامين  نشرها  ربما لأنه لم يكن عملا مثيرًا آخر.. شعرت هايسميث بارتياح كبير عندما اقترح وكيلها أن بوسعها استخدام اسم مستعار وكان “كلير مورغان”.  كانت تخشى أن يعرقل موضوع الرواية حياتها المهنية  ولم ترغب بأن تصنف على أنها كاتبة مثلية. بيعت أرقام استثنائية من نسخ رواية “ثمن الملح” – أكثر من مليون نسخة، بعد أن صدرت  بنسخة رخيصة الثمن ذات غلاف ورقي.. لم تكتب هايسميث قط كتابا آخر شبيها له فثمن الملح هي الرواية الوحيدة لهايسميث لا تحدث فيها جريمة عنيفة وتنتهي نهاية سعيدة. وافقت هايسميث العام 1990 على إصدار جديد للرواية باسمها الحقيقي وكتبت خاتمة للكتاب بدت فيها مستمتعة على استحياء بالقراءة المخلصة للرواية.

بعد ثمن الملح نشرت هايسميث عشرين رواية أخرى الكثير منها أصبحت أفلاما وتسع مجموعات قصص قصيرة. فازت بعدة جوائز أدبية وتم تكريمها في فرنسا. عرفت بتعليقاتها اللاذعة واتهمت بالعنصرية وبمعادة السامية ورفضت طوال حياتها أن تباع كتبها في إسرائيل وعرفت بتضامنها مع الشعب الفلسطيني الذي أهدته روايتها من العام 1983 “الناس الذين قرعوا على الباب”، حيث كتبت:

“إلى شجاعة الشعب الفلسطيني وقادتهم في الكفاح لاستعادة جزء من أرضهم . هذا الكتاب لا شأن له بمشكلتهم”. انتقدت بشدة سياسة اميركا الخارجية في القرن العشرين وبنيتها الثقافية.

  بالإضافة إلى روايتها المشهورة “السيد ريبلي” الكثير مما كتبته عكس جوانب من شخصيتها.  يتنامى في روايات هايسميث لدى إحدى الشخصيات هوس قاتل بشخصية أخرى. في رواية “السيد ريبلي الموهوب ” التي صدرت في العام (1955) ، تختلط مشاعر توم ريبلي نحو ديكي جرينليف ، وهو عابث ثري يتجول في أنحاء إيطاليا. يضرب ريبلي ديكي حتى الموت وينتحل شخصيته.  و أول اقتباس لهذه الرواية كان  الفيلم الفرنسي من بطولة الممثل الفرنسي  آلان دولون في الفيلم المعنون “ظهيرة بنفسجية” إخراج رينيه كليمانت وهناك فيلم ألماني بعنوان الصديق الأميركي انتاج العام 1977 وأخراج فيم فيندرز  وهو مقتبس عن الكتاب الثالث من سلسلة روايات توم ريبلي المسماة لعبة ريبلي دائمًا ما تكون البوصلة الأخلاقية في روايات هايسميث متوترة ، والعاطفة تقود الناس مرارًا وتكرارًا إلى العنف. كتبت جون شينكار ، مؤلفة السيرة الذاتية ” الآنسة هايسميث الموهوب: (2009)  “فكرت باتريشيا بالحب بنفس الطريقة التي فكرت بها بالقتل: كإلحاح عاطفي بين شخصين ، يموت أحدهما في الحدث”.

سافرت إلى المكسيك وجنوب غرب اميركا ولما لم تحقق ذلك النجاح الكبير في أمريكا حيث تم تصنيفها بأنها كاتبة لقصص الجريمة وهذا لم يعجبها فغادرت لتستقر بشكل دائم في أوروبا حيث سافرت في العام 1964 إلى الريف الإنكليزي ثم انتقلت إلى فرنسا لتنتقل في العام 1980 إلى سويسرا حيث أمضت سنواتها الأخيرة في منزل أشبه بالحصن و هناك بقيت حتى آخر أيام حياتها عندما فارقت الحياة في مستشفى في لوكارنو بعد معاناتها بسبب إصابتها بمرض في الدم  عن عمر 74 عاما في شباط عام 1995.

تقول باتريشيا هايسميث:

” أول من عليك التفكير في إرضائه لدى تأليفك لكتاب هو نفسك. إذا استطعت أن تمتع نفسك طوال الوقت الذي تستغرقه لتأليف كتاب ، فيمكن للناشر والقراء أن يأتوا لاحقًا وسوف يفعلون”.

أطلق الكاتب غراهام غرين عليها لقب “شاعرة التوجس”. تأثرت كتاباتها بالأدب الوجودي ومفاهيم الهوية المشكوك فيها . ترجمت أعمالها إلى عشرين لغة.

صدر في سيرتها الذاتية كتابان الأول بعنوان “الظل الجميل” عام 2003 التي كتبها اندرو ويلسن والثاني بعنوان الآنسة “هايسميث الموهوبة” تأليف جون شينكار عام 2009.

عرف عنها غرابة أطوارها وقيل إنها شوهدت تحمل حلزونات في حقيبة يدها عندما كانت مدعوة لحفلات تناول العشاء، كما أنها كانت تخبئ الحلزونات في حمالة صدرها وتضع لهم أوراق الخس كي يتغذوا عليها. صدرت يومياتها في العام 2021 في حوالي 1000 صفحة .

يمكنكم الاستماع إلى هذه التدوينة على موقع ساوند كلاود على الرابط التالي:
https://soundcloud.com/amani-lazar/5wpn2abgsta6

كما يمكنكم الاستماع إليها على قناتي على يوتيوب على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=BT8s4JxZH8s&ab_channel=AmaniLazar

الممطر الأزرق الشهير

إنها الساعة الرابعة صباحاً، في آخر شهر ديسمبر

أكتب إليك الآن فقط لأرى إذا كنت تشعر بتحسن

نيويورك باردة، لكني أحب المكان الذي أقيم فيه

تصدح الموسيقى في شارع كلينتون طوال المساء

سمعت أنك تبني منزلك الصغير عميقا في الصحراء

أنت تحيا من أجل لا شيء الآن، آمل أنك تدون مذكراتك بشكل من الأشكال

نعم، وجين جاءت تحمل خصلة من شعرك

قالت إنك أعطيتها لها

تلك الليلة التي خططت فيها  أن  تحقق حالة الوضوح

هل حدث وأن فعلت هذا في أي وقت من الأوقات؟

هذا هو المقطع الأول من أغنية الممطر الازرق الشهير للمغني الكندي لينارد كوهين صدرت في العام 1971 ضمن الألبوم الثالث من ألبوماته والذي حمل اسم أغاني الحب والكراهية. وتحكي الأغنية قصة خيانة وندم ووحشة في مدة خمس دقائق وتأتي في الترتيب السادسة ضمن الألبوم، الأغنية الثانية على الوجه الثاني من شريط الكاسيت. وهي عبارة عن رسالة يكتبها رجل إلى رجل آخر على علاقة غرامية بزوجته. ويتضمن الألبوم ثمانية أغنيات هي بالترتيب:

1.  Avalanche

2. Last years’ man

3. Dress rehearsal rag

4. Diamonds in the mine

1. Love calls you by your name

2. Famous blue raincoat

3. Sing another song boys

4.Joan of arc.

عزف رون كورنيليوس الغيتار في هذا الألبوم وكان قائد فرقة كوهين لعدة سنوات وقد قال: “لقد أدينا تلك الأغنية في كثير من الأماكن. عادة حدائق في كوبنهاغن، مسرح الأوليمبيا في باريس، دار الأوبرا في فيينا. عزفنا تلك الأغنية كثيراً قبل أن يتم تسجيلها على شريط. عرفنا انها سوف تحقق نجاحا عظيما….إذا كان علي اختيار مفضلتي من بين أغاني الألبوم ربما قد تكون الممطر الأزرق الشهير. أدرت فرقته لأربع سنوات في جميع أرجاء العالم وعزفت في أربعة من ألبوماته و يمكنني القول بسهولة أن الأفضل من بينها كان ألبوم أغاني الحب والكراهية. عملنا 18 شهرا على ذلك الألبوم، أدى بول بوكماستر الوتريات في لندن، وذهبت إلى لندن تسع مرات لتسجيل ذلك الألبوم.”.[1]

جنيفر وارنس التي غنت الأغنية اعترفت بعبقرية كوهين وقالت:

“كانت عن رجل غادر نيويورك للذهاب إلى الصحراء سعيا خلف رؤاه ، وترك الفتاة فحل لينارد محله. كان هناك شعور ينطوي على قدر كبير من الغفران في جميع   أعمال لينارد. كان يسامح نفسه على شهواته، وأيضا يسامح الجميع على تجاوزهم الحدود. كان لديه عين مسامحة وهائمة، وقد عرف الكثير من حالات الحب العظيم”.[2]

ذكر كوهين في مقابلة جرت معه في العام 1994 عبر إذاعة البي بي سي: “مشكلة تلك الأغنية هي أني نسيت الثلاثي الحقيقي. سواء كان يخصني- بالطبع، أنا شعرت دوما بوجود ذكر غير مرئي يغوي المرأة التي كنت معها، الآن لا أتذكر فيما إذا كان هذا الذكر متجسداً أو مجرد خيال، لطالما كان لدي إحساس أني إما كنت ذلك الشخص على علاقة مع ثنائي آخر أو أنه كان هناك شخص مثل ذلك على علاقة مع زواجي. لا أتذكر تماما لكني بالفعل امتلكت هذا الشعور بوجود طرف ثالث دوما، أحيانا أنا، أحيانا رجل آخر، أحيانا امرأة أخرى. كانت أغنية لم أكن راض عنها قط. “[3]

آه، في آخر مرة رأيناك فيها بدوت أكبر سنا بكثير

كان ممطرك الأزرق الشهير ممزقا عند الكتف

كنت ذاهبا إلى المحطة لملاقاة كل قطار، و

عدت إلى البيت من دون ليلي مارلين

وقد دعوت امرأتي على قطعة صغيرة من حياتك

وعندما عادت لم تكن زوجة أحد

حسنا أراك هناك وبين أسنانك زهرة

لص غجري نحيل آخر

حسنا، أرى أن جين مستيقظة

وهي ترسل لك بسلاماتها

وماذا يمكنني أن أخبرك يا أخي، يا قاتلي

ما الذي يمكنني قوله؟

يرد في الأغنية تعبير to go clear وفيه إشارة إلى الساينتولوجيا[4] التي تأسست لأول مرة عام 1953 في نيوجيرسي على يد  رون هوبارد هو كاتب لقصص الخيال العلمي ومؤسس هذه الكنيسة التي تم الاعتراف بها كديانة في أمريكا “يكتسب دعاة هذا المذهب القدرات من خلال عدة درواتٍ تتيحها تلك الكنيسة، لكن هذة الدورات ليست مجانيةً”[5]، و clear   وتعني واضح هي إحدى ممارسات هذه الديانة  التي تهدف إلى إزالة الانغرام engram وهو الأثر البيوكيميائي للذكريات في الدماغ وتحقيق حالة الوضوح وتتم باستخدام جهاز يشبه كاشف الكذب يدعى e-meter.

تشير كلمات الأغنية إلى أغنية الحب الألمانية الشهيرة ليلي مارلين وهي اغنية اشتهرت أثناء الحرب العالمية الثانية في جميع أرجاء أوروبا سواء بين الجنود الألمان أو جنود الحلفاء وقد وضع  لحنها على كلمات القصيدة التي كتبت في العام  1915 الشاعر هانز ليب لكن لم يتم نشر القصيدة حتى العام  1937 بعنوان أغنية جندي شاب أثناء الحراسة  وتم تلحينها على يد نوربرت شولتز.  غنت من بين كثر آخرين مارلين ديتريش هذه الأغنية لكن أول من غنتها هي ليلي أندرسن عام 1939 بعنوان الفتاة تحت الفانوس، في عام 1942 سجلت الأغنية بعد ترجمة الكلمات إلى الإنكليزية.

أظن أني أفتقدك، أظن أني أغفر لك

أنا مسرور لأنك وقفت في طريقي

لو حدث وأن أتيت إلى هنا، سواء لزيارة جين أو لزيارتي

حسنا، عدوك نائم وامرأته حرة

نعم، وشكرا لأنك خلصت عينيها من الكدر

اعتقدت أن هذا الكدر مقيم فيهما إلى الأبد لذا لم أحاول قط

وجين جاءت ومعها خصلة من شعرك

قالت إنك أعطيتها لها

تلك الليلة التي خططت فيها أن تحقق حالة الوضوح

المخلص. ل. كوهين


[1] المرجع: https://www.songfacts.com/facts/leonard-cohen/famous-blue-raincoat

[2] نفس المصدر السابق.

[3] نفس المصدر السابق.

[4] https://wrldrels.org/ar/2016/10/08/church-of-scientology/

[5] https://www.arageek.com/l/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A

يمكن الاستماع إلى هذه التدوينة على قناتي على يوتيوب على الرابط التالي:

كما يمكن الاستماع إليها على حسابي على ساوند كلاود على الرابط التالي:

ذكريات

كان الانترنت المتوفر لدينا في تلك الأيام بائساً للغاية، لدرجة أن تحميل أغنية مدتها ثلاث دقائق قد يستغرق ساعة من الوقت، فما بالك بمشاهدة فيديو على يوتيوب؟ كان أمراً مستحيلاً. وكنا في تلك السنوات نعيش في عصر المدوَّنات قبل أن يكتسح الفيسبوك كل شيء. كانت مدونة ” سوء تفاهم” من بين العديد من المدونات التي أتابعها بشغف، شغفي بالسينما الذي كان قد تأسس ربما في ذلك اليوم الذي صحبنا فيه أبي إلى السينما عندما لم يكن عمري يتجاوز فيه السنوات العشر، هذا الشغف الذي تعمق بفضل أصدقاء وأشخاص كثر، منهم من عرفتهم عن قرب ومنهم لم يتسنَّ لي فرصة التقرب منهم، لكن هذا الشغف كان دوماً يصاب بالإحباط بسبب قلة الموارد. كان لزاماً عليك أن تسافر إلى دمشق كي تشاهد فيلماً في صالة السينما، أو حتى كي تشتري  فيلماً على قرص مضغوط، بالرغم من أن حمص مدينة كبيرة إلا أنه تم إهمالها وتجهيلها قصداً، ودوماً لصالح العاصمة ومركزيتها،  لم تكن صالات السينما القليلة هنا تعرض سوى أفلاماً من نوعية معينة، “شعبية” إذا جاز التعبير.  وإن حدث وكان هناك فيلم يستحق المشاهدة فليس من جمهور، وأغلب المرات التي ذهبنا فيها إلى السينما أنا وصديقة لي، لم يكن عدد الحضور يتجاوز العشرة. عدا عن أن المحلات التي تبيع الأفلام على أقراص الـ dvd لم تكن تهتم بجلب إلا نوعية الأفلام التي تبيع، أو الرائجة. وهكذا كنا خارج الزمن، كما نحن الآن وإن بدرجة أقل نسبياً.

 كان أخي الأصغر، يعمل بالإضافة إلى دراسته الجامعية في مقهى للانترنت، وكنت أوصيه دائماً أن  يجلب لنا معه مقاطع الفيديو أو الأفلام وكل شيء يصعب تحميله في البيت، وهو لم يردني خائبة أبداً،  وهذا ما حدث مع فيلم ” ربما يكون مغلقاً” إخراج شريف زهيري الموجود على هذا الـ cd، بالإضافة إلى مقطع من فيلم نوستالجيا لتاركوفسكي والذي  تحدث عنه شريف في تلك  الفترة على مدونته. ظل هذا الCD، بعيداً لمدة سنتين، مع كل شيء في البيت الذي كنا قد غادرناه مكرهين في نيسان من عام 2012، وعاد إليَّ منذ حوالي أسبوعين مع بقية الأشرطة والسيديهات والكتب.

حمص 2014

أود الحصول على نسخة ولو مستعملة من كتاب النار في المرة القادمة تأليف جيمس بلدوين، ونسخة من كتاب رابطة الشعراء الموتى تأليف نانسي كلينباوم وكلاهما من ترجمتي، فأرجو ممن يملك هذين الكتابين أو أحدهما ويمكنه الاستغناء عنهما أن يتواصل معي مشكورا وبالطبع سوف أدفع كامل المصاريف.

مختارات قصصية
تأليف
وليم تريفر
ترجمة
أماني لازار

تتألف هذه المجموعة القصصية من سبع قصص للكاتب الإيرلندي وليم تريفر وهي:
من مجموعة يوم ثملنا على كعكة وقصص أخرى.
1- تأمُّلات ج.ب. باورز الذاتية.
2- يوم ثملنا على كعكة.
من مجموعة ملائكة في الريتز وقصص أخرى.
3- في أصفهان.
4- ملائكة في الريتز.
من مجموعة عشاق زمانهم وقصص أخرى:
5- عيد ميلاد آخر.
من مجموعة ذنوب عائلية وقصص أخرى الصادرة العام 1990.
6- الفريق الثالث.
من مجموعة قصص أخيرة المنشورة العام 2018.
7- الفتاة المجهولة.

عن الكاتب وليم تريفر:
ولد وليم تريفر، واسمه الأصلي وليم تريفر كوكس في الرابع والعشرين من شهر أيار العام 1928 في ميتشلستاون، كاونتي كورك، ايرلندة، وتوفي في العشرين من شهر تشرين الثَّاني العام 2016 في سومرست، إنكلترا، وهو كاتب إيرلندي اشتهر بقصصه القصيرة ورواياته المروِّعة غالباً والسَّاخرة. كان عضواً في الأكاديمية الإيرلندية للآداب ويعتبر من أعظم كتَّاب القصَّة القصيرة باللغة الإنكليزية.
تخرَّج تريفر في العام 1950 في كلية الثَّالوث الأقدس في دبلن، وبدأ فيما بعد يدرِّس في ايرلندة الشَّمالية ويعمل كنحَّات. انتقل في العام 1954 إلى إنكلترا حيث درَّس الفن في البداية. لاحقاً استقرَّ في لندن وفي بداية الستينيات عمل في كتابة الإعلانات. خلال هذا الوقت بدأ ينشر الروايات والقصص القصيرة. نشرت روايته الأولى معيار السلوك في العام 1958. بأية حال نال كتابه التالي الصِّبية الكبار العام 1964 استحسان النُّقاد وحصل على جائزة برتينز هوثوردن. هذا النجاح قاد تريفر للانتقال إلى ديفون، إنكلترا، ليتفرغ للكتابة.
من روايات تريفر اللاحقة النُّزل العام 1965، السَّيدة إيكدورف في فندق أونيل العام 1969، اليزابيث الون العام 1973، أطفال دينموث العام 1976، وحمقى محظوظون العام 1983. حازت آخر روايتان على جائزة وايت بريد الأدبية عن فئة الروايات، بالإضافة إلى رحلة فيليسيا العام 1994 التي أحرزت لقب كتاب وايتبريد في ذلك العام، كانت كل من رواية قراءة تورغينف العام 1991 وقصَّة لوسي غولت العام 2002 ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر. نشرت روايته الأخيرة الحب والصَّيف في العام 2009.
ألَّف تريفر أيضاً عدداً من المجموعات القصصية التي لاقت استحساناً كبيراً. أبرزها يوم ثملنا على كعكة وقصص أخرى العام 1967، قاعة الرقص الرومانسية وقصص أخرى العام 1972 التي اقتبس عنها مسرحية تلفزيونية العام 1982 حازت على جائزة، ملائكة في مطعم الريتز وقصص أخرى العام 1975، عزاب التلة العام 2000، خداع في كانساتا العام 2007، ومجموعته الأخيرة “قصص أخيرة” العام 2018.
اقتبس عدد من أعمال تريفر للسينما. كانت الأبرز من بينها رحلة فيليسيا التي أخرج نسختها السينمائية المخرج آتوم إيغويان العام 1999. متأثراً بكتابات جيمس جويس وتشارلز ديكنز، امتلك تريفر مهارة حادة في الوصف والسُّخرية، ركَّزت أعماله في معظمها على سيكولوجيا غريبي الأطوار والمنبوذين. في العام 2002 تلقى جائزة منظمة القلم الإيرلندية لقاء مساهمته المدهشة في الأدب الإيرلندي.
ظهر الكثير من قصص وليم تريفر في مجلة النيويوركر ومجلات أخرى. ألَّف كذلك المسرحيات للخشبة وللإذاعة وللتلفزيون. منح تريفر في العام 1977 لقب الشَّرف برتبة قائد للإمبراطورية البريطانية اعترافاً بخدماته التي قدَّمها في مجال الأدب. في العام 1966 تلقَّى جائزة لان الأدبية عن فئة الأدب الروائي.

(1)
تأمُّلات ج.ب. باورز الذاتية

قال ج.ب.باورز، وهو رجل ضخم الجثَّة، في الثَّالثة والأربعين من عمره، له شارب يشغل الحيِّز الأكبر من وجهه: “يجب أن تضغطي دوَّاسة القابض، يا آنسة هوبيش. يستحيل التغيير من ترسٍ إلى آخر دون أن تضغطي دوَّاسة القابض”.
كان ج. ب. باورز على علم بالهفوة النَّحوية التي ارتكبها. يستحيل التغيير من ترس إلى آخر ما لم تضغطي دوَّاسة القابض. يستحيل التغيير من ترس إلى آخر دون ضغط دوَّاسة القابض. أي من البديلين قد يؤدي الغرض: كان كلاهما ضمن أسلوبه في التَّعبير. كان دون أن تضغطي دخيلاً عليه، أسلوب الأيرلنديين في الحديث. لم يكن جوستين بارك باورز إيرلندياً رغم الجرس السلتي لاسمه.
قادت الآنسة هوبيش سيارة الأوستن بخشونة على كيـﭪ كريسنت نصف الدَّائري، ونحو مورتيمر رود . تظهر بتني هيل قدماً وانعطافة مربكة يمنةً، عبر مجريي حركة المرور، كلاهما. أعدَّ باورز نفسه للحظة، القدمان على أهبة الاستعداد من أجل التَّحكم المزدوج، أصابع متأهبة لرشق مفتاح التَّشغيل عند توقُّف المحرك.
قال ج.ب. باورز: “إشارة إبطاء” ثمَّ: “غيري إلى الثَّاني، إشارة يد، مؤشِّر. دوماً إشارة اليد القديمة: لا تعتمدي أبداً على المؤشِّر، يا آنسة هوبيش”.
تقدَّمت الآنسة هوبيش بالسَّيارة شيئاً فشيئاً، متَّجهة نحو حافلة.
“انتظري منفذاً يا آنسة هوبيش. كل تلك الحركة لها الحق بالمرور”.
كان قد قال دون أن تضغطي لما لها من جِرس طريف وحسب، لأنه قد أصبح شديد الاعتياد على دمدمة الكلمات المألوفة، فقد تعب لسانه من تشكيلها.
“الآن، يا آنسة هوبيش”. استولى على عجلة القيادة وأرجحها، مانحاً المحرك دفقة من البنزين.
اتَّجهت سيارة الأوستن إلى اليسار عند الإشارات الضَّوئية، على امتداد آبر ريتشموند رود، ولاحقاً استدارت إلى اليمين نحو طرق بارنز كومون الهادئة. عندئذ استرخى باورز، وطلب منها أن تقود السَّيارة بهدوء. لطالما كانت الآنسة هوبيش تسعد في شوارع بارنز كومون.
أشعل سيجارة وأنزل زجاج النَّافذة كي يخرج الدُّخان. جلس في صمت يشاهد الطريق. رمق الآنسة هوبيش بنظرة بين الفينة والأخرى، وأجزاء منه أحياناً. رأى أظافره مبسوطة على ركبتيه الثَّخينتين. لم يكن رجلاً نظيفاً على وجه الخصوص، وهذه كانت حقيقة فكَّر بها الآن. تصوَّر ملابسه الدَّاخلية البنيَّة-الرمادية اللون والأصفر الدَّبق على إبطي قمصانه. علَّقت زوجته سابقاً على هذا الاصفرار واصفة إياه بالرجل القذر، تعدُّ له المغاطس وتدفع إليه بمزيل التَّعرق. لم تعد تفعل هذا، حسبها أنها تتنهد عندما تعثر مصادفة على جواربه متيبسة مثل ألواح خشبية صغيرة في الصُّندوق الكرتوني الكبير الذي اتخذت منه سلَّة للغسيل. وردت شكوى ذات صيف من رجل صعب الإرضاء يدعى هوبكر. استدعاه روش وأخبره عن الشَّكوى، كانت الفتاة الضَّاربة على الآلة الكاتبة لا تزال في الغرفة: “اغسل تحت إبطيك، يا بني العجوز. اشترِ لايفبوي وأودو-رو-نو أو مام “. كان روش رجلاً ضئيل الحجم، كان الأمر سهلاً بالنسبة لروش، لم يكن عليه من العرق ولو مقدار أونصة واحدة. كان باورز يزن حوالي مائة كغ: لفائف من الدُّهون والعضلات، تجرش العرق، تفرزه في مخابئ لحمية. كان عليه أن يستحمَّ كلَّ ساعتين ليحافظ على نظافته.
كان ج.ب.باورز خلال فترات الملل النهارية خاصته يستسلم للتفكير. كان تفكيراً من نوع مقبض، لأنه كان يشعر بالقلق من عدم جدواه. قبل أربعين عاماً لم يكن يوجد مدربون لتعليم قيادة السَّيارات في العالم: ماذا كان سيفعل قبل أربعين عاماً، كيف كان سيكسب لقمة عيشه؟ كانت الحقيقة إنه لم يضف أية مهارة للعمل، لم يكن مهتماً به. كيف يمكن للمرء أن يكون مهتماً بعمل ليس ضرورياً كتعليم النَّاس قيادة السَّيارات؟ بوسع النَّاس أن يسيروا، لديهم أرجل. يمكن للناس الانتفاع من وسائل النَّقل العامَّة. لم يقدِّم أيَّة خدمة حقيقية، من الأفضل أن يكون موظف حجز في السِّكك الحديدية البريطانية. هذا لا يعني أن النَّاس لم يشعروا نحوه بالامتنان. لوَّحوا له فيما بعد، ملمحين إلى أنه ساعدهم في طريقهم. لكن كان ج.ب.باورز يفكِّر في نفسه، لم ينطوِ شيء على الخبرة فيما فعله، بوسع أي شخص أن يدرِّس التروس والصَّنعة.
قالت الآنسة هوبيش: “حسناً، ذلك كان لطيفاً، أنا أستمتع به يا سيد باورز. الآن، هل ستشرب معي كوب شاي؟”
كانت الآنسة هوبيش تتعلم قيادة السَّيارة على مدى خمس سنوات. كانت نزهة بالنسبة لها: كانت الآنسة هوبيش في الثَّالثة والسَّبعين من العمر.
كان هناك عمل ينتظر ج.ب.باورز، احتفظ به رانسوم من أجله، كان رانسوم قد خدم معه في القوى الجوية الملكية. “عندما تكون مستعداً، يا ج.ب “، هذا ما قاله رانسوم. رانسوم وفي يده قنينة من شراب المزر الأحمر، في نزل السارسينز هيد صباح يوم أحد. كان رانسوم آسفاً عليه، يتذكر كيف قاد طائرة نافثة للهب خلال الحرب، يفكِّر به الآن يقتاده سائقون غير مؤهلين.
شعر رانسوم بأنه يدين له بشيء، ثمَّة دين مبهم وقع في العام 1945. “يومك ملك لك”، قال رانسوم. “نحن نزود السَّيارة”. كانت المهمة تتجلى ببيع مستلزمات الأطفال من الباب للباب: ماء لعلاج المغص، مسحوق التالك، مطهِّر، وزيت للأطفال: كان رانسوم يتوسَّع: كان قد اشترى للتو شركة لتصنيع حفاضات الأطفال، كان يتطلع نحو تجارة الألعاب البلاستيكية. قال رانسوم: “دعني أطرح عليك سؤالاً، ألا تشعر بالضِّيق وأنت تدور بمتعلمي قيادة السَّيارات هؤلاء؟” كان لدى رانسوم قطعة قماش صغيرة لطيفة تمنح باورز الدفء على طريق كينغستن. قال رانسوم: “انظر إلى العمولة، لن تجد مثل تلك العمولات في حديقة بيتك الأمامية”.
جوستين بارك باورز، وهو رجل قذر وغير راض عن نفسه تمام الرضا، أجاب الآنسة هوبيش بنعم، قال نعم، يود أن يشرب كوباً من الشَّاي، وفتح لها باب السَّيارة، وتبعها إلى منزلها الصَّغير. سددت الآنسة هوبيش أجر دروسها سلفاً، بقطع نقود معدنية من فئة الربع، لكن كل درس دام فقط عشرين دقيقة بدلاً من ساعة كاملة: لم تتمكن الآنسة هوبيش من الصُّمود في الثَّالثة والسبعين من عمرها وقتاً أطول.
كانت حصيرة الشَّعر تحت إبطي ج.باورز أكثر دكنة من الخصل التي عبرت فروة رأسه، أكثر نعومة من شعيرات شارب. “نمو يوقع في شرك، نمو يحمِّض”، قال روش مشيراً إلى الكتلتين المتماثلتين وتعرق باورز. فاض الشَّعر من تحت إبطيه مثل حشوة من فراش-مع ذلك كان صدره عارياً مثل صدر فتاة. ناعماً وأبيض، إيحاء بنهدين، منقَّر بالزؤان، إذا راق لك أن تنظر. كان ج.ب.باورز سابقاً في حياته مهتمَّاً بهذا الشَّأن: رجل ضخم مثله مع منفسح شديد التخنث. كان يدير ظهره للصحبة في غرف تغيير الملابس، يصفِّر كي يغطي على اللفتة.
في الحمَّام صباحات الآحاد غسل جسده بكدٍّ عابر، يشاهد الزَّبد الحليبي يتشكَّل على الماء، يرغو نفسه بصابونة لايفبوي كما أوعز له روش. كلما كان يستحم سمع الصُّراخ المنبعث من الراديو في المطبخ وأصوات ابنتيه الصَّغيرتين تتشاجران. كانت شعيرة يوم الأحد، مستحسنة من زوجته التي لم تشارك فيها، شعيرة تتجلى في أن السَّخان يجب أن يزمجر والماء يتدفق، وأن ذلك الزبد ينبغي أن يتشكَّل، ويعمل الراديو، البنتان تتشاجران، شعيرة أنه عند منتصف النهار بالضَّبط يجب أن يخرج ج.ب.باورز من الحمَّام نظيفاً بشكل مؤقت، يجب أن يغادر منزله المستأجر من بابه الخلفي ليستقل حافلة ذاهبة إلى الساراسينز آرمز. كان متضمناً في هذه الشَّعيرة أيضاً أن عليه العودة لاحقاً وفي برميل بطنه أربع قناني بيرة ليتناول طعام الغداء الذي احتفظ به من أجله في فرن منخفض.
عندما انطلق لم يستطع أن يوقف نفسه. تنبعث أمامه صور عن عمله اليومي، وعن جسده، غالباً غير مطلوبة. ازدهت في مورتيمر رود وكيـﭪ كريسنت، بين المنازل المتشابهة، منفصلة أو منفصلة جزئياً. حامت حينها على محادثة وتوجيه، كانت هناك في سيارة الأوستن مثل ضباب. رأى منازل وطرق تشيد وتمنَّى لو أنه امتلك الشَّجاعة لينضمَّ إلى ورشة عمل. رأى يديه الكبيرتين على عجلة القيادة وفكَّر بتجديد وظيفتهما.
يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر أيلول، أعطى جوستين بارك باورز الآنسة هوبيش درس القيادة التالي، درسها ذو الرقم مئتين وواحد وأربعين. جلس إلى جانبها، القدمان واليدان يقظين.
“لم نحظ بصيف يا سيِّد باورز”، تنهَّدت وهي تسوِّي جلستها. “واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، أعلى وللوراء لعكس الاتجاه. هل نحن مستعدون يا سيد باورز؟”
قادت بإهمال من كيـﭪ كريسنت إلى اميرفالي آفنيو.
قال باورز: “إشارات اليد”، والآنسة هوبيش مدَّت ذراعاً مهزولة ولوَّحت بها اعتباطاً.
تخيَّل الفتاة الضَّاربة على الآلة الكاتبة في مكتب روش. ارتدت في الطقس البارد كنزات صوفية جسَّمت نهديها. اهتزا وهي تطبع، لكن لم يكن هناك شيء يمكنه فعله بشأنهما الآن. ربما قهقهت مع روش فيما بعد، حول ما قاله هوبكر صعب الإرضاء، عن جرأة روش الشَّديدة عندما نصح باستخدام مزيلات التعرق من مثل اودو-رو-نو أو مام.
قال باورز: “أنت تنسين إشارات اليد تلك”.
تمتمت الآنسة هوبيش: “صعبة للغاية”.
“تعال واشرب كأساً”، كانت امرأة قد قالت له مرة، عند نهاية أحد الدُّروس، ورفرف قلبه في صدره العاري، لأنه كان قد سمع من الرجال الآخرين عن القيام بمثل هذه المبادرات. مع ذلك لم يسفر شيء عنها، لأنه والشَّراب في يده، ضحك وكان على سجيته، روى لها بضع نكات وتجوَّل في الغرفة فكان في وضع يمكنه من تسديد صفعة استطلاعية للمؤخرة. كلُّ هذا لم ترحب به المرأة وطلبت مدرساً آخر للدروس المستقبلية.
قال باورز: “تمهَّلي عند المعبر”.
“أستميحك عذراً؟”، قالت الآنسة هوبيش وهي تلتفت لتنظر إليه، متقدمة بسيارة الأوستين إلى الأمام متفادية امرأة تجر عربة أطفال.
“التفتي يمنة. سوف نصعد مورتيمر رود. إشارة اليد، مؤشر. اذهبي إلى منتصف الطريق”.
مستثارة، أوقفت الآنسة هوبيش السَّيارة فجأة.
صاح ج.ب.باورز طالباً العذر من حركة المرور: “المزيد من الوقود، مزيد من الوقود”.
قالت الآنسة هوبيش في مورتيمر رود: “أخبرني عن القوى الجوية الملكية، أحب سماع حكاياتك”.
“يجب أن نركِّز على قيادتنا يا آنسة هوبيش”.
“هلا شربنا فنجان قهوة بعدئذٍ وهل ستخبرني حينها؟”
“نعم يا آنسة هوبيش، فنجان قهوة سيكون لطيفاً”.
أغمض عينيه وخلال ثوانٍ كانت الآنسة هوبيش قد صدمت سيارة الأوستين بمؤخرة شاحنة ثابتة.
قالت الآنسة هوبيش: “أوه يا إلهي، يا إلهي”.
خرج باورز وتفحَّص الضَّرر. تضرر كل من الجناحين وشوَّاية جهاز التبريد إلى حدٍّ بعيد. انثنى المصد مثل قطعة من الكرتون المقوى.
قال باورز: “أفضِّل أن أقود، قد يكون التوجيه متقلقلاً”.
قاد في صمت، يتفكَّر فيما قد يكلف الحادث فيما يتعلق به. ثم تساءل بكسل، كما فعل غالباً، كيف يكون الحال إذا كان المرء محامياً أو مديراً لمصرف. لم يتمكَّن من وضع نفسه في أي من الدورين، لم يتمكن من سماع نفسه يقدم النصح بخصوص شراء منزل، أو إقراض نقود، أو تقديم تفاصيل قوانين الطلاق مقابل أجر. بدا حقيقة أنه كان مقدراً لمهامه أن تكون عديمة القيمة، كان قد أثبت نفسه في الحرب فقط.
سألت الآنسة هوبيش بدعة: “قهوة الآن؟”
نظر نحو مقدمة السَّيارة ثانية. كان كلا الكشافين محطمين.
قالت الآنسة هوبيش: “سوف أعطيك شيكاً”. ناولته قهوة وبسكويت مغطى بقشرة سكرية. “من أجل الضرر الذي حدث لمحركك. أفترض أنه قد يكون بقيمة مئتي باوند؟”
قال باورز وهو يوافق على الخطة: “مئتان، ج.ب هي الأحرف الأولى”.
“الآن سوف ننسى الأمر؟” كانت قلقة، وأومأ بينما يدس الشِّيك ويفكر به.
قد يكون رانسوم في السارسينز هيد وقت الغداء. قد يركن سيارة الأوستن في الخلف حيث لن يراها رانسوم ولن يخمِّن شيئاً. مئتان: قد يجعل هذا المبلغ يدوم طويلاً، من الجميل أن يحظى به معه، لطيف أن يكون بوسعك الاعتماد عليه بين الحين والآخر.
“بسكويت لذيذ يا آنسة هوبيش”.
“إذن سماح يا سيد باورز! اعتقدت أنك قد لا تتحدث معي، سيارتك الجميلة تحطمت”.
“على الإطلاق”.
“تناول المزيد من هذا البسكويت، أعرف أنك تحبه. اشتريته من متجر سينسبوري”.
غمس البسكويت في قهوته وامتصَّ القشرة السُّكرية الملونة. كانت غرفة مريحة. كان الكرسي الذي جلس فيه عريضاً وناعماً. سبق له أن نام فيه. دعته الآنسة هوبيش مرة لخلع حذاءه بعد أن رأت تعبه.
“وداعاً آنسة هوبيش”.
“المزيد من القهوة؟ البسكويت؟”
“أخشى أن عليَّ أن أشق طريقي يا آنسة هوبيش”.
“وداعاً إذن يا سيد باورز”. تصافحا كما فعلا على الدَّوام.
كان الملل، فكَّر، كان ذلك ما منعه من أن يكون الشَّخص المنفتح السَّهل الذي ولد ليكونه. الملل من التكرار، الملل من التَّحدث بمصطلحات بسيطة. إشارات اليد وتغيير الترس: منحه الملل وقتاً ليفكر، جعله يفكر. لم يستخدم باورز هذه الكلمات في معاينته لمشكلته، لكن ذلك كان المعنى الذي توصل إليه. عدت أفكار في دماغه مثل أرانب برية. لم يعرف كيف يصطادها.
قال رانسوم: “أنا مبتهج للغاية”.
تفحَّص باورز البيرة في إبريقه. أومأ مبتسماً ليبدي الحماسة.
سأل رانسوم: “هل تعلم ما الذي أزمع على فعله؟”
عرف باورز أنه خلال ثلاثة أشهر سيبدأ بالتفكير أن رانسوم خنزير. امتلك رانسوم تركيبة روش آخر، قد يكون أسوأ.
قال رانسوم: “سوف أطرد جاك كلاي “.
كانت معرفة الرجل في سارسينز هيد شيئاً، يتحدَّث وهو يحتسي البيرة عن أيامهما في سلاح الجو الملكي، لكن أن يكون هذا الشَّخص مسؤولاً عن حياة المرء اليومية كان أمراً آخر. سوف أطرد ج.ب.باورز. استطاع سماع الرجل يقول ذلك في هذه الحانة نفسها، لثمَّة شاب قد يصلح أكثر لتوزيع اللوازم.
“سوف أطرد جاك كلاي وأضع ج.ب.باورز في سيارته. ما رأيك بذلك، سيارة كونسول كبيرة؟”
قال ج.ب.باورز: “ممتاز، ممتاز، ممتاز، كونسول سيارة جميلة”.
“لقد فكرت بشأن صنع صفائح مطاطية وحافظات مياه على شكل أرنب صغير. أود أن أمتلك الكثير، كما تعلم، أسرَّة محمولة للأطفال، كل شيء، خدمة كاملة. وجدت شخصاً في هوكستون يعمل على التحكم بالبول”.
بدأت الأفكار المتعبة القديمة مرة أخرى من جديد. لم يستطع رؤية نفسه بوضوح، لم يستطع أن يرى كيف كان مصمماً أو ماذا كان مفترضاً به أن يفعل، أو ماذا قدِّر له في أي وقت من الأوقات أن يفعل. بدأ يقلق وكره نفسه لذلك، لأنه لم يرغب أن يقلق، لأن الأفكار كانت مفروضة عليه.
كان رانسوم يتابع: “سوف تشتري المرأة الحامل أي شيء. تفاحة من شجرة أيها الولد العجوز. والله يومان وسوف تعرف أنك لم تحظ يوماً بأفضل من هذا”.
أومأ باورز.
قال رانسوم للساقية: “قنينتان”.
لو عمل في وسائل النقل العامة لكان ترساً في آلة كبيرة، يقلُّ الناس إلى العمل في الصَّباح، ويعيدهم إلى البيت ليلاً. وإلا سوف يتوجب عليهم السَّير. لقد رآهم خلال إضراب المواصلات، سائرين من شارع ريجينت إلى ويمبلدون. لا يمكنك فعل ذلك أكثر من مرة في الأسبوع.
“هل سأكون على ما يرام؟”
“عذراً أيها الفتى الكبير؟”
“هل سوف أكون أهلاً للعقد؟”
“ألم أقل ذلك؟ ألم أكن ألح عليك لسنوات كي تأتي؟ أعني ما أقوله أيها الفتى الكبير”.
طرأ له أن رانسوم كان يتعمَّد أن يكون قاسياً، بغض النظر عن كونه رؤوفاً. كان هدف رانسوم العبرة الأخلاقية. كانا قد انسحبا من القوى الجوية الملكية معاً في اليوم نفسه. ذهبا في طريقين منفصلين، هو ليدرِّس متعلمي قيادة السيارات، رانسوم ليؤسس تجارة. والآن كان رانسوم سيوظفه. كان حديث رانسوم المقنع لسنوات، كل صباحات الآحاد تلك في الحانة، مصمماً للنيل منه. كان آمر رانسوم في القوى الجوية الملكية.
“اشرب نخبه”.
رفع إبريقه ليلاقي إبريق رانسوم.
اقترح رانسوم مبتسماً: “اشترِ لك بدلة جديدة أنيقة. في غاية الترتيب والنظافة، وطلاء على الحذاء. سوف يحبونك أيها الفتى العجوز”.
جلس في الأوستن، يفكِّر بآخر ثلاث ساعات. كانت قناني البيرة التي شربها قد لبَّدت لون وجهه. استطاع أن يشعر بها في معدته، ثخينة ومريحة-خندق مائي مقابل روش الذي كان يتحدث في عقله. رأى فمه المسطح ينفتح وينطبق، والكلمات تمتد بينهما، فوق مكتب روش المرتب، كي تسترق الفتاة الضَّاربة على الآلة الكاتبة السَّمع إليها. لذا ذلك ما كان: على باورز أن يومئ ويفهم، ويذهب ولا يعود البتَّة، يجب أن يكون منسياً من قبل روش، ومن قبل الفتاة التي كان نهداها مرغوبين للغاية. الآن كان رجل تجارة أخرى، رجل طيب الخلق تحدَّث مع المرأة الحامل عمَّا سيأتي، مهتماً بالمستلزمات ويبيعها.
كانت الشَّمس حارَّة على وجهه عندما جلس في سيارة الأوستن. استرخى جلده، ذلك الجزء منه سعيد في الحر. أغمض عينيه واستسلم للحظة الصَّغيرة. مسَّت الشَّمس يديه على عجلة القيادة ودفأتهما أيضاً. البيرة في بطنه، الشَّمس على جلده: كان قد شعر بمثل هذا الدَّلال من قبل. استلقى في سرير، تمدد، ومطمئناً غطي بدفء. رحَّب به دفء زوجته ومنحه نسخة أخرى من الحسية البسيطة. بنعاس، أثير وعي في ج.ب.باورز. لم يفكِّر بكثير من الكلمات أن عذر حياته يكمن في لحظات مثل هذه: فقط فيما تلقَّاه، طالما أنه لم يسهم بشيء. لم يفكر بالأمر لأنه كان سخيفاً عندما تم التعبير عنه بتلك الطريقة، موضَّحاً وموضوعياً. طرق الشُّعور على دماغه لكن ما من حالق تمدَّد ليجعله على هيئة فكرة. ضببت غيمة شعاع الشَّمس وتبخر الشُّعور، ليحل محله اكتئاب الأصيل. شغَّل الإشعال وقاد سيارة الأوستن للمرة الأخيرة، عبر كيف كرسنت ومورتيمر رود، نحو بوتني هيل ونحو تيار حركة المرور.

(2)
يوم ثملنا على كعكة

مكسواً ببدلة مجعَّدة من قماش التويد، مشيراً إلى طرف ربطة عنق مهترئ التي قد تكون أنهت بالفعل خدمة مدتها سنة عند خصره، تفوَّه سوان دو ليل ببذاءة مرحة في هواء يبلغ حجمه أربعمائة قدم مكعَّب يدعى على نحو ملطَّف: مكتبي. لم أكن قد رأيته لبضع سنوات: هو نوع من الأشخاص الذين يمكن للمرء غالباً دون سبب أن يستدلَّ على أنهم من خارج البلاد. عرضاً، قد يستنتج المرء أن غياباته الطويلة تعود إلى حدٍّ ما إلى عنصر الكارثة الذي يتميز بقوة في تركيبته.
كان عليَّ أن أعرف عندما رأيته واقفاً هناك أن من واجبي أن أحترس على الفور. في الوضع الطاغي من الرقَّة العاطفية الذي كنت عليه، لم يسعني الأمل بالتغلب على أي نوع من أنواع الترفيه الذي كان سوان يضمره لي. لأن سوان، كي أكون محقاً، لم يأتِ أبداً خالي الوفاض. كان سوان عظيماً في الحصول من الحياة على الأفضل، وقد قدَّم بثبات جزءاً سخياً من خططه المعدَّة جيداً. شرح أنه كان هذه المرة يقدم لي أصيلاً جذاباً. شرحت بالمقابل أني لا أشعر برغبة بأصيل جذاب، لأني كنت أيضاً منشغلاً للغاية كي أموِّه السَّاعات على النَّحو الذي كان يقترحه. لكن سوان كان جالساً، محصناً جيداً، وفي النهاية ناقشني في الأمر.
كتبت ملاحظة ووضعتها على آلتي الكاتبة: الثُّلاثاء بعد الظُّهر أنا تحت مبضع الجراح. ثم أجريت اتصالاً هاتفياً.
“لوسي؟”
“مرحباً، مايك”.
“كيف حالك؟”
“على خير ما يرام، مايك. كيف حالك؟”
“جيد جداً أيضاً. فقط فكرت أني قد أتصل”-
“شكراً لك يا مايك”.
“يجب أن نلتقي ثانية قريباً”.
“نعم، لابدَّ أن نفعل”.
“كنت سأدعوك لتناول الغداء غير أن صديقاً قديماً وموضع تقدير قد ظهر للتو”.
“هذا حسنٌ من أجلك”.
“حسناً، نعم”.
“شكراً لاتصالك، مايك”.
“وداعاً، لوسي”.
“وداعاً، مايك”.
كان سوان يرسم أشكالاً على طلاء مكتبي بمشبك ورق مقوَّم.
قال: “تلك لم تكن زوجتك”.
“زوجة؟ بعيداً عن ذلك”.
” لم تتزوج أو أي شيء؟”
“لا”.
“جيد. لقد التقيت بفتاتين في استراحة. أخبرتاني أنهما يعرفانك”. سرنا الهوينى في شمس أيلول للقائهما.
لطالما أردت أن أختلق طابعات اختزال أنيقات لهن شخصيات حسنة وشفاه جميلة، تدار رؤوسهن بيسر لدى سماع خشخشة النقود، فتيات مبهجات أنجزن المهمة في شركة بيتمان ولا يؤمنَّ بزواج متوقَّع. ربما كن بلا جدال مثل هذه الرفقة التي وجدنا أنفسنا ننفق ذلك الأصيل معها. كما جرى، كانت كلاً من مارغو وجو، اثنتان أريبتان من النساء، رسمتا صوراً للمجلات الصقيلة.
قالت لي جو: “عندما كنت في الحادية عشرة من عمري ألفت كتاب الأطفال هذا ورسمت جميع الصُّور. نشره شخص ما، وذلك بالطبع جعلني غير محبوبة للجميع”.
“لابد أنك كنت على قدر هائل من الذَّكاء”.
“لا، بصدق. كان سيئاً بصورة مريعة، كما يمكنك أن تتخيل. لقد كان أمر نشره مجرد حظ”.
قالت مارغو: “كلمات، تعني الكثير لجو. لديها إحساس صادق”.
قال سوان: “إنها حمقاء”.
قالت مارغو: “حباً بالله يا سوان”.
سار جو وسوان معاً. كان سوان سئماً وبدأ يروي نكتة لجو. قالت مارغو لي بشكل خاص: “جو أكثر الأشخاص الذين التقيتهم موهبة على الإطلاق”. أومأت غير مهتماً بأي طريقة من الطرق. كان البار مزدحماً برجال يرتدون زياً موحداً: بدل رمادية داكنة اللون، صداري، قمصان بيضاء، ربطات عنق مخططة تعود لثمة ناد أو مدرسة.
“هل تشربين، مارغو؟”
قالت مارغو إنها فكرة جيدة وأنا وصلت نحو النُّضد الرطب بصعوبة وطوَّفت ورقة مالية بقيمة عشرة شلنات على بُركة بيرة. عندما عدت إليها قالت مارغو:
“أخبرني دون مواربة، ما رأيك بنيجل؟”
نيجل؟ ارتشفت بيرتي أكسب الوقت، أتساءل لماذا شربت الشيء طالما أني كرهته كثيراً. قلت:
“أوه، يعجبني نيجل”.
“حقاً يعجبك؟”
“حسناً، لا بأس به. أعني”-
“أحياناً، مايك، أظن أن نيجل هو أكثر الأشخاص فظاعة”.
تذكرت. كان نيجل لحيماً وثرثاراً. قد يخبرك نيجل أي شيء تمنيت معرفته على الإطلاق. عندما يبدأ نيجل، في الحقيقة، لا شيء يوقف نيجل. كان نيجل زوج مارغو.
شربت المزيد من البيرة. كانت باردة وعديمة المذاق. لم أقل شيئاً.
“نيجل وأنا تجادلنا الليلة الماضية”.
“أوه يا إلهي!”
أخبرتني مارغو عن الجدال. أصغيت بحزن. ثم اشتريت المزيد من الشَّراب، وهذه المرة غيرت رأيي إلى الويسكي. شخص ما أخبرني ذات مرة أن جو لديها زوج أيضاً. كان ينظر إلى كلا الزواجين على أنهما في طريقهما إلى التحطم.
فجأة لم تعد مارغو تتحدث عن نيجل. نظرت إليَّ بطرف عينها وقالت شيئاً لم أسمعه. من الجمل القليلة التالية أدركت أنها كانت تخبرني بأني قد أكون زوجاً جيداً.
قلت: “أفترض بأني قد أكون”.
“أنا لا أحبك أو ما شابه”، قالت مارغو وهي تتأرجح.
“بالطبع لا”.
بعد الحانة غادرنا لتناول الغداء. فكَّرت بلوسي طوال الطريق في سيارة الأجرة.
ذهبنا إلى مطعم إيطالي في سوهو كان غالياً جداً وليس جيداً على نحو خاص. روى لنا سوان تاريخ حياته ولم يتناول سوى سلسلة من حلوى الكاساتا . وجدت هاتفاً على الدَّرج واتصلت بلوسي.
“مرحباً لوسي. ماذا تفعلين؟”
“ماذا تعني، ماذا أفعل؟ أنا واقفة هنا أتحدَّث معك على الهاتف”.
“أنا أسكر مع أناس في سوهو”.
“حسناً، هذا لطيف من أجلك”.
“حقاً؟ أتمنى لو أنكِ هنا”.
ستكون لوسي قد شعرت بالسَّأم هنا. قالت: “كنت أقرأ رواية آدم بيدي “.
“قصَّة جيدة”.
“نعم”.
“هل تناولت طعام الغداء؟”
“لم أتمكن من العثور على أي شيء. لقد تناولت قليلاً من الشوكولا”.
“اتصلت لأرى كيف تبلين”.
“أنا بخير، شكراً”.
“أردت أن أسمع صوتك”.
“أوه كفاك. إنه مجرد صوت”.
“هلا أخبرك عنه؟”
“أفضِّل ألا تفعل. لا أعرف لماذا”.
“هلا التقينا في وقت ما؟”
“أنا واثقة من أننا سنفعل”.
“سوف أتصل بك عندما أفيق”.
“افعل ذلك. يجب أن أعود إلى آدم بيدي”.
“وداعاً”.
“وداعاً”.
وضعت السَّماعة ووقفت هناك أنظر إلى الدَّرجات شديد التَّحدر. ثم نزلت.
قال سوان: “ما الذي علينا فعله الآن؟ إنها السَّاعة الرابعة”.
أعلنت مارغو: “أريد أن أتحدث مع مايك، ما من أحد يستمع”.
جلست إلى جانبها وبدأت تتحدث بهمس رخو. “أريد نصيحتك حول نيجل، مايك”.
“صدقاً أنا لا أعرفه إلا بالكاد”.
“لا يهم. انظر، أظن أن هناك أمر بخصوص نيجل”.
طلبت منها أن تكون أكثر دقة. بدلاً من ذلك حولت توكيدها إلى سؤال.
“مايك، هل تظن أن هناك خطب ما في نيجل؟”
“حسناً”-
“كن صريحاً الآن”.
“أقول لك، لا أعرفه. ومن كل ما أعرفه قد يكون لديه معدة اصطناعية”.
“نيجل ليس لديه معدة اصطناعية في الواقع”.
“جيد”.
“لا أعرف لماذا يجب أن تفكر بذلك عنه. حتى أنه لا يعاني من شيء في معدته”.
“حسناً إذن ما الأمر مع الرجل؟”
“أظن أن المشكلة عقلية ربما”.
“حباً بالله احرصي على أن يكون مصحوباً يا مارغو”.
“تظن أن عليَّ أن أفعل ذلك؟”
“بالتأكيد. إلا إذا كنت تحبين كونه مضطرب عقلياً”.
ضحكت مارغو بفتور. قالت:
“هو مولع بفعل مثل هذه الأمور الغريبة. أعني لا أعرف أين سيتوقف هذا”.
“أمور غريبة مثل ماذا؟”
“مثل جلب نساء مسنَّات إلى البيت. يأتي مع أولئك النسوة شارحاً أنه كان يحضر ثمَّة اجتماع معهن وقد أتى بهن لشرب القهوة. إنه أمر مزعج للغاية-نيجل مع أربع أو خمس سيدات مسنات يجرجرن أنفسهن في إثره. يبقين لوقت طويل كأنه الدهر. لا أملك فكرة من أين حصل عليهن. أظن أنه يتخيل أنه لطيف”.
“ماذا يقول نيجل؟”
“يقول إنهم لم ينهوا اجتماعهم. هم يجلسون ويكتبون بعض الملاحظات. لا أحد يقول شيئاً”.
“أظن أن هذا مثير للاهتمام على العموم. أنا واثق من أن ثمَّة شرح بسيط تماماً. لا أظن أنك استقصيت المسألة بحق مارغو”.
قال سوان: “لنغادر هذا المكان”.
ذهبنا إلى مكان آخر، يدعى بلو غوت. كان واحداً من تلك النوادي حيث يمكنك أن تشرب في الأصيل دون أن يتوجب عليك مشاهدة التعري. جربت مارغو أن تحكي عن نيجل، لكني قلت بحزم بأني لا أريد سماع أي شيء عن نيجل. تحدثت مع جو.
قلت: “جو، هل تعرفين فتاة تدعى لوسي انستروث؟”
“قصيرة، سمينة، صلعاء قليلاً؟”
“لا. لوسي شخص غاية في الجمال”.
“ليست الفتاة نفسها”.
“طويلة، شقراء، لها عينان شديدتا الزرقة. تمشي مثل قطة”.
“لا أعرفها”.
“تقول أشياء غير متوقعة. إنها نصف سويدية أو شيء من هذا القبيل”.
“مايك، هل تخمِّن أني كنت نصف ولزية؟”
“لا. أريد أن أسألك عن لوسي-“
“لكني لا أعرفها”.
“لا أعرف ماذا أفعل بشأن لوسي”.
“أنت تبدو مثل مارغو. مارغو لا تعرف ماذا تفعل بشأن نيجل. لا أحد يعرف ماذا يفعل بشأن أي شخص آخر. يا إلهي! هل يمكن أن أحظى بالمزيد من الفودكا؟”
“نعم. كما أقول-“
“أريد كأس فودكا ثلاثية”.
طلبت الفودكا. إلى جانبنا، كان سوان ومارغو جالسين في صمت مغتم، لم يكونا حتى يصغيان إلى ما كنا نقوله. التقت عين مارغو بعيني وفتحت فمها لتتحدث. أدرت ظهري وناولت جو شرابها.
“شيء ما هو الأمر مع زوج مارغو”، قالت جو. “مارغو المسكينة قلقة للغاية”.
“نعم، أعرف كل شيء. مارغو كانت تخبرني”.
” يعجبني نيجل، كما تعلم”.
“ربما يمكنك مساعدته كي يقوِّم نفسه. كنا نتحدث عن شيء آخر. كنت أخبرك-“
“يبدو أن نيجل يجلب نسوة إلى البيت”.
“نعم أعرف، جو”.
“قاس قليلاً على مارغو”.
سمعت مارغو هذا. صرخت: “ما هو القاسي على مارغو؟” من ثم أصبحت المحادثة عامة. ابتعدت لأتصل بلوسي.
“لوسي؟”
“مرحباً. هل أنت مايك؟”
“نعم”.
“مرحباً مايك”.
“مرحباً لوسي”.
“كيف حالك؟”
“أنا أتسلى. لكن لوسي؟”
“نعم؟”
“أنا لا أحاول أن أكون مسلياً. أنا لست ممتعاً”.
“أين أنت؟”
“في البلو غوت”.
“أين يقع ذلك؟”
“إنه مبطَّن بجلد النَّمر. جو ومارغو وسوان هنا أيضاً”.
“من هم؟”
“فقط أناس آخرين”.
“لطف منك أن تتصل مايك”.
“نيجل زوج مارغو يجلب نسوة إلى البيت. تساءلت ربما لو كنت تملكين نصيحة يمكنني أن أقدمها لها. هي قلقة بشأن النسوة. يأتون جماعات”.
“أوه مايك، لا أعرف عن أشياء من ذاك القبيل. ما كنت لأعرف ما أفعل صدقاً”.
“آسف، لوسي، فقط ظننت أنك قد تعرفين”.
“جرس الباب يرن. وداعاً مايك. لو كنت مكانك لذهبت إلى البيت”.
قال سوان أنه يريد الشاي. غادرنا البلو غوت ومشينا في الشَّمس المدوخة نحو فلوريس.
بدأت مارغو ثانية حول نيجل.
قال سوان أنه يعرف رجلاً قد يجعل نيجل أحسن حالاً. لم يستطع أن يتذكر العلاج الذي قدمه هذا الرجل، لكنه قال إنه على قدر كبير من المصداقية. ذهبت بعيداً لأتصل بلوسي.
“لوسي؟”
أجاب صوت رجل. قلت: “هل يمكنني التحدث مع لوسي؟ هل هذا الرقم الصحيح؟”
لم يجب الرجل وفي لحظة جاءت لوسي. “هل هذا مايك ثانية؟”
“مرحباً لوسي. كيف حالك؟”
“أنا بخير مايك”.
“جيد”.
“مايك لقد اتصلت بي عند السَّاعة الرابعة والربع. هل تعلم كم الساعة الآن؟”
“كم السَّاعة الآن؟”
“الرابعة وخمسة وثلاثون دقيقة”.
“أنا مزعج، أليس صحيحاً؟”
“لا، لا. فقط هل هناك أي شيء يمكنني أن أفعله من أجلك؟ أعني هل تريد شيئاً وتشعر بأنك غير قادر على التعبير عن نفسك؟”
“أنا سئم. أنا مع هؤلاء الناس لوسي”.
“نعم؟”
“من هذا في شقتك؟”
“صديق يدعى فرانك. لا تعرفه”.
“ماذا يفعل هناك؟”
“ماذا تعني، بماذا يفعل؟”
“حسناً”.
“أنظر، سوف أسأله. فرانك، ماذا تفعل؟”
“ماذا يقول؟”
“يقول إنه يصنع فنجاناً من الشَّاي”.
“أنا أشرب الشَّاي أيضاً. في فلوريس. أتمنى لو كنت هنا”.
“وداعاً مايك”.
“لا تذهبي لوسي”.
“وداعاً مايك”
“وداعاً لوسي”.
عندما عدت إلى الآخرين وجدتهم يضحكون ضحكاً صاخباً. قال سوان إن الكعكة التي كانوا يأكلونها كانت تجعلهم ثملين. “شمَّها”، قال. لها رائحة الرُم. تذوقت القليل: لها طعم الرم أيضاً. جميعنا أكلنا الكثير من الكعك ضاحكين على فكرة أن نثمل جراء تناول كعكة. طلبنا المزيد وقلنا للنادلة إنها لذيذة. عندما خف الحماس قليلاً قال سوان:
“مايك نريد نصيحتك بخصوص زوج مارغو”.
“لقد أخبرت مارغو”.
“لا مايك-بجدية الآن. أنت تعرف عن هذه الأمور”.
“لماذا تظن أني أعرف حول هذه الأمور؟ لا أعرف حول هذه الأمور”.
“حسناً مايك، سوف أخبرك. يظهر نيجل زوج مارغو دوماً مع مجموعات من الإناث المسنات. مارغو قلقة في حال يتطور الأمر قليلاً-كما تعلم، متشردين، بقالين، جنود بساق واحدة. ماذا تظن أن عليها أن تفعل؟”
“لا أعرف ماذا على مارغو أن تفعل. مارغو، لا أعرف ماذا ينبغي عليك أن تفعلي. باستثناء أن تسألي نيجل عما ينوي عليه. في هذه الأثناء تناولي المزيد من الكعك”.
“الآن هناك فكرة”، صرخ سوان بانفعال. “مارغو حبيبتي، لماذا لا تسألين نيجل المسن ماذا ينوي عليه؟”
لطمت جو بمودة وجهي بأصابعها العظيمة الشائكة. خمنت أنه كان تعبيراً عن الاعجاب بدلاً من الهجوم لأنها ابتسمت عندما فعلت ذلك.
“لكن كل ما يقوله نيجل”، قالت مارغو، “هو أنهم لم ينهوا لقاءهم”.
“آه نعم”، قال سوان، “لكن أنت لا تضغطين عليه. لا تقولين: “أي لقاء؟” لا تشيرين إلى أنك لا تعرفين ما هو جوهر عملهم. نيجل قد يتخيل أنك تقبلين بالوضع الراهن بمجمله دون مساءلة وتنتظرين القليل من الحياة الزوجية. عندما كنت في دورة المياه”، قال لي سوان، ” اعترفت مارغو أنها قلقة”.
“كانت قد اعترفت سابقاً بالأمر نفسه لي. لم أكن في دورة المياه. كنت أجري اتصالاً هاتفياً”.
“هل أفعل ذلك؟” قالت مارغو. “هل أتصل بنيجل وأطلب منه أن يشرح كل شيء؟”
جميعنا أومأنا. نهضت مارغو مترددة وجلست ثانية. قالت إنها لا تستطيع. شرحت أنها كانت خجلة جداً لتتصل بزوجها بهذه الطريقة. التفتت نحوي.
“مايك هلا تفعل ذلك؟”
“أنا؟”
“مايك هلا تتصل؟”
“هل تطلبين مني أن أتصل بزوجك وأستفسر عن علاقته ببعض النسوة المسنات وهن مجهولات كلياً لي؟”
“مايك لأجلي”.
“فكري بالتفاسير التي قد تورطني. فكري بالاعتراف. يتخيل نيجل أني زوج واحدة من أولئك النسوة. يتخيل نيجل إني من الشرطة. يسألني نيجل سؤالاً تلو الآخر. بحق الله، كيف تفكرين أني سأحصل على ثمة جواب منه؟”
قال سوان: “كل ما عليك فعله هو أن تقول: “هل هذا نيجل؟ الآن أنظر هنا، نيجل، ما كل هذا الذي أسمعه عن أولئك النسوة اللواتي يأتين إلى منزلك في كل ساعة ليل نهار؟” قل إنك تمثل وزارة المعاشات”.
“لا يمكنني أن أخاطب الرجل بنيجل من ثم أقول أنا من وزارة المعاشات”.
“مايك، اسم زوج مارغو هو نيجل. سوف يتوقع منك أن تخاطبه بنيجل. إذا لم تخاطبه بنيجل هو ببساطة سوف يقول لك أن تذهب إلى الجحيم. سوف يقول إنك اتصلت بالرقم الخطأ”.
“أقول: “مرحباً نيجل هذه وزارة المعاشات”. سوف يظن الرجل أني مجنون”.
قالت مارغو: “مايك فقط افعلها على طريقتك. لا تهتم لسوان. كان سوان يأكل الكثير من الكعك. هيا أنت تعرف أين الهاتف”. أعطتني قصاصة ورقية وعليها رقم.
“أوه يا إلهي”، قلت، وغير قادر على التحمل أكثر اقترضت أربعة بنسات وسرت نحو الهاتف.
قال الصوت على الطرف الآخر: “مرحباً؟”
“مرحباً. هل يمكنني التَّحدث مع لوسي؟ من فضلك”.
قالت لوسي: “مرحباً”
“مرحباً لوسي”.
قالت لوسي: “حسناً؟”
“أنا مايك”.
“أعرف أنك مايك”.
“يريدون مني أن أتصل بهذا الرجل الذي كنت أخبرك عنه، لكن لا يمكنني الاتصال بالناس بهذه الطريقة”.
“لماذا لا تذهب إلى البيت وتنام؟”
“لأني لن أنام. أتذكر الرجل مع النسوة المسنات؟ حسناً، يريدونني أن أتصل به وأسأله على ماذا ينوي. لوسي، لا يمكنني فعل ذلك، أليس صحيحاً؟”
“لا، بصدق تام لا أؤمن بأنك تستطيع”.
“قالوا لي أن أتظاهر بأني من وزارة المعاشات”.
“وداعاً مايك”.
” فقط-لوسي؟”
“نعم؟”
“ألا يزال ذلك الرجل هناك؟”
“أي رجل هذا”.
“الرجل في شقتك”.
“فرانك. هو لا يزال هنا”.
“من يكون لوسي؟”
“يدعى فرانك”.
“نعم، لكن ماذا يفعل؟”
“لا أعرف ماذا يفعل. فرانك، ماذا تفعل؟ كي تكسب رزقك؟ يقول إنه-ماذا، فرانك؟ عامل شحن مايك”.
“عامل شحن”.
“وداعاً”.
“وداعاً لوسي”.
عندما عدت إلى طاولة الشَّاي كان الجميع مبتهجاً للغاية. لم يسألني أحد عما قاله نيجل. دفع سوان الفاتورة وقال إنه كان في توق ليرينا عرضاً لرعب شرقي في مكان ما في أوستون، وبعد ذلك قد يصحبنا إلى حفلة. قالت مارغو في سيارة الأجرة:
“ماذا قال نيجل؟”
“كان في الخارج”.
“ألم يكن هناك؟”
“أجابت امرأة. قالت إني كنت أقاطع الاجتماع. قلت “أي اجتماع؟” لكنها أرادت أن تعرف من أكون قبل أن تجيب على ذلك. قلت إني من وزارة المعاشات وقالت “أوه يا إلهي”، وأغلقت الخط”.
كان أمامنا ساعات حتى موعد الحفلة، لكن لم يبد أحد أنه يمانع. ساعدت امرأة ترتدي بنطالاً واسعاً في صب زجاجات النبيذ في دن. لعب سوان، مارغو، وجو بالمسجلة، وبعد حين وصل زوج المرأة وجميعنا خرجنا لنأكل.
بدأ النَّاس بالوصول حوالي السَّاعة الثَّامنة. عجَّ المكان بدخان التَّبغ، الموسيقى، والأبخرة، وبدأت الحفلة تتمايل قدماً بسرعة مرحة بما يكفي. حدَّثتني فتاة شعرها مصفف على شكل حليقات بجدية عن الحب. أظن أن شعورها كان مماثلاً لشعوري إلى حدٍّ كبير، لكني لم أتخيلها توأم روح، ليس حتى بشكل مؤقت. قالت: “يبدو لي أن كل من يمتلك خاصية إمكانية الحصول على الأفضل من الحب. يكون أقوى كما ترى. مثل تباه. أو شرف. أو أخلاق-حتى فكري، حتى شاعري-نزاهة. خذ شخصان يحبان بعضهما البعض. الأمر الوحيد الذي يمكن حقاً أن يكدر صفو الأشياء هو الخاصية الشخصية عند واحد منهما. الآخرون لا يتدخلون فيه على الإطلاق. ما عدا بطريقة غير مباشرة-كآلات للغيرة على سبيل المثال. ألا توافقني؟
لم أكن واثقاً حول أي شيء، لكني قلت نعم.
“أمر آخر عن الحب”، قالت الفتاة ذات الحليقات، “إنه عدوى استثنائية. هل حدث لك يوماً أنك عندما تكون عاشقاً لشخص ما فأنت ترغب حقاً في أن تكون محبوباً؟ لأن ذلك بالطبع هو القانون الطبيعي. أعني قد يكون غريباً إذا أحب شخص كل مرة شخصاً آخر لم يكن الشخص الأول محبوباً بدوره. هناك نسبة ضئيلة للغاية من ذلك النوع من الأمور”.
بدأ شاب عدواني يضحك، مسترقاً السَّمع لهذه الملاحظات. واستمر في الضَّحك، ينظر إلى الفتاة ذات الحليقات وينظر إلي.
ابتعدت وملأت كأسي من الدِّن، وسألت امرأة جميلة في منتصف العمر عما تفعل. كان جوابها حيياً، ابتسمتُ وتابعت طريقي. أمسكت مارغو بذراعي وجرتني إلى ركن. “مايك هل ستتصل بنيجل ثانية؟”
قلت: “كنت أفكر في ذلك، بأمانة، لا أظن أنني أستطيع التدخل”.
“أوه لكن عزيزي لقد وعدت”.
“وعدت؟ لم أعد بشيء”.
“أوه مايك”.
“حقاً، المسألة برمتها-أوه حسناً”.
“الآن، مايك؟”
“حسناً الآن”.
“لوسي؟”
“هل هذا مايك؟”
“من سواه؟”
“من بالفعل؟ أين أنت الآن؟”
“أنا في حفلة”.
“حفلة جيدة؟”
“نعم، أفترض ذلك. لماذا لا تأتي؟”
“لا أستطيع مايك. أنا أفعل أشياء”.
“مع عامل الشَّحن اللعين، كما أفترض”.
“عامل ماذا؟”
“الشَّحن. صديقك عامل الشَّحن. فرانك”.
“هو ليس عامل شحن. هو يعمل في النَّشر”.
“لماذا كان يقول إنه عامل شحن؟”
تبع ذلك شرح طويل. كان ادعاؤه أنه عامل شحن عيّنة من ظرف فرانك. فكرت بهذا وأنا أشق طريقي عائداً إلى مارغو.
“ماذا قال، مايك؟”
” قالت امرأة إن نيجل ليس هناك”.
“هل هذا كل شيء؟”
“قلت إن المنزل تحت المراقبة. قلت إن السلطات المحلية ليست سعيدة على الإطلاق”.
“ماذا تقول؟”
“بدأت تتأوه، لذا قلت إني أعني ما أقول وأغلقت الخط”.
“شكراً لك مايك”.
“حسن جداً. أهلاً بك في أي وقت”.
انضمَّ سوان إلينا وقالت مارغو: ” كان مايك مع نيجل ثانية. مايك رائع”.
ربَّت سوان على ظهري وقال: “هل من أخبار جيدة؟”
بدأت مارغو تخبره. ابتعدت.
كانت جو تتظاهر أنها تستمع إلى رجلين كانا يرويان فيما بينهما قصَّة معقَّدة. قالت لي بصوت منخفض: “لا تقلق بشأن مارغو. سوف أعمل على أن تجتاز هذا الأمر”.
حدَّقت بها متسائلاً لماذا يجب أن تتخيل أني كنت قلقاً بشأن مارغو. قلت: “أنا واثق أنها ستفعل يا جو “.
همست: “ثق بجو”.
قلت إني اعتبرتها شخصاً مؤتمناً. بدأت أسهب في الفكرة. قال أحد الرجلين: “هل تمانع يا فتى؟”
هززت كتفي وشققت طريقي عائداً إلى الهاتف. اتصلت ثلاث مرات لأكون واثقاً، لكن في كل مرة لم يكن هناك إجابة.
كان يحدث الآن شكل غير منتظماً من الرقص. واقفاً عند الدن، وجدت نفسي مرة ثانية في رفقة الفتاة ذات الحليقات. ابتسمت لي وبطريقة رتيبة قلت: “هل تعرفين فتاة تدعى لوسي انستروث؟”
هزَّت الفتاة ذات الحليقات رأسها. “هل ينبغي عليَّ أن أعرفها؟”
قلت: “أفترض لا”. تفحصتني الفتاة عن كثب وتابعت طريقها. صعدت إلى الأعلى وعثرت على غرفة هادئة فيها سرير. أشع مصباح على طاولة زينة بضوء ضعيف. كان السرير الذي بدا مريحاً تقريباً في العتمة. تمددت عليه، مرحِّباً بالظلام. خلال بضع لحظات استسلمت للنوم. عندما استيقظت أشار قرص ساعتي المضيء إلى أني كنت نائماً منذ ساعتين. كانت فتاتان ترتبان وجهيهما إلى طاولة الزينة. أخرجتا وشاحي رأس عليهما أحصنة من حقيبتيهما ولفَّتا بهما رأسيهما.
تحدثتا همساً وغادرتا الغرفة. مستلقياً هناك أتأمل أحداث اليوم وأتساءل كيف سأشعر تجاهها عند الفطور. بدا لي مهماً دوماً كيف يشعر المرء عند الفطور تجاه اليوم السَّالف.
دخل رجل الغرفة وفي يده كأس وجلس أمام المرآة إلى طاولة الزينة. سرح شعره وشدَّ ربطة عنقه. ثم أخرج منديلاً من جيبه ولفَّه حول سبابة يده اليمنى. أدخل هذا في كل أذن، يثني سبابته جيئة وذهاباً. علَّق بينه وبين نفسه على محصلة هذه العملية، متفحصاً منديله. أغمضت عيني، عندما فتحتهما كان قد ذهب. أشعل سيجارة وأتوجَّه نحو الهاتف ثانية.
قال صوت: “من هذا؟”. كان رجل النشر. طلبت التحدث إلى لوسي.
“مرحباً لوسي”.
“أوه مايك، حقاً”.
“لوسي، هذا الرجل هناك ثانية”.
“أعرف مايك”.
“إنها السَّاعة الثانية صباحاً”.
“الثَّانية صباحاً. أنا آسفة مايك”. كان صوتها رقيقاً للغاية حتى أني قلت:
“كفِّي عن محاولة عدم إيذائي”.
“أظن أنه من الأفضل أن أنهي المكالمة”.
“سوف أنهي المكالمة، اللعنة”.
وقفت عند الهاتف أفكر جائش النَّفس. شعرت بشيء بين أصابعي ونظرت نحو قصاصة الورق مدون عليها رقم هاتف نيجل. رفعت السَّماعة واتصلت بالرقم. انتظرت تقريباً دقيقة من ثم قال صوت امرأة: “نعم؟ من هذا من فضلك؟”
أظن أنني قلت: “أريد أن أعرف ما الذي يجري”.
قالت المرأة بسرعة: “من الذي يتحدث؟ اتصلت بالرقم الخطأ”.
ثأرت بخفَّة: “لا لم أفعل، من فضلك دعي نيجل يتحدث على الهاتف”.
“نيجل يترأس الاجتماع. أنت تقاطع اجتماعنا بهذا الطلب. هناك الكثير على جدول الأعمال. لا يمكنني الاعتناء بطلبك سيدي”.
قلت: “هذه وزارة المعاشات”، وسمعت المرأة تتنفس بجهد. ثم أقفَلت الخط.
سرت عائداً عبر الحفلة وبحثت عن الباب الرئيسي. كنت أفكر أن كل شيء قد سوِّي تقريباً. حصلت شكوى مارغو على مخرج لها، شعرت بتحسن نحوها، وكل ما كان على الجميع فعله الآن هو أن يسأل نيجل علام كان ينوي ويصر على الفكرة حتى يتم الحصول على جواب مرضٍ. بالنسبة لي، الزمن سوف يشفي والزمن سوف يعافي. عرفت ذلك، وكان أسوأ الأمور على الإطلاق. لم أرغب أن أكون مبرئاً. أردت جنون حبي للوسي أن يواصل ظهوره لي فجأة في الأحلام، أن يسخر من تشاؤمي، أن يثب عندي على نحو غير متوقَّع. مع الوقت سوف يتبدد وجه لوسي ليصبح بحجم رأس دبوس، مع الوقت قد أراها في الشَّارع وأحييها بغير اهتمام، وأجلس معها ونحتسي القهوة، لنتحدث بهدوء عن الأمور التي حدثت منذ آخر لقاء لنا. اليوم-ليس حتى ذلك، لأنه صار بالفعل يوم الغد -قد ينزلق بعيداً مثل جميع الأيام الأخرى. ليس يوم مناسبة خاصة. ليس يوم وصيتي اليائسة. ليس اليوم الذي سرق فيه مني حب حياتي. فتحت الباب الرئيسي ونظرت نحو الليل في الخارج. كان بارداً وغير مريح. أحببته بذلك الشَّكل. كرهت اللحظة، ولكني أحببتها لأن فيها لا زلت أحب لوسي. لوحت الباب عمداً وصفقته بعيداً عن الظلمة والرذاذ. عندما عدت إلى الحفلة نخزني حزن كل ما هو منسي. حتى الآن، فكرت، الزمن يعمل، الزمن يمر ويبعدها، الزمن يدمرها، يقتل كل ما كان بيننا. والوقت في صفي، قد أنظر إلى الخلف، إلى اليوم دون مرارة ودون عاطفة. قد أتذكره فقط كومضة على السَّطح الهش للعدم، كيوم كان مسلياً إلى حدٍّ ما، على أنه اليوم الذي ثملنا فيه على كعكة.

(3)
في أصفهان

التقيا بمحض الصُّدفة في المكتب العلوي لجهارباغ تورز إنك . في مكتب الطَّابق الأرضي طلب صبي من نورمانتن الصُّعود إلى الطابق الأعلى والانتظار هناك: سوف تبدأ الجولة على نحو متأخر بعض الشيء، لأنهم كانوا يواجهون مشكلة في محرك الحافلة الصَّغيرة.
كان مكتب الطَّابق العلوي أقرب شبهاً إلى غرفة انتظار صغيرة من مكتب، صفت كراسي بمحاذاة اثنين من الجدران. كانت الكراسي بدائية: هياكل معدنية وبلاستيك أحمر اللون على مطاط رغوي. كان هناك نضد تكوَّمت عليه أدلَّة سياحية مجانية لمدينة أصفهان باللغتين الفرنسية والألمانية، وأدلة لشيراز وبرسبوليس بالإنكليزية أيضاً. على الجدران ملصقات صادرة عن المجلس السِّياحي الإيراني: جبل دماوند، طريق جالوس، راقصون محليون من القبائل الجنوبية، أرجحة الهراوات، قصر الآبادانا في برسبوليس، المدرسة الدينية في أصفهان.
كانت رسوم وشروط جهارباغ تورز محددة بوضوح: جولات سياحية في حافلات من نوع ديلوكس: كل شخص 375 ريال (5 $). جولات باللغتين الفرنسية والإنكليزية. تأتي الحافلات إلى الفندق، وإلا سوف يتوجب عليك الحضور إلى المكتب. جميع رسوم الدُّخول. غير مسموح بالتسوق. تتمنى لكم جهار باغ تورز إنك الأفضل.
كانت تكتب رسالة بريد جوي بقلم حبر جاف، محنية على كتيب بسطته على حقيبتها. كان تدبيراً غير ملائم، لكن لم يبدُ عليها أنها تمانع. كتبت بثبات دون أن ترفع بصرها عند دخوله، غير متوقفة لتفكر بما قد تتضمنه كل عبارة. لم يكن هناك أحد سواها في مكتب الطابق العلوي.
تناول بضع نشرات عن الرفوف الموضوعة على النُّضد. “كانت أصفهان عاصمة إيران في ظلِّ حكم السَّلاجقة والصَّفويين. في عهد هاتين السُّلالتين بلغ الفن الإسلامي الإيراني ذروته” .
“هل أنت ذاهب في الجولة؟”
التفت لينظر إليها متفاجئاً من كونها إنكليزية. كانت نحيلة وعلى الأرجح ليست طويلة القامة للغاية عندما تقف، امرأة في ثلاثيناتها، دون خاتم زواج. كانت عيناها مخفيتين في وجه شاحب خلف نظارات شمسيَّة مدورة وضخمة. كان فمها شهواني، الشَّفتان ثخينتان، شعرها ناعم وأسود اللون. كانت ترتدي فستاناً زهري اللون وصندلاً أبيض عالي الكعب. لم يكن من شيء أنيق فيما يخصها.
بالمقابل رأت رجلاً بدا لها إنكليزياً نموذجياً. كهلاً وشائب الشَّعر، يرتدي بدلة من الكتَّان ويحمل قبعة من الكتَّان تليق بها. تعلو وجهه خطوط وتغضنات، لا سيَّما حول العينين والفم. عندما ابتسم تجمَّعت المزيد من الخطوط والتغضنات. كانت بشرته مدبوغة، لكن لها مظهر بشرة لم تكن مدبوغة في العادة: افترضت أنه في بلاد فارس منذ بضعة أسابيع فقط.
قال: “نعم أنا ذاهب في الجولة. يواجهون مشكلة مع الحافلة الصَّغيرة”.
“هل نحن الشَّخصان الوحيدان؟”
قال إنه لا يعتقد ذلك. من المزمع أن تدور الحافلة الصَّغيرة على الفنادق لتجمع النَّاس الذين اشتروا تذاكر الجولة. أشار إلى ملاحظة على الجدار.
خلعت نظارتها السَّوداء. كانت عيناها سمتها المروِّعة: بنيتين، محجرين جميلين، لا يسبر لهما غور، غامضتين في وجهها العادي. بدا شكلها هندياً إذا خلعت النَّظارة السَّوداء: شفتان، شعر، وعينان منحوها مجتمعين تلك الهيئة. لكن كان صوتها إنكليزياً صرفاً، ازداد قبحاً عمَّا قد يكون عليه لأنها حاولت إخفاء خنَّة لهجة الكوكني.
قالت: “لقد كنت أكتب لأمي”.
ابتسم لها وأومأ. وضعت نظارتها السَّوداء ثانية ولعقت حواف قالب رسالة البريد الجوي.
قال الصَّبي من الطابق الأرضي: “الحافلة جاهزة”. كان شاباً بشوشاً في حوالي الخامسة عشرة من عمره، يرتدي نظارة سوداء الحواف، وأسنانه ناصعة البياض. ارتدى قميصاً أبيض اللون أكمامه مثنية بإتقان، وبنطالاً قطني بني اللون. قال: “ستبدأ الجولة من فضلكم، أنا حافظ، المرشد السِّياحي “.
قادهما إلى الحافلة الصَّغيرة. استفسر قائلاً: “كلاكما ألمانيان؟”، وعندما أجابا بأنهما انكليزيان، قال إن عدد الإنكليز الذين يأتون إلى بلاد فارس ليس كبيراً.
قال: “أمريكيون، فرنسيون، ألمان غالباً”.
صعدا إلى الحافلة الصَّغيرة. التفت السَّائق ليومئ ويبتسم لهم. تحدَّث بالفارسية مع حافظ وضحك.
قال حافظ: “لقد بدأ بمزحة، هو يتمنى لي أطيب الأمنيات. هذه أول جولة أقوم بها. اعذروني من فضلكم”. تمعَّن في مناشير وكراريس يلعق شفتيه بغير ارتياح.
قالت: “اسمي إريس سميث”.
كشف عن اسمه وكان نورمانتن.
قادوا عبر أصفهان الزرقاء، مروراً بقباب ومآذن، ومتاجر سياحية في جادة جهارباغ، والموزاييك الأزرق يعلو السُّطوح في كل مكان، وسيارات أجرة زرقاء. كان للأشجار والعشب مظهراً ثميناً بسبب الأرض القاحلة. كانت السَّماء مكفهرة تنذر بالحر.
توقَّفت الحافلة الصَّغيرة عند كل من فندق البارك، وفندق الانتركونتيننتال، وفندق الشَّاه عباس، حيث كان يقيم نورمانتن. لم تتوقف عند فندق الأولد أتلانتيك الذي علمت إريس سميث في مطار طهران أنه رخيص ونظيف. أقلَّت مجموعة من الفرنسيين وثنائي ألماني كانا يعانيان من حروق الشَّمس، وفتاتين أميركيتين لكل منهما وجه معافى. واصل حافظ التَّحدث بالإنكليزية، شارحاً أنها اللغة الأجنبية الوحيدة التي يعرفها. أعلن بفخر: “سيداتي سادتي، أنا طالب من طهران”، ثم اعترف: “لا أعرف أصفهان جيداً”.
قائد المجموعة الفرنسية، وهو رجل نزق المظهر خمَّن نورمانتن أنه أستاذ جامعي، احتج بالفعل على عجز دليلهم عن التَّحدث بالفرنسية. احتج ثانية عندما قال حافظ إنه لا يعرف أصفهان معرفة جيدة، مشتكياً من أنه خدع إلى حدٍّ بعيد.
أجاب حافظ: “لا، لا. هذا ليس خطئي يا سيدي، أنا طالب فارسي مسكين، يا سيدي. حسبي أني وصلت ليلة الأمس إلى أصفهان للمرة الأولى. كان يستحيل على والدي أن يرسلني إلى أصفهان من قبل”. ابتسم للفرنسي النَّزق. “إذن اسمعوا من فضلكم سيداتي سادتي. هذا الصَّباح نبدأ جولة سعيدة، نرى الكثير من المشاهد البديعة”. افترَّ ثغره عن ابتسامة مرة أخرى. قرأ بالإنكليزية من كراس الإيرانية للطيران: “أصفهان تحفة بلاد فارس الإسلامية، لكنها وجدت قبل ألفي عام على الأقل! ها نحن هنا سيداتي سادتي، عند شيهل سوتون. هذا سرادق ذو جمال غنائي، قصر من أربعين عموداً حيث استضاف الشَّاه عبَّاس الثَّاني جميع الضُّيوف الملكيين. ليغادر الجميع الحافلة من فضلكم”.
تجوَّل نورمانتن وحيداً بين عواميد القصر الأربعين. التقطت الفتاتان الأميركيتان صوراً فوتوغرافية وفعل الثُّنائي الألماني بالمثل. أدار عضو من المجموعة الفرنسية كاميرا متحركة، على الرغم من أن السُّياح ومرشدوهم هم الذين تحركوا فقط. بدت الفتاة المدعوة إريس سميث مستاءة، فكَّر نورمانتن، وهي تترنح منتعلة صندلها ذو الكعب العالي.
“والآن مسجد الشَّاه”، صاح حافظ وهو يصفِّق بيديه ليجمع شمل مجموعته. واصل الفرنسي النَّزق الاعتراض، مشتكياً من أن الوقت يهدر في شيهل سوتون . ابتسم له حافظ.
“مسجد الشَّاه”، قرأ من كراس عندما انطلقت الحافلة الصَّغيرة ثانية، “مسجد مرموق وبديع للغاية، بناه الشَّاه عبَّاس العظيم في بداية القرن السَّابع عشر”.
لكن لدى توقُّف الحافلة الصَّغيرة عند مسجد الشَّاه، اكتشف أن مسجد الشَّاه مغلق بسبب الإصلاحات، ويتعذر دخول السُّياح. لذا كان مسجد الشَّيخ لطف الله، لسوء الحظ.
“لنستهلَّ بنسج السَّجاد”، قال حافظ مبتسماً وهازاً رأسه رداً على احتجاجات البروفسور الفرنسي.
تحركت آلات التصوير بين ناسجات السَّجاد، نسوة من جميع الأعمار، تنتجن بسرعة سجاد أصفهان المخصص للتصدير. “انظروا الآن في الحال”، أمرهم حافظ مشيراً إلى سجادة جسَّدت ملامح الرئيس الراحل كنيدي “انظروا من فضلكم إلى هذه المهارة، سيداتي سادتي”.
أعلن في الحافلة الصَّغيرة أن الجولة في طريقها الآن إلى مسجد الجمعة. قال بعد أن استطلع نشراته إن هذا المسجد يمثِّل العمارة الفارسية بين القرنين التَّاسع والثَّامن عشر. قرأ: “الأقدم والأكبر في أصفهان، لا تفوتوه! الكثير من المآذن في أزقَّة ضيقة! ليغادر الجميع الحافلة، سيداتي سادتي. وعلى الجميع العودة إلى الحافلة خلال ساعة”. عند هذا سمعت ثرثرة من المجموعة الفرنسية. كان مزمعاً أن تكون الجولة مقادة، كان مزمعاً الإشارة إلى نقاط مثيرة للاهتمام. كانت تكلفة الجولة ثلاثمائة وخمس وسبعون ريال.
“حسناً سيداتي سادتي”، قال حافظ. “سيداتي سادتي اقتربوا مني لنبدأ بالمعلومات. بقية السَّيدات والسَّادة، عودوا إلى الحافلة في غضون ساعة”. كانت الساعة مدة طويلة في جامع الجمعة. تجوَّل نورمانتن مبتعداً عنه عبر الأزقة المغبرَّة والمزدحمة، نحو الأسواق حيث نام كتَّاب العرائض على مقاعدهم، بانتظار الأميين الذين يواجهون مشاكل. تفاوض فلاحون ممن لديهم منتجات يودون بيعها في الشَّمس السَّاطعة الحارَّة، مع أصحاب الحوانيت الحاذقين. صنع الإسكافيون أحذية وهم جاثمين على الأرض: على كرسي خشبي حُلق لرجل في ظلِّ شجرة. شرب رجال آخرون الشَّربات، يتجادلون بقدر ما أتاهم الحر من قوة. أسرعت نساء محجَّبات، يتوقفن لينخسن الأحشاء المعلقة على مناصب الجزارين أو ليتحسسن الأرز بأصابعهن.
“أنت خارج المسار السِّياحي يا سيد نورمانتن”.
كان صندلها ذو الكعب العالي الأبيض مغطى التراب. بدت متعبة.
قال: “وأنتِ كذلك”.
“أنا مسرورة لمصادفتي إياك. أردت أن أسأل عن ثمن ذلك الفستان”.
أشارت إلى فستان أزرق منسدل معلَّق على بسطة. شرحت قائلة إنه من الصَّعب على امرأة بمفردها أن تسأل عن سعر أي شيء في هذا الجزء من العالم. عرفت عن ذلك من الإقامة في بومباي.
سأل صاحب البسطة عن سعر الفستان، لكن تبيَّن أنه باهظ الثَّمن، على الرغم من أنه بدا رخيصاً لنورمانتن. تبعهما صاحب البسطة على طول الشَّارع عارضاً تخفيض السِّعر، قائلاً إن لديه بضائع أخرى، حقائب، قطع قماش قطنية، صور على العاج، كلها جميلة الصُّنع، كلها صفقات رخيصة. طلب إليه نورمانتن أن يبتعد.
“هل تقيمين في بومباي؟” تساءل إذا ما كانت هندية ربما، نشأت في لندن، أو مهجَّنة.
“نعم أنا أقيم في بومباي. وأحياناً في إنكلترا”.
كان القول من امرأة لا تمت بصلة على الإطلاق لإريس سميث: أوحى بفخامة، أسلوب محدد، جمال، وثراء من نوع ما.
قال: “لم يسبق لي أن ذهبت إلى بومباي “.
“يمكن أن تكون الحياة جيدة هناك بما فيه الكفاية. الحياة الاجتماعية ليست سيئة”.
كانا قد وصلا عائدين إلى مسجد الجمعة.
“هل رأيتِ كل هذا؟” أومأ نحوه.
قالت إنها فعلت، لكنه شعر أنها لم تكلِّف نفسها عناء كبيراً في المسجد. لم يستطع أن يتكهَّن بما أتى بها إلى أصفهان.
قالت: “أحبُّ السَّفر”.
كان أفراد المجموعة الفرنسية قد عادوا الآن وجلسوا مجدداً في الحافلة الصَّغيرة، جميعهم ما عدا الرجل صاحب الكاميرا المتحركة. كانوا يتحدثون بصوت مرتفع فيما بينهم، يشتكون من حافظ ومن جهارباغ تورز. وصل الثُّنائي الألماني، توردت حروق الشَّمس بعد ما بذلاه من جهد. وصل حافظ مع الفتاتين الأميركيتين. كان يضحك وقد بدأ بمغازلتهما.
قال في الحافلة الصَّغيرة: “إذن نبدأ بالمآذن المهتزة. مئذنتان قابلتان للاهتزاز”، قرأ، “تبعد مسافة ثمانية كيلومترات عن المدينة. شهيرتان للغاية، سيداتي سادتي، بديعتان جداً”.
انطلق السَّائق بالحافلة، لكن أفراد الجماعة الفرنسية احتجوا بصوت حاد معلنين أن الرجل صاحب الكاميرا المتحركة تخلَّف عن الانضمام إليهم. صاحت امرأة ترتدي الأحمر: “أين هو؟ “
“سوف أروي لكم نكتة فارسية”، قال حافظ للفتاتين الأميركيتين. طالب فارسي يفتتح حفلة”.
“انتبه!” صرخت المرأة التي ترتدي الأحمر.
صرخ البروفسور في وجه حافظ: “أبله!”.
ابتسم حافظ لهما. لم يفهم ما الذي يكدرهما، قال وهما يواصلان الصُّراخ. خلع ببطء نظارته ومسح عنها لمعة التراب. “إذن طالب فارسي يستهل حفلة”، بدأ ثانية.
“أظن أنك تركت شخصاً في الخلف”، قال نورمانتن. “الرجل صاحب الكاميرا المتحركة”.
ضحك سائق الحافلة الصَّغيرة، ثم ضحك حافظ أيضاً وقد أدرك خطأه. جلس على مقعد بجانب الفتاتين الاميركيتين وانطلق بالضَّحك، يضرب على ركبتيه بقبضة وتلمع أسنانه ناصعة البياض. عكس السَّائق اتجاه الحافلة الصَّغيرة، وإصبعه على الزمور.
“رجل سيء!” قال حافظ للرجل الفرنسي عندما صعد إلى الحافلة، ضاحكاً ثانية. صاح: “هي، هي، هي”، وضحك السَّائق والفتاتان الاميركيتان أيضاً.
“إنه أحمق!” تمتم أحد أفراد المجموعة الفرنسية بنزق. “لا يصدق!”
ألقى نورمانتن بنظرة عبر الحافلة الصَّغيرة واكتشف أن إريس سميث، مستمتعة بكل هذه الإثارة الغريبة، كانت ترمقه سلفاً. ابتسم لها وبادلته الابتسام.
دفع حافظ لرجلين كي يصعدا إلى المئذنتين المهتزتين لهزهما. التقط الفرنسي صوراً متحركة لهذه الحركة. أعلن حافظ عن وجود ضريح لناسك بالقرب. أشار إلى المنظر من مكان وقوفهم على السَّطح. قرأ ببطء من أحد كراريسه مخبراً إياهم عن روعة المنظر.
“في الحفلة”، قال للفتاتين الأميركيتين، “يشاهد الطالب طائرة على صدر فتاة جميلة. “لماذا تنظر إلى طائرتي؟” تسأل الفتاة. “هل تعجبك طائرتي؟” “ليست الطائرة التي تعجبني”، قال الطالب. “بل مطار الطائرة هو ما يعجبني”. هذه نكتة فارسية”.
كان الجو على أشدِّه من الحر على السَّطح ذو المئذنتين المهتزتين. ارتدى نورمانتن قبعته المصنوعة من الكتَّان. ربطت إريس سميث وشاحاً من قماش الشِّيفون الأسود حول رأسها.
“نذهب إلى المكتب”، قال حافظ. “هذا الأصيل نزور كنيسة وانك. أيضاً معبد النَّار البديع”. قرأ في كراريسه. “المتحف الأرمني. هنا يمكنكم رؤية مجموعة جميلة من المخطوطات القديمة واللوحات”.
عندما توقَّفت الحافلة الصَّغيرة عند مكاتب شركة جهارباغ تورز قال حافظ إنه من المهم على الجميع الدُّخول. وتقدَّمهم عبر المكتب في الطابق الأرضي وصعوداً إلى المكتب العلوي. قدَّم الشَّاي. مرر حافظ سلَّة حلويات، قطع ملفوفة من الحلوى المصنَّعة محلياً، ذات طعم غريب للغاية، قال. شرب عدة رجال يرتدون بدلاً خفيفة، مدراء جهار باغ تورز، الشَّاي أيضاً. عندما اشتكى البروفسور الفرنسي من أن الجولة لم تكن مرضية، ابتسم الرجال ونفوا أنهم يفهمون الفرنسية أو الإنكليزية على حد سواء، وأفشوا عن عدم مقدرتهم على تمييز أي اختلاف، بأي شكل من الأشكال، عندما يبدِّل البروفسور من لغة إلى الأخرى. كان مرجَّحاً، خمَّن نورمانتن، أنهم كانوا يتقنون اللغتين بطلاقة.
سأل إريس سميث: “هل نتابع بعد الغداء؟ كنيسة وانك، متحفاً أرمنياً؟ هناك أيضاً المدرسة الدينية التي هي الأجمل بينهم جميعاً حقاً. ما من جولة تكتمل بدونها “.
“هل سبق أن ذهبت في الجولة؟”
“تمشيت. وتعرَّفت على أصفهان”.
“إذن لماذا-“
“إنه أمر تقومين به. الجولات مجزية دوماً. كبداية، يوجد فيها الناس الآخرون “.
“سوف أرتاح هذا الأصيل”.
“من السَّهل العثور على المدرسة الدينية. ليست بعيدة عن فندق شاه عباس”.
“هل تقيم هناك؟”
“نعم”.
كان لديها فضولاً إزاءه. أمكنه أن يرى ذلك في عينيها، لأنها كانت قد خلعت نظارتها السَّوداء. مع ذلك لم يتمكن من التصديق أن هيئته كانت محيرة مثلما كانت هيئتها.
قالت: “لقد سمعت إنه جميل. الفندق”.
“نعم، هو كذلك”.
“أظن أن كل شيء في أصفهان جميل”.
“هل ستبقين هنا لوقت طويل؟”
“حتى صباح الغد، حافلة الساعة الخامسة إلى طهران. أتيت الليلة الماضية”.
“من لندن؟”
“نعم”.
وصلت حفلت الشَّاي إلى نهايتها. انحنى الرجال في البدل الخفيفة. أخبر حافظ الفتاتين الأميركيتين أنه يتطلع لرؤيتهما بعد الظهر، عند السَّاعة الثانية. في المساء، إذا لم تكونا تفعلان شيئاً آخر، قد يلتقي بهما ثانية. ابتسم للجميع. وعد بأن تكون الجولة سعيدة عند الساعة الثانية من بعد الظهر. سوف يحظى بشرف أن يمنحهم المعلومات التي رغبوا بها.
ودع نورمانتن إريس سميث. قال إنه لن يشارك في جولة الأصيل أيضاً. الناس في الجولات الصباحية، لم يكونوا ظرفاء أبداً في الأصيل، لكن لم يضف ذلك: لن يكون الأمر مسلياً إذا ترك الرجل الفرنسي صاحب الكاميرا المتحركة في الخلف ثانية، قد يصبح نزق البروفسور وانكليزية حافظ البسيطة مرهقين بسهولة مع تقدُّم ساعات النهار.
نصحها مرة أخرى ألا تفوِّت المدرسة الدينية. كان يوجد سوق للسياح بالقرب منها، فيه متاجر قد تعثر فيها على فستان. لكن قد تكون الأسعار أغلى هناك. هزَّت رأسها: أحبَّت إجراء المساومات. مشى إلى الشَّاه عباس. نسي أمر إريس سميث.
تناولت حبَّة منوِّم خفيف، ونامت على سريرها في فندق الأولد أتلانتيك. عندما استيقظت كانت السَّاعة تشير إلى السَّابعة إلا ربعاً.
كانت الغرفة مظلمة تقريباً لأنها أرخت السَّتائر. خلعت فستانها الزهري وعلَّقته. استلقت في تنورتها التحتية تحدِّق وسنانة نحو سقف لم تستطع رؤيته. لبضع لحظات قبل أن تنام، مرت عيناها على شبكة من شقوق السَّقف والطلاء المتقشِّر. كان هناك ما يكفي من الضُّوء حينها، مع أن السَّتائر كانت مسدلة.
انزلقت عن السَّرير وعبرت نحو النَّافذة. كان الغسق في الخارج، ضوء بدا مختلفاً عن شمس الأصيل السَّاطعة بشكل استثنائي. عندما وصلت الليلة الماضية، عند منتصف الليل، كان مختلفاً بحدة أيضاً: حالك السَّواد، صمت مطبق في أصفهان.
لم يكن صامتاً الآن. تسارعت محركات سيارات الأجرة الزرقاء عندما توقَّفت في زحمة المرور عند باب فندق الأولد أتلانتيك. ثرثر السُّياح بلغات مختلفة. تنادت مجموعات من الأطفال العائدين من مدرسة بعد الظهر، فيما بينهم على الأرصفة. نفخ رجال شرطة المرور في صفاراتهم.
كانت أضواء النيون تغمز في الغسق، وفي البعيد استطاعت أن ترى القبَّة الضَّخمة المنارة للمدرسة الدينية، جوهرة كبيرة زرقاء أشرفت على كل شيء.
اغتسلت وارتدت ثيابها، فتحت حقيبة سفر لتعثر على فستان باللونين الأبيض والأسود كانت أمها قد خاطته لها، وشال أسود مزركش يليق به. مسحت الغبار عن صندلها ذو الكعب العالي بمنديل ورقي ناعم. قد يكون ألطف انتعال حذاء مختلف، أكثر ملائمة للمساء، لكن ذلك قد يستوجب فتح حقائب أخرى، وبأية حال من كان سيلاحظ؟ تناولت دواءً من نوع ما لأنها كانت تعاني من كحة بسيطة مزعجة لأشهر، تنتابها عادة في الأمسيات. كان دوماً الأمر نفسه: كلما عادت إلى إنكلترا تصاب بالسُّعال.
قرأ في غرفته أن الشَّاه كان في موسكو، يجري مفاوضات على صفقة مع الروس. أغمض عينيه، تاركاً الصَّحيفة تسقط على السُّجادة. سوف ينزل إلى الطابق الأرضي عند السَّاعة السَّابعة ويجلس في البار ويشاهد مجموعات السُّياح. كانوا يعرفونه في البار الآن. قد يرفع أحد النُّدل إصبعاً ويومئ حال دخوله. بعد لحظة قد يتلقى كأس الفودكا مع الليمون خاصته مع ثلج مسحوق.
“كان يومك جيداً سيدي؟” قد يقول الساقي له كائناً من يكون.
منذ جولة جهار باغ الصَّباحية تناول شطيرة دجاج ومشى مسافة عشرة أميال بحسب تقديره. كان قد استحمَّ منهكاً، مبتهجاً بتدفق الماء الدافئ على جسده، وقد أصابه الوسن إلى أن برد الماء وبدأ ينعشه. كان قد تمطمط على سريره ثم تزيَّا ببطء، في بدلة مختلفة من الكتان.
كانت غرفته في فندق الشَّاه عباس واسعة جداً، لها شرفة وفيها صور فوتوغرافية مكبرة للقباب والمآذن، وسرير مزدوج كبير كساحة رقص في ملهى ليلي. منذ أن رآها لأول مرة ظلَّ يفكر أن سريره كبير بحجم ساحة رقص. كانت الغرفة نفسها كبيرة حتى أنه يمكن لعائلة حقيقية أن تقيم فيها.
نزل إلى الطابق الأرضي عند السَّاعة السَّابعة، مستعملاً الدَّرج لأنه كره المصاعد، ولأن السَّير في أرجاء الفندق الفاخر كان مستحباً بأية حال. إلى الصَّالة وصلت مجموعة مؤلفة من حوالي أربعين سويسرياً. وقف يراقبهم للحظة إلى جانب عمود. أنهى قائدهم الإجراءات عند المكتب، حمل بوابون متاعهم من حافلة المطار. بدت وجوههم أسعد عندما تم التعرف على الأمتعة. علماء آثار سويسريين، خمَّن نورمانتن، مجموعة سياحية من مجتمع ما من جنيف. ثم بدلاً من الذهاب مباشرة إلى البار، خرج من الفندق نحو غسق المساء.
التقيا في البازار السِّياحي. كانت قد اشترت مشبكاً للصدر، قطعة قماش قطنية ملونة، حقيبة مشتريات من الخيش. عندما رآها عرف في الحال أنه ذهب إلى البازار السِّياحي لأنها قد تكون هناك. سارا معاً يقارنا أسعار المنمنمات العاجية، مشهد لعبة البولو التقليدي، مفسر بطرق مختلفة. كان الفضول، لا شيء آخر، ما جعله يرغب بتجديد معرفتهما.
قالت: “المدرسة الدينية مغلقة”.
“يمكنكِ الدخول”.
تقدمها من البازار ورن جرساً خارج المدرسة. نفح البواب بضعة ريالات. قال إنهما لن يطيلا البقاء.
أعجبت بالسَّلام، بصمت الباحات المفتوحة، جدران الموزاييك الأزرق، الماء الأزرق، رجال يصلون بصمت. دعته كهف السَّماء. سمعت صوتاً قالت إنه صوت عندليب، وقال إنه قد يكون كذلك، على الرغم من أن شيراز كانت حيث توجد العنادل. “نبيذ وزهور وعنادل”، قال، لأنه عرف أن ذلك قد يسرها. كانت شيراز جميلة أيضاً، لكن جمالها لا يضاهي جمال أصفهان. لم يكن العشب في باحات المدرسة الدينية يشبه العشب العادي، قالت. حتى حجر الرصف والماء اكتسبوا بعداً في الزُّرقة كلها. كان الأزرق لون القداسة: قد تشعر بالقداسة هنا.
“إنها أجمل من تاج محل. إنها لسحر خالص”.
“هل تودين شراباً يا آنسة سميث؟ يمكنني أن أريك فتنة فندق الشاه عباس”.
“أود أن أشرب كأساً “.
لم تكن تضع نظارتها السَّوداء. واصلت الغُنَّة الأنفية في صوتها إزعاجه كلما تحدثت، لكن عيناها بدتا أكثر فخامة مما بدتا في ضوء النهار السَّاطع. كان مخزياً أنه لم يستطع أن يخبرها أن جمال عينيها يضاهي جمال عمارة المدرسة الدينية، لكن مثل هذه الملاحظة قد يساء فهمها بطبيعة الحال.
“ماذا تودين أن تشربي؟” سأل في بار الفندق. في كل مكان من حولهم تحدَّث أفراد المجموعة السويسرية بالفرنسية. كانت مجموعة من أصحاب شركات النَّفط من تكساس وزوجاتهم الذين كانوا في البار الليلة السَّابقة، تشغل الركن نفسه ثانية. كان الثنائي الألماني الملفوحين بالشمس من جولة جهارباغ هناك مع ألمان آخرين تصادقا معهم.
قالت: “أود أن أشرب الويسكي مع الصُّودا. لطف كبير منك”.
عندما جاء مشروبيهما اقترح أن عليه أن يقودها في جولة عبر الفندق. يمكنهما أن يشربا في طريقهما من حوله، قال. “سوف أكون الدَّليل حافظ”.
استمتع في عرضه لها لأنها طوال الوقت أصدرت ضجة بديعة، تلتقط أنفاسها في الممرات الرخامية وتشير إلى الموزاييك المستديم للجدران، تغرز صندلها عالي الكعب في أكوام السَّجاجيد. كل شيء جعله فاتناً، قالت: بريق الذَّهب والمرايا بين زرقة الموزاييك وحمرته، الأثاث المصنوع بجمال، الدَّرج، الثُّريات.
“هذه غرفتي”، قال وهو يدير المفتاح في قفل باب مصنوع من خشب الماهوغاني الملمَّع.
“يا إلهي!”
“اجلسي يا آنسة سميث”.
جلسا وارتشفا من كأسيهما. تحدثا عن الغرفة. خرجت إلى الشُّرفة ثم جاءت وجلست ثانية. كان الطقس قد برد بالفعل، أشارت وهي ترتعش قليلاً. سعلت.
“تعانين من برد”.
“إنكلترا دوماً تصيبني بالبرد”.
جلسا في كرسيين داكنين منجدين بقماش التّويد، وبينهما طاولة ذات سطح زجاجي. كان هناك خادمة تقوم بإعداد السَّرير. كانت بيجامته الخضراء موضوعة على المخدَّة جاهزة كي يرتديها.
تحدَّثا عن النَّاس في الجولة، حافظ، والبروفسور النَّزق، والفرنسي صاحب الكاميرا المتحركة. كانت قد رأت حافظ والفتاتين الاميركيتين في البازار السِّياحي، في صالة الشَّاي. كانت الحافلة الصَّغيرة قد تعطلت ذلك الأصيل: كان قد رآها عند المتحف الأرمني، السَّائق وحافظ يفحصان شمعات الإشعال.
قالت: ” لكانت أمي أحبت ذلك المكان “.
“المدرسة الدينية؟”
” كانت أمي ستشعر بروحانيتها. وبقداستها”.
“أمُّك في إنكلترا؟”
“في بورنمث”.
“وأنت؟”.
“كنت معها في عطلة. جئت لستة أسابيع وبقيت سنة. زوجي في بومباي”.
رمق يدها اليسرى ظناً منه بأنه ارتكب خطأ.
“لم أكن أرتدي خاتم الزواج. سوف أفعل ثانية في بومباي”.
“هل تودين تناول العشاء؟”
ترددت. بدأت تهز رأسها ثم غيرت رأيها.
“هل أنت واثق؟” قالت. “هنا في الفندق؟”
“الطعام هو الجزء الأقل إثارة للإعجاب”.
كان قد سألها لأنه على نحو مفاجئ تماماً، عاف كونه في غرفة النَّوم الكبيرة هذه معها. كان مستحباً أن يستعرض معها المكان، لكنه لم يرغب بسوء الفهم.
قال: “لننزل إلى الطابق الأرضي”.
شربا في البار كأساً أخرى. غادرت المجموعة السويسرية، وكذلك فعل الألمان. كان التكساسيون صخَّابين أكثر مما سبق. “ثانية، من فضلك”، طلب السَّاقي وهو يربت على كأسيهما.
عملت في بورنمث طابعة اختزال لمدة سنة. كانت في الماضي طابعة اختزال عندما عاشت مع أمها في لندن، قبل زواجها.
قالت: “اسمي في الزواج السيدة آزان”.
“عندما رأيتك للمرة الأولى ظننت أن لك هيئة هندية”.
“ربما تكتسب ذلك عندما تتزوج من هندي”.
“وأنت إنكليزية كلياً؟”
“لقد شعرت دوماً بأني منجذبة إلى الشَّرق. إنها قرابة روحية”.
كانت محادثتها مثل المحادثة في أقصوصة. كان هناك ذلك، وصوتها، وحذائها غير المناسب، وسعالها، ولم تكن ترتدي ثياباً تقيها من هواء المساء البارد: كل ذلك كان متوافقاً، فقط ظلت عيناها مختلفتين. وكلما تحدثت أكثر عن نفسها كلما ظهر أن عيناها تنتميان إلى شخص آخر.
“أنا معجبة بزوجي للغاية”، قالت. “إنه ممتاز. هو الأكثر ذكاءً. يكبرني باثنين وعشرين عاماً”.
روت القصَّة حينئذ، بينما كانا لا يزالان في البار. كانت قد تزوجت من أجل المال ولو أنها لم تفصح عن ذلك. ومع أنها قالت الحقيقة بوضوح عندما قالت إنها معجبة بزوجها، إلا أن الزواج لم يكن سعيداً تماماً. من ناحية لم تستطع أن ترزق بأطفال، ولم يعرف أي منهما هذا عند الزواج ما أثار استياء زوجها عندما ثبت أنه حقيقة. كانت ساخطة هي أيضاً أن تكتشف أن زوجها لم يكن غنياً كما كان يدل مظهره. امتلك تجارة في المفروشات، قال في فندق رجينت بالاس حيث التقيا بالصدفة عندما كانت تنتظر شخصاً آخر: هذا كان حقيقة، لكنه أغفل أن يضيف أن تجارة المفروشات كانت تسوء. كانت أيضاً منزعجة لاكتشافها في الليلة الأولى من زواجها أنها لم تحب أن يمسها. وكان هناك أيضاً مشكلة أخرى: أقام في كوخهما في بومباي بالإضافة إليها ولزوجها، أمه وخالة له، أخيه ومدير أعماله. بالنسبة لفتاة غير معتادة على مثل هذه الحياة المشتركة، كانت الحياة صعبة في الكوخ في بومباي.
“يبدو أنها صعبة للغاية”.
“أحياناً”.
“تزوجك بباعث من هيئتك الهندية، في حين أنك النقيض لذلك بطرق أخرى. بشرتك الإنكليزية الشَّاحبة. صوتك-صوتك الإنكليزي”.
“في بومباي درَّست دروساً في فن الخطابة”.
غمز، من ثم ابتسم ليغطي الفظاظة التي ربما تكون قد ظهرت على وجهه.
“للنساء الهنديات”، قالت، “اللواتي يأتين إلى النادي. زوجي وأنا ننتمي إلى ناد. إنه الجزء الأفضل في حياة بومباي، الجانب الاجتماعي”.
“من الغريب أن أفكر بك في بومباي”.
“فكرت بأني قد لا أعود. فكرت بأني ربما قد أبقى مع أمي. لكن لا شيء كثير في إنكلترا الآن”.
“أنا مولع بإنكلترا”.
“فكرت أنك قد تكون كذلك”، سعلت ثانية، وأخرجت دواءها من حقيبتها وصبَّت القليل في كأس الويسكي. شربت جرعة من المزيج من ثمَّ اعتذرت قائلة إنها لم تكن تحسن التصرف. مثل هذا السُّلوك قد يكون مستنكراً في النَّادي.
” يجب أن ترتدي سترة من الصُّوف مع تلك القحَّة”. أومأ إلى السَّاقي وطلب المزيد من المشاريب.
قالت ضاحكة بفتور: “سوف أثمل”.
شعر بأنه كان محقاً في كونه فضولي. كانت قصتها غريبة. تخيل النساء الهنديات في النادي يتحدثن الإنكليزية بنبرتها الأنفية، يثنين شفاههن ليشكلن الأصوات المحرَّفة، مسقطين أحرف الهاء لأنه كان ما ينبغي فعله. تخيلها في الكوخ، مع زوجها المسن الذي لم يكن غنياً، وأقاربه ومدير أعماله. كانت حكاية خيالية صغيرة فظَّة، حكاية سندريلا والأمير الذي لم يكن أميراً، والعربة تحولت إلى يقطينة باردة. استبد قلق بفضوله وتساءل ثانية عن سبب قدومها إلى أصفهان.
“لنتناول العشاء الآن”، اقترح بصوت حاد قليلاً. لكن السيدة آزان قالت وهي تنظر إليه بعينيها المترفتين أنها لا تستطيع أن تأكل شيئاً.
قد يكون متزوجاً، تفكرت. كان هناك ألم في خطوط وجهه حتى لو ابتسم كثيراً وبدا خالياً من الهموم. تساءلت إذا عانى سابقاً من مرض خطير. عندما جلبها إلى غرفة نومه تساءلت وهما جالسين إذا كان سوف يتحرَّش بها. لكنها عرفت القليل عن النَّاس المتحرشين، ولم يبدُ أنه من هذا النَّوع. كان جذاباً للغاية ليتوجب عليه أن يقدم على ذلك. كان سلوكه أنيقاً للغاية، كان لطيفاً للغاية.
“سوف أراقبك وأنت تتناول العشاء”، قالت. “لا أمانع مشاهدتك ولو قليلاً إذا كنت جائعاً. لا يمكنني منعك من عشاءك”.
“حسناً، أنا جائع”.
اعوَّج فمه عندما قال أشياء من ذلك القبيل، بسبب ابتسامته. تساءلت إذا يمكن أن يكون معمارياً. من اللحظة التي خطرت لها فكرة المجيء إلى أصفهان عرفت إنها لم تكن مجرد فكرة. آمنت بالقدر ودوماً فعلت.
ذهبا إلى المطعم، الذي كان ضخماً وفاخراً مثل كل مكان آخر في الفندق، مضاء بخفوت، بمصابيح زيتية على كل طاولة. أعجبتها الطريقة التي شرح بها للندل أنها لا ترغب أن تأكل شيئاً. ولنفسه طلب كباب دجاج وسلطة.
“هل تودين شرب بعض النبيذ؟” اقترح مبتسماً بنفس الطريقة.” النَّبيذ الفارسي مستحب للغاية”.
” أود أن أشرب كأساً”.
طلب النبيذ. قالت:
“هل تسافر دوماً بمفردك؟”
“نعم”.
“لكنك متزوج؟”
“نعم”.
“وزوجتك بيتوتية؟”
“نعم”.
تخيلته في منزل في قرية، قرب ميدهورست ربما، أو سفناوكس. تخيلت زوجته، امرأة قديرة، تجيد الاعتناء بالحديقة والاشتراك بالجمعيات. رأت زوجته بوضوح شديد، تميل قليلاً لأن تكون بدينة لكن لطيفة، تقطع البازلاء الحلوة.
قالت: “لم تخبرني شيئاً عن نفسك”.
“هناك القليل لقوله. أخشى أني لا أملك قصة مثل قصتك”.
“لماذا أنت في أصفهان؟”
“في عطلة”.
“هل أنت بمفردك دوماً؟”
“أحب أن أكون بمفردي. أحب الفنادق. أحب النظر إلى الناس والسَّير هنا وهناك”.
“أنت تحب السَّفر وأنا كذلك “.
“نعم أحبه”.
“أتخيلك في منزل قروي، في مكان ما في الهوم كاونتيز”.
“هذا ذكاء منك”.
“يمكنني بوضوح رؤية زوجتك”، وصفت المرأة التي استطاعت رؤيتها بوضوح، دون أن تشير إلى كونها تميل إلى السُّمنة. أومأ. امتلكت حاسة سادسة، قال مبتسماً.
” قال الناس إني وسيطة روحية صغيرة. أنا سعيدة بلقائك”.
“لقد كان من دواعي سروري اللقاء بك. قصص مثل قصصك نادرة بالفعل”.
“كلها حقيقية، كل كلمة”.
“أوه أعرف أنها كذلك”.
“هل أنت معماري؟”
قال: “أنت ملفتة بحق “.
أنهى وجبته وتشاركا إنهاء النبيذ فيما بينهما. شربا القهوة من ثم سألته بتهذيب أن يطلب المزيد. غادرت المجموعة السويسرية المطعم، وكذلك فعل الثنائي الألماني وأصدقاءهما. كان هناك أناس آخرون يتناولون العشاء ورحلوا. كان التكساسييون يغادرون تماماً عندما اقترحت السَّيدة آزان شرب المزيد من القهوة. لم تكن أي طاولة أخرى مشغولة.
قال: “بالتأكيد “.
تمنى لو أنها تذهب الآن. لقد أمضيا أمسية معاً. لوقت طويل لن ينسى صوتها القبيح أو عينيها الجميلتين على حدٍّ سواء. ولا هو سينسى بسهولة القصَّة الخيالية التي عكَّرت عليها صفو حياتها. لكن هذا ما كان: الأمسية انقضت الآن.
جلب النَّادل قهوتهما، يبدو مرهقاً للغاية من العمل الروتيني.
قالت: “هل تظنُّ أننا سنشرب كأساً آخر؟ هل تظن أن لديهم سجائر هنا؟”
كان قد شرب البراندي وهي المزيد من الويسكي. جلب النَّادل لها سجائر أمريكية.
قالت: “أنا لا أريد حقاً أن أعود إلى بومباي “.
“أنا آسف بهذا الشَّأن”.
” أودُّ البقاء في أصفهان إلى الأبد”.
“أظن أنك ستكونين سئمة للغاية. ما من نواد. ما من حياة اجتماعية من أي نوع لشخص إنكليزي”.
” أحب قليلاً من الحياة الاجتماعية”، ابتسمت له موسعة فمها الشَّهواني.” كان والدي عاملاً مساعداً “، قالت، “في بقالية تعاونية. ما كان ذلك ليخطر لك، صحيح؟”.
كذب: “على الإطلاق”.
“إنه سري الصَّغير. لو أخبرت النِّساء في النَّادي ذلك، أو والدة زوجي أو خالته، قد يفقدن صوابهن. لم أخبر أبداً حتى زوجي. فقط أمي وأنا تشاركنا ذلك السِّر”.
“أرى”.
“والآن أنت”.
“الأسرار في مأمن مع الغرباء”.
“لماذا تظن أني أخبرتك ذلك السِّر؟”
” لأننا تلك السُّفن التي تعبر في الليل”.
“لأنك متعاطف”.
حام النَّادل قريباً منهما ثم اقترب بجرأة. كان البار مفتوحاً طالما تمنيا أن يكون. يوجد هناك الكثير من المشاريب الأخرى في البار. ببراعة رفع ركوة القهوة وفنجانيهما.
قالت: ” إنه كساحر، كل شيء في أصفهان سحري”.
“أنت سعيدة لأنك أتيت؟”
“إنها المدينة التي التقيت بك فيها”.
نهض. كان عليه أن يقف للحظة لأنها استمرت بالجلوس هناك، حقيبتها على الطاولة، وشاحها الأسود المزركش فوقها. لم تكن قد أنهت كأس الويسكي لكن توقع أنها سترفع الكأس إلى شفتيها وتشرب ما أرادت منه، أو تتركه هناك وحسب. نهضت وخرجت معه من المطعم، وأخذت كأسها معها. انزلقت يدها الأخرى تحت ذراعه.
قالت: “هناك حانة رقص في الطابق الأرضي “.
“أوه أخشى أن ذلك لا يروق لي حقاً “.
“ولا أنا أيضاً. لنعد إلى بارنا”.
ناولته كأسها قائلة إنه كان عليها القيام بزيارة. لقد أحبَّت شرب كأس آخر من الويسكي مع الصودا، قالت، حتى لو أنها لم تكن قد أنهت تماماً الويسكي في كأسها. دون ثلج، قالت.
كان البار فارغاً فيما عدا ساقياً وحيداً. طلب نورمانتن البراندي لنفسه والويسكي للسيدة آزان. لقد فضلها كإريس سميث، في فستانها الزهري الرث والنظارات السوداء التي تخفي عينيها: ربما كانت أي ضاربة على الآلة الكاتبة صغيرة سوى أنها تزوجت من السيد آزان ولديها قصة لتحكيها.
“إنه لطيف على الرغم من الأمور”، شرحت عندما جلست. ” إنه لطيف على الرغم من أنه يرغب ب أنت تعرف ماذا، والنِّساء في الكوخ، وأخوه ومدير الأعمال. جميعهم يستنكرون كوني إنكليزية، لا سيما أمه وخالته. هو لا يستنكر ذلك لأنه مجنون بي. مدير الأعمال لا يمانع كثيراً كما أفترض. الكلاب لا تمانع. هل تفهم؟ على الرغم من كل شيء، إنه لطيف أن تمتلك شخصاً مجنون بك. والنادي، الحياة الاجتماعية. حتى لو أن لدينا نقص في الجاهز، إنها أفضل من إنكلترا بالنسبة لامرأة. هناك خدم كبداية”.
كانت هذه الويسكي تؤثر على الطريقة التي تقول بها الأشياء. قبل ساعة ما كانت لتقول “يرغب ب أنت تعرف ماذا” أو “نقص في الجاهز”. كان غريباً أنها امتلكت الوعي في هذا الاتجاه ومع ذلك لم تتمكن من سماع الغُنة في صوتها التي فضحتها باستمرار.
“لكنك لا تحبين زوجك”.
“أنا أحترمه. إنا فقط أكره أن يتوجب عليَّ القيام بما تعلمه معه. أنا حقاً أكره ذلك. لم أحبه قط بالفعل”.
ندم على قوله إنها لم تحب زوجها: انزلقت الملاحظة، وكانت مؤسفة لأنها ضمنته في المحادثة بطريقة لم يتمناها.
“ربما سوف تعالج الأمور بشكل أفضل عندما تعودين”.
“أعرف ما سوف أعود إليه”. توقَّفت تتحرى عينيه بعينيها.
“لن أنسى أصفهان حتى أموت”.
“إنها في منتهى الجمال “.
“لن أنسى جهار باغ تورز أو حافظ. لن أنسى أبداً ذلك المكان الذي أخذتني إليه. أو فندق الشاه عباس”.
“أظن أن الوقت قد حان كي تعودي إلى فندقك”.
“يمكنني أن أجلس في هذا البار إلى الأبد”.
“أخشى أني لا أصلح على الإطلاق لحياة الليل”.
“سوف أتخيلك عندما أعود إلى بومباي. سوف أفكر بك في قريتك، مع زوجتك، سعيداً في إنكلترا. سوف أفكر بك تعمل على خططك المعمارية. سوف أتساءل غالباً عنك وأنت تسافر وحيداً لأن زوجتك لا تهتم للأمر”.
“أتمنى أنه يكون الحال أفضل في بومباي. أحياناً الأمور كذلك، عندما لا تنتظرين منها أن تكون”.
” لقد كان مثل منشِّط. لقد أسعدتني للغاية”.
“لطف منك أن تقولي ذلك”.
“هناك الكثير الذي لم يقل بيننا. هل ستتذكرني؟”
“أوه نعم بالطبع”.
شربت على مضض الحثالة في كأس الويسكي. أخرجت دواءها من حقيبتها وصبَّت القليل في الكأس وشربت ذلك أيضاً. ساعد على تخفيف الوخز في حنجرتها، قالت. هي دوما تعاني من وخز عندما تأتي السعلة الكريهة.
“هلا نعود؟”
غادرا البار. تشبَّثت به ثانية، تسير ببطء شديد بين أعمدة الموزاييك. طوال طريق العودة إلى فندق الأولد أتلانتيك تحدثت عن الأمسية التي أمضياها وكم كانت مبهجة. لن تنسى أصفهان على الإطلاق، ردَّدت ذلك عدة مرات. عندما تودعا قبَّلت وجنته. ابتلعته عيناها الجميلتان، وللحظة انتابه شعور أن عينيها كانتا الشَّيء الحقيقي فيها، تعكسان صورتها كما ينبغي أن تكون.
استيقظ عند السَّاعة الثَّانية والنِّصف وجافاه النَّوم. كان الفجر بالفعل يبدأ بالانبلاج. تمدد هناك يراقب الضُّوء ينمو في الفجوة التي تركها بين السَّتائر كي يدخل الهواء العليل الغرفة. مر يوم آخر: استعاده شيئاً فشيئاً، من نزهته في الصَّباح الباكر إلى لحظة ارتداءه بيجامته الخضراء وذهابه إلى السرير. كان إجراء عادياً يقوم به وقت الليل. أغمض عينيه، يتذكر بالتفصيل.
اتَّجه ثانية إلى مكاتب جهار باغ تورز وأخبره حافظ أن يصعد إلى مكتب الطابق الأعلى. رآها جالسة هناك تكتب لأمها وسمع صوتها تسأله إذا كان ذاهباً في الجولة. رأى ثانية وجهي الألمانيين اللذين لفحتهما الشمس ووجهي الفتاتين الأميركيتين المعافين، ووجوه أفراد المجموعة الفرنسية. ذهب ثانية في نزهته وقت الأصيل، وبعد ذلك كان هناك حمَّامه. تقدمت نحوه في البازار، بنظارتها السوداء ومشترياتها الصَّغيرة. كان هناك قصَّتها كما روتها.
من جانبه، لم يخبرها شيئاً. كان قد تناغم مع صورة روايتها عنه، يعيش في قرية هوم كاونتيز، معماري موسر متزوج من زوجة تحب البستنة. أصبح المعماريون رومنسيين كالأطباء، لم يكن هناك سبب ليحررها من الوهم. قد تتخيله إلى الأبد مسافراً إلى أماكن غريبة، بمفرده لأنه يستمتع بذلك، لأن زوجته بيتوتية.
لماذا لم يتمكن من إخبارها؟ لماذا لم يتمكن من مبادلتها قصة بقصة؟ كانت قد أحدثت جلبة من الأمور ولم تنشد إخفاءها. الحياة خيبتها، وهي خيبت نفسها. باستخفاف، أعطت دروساً في فن الخطابة لنساء هنديات ولم تر ذلك سخيفاً. كانت قد أخبرته بسرها، وعرف أنها كانت صادقة في قولها إنها تقاسمته فقط مع أمها.
مرت السَّاعات. ينبغي أن يكون مستلقياً معها في هذا السَّرير الذي يبلغ حجمه حجم ساحة رقص. في الفجر ينبغي أن يكون محدقاً في عينيها النفيستين، عاشقاً للغموض فيهما. ينبغي أن يكون يروي لها طالباً تعاطفها، كما سبق لها أن التمست تعاطفه. لابد أن يخبرها أنه دخل غرفة، ليس في قرية هوم كاونتيز، بل في هامبستيد القبيحة القاسية، ليجد زوجته الثانية، كما وجد سابقاً زوجته الأولى، في سريره مع رجل آخر.
كان عليه أن يسألها بتواضع لماذا كان بطبيعة الحال زوجاً مخدوعاً، لماذا أوحي لامرأتين بطباع مختلفة وشخصيتين مختلفتين أن يكون لهما عشاق على حسابه. ينبغي عليه أن يخبرها، ودفء جسدها يمنح الدفء لجسده، أن زوجته الثانية اعترفت بأنها حصلت على قدر أكبر من المتعة الجنسية عندما تذكرت أنها كانت تخدعه. لم تكن القصَّة أفضل من قصتها، بالتأكيد وغير ممتعة بالقدر نفسه. مع ذلك لم يمتلك الشَّجاعة ليرويها لأنها تضعه في خانة معينة. تجول بيسر، ينتقل على السُّطوح ويكشف فقط السُّطوح بنفسه. كان مقبولاً كغريب: في زواجين لم يكن مغفوراً له لأنه اتضح أنه مختلف عما بدا عليه. أن يكون زوجاً مخدوعاً مرة كان حظ اللعبة، لكن خيانته المزدوجة كان يحيط بها نفحة من انتقام. كان يمكن أن يسألها عن ذلك بكل تواضع.
عند السَّاعة الرابعة والنِّصف وقف إلى النافذة، يتطلَّع نحو الشَّارع المقفر في الأسفل. لابد أن تكون في طريقها إلى محطة الحافلات، لتلحق بحافلة السَّاعة الخامسة إلى طهران. يمكنه أن يرتدي ثيابه، يمكنه حتى أن يحلق ذقنه ويصل إلى هناك في الوقت المناسب. يمكنه أن يدفع عنها الزيادة التي قد تترتب على الأجر. قد يخبرها بقصَّته ويمكنهما أن يمضيا بضعة أيام. يمكنهما الذَّهاب معاً إلى شيراز، مدينة النَّبيذ والأزهار والعنادل.
وقف إلى النَّافذة، يراقب الشَّارع حيث لم يكن يحدث شيء، عارفاً إنه لو وقف هناك إلى الأبد لن يجد الشَّجاعة. لقد التقت برجل متعاطف، أكثر عجباً بالنسبة لها من كلِّ آيات أصفهان. قد تحمل تلك الذَّكرى إلى الكوخ في بومباي، لا تعرف شيئاً عن الدناءة التي أظهرت الوحشية في الناس. وقد يتذكر امرأة امتلكت عميقاً تحت سطحها غير الجذاب، العلامة الفارقة، علامة أكدت عيناها بغموض امتلاكها لها. كانت لتظهر في ظروف مختلفة، بوجود قصة أقل إيلاماً لتروى. لكن في الصباح الباكر كان هناك حقيقة أخرى، أيضاً. كان مادة للوهم. لقد امتلكت الميزة، هو لم يمتلك شيئاً.

(4)
ملائكة في مطعم الريتز

كانت اللعبة تمارس في أيَّة حفلة تقام على الإطلاق، بعد أن يقلَّ عدد الحاضرين فيها. هؤلاء الذين لبثوا بعد وقت معين-عادة بعد حوالي السَّاعة الواحدة -عرفوا أن اللعبة كانت ممكنة، وفي الواقع لم يغادروا لذلك السَّبب تحديداً. جرت خلافات زوجية غالباً مع اقتراب السَّاعة الواحدة حول البقاء أو العودة إلى البيت.
كانت لعبة تبادل الزوجات والأزواج، حيث يملي الحظ فيها التَّشكيلات وليس الاختيار، تمارس في هذه الضَّاحية الخارجية منذ منتصف الخمسينات. كان زوجات وأزواج ذلك الزمن ممن يمارسون هذه اللعبة، يضعون قدمهم الآن على عتبات الكهولة، لكن اللعبة التي مارسوها في حفلاتهم استمرت. كانت ممارستها في الضَّاحية الخارجية شديدة الشيوع بعد انتهاء نزاعات الزواج المبكرة، بعد أن ولد الأطفال وبدؤوا يرتادون المدرسة، عندما بدأت تظهر طلائع ذبول زوجي لم يعالجه شرب المسكرات من جن وتونيك.
“أظن أنه سخيف للغاية”، أوضحت بولي ديلارد وهي تخاطب زوجها في أمسية حفلة عائلة آل رايدر.
أشار زوجها وكان اسمه الأول غافين، إلى أنهم عرفوا لسنوات أن الممارسة كانت منتشرة في حفلات ليالي السَّبت في الضَّاحية الخارجية. وذكَّرها بما حدث سابقاً عند آل ميكوك عندما أدركوا أنهم ظلوا حتى وقت متأخر جداً، عندما رمى بقية الرجال مفاتيح السَّيارات على سجادة آل ميكوك وبدأت سيلفيا ميكوك تعصب بأوشحة عيون الزوجات.
“أعني، إنه لأمر سخيف أن سو ومالكولم ماضيان فيها. على حين غرَّة، هكذا دون سابق إنذار “.
“أتخيَّل إنهما يعالجان الأمور بطريقة مراوغة وحسب”.
هزَّت بولي رأسها. قالت بهدوء إن سو ومالكولم رايدر لم يكونا في الماضي من النَّوع الذي يراوغ. بدت سو مثل تلميذة سخيفة ومحرجة وتفادت النظر في عينيها عندما أخبرتها.
كان انزعاجها بادياً لغافين، لكنَّ بولي منذ أن أنجبت طفليهما وجاءا للإقامة في الضَّاحية الخارجية كانت قادرة على التعامل مع انزعاجها. تعاملت معه الآن، محافظة على هدوئها، لم ترفع صوتها. لقد فعلت ذلك عندما تفادت سو رايدر عينيها وقالت إنها ومالكولم قررا المضي أيضاً في أشهر ألعاب حفلات الضَّاحية الخارجية. كانت بولي ستندهش وتعبر عن اندهاشها، من ثم كانت ستحاول أن تتصالح مع المستجدات. قبل أن تبلغ هذه الأمسية نهايتها ستكون حقاً متصالحة مع ما استجد، تتقبله بحكمة باعتباره جزءاً من تقدم آل رايدر في السَّن، في حين تنكر أنه قد يكون جزءاً من تقدمها في السِّن مطلقاً.
قال غافين: “أفترض أن الأمر يشبه حال تلميذة مدرسة تقرر الاستسلام للقبلة الأولى. ألا تتذكرين كيف بدوت سخيفة حينها بولي؟”
قالت إنه لم يكن كذلك على الإطلاق. اقترحت عليه قائلة: تخيل أن تجد نفسك مع مخلوق عذب مثل تيم غريفيد. تخيل أي تلميذة بكامل قواها العقلية تسمح لتيم غريفيد أن يكون على مسافة مليوني ميل منها. هي لا تزال غير قادرة أن تصدق أن سو ومالكولم رايدر كانا ماضيان في شيء مثل ذاك. ما الذي حدث للناس؟ سألت غافين، وغافين قال إنه لا يعرف.
كانت بولي ديلارد في السَّادسة والثلاثين من عمرها، زوجها يكبرها بسنتين. تتخلل شعرها الأشقر القصير الآن خصل من الشَّيب. لم يكن وجهها النَّحيل الطَّويل وسيماً لكن بدا جميلاً أحياناً، العينان باللون الأزرق الدَّاكن، الفم عريض، ينحدر عندما تبتسم. اعتبرت أن ملامح وجهها لم تكن منسجمة بشكل مناسب، وأن جسدها كان شديد الضُّمور ونهداها متناهيان في الصِّغر. لكن بعد ستة وثلاثين عاماً اعتادت على كل ذلك، حتى أن نساء أخريات حسدنها على هيئتها وطلعتها.
في أمسية حفلة آل رايدر استطلعت الملامح التي لم تنسجم في نظرها، وهي تضع ظلاً على عينيها أمام المرآة في غرفة نومها وترمق مراراً وتكراراً انعكاس زوجها الذي كان يبدل ملابس السَّبت إلى ملابس تتلاءم أكثر مع ليلة السَّبت عند آل رايدر: بدلة زرقاء من قماش قطني مضلَّع، قميص زهري وربطة عنق وردية. كان متوسط الطُّول يزداد وزناً بسبب وجبات الغداء وشرب الكحول، داكن الشَّعر ولا يزال وسيماً، لأن ملامحه المكتنزة كانت قد بدأت لتوها بتعقُّب آثار هذا الامتلاء الواشي. كان غافين ديلارد يعمل مخرجاً لأفلام ترويجية للتلفزيون، بشكل أساسي في مجال الصَّابون والمطهرات.
رنَّ جرس الردهة عندما نهضت بولي عن الكرسي أمام مرآتها.
“سأذهب”، قال مضيفاً إنها قد تكون إستريلّا جليسة الأطفال خاصتهما.
“استريلّا لم تتمكن من المجيء، انبغى عليَّ الاتصال بشركة بروبلم، ستكون ثمَّة فتاة تبدو إيرلندية”.
“هانا مكارثي”، قالت فتاة ذات وجه مدوَّر عند الباب. “هل أنت السَّيد ديلارد، سيدي؟”
ابتسم لها وقال إنه هو. أغلق الباب وأخذ معطفها. قادها عبر ردهة بيضاء واسعة إلى غرفة جلوس كانت واسعة أيضاً، لجدرانها لون أزرق باهت وستائر. قال لها إن أحد الطفلين الآن في السَّرير بالفعل، والآخر لا يزال في حمامه. ولدان، شرح: بول وديفيد. سوف تقدمها زوجته لهما.
“هل تودين تناول شراب يا هانا؟”
“حسناً، ما كنت لأرفض ذلك يا سيد ديلارد”. ابتسمت له ابتسامة عريضة. “كأس صغير من الشيري إذا كان متوفراً، سيدي”.
“وكيف حال البلد القديم، يا هانا؟” تحدَّث بخفَّة محاولاً أن يكون ودوداً، وناولها كأس الشيري. التفت وصبَّ لنفسه كأساً من الجن والتونِك، مضيفاً شريحة ليمون.” في صحتك يا هانا!”
“في صحتك سيدي! ايرلندا، تعني سيدي؟ أوه، ايرلندا لا تتغير”.
“أنت تعودين، أليس كذلك؟”
“كل عطلة، أنا مدرِّسة متدرِّبة يا سيد ديلارد”.
“كنت في مهرجان كورك السِّينمائي مرة. أمضينا وقتاً قديماً سليماً “.
“لا أعرف كورك في الواقع. أنا من ليستويل. هل أنت في السِّينما سيدي؟ ألست ممثلاً يا سيد ديلارد؟”
“في الحقيقة أنا مخرج”.
دخلت بولي الغرفة. قالت إنها السَّيدة ديلارد. ابتسمت ساعية لأن تكون ودودة مثل غافين، في حال لم تشعر الفتاة بالارتياح. شكرتها على حضورها رغم أنها أبلغت قبل وقت قصير ولأنها قادمة من مكان بعيد كما يفترض. كانت ترتدي تنورة ساعدها غافين على شراءها من متجر فينويك الأسبوع المنصرم فقط، وقميص أبيض مخرماً كان عندها منذ سنوات، وطوق من حجر اليشم. كان للتنورة المخملية اللون الأخضر ذاته الذي للحجر. أخذت جليسة الأطفال لتقدمها إلى الطفلين.
وقف غافين وظهره للنار، يرتشف من كأس الجن والتونِك. لم يجد الأمر مربكاً أن على بولي أن تشعر بسوء شديد إزاء واقعة أن سو ومالكولم رايدر بلغا حداً معيناً في زواجهما. كان آل رايدر صديقيهما الأقرب والأقدم. عرفت بولي وسو بعضهما البعض منذ أن ارتادتا معاً مدرسة حضانة الآنسات هاميلتون في بوتني. ربما كان هذا العمق في العلاقة ما جعل بولي تشعر بارتباك شديد تجاه المستجدات في حياة صديقتها. من وجهة نظره، لم يكن عرضاً جذاباً أن تقدم له مساعدة مجانية من امرأة غير مختارة، ليوافق بالمقابل على أن ثمة رجل ينبغي أن يجامع زوجته. لقد فاجأه أن آل رايدر قررا أن يمضيا في هذه اللعبة الغريبة، وفاجأه أكثر أن مالكولم رايدر لم يذكرها له على الإطلاق. لكن هذا لم يزعجه.
“كل شيء على ما يرام؟” استفسرت بولي من عتبة الباب وهي مرتدية معطفها. كان المعطف بني اللون ومزين بالفراء وباهظ الثمن: فكر غافين أنها بدت جميلة فيه، هادئة ورزينة. مرة منذ وقت طويل جداً كانت قد رمت عليه عبر غرفة إبريق حليب. ذات زمن بكت كثيراً، مستنكرة نحافتها ونهديها المسطحين. كل ذلك بدا الآن بغرابة غير منسجم مع شخصيتها.
أنهى شرابه ووضع الكأس على رفِّ الموقد. وضع زجاجة الشِّيري بجانب كأس جليسة الأطفال في حال شعرت ربما برغبة بشرب المزيد، ثم غيَّر رأيه وأعاد الزجاجة إلى الخزانة، متذكراً أنهم لا يعرفان الفتاة: جليسة أطفال ثملة-تجربة مرَّا بها سابقاً-كانت أسوأ بكثير من عدم وجود جليسة أطفال على الإطلاق.
قالت بولي في السَّيارة: “تبدو لطيفة للغاية. قالت إنها سوف تقرأ لهما لمدة ساعة”.
“ساعة؟ الفتاة المسكينة”
“تحبّ الأطفال”.
كانت السَّاعة الثَّامنة والنِّصف في ليلة مظلمة من ليالي شهر تشرين الثَّاني. كانت تمطر بما يكفي لجعل استعمال ماسحات الزجاج الأمامي ضرورياً. أدار غافين راديو السَّيارة تلقائياً: كان وهج راديو السَّيارة ليلاً وهي تمطر، والطنين الخلفي لماسحات الزُّجاج، وموجة الدِّفء المنبعثة من السَّخان تمنح شعوراً مريحاً بلطف.
قال: “دعينا لا نطيل البقاء”.
سرَّها قوله ذلك. تساءلت إذا كانا بليدان لعدم تمنيهما البقاء لكنه قال إن هذا مجرد هراء.
قاد عبر امتداد الضَّاحية الخارجية، كلُّ ما فيها جديد، يتخذ من الليل ستاراً الآن. إضاءة شارع أورانج منحت واجهات المنازل المزينة بعناية مظهراً مختلفاً، تغير الألوان، لكن الشُّعور بالاتساع ظلَّ، والأثر المرتب للحدائق الأمامية غير المسيجة. توافقت سيارات رومي فولفو على نحو جميل مع المنازل المنفصلة. وكذلك فعلت سيارات فوكسهول فيكتورز، وسيارات فوكسفاغن الشَّبيهة بالحافلة. كانت العائلات محتشدة في مثل هذه العربات صباح أيام السَّبت الصَّيفية، في رحلات إلى الأكواخ في التلال الولزية أو هامبشير أو هيرتس. كان كوخ عائلة ديلارد يقع في النيو فورست.
ركن غافين السَّيارة في سانديوي كريسنت، على مسافة عدة أبواب من منزل آل رايدر، لأن سيارات أخرى كانت مركونة سلفاً أقرب إليه. كان يفضِّل أن يكون ذاهباً إلى عشاء في مطعم تونينو مع مالكولم وسو، لزانيا وبيبيروناتا وإبريقاً من نبيذ شيانتي كريستينا، أمسية من نوع متكاسل قد تذكرهم جميعاً بأمسيات متكاسلة أخرى. منذ عشر سنوات ارتادوا جميعاً هم الأربعة بانتظام مطعم تونينو الإيطالي في شارع غريك، وكان الفرع الذي افتتح في ضاحيتهم الخارجية شبيهاً جداً بالأصل، وصولاً إلى الصُّور الفوتوغرافية الملونة المؤطرة لأي سي ميلان.
“ادخلا!” صرخت سو بمرح عند باب منزلها ذو الرقم أربعة في شارع سانديواي كريسنت. كان وجهها متورداً من شدة الحماس للحفلة، وعيناها الواسعتان البنيتان ومضتا بروح الاحتفال على نحو مغامر. كانت عيناها الشَّيء الوحيد فيها أكبر مما ينبغي: كانت ضئيلة للغاية وشعرها أسود اللون، جميلة مثل برعم الورد.
“جن؟” صاح مالكولم لهما من ثنايا الردهة المزدحمة. “شيري، بولي؟ برغندي؟”
قبَّل غافين الخدَّ ذو الغمَّازة الذي دفعت به نحوه سو رايدر. كانت ترتدي الأحمر، فستاناً أحمر طويل ناسبها وفي شعرها شريطة حمراء وتنتعل حذاء أحمر.
قالت بولي: “نعم نبيذ من فضلك، مالكولم”، وعندما اقتربت بما فيه الكفاية زلقت وجهها نحو وجهه من أجل عناق من النوع نفسه الذي منحه زوجها لزوجته.
قال: “تبدين لذيذة يا حبيبتي”. إطراء كان يقدمه لها على مدى سبعة عشر عاماً.
كان رجلاً ضخماً، جعلته ضآلة زوجته يبدو أكثر ضخامة. لملامحه هيئة رقيقة. كان رأسه الشَّبيه بإسفنجة زهرية اللون جاثماً ببشاشة على كتفين كانا فيما مضى قوة معتبرة في تشكيلات لعبة الرجبي. على الرغم من أنه كان بالضبط في عمر غافين، خفَّ شعره حتى لم يكد يبقى منه شيء، سوى إطار من زغب لا يكاد يطوق الإسفنجة.
قالت بولي: “أنت تبدو وسيماً للغاية”، إعلان ربما كان حقيقياً أو ربما غير حقيقي: لم تتمكن من رؤيته على نحو مناسب لأنه كان ضخماً جداً وكانت قريبة منه كثيراً، ولم تكن قد نظرت عندما كانت أبعد. كان يرتدي بدلة رمادية من نوع ما وقميصاً أزرق مخططاً وربطة العنق من نادي رجبي الهارليكوين. بدا وسيماً عادة: وقد فعل الآن على الأرجح.
قال: “أنا على خير ما يرام، نحن نحظى بحفلة صغيرة لطيفة يا بول”.
لم تكن صغيرة حقاً. كان ما يقارب ستون شخصاً في منزل آل رايدر الذي كان مشابهاً لمنزل آل ديلارد، مصمم على نحو جيد وواسع. لمعظم غرف الطَّابق الأرضي والرُّدهة جدران مطليَّة بلون القهوة، من اختيار سو التي اعتقدت أنه اختياراً ناجحاً. من أجل الحفلة، أخرج الأثاث الضَّخم من غرفة الجلوس الملونة بلون القهوة، ورفعت جميع البُسط عن الأرضية الخشبية. صدحت الموسيقى من مسجلة كاسيت، لكن لم يكن أحد يرقص. وقف النَّاس في مجموعات صغيرة يدخنون ويتحدثون ويشربون. لم يبدُ أحد حتى الآن أنه ثمل.
كان الناس المعتادون هناك: آل ستوبس، آل بورجيس، آل بيدلار، آل تومبسن، آل ستيفنسن، سيلفيا وجاك ميكوك، فيليب وجون مولالي، أوليفر وأوليف غرامسميث، تيم وميري آن غروفيد، وسواهم العشرات. لم يقيموا جميعهم في الضَّاحية الخارجية والبعض كانوا أكبر سناً من آل رايدر وآل ديلارد، البعض أصغر سناً. لكن كان هناك بخلاف ذلك تشابه فيما بين الناس في الحفلة: كانوا رجالاً نجحوا أو كانوا في طريقهم إلى النجاح، ونساء تناغمن في الخطو مع تقدم أزواجهن. لم يبدُ أحد فقيراً في حفلة آل رايدر.
عند السَّاعة العاشرة قدِّم الطّعام، سلمون مدخَّن ملفوف ومطعون بأعواد الكوكتيل، معجَّنات محشوة بالدَّجاج أو ستروغونوف بلحم البقر مع الأرز، أنواع مختلفة من السَّلطة، أنواع مختلفة من الجبن وحلوى المورينغ. تدفَّق النَّبيذ بسخاء، برغندي أبيض وأحمر. وزعت قوارير منزوعة السُّدادات على كل سطح متوفر.
بدأ الرقص عندما تناول أول الضُّيوف الطَّعام. على أغنية “حب المحبوب، Love of the Loved”، رقصت بولي مع رجل لم تعرف اسمه، أخبرها أنه سمسار عقاري يعمل لصالح مكتب في شارع جيرمين. ضمَّها إليه بشكل مبالغ فيه بالنسبة لرجل لا تعرف اسمه. كان أكبر سناً من بولي، في حوالي الخمسين، خمَّنت، وأقصر قامة. كان له شارب ثعلب وشعر ثعلب ومعدة مدوَّرة مثل كرة، ظلت محسوسة. وكذلك فعلت ركبتاه.
جلس غافين على الأرض في الغرفة حيث قدِّم الطَّعام مع سيلفيا وجاك ميكوك، وامرأة ترتدي بدلة برتقالية مؤلفة من بنطال وسترة مع شفتين برتقاليتين.
قالت هذه المرأة وهي توازن الطعام في ثقب شوكة: “ستيفي لن يأتي، لقد تشاجر معي ليلة البارحة”.
تناول غافين بأصابعه قطعة معجنات محشوَّة بلحم الدَّجاج والفطر وقد بردت بعض الشَّيء. لم يقل جاك ميكوك شيئاً قد يجعله يتراجع عن حفلة يقيمها آل رايدر. أضاف مقهقهاً: “أو أية حفلة، يقيمها أي شخص”. اشترطت زوجته: “على أن تقدَّم فيها وجبة طعام خفيفة”. قال جاك ميكوك: “حسناً، بطبيعة الحال”.
“لم يوافق على المجيء”، شرحت المرأة البرتقالية، “لأنه اعتقد أني أسأت التصرف في مطبخ أوليف غرامسميث. منذ أسبوعين. حباً بالله!”
حسب غافين أنه احتسى أربعة كؤوس من الجن والتونك. صحَّح لنفسه، متذكراً الكأس الذي شربه مع جليسة الأطفال. شرب بعض النبيذ. لم يكن ثملاً كلياً، قال لنفسه، لم يكن قد اجتاز أي صعوبة، لكن الصعوبات كانت الأمر الذي حدث لاحقاً فيما بعد.
“إذا كنت تريد أن تقبِّل شخصاً ما قبِّله”، قالت المرأة البرتقالية. “أعني، حباً بالله، لم يكن لديه الحق أن يدخل مطبخ أوليف غرامسميث. لم أرك”، قالت وهي تنظر إلى غافين عن كثب. “لم تكن هناك، هل كنت؟”
“لم نستطع الذَّهاب”.
“كنتما هناك”، قالت لآل ميكوك. “في كل مكان”.
“لقد كنَّا بالتأكيد!” قهقه جاك ميكوك وهو يأكل السّتروغونوف بلحم البقر، ناثراً الأرز على السَّجادة الملوَّنة بلون القهوة.
“مرحباً”، قالت مضيّفتهم وجلست على السَّجادة إلى جانب غافين مع طبق جبنة.
قال السِّمسار العقاري لبولي: “تعني أنك متزوجة منذ اثنتي عشرة سنة؟ لا يبدو عليك ذلك”.
“أنا في السَّادسة والثلاثين”.
“من زوجك؟ هل هو هنا؟”
“هو يخرج الأفلام. إعلانات للتلفزيون. نعم هو هنا”.
“هذه لي”، أشار برأسه إلى امرأة لم تكن ترقص، ترتدي الأخضر الليموني. إنها في خضم فترة صعبة، قال: اكتئاب. رقصا على أغنية “Sunporch Cha-Cha-Cha’”، للثنائي سيمون وغارفنكل.
استفسر السِّمسار العقاري: “هل أنت بخير؟” وقالت بولي نعم دون أن تفهم قصده. ساقها نحو رفِّ الموقد وأخذ عنه كأس البرغندي الأبيض الذي تركته بولي هناك. قدَّمه لها وعندما ارتشفت رشفة شرب هو منه. رقصا ثانية. تشبَّث بها بشدة أكبر بذراعيه وبسط خدَّه على أحد خدَّيها حاكاً إياه بشاربه. بعينين باردتين، شاهدتهما المرأة التي ترتدي الأخضر الليموني.
في حفلات الضَّاحية الخارجية الأخرى جرَّبت بولي كلَّ شيء. تملَّصت من السِّمسار العقاري وأدركها تيم غروفيد الذي كان قد بدأ يتعرَّق بالفعل. بعد ذلك رقص معها رجل آخر لا تعرف اسمه من ثم فعل مالكولم رايدر.
“أنت تصلحين للأكل الليلة”، همس، بللت أذنها عاطفية شفتيه الدافئة. “أنت حقاً تؤكلين حبيبتي”.
“شاركني الجبنة”، قدمت سو في الغرفة الأخرى الجبن لغافين بإلحاح.
“احتاج إلى المزيد من النبيذ”، قالت المرأة التي ترتدي البرتقالي وجاك ميكوك نهض عن السَّجادة. أشار إلى أنهم جميعاً بحاجة إلى المزيد من النبيذ. تنبأت المرأة البرتقالية أنها سوف تعاني من الثمالة في اليوم التالي وقالت سيلفيا ميكوك، وهي امرأة ذكورية المظهر، إنها لم تعان قط من الثمالة خلال ثمانية وأربعين عاماً من الشُّرب المستمر.
قالت سو لغافين: “هل ستبقيان إلى حين؟ أنت وبولي ستبقيان؟”
ضحكت وهي تمسك إحدى يديه لأنه كان قريباً منها. بما أنهما عرفا بعضهما البعض لمثل هذا الوقت الطويل كان عادياً تماماً أن تفعل ذلك.
شرح غافين: “جليسة أطفالنا مجهولة من مستنقعات ايرلندا”.
قالت المرأة البرتقالية إن الإيرلنديين دمويين.
قالت سيلفيا ميكوك: “جاك أيرلندي في الحقيقة”.
مضت تتحدث عن ذلك، حول طفولة زوجها في كاونتي داون، عن عمٍّ له اعتاد أن يشرب قنينة ونصف من الويسكي في اليوم-بالإضافة إلى أربعة كؤوس من البيرة السَّوداء، مع الثريد والخبز للفطور. إذا شربت على الإطلاق يجب أن تشرب بثبات، قالت.
شعر غافين بانزعاج، لأن طوال الوقت الذي كانت فيه سيلفيا ميكوك تتحدث عن عادات شرب عم زوجها في كاونتي داون، أمسكت سو بيده. أمسكت بها بخفة، تحرك أصابعها في مداعبة بدت أنها تتيه خارج عالم صداقتهما الطويلة. كان يحبُّ بولي: فكَّر بذلك عمداً، منظماً الشُّعور في عقله على أنه إعلان، وهو يراه معلقاً هناك. لم يكن يعرف أي شخص آخر يمكن أن يكون مولعاً به أكثر من ولعه ببولي، أو يكن له احتراماً أكبر، أو قد يزعجه أكثر إذا تأذى. التقى بها منذ سبعة عشر عاماً في مطابخ فندق بلفيدير، بينزانس، حيث عملا في الصَّيف. بعد خمس سنوات، وقد عاشا مع بعضهما البعض في شقة في الجزء الأرخص من ميدا فيل، تزوجا لأن بولي رغبت بإنجاب الأطفال. انتقلا إلى الضَّاحية الخارجية لأن الأطفال احتاجوا إلى مكان وهواء منعش، ولأن الرايدر، اللذين أقاما في الطابق الذي يعلو طابقهما في ميد فالي انتقلا إلى هناك قبل سنة.
“ستكون بخير”، قالت سو، عائدة إلى موضوع جليسة الأطفال الإيرلندية. “يمكنها على الأرجح أن تبقى طوال الليل. ربما تكون مبتهجة”.
“أوه، لا أظن ذلك يا سو”.
تخيَّل دون صعوبة أيدي الرجال في الحفلة تفك أزرار قميص بولي المخرم، يدا جاك ميكوك أو يدا تيم غروفيد المتعرقتين. تخيَّل ملابس بولي تتساقط على سجادة غرفة نوم من ثم عريها الضَّامر النحيل، نهديها الصَّغيرين والعلامة الخفيفة لندبة الزائدة الدودية.” أوه، أقول!” قالت بطريقة لم تكن تشبهها عندما خلع أي رجل ملابسه. تخيل غافين دون صعوبة أيضاً، كونه في غرفة لنفس الغرض، مع المرأة البرتقالية أو سيلفيا ميكوك. قد يخرج ثانية لو وجد نفسه في غرفة مع سيلفيا ميكوك وقد يفضِّل أن يكون في غرفة مع سو بدلاً من أن يكون مع المرأة البرتقالية. لأنه لم يكن صاحياً تماماً، لقد انتابته لمعة من الذُّعر عندما فكر بما قد ينكشف عندما تقع بدلة المرأة البرتقالية على الأرض: شعر للحظة مقتضبة مزعجة أنه كان يحدث بالفعل، أنه في ألفة السُّكر وافق بطريقة ما على الوضع.
“لماذا لا نرقص؟” اقترحت سو ووافق غافين.
“أظن أني أحب أن أشرب”، قالت بولي لفيليب مولالي، وهو مدير تنفيذي في شركة ولسي مينسوير للملابس الرجالية. كان ظلاً رمادياً من رجل، ليس على الإطلاق من النوع الذي يسمح لنفسه أو لزوجته الاشتراك في ألعاب جنسية. أومأ بجدية عندما قاطعت بولي رقصتهما لتقول إنها تود أن تشرب. كشف عن أن الوقت قد حان بأية حال، أن يستعد هو وجون للعودة إلى البيت.
“أحبك في ذلك القميص المخرَّم”، همس مالكولم رايدر على نحو ممل حالما توقفت بولي عن الرقص مع فيليب مولالي. كان يقف بانتظارها.
“كنت أقول لفيليب أني أود شراباً”.
“بالتأكيد يجب أن تحصلي على كأس. تعالي وعبِّي براندي معي بول”.
أخذها من يدها وقادها بعيداً عن الراقصين. قال إن البراندي موجود في مخدعه.
هزَّت رأسها، تتبعه لأنه لم يكن لديها خيار. صرخت له بصوت أعلى من ضوضاء سيليا بلاك وهي تغني “أي شخص امتلك قلباً” أنها تفضِّل شرب مزيد من البرغندي الأبيض، وأنها كانت بالفعل تشعر بالعطش. لكنه لم يسمعها أو لم يتمنَّ ذلك. “أليست إساءة تصرف”، قال السِّمسار العقاري الماكر لها عندما مرا به محركاً شفتيه دون صوت، واقفاً بمفرده في الردهة. كان تعبيراً مستعملاً غالباً، دون أن ينطوي على كثير من الأهمية في الحفلات في الضَّاحية الخارجية.
“مساء الخير جميعاً”، قال مالكولم في الغرفة التي دعاها مخدعه، مغلقاً الباب خلف بولي. كان الضَّوء الوحيد في الغرفة ينبعث من مصباح مكتبي. في الظلال تمدَّد على أريكة من جلد صناعي، رجل وامرأة كانا يتبادلان القبل. افترقا محرجين عند تحية مضيفهما الهازلة، كاشفين عن أنفسهما بشكل متوقع كزوج وزوجة رجل آخر.
قال مالكولم: “واصلا يا جماعة “.
صبَّ لبولي قليلاً من البراندي حتى لو أنها قالت ثانية أن ما أرادت شربه هو كأس من البُرغندي. نهض الثنائي عن الأريكة وابتعدا ضاحكين بفتور. قال الرجل لمالكولم إنه نذل عجوز.
“تفضَّلي”، قال مالكولم. من ثم وضع شفتيه الخائرتين على شفتي بولي وطبَّق قليلاً من الضَّغط ما أثار نفور بولي. كان كأس البراندي في يدها اليمنى بينهما: لو لم يكن هناك، عرفت أن العناق كان ليكون أكثر قرباً. كان ممكناً لكل منهما أن يتظاهر أن ما حدث كان ببراءة تعبيراً عن صداقة مالكولم رايدر لها، التفاف صغير خاص ليظهر أن كل هذه السنوات لم تكن مجرد حالة زوجتين صديقتين والأزواج يصاحبنهما، وهذا ما حدث. سابقاً في العام 1965 ذهبوا جميعاً إلى البحر الأدرياتيكي معاً وفي كثير من الأحيان قبَّلها مالكولم وعانقها وهو يخبرها كم كانت صالحة للأكل. لكن بطريقة ما-ربما لأن شفتيه لم تكونا عاطفيتين جداً في الماضي-كان الأمر الآن مختلفاً.
“بصحتك!” قال وهو يبتسم لها في الظَّلام. للحظة بغيضة فكَّرت أنه سوف يقفل الباب. ماذا تفعلين إذا حاول صديق قديم اغتصابك على أريكة في مخدعه؟
مع كل خطوة معاً، زادت المرأة البرتقالية تشابكها مع أوليفر غرامسميث. كان السمسار العقاري يرقص مع جون مولالي، يتجاهلان كلاهما إيماءات فيليب زوج جون مولالي الذي كان لا يزال متلهفاً للذهاب إلى البيت. آل تومبسن، آل بيدلار، آل ستيفنسن، آل سوتون، آل هيرسما وآل فولتون كانوا جميعاً مفترقين زوجياً. كان تيم غروفيد يشد بلطف قبضته على أوليف غرامسميث، مال رأس سيلفيا ميكوك على كتف رجل يدعى ثيسلواين.
قالت سو لغافين: “هل تتذكر الريتز؟”
تذكَّر. كان منذ زمن طويل، قبل سنوات من ذهابهم جميعاً إلى البحر الادرياتيكي، عندما كانوا قد بدؤوا للتو يقيمون في ميدا فيل، في شقتين واحدة فوق الأخرى، ليس واحد منهم متزوج. ذهبوا إلى الريتز لأنهم لم يتمكنوا من تحمُّل تكلفته. كان العذر عيد ميلاد بولي.
“آذار الخامس والعشرين”، قال. “العام 1961 “. استطاع أن يشعر بنهديها مثل مسمارين بسبب القبضة المحكمة لمشد الصَّدر خاصتها. كان قد أصبح شديد الترهل، فكَّر، منذ آذار الخامس والعشرين العام 1961.
“كم كان مسلياً!” ابتسمت له ورأسها الدَّاكن الصغير يميل إلى أحد الجانبين. “هل تتذكر كل شيء غافين؟”
“نعم أتذكر”.
“أردت أن أغني تلك الأغنية وما كان أحد ليسمح لي. كانت بولي مذعورة”.
“حسناً، كان عيد ميلاد بولي”.
“وبالتأكيد لم نتمكن من إفساد ذلك”. كانت لا تزال تبتسم له، عيناها تطرفان، نبرة صوتها بخفة ريشة. مع ذلك بدت الكلمات مثل انتقاد، كما لو أنها كانت تقول الآن-بعد أربعة عشرة سنة-أن بولي كانت مفسدة للملذات، لكن في ذلك الوقت لم تبد كذلك على الإطلاق. ذراعها شدا على خصره. اختفى وجهها وهي تدس رأسها في صدره. كل ما تمكن من رؤيته كان الشريطة الحمراء في شعرها والشَّعر نفسه. فاحت منها رائحة ثمَّة عطر شذي. أعجب بحدَّة نهديها. أراد أن يربِّت على رأسها.
قال مالكولم في مخدعه: ” كما تعلمين سو تعشق غافين المسن “.
ضحكت بولي. كان قد وضع يدا على فخذها والأصابع كانت الآن تمسِّد بخفَّة مخمل تنورتها الأخضر واللحم تحتها. كان أن تطلب منه أن يزيح يده أو أن تدفعها بنفسها ايجابياً للغاية، انعكاس لمزاجه الجدي بدلاً من مزاجها العرضي على نحو محسوم إلى حد كبير. زحفت كثافة في صوته. بدا أكبر من ثمانية وثلاثين عاماً، كان قد بدا أقل جاذبية وعافية من غافين بكثير.
“لنعد إلى الحفلة مالكولم”، وقفت مزيحة يده كما لو بالمصادفة.
“لنشرب كأساً آخر”.
كان يعمل محامياً الآن، في شركة باركر، هيلي وهاربر. في الحقيقة كان يعمل محامياً عندما كانوا يقيمون جميعاً في الجزء الأرخص من حي ميدا فيل. كان لا يزال يلعب الرجبي مع فريق هارلكوينز حينها. اعتادت هي وغافين وسو مشاهدته في أصائل يوم السَّبت، في مباريات ضدَّ نوادي لندن، روسلين بارك وبلاكهيث، ريتشموند، لندن ويلش، لندن ايريش، وجميع النوادي الأخرى.
كان مالكولم لاعب جناح الثلاثة أرباع مع دورة سرعة كانت مفاجئة لدى رجل ضخم للغاية: لطالما قال الناس، حتى معلقو الجرائد، أن عليه أن يلعب في فريق إنكلترا.
كانت بولي تعي أن تلك كانت كليشيه مقارنة مالكولم كما كان في السابق مع مالكولم السمين الممل إلى حد ما الذي لم يكن من الحكمة الجلوس إلى جانبه على أريكة. بطبيعة الحال لم يكن نفسه. كانت ربما حياة مضجرة كونه محامياً مع باركر، هيلي وهاربر يوماً بعد يوم. هو ربما بذل أقصى ما بوسعه لمحاربة الترهل، وما من رجل استطاع أن يفعل شيئاً إزاء الصلع. عندما كان صاحياً تماماً ولم يكن في حفلة أمكنه أن يكون مسلياً تماماً ولطيفاً، بالكاد ممل على الإطلاق.
قال: “لطالما عشقتك يا بول على الدَّوام. أنت تعرفين ذلك”.
“أوه، هراء، مالكولم!”
أخذت كأس البراندي منه، ممسكة إياه بينهما تحسباً في حال ترنح ثانية. بدأ يتحدث عن الجنس. سألها إذا قرأت منذ بضع سنوات، عن ثنائي في طائرة، غريبين كلياً، استعرضا الفعل الجنسي على مرأى من المسافرين الآخرين. روى لها قصة عن مايك جاغر على طائرة، في ذلك الوقت عندما كان مايك جاغر يقوم برحلات مع ماريان فيثفول. قال إن النظام الوثاب لحافلات جرين لاين امتلك النوع نفسه من الأثر عليه. قال إن سيلفيا ميكوك سحاقية. كانت أوليف غرامسميث مازوشية تستعذب الضَّرب. فيليب مولالي شوهد سابقاً يتجول حول شيفرد ماركت، ينظر إلى الفطائر. لم يكن وفياً لسو، قال، لكن سو عرفت بالأمر والآن سوف يعالجا كل ذلك الجانب من الأمور بطريقة مختلفة. عرفت بولي بالأمر، أيضاً، لأن سو قد أخبرتها: امرأة في باركر، هيلي وهابر وأرادت من مالكولم أن يطلق سو، وكان هناك أيضاً علاقات أقل جديه بين مالكولم ونساء أخريات.
“منذ أن ذهبت طالت الأيام”، غنى نات كينغ كول في غرفة الجلوس بلون القهوة، “وسرعان ما سوف أسمع أغنية الشِّتاء القديمة”، رفع بعض الضُّيوف المنخرطين في محادثة أصواتهم أعلى من صوت نات كينج كول. تمايل آخرون على إيقاعه. في غرفة الجلوس والردهة والغرفة حيث كان الطعام مفروشاً كان هناك ضباب دخان السَّجائر ورائحة البرغندي الدافئة. جلس رجال معاً على الدَّرج، يتحدثون عن انتخاب مارغريت تاتشر كقائد لحزب المحافظين. نساء تجمعن في المطبخ وبدون سعيدات تماماً هناك وكؤوس البرغندي في أيديهن. في غرفة نوم واصل الثنائي الذي كان متفاجئاً في مخدع مالكولم عناقهما.
“كنا ممتازين للغاية”، قالت سو في ساحة الرقص. انفصلت عن غافين، تمسك بيده عندما فعلت ذلك. قادته عبر الغرفة إلى حجرة لها واجهة من خشب السَّاج احتوت على تسجيلات الغرامافون. فوقها كان هناك غرمافون ومسجلة كانت تبث الموسيقى.
“لا تتحرك”، حذَّرت غافين وهي تترك يده لتبحث بين التسجيلات. وجدت ما أرادت ووضعته على مائدة الغرمافون الدوَّارة. بدأت الموسيقى تماماً قبل أن تطفئ المسجلة. غنى صوت أنثوي أجش: تلك الليلة، ليلة التقينا، كان هناك سحر ينتشر في الهواء…
“استمع إليها”، قالت سو وهي تمسك يد غافين ثانية وتجره إلى ساحة الرقص.
“كان هناك ملائكة يتناولون العشاء في الريتز، وعندليب غنى في ساحة بيركلي”.
انزلق الراقصون الآخرون الذين اندهشوا للتغير المفاجئ في سرعة الإيقاع، نحو الايقاع الجديد. ضغط النهدان المدببان ثانية على معدة غافين.
“ملائكة من النَّوع الذي كنَّا عليه”، قالت سو. “وملائكة متساقطة الآن يا غافين؟ هل تظن بأننا سقطنا؟”
منذ زواجه، مارس الحب مرة في نيويورك ومرة في ليفربول، مع فتيات أخريات. كانت مصادفات، عرضية وعديمة الأهمية في وقتها وأقل أهمية الآن. كان قد عانى من تأنيب الضَّمير في الحال بعد ذلك، لكن تأنيب الضَّمير تبدد مع اسمي الفتاتين. استطاع أن يتذكر اسميهما لو حاول: مرة فعل، عندما عانى من نوبة عسر هضم في الليل. تذكَّر تماماً وجهيهما وجسديهما العاريين وكيف كان كل لقاء، لكن الذكريات التي تطلبت مثل هذا الجهد لم تبد حقيقية تماماً. قد يكون الأمر بالتأكيد مختلفاً مع سو.
“سو البارعة تلعب ذلك”، قال زوجها وهو يتوقف خارج المخدع مع بولي. “كانا يتحدثان عن الريتز، بول”.
” يا إلهي!” عادت المناسبة في الريتز إليها بحيوية كانت ترياقاً ترحيبياً لكشف مالكولم عن حياة ضيوفه الجنسية. قال مالكولم:
“كانت فكرتي كما تعلمين. غافين المسن وأنا كنَّا نسرف في الشَّراب في الهوب وقال فجأة: “عيد ميلاد بولي الأسبوع القادم”، وقلت “بحق الله! لنذهب إلىى الريتز”.
“كان لديك محار كما أتذكر”. ابتسمت له وهي تشعر بتحسن لأنهما لم يعودا في المخدع، وأقوى بسبب البراندي. قد يكون مالكولم قد أدرك الآن ما شعرت به، ولن يجدَّ في الطلب.
“لم نكن أكثر من أولاد”، أمسك يدها بطريقة ربما كانت شاعرية فقط، كما لو أن الذكرى كانت تلهمه.
“عيد ميلادي الثاني والعشرين. كم كان أمراً استثنائياً القيام به!”
في الواقع حدث أكثر من ذلك. جالسة في المطعم مع الأشخاص الذين أحبتهم، فكرت أنه كان ألطف شيء حدث على الإطلاق لها في عيد ميلادها. كان سخيفاً لأن واحداً منهم لم يتمكن من تحمل تكلفته. كان سخيفاً الذهاب إلى الريتز من أجل وليمة عيد ميلاد: مارتيني في بار الريفولي لأن مالكولم قال إنه أمر عظيم، الكراسي المذهَّبة والسَّرخس. لكن السَّخافة لم تهم ففي تلك الأيام لم يهم شيء كثيراً. كان مسلياً، استمتعوا بوجودهم معاً، امتلكوا الكثير كي يشعروا بالسعادة بشأنه. مالكولم قد يلعب الرجبي في فريق إنكلترا.
كان غافين على وشك أن يحقق دخوله إلى عالم السِّينما. كانت سو جميلة، وبولي تلك الليلة بدت جميلة. جلسوا هناك يضحكون باستهتار بينما ندل مراعون زيفوا ابتهاج مزاجهم. شربوا الشمبانيا لأن مالكولم قال إن عليهم أن يفعلوا.
ومالكولم لا يزال ممسكاً بيدها، عبرت الردهة الواسعة لمنزل رقم 4 في سانديواي كريسنت. كان الناس قد بدؤوا يغادرون. ترك مالكولم يدها كي يودعهم.
وقفت في عتبة باب غرفة الجلوس تشاهد غافين وسو يرقصان. رفعت كأس البراندي إلى شفتيها وشربت منه بهدوء. كانت أقدم صديقاتها تحاول إغواء زوجها، وللمرة الأولى في حياتها تبغضها. لو كانتا لا تزالان في حضانة الآنسات هاملتُن كانت لتركض نحوها وتضربها بقبضتيها. لو كانتا لا تزالان في حي ميدا فيل أو في عطلة في البحر الادرياتيكي لكانت صرخت وأحدثت جلبة. لو كانتا تضحكان في مطعم الريتز لنهضت وخرجت.
شاهداها هما الاثنان تقف هناك، كلاهما تقريباً في اللحظة نفسها. ابتسمت سو لها ونادت عبر غرفة الجلوس الملونة بلون القهوة، كما لو أن لا شيء مؤسف كان يحدث،” هل تظنين أننا سقطنا بولي؟” كان صوتها مفعماً بالضَّحك، تماماً مثلما كان تلك الليلة. لا يزال في عينيها بريق الحفلة الذي ربما كان هناك أيضاً.
“لنرقص بولي”، قال مالكولم محيطاً خصرها بذراعيه من الخلف.
زاد الأمر سوءاً بفعله ذلك لأنها عرفت من طريقة لمسه لها أنها كانت مخطئة: لم يدرك. ربما ظن أنها استمتعت بسماع كل ذلك الحديث حول ملاحقة فيليب مولالي للعاهرات وعن كون أوليف غرامسميث تستعذب الضَّرب رغم أنها لم تفهم المقصود تماماً بهذا.
أنهت البراندي في كأسها وانتقلت معه نحو ساحة الرقص. ما حدث كان أن آل رايدر تحدثا بكل هذا. قالا لبعضهما البعض إن هذه هي الطريقة التي رغبا بها -طالما أنها المرة الأولى-أن يصنعا التبادل الجنسي. كان على بولي وغافين أن يساعدا صديقيهما لأن امرأة في باركر، هيلي وهاربر أرادت أن يتطلق مالكولم ولأنه كان هناك علاقات أخرى. كان مالكولم وسو يعالجان كل ذلك الجانب من الأمور بطريقة مختلفة الآن، يتبعان الموضة في الضَّاحية الخارجية طالما أن الموضة فعلت العجائب مع الزيجات الذاوية.
سأل مالكولم: “هل هي إستريلَّا من تجالس الأطفال؟ ليس هناك مشكلة إذا تأخرتم صحيح؟ لن تجري اتصالاً هاتفياً، بول؟”
“استريلا لم تتمكن من المجيء. كان علينا الحصول على فتاة من شركة بروبلم”.
اقترح، كما لو أن الترتيب كان ترتيباً طبيعياً وتم التمرن عليه من قبل، أنه يجب أن يقودها إلى المنزل عندما تريد الذهاب. وقد يقود جليسة الأطفال من شركة بروبلم إلى بيتها أيضاً. “غافين المسن لن يرغب بالذهاب”، أعلن محاولاً أن يجعل كل شيء يبدو جزءاً من واجباته كمضيف. بدا لبولي أمراً منافياً للعقل لكنها لم تقل ذلك. فقط ابتسمت وهي ترقص معه.
لقد صنعا هذه الخطط بشكل متعقِّل تماماً على الأرجح، وهما يتناولان الفطور أو عندما لم يكن هناك ما يشاهدانه على التلفزيون، أو في السَّرير ليلاً. تباحثا في اللعبة التي لعبها الناس بمفاتيح السيارات أو أوراق اللعب أو بسحب القرعة بطرق مختلفة. اتفقا أنه ما من واحد منهما اهتم لفكرة المجازفة. ربما قال مالكولم بطريقة عرضية: “مختلف، لو نحصل على آل ديلارد”. سو ما كانت لتقول شيئاً عندها. ربما ضحكت أو نهضت لتصنع الشَّاي إذا كانا يشاهدان التلفزيون، أو استدارت وخلدت للنوم. في مناسبة أخرى ربما كانت جرفت المحادثة نحو الموضوع ثانية ومالكولم كان ليعرف أنها مهتمة، لكانا وجدا حينها طريقاً لإثارة اهتمام صديقيهما القديمين. تراقص مالكولم، شاهدت بولي عندما نزل فم غافين ليمس قمة رأس سو. هو وسو كانا بالكاد يتحركان على ساحة الرقص.
“حسناً ذلك الأمر قد سوِّي إذن”، قال مالكولم. هو لم يرغب أن يرقص بعد الآن. أراد أن يعرف أن ذلك قد سوي، وأنه قد يعود إلى حفلته بعد ساعة أو ما يقارب ذلك، مع شيء يتطلع إليه. قد يقودها إلى البيت وغافين قد يبقى. عند السَّاعة الواحدة والنِّصف أو الثَّانية، عندما يرمي الرجال مفاتيح سياراتهم على السجادة وكل واحدة من النِّساء معصوبات الأعين تلتقط واحداً، يمكن لغافين وسو أن يكتفيا بالمشاهدة فقط دون مشاركة. وعندما يغادر الجميع، سوف يكون غافين وسو بمفردهما مع الفوضى كلها والكؤوس الفارغة. وهي سوف تكون بمفردها مع مالكولم.
ابتسمت بولي له ثانية على أمل أنه سيفهم من الابتسامة أن كل شيء قد سوِّي، لأنها لم ترغب أن تمضي في الرقص معه. إذا قال واحد منهما، تلك الليلة في الريتز، أنه لعدد من الساعات بعد العشاء يجب أن يغيروا الشركاء، لحل الصمت الأكثر إزعاجاً.
ربَّت مالكولم على ردفها بطريقة تملكية. عصر زندها وابتعد، متمتماً أن الناس قد يكونوا بحاجة لشراب. استولى عليها رجل لم تعرفه، ثمل بإفراط، مخبراً إياها أنه يحبها.
عندما تمايلت حول الغرفة معه، أرادت أن تقول لسو ومالكولم وغافين أن نعم، لقد سقطوا. بالتأكيد مالكولم لم يكن قد بذل قصارى جهده لمحاربة ترهله، بالتأكيد لم يبذل جهوداً. كان مالكولم رهيباً وكانت سو غدارة. عندما سأل الناس غافين إذا صنع أفلاماً لماذا لم يجب أبداً أن الأفلام التي أخرجها كانت إعلانات تلفزيونية؟ لا بد أنها سقطت بنفسها، لأنه كان واضحاً بطبيعة الأمر لكنها لم تتمكن أن ترى كيف.
قال غافين: “حان وقت عودتنا إلى البيت سو “.
“بالتأكيد هذا ليس صحيحاً يا غافين”.
“بولي”.
“أنت لطيف يا غافين”.
هزَّ رأسه. همس لها شارحاً أن بولي لن تشترك بما كان مقترحاً. قال إنه ربما أنهما قد يلتقيان في وقت ما على شراب أو غداء. قال إنه قد يود ذلك، هو أراد ذلك. ابتسمت. تلك الليلة في الريتز، تمتمت، لم ترغب أن تكون ملاكاً نضراً. “أردتك أنت”، تمتمت.
“هذا ليس صحيحاً”، قال ذلك بخشونة. دفعها بعيداً عنه، يلوي نفسه متحرراً من ذراعيها. صدمه أنها تمادت كثيراً مفسدة الماضي عندما لم يكن من داع لذلك. “ما كان عليك قول ذلك سو”.
“أنت حسَّاس”.
نظر حوله بحثاً عن بولي ورآها ترقص مع رجل استطاع بالكاد أن يقف. كانت بعض الأضواء في الغرفة مطفأة وصوت المسجلة قد خفض. كان سيمون وغارفنكل يتهامسان حول السيدة ربينسن. ضحكت امرأة بحدة وهي تخلع حذاءها عبر ساحة الرقص.
لم تكن تبتسم بعد الآن. كان الوجه الذي تطلع نحوه عبر الظلمة قاسياً ومتهماً. ظهرت تغضنات، لم تكن ناجمة عن الضحك، حول العينين: تغضنات التوتر وربما الحنق، افترض غافين. استطاع أن يراها تفكر: كان قد قادها، قبَّل قمة رأسها. الآن كان يقترح غداء في وقت من الأوقات، يوزع المستقبل لها عندما كان الحاضر ما يهم. شعر بأنه كان فظاً.
“أنا آسف سو”.
كانا واقفين في طريق الراقصين الآخرين. أراد أن يرقص ثانية ليشعر بدفء جسدها الضَّئيل، ليشعر بيديها، وليشم شعرها، ولينحني ليلمسه ثانية بشفتيه. ابتعد وانتشل بولي من قبضة الثمل الذي ادعى أنه أحبها. “حان وقت الذهاب إلى البيت”، قال بغضب.
احتج مالكولم في الردهة: “أنت لست ذاهب على الإطلاق يا غافين، سوف أقود بول إلى البيت، كما تعلم”.
“سوف أوصلها إلى البيت بنفسي”.
في السَّيارة سألت بولي عمَّا حدث، لكنه لم يخبرها الحقيقة. قال إنه كان فظاً مع سو لأن سو قالت شيئاً مريعاً حول أحد ضيوفها وأنه لثمة سبب سخيف اعترض عليه.
بولي لم تصدقه. كان يختلق عذراً لكن لم يهم. كان قد رفض اللعبة التي أراد آل رايدر له أن يلعبها وقد رفضها لأجل خاطرها. كان قد وقف إلى جانبها وأظهر لها احتراماً مع أنه أراد أن يلعب اللعبة. في السَّيارة وضعت رأسها على جانب كتفه. شكرته دون أن تحدد على ماذا كانت ممتنة.
قال: “يخالجني شعور مريع لأني تعاملت مع سو بطريقة فظة “.
أوقف السَّيارة عند باب منزلهما. كان المصباح مضاء في نافذة غرفة الجلوس. قد تكون جليسة الأطفال شبه نائمة. كان كل شيء كما يجب أن يكون.
قال غافين وهو لا يزال في السيارة: “ليس من حقي أن أكون فظاً”.
“سو سوف تتفهم”.
“لا أعرف أنها سوف تفعل”.
تركت الصَّمت يتجمع على أمل أنه سوف يكسره بالتنهد أو بالقول إنه سيتصل ويعتذر غداً، أو ببساطة قائلاً إنه سينتظر في السيارة جليسة الأطفال. لكنه لم يتنهد ولم يتحدث.
“يمكنك العودة”، قالت بهدوء في النهاية، “لتقول إنك آسف. عندما تقود جليسة الأطفال إلى البيت”.
لم يجب. جلس بكآبة يحدق بعجلة القيادة. فكرت أنه بدأ يهز رأسه، لكنها لم تكن واثقة. ثم قال:
“نعم ربما يجب أن أفعل”.
غادرا السَّيارة وسارا معاً على الدَّرب القصير المعبَّد الذي قاد إلى باب ردهتهما. قالت إنها شعرت برغبة بشرب فنجان شاي، ثم فكرت كم بدا ذلك رتيباً.
“هل أنا بليدة غافين؟” سألت، تهمس كي لا تحمل الكلمات بطريقة ما إلى جليسة الأطفال. هدوءها هجرها للحظة. “هل أنا كذلك؟” كررت دون أن تهمس بعد الآن وغير مهتمة لجليسة الأطفال.
“بالتأكيد لست بليدة. عزيزتي بالتأكيد لست كذلك”.
“لا ترغب بالبقاء؟ لا ترغب أن تذهب مندفعاً إلى الأسرة مع الناس؟”
“أوه لا تكوني سخيفة بولي. إنهم جميعاً بلداء ما عداك عزيزتي. كل واحد منهم”.
لفها بذراعيه وقبَّلها، وعرفت أنه آمن بما كان يقوله. آمن أنها لم تسقط كما فعل هو وآل رايدر، وأن منتصف العمر لم يسدد ضربات مريعة. بطريقة بدت حقيقية لبولي، لأنه غالباً خطر لها أنها نجت أكثر من الثلاثة الآخرين، من الضَّاحية الخارجية. كانت واعية للتظاهرات لكنها لم تستطع التظاهر. عرفت في كل مرة دخلا فيها إلى مطعم تونينو المحلي أن تونينو كان مجرد نكتة إيطالية، خدعة مقارنة بواقع الأصلي في شارع غريك. عرفت أن الحفلة التي كانا للتو فيها ورطة صغيرة قذرة. عرفت أنه عندما تحمس غافين بشأن إعلان مدته اثنتان وخمسون ثانية للصابون لم يكن حماسه سبباً للاحتفال. عرفت الضَّاحية على حقيقتها، إنها سيارات فولفو وفوكسهول، دروبها المعبَّدة في الحدائق غير المسيَّجة، أهلَّتها وجاداتها وأشجارها الفجَّة، والألعاب التي لعبها أهلها.
قال وصوته مشوب بالحنو: “لا بأس، بولي؟” كان ذراعاه لا يزالان يلفانهاـ
“نعم بالطبع”. أرادت أن تشكره ثانية، ولتشرح أنها شاكرة له لاحترامه مشاعرها ووقوفه إلى جانبها. أرادت أن تطلب منه ألا يعود ويعتذر لكنها لم تستطع حمل نفسها على فعل ذلك لأن الطلب بدا نكداً. قالت: “نعم بالطبع أنا بخير”. في غرفة الجلوس استيقظت جليسة الأطفال وبلغت أن الأطفال أحسنوا التصرف للغاية. “لم يسئ أي منهما التصرف ولو قليلاً يا سيدة ديلارد”.
قال غافين: “سوف أقودك إلى البيت”.
“أوه، إنه بعيد للغاية”.
“إنه خطأنا أننا نسكن في مثل هذه الضَّاحية المهجورة”.
“حسناً، هذا لطف كبير منك سيدي”.
دفعت لها بولي وسألتها ثانية عن اسمها لأنها نسيت. رددت الفتاة قائلة إن اسمها هانا مكارثي. أعطت بولي رقم هاتفها في حال لم تكن إستريلّا متاحة في مناسبة أخرى. قالت إنها لم تمانع القدوم من مكان بعيد على الإطلاق.
عندما ذهبا حضَّرت بولي الشَّاي في المطبخ. وضعت إبريق الشَّاي وفنجاناً وصحناً على صينية وحملت الصَّينية إلى غرفة نومهما في الطابق الأعلى. كانت لا تزال كما كانت دوماً، قد يقولا لبعضهما البعض، وهما مستلقيان هناك، زوجها وصديقتها. قد يبديان إعجابهما بها بسبب ذلك، يتقاسمان الذَّنب والنَّدامة. لكن قد يكونا مخطئين بقولهم إنها لم تتغير.
خلعت ملابسها وذهبت إلى السَّرير. كانت الضَّاحية الخارجية ما كانت عليه، وكذلك كانت قوقعة منتصف العمر: لم تشتك لأنه قد يكون سخيفاً الشكوى في حين كل شيء في حوزتك من طعام وكساء وراحة، عندما أطفالك معتنى بهم ويشعرون بالدِّفء، عندما تكون محبوباً ومحترماً. لا يمكنك أن تبكي غضباً إلى الابد، أو تتحسر على نفسك وعلى أناس آخرين بصوت مسموع. لا يمكنك أن تضربي بقبضتيك كما لو أنك في حضانة الآنسات هاملتون في بوتني. لا يمكنك أن تضحكي إلى الأبد بين النُّدل في مطعم الريتز فقط لأن وجودك هناك كان مسلياً.
صبَّت لنفسها فنجان شاي في السَّرير، قائلة لنفسها إن ما حدث الليلة-وربما ما كان يجري الآن، معقول بل عادل أيضاً. كانت قد رفضت ما تعافه، كان قد وقف إلى جانبها واحترم مشاعرها: بدا غدره واجباً عليه. هذا ما شعرت به في هدوء كهولتها. لم تستطع منع نفسها عن ذلك.
كان شكل سقوطها، قالت لنفسها، لكن بدا كل ذلك سخيفاً الآن.

(5)
عيد ميلاد آخر

فكَّرت، أنتِ لطالما التفتِّ إلى الوراء. التفتِّ إلى سنوات أخرى، بطاقات تهنئة أخرى بعيد الميلاد تصل، الأطفال أصغر سناً. كانت منها السَّنة التي بكى فيها باتريك مستنكراً نبتة البهشية التي زينت بها غرفة الجلوس، والسنة عندما دخل قذى من فحم الكوك في عين بريدجت ليلة عيد الميلاد، فاستلزم نقلها منتصف الليل إلى المستشفى في هامرسميث. وأول سنة زواج لهما عندما كانت هي وديرموت لا يزالان في واترفورد. ومنذ أن قدما إلى لندن كان هناك حضور مؤجرهما السَّيد جويس يوم عيد الميلاد، رجل راقباه وهو يشيخ.
كانت الآن في منتصف العمر، وقد خطَّ الشَّيب شعرها الدَّاكن المجعَّد، امرأة معروفة ببشاشة وجهها، تميل إلى البدانة بعض الشَّيء. كان زوجها نحيلاً على عكسها ويبدو زاهداً، والكاهن فيه أكثر من مجرد لمحة، رجل صالح. “هل سنتزوج يا نورا؟” قال لها ذات ليلة في صالة تارا بولروم في واترفورد، في السَّادس من شهر تشرين الثاني العام 1953. كان العرض قد أدهشها: كانت تتوقع أن يتيقدمه لها أخوه نيد، الضخم ذو الوجه النضر، وهو من نوع مختلف كلياً من الأشخاص.
بصبر أمسك لها الكرسي فيما نظمت سلاسل ورقية عبر الغرفة، من مشجب صورة إلى آخر. حذرها أن تحترس من إرفاق أي شيء بالمصباح الكهربائي. كان لا يزال ممسكاً بالكرسي عندما وضعت غصينات البهشية خلف الصُّور. كان حذراً بطبيعته ومتنبهاً لأدق التفاصيل، يقلقه بشكل خاص سقوطها عن الكراسي. لم يعتلِ كرسياً بنفسه قط كي يزين أو لأي شيء آخر: لقد كان عديم الفائدة من هذه النَّاحية من وجهة نظره وكان رأيه هو ما يهم. لم يكن قادراً قط على فعل شيء في المنزل، لكن لم يهم لأن الأولاد اعتنوا بأي شيء لم تتمكن من تدبره بنفسها منذ أن أصبحوا كباراً.
ما كنت لتحلم بأن تشير إلى ذلك: كان كما كان، متفهماً وعميق التفكير فيما يفعل، ممتنع عن المسكرات، ذكياً، شغوفاً بها للغاية وبالعائلة التي أسساها معاً، يقدرها غاية التَّقدير أيضاً.
قال وهو يمسك الكرسي: “أليست عجيبة السُّرعة التي مر بها يا نورا؟ أو لم ينقض العام الماضي في غمضة عين؟”
“لم يمر وقت على الإطلاق”.
“ولو أن أحداثاً كثيرة جرت خلال السنة يا نورا”.
” كمٌّ هائلٌ من الأحداث”.
كانت صورتان اثنتان من الصُّور اللاتي زينتهما تمثلان مناظر من واترفورد: أرصفة الميناء ورجل يقود خروفاً بمحاذاة بنك ايرلندا. أعطتهما أمها لها وقد أخذتهما من قاعة البيت الريفي.
كان هناك صورة للعذراء والطفل، وصور أخرى أصغر حجماً. وضعت آخر غصينات البهشية، قطعة تعلوها ثمار توت العليق، فوق هالة العذراء.
قالت وهي تنزل عن الكرسي وتبتسم له: “سوف أحضِّر الشَّاي”.
“فنجان شاي سوف يكون عظيماً يا نورا”.
كانت غرفة الجلوس التي تحتوي على ثلاثة كراسي بمساند بنية اللون وطاولة يحيط بها كراسي مستقيمة، وصوان سفرة عليه جهاز تلفزيون، مزدحمة بهذا الأثاث حتى بدت أصغر مما هي عليه بسبب التزيينات المضافة. كانت بطاقات التهنئة بعيد الميلاد على رفِّ الموقد، فوق مدفأة مدمجة تعمل بالغاز مصفوفة على كل جانب من جانبي ساعة خضراء مزخرفة.
كان المنزل على سطيحة في فولهام. لطالما كان على الدوام صغيراً جداً على العائلة، لكن الآن كانت الأمور أسهل فباتريك وبرندن لم يعودا يقيمان هناك. تزوج باتريك من فتاة تدعى بيرل منذ ستة أشهر تقريباً حال انتهاء فترة تدريبه مع بنك ميدلاند. كان بريندن يتدرب في ليفربول، لدى شركة لمصنعي أجهزة الكمبيوتر. كان الأطفال الثلاثة الباقون لا يزالون في المدرسة، بريدجت في مدرسة الدير القريب، كاثال وتوم في مدرسة القلب الأقدس الابتدائية. عندما انتقل باتريك وبرندن أصبحت الغرفة التي تشاركاها دوماً لبريدجت.
حتى ذلك الحين نامت بريدجت في غرفة والديها، ولسوف يتوجب عليها أن تعود إلى هناك هذا الكريسماس لأن برندن قد يعود ليمضي ثلاث ليالي. قد يأتي باتريك وبيرل فقط يوم العيد. سوف يذهبان إلى عائلة بيرل في كرويدون، يوم البوكسينغ-يوم عيد القديس ستيفان، كما اعتاد كل من نورا وديرموت أن يدعواه دوماً على الطريقة الأيرلندية.
قال: “سوف يكون عظيماً أن نحظى بهم جميعاً، عائلة من جديد يا نورا”.
“وبيرل”.
“هي واحدة منا الآن، نورا”.
“هل ستأكل البسكويت مع الشَّاي؟ لدي علبة من ماركة نايس”.
قال إنه يود ذلك شاكراً إياها. كان قارئ عدادات في شركة نورث تيمز للغاز، وظيفة امتلكها على مدى واحد وعشرين عاماً، منذ أن هاجر. عمل في واترفولد كاتباً في الجمارك، لا يكسب الكثير ولا يهتم كثيراً للمكتب الخانق المثقل بالدُّخان الذي تشاركه مع نصف دزينة من الكتبة الآخرين. كان قد جاء إلى انكلترا لأن نورا ظنَّت أنها فكرة جيدة، لأنها دوماً أرادت أن تعمل في متجر لندني. كانت قد منحت عملاً في متجر ديكنز &جونز، في قسم البياضات المنزلية، وقد وظف كقارئ للعدادات، يقود الدراجة من باب إلى باب، متذكراً المنازل المختلفة ومكان العدادات في كل واحد منها، محبوباً من أصحاب المنازل: كل شيء ناسبه منذ البداية. كرس الوقت للتفكير أثناء تجواله ولا سيما بأمور دينية.
حضَّرت الشَّاي في مطبخها الصَّغير وحملتها على صينية إلى غرفة الجلوس. كانت متأخرة هذه السنة بالتزيين. أحبت دوماً أن تعلق الزينة قبل أسبوع لأنها تضفي الجو المناسب لعيد الميلاد بحيث يشعر به الجميع. كانت منشغلة بأمور تتعلق بببسطة طلب إليها الأب مالي أن تديرها في مبيعات عيد الميلاد التي يقيمها. كان قد دعاها بسطة أزياء، لكنها دون أن تعرف قصده تمام المعرفة، كانت قد طلبت فقط من الناس إذا كانوا يملكون أية ملابس قديمة، فوضى حقاً. بسبب ما استغرقه من وقت لم تحظ ولو بدقيقة للنظر بشأن الزينة حتى هذا الأصيل، قبل يومين من ليلة عيد الميلاد. لكن اتضح أن ذلك كله كان في صالحها. ذهب بريدجت وكاثال وتوم إلى السينما في بوتني، لم يعمل ديرموت أصيل يوم الاثنين: كان ملائماً أن لديهما من الوقت ساعة أو ساعتين بمفردهما معاً فقد كان عليهما التحدث في موضوع السيد جويس. هذا لا يعني أنها أرادت طرحه لكن لم يكن ممكناً تركه معلقاً.
“الفنجان الذي يبعث على البهجة”، قال وهو يكسر قطعة البسكويت إلى نصفين. أجلت عمداً إثارة الموضوع الذي في ذهنها. شاهدته يقضم البسكويت ثم يضع ثلاث ملاعق من السُّكر في الشَّاي ويحركها. أحب الشَّاي. أول مرة صحبها إلى سينما سافوي في واترفود، شربا الشَّاي فيما بعد في مقهى السِّينما وتحدثا عن الفيلم وعن أناس يعرفانهما. كان قد جاء من الريف ليقيم في واترفولد، من المزرعة التي ورثها أخيه، قريبة جداً من مزرعة والدها. حسب بأنه سيستقر، أخبرها تلك الليلة: لم تكن واترفولد باهرة، لكنها ناسبته بكثير من الطرق. لو لم يتزوجها لكان بقي هناك، يعمل ثماني ساعات في اليوم في الجمارك ولا يهتم للأمر، مع ذلك تمكن من تدبر أموره فقد كان له في معتقده معيناً.
“هل استملنا بطاقة من الأب جاك بعد؟” استفسر مشيراً إلى قريب بعيد، كاهن في شيكاغو.
“ليس بعد. لكنها دوماً تصل متأخرة، بطاقة الأب جاك. وصلت في شباط السنة الماضية”.
ارتشفت شايها جالسة في أحد الكراسي البنية الأخرى على الجانب الآخر من الموقد. كان ممتعاً وجودها هناك معه بمفردها في الغرفة المزينة، السَّاعة الخضراء تتكتك على رف الموقد، بطاقات التهنئة بعيد الميلاد، يتجمع الغسق في الخارج. ابتسمت وضحكت وهي تتناول قطعة بسكويت أخرى بينما هو يشعل سيجارة. قالت: “أليس هذا رائعاً؟ قليل من السلام لأنفسنا”.
أومأ بوقار.
قال: “السَّلام يأتي متقطراً ببطء”، وعرفت أنه كان يقتبس من ثمَّة كتاب أو آخر. قال أموراً لم تفهمها في كثير من الأحيان. أضاف: “السَّلام والرضى”، وفهمت ذلك جيداً جداً.
نفض رماد سيجارته في المنفضة التي كانت محفوظة إلى جانب الموقد لاستعماله. كانت كل حركاته بطيئة. كان مفكراً بطيئاً، مع أنه كان ذكياً. وصل إلى استنتاج وقد فكر طويلاً وبعناية، وزان كل شيء في عقله. “يجب أن نفكر في ذلك يا نورا”، قال ذلك اليوم منذ اثنين وعشرين عاماً عندما اقترحت أن ينتقلوا إلى إنكلترا. بعد أسبوع قال إنها لو أرادت ذلك بحق سوف يوافق.
تحدثا عن بريدجت وكاثال وتوم. عندما يعودوا من السينما لن يكون لديهم من الوقت إلا ما يكفي فقط ليغيروا ملابسهم قبل الخروج ثانية إلى حفلة عيد الميلاد في دير بريدجت.
“إنه يوم كبير بالنسبة لهم. دعيهم يستلقون في الصَّباح يا نورا”.
“يمكنهم الاستلقاء إلى الأبد”، قالت وهي تضحك كي تغطي على الخشونة في هذه التَّوصية إن وجدت. مع ازدياد الهياج بحلول عيد الميلاد، كلما سمعت منهم أقل كلما كان أفضل.
“هل جلبت لكاثال العُدد التي أرادها؟”
“مواد كيميائية. مجموعة في صندوق”.
“أنت عظيمة بطريقتك في تدبر الأمور، نورا”.
نفت ذلك. صبت المزيد من الشاي لكل منهما. قالت كيفما اتفق بقدر ما استطاعت:
“السَّيد جويس لن يأتي. أنا لا أحسبه في عداد الحضور يوم عيد الميلاد”.
“هو لم يخيبنا بعد يا نورا”.
“هو لن يأتي هذه السنة”. ابتسمت له عبر الظلام. “أظن من الأفضل أن نحذِّر الأطفال بهذا الشأن”.
“أين سيذهب إن لم يأتي إلى هنا؟ أين سيتناول عشاءه؟”
“مطعم الليونز اعتاد أن يفتح في الأيام السالفة”.
“لن يفعل ذلك أبداً”.
” أعلن مقهى البولرش عن عشاء ديك رومي. هناك الكثير من الناس يذهبون من أجل ذلك الآن. إذا كان لديك أم تقوم بعمل ربما ليس لديها الوقت للطهو. يذهبون إلى فندق أو مقهى، ثلاثة أو أربعة جنيهات على الشخص الواحد”.
“السيد جويس لن يذهب إلى مقهى. ما من أحد يمكن أن يذهب إلى مقهى بمفرده يوم عيد الميلاد”.
“هو لن يأتي إلى هنا يا عزيزي”.
توجَّب أن يقال: لم يكن حسناً التَّظاهر، في إعداد محل للرجل المسن على افتراض لا أساس له. لن يأتي السَّيد جويس لأن السَّيد جويس في شهر آب المنصرم توقف عن زيارتهم. كل ليلة جمعة اعتاد أن يأتي، لشرب كوب من الشَّاي والتَّحدث، مشاهدة أخبار السَّاعة التَّاسعة معهم. كل يوم عيد ميلاد كان يجلب للأطفال هدايا مختارة بعناية، وشوكولا ومكسرات وسجائر. لقد قدَّم لباتريك وبيرل راديو كهدية زواج.
“أظن أنه سيأتي تماماً. أظن ربما لم يكن بصحة جيدة. ليساعده الله، إنه عمر متقدم يا نورا”.
“هو لم يكن مريضاً، ديرموت”.
كل يوم جمعة جلس السيد جويس هناك في الكرسي البني الثَّالث، يشاهد التلفزيون، رأسه الأصلع مائل لكي تكون أذنه الجيدة أقرب إلى الشاشة. كان طويل القامة، غير أنه محني الظهر الآن، ضعيف البنية وهزيل وله شارب أبيض بسيط. كان بنَّاء في شبابه وهكذا توصل إلى امتلاك عقار في فولهام، رجل عصامي لم يتزوج قط. كان على عادته تماماً ذلك المساء في آب. قبلته بريدجت متمنية له ليلة سعيدة، فبقدر ما يمكنها أن تتذكر، فعلت ابنتها دوماً ذلك عندما أتى في أماسي الجمعة. كان قد سأل كاثال عن تعاطيه مع جولته الصحفية المسائية.
لم يكن هناك أية صعوبات قط في المنزل. اعتبروا أنه كان عادلاً في تعاملاته معهم، كانوا مستأجريه وأصدقاءه. عندما بدا أن الإيرلنديون قصفوا الإنكليز حتى الموت في بيرمينغهام وغيلدفورد لم ينقطع عن المجيء كل أمسية جمعة وفي يوم عيد الميلاد. نوقش القصف بعد الأخبار، قنبلة برج لندن، القنبلة في الحافلة، وكل القنابل الأخرى. قال السيد جويس: “مجانين”، ولم يخالفه أحد.
“لن ينسى الأطفال أبداً نورا. ليس في موسم عيد الميلاد”.
خاطبها صوته من الظلال. شعرت بدفء الموقد المنعكس في وجهها وعرفت أنها إذا نظرت في مرآة قد ترى أنها كانت متوردة للغاية. وجه ديرموت لم يحمر أبداً. حتى لو كان عصبي المزاج، لم يظهر عاطفة على الإطلاق. احتفظ وجهه في كل المناسبات بشحوبه، لم تكتسب عيناه بريق الشَّغف. ما من زوجة تستطيع أن تمتلك زوجاً أفضل، مع ذلك في مسألة السيد جويس كان مخطئاً تماماً لدرجة أنه أخافها.
قال: “هل أشتري الديك الرومي يوم الغد؟”
أومأت على أمل أنه سيسألها إذا كان هناك خطب ما، لأنها كقاعدة لم تومئ قط إجابة على سؤال. لكنه لم يقل شيئاً. أطفأ سيجارته. سأل إذا كان يوجد كوب آخر من الشاي في الإبريق.
“ديرموت، هل تأخذ شيئاً إلى السَّيد جويس؟”
“هل هي رسالة؟”
“لدي ربطة عنق من قماش الترتان من أجله”.
“أما كنت ستعطيها له يوم العيد يا نورا؟ كما تفعلين دوماً”. تحدث برفق ولا يزال يصر. هزت رأسها.
كانت تتحمل ذنب كل شيء. لو لم تقل إن عليهما الذهاب إلى إنكلترا، لو لم ترغب بالعمل في متجر لندن، ما كانوا واقعين في الفخ الذي صنعوه لأنفسهم. تحدث أطفالهم بلكنات لندنية. عمل باتريك وبرندن في شركات انكليزية وكانا سيؤسسان عائلتيهما في إنكلترا.
تزوج باتريك من فتاة إنكليزية. كانوا كاثوليك وحملوا أسماء إيرلندية مع ذلك لم تكن واترفولد موطناً لهم.
“هل يمكن أن تتولى الأمر مع السيد جويس يا ديرموت؟ هل يمكنك أن تأخذ ربطة العنق وتقول إننا آسفون؟”
“آسفين؟”
“أنت تعلم ما أقصده”. اكتسب صوتها رغماً عنها أثر نفاد الصَّبر، قلق لم يكن معهوداً فيه. هي لم يسبق لها أن تحدثت معه بتلك الطريقة. كانت الطريقة التي تحدثت بها أحياناً مع الأطفال.
“علام يمكنني أن أقول إننا آسفون نورا؟”
“على ما قلته تلك الليلة”. ابتسمت تهدئ انفعالها. أشعل سيجارة أخرى، لهب عود الثقاب ينير وجهه باقتضاب. لا شيء تغير في وجهه. قال:
“لا أظن أن خلافاً حدث بيني وبين السيد جويس يا نورا”.
“أعلم ديرموت. أنت لم تقصد أي شيء”.
“لم يكن هناك أي خلاف يا فتاة”.
لم يكن هناك من اختلاف، لكن في تلك الأمسية في آب حدث شيء آخر. في نشرة أخبار الساعة التَّاسعة بث تقرير عن انتهاك آخر وفيما بعد، عندما أطفأ ديرموت التلفزيون، كان هناك التعليق المألوف عليه. لم يتمكن من فهم عقلية أناس مثل أولئك، قال السَّيد جويس ثانية، يقتلون أي شخص، يدمرون الحياة من غير سبب.
كان ديرموت قد هزَّ رأسه رداً على هذا، هي بنفسها كانت قد قالت إنه كان همجياً. ثم كان ديرموت قد أضاف أن عليهم بالتأكيد ألا ينسوا ما عاناه الكاثوليك في الشَّمال. كانت القنابل جريمة لكنها لا تنسينا أن الجريمة ما كانت لتقع لولا أن أجيالاً من الكاثوليك في الشَّمال عوملوا كالحيوانات. ثم حل صمت حينها، نوع صعب من الصَّمت الذي كسرته بنفسها. كل ذلك كان في الماضي، كانت قد قالت بسرعة، باندفاع، لا شيء في الماضي أو الحاضر أو في أي مكان آخر قد يبرر قتل الأبرياء. مع ذلك، كان ديرموت قد أضاف، لم تقع لتجنب الحقيقة. لم يكن السيد جويس قد قال شيئاً.
“أقول إنه لم يكن هناك حاجة للذهاب مع ربطة العنق، نورا. أقول إنه قد يبذل الجهد يوم عيد الميلاد”.
“بالتأكيد لن يفعل”، كان صوتها قد ارتفع مشوباً بما هو أكثر من نفاد الصَّبر الآن. لكن كان غضبها مضبوطاً. “بالتأكيد لن يأتي”.
“إنه زمن للرضى نورا. عيد ميلاد آخر: ليذكرنا”.
تحدَّث ببطء، دفع الكلمات ثمة تفسير ما لصوت الله استجابة لصلاة. تعرفت على ذلك في نبرته المتروية.
“إنه ليس مجرد عيد ميلاد آخر. إنه عيد ميلاد من نوع فظيع. إنه عيد ميلاد تشعر منه بالخزي، وأنت تزيده سوءاً، ديرموت”. كانت شفتاها ترتجفان بطريقة لم تكن مريحة. إذا حاولت أن تهدئ نفسها لكانت أصبحت شديدة العصبية بدلاً من ذلك، لكانت قد بدأت بالبكاء حتى. كان السيد جويس كريماً ولبقاً، قالت بصوت مرتفع. لم يحدث فرقاً للسيد جويس أنهم كانوا إيرلنديين، وأن أولادهما ذهبوا إلى المدرسة مع أطفال رجال الجيش الجمهوري الأيرلندي.
مع ذلك كان كلاً من كرمه ولباقته مجحودين. عرف الجميع أن الكاثوليك في الشمال قد عانوا، وأن أجيالاً من الظلم تشابكت لتشكل قضية. لكنك لا تستطيع أن تقول ذلك لرجل مسن بالكاد خرج من فولهام في حياته. لا يمكنك قول ذلك لأنه عندما فعلت بدا قولك مثل ذريعة للقتل.
“يجب أن تدلي بالحقيقة نورا. إنها موجودة لتروى”.
“لم أهتم قط لشخص من شمال ايرلندا، كاثوليك أو بروتستانت. دعهم يتقاتلون ولا يزعجونا”.
“يجب ألا تقولي ذلك يا نورا”.
“إنه لك المزيد من الحقيقة خاصتك “.
لم يجب. كان هناك وميض وجهه للحظة عندما سحب نفساً من سيجارته. طوال حياتهما معاً لم يتشاجرا مشاجرة جادة بأي شكل من الأشكال، مع ذلك شعرت في حضرة الجدية الآن أنها أكثر مما تحتمل. كانت قد أخبرته أنه متى حدث قصف جديد صلت أنه قد يكون عمل الانجري بريجيد أو أي مجموعة لم تكن إيرلندية.
كانت قد أخبرته أنها قد بدأت تشعر في المتاجر بالحرج بسبب لكنتها الوترفوردية. كان قد قال إنها يجب أن تمتلك الشجاعة، وأدركت الآن أنه قد استمد الشجاعة عندما أبدى الملاحظة للسيد جويس. كان يمكن أن يصلي ويفكر قبل أن يبديها. قد يكون رآها في النهاية على أنها واجبه الكاثوليكي.
“هو يظن أنك لا تدين قتل الناس”. تحدثت بهدوء حتى لو أنها شعرت بشراسة في داخلها. شعرت أن عليها أن تكون في الشوارع تصرخ بلكنتها الوترفوردية، بعنف تعلن أن قاذفات القنابل كانت أكثر سفالة مع كل نفس تنفسوه، وأن الكره والموت كانا كل ما يستحقونه. رأت نفسها في محطة فولهام برودواي، تخطب بالمارة، شعرها الشائب يهب في الريح، صوتها أكثر انفعالاً مما كان في أي وقت من قبل. لكن أياً من هذا لم يكن من الأمور الذي يمكنها فعلها لأنها لم تكن ذلك النوع من النساء. لم تمتلك الشَّجاعة، أكثر مما امتلكت الشَّجاعة لتستحث غضبها أن ينفجر في غرفة الجلوس. لأنه طوال سنوات زواجها لم يكن هناك حاجة على الإطلاق لمثل هذا الشَّجاعة من قبل: كانت واعية لذلك، لكنها لم تجد فيه من عزاء.
“أظن أنه ربما رأى الآن”، قال. “كيف أن أمراً يقود إلى آخر”. شعرت بالإهانة بالكلمات. أرادت لنفسها القوة لتصرخ، لتصب عليه سيلاً من الغضب، لكن القوة لم تأت. واقفة تعثرت في العتمة وأحست بقطعة من نبتة البهشية تحت نعل فردة حذائها. أضاءت النور.
قال: “سأصلي طالباً أن يأتي السَّيد جويس “.
نظرت نحوه، شاحباً ونحيلاً، بوجهه اللائق بكاهن. للمرة الأولى منذ أن طلب منها أن تتزوجه في التارا بولروم لم تحبه. كان أذكى منها، مع ذلك بدا نصف أعمى. كان طيباً، مع ذلك بدا قاسياً في طيبته، كما لو أنه قد يكون أفضل من دونها. حتى آخر لحظة قبل يوم عيد الميلاد سيكون التظاهر بأن مؤجرهم سوف يأتي، وأن الله سوف يستجيب لصلاة لأن حقيقته كانت مكرمة. اعتبرته نفاقاً، غير قادرة على منع نفسها عن ذلك الرأي.
تحدث لكنها لم تصغ. تحدث عن الحفاظ على الايمان بأنفسهم، بكونهم كاثوليك. الجريمة تنجب جريمة، قال، أراد الله أن يكون معروفاً أن الشر يقود إلى شر آخر. واصلت النظر إليه وهو يتحدث، متظاهرة بالإصغاء لكنها تتساءل بدلاً من ذلك إذا في غضون اثنتي عشر شهراً، عندما يحل عيد ميلاد آخر، قد يكون لا يزال يقود الدراجة من منزل إلى منزل ليقرأ عدادات الغاز. أو قد يعترض الناس طالبين قارئ عدادات ليس ايرلندياً؟ كان اعتراض على رجل ذو لكنة إيرلندية عملياً وعادياً. لم ينتم إلى الفئة الكبيرة نفسها كما الجريمة تنجب الجريمة أو أن الله يريد لأمر أن يكون معروفاً، أو في فئة الحقيقة والوعي. في الظروف الحالية قد يكون الاعتراض مفهوماً وعادلاً. بدا محقاً حتى أنه يجب أن يحدث، لأنه كان رجلاً ذو لكنة إيرلندية ظهر أسوأ ما فيه بالمتاعب التي أتت، الذي كان مذنباً بذنب وحشية ما من أحد كان ليصدِّق أنه أهل لها. قد يموت مؤجرهم العجوز الأليف خلال تلك السنة نفسها، فقدت صداقة وضعها موضع تقدير، آخر عيد ميلاد له وحيداً. ولو أنه قد يبدو أمراً عظيماً بطريقة ما، كان كل ما فيه تافهاً.
فيما مضى عندما كانت فتاة لربما صرخت، لكن زواجها الراضي جعلها تفقد تلك العادة. رفعت عدة الشاي متفكرة أن قاذفو القنابل قد يكونوا مسرورين إذا لاحظوا النصر الذي حققوه في غرفة جلوس في فولهام. ويوم عيد الميلاد، عندما تجلس عائلة لتتناول وجبة تقليدية، قد يكون النصر أعظم. قد يكون هناك بسكويت وثرثرة وإثارة، سوف يخطب كلاً من الملكة والبابا. قد يناقش ديرموت رسائل عيد الميلاد هذه مع باتريك وبرندن، كما ناقشها في الماضي مع السيد جويس. قد يكون لطيفاً كما كان على الدَّوام. قد يعزي بريدجت وكاثال وتوم بالقول إن السيد جويس لم يكن قادراً على القيام بالرحلة. وكلما نظرت إليه قد تتذكر أعياد الميلاد السابقة. قد تشعر بالخجل منه ومن نفسها.

(6)
الفريق الثالث

في القانون، الفريق الثَّالث هو شخص تورَّط في ظرف ما بالإضافة إلى الشَّخصين الأساسيين المتورطين. كثيراً ما يظهر الفريق الثالث في حالات الطَّلاق على سبيل المثال.
ومع ذلك كل ثلاثية مختلفة. وفي بعض منها لا يتضح دوماً أيٌّ من الأشخاص الثلاثة بالفعل هو الفريق الثالث…
التقى الرجلان بترتيب مسبق في حانة فندق بوزويل عند السَّاعة الحادية عشرة والنِّصف. قال أكبرهما سناً: “أظن أننا سنتعرف على بعضنا البعض بسهولة. أتوقَّع أنها وصفتني لك “.
كان طويل القامة، أسمر متورد الوجه من التعرض لأشعة الشَّمس، شعره الأشقر يلوح فيه الشيب. كان الرجل الذي التقاه أكثر نحولاً، يرتدي نظارات ومعطفاً شتوياً أسود اللون-رجل أضأل حجماً كان يدعى ليردمان.
قال بولاند بعصبية بعض الشَّيء: “حسناً، أي منا ليس متأخراً. فيرغس بولاند. كيف حالك؟” تصافحا. أخرج بولاند محفظته. “سوف أطلب كأس ويسكي. ماذا أطلب لك؟”
“أوه، فقط ليمونادة، فيرغس، في هذا الوقت من اليوم”. طلب بولاند المشاريب ووقفا إلى النُّضد. عرض بولاند عليه علبة السَّجائر. “هل تدخِّن؟”
هزَّ ليردمان رأسه. وضع مرفقاً بكياسة على النضد. قال: “آسف بهذا الشَّأن “.
كانا بمفردهما عدا السَّاقي الذي وضع كأسيهما أمامهما. سدد بولاند الحساب. تابع ليردمان: “أعني أنه يؤسفني حقاً أن أفعل هذا لأي شخص”.
قال بولاند وهو يرفع كأسه: “حظاً سعيداً”، كان قد خفف لون الويسكي بإضافة ضعف الكمية ماء. قال بلطف حذر: ” أفترض أنك لا تشرب أبداً في هذا الوقت المبكر من اليوم؟ حسناً، هذا معقول للغاية، لطالما أفكر بذلك “.
“اعتقدت أنها لن تكون مناسبة للشرب”.
“لم أتمكن من التحدث معك دون شراب في داخلي يا ليردمان”.
“يؤسفني ذلك”.
“لقد سرقت زوجتي مني. هذا ليس حدثاً عادياً “.
“أنا آسف”
“لربما كان من الأفضل لو أنك لم تستمر في قول ذلك”.
لم يبدِ ليردمان أي احتجاج على حدَّة بولاند. “الأمر برمته محرج، لا بد أن أعترف. لم أنم على الإطلاق ليلة أمس”.
قال بولاند بلطف أيضاً: “أنت من دبلن، هي تقول لي. تعمل في تجارة الخشب. لا شك إنها تدرُّ الكثير من المال “. شعر ليردمان بالإهانة. لقد وصفت زوجها على أنه سمج لكنها أضافت أن ليس بوسعه إيذاء ولو ذبابة. الآن، بعد مرور خمس دقائق على اللقاء العسير لم يكن ليردمان متيقناً للغاية.
واصل بولاند: “لا أحب دبلن. لأصدقك القول لم أحبها يوماً. أنا ابن بلدة صغيرة، لكن بالتأكيد أنت تعرف ذلك”. تخيَّل زوجته تخبر عشيقها عن ضيق تجربته. أحبَّت أن تخبر الناس أشياء، تحدَّثت كثيراً.
قال ليردمان: “أودُّ أن أشكرك على تقبُّلك لكل هذا. آنابيلا أخبرتني”.
“لا أرى أن لدي الخيار “.
كانت شفتا ليردمان رقيقتين للغاية، فمه خط ابتسم دون أي عناء باد. فكر بولاند: “أتساءل لماذا لا يملك شارباً صغيراً مضحكاً مثل الكثير من أهالي دبلن”.
قال ليردمان: “اعتقدت أنك يمكن أن تضربني عندما نلتقي، لكن آنابيلا قالت إنك لم تكن هكذا على الإطلاق”.
“لا، أنا لست كذلك”.
“ذلك ما أعنيه بتقبُّل الأمر”.
“كل ما أود معرفته هو خططكما”.
“خطط؟”
“أنا فقط أسأل إذا كنت تفكِّر بالزواج منها، وماهي ترتيباتك. أعني هل لديك مكان مناسب لها؟” قال للساقي: “سوف أشرب كأس ويسكي آخر “.
“كنَّا نأمل أن-لو توافق-تنتقل إلى بيتي في الحال تقريباً. إنه مكان مناسب للغاية-شقَّة مكوَّنة من سبع غرف في ويلنغتون رود. لكن خلال وقت قصير سوف نشتري منزلاً”.
قال بولاند للساقي وهو يدفع له: “شكراً”.
احتجَّ ليردمان لكن بعد فوات الأوان تقريباً: “كان دوري في الدَّفع”. فكَّر بولاند: “ما كانت ستهتم للوضاعة، عندما تبدأ بالتأثير عليها، وهذا ما سوف يحدث في الوقت المناسب”.
قال بولاند: “لكن زواج؟ إنه ليس سهلاً كما تعلم أن تتزوج زوجة رجل آخر في إيرلندة”.
“آنابيلا وأنا نود بطبيعة الحال أن نتزوج ذات يوم”.
“ذلك ما أردت سؤالك عنه. كيف تظن أنكما سوف تحصلان على طلاق؟ هي لا تعرف حقاً الكثير عن هذا الأمر-تحدثنا عنه لفترة طويلة”.
“شكراً لك على ذلك. ولاقتراحك أنه ينبغي علينا أن نلتقي”.
“أنتما الاثنان منحتماني أسباباً وجيهة للطلاق يا ليردمان لكنها لا تفيدني. سوف يستغرق الطلاق سنوات”.
“لن يستغرق سنوات إذا كان لديك عنواناً في إنكلترا. عندئذٍ يمكننا الحصول على الطلاق هناك”.
“لكن ليس عندي عنوان في إنكلترا”.
“إنها مجرد فكرة يا فيرغس”.
“إذن هي لم تكن تبالغ عندما قالت إنك أردت أن تتزوجها؟”
أجاب ليردمان بقسوة: “لا أظن بأني عرفت آنابيلا تبالغ يوماً”.
فكَّر بولاند: “إذن أنت لا تعرف أكثر الأمور أهمية عنها، أقصد أنها لا تستطيع أن تمنع نفسها عن رواية الأكاذيب وهذا ما قد نصفه أنا وأنت تأدُّباً بالمبالغة”.
قال: “أنا متفاجئ من أنك لم تتزوَّج على الإطلاق”. كان متفاجئاً بحق لأنه من خلال تجربته، صغار الرجال، الواثقون من أنفسهم، مثل ليردمان امتلكوا في كثير من الأحوال امرأة حسناء في حياتهم.
“لقد عرفت زوجتك لوقت طويل”، قال ليردمان برقَّة محاولاً إلا يسمح لابتسامته بالظهور. “وما أن رأيت آنابيلا للمرة الأولى عرفت أنها المرأة الوحيدة التي رغبت بالزواج بها على الدَّوام”.
حدَّق بولاند في كأسه. كان عليه أن يكون حذراً بشأن ما قاله. لو يغضب للحظة فمن المرجح تماماً أنه قد يدمر كل شيء. كان آخر ما يبتغيه أن يغير الرجل رأيه. أشعل سيجارة ثانية عارضاً العلبة على ليردمان الذي هز رأسه مرة أخرى. قال بولاند بطريقة ودية دارجة: “ليردمان، اسم مثير للاهتمام”.
“إنه ليس إيرلندياً-فرنسي ربما أو جزء منه بأية حال”.
عندما قالت إن عشيقها يدعى ليردمان، تذكره بولاند من أيام المدرسة، وفي حانة بوزويل تعرَّف في الحال على الوجه. اشتهر ليردمان في المدرسة لسبب غير متوقَّع: احتجز رأسه في المرحاض بينما كان شعره يمشَّط بفرشاة المرحاض. كان الولدان اللذان أقدما على هذا الفعل أكبر سناً وأضخم جثة منه. دعيا روشيه وديد سميث، استمتعا بمعاقبة أولاد صغار ممن كانت وجوههم وسلوكهم تتسبب لهما بالإزعاج.
قال بولاند: “أظن أنا كنا في المدرسة معاً”.
كاد ليردمان أن يقفز، وهذه المرة كان بولاند من حاول ألا يبتسم. كان واضحاً أن هذا تسبب بالصَّدمة لليردمان.
قال ليردمان: “لا أتذكَّر أحداً باسم بولاند”.
“كنت أكبر منك سناً بقليل. كرهت المكان اللعين”.
قال ليردمان: “أوه، لقد أعجبني للغاية”.
“لقد ذهبتم أنتم الأولاد النَّهاريين إلى البيت في الأمسيات وفي عطلات نهاية الأسبوع، نحن المقيمون توجَّب علينا البقاء هناك طوال الوقت”.
“أفترض أن ذلك أحدث فرقاً”.
“بالتأكيد “.
لأول مرة شعر بولاند بالانزعاج. ليس فقط كان عشيقها وضيعاً، بل أحمق أيضاً. لو امتلك أي رشد على الإطلاق كان ليدرك أنه جنون أن يشتري منزلاً لآنابيلا، لأنه أحداً لا يستطيع أن يكون واثقاً من أنها قد تفي بما وعدت به.
كان ليردمان يقول: “لطالما فكرت، في الحقيقة، إنها منحت تعليماً استثنائياً”.
الفرنسي الصَّغير الفظيع الذي لم يستطع التعبير عن نفسه بشكل مفهوم. مدرِّس التاريخ الذي أعطى الطلاب في الصَّف كتاب تاريخ لقراءته أثناء كتابته للرسائل. رجل الرياضيات الذي لم يتمكن من حل المسائل التي قدَّمها. المدرس المدير الذي استمتع بتسبيب ما استطاع من الألم الجسدي.
وافق بولاند: “أوه مكان عظيم. مدرسة ممتازة”.
“آسف أنا لا أتذكرك”.
“أنا ما كنت لأتوقعك أيضاً”.
“سوف نرسل أولادنا على الأرجح إلى هناك. إذا رزقنا بصبية “.
“أولادكما؟”
“هل كنت لتمانع؟ أوه عزيزي، لا، لماذا عليك أن تمانع؟ أنا آسف، كان أمراً سخيفاً ما قلته “.
قال بولاند: “سآخذ كأس ويسكي آخر، ماذا عنك؟”
“لا، أنا بخير شكراً”.
هذه المرة لم يُشر ليردمان ولو بعد فوات الأوان إلى أن عليه أن يدفع. أشعل بولاند سيجارة أخرى. إذن لم تخبر ليردمان؟ لقد تركت الرجل المسكين يتخيَّل أن الشَّقة المكوَّنة من سبع غرف سرعان ما لن تكون واسعة بما فيه الكفاية لتتسع لجميع الأطفال الذين سوف يرزقان بهما. كاد بولاند أن يسمعها تقريباً تخبر ليردمان أن على زوجها تقع لائمة أن زواجهما منقطع الذُّرية. في الواقع، لقد اكتشفت قبل أن يتزوجا أنها لا تستطيع أن ترزق بأطفال، اعترفت في شجار، بعد مرور وقت طويل على الزواج، بأنها عرفت بالأمر ولم تخبره.
واصل ليردمان: “بطبيعة الحال، سوف نرغب بتأسيس عائلة”.
“بالتأكيد سوف ترغبان بذلك”.
“يؤسفني أن ذلك الجانب من الأمور لم يسر على ما يرام بالنسبة لك”.
“أنا كنت آسفاً”.
“الأمر يا فيرغس، هل يوافقك موضوع الطلاق؟”
“هل تقول بأن عليَّ أن أوافق أن أكون الفريق المذنب؟”
“إنه ما يفعله الرجال في حالتك عادة في الحقيقة. لكن إذا كانت فكرته لا تروق لك “.
“لا تقلق سوف أوافق على أن أكون الفريق المذنب”.
“أنت عظيم يا فيرغس”.
اعتادت زوجته أن تقول: “أظن أني سوف أرحل وأقيم مع فيليس”، وصارت تردد هذا في كثير من الأحيان مع مرور الوقت. كانت فيليس امرأة عرفتها في دبلن. لكن بالتأكيد فيليس كان مجرد اسم استعملته، صديقة قد تروي الأكاذيب من أجلها إذا اقتضى الأمر. “اتصلي بي” اعتاد أن يقول، ومطيعة اتصلت به زوجته لتصف له دبلن وتحكي له عن فيليس. لا شك أنها كانت جالسة على حافة سرير في شقة مكونة من سبع غرف في ويلينغتُن رود.
قال ليردمان وهو يبدو تواقاً لإنهاء اللقاء: “إنه حقاً جيد منك أن تقطع كل هذه المسافة. سوف أتصل بآنابيلا هذا الأصيل وأخبرها بكل شيء. لن تمانع ذلك يا فيرغس؟”
“على الإطلاق”.
قاطع بولاند غالباً مثل هذه المحادثة الهاتفية. كان يأتي إلى البيت ليجدها جالسة على الدَّرج تتحدث على الهاتف. وحالما يعبر الباب قد تلوح له بالتحية وتبدأ بالهمس في الهاتف بشكل سري.
كانت المشكلة مع آنابيلا أن كل شيء في العالم أصابها بالملل عاجلاً أم آجلاً. “الآن أريد أن أسمع كل ما حدث منذ لحظة مغادرتك هذا الصَّباح”، سرعان ما كانت ستقول لليردمان. والرجل المسكين سوف يبدأ بقصة طويلة عن اللحاق بالباص والوصول إلى العمل وتناول كعكة مع قهوته. لاحقاً في شجار ما سوف تقذفه بكل هذا. “من هذا الذي قد يرغب بمعرفة شيء عن كعكتك اللعينة؟” قد تصرخ عليه بوحشية، أصابعها مفرودة في الهواء كي يجف طلاء أظافرها الأحمر القاني اللون بالتساوي.
كان ليردمان يقول باعتزاز تقريباً: “سوف أكون قادراً على القول إن أحداً منا لم يغضب. سوف يسرها سماع هذا”.
لم يتمكَّن بولاند من تخيُّل زوجته وهي تشعر بالسرور، إذ أنها لم تسرّ في حياتها إلا لماماً. تساءل عما جرى حتى أعجبت بليردمان. عندما سألها قالت إن عشيقها مسلٍ وأنه امتلك ما دعته حس عجيب بالمرح.
قال: “أتساءل عما حلَّ بروش وديد سميث”
هو لم يعرف لماذا قال ذلك، لماذا لم يستطع قبول أن الأمر بينهما قد انتهى. كان عليه مصافحة ليردمان وترك الأمر عند ذلك الحد، ربما بالقول إنه ليس هناك من حقد. ما كان له على الإطلاق أن يرى الرجل ثانية، مرة كل حين قد يشعر ربما ببساطة بالأسف عليه.
قال ليردمان وهو يهزُّ رأسه: “لا أتذكر أياً منهما. سوف أودعك يا فيرغس. أنا ممتن، أنا حقاً ممتن”.
“كانا الولدان اللذان خطرت لهما تلك الفكرة الفطنة لغسل شعرك في حوض المرحاض”.
كان بولاند قد قال لنفسه مراراً وتكراراً إن ليردمان مناسب لها. تطلَّع إلى حياة رخيَّة، يعيش بمفرده. كان المنزل الذي امتلأ بنوبات غضبها وأكاذيبها على مدى آخر اثنتي عشر عاماً ليكون صامتاً مثل نوم مسالم. قد يمحو ذكرياتها لأنها بطبيعة الحال لن تفعل ذلك بنفسها-المجلات القديمة، قوارير الدواء الفارغة، الثياب التي لم تعد تستعملها، الستائر التي مزقتها إرباً قططها. سوف يطهو وجباته والسَّيدة كوجلان قد تستمر بالمجيء للتنظيف كل صباح. ما كانت السيدة كوجلان لتكون آسفة تماماً عندما تراها ذاهبة أيضاً.
قال ليردمان: “لا أعرف لماذا تستمر بالكلام عن أيامك في المدرسة”.
“دعني أقدم لك شراباً حقيقاً قبل أن تذهب. كأسان كبيران”. نادى بولاند السَّاقي.
احتجَّ ليردمان: “لا حقاً. حقاً الآن”. ارتدى معطفه وزوج من القفازات الجلدية السوداء اللون.
“أو هيا يا رجل. كلانا بحاجة إليه”.
إصبعاً إصبعاً خلع ليردمان أحد القفازين ثانية وتناول الكأس الجديدة غير راغب. شربا.
قال بولاند: “أنا فقط ذكرت المدرسة لأن ذلك كان الأمر الآخر الذي تقاسمناه أنا وأنت”.
“كما قلت، أظن أننا نرغب ربما بإرسال الأولاد إلى هناك”.
سأل بولاند: “ألا تتذكره”.
“ما هو ذلك؟”
“موضوع المرحاض”.
“أنظر هنا، بولاند”
“لقد أسأت إليك. لم أقصد ذلك على الإطلاق”.
“بالتأكيد لم تسيء إلي. كل ما في الأمر أني لا أرى سبباً لمواصلة الحديث حول أمور مثل تلك”.
“سوف نتحدث عن أمر آخر”.
“في الحقيقة أنا تأخرت”. ارتدى القفاز الثاني ثانية، تفحص أزرار المعطف ليرى أن كل شيء جيد قبل أن ينطلق إلى الطريق. خلع القفاز ثانية عندما تذكر ليردمان أنه سيتوجب عليه المصافحة.
قال: “شكراً على كل شيء”.
للمرة الثانية فاجأ بولاند نفسه بعجزه عن إيقاف النقاش. سمع نفسه يقول: “لقد ذكرت أولادكما. هل يمكن أن يكون هؤلاء أولادك وأولاد آنابيلا؟” فغر فاه ليردمان وحدَّق ببولاند. سأل وهو يهز رأسه بحيرة: “هل من أولاد آخرين؟”.
” لا يمكنها أن ترزق بأطفال يا ليردمان”.
“أوه الآن، انظر هنا”.
“تلك حقيقة طبية. المرأة السيئة الحظ عاجزة عن أن تكون أماً”.
“أظن أنك ثمل. لقد شربت الكأس تلو الآخر من الويسكي. آنابيلا أخبرتني بعض الأمور عنك كما تعلم”.
“لكنها لم تخبرك عن القطط التي ستجلبها معها. لم تخبرك بأنها لا تنجب. لم تخبرك بأنها شعرت بملل شديد حتى أن وجهها أبيض من شدَّة الغضب. من الأفضل ألا تقترب منها حينها يا ليردمان. اعمل بنصيحتي بذلك الشأن”.
“قالت لي أنك لا تستطيع البقاء رصيناً”.
“إلا في مناسبات مثل هذه، أنا بالكاد أشرب. أشرب أقل بكثير مما تفعل آنابيلا، يمكنني أن أعدك بذلك”.
“لقد كنت عاجزاً عن منح آنابيلا الذُّرية. هي آسفة من أجلك، هي لا تلومك”.
“آنابيلا لم تكن يوماً آسفة على أي شخص في حياتها”.
“الآن انظر هنا، بولاند”.
“أنظر هنا الآن، يا رجل. لقد عشت مع المرأة طوال اثنتي عشرة سنة. أنا مستعد لأعطيك مكاني. لكن ليس هناك داع للحديث عن الطلاق، أنا فقط أخبرك بذلك. سوف تأتي وتعيش معك في شقتك المكونة من سبع غرف، سوف تعيش في أي منزل تحب أن تشتريه لكن لو تنتظر إلى الأبد لن ترى أي أطفال. كل ما سوف تحصل عليه هو قطتين تريدان أن تقضما ساقيك”.
“أنت مزعج إلى أبعد حد يا بولاند”.
“أنا أخبرك الحقيقة”.
“يبدو أنك نسيت أن آنابيلا وأنا تحدثنا عن كل هذا. عرفَت أنه سيكون هناك مرارة. حسناً، أتفهم ذلك. لقد سبق أن قلت بأني آسف”.
“أنت رجل ضئيل وضيع خشبي يا ليردمان. رأسك ينتمي إلى حوض المرحاض. ألم تكن كلك مبللاً عندما أطلقوا سراحك؟ كنت لأود لو رأيته يا ليردمان”.
“هلا تخفض صوتك اللعين؟ وكفَّ عن محاولة مشاجرتي! لن أقف هنا وأستمع إلى هذا”.
“أظن أن ديد سميث مضى ليصبح”
“لا أهتم لأمره”.
فجأة غادر ليردمان. لم يدر بولاند رأسه حتى. بعد لحظة أشعل سيجارة جديدة. على مدى نصف ساعة ظل وحيداً حيث تركه عاشق زوجته يفكر بأيامه في المدرسة وليردمان.
تناول طعام الغداء في غرفة طعام الفندق وطلب حساء وسمكة. تخيل نفسه ذات يوم في المستقبل يدخل صمت منزله. كان في الحقيقة قد ولد فيه. مقابل مرآب أوكونر، كان آخر منزل في البلدة، مطلي بالأصفر وعادي لكنه منزل أحبَّه.
سألت النَّادلة: “هل قلت سمكة سيدي؟”.
“نعم “.
لقد تزوَّج في دبلن لأن عائلة آنابيلا عاشت هناك. سرَّ أصدقاؤه وجيرانه عندما أتى بها لتعيش بينهم. أوقفوه في الشارع وأخبروه بمدى كونه محظوظاً. لكن نفس هؤلاء الأشخاص كانوا ليبتهجوا عند مغادرتها. المرارة الرهيبة التي ملأتها لعدم قدرتها على إنجاب الأطفال حوَّلت جمالها أخيراً إلى نوع من الجنون. هذا ما حدث، لا شيء آخر.
أكل السَّمكة ببطء. ما من أحد كان ليشير إلى الأمر كثيراً، كانوا قد عرفوا ما حدث وربما قالوا لبعضهم البعض أنه ربما قد يتزوج ثانية ذات يوم. تساءل ما إذا كان سيفعل.
طلب شريحة من كعكة التفاح مع القشدة، ولاحقاً جاءت القهوة. كان منشرح الصدر لانتهاء كل شيء. الآن كان قد قبل الحقيقة، كان من الضروري أن يسمعها من شخص آخر سوى زوجته. عندما أخبرته لأول مرة تساءل إذا كان كل شيء مجرد كذبة أخرى من أكاذيبها.
سدَّد الحساب وخرج إلى ساحة انتظار السيارات. لأنه لم يكن هناك ما يكفي لتفعله، فكَّر، عندما قادت خارج دبلن عبر حركة مرور المدينة البطيئة. امرأة بلا أطفال في بلدة صغيرة امتلكت كل الوقت في العالم. كانت قد غيرت الأثاث واختارت ورق الجدران الذي أتلفته قططها لاحقاً. لكنها لم تنضم إلى نادٍ أو تكوِّن أية صداقات. كان يقودها إلى دبلن كلما استطاع قبل أن تبدأ الذهاب إلى هناك بمفردها لزيارة فيليس. لسنوات عرف أنها لم تكن سعيدة، لكن قبل أن تخبره، لم يتوقع على الإطلاق أنها تورطت مع رجل.
قد يكون ليردمان اتصل بها الآن ربما ليقول: ” لماذا لا تقودين هذا الأصيل؟” ربما كانت طوال اليوم تحزم أغراضها وهي تعرف أن اللقاء عند بوزويل لم يكن يستدعي قلقها. السيارة الفولكسفاغن البيضاء الصَّغيرة التي اشتراها لها قد تكون على الطريق إلى دبلن الآن. كان على الطريق المفتوح الآن يبحث عن سيارة فولكسفاغن قادمة نحوه. هل ستحييه إذا مرت به بضغطة على الزمور؟ أو هل سيقدم على تحيتها؟ لم يعرف إذا كان سيفعل. من الأفضل أن ينتظر.
لكن خلال الأميال الخمسين التالية أو ما يقارب ذلك لم يكن هناك ما يشير إلى سيارة زوجته. وبالطبع، قال لنفسه، لم يكن هناك ما يستدعي وجودها. كانت فقط فكرته عن أنها قد ترحل ذلك الأصيل وبالتأكيد قد تحتاج لأكثر من يوم لتحزم كل حاجياتها. كلما فكر في الأمر كلما قل احتمال أن تكون قادرة على إنهاء الانتقال بمفردها.
أدار الراديو وسمع أغنية تدعى “الرقص في الظلام”. ذكرته بالعالم الذي افترض أن زوجته وليردمان ينتميان إليه، إثارة الحب السِّري، الرقص متقاربين في الظلمة. قال بصوت مسموع: “مسكينة آنابيلا”، بينما الموسيقى لا تزال مسموعة. فتاة مسكينة لتتزوج من رجل أعمال من بلدة صغيرة مثله. كان من حسن الحظ حقاً أنها التقت بالصغير ليردمان الواثق بنفسه. تخيلهما في ذراعي بعضهما البعض، من ثم ابتسامتهما المشتركة قبل أن يعانقا بعضهما البعض ثانية. باعتباره الفريق الثالث البليد، لم يعد لديه أي دور ليؤديه.
لكن عندما وصل بولاند إلى المنازل القليلة الأولى على هذا الجانب من بلدته عرف أن شيئاً من ذلك لم يكن صحيحاً. السَّيارة الصَّغيرة البيضاء لم تحملها إلى ليردمان اليوم. وما كانت لتفعل ذلك غداً أو بعد غد. ما كانت لتفعل ذلك الشَّهر القادم أو بعد عيد الميلاد أو في شباط أو في الربيع. ما كانت لتفعل ذلك على الإطلاق. لم يكن مهماً تذكير ليردمان بما عاناه عندما كان تلميذاً، بل المهم كان إخباره أن ديدنها الكذب، أو حتى دعوته بالوضيع.
كان ذلك النَّوع من الحديث البغيض متوقعاً إلى حدٍّ ما في الحالة التي وجدا نفسيهما فيها، وربما قد يكون ببساطة نتيجة لشرب عدة كؤوس من الويسكي. لكن شيئاً ما قاد بولاند إلى المضي أبعد. رجال ضئال مثل ليردمان رغبوا دوماً بإنجاب الأطفال. ” تلك كذبة بالمجمل”، قالت سلفاً على الهاتف، وكان ليتوجب على ليردمان التظاهر بتصديقها. لكن التظاهر ما كان ليكون كافياً لأي واحد منهما.
أطفأ بولاند الراديو. أوقف السَّيارة عند حانة دونوفان وجلس هناك للحظة قبل أن يدخل. حيَّا الرجال الذين عرفهم في الحانة ووقف يشرب معهم ويستمع إلى حديث عن الخيول والسياسيين. غادروا بعد بضعة مشاريب، لكن بولاند ظلَّ هناك لوقت طويل يتساءل عن سبب عجزه عن السماح لليردمان بأخذها منه.

(7)
الفتاة المجهولة

تجمَّد النَّاس على حافَّة الرصيف في سكون تام لمدة لم تكد تتجاوز الثَّانية الواحدة. ثمَّ تقدَّم رجل نحو حركة المرور المقبلة، يرفع ذراعيه على نحو قاطع لإيقافها. باب السَّائق مفتوح الآن في عربة باللونين الأصفر والأخضر توقَّفت على نحو مؤثِّر للغاية أثناء ترنُّحها على أحد الجانبين. طلب صوتٌ سيارة إسعاف. “شارع سانت ويستان”، أضاف شخص آخر، وأوعز لحركة المرور المتوقِّفة بالتحرك.
“ما من نبض”، قالت امرأة جاثية إلى جانب الشَّخص الممدد على الأرض، لكن مع ذلك وضع معطف ملفوف تحت الرأس المرتخي. تحدَّث غرباء مع بعضهم البعض في الحافلة ذات الطابقين التي توقفت وكانت تعاود الحركة، يحدجون ببصرهم المشهد الذي طرأ بسرعة فائقة. كان سائق الشَّاحنة مهموماً يعبِّر عن احتجاجه الشَّديد، تجمَّع غير المعنيين بالأمر على السَّطح المسفلت، يتبادلون الروايات حول الكيفية المحتملة لوقوع الحادثة. سأل بعض الذين لم يشاهدوا شيئاً عمَّا حدث وقد حصلوا على إجابات متفاوتة. جاءت سيارة إسعاف، أشير إلى ذلك بسرعة كبيرة. وضعت نقالة على أهبة الاستعداد. اندفع رجل فحمل النَّاس على القول مخطئين إنه قد يكون طبيباً. توقَّفت سيارة شرطة، كانت تتخبط حتى الآن، خلف سيارة الإسعاف. كان الجسد مغطى بغطاء على النَّقالة، أغلقت أبواب سيارة الإسعاف برفق. هذه الحياة انقضت.
*
بعد بضعة أيام من المأساة في شارع سانت ويستان فتحت هارييت بلفور باب بيتها الرئيسي لرجل لم تعرفه، ضعيف البنية ومحدودب الظهر في رداء كهنوتي. سأل إذا ما كانت هي السَّيدة بلفور وعندما أكدت ذلك سأل عن إمكانية التَّحدث إليها. صحبته هارييت إلى غرفة الضُّيوف. كانت مستعجلة، لأن الصَّباحات كانت وقت انشغالها لكنها لم تقل. بدلاً من ذلك قدَّمت القهوة في غرفة الضُّيوف.
تميزت كهولة هارييت بلفور بجمال مميز بالفعل، تكتسب من النُّضج المقدار المفقود نفسه من ملاحة البنوتة. امتثالاً لغرورها، خفف الشَّيب في شعرها بطريقة مصطنعة، اعتني ببشرتها يومياً، أصلح تلفها المحدود بصبر. ارتدت من الألوان ما يناسبها، متواضعة في سلوكها، وتردد قبل طرح الرأي، طيش شباب مسيطر عليه الآن، يتحول إلى طمأنينة جذابة في حدِّ ذاتها.
ابن، يتلقى تعليمه، ابنها الوحيد لا يزال مقيماً معها، لكن وهي أرملة الآن عرفت هارييت أنها ذات يوم ستكون وحيدة في منزلٍ كبرت على حبِّه بازدياد، وقد قدمت إليه عندما أُنقذت من علاقة باءت بالفشل، منزل حيث ولدت طفلها في اكتفاء استمر إلى أن توفي زوجها باكراً جداً.
كان لتعلقها بالمنزل علاقة كبيرة مع تفرغها لذكراه، وتنبأت أنها لن تتمنى أن تنتقل، ولا أن تسمح لأي زمن مضطرب أن يملي عليها ما هو بخلاف ذلك. مهما كان، الماضي الذي عرفته هنا لن يكون أبداً أقل مما كان-في غرف المنزل وفي الحديقة المهواة، حيث تدلى إجاص الكوميس كلَّ خريف، وزيَّنت القرطاسيا المزركشة القرميد النَّاصل اللون، وازدهرت أزهارٌ فيكتورية وردية اللون. ستكون دوماً في الردهة صورة جون بايبر، John Piper وصورة للمينتون، Minton في غرفة الضُّيوف، والاستيقاظ على زهور الويستريا التي بهت لونها على ورق الجدران وقد عرفتها معرفة خاصة.
كان بوسعها أن تتزوج ثانية، لكن المقترح بدا سخيفاً عندما عرض عليها أكثر من مرة: بصرف النَّظر عن حب غير منسي، كان يوجد بالفعل ما يكفي في حياة هارييت. استمعت إلى الموسيقى، بذلت قصارى جهدها في الطَّبخ، اعتنت بالحديقة، وتواصلت مع أصدقائها. في إيطاليا، أبهجتها بواكير عصر النَّهضة ومنتصفه. في فرنسا، فعل الانطباعيون ذلك. قرأت الروايات التي أبقاها احترام الزمن حيَّة، وحكمت على الأدب المعاصر بنفسها.
“لا، لا، ليس قهوة، شكراً لك”، رفض الكاهن ضيافتها. اعتذر على إزعاجها ثم شرح سبب مجيئه. “كان كلاً من اسمك وعنوانك على قائمة عمل عاملة تنظيف”. أعطى اسم عاملة التنظيف.
“نعم، اميلي فانس جاءت إلى هنا”، وافقت هارييت عندما سمعته. “لم تعد تأتي. لم تفعل منذ فترة طويلة من الزمن، تسعة أو عشرة أشهر”.
“اميلي فانس ماتت، يا سيدة بلفور. على نحو مأساوي، في حادثة سير”.
هارييت التي لم تكن قد جلست بعد، فعلت الآن. قالت: “يا إلهي، يا للفظاعة!” وفي الحال شعرت بالإحراج لأنها عبَّرت بلغةٍ من غير المناسب أن يسمعها كاهن. لكنه كان رابط الجأش.
قال: “أنا لا أسعى لتوريطك، يا سيدة بلفور، ببساطة لا شيء يبدو معروفاً عن الفتاة. القليل سوى اسمها”.
كان قد أدرك عندما سمع عن الحادثة أن هذه قد تكون فتاة جاءت أحياناً إلى كنيسته. ولو أنها لم تحضر أبداً أحد القداديس، قال، ما جعل الأمر يبدو كما لو أن سبب مجيئها كان ببساطة أن تختلي بنفسها. كان رجال الشُّرطة قد أخبروه عندما استفسر أنها أقامت في شقَّة زوج وزوجة أجنبيان، فوق متجر قرطاسيَّة في شارع كامونا. وجدت ملاحظة العنوان مكتوبة على بطاقة مكتبة في حقيبة اليد التي التقطت فيما بعد من مكان الحادثة.
قال: ” ليس شارع كامونا ضمن رعيتي، لكن مع ذلك اختارت أن تأتي إلى كنيستي -ربما لأنها بعيدة عن المركز وليست مطروقة. ذهبت لأرى الثنائي الأجنبي، شعرت بأن ذلك واجب عليّ. أخبراني أن اميلي فانس خلال السَّنوات الأربع التي كانت فيها نزيلتهما، لم تحظ بزوار ولم تستعمل الهاتف ولو مرة واحدة، لم تتلق رسائل، وباستماعي إلى ذلك أدركت أن هذه كانت بالفعل الفتاة التي وجدت ملاذاً في زاوية المقصورة المظللة في كنيسة”.
حينذاك عرف الكاهن بنفسه، معتذراً لعدم فعل ذلك من قبل، معطياً اسماً بدا شبيهاً بمالفري. كان أول ما فكرت به أنه أكبر من هارييت، وشعرت بالأسف عليه، فُرضت عليه مهمة جاحدة لأنه لم يكن هناك شخص آخر يقوم بها.
“ملاذاً؟” كررت كلمته، طالما أنها لم تفهم ما تنطوي عليه في الحال.
“حسناً، نعم، أظن ذلك. سأل الثنائي في شارع كامونا إذا كنت سأتدبر أمر جنازتها. لكن بالتأكيد سيكون هناك عائلة في مكان ما وكنت أحاول اكتشاف ما قد يكون معروفاً من قبل الناس الذين عملت لصالحهم”.
“بالتأكيد. أفهم. لكن كل ما يمكنني أن أخبرك إياه هو أن اميلي لم تكن من النَّوع الذي يتحدَّث عن نفسها، وهذا ربما خمَّنته بالفعل. لقد أدَّت العمل بشكل جيد، أفضل من الجميع تقريباً. لكن خطر لي أحياناً أنه من الغريب أن يتوجَّب عليها العمل في التنظيف. اعتدت أن أفكر أنها تردَّت إلى أوقات صعبة”.
“نعم، كان هناك ذلك الشُّعور في الظاهر”.
“غادرتنا وهذا ما كان. ذات صباح لم تأتِ ببساطة”.
“أنا آسف لجلب كل هذا لك يا سيدة بلفور”.
استمر التصريح البطيء الكهنوتي قليلاً. عنوان الكنيسة-كنيسة سانت جون الانجيلية-أعطي ثم يوم وموعد الجنازة.
“لكن كيف حدث؟ حادثة؟” سألت هارييت عندما نهضا كلاهما. تقدَّمت الكاهن عبر الردهة بينما كرر من جهة ثانية ما قد وصف له. أنكر سائق الشَّاحنة الإهمال –كان يوصل أزهاراً، أو هذا ما اعتقده. كان مالك متجر رهان على وشك أن يعبر الشَّارع أيضاً لكن ضوء المشاة كان قد تغيَّر إلى الأحمر. قال إن الفتاة مشت غير منتظرة كما فعل هو والجميع. كان للشاحنة الحق بالمرور وجاءت على غير انتظار وربما بسرعة كبيرة. لكن على الرغم من أن شخص ما قال فيما بعد عن وجود كحول على أنفاس السائق، شعر عموماً أنه لا يمكن أن يلام. كان قد بدا تقريباً متعمداً، قال مالك متجر المراهنة، كيف أن الفتاة لم تنتظر أن يتغير الضوء”. اعتذر الكاهن: “أنا آسف، لقد أحزنتك، يا سيدة بلفور”.
“لا يهم. شكراً لمجيئك”.
*
تمنَّت هارييت لو أنه لم يفعل. طوال ذلك الصَّباح، وهي تؤدي مهمتها الأسبوعية في متجر أوكسفام، تمنَّت لو أنه لم يأتِ. وفيما هي تصنِّف الكتب التي تركت مؤخراً، وضعت جانباً حول العالم في ثمانين يوماً لتقرأه في وقت ما للرجال المسنين في دار محاربون وبحارة. استمعت إلى الآنسة شناتري توافيها بالتحديثات عن خنَّاق سلفها. رتَّبت الأحذية والأردية التي لا يستعملها أحد، لكي يتم التخلص منها. لكن شعرت بازدياد بأنها مسكونة بالملامح المسنة الهزيلة للكاهن الذي كان باختصار حضوراً أخرق في غرفة الضُّيوف.
كان قد قال إن اميلي فانس دفعت الإيجار دوماً على الفور حيث أقامت، وأنها أتت وذهبت بهدوء شديد فلم تكن تلحظ إلا بالكاد وأنها لم تتسبب بأية مشاكل.
بعد أن غادرت متجر أوكسفام، وكان تملك بعض الوقت، شربت هارييت القهوة في مقهى نيرو قبل أن تبدأ مسيرة العودة الطويلة إلى منزلها. كانت اميلي فانس شخصاً مميزاً: غالباً فكرت بذلك. شعر داكن وقاتم، كما وصفه الكاهن تماماً. كانت جذابة بطريقة غير متكلَّفة، ملامحها الدقيقة مرتبة في شكل بيضوي ضمَّ معظمها. ذات ذمَّة كموظفة، كانت لقية جيَّدة أيضاً. مع ذلك دونما كلمة سلفاً أو ملحوظة أرسلت فيما بعد، لم تعد ذات يوم.
فيما كانت تحدد وقت سلق البيضة التي تتناولها على الغداء، شرائح الخبز الأسمر المحمَّص، تذكَّرت هارييت البحث، حائرة، عن شرح وتقرر أنها لم تجد شيئاً محتملاً كلياً. كانت قد نفت الحدس حينها، طالما أنه لم يكن أكثر من ذلك ولم يقدِّم شيئاً. لكن اليوم وهي تستمع إلى الآنسة شانتري وهي تروي أحدث التفاصيل فيما يخص خنَّاق سلفها، وفي مقهى نيرو، والآن الحدس نفسه ألح، مصدره محتويات لحظة واحدة.
كانت في طريقها إلى الطابق الأرضي. في الردهة كانت اميلي فانس تنظِّف البلاط، ستيفن، يمر على رؤوس أصابعه عبر الأرض المبللة. ما من نظرة رأتها هارييت قد تمَّ تبادلها بين الاثنين، ما من كلمات، ما من ايماءة. لكن ايميلي فانس التي لم تبتسم غالباً، ابتسمت عندما كانت بمفردها ثانية، كما لو أنها تتذكر لحظة من الاستمتاع. لم يكن هناك أكثر من ذلك، لكن مع ذلك تساءلت هارييت وتساءلت الآن أكثر مما فعلت من قبل، مرت أسابيع فقط قبل تلكؤ منظفتها عن العودة.
أخبرت نفسها، كما فعلت حينها، أنها كانت كثيرة الأوهام. لم يكن الخداع أسلوب ستيفن وبالتأكيد كان تفكراً متوتراً أن تفترض ذلك، بالإضافة إلى علاقة سرية، جرى شجار تسبب بإنهائها، أن ابنها، بخلافها، لم يكن مكترثاً بما قاله. لعب القلق خدعاً قاسية، ذكَّرت نفسها بعقلانية.
كان لا يزال الوقت مبكراً-لم تحل السَّاعة الثَّالثة بعد-عندما بدأت تقرأ فصلاً آخر من رواية بادرة طيبة للرجال المسنين في دار محاربون وبحارة. فيما بعد جلست معهم مدة أطول قليلاً لأنهم أحبوا أن يتحدثوا عما سمعوه، أو ببساطة أحبوا أن يتحدثوا ويستغرقوا في الذكريات.
حينذاك وهي تستمع إلى ذكرياتهم، بدأ الإلحاح المزعج ثانية. قد يذهب، فكرت، لكنه لم يفعل، ولم يفعل عندما لوَّحت مودِّعة المجموعة الصغيرة التي شكلتها.
كان الأصيل رائعاً، شمس نيسان الشَّاحبة تضرب زجاج واجهة العرض وواجهات المنازل، منحدرة نحو حدائق أمامية مشذَّبة. لكن قبل أن تصل هارييت إلى الأرض المشاع-التي كانت الجزء الأكثر إمتاعاً في النزهة-غيَّرت رأيها حول الذَّهاب إلى البيت في الحال وانتظرت حافلة تذهب في الاتجاه المعاكس.
استغرقها من الوقت دهراً إلى أن عثرت على شارع كومونا لكن عندما وجدته رأت متجر القرطاسية في الحال وقيل لها أن الدرج إلى الشَّقة فوقه كان عبر غرفة مخزن في الخلف. ترددت حينها، بين أكوام من الورق المعلَّب وصناديق الكرتون المقوَّى المتراكمة، وأواني الغراء والطباشير وأقلام الحبر الجاف وأكياس القمامة المرتبة. قالت لنفسها إن الناس يتحدثون، وليس له أن يكون أكثر من ذلك، يقول الناس أي شيء، مضيفين شيئاً إضافياً للمأساة التي حدثت على نحو مفاجئ للغاية. كان الكاهن حذراً بعدم إعرابه بأي طريقة محددة أن اميلي فانس قد انتحرت.
“عالياً هناك يكون ما تريدين”. ماثلاً فجأة، أشار الرجل الذي وجهها إلى خلف المتجر، إلى درج غير مفروش. انجرفت رائحة الطعام الطهو حديثاً منحدرة نحوهما. أومأت هارييت وصعدت كما تم توجيهها.
*
لم يجلسا. ظل الرجل الذي كان نحيلاً وضئيلاً وله ملامح شاحبة يصعِّر، رعشة هزيلة تحيط بحركاته. كانت المرأة قصيرة أيضاً يتناثر شعر أشيب كثّ على كتفيها.
قالت المرأة: “امتلكت الغرف، غرفتين، الباب بينهما، استطاعت استعمال الحمَّام “.
كانت هارييت قد دُلَّت على الطاولة التي عليها حقيبة اميلي فانس، فحصها الناس الذين جاؤوا بعد الحادثة. كان رجال الشرطة من أفرغ الحقيبة هناك.
“لم يكن هناك حاجة لفعل ذلك من قبلهم”، قالت المرأة.
أضاف الرجل أنَّ اميلي فانس كانت قد قالت إنها تعمل في تنظيف المنازل عندما جاءت بداية لتسأل عن الغرف. صمت أتمَّ هذه البيانات، من ثم قالت هارييت: “كان هناك فيما يبدو حديث يدور حول ما إذا أقدمت نزيلتكم على قتل نفسها أم لم تفعل. هل تظنان أنها فعلت ذلك ربما؟”
ذلك لم يجلب أي تعليق فيما عدا القول ثانية إنهما لا يعرفان، وأنهما لم يكونا هناك، وأنهما لم يشهدا على شيء. قال ذلك أحدهما، من ثم الآخر.
لكن عندما كانت هارييت تغادر، فُتح لها الباب، قيل لها أن طوال الوقت الذي أقامت فيه اميلي فانس في الغرفتين لم تجالسهما يوماً في المساء، ولو لمرة واحدة. تحدثا حول هذا النقص معاً أيضاً، واحد يتحدث ثم الآخر، إحباطهما مشترك.
“يا له من أمر في هذا الشَّارع”، قالت المرأة.
*
في مطبخها حملت هارييت أطباقاً لتسخن في الفرن لاحقاً، وطبق الكسرولة الزرقاء الثَّقيلة. جمعت ما احتاجته بخلاف ذلك من أجل طبخها، وفتحت قنينة نبيذ. قطعت البقدونس، غسلت سيقان الكرفس والفطر، وعيَّرت كوب أرز. تصاعد الدُّخان للحظة من الزيت الذي سخَّنته، ذبَّلت اللحم الذي شرَّحته. صبَّت القشدة وشغَّلت الآلة التي خفقت بها القشدة. تم تحضير مربى المشمش ومشروب الكوانترو مسبقاً.
لا شك لم يكن ممكناً أن يكون أكثر، فكَّرت، كائناً ما كان، إذا كان هنالك من شيء. كما أنه لم يكن هناك أي سبب يدفعها لأن تتخيل بخلاف ذلك فقط بسبب اليوم. توقع الكاهن منها حضور الجنازة، وقد تفعل. لأجله، لأنه قدم من مكان بعيد للغاية، لأنه كان يبذل أفضل ما بوسعه. لكن مع ذلك تمنَّت هارييت لو أنها لم تدخله إلى غرفة الضُّيوف وتسمح له أن ينطلق بالحديث. كان يمكنها أن تبقيه عند الباب، كما تفعل مع شهود يهوه. تمنَّت لو أنها فعلت ذلك.
كانت موسيقى دفوراك على الراديو عندما شغلته، وبما أنه كان لديها متسعاً من الوقت، جلست واستمعت إليها. انتهت الحركة الأخيرة تماماً قبل أن ينادي ابنها من الردهة معلناً عن عودته.
*
“كيف كان يومك؟” ستيفن طويل القامة، نحيف، وأشقر الشَّعر، حمل طبقيهما المسخنين مع الكسرولة إلى غرفة الطَّعام. تبعته هارييت بالأرز والبروكولي.
“أوه، ليس بالشَّيء الكثير”، قالت. كان هناك التسوق، زيارتها للمسنين، وعادت سيراً على الأقدام عبر الأرض المشاع في المساء. لم تذكر أي شيء آخر.
“كم تجيدين التَّعامل مع الناس!” قالها برقَّة، بدا ستيفن مثل والده الذي لطالما قال إن هارييت كانت جيدة. كلاهما تذكرا ذلك وابتسم ستيفن كما لو أنه قال المزيد. هزَّت هارييت رأسها وهذا كان ردُّها على الثناء في الماضي.
“أحبُّ هذا الدَّجاج”، علَّق ستيفن وهو يصبُّ المزيد من النبيذ لكل منهما.
عدَّة مرات خلال اليوم تساءلت هارييت حول ذكر زيارة الكاهن. قبل أن تنتهي في متجر أوكسفام كانت قد بدأت تفكر بأنها لن تفعل، وفكرت بذلك ثانية فيما بعد، ولاحقاً مع ذلك بعد أن كانت في شارع كامونا. عرفت أنه قد يكون أكثر إثارة للاهتمام أن تسرد يومها بدقة أكبر، كما فعلت عادة لنقل الأنباء السَّيئة.
هناك نقود في أحد الدُّروج”، قالت المرأة في شارع كامونا. “قد تكفي من أجل الجنازة”.”
لكن على العشاء تحدَّثا حول مسائل أخرى، بيسر وبخفة، لأن المحادثة لم تكن شائكة أبداً وهذه الأمسية كما في الأمسيات الأخرى، عاطفة غير متطلِّبة تجاه بعضهما البعض جعلت علاقتهما أكثر مما يمكن أن تكون. جاء تقاربهما بشكل طبيعي، ليس من خلال الواجب وليس لسبب لم يكن يتعلق بالمشاعر، ولم يتم الإفصاح عنها قط، حسبها أنه معروفة، تلك الظروف المختلفة التي تأتي بشكل طبيعي أيضاً قد تغيِّر كل شيء. عاشا في الوقت الحالي، وتقبَّلا ذلك.
في المطبخ تعاونا على الجلي، وستيفن أعدَّ الطاولة هناك، جاهزة للفطور. كان عليه أن يقرأ عن التشوهات الهيكلية الموروثة، قال، والليلة يفضِّل أن يفعل ذلك بدلاً من مشاهدة التلفزيون أو أياً يكن. كان والده طبيب أطفال. وكان سيصبح طبيباً هو أيضاً.
*
كان لدى السَّيد فيلكس عملاً يؤديه، وكان راغباً بفعله-بقدر ما يمكن لهذه الرغبة أن تلبث معه… نامت هارييت حينها، آخذة السَّيد فيلكس وعمله معها، الصَّفحة مفتوحة على مخدتها. بعد لحظة سقط كتابها وأيقظها. تاركة إياه مكان سقوطه، أطفأت الضُّوء.
وستيفن، مختتماً التشوهات الهيكلية الموروثة بعد ساعة، تمدَّد وتثاءب، خلع ملابسه واغتسل وأوى إلى السَّرير. نام في الحال. لم يكن هناك حركة حينها في المنزل الذي سبق لاميلي فانس أن نظَّفته. ما من فأر زحف في الأرجاء، لأن ما وجد هناك من فئران أكلوا بطيش كل ما ترك لهم ولم يعودوا أحياء. ولم يحاول شخص يرغب في أن يكون لصاً فتح النوافذ. ما من قطط أتت إلى الحديقة، غير مكترثة للزجاج المكسور الذي توَّج جدرانها العالية. ولم يكن شبح اميلي فانس في أي مكان، لا في المنزل ولا في الحديقة، حيث كانت قد ألحت في كثير من الأحيان على الجلوس في الشَّمس لتشرب قهوتها، لتقطف سوسنة عندما كانت زهور السوسن وفيرة، والنرجس البري قبل أن يذبل. لم تكن اميلي فانس في أحلام وعادت فقط مع انبلاج الفجر، حية في ذاكرة هارييت كأمس مرتجع. لكن ما جذبه البارحة من انزعاج وشك كان حاضراً بهدوء الآن، وكانت هارييت هادئة بنفسها. لم تقلق.
بتدقيق خال من الخشية، رأت ثانية عاملة التنظيف لديها تجثو في الردهة، ممسحتها المشبعة بالماء تكمل تنظيفها للبلاط الأحمر والأسود. صفق الباب الرئيسي عندما غادر ستيفن المنزل وهذا الصباح بدا لهارييت أن ما شهدته-متوقع أكثر من سر مستور-كان خجل حب غير معلن. وتخيلت العاملة تبتهج برؤية الصُّور الفوتوغرافية المعلقة على جدران غرفة نوم ستيفن، وبكتبه إلى جانب السَّرير، والصُّورة المطبوعة التي أطَّرها بنفسه لإحدى لوحات الرسام بونار وتظهر فيها المراكب، البطاقة البريدية لصورة آنا أخماتوفا، سمكته مغنية البوب التي غنَّت أغنية. نفضت قمصانه وربطات عنقه، مخدته سويت، علِّق معطفه على علاقته. كم في كثير من الأحيان تأتي خشونة صوته المندفع، ضحكه، من مكان آخر في المنزل لتكون لحظة اليوم الهامة؟ كم في كثير من الأحيان كان الفنجان الذي شرب منه وغسل أخيراً، ثمينة جداً كانت دمغة شفتيه غير المرئية؟
احتشدت هذه النتف من الوهم في وعي هارييت ولو أنها ممسوسة بالموت لأن الموت حضر، قدَّمت عزاءً تواصل. كانت محقَّة بعدم قولها شيء، لأنه لماذا على ستيفن أن يتحمل ثقلاً لم يكن ثقله ليتحمله؟ نامت ثانية، أكثر عمقاً من قبل، واستيقظت عند السَّاعة السَّابعة.
كان الهواء بارداً في الحديقة عندما مشت هناك، ضوضاء المدينة في الصَّباح الباكر مكتومة. رتبت حوض زرع، قطفت آخر زهور النرجس مزدوجة الرأس وجلبتها إلى المطبخ. سيكون هناك جنازة. ستنتهي القصة بذلك.
*
عازف أرغنٍّ عزف موسيقى باخ من ثم حلَّ صمت. تحدَّث الكاهن الذي نقل نبأ الموت إلى هارييت بكلمات عتيقة الطراز كانت مع ذلك جميلة وعرفت أن ذلك كان سبب اختيارها.
كانت قد جاءت إلى الجنازة ليس فقط لأنها شعرت أنه كان منتظراً منها المجيء، لكن لأنها انتظرته بنفسها من نفسها. في الكنيسة كان هناك امرأتان أخريان، كل واحدة بمفردها، عثر عليهما دون شك كما عثر عليها. الثنائي من شارع كامونا كانا هناك.
“لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعد ما عبر، وكهزيع من الليل. جرفتهم. كسنة يكونون. بالغداة كعشب يزول”.
كانت الكلمات جميلة، غير أنها بدت غير مناسبة. مرَّ أسبوع على زيارة الكاهن، لكن الوقت بتراكمه لم يهب شيئاً. لا للحياة ولا للموت، وفي هذا المكان، الذي عزل الروحي وشرَّفه، ما من حقيقة بدأت.
“في الصَّباح أخضر وينمو: لكن في المساء ناقص، جاف، وذابل… كل أيامنا راحلة: نصل بأعوامنا إلى نهايتها، كما لو أنها كانت حكاية مروية”.
تردد صدى الصَّوت، نطق الاسم أخيراً. سئلت بهمس عند الباب لدى دخول هارييت الكنيسة، إذا كانت تتذكر اسماً آخر، لكنها عرفت فقط اميلي وبالتالي ذلك وحده استعمل.
“في خضم الحياة نحن في الموت. وأنت العليم يا رب، بأسرار قلوبنا”.
لم تنشد ترنيمة. لم يكن هناك تأبين، والنَّعش ظلَّ عندما انتهى القداس لاحقاً، لينقل إلى المحرقة.
“شكراً لمجيئكم”. قال الكاهن العجوز الأمر نفسه للجميع في الفاصل السَّمج خارج الكنيسة. “هلا تناولتم بعض الشَّاي معي؟” دعا بتراخي.
الامرأتان اللتان كانتا أيضاً بمفردهما اعتذرتا على حضورهما، كل واحدة تتمتم بكلمات تعبر عن إعجابها بالقدَّاس. غادر الثنائي من شارع كامونا سريعاً. قندلفت أعرج أخرج الزهور.
قال الكاهن: “كانت صغيرة للغاية”. كان اسمه مكتوباً على لوحة أمام الكنيسة، بأحرف ذهبية على خلفية سوداء. الموقَّر س.ر. مالفري. “بسيطة للغاية، فارغة للغاية”.
أكدَّت له هارييت: “لا. لا، على الإطلاق”.
“أتمنى لو أني وجدت العائلة”.
تقدمها ببطء بين القبور. كان أرملاً، فكَّرت هارييت، كان هناك كل ما يشير إلى ذلك. بمفرده في ثمة مسكن أبرشية رث، يتدبر أمره قدر ما بوسعه.
قال: “تركَت بضع كتب، قدمتُ ملابسها إلى الجمعيات الخيرية، لكن الكتب تركت. قلت سآخذهم: لدينا سوق كتب كل خريف”. أخرج النَّعش من الكنيسة. عرفت هارييت أن هذا كان سبب إبعادها إلى الخارج. لم تبلغ مسامعهما أصوات حيث سارا. باب لعربة ما كان يغلق هناك برفق من ثم باب آخر.
*
كان الصَّيف تلك السَّنة لطيفاً ودافئاً، بدأ شهر أيلول جيداً ثم أصبح ماطراً، شهر تشرين الأول بارداً. في أواخر شهر تشرين الثَّاني أقامت هارييت حفلة لتحتفل بعيد ميلاد ستيفن السَّادس والعشرين. فيما بعد، في السَّاعات الأولى من اليوم التالي بعدما غادر الجميع، رتَّبت هي وستيفن الغرف التي شوَّشها أكثر من مائة شخص. وفيما هما يفعلان هذا، تحدَّثا عن ضيوفهما، معظمهم من جيل ستيفن، وفي المطبخ غسلت هارييت الفضيَّات والكؤوس، جفَّفها ستيفن ووضعها جانباً. كانا في غرفة الضُّيوف ثانية، يدملجان الوسائد، ليعثرا على ما أغفلاه، عندما قال ستيفن: “هل تتذكرين ايميلي فانس؟ إحدى عاملات التنظيف لدينا؟”
في الشُّهور التي مرَّت منذ الجنازة بالكاد مرَّ يوم واحد لم تخطر فيه ايميل فانس على بال هارييت. عندما تقدَّمها الكاهن إلى المقبرة، بدأت أولى قطرات المطر تبلل شواهد القبور. لم يكن كافياً. سوف يعرف هذا على الدَّوام، قال، عندما، غير مرئية من كليهما، أخرجت الفتاة المجهولة من الكنيسة حيث وجدت السلام. وهارييت حينها شعرت بعدم كفايتها أيضاً.
كانت النَّار في غرفة الضُّيوف قد انطفأت منذ وقت طويل، لكن مع ذلك وضعت حاجز النَّار في مكانه. يجب أن يذهبا إلى النوم الآن. لم يكن قد بقي من الليل الكثير.
قال ستيفن: “عندما كنتِ في الخارج كنَّا غالباً بمفردنا، اميلي فانس وأنا”، ساق كأس انكسرت، وهارييت راقبته يتحسس مكان سقوطها لأن البلل قد يتحول إلى بقعة على السجادة. عندما لم يجد شيئاً قال إن الكأس لابد كان فارغاً.
“فكرت أنه كان لطفاً منك أن تسمحي لها بشرب قهوتها في الحديقة عندما كان ذلك ممكناً. أحياناً شربت قهوتي هناك أيضاً. كانت شخصاً وحيداً”.
في المطبخ رمت الكأس المكسور في دلو القمامة تحت المجلى. احتشدت زجاجات فارغة على لوح التجفيف. كانت سترة صوفية زرقاء، تركها أحدهم، مرمية على ظهر كرسي.
قال ستيفن: “لا تعرف أسماء الأزهار، ولا واحدة منها. تمشَّينا حول الحديقة وكانت تسأل وكنت أخبرها”.
قالت هارييت أنهما فعلا ما يكفي في ليلة واحدة وفتحت الماء السَّاخن في المجلى، تفرِّش حول الجوانب لكي تحافظ على نظافته. في الردهة كان هناك وشاح لم يلاحظانه على الأرض، تُرك أيضاً. لم تكن سمَّاعة الهاتف معلَّقة في مكانها. أعادها ستيفن ثانية.
“اميلي فانس ماتت”. قالت هارييت على الدَّرج، لأنه كان ينبغي أن يقال الآن. “كان يجب أن أخبرك. آسفة”.
هزَّ ستيفن رأسه. سأل عن الوفاة ولم تطرف له عين عندما سمع الإجابة، لم يكن متفاجئاً. قال: “تحدَّثت معي قليلاً، لم يكن سهلاً على اميلي فانس أن تتحدث مع أي شخص”.
“أحبَّتك”.
فتح ستيفن باب غرفة نومه، أشعل الضوء. كانت غرفة لم تتغير أبداً. ما كان هناك كان قد اختاره بعناية، لم يتخلص من شيء، لم يضف شيئاً. كان كذلك، وهذا أمر عرفته هارييت وهو لم يعرفه.
واقفة معه في مدخل الباب المفتوح، سمعت إنكاراً لما قالته. كان صوته خالياً من المشاعر، كما لو أنه بالفعل كان طبيباً في مستشفى. طفلة فرَّت من الخوف. أبٌ تعهَّد. أم مذعنة تعهدت أيضاً. لكن مع ذلك هربت الطفلة لتبحث عن المقدرة في إخفائها لنفسها، وليس لتعود على الإطلاق، وليس ليعثر عليها.
“قالت ذلك في الحديقة، كما لو تحصيل حاصل عن شخص ينظف منزلك من أجلك. استمعت إلى تفاؤلي: أن كل هذا قد انتهى إلى الأبد الآن. تحدثنا عن الحب. ابتسمت قليلاً، ابتسامتها الرقيقة الموحشة. لم تقل، مع ذلك قيل، أنه في غرف منزل هادئ عندما حاولت أن تحب لم تتمكن من الحب، وعندما حاولت أن تأمل لم تتمكن من الأمل. مشينا معاً، صامتين في الحديقة، من ثم ابتعدت”.
*
في غرفة نومها، جالسة إلى نافذة أطلت على الحديقة، تمنَّت هارييت لو أنها لم تعرف، تمنت لو أن ما تخوفت منه حدث بدلاً من ذلك، عادياً ومفهوماً.
راوح الهزيع الأخير من الليل في مكانه، نور مغشَّى ليس كافياً بعد ليعيد الشَّكل واللون. تفتح أشجار الإجاص كان مراوغاً، أزهار التوليب ليست ذواتها الجليلة، زهور الاكيلجيا ليست موجودة على الإطلاق. الشَّمس المشرقة في وقتها قد تنقذ زهور السينوثس، والليلك في ركنه، أزهار المنثور والدورونيكيوم.
ظلال تحرَّكت، ليس في الحديقة، ثلاثة أشخاص، أحدهم طفل. غرف منزل كانت مريحة ومتواضعة، كتب في خزانتها، هاتف في الردهة. كان الطَّعام مطهواً ومأكولاً، النَّظافة في كلِّ مكان، والدِّفء. “ما فائدة الغضب؟” كان ستيفن قد تمتم وهو يغلق باب غرفة نومه، تأثرت مهنيته أخيراً بالضِّيق الذي تمَّ تقاسمه الآن. بين الطفولة والموت، كان هناك حياة لم تكن تستحق أن تعاش.
ظهرت المسحة القرمزية لزهور الفاونيا المبكِّرة فجأة، تألَّق المكنس الأصفر، ياسمين البر الزهري، إكليل الجبل يزدهر. طائر شرشورٍ حطَّ وانتظر. شحرور راقب.
بكت هارييت، وعبر غشاوة دموعها ضاع الجمال الذي انتشر في حديقتها، وكان لا يزال ينتشر، في التحريف. شاهدته يعود، يتألَّق ثانية، حتى أكثر مما كان. لكن في عالم كان كله خاطئاً، بدا هذا الصباح أنه سخرية.

العصافير

“نحن منحب العصافير”
فرنس فان در لوخت

منذ مدة وأنا أضع دلواً صغيراً أبيض تحت صنبور المياه في الحديقة، لزوم سقاية الزهور وزراعتها. كنت أرى عصافير الدوري في كثير من الأحيان تقف على حافة هذا الدلو كي تشرب وتغادر مسرعة كأنما لديها الكثير من الأعمال لتنجزها، وكنت أظن حينها أن العصافير قد وجدت هذا الدلو وهي تعبر بالحديقة مصادفة، إلى أن حدث منذ أيام أن نسيت إعادة الدلو لمكانه تحت الصنبور بعد انتهائي من استعماله، فارغا من المياه. وإذا بالعصافير تأتي ولا تجد الماء الذي كانت تقصده في الدلو الصغير، وراحت تنشد بضع قطرات من الماء على الأرض أو من فوهة خرطوم المياه..آلمتني صدمة العصافير بعدم ايجادها للماء الذي كانت تتوقع وجوده، وفرحت لمعرفتي بأن حديقتي في ذاكرة العصافير وليس ارتيادها لها محض مصادفة، سارعت في إعادة الدلو لمكانه وملأته بالماء وجلست أرقب مقدمهم كي أقدم اعتذاري لهم على عجل قبل أن يطيروا محلقين مرة أخرى، مضاعفا، مرة بسبب دلو الماء هذا، ومرة لأني كنت قد ظلمتهم بظني أنهم يأكلون حبات الفريز الناضجة، التي تبين أن البزاقات هن من يلتهمنها!

2014

تعود هذه الترجمة إلى العام 2014 وقد نشرت سابقا على موقع ضفة ثالثة.

مدينة فظةٌ كبرلين، صلفة، شقيةٌ أريبة، تُقرُ دومًا بما يناسبها من أمور وتطوِّح بكل ما تتبرَم به. هنا في المدينة الكبيرة يمكنك أن تشعر بالتأكيد بأمواج فكرية تغسل كحمَّام حياة المجتمع البرليني. لا مفرَّ للفنّان هنا من الإصغاء.

يُسمح له في مكان آخر أن يصم آذانه ويغرق في تجاهلٍ متعمّد. هذا ممنوع هنا. بل حريّ به أن يشدَّ من أزر نفسه باستمرار ككائنٍ بشري، وهذا الإكراه الذي يطوّقه يعود عليه بالفائدة. لكن هناك أيضًا أمور أخرى. 

لا تستريح برلين أبدًا، وهذا عظيم. يجلب فجر كل يوم معه هجومًا جديدًا -مرفوضًا بلطف- على الرضا الذاتي، وهذا يمنح إحساسًا عامًا بطيبِ الكسل. لدى الفنّان ميلٌ فطري للكسل النبيل الجميل، أكثر ما يشبه الطفل في ذلك.

حسنًا، تَصفع هذه القوقعة، هذه المملكة، باستمرار رياح عاتية جديدة من الإلهام. يتحدّث المخلوق الصامت اللبق فجأة بصخبٍ عن شيء ما فظ، صارخ، وغير لائق. هناك دوماً ضباب يلفُّ أشياء عديدة معًا، وهذا جيد، هذه برلين، وبرلين رائعة. 

ليس على السيد العظيم من الأقاليم، بأية حال، أن يتخيل مطلقًا أنه لا يوجد هنا في المدينة عزلة أيضًا. ففي الحاضرة عزلة من أكثر الأنواع فظاعة، وبإمكان أي شخص يتمنّى تذوّق هذا الطبق المختار أن يأكل الكثير منه هنا.

يمكنه أن يختبر معنى العيش في الصحاري والقفار. لا تنقص الفنّان ابن العاصمة الفرص ليرى ويتحدّث إلى أيّ كان على الإطلاق. كلّ ما عليه فعله هو أن يجعل من نفسه مجهولًا بين بعض محكّمي المذاقات أو أُخر يركّزون بثباتٍ على حالات الإخفاق، وسرعان ما سيغرق في أكثر أنواع الخذلان روعة، وازدهارًا. 

يعيش الفنان المكلّل بالنجاح في العاصمة كما لو أنه في حلمٍ شرقي ساحر. يجدُّ من بيت أنيقٍ إلى آخر ثري، يجلس بثقة إلى طاولات موسرة، وبينما يوفر له المضغ والالتهام اللهو. يقضي أيامه في حالة من السُّكر فعلية. ونبوغه؟ هل يهمل فنّان على مثل هذا الحال نبوغه؟ يا له من سؤال! كما لو أنه يمكن لشخصٍ ما الانسلاخ عن مواهبه بكلمة عن إذنك. على العكس من ذلك. فإن النبوغ يصبح أقوى بشكلٍ لا واع عندما يرمي المرء بنفسه في معترك الحياة. ليس عليك أن تكون عطوفًا، مدللًا إيّاه باستمرار كشيء سقيم. إنه يذوي عندما تهتم له باستحياء بالغ. 

مع ذلك، فيجوز للمبدع أن يتدرج صعودًا ونزولًا. كالنمر، في كهف إبداعه الفني، مستلبًا بالرغبة وقلقًا حيال تحقيق منتج جمالي ما. وطالما أن ما من أحد يرى هذا، فليس من أحد يلوّح به أمام ناظريه. أما في الصحبة، فعليه أن يكون مرحًا، دمثًا، وساحرًا قدر استطاعته، ليس شديد التقدير لنفسه ولا العكس أيضًا. أمرٌ واحدٌ ليس عليه نسيانه أبدًا: أنه يتوجب عليه أن يخطب ودَّ النساء الجميلات المقتدرات قليلًا على الأقل. 

بعد مرور زهاء خمس أو ست سنوات، سيتوّلد لدى الفنّان -حتّى وإن كان من منبتٍ ريفي- إحساسٌ بأن العاصمة هي موطنه الأصلي. سيبدو كما لو أن والديه قد عاشا وأنجباه هنا. هو يشعر بالامتنان، بالارتباط، وبأنه مدين لجلبة غريبة، ثرثارة حيوية.

كل الانطلاق والعدو السريع الآن يبدوان له نوعًا من شخصية أمومية محبوبة، غامضة. لم يعد يفكّر بالمغادرة من بعد. لا يهم إن سارت الأمور نحو الأفضل أو العكس، سواء أفشل أم نجح، لقد امتلكته، إنه مأخوذ بها إلى الأبد، وسيستحيل عليه أن يلوح لهذا القلق العظيم بتلويحة الوداع.

قصيدة الكلمات تسافر من ديوان بوصلة الطير المهاجر

للشاعرة الدنماركية بيَّا تافدرُب

أعيش في بلد آخر، لكني مع ذلك

لا أغادر بيتي.

الأبجدية التي أصحبها معي

وتراكيب القواعد

معاني الكلمات والتوكيدات.

حيثما أستقر

على الكوكب،

أقيم في اللغة

التي ولدتُ فيها.

مهما عصفت لغات أخرى

بلغتي فليس بوسعها أن تطيح بها.

فأنا أنا

في لغتي-

أحلم بما أصبحت

بمحض الصُّدفة لغتي الأم.

أكتبُ في الوطن،

              أكتب في الخارج،

الأمر سيّان في كل مكان:

للكلمات قلوب طيور مهاجرة،

التشريح يُظهر،

أنها ترغب بالوصول إلى أحد ما،

وأعيش مع هذه

الكلمات -الطيور، غناؤها وصرخاتٍ مبحوحة.

لا أكذب ولكن أتجمل.

بعد أن حصلت على شهادة الثانوية العامة وكان علي خلافا لكل ما حلمت به وتوقعته أن أذهب للدراسة في معهد المهن النفطية والمعدنية ضد إرادتي ولأن الظروف المادية والاجتماعية تقتضي منطقيا أن أدرس لمدة قصيرة في مكان يوفر لي سريعا وظيفة عامة كما أن كل ما كنت أحلم بدراسته كان في مدن أخرى لم يكن ممكنا بالنسبة لي كفتاة لم تكمل بعد عامها الثامن عشر أن تذهب للدراسة فيها رغم أن الكثير ممن كانوا معارفي وأصدقائي في ذلك الحين فعلوا ذلك. كان علي في الصباح الباكر السير من بيتنا في بستان الديوان إلى موقف يقع عند نقابات العمال مقابل جامع خالد بن الوليد كي نستقل باصات مصفاة حمص المخصصة لنا نحن طلاب ذلك المعهد لتأخذنا إلى هناك إذ يقع المعهد على طريق طرابلس مقابل مصفاة حمص. في المعهد تعرف إلى طالبة في السنة الثانية كانت جارتي في الحي واتفقنا على الذهاب سوية كل صباح في مشوار المشي هذا.  لحسن الحظ كان يجمعني مع ريتا حب كبير للفنون بشكل عام وعلى هذا الأساس استمرت علاقتنا لوقت طويل، كنا نحب  الاستماع إلى الأغاني ومشاهدة الأفلام غير أن صديقتي كانت أكثر اطلاعا مني في ذلك الحين  وكانت كل يوم تحدثني عن ألبومات جديدة لمغنين أعرفهم من خلال ما استمعت إليه من أغنياتهم عبر شاشة التلفزيون أو الراديو بشكل خاص  لكن هذا لم يكن يتيح لي معرفة كل شيء وكانت ريتا تأتيني بشكل مستمر بشرائط الكاسيت على سبيل الإعارة كي أستمع لهذه الشرائط في البيت وكنت في كثير من الأحيان أزورها لمشاهدة فيلم أجنبي أو عربي عبر جهاز تشغيل شرائط الفيديو، كنت آخذ هذه الأشرطة منها بامتنان ثم عندما أذهب في زيارة إلى بيت خالي أو خالتي أحاول الاستماع إليها أو على الأقل أحاول أن أحصل على لمحة عنها كي أعرف بماذا أجيب عندما تسألني صديقتي لدى إعادة الأشرطة لها عن رأيي بالأغاني وما إلى ذلك، لا أعرف ما الذي دعاني لعدم الإفصاح عن عدم امتلاكي لمسجلة، لا بد أني شعرت بالحرج أو ربما لأن صديقتي افترضت أنه أمر مفروغ منه، بأية حال لم تدم هذه الحال طويلا فبعد عدة أشهر صار لدينا في البيت مسجلة وصار بوسعي الاستماع لما أحب ومن شدة سعادتي تصورت مع المسجلة ولم أنتبه إلى أني كنت واقفة في الزاوية التي نركب فيها الصوبيا عادة وكان الحائط قد سوده الشحوار! ربما لم أكن أكذب بإخفائي مثل هذه المعلومة، لكن أتجمل!

شهرزاد | هاروكي موراكامي

شهرزاد | هاروكي موراكامي
ترجمة: أماني لازار

كانت بعد كل مرة يمارسان فيها الجنس، تروي لهابارا قصة غريبة مشوّقة. مثلها مثل الملكة شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”. ولو أن هابارا بخلاف الملك بالطبع، لم يكن ينوي قطع رأسها في صباح اليوم التالي. (هي لم تبق معه أبداً حتى الصباح بأي حال.) حكت لهابارا القصص لأنها كانت ترغب بذلك، لأنها كما خمن، تستمتع بالاسترخاء في السرير والتحدث إلى رجل أثناء تلك اللحظات الحميمة الواهنة، بعد ممارسة الحب. وربما لأنها تمنت أيضاً أن تروّح عن هابارا الذي كان عليه أن يمضي الأيام حبيس البيت.

لهذا السبب، أطلق هابارا على المرأة لقب شهرزاد. هو لم يستعمل الاسم مطلقاً في حضورها، لكنه كان يشير به إليها في مذكرات صغيرة احتفظ بها. “جاءت شهرزاد اليوم،” دوّن بقلم حبر جاف. ومن ثم سجل خلاصة قصة ذلك اليوم بتعابير بسيطة وخفية ليكون على ثقة من إرباك أي شخص قد يقرأ اليوميات لاحقاً.

لا يعلم هابارا فيما إذا كانت قصصها حقيقية، مبتدعة، أو حقيقية في جزء منها ومبتدعة في آخر. لم تكن لديه وسيلة لمعرفة ذلك. بدا أن كلّ من الواقع والافتراض، الملاحظة والخيال الصرف مختلطون معاً في رواياتها. وبالتالي استمتع هابارا بها كما قد يحصل لطفل، من دون الكثير من التشكيك. ما الذي يمكن للاختلاف الجائز أن يصنع له، في آخر الأمر، إذا ما كانت حقيقة أم أكاذيباً أو مزيجاً معقداً من الاثنين.

على كل حال، كان لشهرزاد موهبة رواية القصص المؤثرة. لا يهم ما هو نوع تلك القصة، فقد جعلت منها قصة مميزة. صوتها، توقيتها، سرعتها، كانت كلها بلا شائبة. لقد استولت على انتباه مستمعها، مستثيرة إياه، تقوده إلى التفكير والتخمين، ومن ثم في النهاية تقدّم له تماماً ما كان ينشده. مسحوراً، كان هابارا قادراً على نسيان الواقع المحيط به حتى ولو للحظة. لقد أزيلت عنه المخاوف من الذكريات السيئة، مثل سبورة سوداء ممسوحة بقماشة مبللة. من يمكنه أن يطلب أكثر؟ في تلك اللحظة من حياته، كان هذا النوع من النسيان ما يتمناه هابارا أكثر من أي شيء آخر.

كانت شهرزاد في الخامسة والثلاثين من عمرها، تكبر هابارا بأربع سنوات، ربة منزل متفرغة ولها طفلان في المدرسة الابتدائية (ومع ذلك كانت أيضاً ممرضة مرخصة، وعلى ما يبدو كانت تستدعى للعمل بين الحين والآخر). كان زوجها ممثلاً نموذجياً لشركة. كان بيتهما على بعد عشرين دقيقة من بيت هابارا. هذه كانت كل المعلومات الشخصية التي قدمتها تقريباً. لم يكن لهابارا وسيلة للتأكد من أي منها، لكنه لم يتمكن من التفكير بأي مبرر للشك بها. هي لم تكشف عن اسمها أبداً. ” ليس لك حاجة بمعرفته، أليس كذلك؟ “سألت شهرزاد. وهي أيضاً لم تسمي هابارا باسمه أبداً، ولو أنها بالطبع تعرفه، لكنها تجنبت الاسم بحكمة واضحة، كما لو أنه سيجلب بطريقة ما النحس أو سيكون من غير المناسب أن تنبس به شفتاها.

ظاهرياً، على الأقل، لم يكن لشهرزاد هذه شيئا مشتركاً مع الملكة الجميلة في “ألف ليلة وليلة.” كانت في طريقها إلى خريف العمر، وبالفعل كان لغداها وخطوط النسيج المحيط بزوايا عينيها آخذة بالتهدل. لم تكن تسريحة شعرها، زينتها، وطريقتها في اللباس تخلو من العناية تماماً، ولا كان من المحتمل أن تلقى أي إطراء أيضاً. لم تفتقر سماتها للجاذبية لكن وجهها كان ينقصه الاهتمام، وبالتالي كان الانطباع الذي تتركه مبهماً. وبالنتيجة، ربما لفتت قليلاً انتباه هؤلاء الذين ساروا بمحاذاتها في الشارع، أو شاركوها نفس المصعد. ربما كانت قبل عشر سنوات امرأة شابة جذابة وحيوية، ربما تكون أيضاً قد جذبت انتباه بعض الأشخاص. لقد أسدلت في مرحلة ما من عمرها الستائر على ذلك الجزء من حياتها وبدا من غير المرجح أن تُرفع ثانية.

كانت شهرزاد تأتي لرؤية هابارا مرتين أسبوعياً. لم تكن أيامها ثابتة، لكنها لم تأت أبداً في نهاية الأسبوع. لا شك أنها أمضت ذلك الوقت مع عائلتها. كانت تتصل دائماً قبل ساعة من قدومها. تشتري الخضار من متجر محلي وتجلبها له بسيارتها، “مازدا” صغيرة زرقاء “هاتشباك”. موديل قديم، كان فيها انبعاج في المصد الخلفي وعجلاتها مسودة بالسخام. تركنها في المساحة المخصصة للمنزل، تحمل الأكياس إلى الباب الأمامي وترن الجرس. بعد النظر من ثقب الباب سوف يفتح هابارا القفل، ويحل السلسلة، ويدعها تدخل. في المطبخ سوف تفرز الخضار وترتبها في الثلاجة. ومن ثم تصنع قائمة بالأشياء التي يتوجب عليها شراؤها في الزيارة المقبلة. كانت تنجز هذه المهمات بمهارة، بالحد الأدنى من الحركات المهدرة، بالقليل من الكلام أثناء ذلك.

عندما تنتهي، سينتقلان معاً إلى غرفة النوم بصمت، كما لو أنهما محمولان إلى هناك على تيار غير مرئي. تنزع شهرزاد سريعاً ملابسها وتبقى صامتة، منضمة إلى هابارا في السرير. هي بالكاد تتكلم أثناء ممارستهما الحب، كما أنها تؤدي كل فعل كما لو أنها تكمل مهمة. عندما كانت حائضة، استعملت يدها لتصل إلى نفس النهاية. رشاقتها، بالأحرى أسلوبها العملي ذكّر هابارا بأنها كانت ممرضة مرخصة.

بعد الجنس، يتمددان في السرير ويتحدثان. وللدقة، هي تتكلم وهو يصغي، مضيفاً كلمة مناسبة هنا، ويطرح سؤالاً عرضياً هناك. عندما تدق الساعة الرابعة والنصف تقطع قصتها (ولسبب ما، تبدو كما لو أنها وصلت ذروة الحكاية)، تقفز من السرير، تلملم ثيابها، وتجهز نفسها للمغادرة. عليها الذهاب إلى البيت، لتحضير العشاء، تقول.

سيرافقها هابارا إلى الباب، ويعيد السلسلة إلى مكانها، ويراقب من خلال الستائر السيارة الصغيرة الزرقاء المكسوة بالسخام وهي تبتعد. عند الساعة السادسة، يصنع عشاءً بسيطاً ويتناوله بمفرده. لقد عمل مرة طاهياً، لذا فتحضير الوجبات لم يكن بتلك الصعوبة. يشرب مياهاً معدنية فوارة مع عشائه (هو لم يقرب الكحول أبداً) ويتبعه بكوب من القهوة، الذي يرتشفه أثناء مشاهدته لفيلم على “دي في دي” أو وهو يقرأ. لقد أحب الكتب الطويلة، بخاصة تلك التي كان عليه قراءتها مرات عدة كي يفهمها. لم يكن هناك الكثير ليفعله. لم يكن لديه من أحد يتحدث إليه. لا أحد ليتصل به. وليس عنده كمبيوتر، لم يكن لديه طريقة للوصول إلى الانترنت. ما من صحيفة تصله، ولم يشاهد التلفزيون أبداً. (لقد كان هناك سبباً وجيهاً لذلك.) وغني عن القول بأنه لم يكن بإمكانه الخروج. إذا ما كان على زيارات شهرزاد أن تتوقف لسبب ما فسيكون متروكاً وحيداً تماماً.

لم يكن هابارا شديد الانشغال بهذا الاحتمال، سيكون أمراً صعباً إذا ما حدث ذلك، فكّر، لكنني سأتجاوزه بطريقة أو بأخرى. أنا لست متروكاً على جزيرة معزولة. لا، فكّر، أنا جزيرة معزولة. كان كثيراً ما يرتاح إلى كونه وحيداً. وما يزعجه رغم ذلك التفكير في ألا يكون قادراً على التحدث في السرير مع شهرزاد. أو بشكل أكثر دقة، تفويت الحلقة التالية من قصتها.

” كنت ثعبان بحر في حياة سابقة،” قالت شهرزاد ذات مرة، وهما يضطجعان في السرير معاً. كان تعليقاً بسيطاً ومباشراً، مرتجلاً كما لو أنها قد أعلنت بأن القطب الشمالي كان في أقصى الشمال. لم يكن لدى هابارا أدنى فكرة عن أي نوع من المخلوقات كان ثعبان البحر، ناهيك عن شكل الواحد منها. فبالتالي لم يكن لديه رأي خاص في الموضوع.

هل تعرف كيف يأكل ثعبان البحر السلمون؟ سألت.

هو لا يعرف. في الواقع، لقد كانت المرة الأولى التي يسمع بها بأن ثعبان البحر يأكل السلمون.

ثعابين البحر ليس لها مخالب. هذا ما يميزها عن أنواع الحنكليس الأخرى.

ها؟ هل للحنكليس مخالب؟

ألم تلقِ بنظرة إلى واحد منها أبداً؟ قالت متفاجئة.

أنا آكل الحنكليس بين الحين والآخر لكن لم تتح لي الفرصة أبداً لأرى فيما إذا كان لديها مخالب.

حسناً عليك أن تتفحصها في وقت ما. اذهب إلى حوض الأسماك أو مكان ما من هذا القبيل. الحنكليس العادي له مخالب وأسنان. لكن ثعبان البحر ليس لديه سوى ممصات، التي تستعمل للالتصاق بالصخور عند قاع النهر أو البحيرة. ومن ثم يعوم هناك فقط، متموجاً جيئة وذهاباً مثل الأعشاب.

تخيل هابارا مجموعة من ثعابين البحر كما الأعشاب في قاع البحيرة. بدا المشهد بطريقة ما منفصلاً عن الواقع، رغم أن الواقع الذي عرفه يمكن له أحياناً أن يكون غير واقعي بشكل فظيع.

تعيش ثعابين البحر بهذه الطريقة، مختفية بين الأعشاب. مستلقية في حالة انتظار. وعندما يمر السلمون فوقها تنطلق مسرعة نحوه بممصاتها. في داخل ممصاتها هناك تلك الأشياء التي تشبه اللسان مع أسنان، التي تحتك جيئة وذهاباً على بطن السلمون إلى أن تفتح فيه ثغرة وبعدها يمكنها البدء بأكل اللحم شيئاً فشيئاً.

أنا لا أحب أن أكون سلموناً، قال هابارا.

في العصور الرومانية قاموا بتربية ثعابين البحر في برك، وتم رمي العبيد المتعجرفين فيها، لتتغذى عليهم ثعابين البحر أحياء.

فكر هابارا بأنه لن يستمتع في كونه عبداً رومانياً أيضاً.

كانت المرة الأولى التي رأيت فيها ثعبان بحر في المدرسة الابتدائية، في رحلة مدرسية إلى حوض الأسماك، قالت شهرزاد. اللحظة التي قرأت فيها وصفاً لطريقة حياتهم، علمت بأني كنت واحدة منها في حياة سابقة. أقصد يمكنني حقيقة أن أتذكر-كوني مشدودة إلى صخرة، أتأرجح بشكل غير مرئي بين الأعشاب، أحدق بالسلمون السمين وهو يسبح فوقي.

هل يمكنك تذكر أكلك لهم؟

لا، لا يمكنني.

هذا مريح، قال هابارا. لكن هل هذا كل ما تتذكرينه من حياتك كثعبان بحر-تتأرجحين جيئة وذهاباً عند قاع النهر؟

لا يمكن استدعاء الحياة السابقة بتلك الطريقة تماما، قالت. إذا كنت محظوظاً فإنك تحظى بومضة عما كانت عليه. إنها كالتقاط لمحة من ثقب صغير في الجدار. هل يمكنك تذكر أي من حيواتك السابقة؟

لا، ولا أي منها، قال هابارا. والحق يقال، هو لم يشعر أبداً بالرغبة في إعادة النظر في حياة سابقة. كان مشغولاً بالحياة الحالية.

ومع ذلك، فالحال يبدو أنيقاً جداً في قاع البحيرة، رأساً على عقب وفمي ملتصق بصخرة، أراقب الأسماك تعبر من فوق رأسي. رأيت حقيقة سلحفاة كبيرة تعض مرة، أيضاً، شكلاً أسود هائل يعبر مثل السفينة الفضائية الشريرة في حرب النجوم. وطيور كبيرة بيضاء بمناقير طويلة وحادة، من أسفل بدت مثل غيوم بيضاء تعوم عبر السماء.

وأنت بإمكانك رؤية كل هذه الأشياء الآن؟

واضحة وضوح النهار، قالت شهرزاد. الضوء، جذب التيار، كل شيء. أحياناً يمكنني أيضاً أن أعود إلى هناك في بالي.

ما الذي كنت تفكرين به في ذاك الحين؟

نعم؟

بماذا تفكر ثعابين البحر؟

ثعابين البحر تفكر بأفكار تشبه ثعبان البحر. حول موضوعات شبيهة بالثعبان في سياق شديد الشبه بالثعبان. ليس هناك كلمات تشرح هذه الأفكار. إنها تنتمي لعالم الماء. كما كنا في الرحم. كنا نفكر بأشياء هناك، لكن لا يمكننا التعبير عن تلك الأفكار باللغة التي نستعملها هنا. صح؟

انتظري ثانية! يمكنك تذكر ما كان الحال عليه في الرحم؟

بالتأكيد، قالت شهرزاد رافعة رأسها لترى فوق صدره. ألا يمكنك ذلك؟

لا، قال. ليس بمقدوره.

إذن سأخبرك في وقت ما عن الحياة في الرحم.

“شهرزاد، ثعبان بحر، حيوات سابقة” هذا ما سجله هابارا في يومياته ذلك اليوم. كان يشك أن أحداً بإمكانه أن يخمن ما كانت تعنيه الكلمات إذا ما وقعت بيده.

التقى هابارا بشهرزاد أول مرة منذ أربعة أشهر. كان قد تم نقله إلى هذا المنزل في مدينة ريفية شمال طوكيو، وقد تم تعيينها له باعتبارها “علاقة داعمة”، طالما أنه لا يمكنه الخروج، كان دورها شراء المواد الغذائية وغيرها من المواد المطلوبة وجلبها إلى المنزل. هي أيضاً كانت تتولى أمر الكتب أو المجلات التي يرغب بقراءتها، وأية أقراص مدمجة أراد أن يستمع إليها. بالإضافة إلى ذلك فقد اختارت تشكيلة من أقراص الفيديو الرقمية-ولو أنه قد مر بوقت عصيب في قبول معاييرها في الاختيار على هذا الصعيد.

بعد وصوله بأسبوع، أخذته شهرزاد إلى السرير، كما لو كان ذلك الخطوة التالية البديهية. كان هناك واقيات ذكرية على الطاولة الجانبية لدى وصوله. هابارا خمّن أن الجنس واحد من الواجبات الموكلة إليها-أو ربما “نشاطات داعمة”، بحسب التعبير الذي استعملوه. أياً كان المصطلح، وأياً كانت دوافعها، فهو سيمضي مع التيار وقد قبل عرضها من دون تردد.

لم تكن ممارستهما الجنس إلزامية تماماً، و لا يمكن القول أيضاً إن قلبيهما كانا منغمسان في ذلك. بدت حذرة خشية أن يزداد حماسهما-تماماً مثل معلم القيادة الذي لا يرغب لطلابه أن يكونوا متحمسين كثيراً بشأن قيادتهم. حتى وإن لم يصل الجنس إلى الشغف، ولم يكن بالنسبة إليها شبيهاً بالعمل. ربما بدأ الجنس كواحد من واجباتها (أو على الأقل كشيء ما كان مشجعاً بشكل قوي) لكن عند حد معين بدت، وإن باحساس طفيف، أنها وجدت نوعاً من المتعة فيه. تمكن هابارا من معرفة ذلك عبر عدة طرق محددة دقيقة كان جسدها يستجيب من خلالها، التجاوب الذي أبهجه أيضاً. في النهاية هو لم يكن حيواناً برياً مزروباً في قفص، لكنه انسان له حصته من العواطف. وما كان الجنس كافياً بالنسبة إليه لغرض التفريغ الجسدي فقط. كذلك إلى أي حد رأت شهرزاد علاقتهما الجنسية كواحدة من واجباتها، وكم كان ذلك على اتصال بحياتها الشخصية؟ لم يتمكن من معرفة ذلك.

هذا كان ينطبق أيضاً على أشياء أخرى. كثيراً ما وجد هابارا صعوبة في تفسير شعور شهرزاد ومقاصدها. على سبيل المثال، كانت تلبس سراويل داخلية من القطن العادي معظم الوقت، ذلك النوع من السراويل الذي تخيل أن ربات البيوت كن يرتدينه في ثلاثينياتهن دوماً، ولو كان ذلك تخميناً صرفاً إذ لم يكن على معرفة بربات بيوت في ذلك العمر. على أي حال تحولت تلك السراويل إلى سراويل داخلية ملونة، حريرية مزركشة، لماذا بدلت بين الاثنين لم يكن لديه فكرة.

كان الأمر الآخر الذي أربكه، واقعة أن ممارستهما للحب وروايتها للقصص كانتا مرتبطتان بشكل وثيق. ما جعل من الصعب معرفة أين تنتهي الواحدة وأين تبدأ الأخرى. هو لم يجرب أبداً أي شيء من هذا قبلاً: ورغم أنه لم يحبها والجنس كان بين بين، فقد كان شديد الارتباط بها بدنياً، وكل شيء مدعاة للحيرة بعض الشيء.

كنت مراهقة عندما بدأت اقتحام البيوت الفارغة، قالت في أحد الأيام وهما مستلقيان في السرير.

هابارا-كما كان حاله غالباً عندما تروى له القصص-وجد نفسه تعوزه الكلمات.

هل اقتحمت أبداً بيت شخص ما؟ سألت.

لا أظن ذلك، أجاب بصوت جاف.

افعلها مرة ولسوف تدمن.

لكنه عمل غير قانوني.

أنت على حق إنه خطر، لكنك تظل مدمناً مع ذلك.

انتظر هابارا بهدوء حتى تكمل.

أروع شيء في كونك في منزل شخص آخر عندما لا يكون هناك أحد، قالت شهرزاد، إنه كما ينبغي للصمت أن يكون. ما من صوت. مثل أكثر الأمكنة هدوءاً في العالم. هذا ما شعرت به على اي حال، عندما جلست على الأرض وبقيت ساكنة تماماً، حياتي كثعبان بحر عادت إلي. أخبرتك عن كوني ثعبان بحر في حياة سابقة، صح؟

نعم لقد فعلتِ.

حدث ذلك تماماً كالتالي. التصقت ممصاتي بالصخرة تحت الماء، وجسدي يتموج جيئة وذهاباً مثل الأعشاب من حولي. كل شيء هادئ تماماً، ولو كان ذلك لأنني لا أملك أذنين. في أيام مشمسة، سقط ضوء من السطح كالسهم. انجرفت أسماك من كل الألوان والأشكال من الأعلى. وكان عقلي فارغاً من الأفكار. أقصد أفكار ثعبان البحر. كان غائماً ولكن صافياً جداً. كان ليكون مكاناً رائعاً.

كانت شهرزاد تلميذة مستجدة في المدرسة الثانوية حين اقتحمت للمرة الأولى منزلاً، كما أوضحت، وكانت مفتونة افتتاناً جدياً بزميل لها في الصف. وإن لم يكن من النوع الذي يمكن اعتباره وسيماً، فهو طويل وواضح الملامح، طالب مجتهد يلعب في فريق كرة القدم، وكانت منجذبة إليه بقوة. لكنه على ما يبدو كان معجباً بفتاة أخرى في صفهما ولم يمنح شهرزاد أي اهتمام. في الواقع، من الممكن أنه كان غافلاً عن وجودها. ورغم ذلك، لم تستطع أن تتوقف عن التفكير به. كانت مجرد رؤيتها له تبهرها، شعرت أحياناً أنها على وشك أن تتقيأ. فكّرت بأن عليها القيام بشيء في هذا الخصوص، فما لم تفعل فهي ماضية نحو الجنون. لكن الاعتراف بحبها كان أمراً مستبعداً.

في أحد الأيام، هربت شهرزاد من المدرسة وقصدت منزل الفتى. كان على بعد حوالي خمس عشرة دقيقة سيراً على الأقدام من مكان سكنها. كانت قد استبقت ذلك بتحري أمر عائلته. أمه تدرّس اللغة اليابانية في مدرسة في بلدة مجاورة. والده، كان يعمل في شركة إسمنت، قضى في حادث سيارة منذ عدة سنوات. أخته طالبة مستجدة في المرحلة الإعدادية. هذا يعني أن المنزل لا بد أن يكون خاوياً خلال النهار.

من غير المستغرب أن الباب الأمامي كان مقفلاً. تفقدت شهرزاد تحت الممسحة بحثاً عن المفتاح. كما هو متوقع كان هناك واحداً. المجتمعات السكنية الهادئة في المدن الريفية مثل مدينتهم قلّت فيها الجريمة، وكان كثيراً ما يترك مفتاح احتياطي تحت ممسحة أو تحت أصيص للنبات.

زيادة في الحرص، قرعت شهرزاد الجرس، منتظرة لتتأكد من أنه ما من رد، تفحصت الشارع فيما لو كانت مراقبة، فتحت الباب، ودخلت. أغلقت الباب ثانية من الداخل. نزعت حذاءها، وضعته في كيس بلاستيكي وحشرته في حقيبة ظهرها. ومن ثم صعدت الدرج برفق نحو الطابق الثاني.

كانت غرفة نومه هناك، كما تصورت. سريره كان مرتباً بإتقان. هناك على رف الكتب مسجلة صغيرة، مع بضعة أقراص مدمجة. على الجدار روزنامة عليها صورة لفريق برشلونة لكرة القدم، وبالقرب منها ما بدا أنه يشبه علماً لفريق، ولا شيء آخر. ما من ملصقات، لا صور، فقط جدار ملون بلون قشدي. ستارة بيضاء أعلى النافذة. كانت الغرفة مرتبة، كل شيء في مكانه. ما من كتب مبعثرة، ما من ثياب على الأرض. تشهد الغرفة على شخصية ساكنها شديدة التدقيق. أو أم حافظت على منزل مثالي. أو على كليهما. ما جعل شهرزاد متوترة. إذ إن غرفتها مهملة، ما من أحد يمكن أن يلحظ الفوضى القليلة التي قد تصنعها. ولكن في نفس الوقت نظافة الغرفة الشديدة وبساطتها، ترتيبها المثالي، جعلتها سعيدة. لقد كانت تشبهه كثيراً.

جلست شهرزاد على كرسي المكتب لفترة. هذا هو المكان الذي يدرس فيه كل ليلة، فكرت، خفق قلبها. التقطت الأدوات على المكتب واحداً بعد الآخر، جمعتها بين أصابعها، اشتمتها، قربتها من شفتيها. أقلامه، مقصاته، مسطرته، “دبّاسته”-الأشياء الأكثر دنيوية أصبحت بطريقة ما مشعة لأنها كانت له.

فتحت أدراج المكتب وتفحصت بحذر محتوياتها. كان الدرج الأعلى مقسماً إلى أقسام، كل منها احتوى على أشياء متناثرة وتذكارات. الدرج الثاني كان جاروراً صغيراً يكاد يكون ممتلئاً بدفاتر الملاحظات لدروسه الحالية، في حين كان الدرج الذي في الأسفل (الدرج الأكثر عمقاً) ممتلئاً بمجموعة متنوعة من الصحف القديمة، الدفاتر، والامتحانات. تقريباً كل شيء كان متعلقاً بالمدرسة أو بكرة القدم. كانت قد تمنت أن تعثر على شيء ما شخصي-يوميات، ربما، أو رسائل-لكن لم يكن على المكتب شيء من هذا القبيل. ولا حتى صورة. هذا صدم شهرزاد قليلاً باعتباره غير طبيعي إلى حد ما. ألم يكن لديه حياة بعيداً عن المدرسة وكرة القدم؟ أو أنه أخفى بحذر كل شيء من طبيعة خاصة، حيث لا يمكن لأحد العثور عليه؟

ومع ذلك، مجرد الجلوس إلى مكتبه وتمرير عينيها على كتابات بخط يده أثر بشهرزاد بما يعجز الوصف عنه. من أجل أن تهدئ من روعها، نهضت من على الكرسي وجلست على الأرض. نظرت إلى الأعلى نحو السقف. الهدوء المحيط بها كان مطلقاً. بهذه الطريقة عادت إلى عالم ثعابين البحر.

إذن كل ما فعلته، سأل هابارا، كان الدخول إلى غرفته، والمرور على أشيائه، والجلوس على الأرض؟

لا، قالت شهرزاد. كان هناك المزيد. رغبت بأخذ شيء يخصه إلى البيت. شيء ما يستعمله كل يوم أو شيء ما قريب من جسده. لكن لم يكن ممكناً أن يكون شيئاً هاماً قد يفتقده. لذا فقد سرقت واحداً من أقلامه.

قلم واحد؟

نعم. القلم الذي يستعمله. لكن السرقة لم تكن كافية. كان من شأن ذلك أن يجعل منها حالة سطو واضحة. واقعة أنني قمت بذلك ستكون خاسرة. لقد كنت لص حب في آخر الأمر.

لص حب؟ بدا ذلك لهابارا عنوان فيلم صامت.

لذا فقد قررت أن أترك شيئاً ما خلفي في بيته، علامة من نوع ما. دليل على أني كنت هناك. توضيح أن هذا كان تبادلاً، وليست مجرد سرقة. لكن ماذا ينبغي أن يكون؟ لم يخطر في بالي شيء. بحثت في حقيبة ظهري وجيوبي لكني لم أتمكن من ايجاد أي شيء مناسب. ضربت نفسي لأني لم أفكر بجلب شيء مناسب. أخيراً، قررت أن أترك سدادة قطنية . طبعاً، واحدة غير مستعملة، لا تزال في غلافها البلاستيكي. كانت دورتي الشهرية تقترب لذا فقد كنت أحملها معي لأكون في مأمن. أخفيتها في آخر الدرج السفلي، حيث سيكون من الصعب إيجادها. هذا حقيقة أثّر بي. حقيقة أن السدادة كانت مكنوزة في درج مكتبه. ربما لأني كنت مستثارة ما جعل دورتي تبدأ تقريباً بعد ذلك بالحال.

سدادة مقابل قلم، فكر هابارا. ربما ذلك ما كان عليه تدوينه في يومياته ذلك اليوم: ” لص حب، قلم، سدادة قطنية.” سيود أن يرى ماذا سيفعلون بذلك!

لقد كنت هناك في بيته نحو ما يقارب خمس عشرة دقيقة. لم أستطع البقاء مدة أطول من ذلك: قد كانت تجربتي الأولى في التسلل إلى منزل، وكنت خائفة من دخول أي شخص أثناء تواجدي هناك. تفحصت الطريق لأتأكد من أن لا أحد هناك، تسللت من الباب، أقفلته وأعدت المفتاح إلى مكانه تحت البساط. ومن ثم ذهبت إلى المدرسة. وأنا أحمل قلمه الثمين.

صمتت شهرزاد. وعلى ما يبدو، أنها عادت في الزمن وكانت تتصور أشياء عديدة حصلت فيما بعد، واحدة فأخرى.

كان ذلك الأسبوع الأسعد في حياتي، قالت بعد توقف طويل. خربشت أشياء عشوائية في دفتري بقلمه. شممته، قبلته، مسحت خدي به، دحرجته بين أصابعي. حتى أني وضعته في فمي أحياناً وقمت بمص رأسه. بالطبع، آلمني أني كلما كتبت به أكثر سيصبح أقصر، لكني لم أستطع منع نفسي. إذا ما صار قصيراً، فكرت، يمكنني دائماً العودة والحصول على آخر. كان هناك مجموعة كاملة من أقلام مستعملة في حاملة الأقلام على مكتبه. هو لن يكون لديه فكرة عن فقدان أحدها. وهو ربما لم يجد بعد السدادة القطنية المحشورة في درجه. تلك الفكرة أثارتني بلا حدود-لقد منحتني إحساساً غريباً قلقاً. لم يعد يؤرقني بعد الآن أنه في العالم الحقيقي لم ينظر إليَّ أبداً أو لم يظهر ما ينبي بأنه كان حتى مدركاً لوجودي. لأني أنا سراً أمتلك شيئاً منه-جزءً منه، كما كان.

بعد عشرة أيام، هربت شهرزاد من المدرسة مجدداً وقامت بزيارة ثانية إلى منزل الفتى. كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً. كما الرمة السابقة، التقطت المفتاح من تحت الممسحة وفتحت الباب. كانت غرفته هذه المرة أيضاً مرتبة ترتيباً لا تشوبه شائبة. بادئ ذي بدء، اختارت قلماً متهالكاً ومتروكاً من كثرة استعماله، وبحذر وضعته في حقيبة أقلامها. ومن ثم بحذر شديد استلقت على سريره، وشبكت يديها على صدرها، وراحت تنظر إلى السقف. إنه السرير الذي ينام عليه كل ليلة. تفكيرها هذا جعل دقات قلبها أسرع، وبدا تنفسها بشكل طبيعي أمراً صعباً. لم تكن رئتاها تمتلئان بالهواء وحنجرتها جافة كعظمة، ما جعل الألم رفيق كل نفس.

نهضت شهرزاد من على السرير، رتبت الأغطية، وجلست على الأرض، كما فعلت في زيارتها الأولى. نظرت مجدداً إلى السقف. أنا لست مستعدة تماماً لسريره، قالت لنفسها. لا يزال ذلك متخطياً لقدراتي.

أمضت شهرزاد هذه المرة نصف ساعة في المنزل. أخرجت دفاتر ملاحظاته من الدرج ومضت تتصفحه. وجدت تقريراً عن كتاب فقرأته. كان عن رواية “كوكورو” لسوزكي ناتسومي، وظيفة القراءة لذلك الصيف. خط يده كان جميلاً، كما هو متوقع من طالب متفوق، ليس هناك خطأ أو سهو في أي مكان. كانت الدرجة عليه ممتاز. ماذا يمكن أن تكون غير ذلك؟ أي معلم سيقابل خطاً بهذا الكمال سوف يمنحه تلقائياً درجة ممتاز، سواء أزعج نفسه بقراءة سطر واحد أم لم يفعل.

انتقلت شهرزاد إلى خزانة الأدراج، متفحصة محتوياتها بالترتيب. ثيابه الداخلية، وجواربه. قمصانه وبناطليه. لباسه الخاص بكرة القدم. كانت كلها مطوية بإتقان. لا شيء ملطخ أو مهترئ. هل هو من قام بطيها؟ أو أن الاحتمال الأكبر ، أن أمه قد قامت بذلك؟ شعرت بوخز من الغيرة تجاه أمه، التي يمكنها أن تقوم بتلك الأشياء من أجله كل يوم.

انحنت شهرزاد واشتمت الثياب في الأدراج. كان لها رائحة الغسيل المنعشة وعبق الشمس. أخرجت قميصاً ذو لون رمادي خالص، فردته وضغطته على وجهها. ألا يمكن أن تكون نفحة من عرقه بقيت تحت الذراعين؟ لكن لم يكن هناك من أثر. ومع ذلك، أبقته هناك لبعض الوقت، تستنشقه بأنفها. لقد أرادت أن تبقي القميص لنفسها. لكن ذلك سيكون مخاطرة كبيرة. كانت ثيابه مرتبه ومثبتة بدقة كبيرة. ربما يعرف هو (أو أمه) العدد الدقيق لقمصانه في الدرج. إذا ما فقد أحدها، قد تثار ضجة كبيرة. أعادت شهرزاد بحذر طي القميص ووضعته في مكانه الصحيح. بدلاً منه، أخذت شارة صغيرة شكلها يشبه كرة القدم وجدتها في درج من أدراج المكتب. بدا أنها تعود لفريق من سنوات مدرسته الابتدائية، شكّت أنه سيفتقدها. أو على أقل تقدير، سيمر وقت قبل أن يلحظ غيابها، وبينما كانت عنده، تفحصت الدرج السفلي للمكتب بحثاً عن السدادة القطنية. كانت لا تزال هناك.

حاولت أن تتخيل ما قد يحصل إذا ما اكتشفت والدته السدادة. ماذا ستفكر؟ هل ستطلب منه شرحاً عما تفعله السدادة في مكتبه؟ أو أنها ستحفظ سر اكتشافها مدورهً شكوكها المظلمة في رأسها مراراً وتكراراً، لم يكن لدى شهرزاد أي فكرة. لكنها قررت أن تدع السدادة حيث كانت، ففي النهاية لقد كانت فعلتها الأولى.

لتحيي ذكرى زيارتها الثانية، تركت شهرزاد خلفها ثلاث ضفائر من شعرها. كانت قد انتزعتها في الليلة السابقة، ولفتها في لفة بلاستيكية، ووضعتها في مغلف صغير. الآن أخذت المغلف من حقيبة ظهرها، زلقته في واحد من دفاتر الرياضيات القديمة في درجه. كانت الشعرات الثلاث مستقيمة وسوداء وليست طويلة جداً ولا قصيرة جداً. ما من أحد سيعرف لمن كانت بدون إجراء فحص الحمض النووي، ولو أنه كان واضحاً أنها تعود لفتاة.

غادرت منزله وتوجهت مباشرة إلى المدرسة، لتصل في الوقت المناسب لصفها الأول ذلك الأصيل. مرة ثانية، كانت مسرورة لمدة ما يقارب عشرة أيام. شعرت بأنه أصبح لها بشكل أكبر. لكن كما قد تتوقع، هذه السلسلة من الأحداث لن تنتهي من دون حادث طارئ لأنه كما قالت شهرزاد، التسلل إلى بيوت الآخرين يسبب الإدمان بشكل كبير.

عند هذه المرحلة في القصة شهرزاد ألقت بنظرة على الساعة التي بجانب السرير ورأت أنها قد صارت 4:32 عصراً. عليَّ الذهاب، قالت. كما لو أنها تحدّث نفسها. قفزت من السرير وارتدت سروالها الداخلي الأبيض، علقت حمالة صدرها، وانزلقت في بنطالها الجينز، وجذبت قميصها النيلي اللون من ماركة “نيكي” من رأسها، ومن ثم غسلت يديها في الحمام، سرحت شعرها بفرشاة، وانطلقت بسيارتها المازدا الزرقاء. متروكاً بلا شيء لفعله على وجه الخصوص، استلقى هابارا في السرير وأنعم النظر في القصة التي أخبرته إياها لتوها، مستمتعاً بها على مهل، مثل بقرة تجتر طعامها. أين هي وجهتها؟ تساءل. كما هي كل قصصها، لم يكن لديه فكرة. وجد أنه من الصعب تصور شهرزاد طالبة في المدرسة الثانوية. هل كانت نحيلة حينها، خالية من التهدلات التي تحملها اليوم؟ لباس مدرسي، جوارب بيضاء، شعرها مجدول؟

لم يكن قد انتابه الجوع بعد، لذا فقد أجّل تحضير الطعام وعاد إلى الكتاب الذي كان يقرأه، ليجد أنه لا يستطيع التركيز. صورة شهرزاد تتسلل إلى غرفة زميلها في الصف وتدفن وجهها في قميصه كانت طازجة جداً في عقله. كان متشوقاً لسماع بقية القصة.

كانت زيارة شهرزاد التالية إلى المنزل بعد ثلاثة أيام، وقد انقضت عطلة نهاية الأسبوع. أتت كما دائماً تحمل أكياساً ورقية كبيرة متخمة بالمؤن. راحت تعاين الأغذية في الثلاجة، مستبدلة كل شيء انتهت مدة صلاحيته، كما تفحصت المعلبات والزجاجات في الخزانة، ومؤونة البهارات والتوابل، لترى ما الذي على وشك الانتهاء، وكتبت قائمة التسوق. وضعت بعض زجاجات المياه المعدنية في الثلاجة لتبرد. أخيراً، كوّمت بعض الكتب الجديدة وأقراص الفيديو التي جلبتها معها على الطاولة.

هل هناك شيء آخر تحتاجه أو تريده؟

لا شيء يخطر على بالي، أجاب هابارا.

ثم كما في كل مرة، ذهبا إلى السرير ومارسا الجنس، بعد قدر مناسب من المداعبات، زلق واقيه الذكري، وولجها، وبعد قدر مناسب من الوقت، قذف. بعد إلقاء نظرة محترفة على محتويات واقيه، بدأت شهرزاد بالدفعة الأخيرة من قصتها.

كما من قبل، شعرت بسعادة وامتلاء لمدة عشرة أيام بعد تسللها الثاني. أخفت شارة كرة القدم بعيداً في حقيبة أقلامها، ومن وقت لآخر كانت تتحسسها أثناء الدرس. قضمت القلم الذي أخذته ولحست رأسه. طوال الوقت كانت تفكر بغرفته. فكرت بمكتبه، السرير حيث ينام، خزانة الأدراج المحشوة بثيابه، سراويله القصيرة الناصعة البياض، والسدادة والثلاث ضفائر التي أخفتها في درجه.

لقد فقدت كل اهتمام بوظائفها المدرسية. في الصف، أيضاً عبثت بالشارة والقلم وانغمست في أحلام اليقظة. عندما كانت تعود إلى البيت، لم تكن في حالة ذهنية مناسبة لحل وظائفها. لم تكن علامات شهرزاد المدرسية تعاني من مشكلة أبداً. لم تكن طالبة متفوقة لكنها كانت فتاة جدية تنجز مهامها دوماً. لذا فعندما نادى عليها معلمها في الصف، لم تكن قادرة على تقديم جواب مناسب، بينما كان المعلم مشوشاً أكثر مما هو غاضب. أخيراً، دعاها إلى غرفة المعلمين أثناء استراحة الغداء. ماهي المشكلة. سألها. هل هناك ما يزعجك؟ استطاعت فقط أن تهمهم بشيء مبهم عن شعورها بأنها ليست على ما يرام. سرها كان ثقيلاً جداً ومظلماً بحيث لن تتمكن من كشفه إلى أي كان-كان عليها أن تحمله وحدها.

عليَّ أن أواصل التسلل إلى منزله، قالت شهرزاد. كنت مضطرة إلى ذلك. كما يمكنك أن تتخيل، لقد كان خطراً جداً. حتى أنا يمكنني رؤية ذلك. عاجلاً أم آجلاً، شخص ما سيجدني هناك وسيتم استدعاء الشرطة، الفكرة أخافتني حتى الموت لكن ما أن بدأت الكرة بالتدحرج لم يكن هناك من طريقة لإيقافها. بعد مرور عشرة أيام من زيارتي الثانية، لم يكن لدي من خيار وهكذا مضيت إلى هناك مجدداً. أحسست بأني إذا لم أفعل سأنتهي نهاية قاتمة. والعودة إلى الماضي، تهبني شعوراً بأني على شيء من الجنون.

ألم يتسبب لك هذا بمشاكل في المدرسة، بسبب الهرب من الصف على الأقل؟ سأل هابارا.

كان والدي منشغلان جداً بعملهما، ما منعهما من منحي كثير اهتمام. لم أتسبب أبداً بأي مشكلة من قبل، لم أتحدَ سلطتهما مطلقاً. وهكذا فقد اتبعا أسلوب عدم التدخل بوصفه الأفضل، كما أن تزييف الرسائل الموجهة من المدرسة كان بمنتهى السهولة. لقد شرحت لمعلمي أن لدي مشكلة صحية تتطلب مني قضاء نصف اليوم في المستشفى من وقت لآخر. طالما أن المعلمين كانوا منشغلين بما عليهم فعله تجاه الأولاد المتغيبين لزمن طويل، فلم يكونوا منشغلين كثيراً بقضائي نصف يوم من حين لآخر.

ألقت شهرزاد نظرة سريعة على الساعة بجانب السرير قبل أن تكمل.

أخذت المفتاح من تحت البساط ودخلت المنزل للمرة الثالثة. لقد كان هادئاً كما من قبل-لا، حتى أكثر هدوءً لسبب أجهله. لقد انتفضت حين دارت الثلاجة- بدت مثل وحش كبير يتنهد. رن الهاتف عندما كنت هناك. كان صوت الرنين عالياً جداً ومزعجاً حتى أني حسبت قلبي سيتوقف، وبللني عرقي. لم يرد أحد على الهاتف بالطبع، وتوقف بعد حوالي عشر رنات، وأمسى المنزل أكثر هدوءاً بعدئذ.

أمضت شهرزاد وقتاً طويلاً ممددة على سريره ذلك اليوم. لم يخفق قلبها هذه المرة بعنف شديد، وكانت قادرة على التنفس بشكل طبيعي. استطاعت أن تتخيله نائماً بسلام إلى جانبها، وانتابها احساس بأنها تراقبه وهو نائم. لقد شعرت بذلك، وأنها إذا ما مدّت يدها فبإمكانها أن تلمس ذراعه المفتول. هو لم يكن هناك بالقرب منها، بالطبع. كانت مستغرقة فقط في غشاوة أحلام اليقظة.

راوادها توق لا يقاوم لكي تشمه. نهضت من السرير ومشت نحو خزانة الأدراج، فتحت واحداً، وتفحصت القمصان. كانت كلها مغسولة ومطوية بعناية. كانت نقية وخالية من الرائحة تماماً مثلما كانت سابقاً.

ومن ثم لمعت في رأسها فكرة، ومضت تسابق نفسها على الدرج متوجهة إلى الطابق الأول. هناك في الغرفة المجاورة للحمام، وجدت سلة الغسيل وأزالت الغطاء، كانت الثياب المتسخة لأفراد العائلة الثلاثة مختلطة، ثياب الأم، والابنة، والابن. مظهرها يوحي أنه مضى عليها يوم واحد. أخرجت شهرزاد قطعة ثياب رجالية. قميص أبيض بياقة بحار. تنشقته. رائحة الشاب واضحة. نفس العفونة التي اشتمتها من قبل عندما كان رفيقها بالقرب منها. ليس العطر المتألق بالتأكيد. لكن حقيقة أن هذه الرائحة كانت له جعلت شهرزاد في فرح لا حد له. عندما وضعت أنفها بالقرب من الابطين واشتمت، شعرت كما لو أنها كانت في حضنه، ذراعاه تلفانها بشدة.

صعدت شهرزاد الدرج إلى الطابق الثاني، و القميص في يدها، واستلقت على سريره مرة ثانية. دفنت وجهها في قميصه وتنشقته بنهم. وها قد بدأت تشعر بإحساس خائر في الجزء السفلي من جسدها. كانت حلمتاها تتصلبان أيضاً. هل يمكن أن تكون دورتها الشهرية في طريقها؟ لا، لقد كان الوقت مبكراً جداً. هل كانت هذه رغبة جنسية؟ إذا كانت كذلك فماذا بإمكانها أن تفعل حيالها؟ لم يكن لديها أي فكرة. الأمر الوحيد الذي كانت متأكدة منه أنه ليس بالإمكان فعل أي شيء في ظل هكذا ظروف. ليس هنا في غرفته، على سريره.

في النهاية، قررت شهرزاد أن تأخذ القميص معها. كانت مخاطرة بالتأكيد. كان من المحتمل أن تكتشف أمه اختفاء القميص. حتى لو لم تدرك أنه مسروق، ستظل تتساءل عن غيابه. أي أم تحافظ على نظافة منزلها بهذا الشكل، كان لا بد أن تكون مهووسة بحق. عندما يفقد شيء، فإنها تنبش المنزل ويمسي عاليه سافله، مثل كلب بوليسي، حتى تجده. بلا شك ستكتشف آثار شهرزاد في غرفة ابنها الغالي. لكن حتى ومع إدراك شهرزاد ذلك، لم ترغب أن تفارق القميص. فقد كان عقلها عاجزاً عن إقناع قلبها.

عوضاً عن ذلك، بدأت تفكّر بما ستتركه خلفها. بدا سروالها الداخلي الخيار الأفضل. كان من نوع عادي، بسيطاً، جديداً نسبياً، ونظيفاً ارتده صباح اليوم. كان باستطاعتها أن تخفيه داخل خزانته في موضع قصي. هل من بديل آخر أكثر ملائمة لتتركه خلفها؟ لكن عندما خلعته كان رطباً. أظن أن هذا سببه الرغبة، راحت تفكر. سيكون من الصعب ترك شيء ملوث برغبتها في غرفته. لن تهين سوى نفسها. لبسته مجدداً وبدأت بالتفكير بشيء آخر تتركه.

قطعت شهرزاد قصتها. مضى وقت طويل ولم تنبس بكلمة. استلقت بجوار هابارا تتنفس بهدوء وعيناها مغمضتان. اقتدى بها منتظراً منها أن تتابع.

فتحت عينيها أخيراً وتكلمت. هيه سيد هابارا، قالت. لقد كانت المرة الأولى التي تخاطبه فيها باسمه.

نظر هابارا إليها.

هل باستطاعتنا أن نفعلها مرة ثانية؟

من الممكن تدبر ذلك، قال.

وهكذا مارسا الحب ثانية. ولو كان هذه المرة مختلفاً جداً عن المرة السابقة. عنيفاً، عطوفاً ومستغرقاً وقتاً طويلاً. كانت نشوتها في النهاية لا لبس فيها. سلسلة من تشنجات قوية تركتها ترتجف. حتى وجهها كان متشنجاً. بدا ذلك بالنسبة لهابارا كما لو أنه وقع على ملمح موجز مما كانت عليه شهرزاد في شبابها: كانت المرأة التي بين ذراعيه الآن فتاة مشوشة بعمر السابعة عشرة من عمرها، وقعت في شراك جسد ربة بيت في الخامسة والثلاثين. صار هابارا يجدها هناك، عيناها مغمضتان، جسدها يرتعد، بينما تتنشق ببراءة عطر عرق الفتى على قميصه.

هذه المرة، لم ترو له شهرزاد قصة بعد الجنس. ولم تتفحص محتوى الواقي الذكري. استلقيا هناك بهدوء جنباً إلى جنب. كانت عينيها مفتوحتين باتساع، وكانت تحدق في السقف مثل ثعبان البحر الذي يحدق إلى أعلى نحو سطح المياه البراق. كم سيكون رائعاً، فكر هابارا، إذا ما استطاع هو أيضا أن يسكن زماناً ومكاناً آخرين. تاركاً هذا الكائن الوحيد، المحدد بوضوح، المسمى نوبوتاكا هابارا خلفه، ويصبح ثعبان بحر بلا اسم. تصور نفسه وشهرزاد جنباً إلى جنب، ممصاتهما ملتصقة بالصخرة، أجسادهما تتموج في التيار، يحدقان في السطح وهما ينتظران مرور السلمون المكتنز سابحاً باعتداد بنفسه.

إذن فما الذي تركتِه بدلاً عن القميص، كسر هابارا الصمت.

لم تجب في الحال.

لا شيء، قالت أخيراً. لا شيء آخذه معي يمكن أن يضاهي ذلك القميص المحمّل برائحته. لذا فقد أخذته وتسللت خارجة. وفي هذا الوقت صرت لصة بريئة، لصة بسيطة.

عندما عادت شهرزاد بعد أحد عشر يوماً إلى منزل الفتى للمرة الرابعة، كان هناك قفل جديد على الباب الأمامي، لونه ذهبي يلتمع في شمس الظهيرة كما لو أنه يتباهى بثباته العظيم. ولم يكن هناك مفتاح تحت البساط. من الواضح أن شكوك أمه قد استثيرت مع فقدان القميص، ولابد أنها بحثت عنه في كل مكان، مصادفة علامات أخرى تشير إلى شيء غريب يحدث في منزلها. غرائزها كانت سديدة، رد فعلها سريع.

أصيبت شهرزاد بالخيبة جراء هذا التطور، لكنها شعوراً بالراحة رافقها في الوقت نفسه. كان ذلك كما لو أن شخصاً وقف خلفها وازاح ثقلاً كبيراً عن كاهلها. هذا يعني أن عليّ عدم اقتحام هذا المنزل، فكرت. لم يكن هناك شك بأنه لو لم يتم تغيير القفل، فإن اجتياحاتها ستتواصل بلا حدود. ولا كان هناك أي شك بأن تصرفاتها ستتصاعد مع كل زيارة. أخيراً، سيظهر عضو من العائلة وهي في الطابق الثاني. وسوف لن يكون هناك وسيلة للهرب، ما من طريقة لتخرج نفسها من ورطتها، هذا هو المستقبل الذي ينتظرها عاجلاً أم آجلاً، بالنتيجة ستكون مدمرة. الآن استطاعت تفاديه، ربما عليها أن تشكر أمه -ولو أنها لم تلتق المرأة أبداً-لأن لها عينان كعيني الصقر.

كانت شهرزاد تتنشق شذى قميصه في كل ليلة قبل أن تأوي إلى السرير. تنام وهو بالقرب منها. تغطيه بورقة وتخفيه قبل أن تمضي إلى المدرسة في الصباح. ومن ثم تجذبه بعد العشاء، لتلامسه وتتنشقه. لقد قلقت من أن رائحته قد تتلاشى مع مرور الأيام، لكن هذا لم يحصل، رائحة عرقه تخللت القميص جيداً.

لم يعد الآن وارداً إقدامها على مزيد من الاقتحامات، بدأت حالة شهرزاد العقلية بالعودة ببطء إلى طبيعتها. وأمست أحلام اليقظة التي تراودها في الصف أقل، وبدأت تدوين ما يقوله معلمها. مع أن تركيزها الرئيسي لم يكن على صوت معلمها، لكن على سلوك زميلها. أبقت عينها عليه بهدوء، محاولة التقاط أي تغيير، أي إشارة على الإطلاق قد تبدو عصبية نحو شيء ما. لكن كل شيء كان كما عهدها به، يرمي برأسه إلى الخلف ويضحك ببساطة كما دائماً، ويجيب فوراً عندما يستدعى، يصيح بصوت عال في تمرين كرة القدم ويتعرق. لم تستطع أن تقتفي أثر أي شيء غير عادي-لم يكن إلا شاب مستقيم يعيش حياة صافية كما يبدو.

ومع ذلك عرفت شهرزاد أمراً مظللاً غير بادٍ عنه. أو ما يشبه ذلك. ما من أحد ربما يعرفه غيرها. هي وحدها (ولنفكر فيه، ربما أمه). ففي ثالث يوم تسللت فيه صادفت عدداً من المجلات الإباحية مخفية ببراعة في أقصى مكان في خزانته. كانت ملأى بصور نساء عاريات، يفردن سيقانهن متيحات مشاهد سخية لأعضائهن. بعض الصور جسدت العملية الجنسية: رجال يدخلون قضبانهم الطويلة في أجساد نساء في أكثر الوضعيات غرابة. لم تقع عينا شهرزاد أبداً على صور كهذه من قبل. جلست إلى مكتبه وقلبت ببطء صفحات المجلات متفحصة كل صورة باهتمام كبير. خمنت أنه كان يستمني أثناء رؤيته لها، لكن الفكرة لم تصدمها باعتبارها غريبة بشكل خاص، لقد تقبلت الاستمناء باعتباره نشاطاً عادياً تماماً، لا بد لكل ذلك المني أن يذهب إلى مكان ما، تماماً مثل الفتيات اللاتي لديهن الدورة الشهرية، بتعبير آخر، لقد كان مراهقاً نموذجياً، ليس بطلاً ولا قديساً. وجدت شيئاً من الراحة في معرفة ذلك.

مع توقفي عن التسلل، بدأ شغفي به يبرد تدريجياً، تماماً مثل المد وهو ينحسر عن شاطئ مترامٍ ومنحدر، إلى أن وجدت نفسي من دون سابق إنذار أقلل من تنشق قميصه، وأمضي وقتاً أقل في الاهتمام بقلمه، وشارته. لقد تخففت من الحمى. وما كان يحاصرني لم يكن شيئاً أشبه بالمرض، بل حقيقة. وكان يمنعني من التفكير السليم طالما هو معي. ربما مرّ كل إنسان بفترة مجنونة مماثلة، أو قد يكون أمراً حدث لي أنا فقط. ماذا عنك هل عشت شيئاً كهذا في حياتك؟

حاول هابارا التذكر، لكنه لم ينجح. لا، لا شيء بهذه الشدة، لا أظن، قال.

بدت شهرزاد محبطة بعض الشيء من رده.

على أي حال. عندما تخرجت، نسيت بسرعة وسهولة كل شيء عنه. كان ذلك غريباً. ما الذي كان عليه ليقع لي ذلك وأنا بعمر السابعة عشرة؟ لا أستطيع التذكر، رغم محاولاتي الكثيرة. الحياة غريبة، أليس كذلك؟ يمكن لك أن تكون مفتوناً كليا بشيء ما في دقيقة، تكون راغباً بالتضحية بكل شيء ليكون ملكاً لك، لكن بعد مرور وقت قصير، أو تغير وجهة نظرك قليلاً، حتى تصاب بصدمة تلاشي هذا الوهج بشكل مفاجئ كلياً. ما الذي كنت أتطلع إليه؟ تتساءل. إذن فهذه هي قصتي عن فترة ” الاقتحام والدخول”.

لقد جعلت ذلك يبدو كما المرحلة الزرقاء في أعمال بيكاسو ، فكّر هابارا. لكنه استوعب ما كانت تحاول إيصاله.

نظرت إلى الساعة المجاورة للسرير، وقد وقت مغادرتها قد اقترب.

دعني أخبرك الحقيقة، قالت أخيراً. القصة لم تنتهِ هناك، بعد عدة سنوات عندما كنت في سنتي الثانية في مدرسة التمريض، ضربة غريبة من القدر جمعتنا مجدداً، لعبت أمه دوراً كبيراَ في ذلك، في الواقع كان الأمر غريباً. لقد كان قصة من قصص الأشباح القديمة تلك، أخذت الأحداث منحى لا يصدق. هل تحب سماعها؟

أحب ذلك، قال هابارا.

من الأفضل أن أنتظر حتى زيارتي المقبلة، قالت شهرزاد. تأخر الوقت ، عليَّ التوجه إلى البيت وإعداد العشاء.

نهضت من السرير وارتدت ملابسها، السروال، الجوارب، قميصها الداخلي، أخيراً تنورتها وقميصها الخارجي. راقب هابارا من السرير حركاتها كيفما اتفق. لقد أعجبته الطريقة التي تلبس بها المرأة ملابسها، والتي يمكن أن تكون أكثر إثارة للاهتمام من الطريقة التي تخلعها بها.

أي كتب بعينها تود مني أن آتيك بها، سألت وهي تخرج من الباب.

لا، لا يتبادر إلى ذهني شيء، أجاب. ما رغب به حقاً، كان أن تخبره بقية القصة. لكن لن يفصح عن ذلك، فهذا الفعل قد يعرض للخطر حظوظه في سماعها.

ذهب هابارا إلى السرير تلك الليلة، وفكر بشهرزاد. ربما هو لن يراها ثانية أبداً، هذا ما شغله. كان الاحتمال جد حقيقي. لا شيء ذو طبيعة شخصية-لا تعهد، لا تفاهم ضمني-يجمعهما معاً. كانت علاقتهما علاقة بالصدفة صنعها شخص آخر، وقد يتم إنهاؤها وفقاً لرغبة ذلك الشخص، بمعنى آخر كانا مربوطين بخيط واهٍ، لقد كان من المحتمل، لا، من المؤكد-أن ذلك الخيط سينقطع في النهاية، و كل المرويات الغريبة و الغير مألوفة التي يجب أن تقال، ستكون مفقودة بالنسبة إليه، السؤال الوحيد كان متى.

لقد كان وارداً أيضاً أنه قد يحرم في مرحلة ما من حريته كلياً، وليست شهرزاد فقط، ستختفي كل النساء من حياته، ولن يكون بمقدوره الدخول إلى رطوبة أجسادهن الدافئة. لن يكون بالمتناول مجدداً أن يشعر بقشعريرتهن بالمقابل، وقد كانت خسارة اللحظات الحميمة المشتركة احتمالاً أكثر بؤساً لهابارا من انقطاع النشاط الجنسي. وما قدّمه له الزمن الذي أمضاه مع النساء، كان كامناً في احتضان الواقع له من ناحية، ونكرانه كلياً من ناحية أخرى. هذا ما قدمته شهرزاد له بسخاء، وهي صاحبة موهبة لا تنضب، ترقب الفقد جعله أكثر حزناً.

أغمض هابارا عينيه وتوقف عن التفكير بشهرزاد، واستعاض عنها بثعابين البحر. بالمخالب التي تلصقها على الصخرة، متوارية بين أعشاب الماء، تتأرجح جيئةً وذهاباً في التيار. تخيل أنه واحد منهم يترقب ظهور أسماك السلمون. لكن لم تمر أي سمكة سلمون، وما عاد مهماً كم انتظر من الوقت، ما كان هناك من سلمون مكتنز أو سلمون هزيل، لم يكن هناك من أسماك سلمون على الاطلاق. أخيراً غربت الشمس وكان عالمه يتلاشى في الظلام.

شهرزاد | هاروكي موراكامي
ترجمة: أماني لازار

كانت بعد كل مرة يمارسان فيها الجنس، تروي لهابارا قصة غريبة مشوّقة. مثلها مثل الملكة شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”. ولو أن هابارا بخلاف الملك بالطبع، لم يكن ينوي قطع رأسها في صباح اليوم التالي. (هي لم تبق معه أبداً حتى الصباح بأي حال.) حكت لهابارا القصص لأنها كانت ترغب بذلك، لأنها كما خمن، تستمتع بالاسترخاء في السرير والتحدث إلى رجل أثناء تلك اللحظات الحميمة الواهنة، بعد ممارسة الحب. وربما لأنها تمنت أيضاً أن تروّح عن هابارا الذي كان عليه أن يمضي الأيام حبيس البيت.

لهذا السبب، أطلق هابارا على المرأة لقب شهرزاد. هو لم يستعمل الاسم مطلقاً في حضورها، لكنه كان يشير به إليها في مذكرات صغيرة احتفظ بها. “جاءت شهرزاد اليوم،” دوّن بقلم حبر جاف. ومن ثم سجل خلاصة قصة ذلك اليوم بتعابير بسيطة وخفية ليكون على ثقة من إرباك أي شخص قد يقرأ اليوميات لاحقاً.

لا يعلم هابارا فيما إذا كانت قصصها حقيقية، مبتدعة، أو حقيقية في جزء منها ومبتدعة في آخر. لم تكن لديه وسيلة لمعرفة ذلك. بدا أن كلّ من الواقع والافتراض، الملاحظة والخيال الصرف مختلطون معاً في رواياتها. وبالتالي استمتع هابارا بها كما قد يحصل لطفل، من دون الكثير من التشكيك. ما الذي يمكن للاختلاف الجائز أن يصنع له، في آخر الأمر، إذا ما كانت حقيقة أم أكاذيباً أو مزيجاً معقداً من الاثنين.

على كل حال، كان لشهرزاد موهبة رواية القصص المؤثرة. لا يهم ما هو نوع تلك القصة، فقد جعلت منها قصة مميزة. صوتها، توقيتها، سرعتها، كانت كلها بلا شائبة. لقد استولت على انتباه مستمعها، مستثيرة إياه، تقوده إلى التفكير والتخمين، ومن ثم في النهاية تقدّم له تماماً ما كان ينشده. مسحوراً، كان هابارا قادراً على نسيان الواقع المحيط به حتى ولو للحظة. لقد أزيلت عنه المخاوف من الذكريات السيئة، مثل سبورة سوداء ممسوحة بقماشة مبللة. من يمكنه أن يطلب أكثر؟ في تلك اللحظة من حياته، كان هذا النوع من النسيان ما يتمناه هابارا أكثر من أي شيء آخر.

كانت شهرزاد في الخامسة والثلاثين من عمرها، تكبر هابارا بأربع سنوات، ربة منزل متفرغة ولها طفلان في المدرسة الابتدائية (ومع ذلك كانت أيضاً ممرضة مرخصة، وعلى ما يبدو كانت تستدعى للعمل بين الحين والآخر). كان زوجها ممثلاً نموذجياً لشركة. كان بيتهما على بعد عشرين دقيقة من بيت هابارا. هذه كانت كل المعلومات الشخصية التي قدمتها تقريباً. لم يكن لهابارا وسيلة للتأكد من أي منها، لكنه لم يتمكن من التفكير بأي مبرر للشك بها. هي لم تكشف عن اسمها أبداً. ” ليس لك حاجة بمعرفته، أليس كذلك؟ “سألت شهرزاد. وهي أيضاً لم تسمي هابارا باسمه أبداً، ولو أنها بالطبع تعرفه، لكنها تجنبت الاسم بحكمة واضحة، كما لو أنه سيجلب بطريقة ما النحس أو سيكون من غير المناسب أن تنبس به شفتاها.

ظاهرياً، على الأقل، لم يكن لشهرزاد هذه شيئا مشتركاً مع الملكة الجميلة في “ألف ليلة وليلة.” كانت في طريقها إلى خريف العمر، وبالفعل كان لغداها وخطوط النسيج المحيط بزوايا عينيها آخذة بالتهدل. لم تكن تسريحة شعرها، زينتها، وطريقتها في اللباس تخلو من العناية تماماً، ولا كان من المحتمل أن تلقى أي إطراء أيضاً. لم تفتقر سماتها للجاذبية لكن وجهها كان ينقصه الاهتمام، وبالتالي كان الانطباع الذي تتركه مبهماً. وبالنتيجة، ربما لفتت قليلاً انتباه هؤلاء الذين ساروا بمحاذاتها في الشارع، أو شاركوها نفس المصعد. ربما كانت قبل عشر سنوات امرأة شابة جذابة وحيوية، ربما تكون أيضاً قد جذبت انتباه بعض الأشخاص. لقد أسدلت في مرحلة ما من عمرها الستائر على ذلك الجزء من حياتها وبدا من غير المرجح أن تُرفع ثانية.

كانت شهرزاد تأتي لرؤية هابارا مرتين أسبوعياً. لم تكن أيامها ثابتة، لكنها لم تأت أبداً في نهاية الأسبوع. لا شك أنها أمضت ذلك الوقت مع عائلتها. كانت تتصل دائماً قبل ساعة من قدومها. تشتري الخضار من متجر محلي وتجلبها له بسيارتها، “مازدا” صغيرة زرقاء “هاتشباك”. موديل قديم، كان فيها انبعاج في المصد الخلفي وعجلاتها مسودة بالسخام. تركنها في المساحة المخصصة للمنزل، تحمل الأكياس إلى الباب الأمامي وترن الجرس. بعد النظر من ثقب الباب سوف يفتح هابارا القفل، ويحل السلسلة، ويدعها تدخل. في المطبخ سوف تفرز الخضار وترتبها في الثلاجة. ومن ثم تصنع قائمة بالأشياء التي يتوجب عليها شراؤها في الزيارة المقبلة. كانت تنجز هذه المهمات بمهارة، بالحد الأدنى من الحركات المهدرة، بالقليل من الكلام أثناء ذلك.

عندما تنتهي، سينتقلان معاً إلى غرفة النوم بصمت، كما لو أنهما محمولان إلى هناك على تيار غير مرئي. تنزع شهرزاد سريعاً ملابسها وتبقى صامتة، منضمة إلى هابارا في السرير. هي بالكاد تتكلم أثناء ممارستهما الحب، كما أنها تؤدي كل فعل كما لو أنها تكمل مهمة. عندما كانت حائضة، استعملت يدها لتصل إلى نفس النهاية. رشاقتها، بالأحرى أسلوبها العملي ذكّر هابارا بأنها كانت ممرضة مرخصة.

بعد الجنس، يتمددان في السرير ويتحدثان. وللدقة، هي تتكلم وهو يصغي، مضيفاً كلمة مناسبة هنا، ويطرح سؤالاً عرضياً هناك. عندما تدق الساعة الرابعة والنصف تقطع قصتها (ولسبب ما، تبدو كما لو أنها وصلت ذروة الحكاية)، تقفز من السرير، تلملم ثيابها، وتجهز نفسها للمغادرة. عليها الذهاب إلى البيت، لتحضير العشاء، تقول.

سيرافقها هابارا إلى الباب، ويعيد السلسلة إلى مكانها، ويراقب من خلال الستائر السيارة الصغيرة الزرقاء المكسوة بالسخام وهي تبتعد. عند الساعة السادسة، يصنع عشاءً بسيطاً ويتناوله بمفرده. لقد عمل مرة طاهياً، لذا فتحضير الوجبات لم يكن بتلك الصعوبة. يشرب مياهاً معدنية فوارة مع عشائه (هو لم يقرب الكحول أبداً) ويتبعه بكوب من القهوة، الذي يرتشفه أثناء مشاهدته لفيلم على “دي في دي” أو وهو يقرأ. لقد أحب الكتب الطويلة، بخاصة تلك التي كان عليه قراءتها مرات عدة كي يفهمها. لم يكن هناك الكثير ليفعله. لم يكن لديه من أحد يتحدث إليه. لا أحد ليتصل به. وليس عنده كمبيوتر، لم يكن لديه طريقة للوصول إلى الانترنت. ما من صحيفة تصله، ولم يشاهد التلفزيون أبداً. (لقد كان هناك سبباً وجيهاً لذلك.) وغني عن القول بأنه لم يكن بإمكانه الخروج. إذا ما كان على زيارات شهرزاد أن تتوقف لسبب ما فسيكون متروكاً وحيداً تماماً.

لم يكن هابارا شديد الانشغال بهذا الاحتمال، سيكون أمراً صعباً إذا ما حدث ذلك، فكّر، لكنني سأتجاوزه بطريقة أو بأخرى. أنا لست متروكاً على جزيرة معزولة. لا، فكّر، أنا جزيرة معزولة. كان كثيراً ما يرتاح إلى كونه وحيداً. وما يزعجه رغم ذلك التفكير في ألا يكون قادراً على التحدث في السرير مع شهرزاد. أو بشكل أكثر دقة، تفويت الحلقة التالية من قصتها.

” كنت ثعبان بحر في حياة سابقة،” قالت شهرزاد ذات مرة، وهما يضطجعان في السرير معاً. كان تعليقاً بسيطاً ومباشراً، مرتجلاً كما لو أنها قد أعلنت بأن القطب الشمالي كان في أقصى الشمال. لم يكن لدى هابارا أدنى فكرة عن أي نوع من المخلوقات كان ثعبان البحر، ناهيك عن شكل الواحد منها. فبالتالي لم يكن لديه رأي خاص في الموضوع.

هل تعرف كيف يأكل ثعبان البحر السلمون؟ سألت.

هو لا يعرف. في الواقع، لقد كانت المرة الأولى التي يسمع بها بأن ثعبان البحر يأكل السلمون.

ثعابين البحر ليس لها مخالب. هذا ما يميزها عن أنواع الحنكليس الأخرى.

ها؟ هل للحنكليس مخالب؟

ألم تلقِ بنظرة إلى واحد منها أبداً؟ قالت متفاجئة.

أنا آكل الحنكليس بين الحين والآخر لكن لم تتح لي الفرصة أبداً لأرى فيما إذا كان لديها مخالب.

حسناً عليك أن تتفحصها في وقت ما. اذهب إلى حوض الأسماك أو مكان ما من هذا القبيل. الحنكليس العادي له مخالب وأسنان. لكن ثعبان البحر ليس لديه سوى ممصات، التي تستعمل للالتصاق بالصخور عند قاع النهر أو البحيرة. ومن ثم يعوم هناك فقط، متموجاً جيئة وذهاباً مثل الأعشاب.

تخيل هابارا مجموعة من ثعابين البحر كما الأعشاب في قاع البحيرة. بدا المشهد بطريقة ما منفصلاً عن الواقع، رغم أن الواقع الذي عرفه يمكن له أحياناً أن يكون غير واقعي بشكل فظيع.

تعيش ثعابين البحر بهذه الطريقة، مختفية بين الأعشاب. مستلقية في حالة انتظار. وعندما يمر السلمون فوقها تنطلق مسرعة نحوه بممصاتها. في داخل ممصاتها هناك تلك الأشياء التي تشبه اللسان مع أسنان، التي تحتك جيئة وذهاباً على بطن السلمون إلى أن تفتح فيه ثغرة وبعدها يمكنها البدء بأكل اللحم شيئاً فشيئاً.

أنا لا أحب أن أكون سلموناً، قال هابارا.

في العصور الرومانية قاموا بتربية ثعابين البحر في برك، وتم رمي العبيد المتعجرفين فيها، لتتغذى عليهم ثعابين البحر أحياء.

فكر هابارا بأنه لن يستمتع في كونه عبداً رومانياً أيضاً.

كانت المرة الأولى التي رأيت فيها ثعبان بحر في المدرسة الابتدائية، في رحلة مدرسية إلى حوض الأسماك، قالت شهرزاد. اللحظة التي قرأت فيها وصفاً لطريقة حياتهم، علمت بأني كنت واحدة منها في حياة سابقة. أقصد يمكنني حقيقة أن أتذكر-كوني مشدودة إلى صخرة، أتأرجح بشكل غير مرئي بين الأعشاب، أحدق بالسلمون السمين وهو يسبح فوقي.

هل يمكنك تذكر أكلك لهم؟

لا، لا يمكنني.

هذا مريح، قال هابارا. لكن هل هذا كل ما تتذكرينه من حياتك كثعبان بحر-تتأرجحين جيئة وذهاباً عند قاع النهر؟

لا يمكن استدعاء الحياة السابقة بتلك الطريقة تماما، قالت. إذا كنت محظوظاً فإنك تحظى بومضة عما كانت عليه. إنها كالتقاط لمحة من ثقب صغير في الجدار. هل يمكنك تذكر أي من حيواتك السابقة؟

لا، ولا أي منها، قال هابارا. والحق يقال، هو لم يشعر أبداً بالرغبة في إعادة النظر في حياة سابقة. كان مشغولاً بالحياة الحالية.

ومع ذلك، فالحال يبدو أنيقاً جداً في قاع البحيرة، رأساً على عقب وفمي ملتصق بصخرة، أراقب الأسماك تعبر من فوق رأسي. رأيت حقيقة سلحفاة كبيرة تعض مرة، أيضاً، شكلاً أسود هائل يعبر مثل السفينة الفضائية الشريرة في حرب النجوم. وطيور كبيرة بيضاء بمناقير طويلة وحادة، من أسفل بدت مثل غيوم بيضاء تعوم عبر السماء.

وأنت بإمكانك رؤية كل هذه الأشياء الآن؟

واضحة وضوح النهار، قالت شهرزاد. الضوء، جذب التيار، كل شيء. أحياناً يمكنني أيضاً أن أعود إلى هناك في بالي.

ما الذي كنت تفكرين به في ذاك الحين؟

نعم؟

بماذا تفكر ثعابين البحر؟

ثعابين البحر تفكر بأفكار تشبه ثعبان البحر. حول موضوعات شبيهة بالثعبان في سياق شديد الشبه بالثعبان. ليس هناك كلمات تشرح هذه الأفكار. إنها تنتمي لعالم الماء. كما كنا في الرحم. كنا نفكر بأشياء هناك، لكن لا يمكننا التعبير عن تلك الأفكار باللغة التي نستعملها هنا. صح؟

انتظري ثانية! يمكنك تذكر ما كان الحال عليه في الرحم؟

بالتأكيد، قالت شهرزاد رافعة رأسها لترى فوق صدره. ألا يمكنك ذلك؟

لا، قال. ليس بمقدوره.

إذن سأخبرك في وقت ما عن الحياة في الرحم.

“شهرزاد، ثعبان بحر، حيوات سابقة” هذا ما سجله هابارا في يومياته ذلك اليوم. كان يشك أن أحداً بإمكانه أن يخمن ما كانت تعنيه الكلمات إذا ما وقعت بيده.

التقى هابارا بشهرزاد أول مرة منذ أربعة أشهر. كان قد تم نقله إلى هذا المنزل في مدينة ريفية شمال طوكيو، وقد تم تعيينها له باعتبارها “علاقة داعمة”، طالما أنه لا يمكنه الخروج، كان دورها شراء المواد الغذائية وغيرها من المواد المطلوبة وجلبها إلى المنزل. هي أيضاً كانت تتولى أمر الكتب أو المجلات التي يرغب بقراءتها، وأية أقراص مدمجة أراد أن يستمع إليها. بالإضافة إلى ذلك فقد اختارت تشكيلة من أقراص الفيديو الرقمية-ولو أنه قد مر بوقت عصيب في قبول معاييرها في الاختيار على هذا الصعيد.

بعد وصوله بأسبوع، أخذته شهرزاد إلى السرير، كما لو كان ذلك الخطوة التالية البديهية. كان هناك واقيات ذكرية على الطاولة الجانبية لدى وصوله. هابارا خمّن أن الجنس واحد من الواجبات الموكلة إليها-أو ربما “نشاطات داعمة”، بحسب التعبير الذي استعملوه. أياً كان المصطلح، وأياً كانت دوافعها، فهو سيمضي مع التيار وقد قبل عرضها من دون تردد.

لم تكن ممارستهما الجنس إلزامية تماماً، و لا يمكن القول أيضاً إن قلبيهما كانا منغمسان في ذلك. بدت حذرة خشية أن يزداد حماسهما-تماماً مثل معلم القيادة الذي لا يرغب لطلابه أن يكونوا متحمسين كثيراً بشأن قيادتهم. حتى وإن لم يصل الجنس إلى الشغف، ولم يكن بالنسبة إليها شبيهاً بالعمل. ربما بدأ الجنس كواحد من واجباتها (أو على الأقل كشيء ما كان مشجعاً بشكل قوي) لكن عند حد معين بدت، وإن باحساس طفيف، أنها وجدت نوعاً من المتعة فيه. تمكن هابارا من معرفة ذلك عبر عدة طرق محددة دقيقة كان جسدها يستجيب من خلالها، التجاوب الذي أبهجه أيضاً. في النهاية هو لم يكن حيواناً برياً مزروباً في قفص، لكنه انسان له حصته من العواطف. وما كان الجنس كافياً بالنسبة إليه لغرض التفريغ الجسدي فقط. كذلك إلى أي حد رأت شهرزاد علاقتهما الجنسية كواحدة من واجباتها، وكم كان ذلك على اتصال بحياتها الشخصية؟ لم يتمكن من معرفة ذلك.

هذا كان ينطبق أيضاً على أشياء أخرى. كثيراً ما وجد هابارا صعوبة في تفسير شعور شهرزاد ومقاصدها. على سبيل المثال، كانت تلبس سراويل داخلية من القطن العادي معظم الوقت، ذلك النوع من السراويل الذي تخيل أن ربات البيوت كن يرتدينه في ثلاثينياتهن دوماً، ولو كان ذلك تخميناً صرفاً إذ لم يكن على معرفة بربات بيوت في ذلك العمر. على أي حال تحولت تلك السراويل إلى سراويل داخلية ملونة، حريرية مزركشة، لماذا بدلت بين الاثنين لم يكن لديه فكرة.

كان الأمر الآخر الذي أربكه، واقعة أن ممارستهما للحب وروايتها للقصص كانتا مرتبطتان بشكل وثيق. ما جعل من الصعب معرفة أين تنتهي الواحدة وأين تبدأ الأخرى. هو لم يجرب أبداً أي شيء من هذا قبلاً: ورغم أنه لم يحبها والجنس كان بين بين، فقد كان شديد الارتباط بها بدنياً، وكل شيء مدعاة للحيرة بعض الشيء.

كنت مراهقة عندما بدأت اقتحام البيوت الفارغة، قالت في أحد الأيام وهما مستلقيان في السرير.

هابارا-كما كان حاله غالباً عندما تروى له القصص-وجد نفسه تعوزه الكلمات.

هل اقتحمت أبداً بيت شخص ما؟ سألت.

لا أظن ذلك، أجاب بصوت جاف.

افعلها مرة ولسوف تدمن.

لكنه عمل غير قانوني.

أنت على حق إنه خطر، لكنك تظل مدمناً مع ذلك.

انتظر هابارا بهدوء حتى تكمل.

أروع شيء في كونك في منزل شخص آخر عندما لا يكون هناك أحد، قالت شهرزاد، إنه كما ينبغي للصمت أن يكون. ما من صوت. مثل أكثر الأمكنة هدوءاً في العالم. هذا ما شعرت به على اي حال، عندما جلست على الأرض وبقيت ساكنة تماماً، حياتي كثعبان بحر عادت إلي. أخبرتك عن كوني ثعبان بحر في حياة سابقة، صح؟

نعم لقد فعلتِ.

حدث ذلك تماماً كالتالي. التصقت ممصاتي بالصخرة تحت الماء، وجسدي يتموج جيئة وذهاباً مثل الأعشاب من حولي. كل شيء هادئ تماماً، ولو كان ذلك لأنني لا أملك أذنين. في أيام مشمسة، سقط ضوء من السطح كالسهم. انجرفت أسماك من كل الألوان والأشكال من الأعلى. وكان عقلي فارغاً من الأفكار. أقصد أفكار ثعبان البحر. كان غائماً ولكن صافياً جداً. كان ليكون مكاناً رائعاً.

كانت شهرزاد تلميذة مستجدة في المدرسة الثانوية حين اقتحمت للمرة الأولى منزلاً، كما أوضحت، وكانت مفتونة افتتاناً جدياً بزميل لها في الصف. وإن لم يكن من النوع الذي يمكن اعتباره وسيماً، فهو طويل وواضح الملامح، طالب مجتهد يلعب في فريق كرة القدم، وكانت منجذبة إليه بقوة. لكنه على ما يبدو كان معجباً بفتاة أخرى في صفهما ولم يمنح شهرزاد أي اهتمام. في الواقع، من الممكن أنه كان غافلاً عن وجودها. ورغم ذلك، لم تستطع أن تتوقف عن التفكير به. كانت مجرد رؤيتها له تبهرها، شعرت أحياناً أنها على وشك أن تتقيأ. فكّرت بأن عليها القيام بشيء في هذا الخصوص، فما لم تفعل فهي ماضية نحو الجنون. لكن الاعتراف بحبها كان أمراً مستبعداً.

في أحد الأيام، هربت شهرزاد من المدرسة وقصدت منزل الفتى. كان على بعد حوالي خمس عشرة دقيقة سيراً على الأقدام من مكان سكنها. كانت قد استبقت ذلك بتحري أمر عائلته. أمه تدرّس اللغة اليابانية في مدرسة في بلدة مجاورة. والده، كان يعمل في شركة إسمنت، قضى في حادث سيارة منذ عدة سنوات. أخته طالبة مستجدة في المرحلة الإعدادية. هذا يعني أن المنزل لا بد أن يكون خاوياً خلال النهار.

من غير المستغرب أن الباب الأمامي كان مقفلاً. تفقدت شهرزاد تحت الممسحة بحثاً عن المفتاح. كما هو متوقع كان هناك واحداً. المجتمعات السكنية الهادئة في المدن الريفية مثل مدينتهم قلّت فيها الجريمة، وكان كثيراً ما يترك مفتاح احتياطي تحت ممسحة أو تحت أصيص للنبات.

زيادة في الحرص، قرعت شهرزاد الجرس، منتظرة لتتأكد من أنه ما من رد، تفحصت الشارع فيما لو كانت مراقبة، فتحت الباب، ودخلت. أغلقت الباب ثانية من الداخل. نزعت حذاءها، وضعته في كيس بلاستيكي وحشرته في حقيبة ظهرها. ومن ثم صعدت الدرج برفق نحو الطابق الثاني.

كانت غرفة نومه هناك، كما تصورت. سريره كان مرتباً بإتقان. هناك على رف الكتب مسجلة صغيرة، مع بضعة أقراص مدمجة. على الجدار روزنامة عليها صورة لفريق برشلونة لكرة القدم، وبالقرب منها ما بدا أنه يشبه علماً لفريق، ولا شيء آخر. ما من ملصقات، لا صور، فقط جدار ملون بلون قشدي. ستارة بيضاء أعلى النافذة. كانت الغرفة مرتبة، كل شيء في مكانه. ما من كتب مبعثرة، ما من ثياب على الأرض. تشهد الغرفة على شخصية ساكنها شديدة التدقيق. أو أم حافظت على منزل مثالي. أو على كليهما. ما جعل شهرزاد متوترة. إذ إن غرفتها مهملة، ما من أحد يمكن أن يلحظ الفوضى القليلة التي قد تصنعها. ولكن في نفس الوقت نظافة الغرفة الشديدة وبساطتها، ترتيبها المثالي، جعلتها سعيدة. لقد كانت تشبهه كثيراً.

جلست شهرزاد على كرسي المكتب لفترة. هذا هو المكان الذي يدرس فيه كل ليلة، فكرت، خفق قلبها. التقطت الأدوات على المكتب واحداً بعد الآخر، جمعتها بين أصابعها، اشتمتها، قربتها من شفتيها. أقلامه، مقصاته، مسطرته، “دبّاسته”-الأشياء الأكثر دنيوية أصبحت بطريقة ما مشعة لأنها كانت له.

فتحت أدراج المكتب وتفحصت بحذر محتوياتها. كان الدرج الأعلى مقسماً إلى أقسام، كل منها احتوى على أشياء متناثرة وتذكارات. الدرج الثاني كان جاروراً صغيراً يكاد يكون ممتلئاً بدفاتر الملاحظات لدروسه الحالية، في حين كان الدرج الذي في الأسفل (الدرج الأكثر عمقاً) ممتلئاً بمجموعة متنوعة من الصحف القديمة، الدفاتر، والامتحانات. تقريباً كل شيء كان متعلقاً بالمدرسة أو بكرة القدم. كانت قد تمنت أن تعثر على شيء ما شخصي-يوميات، ربما، أو رسائل-لكن لم يكن على المكتب شيء من هذا القبيل. ولا حتى صورة. هذا صدم شهرزاد قليلاً باعتباره غير طبيعي إلى حد ما. ألم يكن لديه حياة بعيداً عن المدرسة وكرة القدم؟ أو أنه أخفى بحذر كل شيء من طبيعة خاصة، حيث لا يمكن لأحد العثور عليه؟

ومع ذلك، مجرد الجلوس إلى مكتبه وتمرير عينيها على كتابات بخط يده أثر بشهرزاد بما يعجز الوصف عنه. من أجل أن تهدئ من روعها، نهضت من على الكرسي وجلست على الأرض. نظرت إلى الأعلى نحو السقف. الهدوء المحيط بها كان مطلقاً. بهذه الطريقة عادت إلى عالم ثعابين البحر.

إذن كل ما فعلته، سأل هابارا، كان الدخول إلى غرفته، والمرور على أشيائه، والجلوس على الأرض؟

لا، قالت شهرزاد. كان هناك المزيد. رغبت بأخذ شيء يخصه إلى البيت. شيء ما يستعمله كل يوم أو شيء ما قريب من جسده. لكن لم يكن ممكناً أن يكون شيئاً هاماً قد يفتقده. لذا فقد سرقت واحداً من أقلامه.

قلم واحد؟

نعم. القلم الذي يستعمله. لكن السرقة لم تكن كافية. كان من شأن ذلك أن يجعل منها حالة سطو واضحة. واقعة أنني قمت بذلك ستكون خاسرة. لقد كنت لص حب في آخر الأمر.

لص حب؟ بدا ذلك لهابارا عنوان فيلم صامت.

لذا فقد قررت أن أترك شيئاً ما خلفي في بيته، علامة من نوع ما. دليل على أني كنت هناك. توضيح أن هذا كان تبادلاً، وليست مجرد سرقة. لكن ماذا ينبغي أن يكون؟ لم يخطر في بالي شيء. بحثت في حقيبة ظهري وجيوبي لكني لم أتمكن من ايجاد أي شيء مناسب. ضربت نفسي لأني لم أفكر بجلب شيء مناسب. أخيراً، قررت أن أترك سدادة قطنية . طبعاً، واحدة غير مستعملة، لا تزال في غلافها البلاستيكي. كانت دورتي الشهرية تقترب لذا فقد كنت أحملها معي لأكون في مأمن. أخفيتها في آخر الدرج السفلي، حيث سيكون من الصعب إيجادها. هذا حقيقة أثّر بي. حقيقة أن السدادة كانت مكنوزة في درج مكتبه. ربما لأني كنت مستثارة ما جعل دورتي تبدأ تقريباً بعد ذلك بالحال.

سدادة مقابل قلم، فكر هابارا. ربما ذلك ما كان عليه تدوينه في يومياته ذلك اليوم: ” لص حب، قلم، سدادة قطنية.” سيود أن يرى ماذا سيفعلون بذلك!

لقد كنت هناك في بيته نحو ما يقارب خمس عشرة دقيقة. لم أستطع البقاء مدة أطول من ذلك: قد كانت تجربتي الأولى في التسلل إلى منزل، وكنت خائفة من دخول أي شخص أثناء تواجدي هناك. تفحصت الطريق لأتأكد من أن لا أحد هناك، تسللت من الباب، أقفلته وأعدت المفتاح إلى مكانه تحت البساط. ومن ثم ذهبت إلى المدرسة. وأنا أحمل قلمه الثمين.

صمتت شهرزاد. وعلى ما يبدو، أنها عادت في الزمن وكانت تتصور أشياء عديدة حصلت فيما بعد، واحدة فأخرى.

كان ذلك الأسبوع الأسعد في حياتي، قالت بعد توقف طويل. خربشت أشياء عشوائية في دفتري بقلمه. شممته، قبلته، مسحت خدي به، دحرجته بين أصابعي. حتى أني وضعته في فمي أحياناً وقمت بمص رأسه. بالطبع، آلمني أني كلما كتبت به أكثر سيصبح أقصر، لكني لم أستطع منع نفسي. إذا ما صار قصيراً، فكرت، يمكنني دائماً العودة والحصول على آخر. كان هناك مجموعة كاملة من أقلام مستعملة في حاملة الأقلام على مكتبه. هو لن يكون لديه فكرة عن فقدان أحدها. وهو ربما لم يجد بعد السدادة القطنية المحشورة في درجه. تلك الفكرة أثارتني بلا حدود-لقد منحتني إحساساً غريباً قلقاً. لم يعد يؤرقني بعد الآن أنه في العالم الحقيقي لم ينظر إليَّ أبداً أو لم يظهر ما ينبي بأنه كان حتى مدركاً لوجودي. لأني أنا سراً أمتلك شيئاً منه-جزءً منه، كما كان.

بعد عشرة أيام، هربت شهرزاد من المدرسة مجدداً وقامت بزيارة ثانية إلى منزل الفتى. كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً. كما الرمة السابقة، التقطت المفتاح من تحت الممسحة وفتحت الباب. كانت غرفته هذه المرة أيضاً مرتبة ترتيباً لا تشوبه شائبة. بادئ ذي بدء، اختارت قلماً متهالكاً ومتروكاً من كثرة استعماله، وبحذر وضعته في حقيبة أقلامها. ومن ثم بحذر شديد استلقت على سريره، وشبكت يديها على صدرها، وراحت تنظر إلى السقف. إنه السرير الذي ينام عليه كل ليلة. تفكيرها هذا جعل دقات قلبها أسرع، وبدا تنفسها بشكل طبيعي أمراً صعباً. لم تكن رئتاها تمتلئان بالهواء وحنجرتها جافة كعظمة، ما جعل الألم رفيق كل نفس.

نهضت شهرزاد من على السرير، رتبت الأغطية، وجلست على الأرض، كما فعلت في زيارتها الأولى. نظرت مجدداً إلى السقف. أنا لست مستعدة تماماً لسريره، قالت لنفسها. لا يزال ذلك متخطياً لقدراتي.

أمضت شهرزاد هذه المرة نصف ساعة في المنزل. أخرجت دفاتر ملاحظاته من الدرج ومضت تتصفحه. وجدت تقريراً عن كتاب فقرأته. كان عن رواية “كوكورو” لسوزكي ناتسومي، وظيفة القراءة لذلك الصيف. خط يده كان جميلاً، كما هو متوقع من طالب متفوق، ليس هناك خطأ أو سهو في أي مكان. كانت الدرجة عليه ممتاز. ماذا يمكن أن تكون غير ذلك؟ أي معلم سيقابل خطاً بهذا الكمال سوف يمنحه تلقائياً درجة ممتاز، سواء أزعج نفسه بقراءة سطر واحد أم لم يفعل.

انتقلت شهرزاد إلى خزانة الأدراج، متفحصة محتوياتها بالترتيب. ثيابه الداخلية، وجواربه. قمصانه وبناطليه. لباسه الخاص بكرة القدم. كانت كلها مطوية بإتقان. لا شيء ملطخ أو مهترئ. هل هو من قام بطيها؟ أو أن الاحتمال الأكبر ، أن أمه قد قامت بذلك؟ شعرت بوخز من الغيرة تجاه أمه، التي يمكنها أن تقوم بتلك الأشياء من أجله كل يوم.

انحنت شهرزاد واشتمت الثياب في الأدراج. كان لها رائحة الغسيل المنعشة وعبق الشمس. أخرجت قميصاً ذو لون رمادي خالص، فردته وضغطته على وجهها. ألا يمكن أن تكون نفحة من عرقه بقيت تحت الذراعين؟ لكن لم يكن هناك من أثر. ومع ذلك، أبقته هناك لبعض الوقت، تستنشقه بأنفها. لقد أرادت أن تبقي القميص لنفسها. لكن ذلك سيكون مخاطرة كبيرة. كانت ثيابه مرتبه ومثبتة بدقة كبيرة. ربما يعرف هو (أو أمه) العدد الدقيق لقمصانه في الدرج. إذا ما فقد أحدها، قد تثار ضجة كبيرة. أعادت شهرزاد بحذر طي القميص ووضعته في مكانه الصحيح. بدلاً منه، أخذت شارة صغيرة شكلها يشبه كرة القدم وجدتها في درج من أدراج المكتب. بدا أنها تعود لفريق من سنوات مدرسته الابتدائية، شكّت أنه سيفتقدها. أو على أقل تقدير، سيمر وقت قبل أن يلحظ غيابها، وبينما كانت عنده، تفحصت الدرج السفلي للمكتب بحثاً عن السدادة القطنية. كانت لا تزال هناك.

حاولت أن تتخيل ما قد يحصل إذا ما اكتشفت والدته السدادة. ماذا ستفكر؟ هل ستطلب منه شرحاً عما تفعله السدادة في مكتبه؟ أو أنها ستحفظ سر اكتشافها مدورهً شكوكها المظلمة في رأسها مراراً وتكراراً، لم يكن لدى شهرزاد أي فكرة. لكنها قررت أن تدع السدادة حيث كانت، ففي النهاية لقد كانت فعلتها الأولى.

لتحيي ذكرى زيارتها الثانية، تركت شهرزاد خلفها ثلاث ضفائر من شعرها. كانت قد انتزعتها في الليلة السابقة، ولفتها في لفة بلاستيكية، ووضعتها في مغلف صغير. الآن أخذت المغلف من حقيبة ظهرها، زلقته في واحد من دفاتر الرياضيات القديمة في درجه. كانت الشعرات الثلاث مستقيمة وسوداء وليست طويلة جداً ولا قصيرة جداً. ما من أحد سيعرف لمن كانت بدون إجراء فحص الحمض النووي، ولو أنه كان واضحاً أنها تعود لفتاة.

غادرت منزله وتوجهت مباشرة إلى المدرسة، لتصل في الوقت المناسب لصفها الأول ذلك الأصيل. مرة ثانية، كانت مسرورة لمدة ما يقارب عشرة أيام. شعرت بأنه أصبح لها بشكل أكبر. لكن كما قد تتوقع، هذه السلسلة من الأحداث لن تنتهي من دون حادث طارئ لأنه كما قالت شهرزاد، التسلل إلى بيوت الآخرين يسبب الإدمان بشكل كبير.

عند هذه المرحلة في القصة شهرزاد ألقت بنظرة على الساعة التي بجانب السرير ورأت أنها قد صارت 4:32 عصراً. عليَّ الذهاب، قالت. كما لو أنها تحدّث نفسها. قفزت من السرير وارتدت سروالها الداخلي الأبيض، علقت حمالة صدرها، وانزلقت في بنطالها الجينز، وجذبت قميصها النيلي اللون من ماركة “نيكي” من رأسها، ومن ثم غسلت يديها في الحمام، سرحت شعرها بفرشاة، وانطلقت بسيارتها المازدا الزرقاء. متروكاً بلا شيء لفعله على وجه الخصوص، استلقى هابارا في السرير وأنعم النظر في القصة التي أخبرته إياها لتوها، مستمتعاً بها على مهل، مثل بقرة تجتر طعامها. أين هي وجهتها؟ تساءل. كما هي كل قصصها، لم يكن لديه فكرة. وجد أنه من الصعب تصور شهرزاد طالبة في المدرسة الثانوية. هل كانت نحيلة حينها، خالية من التهدلات التي تحملها اليوم؟ لباس مدرسي، جوارب بيضاء، شعرها مجدول؟

لم يكن قد انتابه الجوع بعد، لذا فقد أجّل تحضير الطعام وعاد إلى الكتاب الذي كان يقرأه، ليجد أنه لا يستطيع التركيز. صورة شهرزاد تتسلل إلى غرفة زميلها في الصف وتدفن وجهها في قميصه كانت طازجة جداً في عقله. كان متشوقاً لسماع بقية القصة.

كانت زيارة شهرزاد التالية إلى المنزل بعد ثلاثة أيام، وقد انقضت عطلة نهاية الأسبوع. أتت كما دائماً تحمل أكياساً ورقية كبيرة متخمة بالمؤن. راحت تعاين الأغذية في الثلاجة، مستبدلة كل شيء انتهت مدة صلاحيته، كما تفحصت المعلبات والزجاجات في الخزانة، ومؤونة البهارات والتوابل، لترى ما الذي على وشك الانتهاء، وكتبت قائمة التسوق. وضعت بعض زجاجات المياه المعدنية في الثلاجة لتبرد. أخيراً، كوّمت بعض الكتب الجديدة وأقراص الفيديو التي جلبتها معها على الطاولة.

هل هناك شيء آخر تحتاجه أو تريده؟

لا شيء يخطر على بالي، أجاب هابارا.

ثم كما في كل مرة، ذهبا إلى السرير ومارسا الجنس، بعد قدر مناسب من المداعبات، زلق واقيه الذكري، وولجها، وبعد قدر مناسب من الوقت، قذف. بعد إلقاء نظرة محترفة على محتويات واقيه، بدأت شهرزاد بالدفعة الأخيرة من قصتها.

كما من قبل، شعرت بسعادة وامتلاء لمدة عشرة أيام بعد تسللها الثاني. أخفت شارة كرة القدم بعيداً في حقيبة أقلامها، ومن وقت لآخر كانت تتحسسها أثناء الدرس. قضمت القلم الذي أخذته ولحست رأسه. طوال الوقت كانت تفكر بغرفته. فكرت بمكتبه، السرير حيث ينام، خزانة الأدراج المحشوة بثيابه، سراويله القصيرة الناصعة البياض، والسدادة والثلاث ضفائر التي أخفتها في درجه.

لقد فقدت كل اهتمام بوظائفها المدرسية. في الصف، أيضاً عبثت بالشارة والقلم وانغمست في أحلام اليقظة. عندما كانت تعود إلى البيت، لم تكن في حالة ذهنية مناسبة لحل وظائفها. لم تكن علامات شهرزاد المدرسية تعاني من مشكلة أبداً. لم تكن طالبة متفوقة لكنها كانت فتاة جدية تنجز مهامها دوماً. لذا فعندما نادى عليها معلمها في الصف، لم تكن قادرة على تقديم جواب مناسب، بينما كان المعلم مشوشاً أكثر مما هو غاضب. أخيراً، دعاها إلى غرفة المعلمين أثناء استراحة الغداء. ماهي المشكلة. سألها. هل هناك ما يزعجك؟ استطاعت فقط أن تهمهم بشيء مبهم عن شعورها بأنها ليست على ما يرام. سرها كان ثقيلاً جداً ومظلماً بحيث لن تتمكن من كشفه إلى أي كان-كان عليها أن تحمله وحدها.

عليَّ أن أواصل التسلل إلى منزله، قالت شهرزاد. كنت مضطرة إلى ذلك. كما يمكنك أن تتخيل، لقد كان خطراً جداً. حتى أنا يمكنني رؤية ذلك. عاجلاً أم آجلاً، شخص ما سيجدني هناك وسيتم استدعاء الشرطة، الفكرة أخافتني حتى الموت لكن ما أن بدأت الكرة بالتدحرج لم يكن هناك من طريقة لإيقافها. بعد مرور عشرة أيام من زيارتي الثانية، لم يكن لدي من خيار وهكذا مضيت إلى هناك مجدداً. أحسست بأني إذا لم أفعل سأنتهي نهاية قاتمة. والعودة إلى الماضي، تهبني شعوراً بأني على شيء من الجنون.

ألم يتسبب لك هذا بمشاكل في المدرسة، بسبب الهرب من الصف على الأقل؟ سأل هابارا.

كان والدي منشغلان جداً بعملهما، ما منعهما من منحي كثير اهتمام. لم أتسبب أبداً بأي مشكلة من قبل، لم أتحدَ سلطتهما مطلقاً. وهكذا فقد اتبعا أسلوب عدم التدخل بوصفه الأفضل، كما أن تزييف الرسائل الموجهة من المدرسة كان بمنتهى السهولة. لقد شرحت لمعلمي أن لدي مشكلة صحية تتطلب مني قضاء نصف اليوم في المستشفى من وقت لآخر. طالما أن المعلمين كانوا منشغلين بما عليهم فعله تجاه الأولاد المتغيبين لزمن طويل، فلم يكونوا منشغلين كثيراً بقضائي نصف يوم من حين لآخر.

ألقت شهرزاد نظرة سريعة على الساعة بجانب السرير قبل أن تكمل.

أخذت المفتاح من تحت البساط ودخلت المنزل للمرة الثالثة. لقد كان هادئاً كما من قبل-لا، حتى أكثر هدوءً لسبب أجهله. لقد انتفضت حين دارت الثلاجة- بدت مثل وحش كبير يتنهد. رن الهاتف عندما كنت هناك. كان صوت الرنين عالياً جداً ومزعجاً حتى أني حسبت قلبي سيتوقف، وبللني عرقي. لم يرد أحد على الهاتف بالطبع، وتوقف بعد حوالي عشر رنات، وأمسى المنزل أكثر هدوءاً بعدئذ.

أمضت شهرزاد وقتاً طويلاً ممددة على سريره ذلك اليوم. لم يخفق قلبها هذه المرة بعنف شديد، وكانت قادرة على التنفس بشكل طبيعي. استطاعت أن تتخيله نائماً بسلام إلى جانبها، وانتابها احساس بأنها تراقبه وهو نائم. لقد شعرت بذلك، وأنها إذا ما مدّت يدها فبإمكانها أن تلمس ذراعه المفتول. هو لم يكن هناك بالقرب منها، بالطبع. كانت مستغرقة فقط في غشاوة أحلام اليقظة.

راوادها توق لا يقاوم لكي تشمه. نهضت من السرير ومشت نحو خزانة الأدراج، فتحت واحداً، وتفحصت القمصان. كانت كلها مغسولة ومطوية بعناية. كانت نقية وخالية من الرائحة تماماً مثلما كانت سابقاً.

ومن ثم لمعت في رأسها فكرة، ومضت تسابق نفسها على الدرج متوجهة إلى الطابق الأول. هناك في الغرفة المجاورة للحمام، وجدت سلة الغسيل وأزالت الغطاء، كانت الثياب المتسخة لأفراد العائلة الثلاثة مختلطة، ثياب الأم، والابنة، والابن. مظهرها يوحي أنه مضى عليها يوم واحد. أخرجت شهرزاد قطعة ثياب رجالية. قميص أبيض بياقة بحار. تنشقته. رائحة الشاب واضحة. نفس العفونة التي اشتمتها من قبل عندما كان رفيقها بالقرب منها. ليس العطر المتألق بالتأكيد. لكن حقيقة أن هذه الرائحة كانت له جعلت شهرزاد في فرح لا حد له. عندما وضعت أنفها بالقرب من الابطين واشتمت، شعرت كما لو أنها كانت في حضنه، ذراعاه تلفانها بشدة.

صعدت شهرزاد الدرج إلى الطابق الثاني، و القميص في يدها، واستلقت على سريره مرة ثانية. دفنت وجهها في قميصه وتنشقته بنهم. وها قد بدأت تشعر بإحساس خائر في الجزء السفلي من جسدها. كانت حلمتاها تتصلبان أيضاً. هل يمكن أن تكون دورتها الشهرية في طريقها؟ لا، لقد كان الوقت مبكراً جداً. هل كانت هذه رغبة جنسية؟ إذا كانت كذلك فماذا بإمكانها أن تفعل حيالها؟ لم يكن لديها أي فكرة. الأمر الوحيد الذي كانت متأكدة منه أنه ليس بالإمكان فعل أي شيء في ظل هكذا ظروف. ليس هنا في غرفته، على سريره.

في النهاية، قررت شهرزاد أن تأخذ القميص معها. كانت مخاطرة بالتأكيد. كان من المحتمل أن تكتشف أمه اختفاء القميص. حتى لو لم تدرك أنه مسروق، ستظل تتساءل عن غيابه. أي أم تحافظ على نظافة منزلها بهذا الشكل، كان لا بد أن تكون مهووسة بحق. عندما يفقد شيء، فإنها تنبش المنزل ويمسي عاليه سافله، مثل كلب بوليسي، حتى تجده. بلا شك ستكتشف آثار شهرزاد في غرفة ابنها الغالي. لكن حتى ومع إدراك شهرزاد ذلك، لم ترغب أن تفارق القميص. فقد كان عقلها عاجزاً عن إقناع قلبها.

عوضاً عن ذلك، بدأت تفكّر بما ستتركه خلفها. بدا سروالها الداخلي الخيار الأفضل. كان من نوع عادي، بسيطاً، جديداً نسبياً، ونظيفاً ارتده صباح اليوم. كان باستطاعتها أن تخفيه داخل خزانته في موضع قصي. هل من بديل آخر أكثر ملائمة لتتركه خلفها؟ لكن عندما خلعته كان رطباً. أظن أن هذا سببه الرغبة، راحت تفكر. سيكون من الصعب ترك شيء ملوث برغبتها في غرفته. لن تهين سوى نفسها. لبسته مجدداً وبدأت بالتفكير بشيء آخر تتركه.

قطعت شهرزاد قصتها. مضى وقت طويل ولم تنبس بكلمة. استلقت بجوار هابارا تتنفس بهدوء وعيناها مغمضتان. اقتدى بها منتظراً منها أن تتابع.

فتحت عينيها أخيراً وتكلمت. هيه سيد هابارا، قالت. لقد كانت المرة الأولى التي تخاطبه فيها باسمه.

نظر هابارا إليها.

هل باستطاعتنا أن نفعلها مرة ثانية؟

من الممكن تدبر ذلك، قال.

وهكذا مارسا الحب ثانية. ولو كان هذه المرة مختلفاً جداً عن المرة السابقة. عنيفاً، عطوفاً ومستغرقاً وقتاً طويلاً. كانت نشوتها في النهاية لا لبس فيها. سلسلة من تشنجات قوية تركتها ترتجف. حتى وجهها كان متشنجاً. بدا ذلك بالنسبة لهابارا كما لو أنه وقع على ملمح موجز مما كانت عليه شهرزاد في شبابها: كانت المرأة التي بين ذراعيه الآن فتاة مشوشة بعمر السابعة عشرة من عمرها، وقعت في شراك جسد ربة بيت في الخامسة والثلاثين. صار هابارا يجدها هناك، عيناها مغمضتان، جسدها يرتعد، بينما تتنشق ببراءة عطر عرق الفتى على قميصه.

هذه المرة، لم ترو له شهرزاد قصة بعد الجنس. ولم تتفحص محتوى الواقي الذكري. استلقيا هناك بهدوء جنباً إلى جنب. كانت عينيها مفتوحتين باتساع، وكانت تحدق في السقف مثل ثعبان البحر الذي يحدق إلى أعلى نحو سطح المياه البراق. كم سيكون رائعاً، فكر هابارا، إذا ما استطاع هو أيضا أن يسكن زماناً ومكاناً آخرين. تاركاً هذا الكائن الوحيد، المحدد بوضوح، المسمى نوبوتاكا هابارا خلفه، ويصبح ثعبان بحر بلا اسم. تصور نفسه وشهرزاد جنباً إلى جنب، ممصاتهما ملتصقة بالصخرة، أجسادهما تتموج في التيار، يحدقان في السطح وهما ينتظران مرور السلمون المكتنز سابحاً باعتداد بنفسه.

إذن فما الذي تركتِه بدلاً عن القميص، كسر هابارا الصمت.

لم تجب في الحال.

لا شيء، قالت أخيراً. لا شيء آخذه معي يمكن أن يضاهي ذلك القميص المحمّل برائحته. لذا فقد أخذته وتسللت خارجة. وفي هذا الوقت صرت لصة بريئة، لصة بسيطة.

عندما عادت شهرزاد بعد أحد عشر يوماً إلى منزل الفتى للمرة الرابعة، كان هناك قفل جديد على الباب الأمامي، لونه ذهبي يلتمع في شمس الظهيرة كما لو أنه يتباهى بثباته العظيم. ولم يكن هناك مفتاح تحت البساط. من الواضح أن شكوك أمه قد استثيرت مع فقدان القميص، ولابد أنها بحثت عنه في كل مكان، مصادفة علامات أخرى تشير إلى شيء غريب يحدث في منزلها. غرائزها كانت سديدة، رد فعلها سريع.

أصيبت شهرزاد بالخيبة جراء هذا التطور، لكنها شعوراً بالراحة رافقها في الوقت نفسه. كان ذلك كما لو أن شخصاً وقف خلفها وازاح ثقلاً كبيراً عن كاهلها. هذا يعني أن عليّ عدم اقتحام هذا المنزل، فكرت. لم يكن هناك شك بأنه لو لم يتم تغيير القفل، فإن اجتياحاتها ستتواصل بلا حدود. ولا كان هناك أي شك بأن تصرفاتها ستتصاعد مع كل زيارة. أخيراً، سيظهر عضو من العائلة وهي في الطابق الثاني. وسوف لن يكون هناك وسيلة للهرب، ما من طريقة لتخرج نفسها من ورطتها، هذا هو المستقبل الذي ينتظرها عاجلاً أم آجلاً، بالنتيجة ستكون مدمرة. الآن استطاعت تفاديه، ربما عليها أن تشكر أمه -ولو أنها لم تلتق المرأة أبداً-لأن لها عينان كعيني الصقر.

كانت شهرزاد تتنشق شذى قميصه في كل ليلة قبل أن تأوي إلى السرير. تنام وهو بالقرب منها. تغطيه بورقة وتخفيه قبل أن تمضي إلى المدرسة في الصباح. ومن ثم تجذبه بعد العشاء، لتلامسه وتتنشقه. لقد قلقت من أن رائحته قد تتلاشى مع مرور الأيام، لكن هذا لم يحصل، رائحة عرقه تخللت القميص جيداً.

لم يعد الآن وارداً إقدامها على مزيد من الاقتحامات، بدأت حالة شهرزاد العقلية بالعودة ببطء إلى طبيعتها. وأمست أحلام اليقظة التي تراودها في الصف أقل، وبدأت تدوين ما يقوله معلمها. مع أن تركيزها الرئيسي لم يكن على صوت معلمها، لكن على سلوك زميلها. أبقت عينها عليه بهدوء، محاولة التقاط أي تغيير، أي إشارة على الإطلاق قد تبدو عصبية نحو شيء ما. لكن كل شيء كان كما عهدها به، يرمي برأسه إلى الخلف ويضحك ببساطة كما دائماً، ويجيب فوراً عندما يستدعى، يصيح بصوت عال في تمرين كرة القدم ويتعرق. لم تستطع أن تقتفي أثر أي شيء غير عادي-لم يكن إلا شاب مستقيم يعيش حياة صافية كما يبدو.

ومع ذلك عرفت شهرزاد أمراً مظللاً غير بادٍ عنه. أو ما يشبه ذلك. ما من أحد ربما يعرفه غيرها. هي وحدها (ولنفكر فيه، ربما أمه). ففي ثالث يوم تسللت فيه صادفت عدداً من المجلات الإباحية مخفية ببراعة في أقصى مكان في خزانته. كانت ملأى بصور نساء عاريات، يفردن سيقانهن متيحات مشاهد سخية لأعضائهن. بعض الصور جسدت العملية الجنسية: رجال يدخلون قضبانهم الطويلة في أجساد نساء في أكثر الوضعيات غرابة. لم تقع عينا شهرزاد أبداً على صور كهذه من قبل. جلست إلى مكتبه وقلبت ببطء صفحات المجلات متفحصة كل صورة باهتمام كبير. خمنت أنه كان يستمني أثناء رؤيته لها، لكن الفكرة لم تصدمها باعتبارها غريبة بشكل خاص، لقد تقبلت الاستمناء باعتباره نشاطاً عادياً تماماً، لا بد لكل ذلك المني أن يذهب إلى مكان ما، تماماً مثل الفتيات اللاتي لديهن الدورة الشهرية، بتعبير آخر، لقد كان مراهقاً نموذجياً، ليس بطلاً ولا قديساً. وجدت شيئاً من الراحة في معرفة ذلك.

مع توقفي عن التسلل، بدأ شغفي به يبرد تدريجياً، تماماً مثل المد وهو ينحسر عن شاطئ مترامٍ ومنحدر، إلى أن وجدت نفسي من دون سابق إنذار أقلل من تنشق قميصه، وأمضي وقتاً أقل في الاهتمام بقلمه، وشارته. لقد تخففت من الحمى. وما كان يحاصرني لم يكن شيئاً أشبه بالمرض، بل حقيقة. وكان يمنعني من التفكير السليم طالما هو معي. ربما مرّ كل إنسان بفترة مجنونة مماثلة، أو قد يكون أمراً حدث لي أنا فقط. ماذا عنك هل عشت شيئاً كهذا في حياتك؟

حاول هابارا التذكر، لكنه لم ينجح. لا، لا شيء بهذه الشدة، لا أظن، قال.

بدت شهرزاد محبطة بعض الشيء من رده.

على أي حال. عندما تخرجت، نسيت بسرعة وسهولة كل شيء عنه. كان ذلك غريباً. ما الذي كان عليه ليقع لي ذلك وأنا بعمر السابعة عشرة؟ لا أستطيع التذكر، رغم محاولاتي الكثيرة. الحياة غريبة، أليس كذلك؟ يمكن لك أن تكون مفتوناً كليا بشيء ما في دقيقة، تكون راغباً بالتضحية بكل شيء ليكون ملكاً لك، لكن بعد مرور وقت قصير، أو تغير وجهة نظرك قليلاً، حتى تصاب بصدمة تلاشي هذا الوهج بشكل مفاجئ كلياً. ما الذي كنت أتطلع إليه؟ تتساءل. إذن فهذه هي قصتي عن فترة ” الاقتحام والدخول”.

لقد جعلت ذلك يبدو كما المرحلة الزرقاء في أعمال بيكاسو ، فكّر هابارا. لكنه استوعب ما كانت تحاول إيصاله.

نظرت إلى الساعة المجاورة للسرير، وقد وقت مغادرتها قد اقترب.

دعني أخبرك الحقيقة، قالت أخيراً. القصة لم تنتهِ هناك، بعد عدة سنوات عندما كنت في سنتي الثانية في مدرسة التمريض، ضربة غريبة من القدر جمعتنا مجدداً، لعبت أمه دوراً كبيراَ في ذلك، في الواقع كان الأمر غريباً. لقد كان قصة من قصص الأشباح القديمة تلك، أخذت الأحداث منحى لا يصدق. هل تحب سماعها؟

أحب ذلك، قال هابارا.

من الأفضل أن أنتظر حتى زيارتي المقبلة، قالت شهرزاد. تأخر الوقت ، عليَّ التوجه إلى البيت وإعداد العشاء.

نهضت من السرير وارتدت ملابسها، السروال، الجوارب، قميصها الداخلي، أخيراً تنورتها وقميصها الخارجي. راقب هابارا من السرير حركاتها كيفما اتفق. لقد أعجبته الطريقة التي تلبس بها المرأة ملابسها، والتي يمكن أن تكون أكثر إثارة للاهتمام من الطريقة التي تخلعها بها.

أي كتب بعينها تود مني أن آتيك بها، سألت وهي تخرج من الباب.

لا، لا يتبادر إلى ذهني شيء، أجاب. ما رغب به حقاً، كان أن تخبره بقية القصة. لكن لن يفصح عن ذلك، فهذا الفعل قد يعرض للخطر حظوظه في سماعها.

ذهب هابارا إلى السرير تلك الليلة، وفكر بشهرزاد. ربما هو لن يراها ثانية أبداً، هذا ما شغله. كان الاحتمال جد حقيقي. لا شيء ذو طبيعة شخصية-لا تعهد، لا تفاهم ضمني-يجمعهما معاً. كانت علاقتهما علاقة بالصدفة صنعها شخص آخر، وقد يتم إنهاؤها وفقاً لرغبة ذلك الشخص، بمعنى آخر كانا مربوطين بخيط واهٍ، لقد كان من المحتمل، لا، من المؤكد-أن ذلك الخيط سينقطع في النهاية، و كل المرويات الغريبة و الغير مألوفة التي يجب أن تقال، ستكون مفقودة بالنسبة إليه، السؤال الوحيد كان متى.

لقد كان وارداً أيضاً أنه قد يحرم في مرحلة ما من حريته كلياً، وليست شهرزاد فقط، ستختفي كل النساء من حياته، ولن يكون بمقدوره الدخول إلى رطوبة أجسادهن الدافئة. لن يكون بالمتناول مجدداً أن يشعر بقشعريرتهن بالمقابل، وقد كانت خسارة اللحظات الحميمة المشتركة احتمالاً أكثر بؤساً لهابارا من انقطاع النشاط الجنسي. وما قدّمه له الزمن الذي أمضاه مع النساء، كان كامناً في احتضان الواقع له من ناحية، ونكرانه كلياً من ناحية أخرى. هذا ما قدمته شهرزاد له بسخاء، وهي صاحبة موهبة لا تنضب، ترقب الفقد جعله أكثر حزناً.

أغمض هابارا عينيه وتوقف عن التفكير بشهرزاد، واستعاض عنها بثعابين البحر. بالمخالب التي تلصقها على الصخرة، متوارية بين أعشاب الماء، تتأرجح جيئةً وذهاباً في التيار. تخيل أنه واحد منهم يترقب ظهور أسماك السلمون. لكن لم تمر أي سمكة سلمون، وما عاد مهماً كم انتظر من الوقت، ما كان هناك من سلمون مكتنز أو سلمون هزيل، لم يكن هناك من أسماك سلمون على الاطلاق. أخيراً غربت الشمس وكان عالمه يتلاشى في الظلام.


Naim Attallah Online

I am Chairman of Quartet Books, a leading independent publisher with a fine tradition of pursuing an alternative to the mainstream. Welcome to my blog.

Clod & Pebble

a place for poetry

Another Lost Shark

the poems and other words of Graham Nunn

Viral Press

Highland Print Studio Blog

the stanza

a little room for poetry and the writing life

Little Book Review

Picture Books for All

David J. Bauman

Co-author of Mapping the Valley

Reading Partisan Review: 1930s--1970s

metropolitan ideas. The life of an American Radical Intellectual Journal

The Russian Reader

News and views from (the) other Russia(n)(s)

The Untranslated

A blog about literature not yet available in English

"فما عادَ في الأرضِ مُتّسعٌ لنا"

مُدوّنة وفيقة المصري

Dan Powell

Reading. Writing. Teaching. Learning.

Reading in Translation

Translations Reviewed by Translators

Theater Talk News Update

What's happening on the most prestigious show about the world of the stage

ضباب

"كان هكتور في قاع الموجة، الموجة التي كانت بنفسها في قاع المحيط، المحيط الذي كان بنفسه في قاع الكون ، ثمة أمر ما يجعله يشعر بأنه صغير"