Feeds:
تدوينات
تعليقات

لحن- دونالد بارثيلم.

لحن -دونالد بارثيلم

نشرت في النيويوركر عام 1979.

هل يكذبون؟ بحماسة بالغة. هل يسرقون؟ الفضة والذهب فقط. هل يتذكرون؟ أنا على اتصال دائم. بالكاد ينقضي اليوم. الأطفال. غير أن البعض مع ذلك ليس باستطاعتهم التهجئة. تنزهت في منطقة الصناعات الخفيفة، حيث تم تحويل كل شيء. الكثير من المحلات الصغيرة، حانات النبيذ. رأيت بعض الأشياء الغريبة. رأيت مجموعة من صحون مربعة فولاذية مرتبه على الأرض. جد مثير ة للاهتمام. رأيت مان ماونتين دين[1] مرتدياً الأزرق السماوي.  أطفال شرسون يمضغون. لقد كانوا صغاراً. Petite. بمقاسات صغيرة جداً. جاؤوا وذهبوا. أبواب تصفق. كانوا من الجنسين لكنهم يرتدون ثياباً متشابهة. تجولوا، ومن ثم عادوا. إنهم غامضون، أنت تعلم، يقولون لك أشياء بطريقة مبهمة. طلبوا مني المغادرة، قالوا إنهم قد اكتفوا. اكتفوا من ماذا؟ سألت. اكتفوا من وقاحتي، قالوا. بالرغم من أنه لم يكن معي في زيارتي لهم سوى أكثر الأمثولات عاديةً في الحقيقة-أمثولة الملح الذي يفقد طعمه، أمثولة طيور الهواء. رحت أتمشى، أُصفِّر. رأيت عرشاً في نافذة. قلت: أي كرسي هذا؟ هل هذا هو الذي جلس عليه فريديناند العظيم، عندما أرسل السفن للبحث عن جزر الهند الغربية. المقعد مهترئ. نادراً ما مر يوم دون إعلان ما، زواج، حمل، سرطان، ولادة جديدة. يتدفقون أحياناً من يوكونyukon وأماكن أخرى بعيدة، يدخلون ويجلسون إلى طاولة المطبخ، أرادوا كوباً من الحليب وزبدة الفستق وجيلاتين، أنا ملزم، لأجل الأيام الخوالي. أرسل لي جدول دوري فرق كرة القدم الصغيرة، قد تمت تسميتها كلها على أسماء السيارات، الموستانجز ضد المافريكس، الشارجرز ضد الايمبالاس. شيء ما مسل بشأن ذلك. ابني. نام مع من لا أعرف اسمها، قالوا، وهي نائمة، لا أظن بأن هذا مناسب. واهنة لا عون لها في وهج المصابيح. لقد ابتعدوا، ومن ثم عادوا، في عيدي الميلاد والفصح، لديهم طاولة ممتلئة تماماً، ربما دزينة من جميع الصغار… شركاء تم تعارفهم خلال أسفارهم… اخدش صلعتهم، اقلع سنهم. وجوه صغيرة متضورة على بعد أربعة أقدام عن الشاشة، لقد تكلمت إليهم بصوت قوي، مرتفع، لم تصب برعشة. استعمال الجبيرة الوقائية، لا يعلم الجميع بها.  العالم يذكرنا بسلطته، مراراً وتكراراً. ذاهب تفكر بعملك، وفجأة حادث قضاء وقدر، أمامك مباشرة. انهيارات عظيمة للثلج والطيور المتفجرة. تصير مذنباً، تاركاً إياها تنزلق. منثورة هنا وهناك كزهور بيتونيا صغيرة، واحدة مزروعة في ليم القديمة، واحدة في فيربانكس، واحدة في تيمبي. زاعماً أنه نام معها وهي نائمة، يمكنني أن أرى ذلك، في ظل ظروف معينة. قد تغمز، لكن ليس لشخص آخر. ربما تغمز فقط للحمامات.  ربما قد تضرب أوتاد خيمتك، تلقي بخيمتك، تجمع حطباً لتشعل النار، تهيئ طبق الـ hushpuppies[2].
هم يسعون للعودة؟ العودة إلى العش؟ الأذرع الدافئة؟ الروائح التي لا توصف؟ ليس على صورتك المطبوعة. حسناً، أظن أن هذا قاس قليلاً. أفكر أنه قاس قليلاً ألا تظن؟ نعم أظن أنه قاس قليلاً. أظن أنه قاس قليلاً ألا تظن ذلك؟ نعم قاس. قاس. حسناً هذا هو المخطط، هذا هو، هذا المخطط من الصفيح-هم يكتبون ويتصلون.  ألا يوجد سيوله؟ أعطنا اتصال، تم التعامل مع كل الاستجوابات بغاية السرية.  إنهم يتصلون باستمرار، إنهم يتصلون، قائلين عاصفة، عاصفة-

مشيت إلى آخر حبلي، اكتشفت أني كنت مربوطاً، مقيداً. لم أتوقف أبداً للتفكير، فقط توجهت مباشرة وفعلتها، لقد كان سلسلة من الإجراءات، حصلت على واحدة ومن ثم التزمت بها ومن ثم حصلت على أخرى والتزمت بالاثنتين، توالت أخريات، والآن تلك بدورها تصنع المزيد والمزيد والمزيد…بعض عويل هناك جعلك تقفز. أتوا إلي وقالوا، وداعاً. وداعاً؟ قلت. وداعاً، قالوا. أنت لم تعد معي بعد الآن، هل هذا فقط؟ قلت. هذا فقط، قالوا. أنت تسحب غطاءك، هل هذا فقط؟ قلت. قالوا، هذه هي قصة مجد الصباح. رأيت سمكة كبيرة كمنزل، وطقم شاي زهري اللون من سندرلاند. رحت أولول عبر الغرف، أسحب حواشي الأوصياء المتغضنين، داخلاً لأقول ليلة سعيدة أحياناً، انحناءات احترام وتقوسات، كانت هذه المناسبات نادرة الحدوث. أشياء احتاجوها لحيواتهم: عصي هوكي، قدور كركند، سيارات مازدا. تتملق وتتحاشى في وقت واحد. هذا اختبار للنظام، هذا مجرد اختبار. رموا سترهم الرطبة والمنتنة على الأرض وفقاً للعادة. شغل الموسيقى واطفئها ثانية. نظف غرفتك، رجاءً نظف غرفتك، أرجوك، نظف غرفتك. سالي الطويلة هناك، اطل أحذيتها. اطل أحذيتك، الأسود للأسود والبني للبني، هل ترى أي شيء في راحتي؟ فقط قنينة صغيرة من شيب-ديب[3]، أكمل تعليمك، هو على حق وأنت مخطئ، الممر الداخلي يحسب أن يكون الأفضل، ابلغه، من الأفضل أن تظهر مرتاح البال، في لباس ليس واضح الجدة، لا أ، ب، ت، ث، ج، التفت قليلاً إلى اليمين، الآن قليلاً نحو اليسار، احمله! فتيات عاريات برأسي ماركس ومارلو واهنات ولا حول لهن في وهج الكشافات، حاولت إعطائهم القليل من البهجة joie de vivre لكن ربما لم يقبلوا بها، تشاحنهن المستمر وضآلتهن، مثل ضرب البرق، العالم يذّكرك بسلطته، فجوات يمنة ويسرة، أنا أغزل، طفلي الجميل، لا تحكّ، أمسك بقدمك، الليالي الطويلة، أمضيت معظم وقتي في الاستماع، هذا اختبار للنظام، هذا اختبار فحسب.

[1] مصارع امريكي محترف.

[2] طبق جانبي وهو عبارة عن كرات من خبز الذرة.

[3] نوع من الويسكي.

قصص- ليديا ديفيس.

قصص قصيرة لـ ليديا ديفيس

 

قصة سلامي مسروقة

احتفظ مؤجِّر ابني الإيطالي في بروكلن بسقيفة في الخلف يقدد ويدخن السلامي فيها. في إحدى الليالي، في خضم موجة تخريب وسرقة تافهة، تم اقتحام السقيفة وسُرق السلامي. تحدث ابني إلى مؤجره بشأنها في اليوم التالي، مواسياً لاختفاء النقانق. كان المؤجر مذعناً ورابط الجأش، لكن صحح له: ” لم تكن نقانق. لقد كانت سلامي.” كُتب عن الحادثة في حينه في واحدة من أكثر مجلات المدينة أهمية باعتبارها حادثة حضرية مسلية ونابضة بالحياة. سمّى الصحفي في المقالة، البضائع المسروقة ” نقانق”. عرض ابني   المقالة على مؤجِّرهُ، الذي لم يكن يعرف بأمرها.  كان المؤجر مهتماً ومسروراً كون المجلة رأت أنه من المناسب التطرق للحادثة، لكنه أضاف: ” لم يكونوا نقانق. لقد كانوا سلامي.”

 

وبر الكلب

مات الكلب. نحن نفتقده. عندما يرنّ جرس الباب، ما من أحد ينبح. عندما نصل إلى البيت متأخرين، ليس هناك من أحد في انتظارنا. لا نزال نجد وبره الأبيض هنا وهناك في أرجاء المنزل وعلى ثيابنا. نلتقطه. علينا أن نتخلص منه. لكنه كل ما بقي لنا منه. نحن لم نرميه. لدينا أمل جامح-أنه إذا ما جمعنا قدراً كافياً منه، سنكون قادرين على استعادة الكلب من جديد.

قصة دائرية

هناك دائماً جلبةً في صباحات الأربعاء الباكرة على الطريق في الخارج. إنها توقظني وأتساءل عما تكونه. هي دوماً شاحنة جمع النفايات تلتقط النفايات. تأتي الشاحنة في الصباح الباكر من كل يوم أربعاء. إنها توقظني دوماً. ودوماً أتساءل عما تكونه.

 

 

فكرة عن لافتة

يبحث الناس في بداية رحلة في القطار، عن مقعد جيد، والبعض منهم يلقون بنظرة متفحصة على من يجاروهم ممن اختاروا مقاعدهم، ليروا إذا ما سيكونون جيراناً جيدين.

ربما يكون مساعداً أن يحمل كل منا لافتة صغيرة عن العادات التي ستجعل منا مزعجين محتملين أو غير مزعجين للمسافرين الآخرين من مثل: لن أتكلم بالهاتف الخلوي، لن آكل طعاماً كريه الرائحة.

سيكون متضمناً في لافتتي: لن أتحدث بالخلوي على الإطلاق،  عدا عن  اتصال قصير ربما بزوجي  في بدء رحلة العودة، ملخّصةً زيارتي للمدينة،  أو بشكل أقل،  تنبيه سريع لصديق في الطريق عن تأخري، لكني سأحني مقعدي إلى الخلف بقدر ما يسمح به، معظم وقت الرحلة،  فيما عدا وقت  تناولي وجبة غدائي أو وجبتي الخفيفة، ربما في الواقع أضبطه قليلاً إلى الخلف والأعلى، من وقت لآخر خلال الرحلة، وآجلاً أو عاجلاً سآكل شيئاً، عادة سندويتش، سلطة أحياناً أو وعاء يحتوي على الأرز بالحليب، في الواقع وعاءين من الأرز بالحليب، ولو أنهما صغيرين، سندويتش، دائماً في الغالب جبنة سويسرية،  بجبنة صغيرة جداً حقيقة، فقط شريحة واحدة، وخس وبندورة، لن تكون ذات رائحة ملحوظة، على الأقل بقدر ما يمكنني أن أتوقع، أنا مرتبة قدر استطاعتي مع السلطة، لكن تناول السلطة بشوكة بلاستيكية صعب و أخرق، أنا مرتبة مع الأرز بالحليب، أتناول لقيمات صغيرة، مع أنه عندما أنزع غلاف الوعاء يمكن أن يحدث صوت تمزق مرتفع  للحظة فقط،  ربما لن أنزع غطاء قنينة الماء و أطلب كاساً من الماء، بخاصة أثناء  تناول سندويشتي وحوالي ساعة بعدئذ، ربما أكثر تململاً من  بعض المسافرين الآخرين، وقد أنظف يدي عدة مرات  أثناء الرحلة  بقنينة صغيرة من معقم اليدين، أحياناً أستعمل غسولاً لليد بعده، الذي ينطوي على تناول حقيبة يدي، مخرجة حقيبة الزينة الصغيرة فاتحة سحابها، وعندما أنتهي، أعيد إغلاق سحابها ثانية وأعيدها إلى حقيبتي، لكن ربما أيضا أجلس هادئة تماماً  لبضع دقائق أو أكثر  أنظر من النافذة، ربما لا أفعل شيئاً سوى  قراءة كتاب معظم وقت الرحلة، ما عدا  عبور الممر لمرة واحدة نحو غرفة الاستراحة وأعود إلى مقعدي، لكن في يوم آخر، ربما أضع الكتاب جانباً كل بضعة دقائق، أتناول مفكرة صغيرة من حقيبتي،  أنزع الشريط المطاطي من حولها، وأكتب ملحوظة في المفكرة،  أو عندما أقرأ في عدد سابق من مجلة أدبية، ربما أشق الصفحات رغبة في الاحتفاظ بها، مع أني سأحاول ان أفعل ذلك  عندما يكون القطار متوقفاً في المحطة، أخيراً، بعد يوم في المدينة، ربما أحل أربطة حذائي لجزء من الرحلة، بخاصة إذا لم يكن  الحذاء مريحا جدا، عندها أريح قدمي الحافية أعلى حذائي بدلا من  أن تكون مباشرة على الأرض، أو  لماماً جداً، ربما  أخلع الحذاء  و ألبس الخفّ، إذا كنت أحمل معي زوجاً ، أبقيه إلى أن  أصل تقريباً إلى وجهتي، لكن  قدمي نظيفتان تماماً و أظافري مطلية بطلاء أحمر داكن ظريف.

بلومينجتون

الآن وطالما أني هنا منذ بعض الوقت، يمكنني القول بثقة بأني لم أكن هنا من قبل أبداً.

الكلب وأنا

يمكن لنملة أن ترفع بصرها نحوك، أيضاً، وتتوعدك حتى بأذرعها.
بالطبع، كلبي لا يعلم بأنني انسان، هو يراني كلباً، مع أني لا أقفز من على السياج. أنا كلبٌ قوي. لكني لا أترك فمي فاغراً متدلياً عندما أمشي متقدماً. حتى في يوم حار، لا أدع لساني يتدلى خارجاً. لكني أنبح عليه:” لا! لا!”

 

تعاونٌ مع طير

وضعت تلك الكلمة على الصفحة،

لكنه أضاف الفاصلة العليا (’)[1].

عاصفة استوائية

مثل عاصفة استوائية،

أنا، أيضاً، قد أصبح يوماً ما ” أفضل تنظيماً.”

متنوِّرة

لا أعلم إذا ما كان بإمكاني أن أبقى على صداقة معها. لقد فكرت وفكرت بذلك-هي لن تعرف أبداً كم فعلت. لقد منحتها فرصة أخيرة. اتصلت بها، بعد عام. لكني لم أحب الطريقة التي جرت عليها المحادثة. المشكلة هي أنها ليست متنوِّرة كثيراً. أو عليَّ القول، أنها ليست متنورة بالقدر الكافي بالنسبة لي. يناهز عمرها الأربعين عاماً وليست متنورة أكثر، كما بإمكاني أن أرى، مما كانت عليه عندما عرفتها أول مرة منذ عشرين عاماً مضت، عندما تحدثنا بشكل أساسي عن الرجال. لم ألق بالاً إلى درجة قلة تنورها في حينه، ربما بسبب أني لم أكن متنورة أنا نفسي. أؤمن أني أكثر تنوراً الآن، وبالتأكيد أكثر تنوراً منها. مع أني أعلم أنه ليس من التنور كثيراً قول ذلك. لكني أريد أن أقوله، لذا أنا أرغب في تأجيل كوني أكثر تنوراً حتى يمكنني قول شيء مثل ذلك عن صديق.

 

 

مسابقة الذوق الجيد

كان زوج وزوجة يتنافسان في مسابقة الذوق الجيد التي تتولى التحكيم فيها لجنة مكونة من أقرانهما، رجال ونساء من ذوي الذوق الجيد، بمن فيهم مصمم أقمشة، بائع كتب نادرة، طاهِ معجنات، وأمين مكتبة. كان قد حكم للزوجة أن لديها ذوق أفضل في الأثاث، وبخاصة الأثاث العتيق. كان قد حكم للزوج أن لديه ذوق تعس إجمالاً في تركيب الإضاءة، أدوات المائدة، والأواني الزجاجية.  كان قد حكم للزوجة أن لديها ذوق لا مبالٍ في التعامل مع النوافذ، لكن حكم لكل من الزوج والزوجة بأن لديهما ذوق جيد في أغطية الأرض، بياضات السرير، بياضات الحمّام، الأجهزة الكبيرة، والأجهزة الصغيرة. كان بادياً على الزوج أن لديه ذوقاً جيداً في السجاجيد، لكن فقط ذوقاً متوسطاً في أقمشة التنجيد. كان يبدو أن للزوج ذوق جيد في كل من الطعام والمشروبات الروحية، في حين أن للزوجة ذوق يتراوح بين الجيد والتعس في الطعام. لدى الزوج ذوق أفضل من ذوق الزوجة في الألبسة ولو أن ذوقاً متقلباً في العطور والكولونيا. في حين حكم أنه ليس لدى كل من الزوج والزوجة سوى ذوق متوسط في تصميم الحدائق، كانا قد حكم لهما أن لديهما ذوقاً جيداً في عدد من أنواع النباتات دائمة الخضرة. كان بادياً أن للزوج ذوق رائع في الأزهار لكن ذوقاً تعساً في الأبصال. بدا أن للزوجة ذوقاً أفضل في الأبصال وبشكل عام ذوقاً جيداً في نباتات الظل باستثناء الزنبق. بدا أن ذوق الرجل جيد في فرش الحديقة لكن فقط متوسطاً في الغراس التزينية.  حكم على ذوق الزوجة بأنه تعس على نفس النهج بالنسبة لتماثيل الحديقة. بعد مناقشة قصيرة، أعطى الحكام القرار للزوج بسبب مجمل المجموع العالي لنقاطه.

رجل من ماضيها

أظن أن أمي تغازل رجلاً من ماضيها وهو غير أبي. قلت لنفسي: لا ينبغي أن يكون لأمي علاقات غير مهذبة مع هذا الرجل “فرانز”! “فرانز” أوروبي. أقول ليس عليها أن ترى هذا الرجل على نحو غير مهذب وأبي غائب! لكني أخلط بين حقيقة قديمة وحقيقة جديدة: لن يعود أبي إلى البيت. سيبقى في قاعة فيرنون. أما بالنسبة لأمي، فهي في عمر الرابعة والتسعين. كيف يمكن أن يكون لامرأة في الرابعة والتسعين من عمرها علاقات غير مهذبة؟  إلا أن التباسي يجب أن يكون هذا: مع أن جسدها طاعن في السن، قدرتها على الخيانة لا تزال فتية ويانعة.

 

 

 

غير مهتمة

 

أنا لست مهتمة ببساطة بقراءة هذا الكتاب. كنت غير مهتمة بقراءة آخر كتاب حاولت قراءته، أيضاً. اهتمامي يتناقص أكثر فأكثر بقراءة أي من الكتب التي لدي، ولو أنها جيدة إلى حد ما كما أفترض. فقط عندما خرجت منذ عدة أيام، إلى الفناء الخلفي، أزمع جمع بعض العيدان والأغصان وأحملها إلى الكومة في الزاوية البعيدة من المرج، أصبحت فجأة سئمة بشدة من فكرة التقاط تلك العيدان وحملها، مرة ثانية، إلى تلك الكومة، ومن ثم أعود عبر عشب المرج العالي من أجل المزيد، حتى أني لم أبدأ بعد، وببساطة عدت للداخل.

الديفيسين والبساط

كان كليهما يحملان اسم ديفيس، لكنهما لم يكونا متزوجان ولم تجمعهما رابطة الدم. كانا جيراناً، بأية حال. كانا كلاً منهما من المترددين، أو بالأحرى، يمكن أن يكونا مترددين جداً حول بعض الأمور، أموراً هامة، أو أموراً تتعلق بعملهما، لكن يمكن أن يكونا مترددين جداً بشأن أمور صغيرة، ويغيرا رأييهما من يوم إلى آخر، مراراً وتكراراً، يتخذا قراراً حازماً بشأن شيء ما في أحد الأيام ومن ثم يتخذا القرار الحازم المعاكس في اليوم التالي.

هما لم يعرفا هذا عن بعضهما الآخر إلى أن قررت أن تعرض بساطها للبيع.

كان بساطاً من الصوف مزخرفاً زاهٍ، أحمر، أبيض، وأسود، بتصميم جريء من الماس وبعض الأشرطة السوداء. اشترته من متجر صغير للأميركيين الأصليين حيث كانت تقطن، لكنها اكتشفت الآن أنه لم يكن أميركي أصلي. لقد أصبحت ضجرة منه قليلاً حيث يفترش أرض غرفة ابنها الغائب، لأنه كان متسخاً قليلاً ومجعداً قليلاً عند الزوايا، وقررت أن تبيعه في حلقة البيع التي كانت تعقد لجمع المال من أجل قضية انسانية. لكن عندما لاقى إعجاباً في المزاد أكثر مما توقعت، وعندما تم رفع سعر العشر دولارات الذي وضعته له من قبل منظم المزاد إلى خمسين دولاراً، غيرت رأيها وأملت ألا يشتريه أحد.  ومع انتهاء النهار، لم تخفض سعر البساط، في حين كان الآخرون يخفضون أسعارهم من حولها، ومع ذلك واصل الناس إبداء إعجابهم به، وما اشتراه أحد.

 

قصة روتها لي صديقة

روت لي صديقتي قصة حزينة منذ عدة أيام عن جار لها. كان قد شرع بمراسلة أحد الغرباء من خلال خدمة المواعدة على الانترنت. الصديق يقطن على بعد مئات الأميال، في كارولينا الشمالية.  تبادل الرجلان الرسائل ومن ثم الصور وسرعان ما كانا يجريان محادثات طويلة، في البدء كتابة ومن ثم عبر الهاتف. اكتشفا أن لديهما الكثير من الاهتمامات المشتركة، كانا متفقان عاطفياً وفكرياً، كان كلاً منهما مرتاح للآخر وكانا منجذبان جسدياً أحدهما للآخر، بالقدر الذي سمح به التواصل عبر الانترنت لهما أن يتكهنا به. كانت اهتماماتهما المهنية، أيضاً، متقاربة، كون جار صديقتي محاسباً وصديقه الجديد أقصى الجنوب أستاذاً مساعداً في الاقتصاد في كلية صغيرة. بعد عدة أشهر، بدا أنهما تماماً وحقيقة عاشقين، وكان جار صديقتي مقتنعاً أن ” هذا كان هو”، على حد تعبيره.  عندما حان وقت عطلة ما، رتب أمره ليطير جنوباً لعدة أيام ويلتقي بحبه عبر الانترنت.

خلال يوم السفر، اتصل بصديقه مرتين أو ثلاث مرات وتحدثا. ومن ثم كان متفاجئاً من عدم تلقي إجابة. ولم يكن صديقه في المطار للقائه. بعد الانتظار هناك والاتصال أكثر من مرة، غادر جار صديقتي المطار وذهب إلى عنوان أعطاه إياه صديقه.  لم يفتح أحد عندما قرع ورن. كل الاحتمالات عبرت في باله.

هنا، بعض أجزاء من القصة مفقودة، لكن صديقتي أخبرتني بأن جارها علم أنه، في ذلك اليوم، لما كان في طريقه إلى الجنوب، مات صديقه الانترنتي متأثراً بذبحة قلبية وهو على الهاتف مع طبيبه، جار صديقتي، وقد علم بذلك إما من جار الرجل أو من الشرطة، توجه إلى المشرحة المحلية، سمح له برؤية صديقه الانترنتي، وبالتالي كان هنا، وجها لوجه مع رجل ميت، حيث تقع عيناه لأول مرة على الشخص الذي، كان قد اقتنع بأنه كان رفيق عمره.

 

في القطار

نحن متحدان، هو وأنا، ومع ذلك غريبين، في مواجهة المرأتين اللاتي تتحدثان بشكل متواصل وبصوت مسموع عبر الممر الواحدة مع الأخرى. سلوك سيء.

لاحقاً أثناء الرحلة نظرت إليه (عبر الممر) وهو ينكش أنفه. بالنسبة لي، أنا أنقط بندورة من سندويشتي على صحيفتي. عادات سيئة.

سوف لن أذكر هذا فيما لو كنت أنا من ينكش أنفه.

نظرت ثانية وهو لا يزال على حاله.

بالنسبة للنسوة، هن الآن تجلسان معاً جنباً إلى جنب وتقرآن بهدوء، نظيفتان ومرتبتان، واحدة مجلة، والأخرى كتاب. بريئتين.

 

سوزي براون ستكون في البلدة

سوزي براون ستكون في البلدة. ستكون في البلدة لتبيع أشياءها. سوزي براون تنتقل بعيداً. سترغب ببيع حشيتها الملكية.

هل نريد حشيتها الملكية؟  هل نريد متكأها التركي؟ هل نريد أدوات حمامها؟

حان الوقت للقول وداعاً سوزي براون.

لقد استمتعنا بصداقتها. لقد استمتعنا بدروس التنس معها.

قصة

عدت إلى البيت من العمل وها هي رسالة منه: عن أنه ليس قادما، وأنه مشغول. سيتصل ثانية.  انتظرت اتصاله، ومن ثم في الساعة التاسعة ذهبت إلى حيث يسكن، وجدت سيارته، لكنه ليس في البيت. قرعت باب شقته ومن ثم على أبواب الكراج كلها، غير عالمة أي باب كراج هو بابه-ما من جواب. أكتب ملحوظة، أقرأها بصوت عال، أكتب ملحوظة جديدة، وأعلقها على بابه. في البيت أنا ضجرة، وكل ما يمكنني فعله، مع أنه لدي الكثير لأعمله، طالما أنى ذاهبة في رحلة صباحاً، هو العزف على البيانو. أتصل مجددا في الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة وهو في البيت، كان في السينما مع صديقته السابقة، وهي لا تزال هناك. يقول إنه سيعاود الاتصال. أنتظر. أخيرا أجلس وأكتب في مفكرتي أنه عندما يتصل بي سواء كان سيأتي إلي بعدها أو لن يفعل و سأكون غاضبة، و بالتالي إما سيكون عندي هو أو غضبي، وهذا قد يكون جيداً، طالما أن الغضب هو دائما راحة كبيرة، كما اكتشفت مع زوجي. ومن ثم أواصل الكتابة، بضمير الغائب وبالزمن الماضي، بأنه من الواضح أنها احتاجت دائما أن تحب حتى ولو كان حبا معقدا. هو يتصل قبل أن يكون لدي متسع لإنهاء كتابة كل هذا.  عندما يتصل، تكون الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة والنصف بقليل. تجادلنا حتى الثانية عشرة تقريبا. كل ما قاله متناقض: على سبيل المثال، يقول بأنه لم يرغب برؤيتي لأنه أراد العمل وحتى أكثر لأنه رغب بأن يكون وحيدا، لكنه لم يعمل ولم يكن وحيدا. ما من طريقة لجعله يصلح أي من تناقضاته، وعندما تبدأ هذه المحادثة في أن تشبه كثيرا الكثير من المحادثات التي دارت مع زوجي أقول وداعا وأغلق السماعة. أنهي كتابة ما بدأت بكتابته حتى ولو أنه الآن لم يعد يبدو في الغضب أية راحة عظيمة.

أتصل به بعد خمس دقائق لأخبره بأني آسفة بشأن كل هذا الجدال، وبأني أحبه، لكن ما من جواب. أتصل ثانية بعد خمس دقائق، وأنا أفكر بأنه قد يكون قد خرج إلى كراجه وعاد، لكن مجدداً ما من جواب. أفكر أن أذهب بسيارتي إلى حيث يعيش ثانية وأنظر في كراجه لأرى إذا ما كان يعمل هناك، لأنه يضع مكتبه هناك وكتبه وهذا هو المكان الذي يذهب إليه ليقرأ ويكتب. أنا في ثوب النوم، الساعة جاوزت الثانية عشرة وعليَّ المغادرة صباحاً في الساعة الخامسة. مع ذلك، ارتديت ثيابي وقدت ما يقارب مسافة ميل إلى مكانه. انا أخشى من أني عندما أصل هناك سأرى سيارات أخرى بجانب منزله لم أرها مسبقاً وستكون إحداها لصديقته السابقة. وأنا أقود على الطريق أرى سيارتين لم تكونا هناك من قبل، وواحدة منها مركونة أقرب ما يمكن لبابه، وأفكر بأنها هناك. أدور حول البناء الصغير نحو الخلف حيث تكون شقته، وأنظر من النافذة: الضوء منار، لكن لا يمكنني رؤية شيء بوضوح بسبب الستائر المعدنية المغلقة إلى النصف والبخار على الزجاج. لكن الأشياء في داخل الغرفة ليست كما كانت في السابق في المساء، وقبل أن يكون هناك بخار. أفتح باب الشيش الخارجي وأقرع. أنتظر. ما من رد. ادع باب الشيش يغلق وأمشي لأتفحص صف الكاراجات. الآن الباب يفتح من خلفي وأنا أبتعد ويخرج. لا أستطيع رؤيته بشكل جيد بسبب العتمة في الخط الضيق بجانب بابه وهو يرتدي ثيابا داكنة والأضواء من خلفه.  يأتي نحوي ويضع ذراعيه حولي بدون أن يتكلم، وأفكر بأنه لا يتكلم ليس بسبب أنه يشعر بالكثير لكن لأنه يحضر لما سوف يقوله. يدعني ويمشي حولي ويتوجه نحو المكان الذي ركنت فيه السيارات بجانب أبواب الكاراجات.

ونحن نمشي هناك يقول “انظري،” واسمي، وأنا أنتظر منه أن يقول بأنها هنا وأيضا بأن كل شيء انتهى بيننا لكنه لا يفعل ولدي شعور بأنه لا ينوي أن يقول شيئا مثل ذلك، على الأقل قل بأنها كانت هنا، وأنه من ثم عدل عن رأيه لسبب ما. بدلا من ذلك يقول بان كل شيء حدث بشكل سيء الليلة كان خطأه وأنه آسف. يقف وظهره أمام باب الكراج ووجهه في الضوء وأقف أمامه وظهري للضوء. عند لحظة ما يعانقني بشكل مفاجئ جداً حتى أن نار سيجارتي تفتت أمام باب الكراج خلفه أعلم لم نحن في الخارج هنا وليس في غرفته لكني لا أساله إلى أن يصبح كل شيء بيننا على ما يرام. ومن ثم يقول،” هي لم تكن هنا عندما اتصلت بك. لقد عادت لاحقا.” يقول أن السبب الوحيد وراء كونها هنا هو أن شيئا ما يزعجها وهو الوحيد الذي بإمكانها أن تحدثه عنه ومن ثم يقول،” أنت لا تفهمين، أليس كذلك؟”

أحاول أن أستنتج.

إذن فقد ذهبا إلى السينما ومن ثم عادا إلى بيته ومن ثم اتصلت ومن ثم غادرت واتصل من جديد وتجادلنا ومن ثم اتصلت مرتين لكنه غادر ليجلب البيرة (يقول) ومن ثم قدت السيارة وفي هذا الوقت عاد من شراء البيرة وعادت هي أيضا وكانت في غرفته لذا تحدثنا عند أبواب الكراج لكن ماهي الحقيقة؟ هل هو وهي كلاهما عادا حقيقة في تلك الفسحة القصيرة بين آخر تلفون لي ووصولي إلى بيته أو أن الحقيقة أنه أثناء اتصاله بي انتظرت خارجا أو في كراجه أو في سيارتها وأنه بعدها أدخلها ثانية وأنه عندما رن الهاتف في اتصالي الثاني والثالث تركه يرن بدون جواب لأنه كان مشمئزا مني ومن الجدال أو أن الحقيقة أنها غادرت وعادت لاحقا وأنه بقي وترك الهاتف يرن دون أن يرد أو ربما هو أتى بها وخرج من أجل البيرة في حين انتظرت هناك واستمعت لرنين الهاتف؟ الأخير هو الأقل احتمالا. لا أصدق بأية حال أنه كان هناك أي خروج من أجل البيرة.

واقعة أنه لا يخبرني الحقيقة طوال الوقت يجعلني لست أكيدة من حقيقته في أوقات معينة، ومن ثم أعمل على الاستنتاج بنفسي فيما إذا كان يخبرني الحقيقة أم لا، وأحيانا أستطيع معرفة أنها ليست الحقيقة وأحيانا لا أعلم ولا أعلم أبدا، وأحيانا فقط لأنه يقول هذا لي مرارا وتكرارا أنا مقتنعة ثانية بأنها الحقيقة لأني لا أصدق بأنه يستطيع أن يعيد الكذبة بهذا التكرار. ربما الحقيقة لا تهم، لكني أريد أن أعرفها فقط حتى يمكنني التوصل إلى نتيجة ما حول مسألة من مثل: فيما إذا كان غاضبا مني أو لا، إذا كان غاضبا إلى أي حد، هل لا يزال يحبها أو لا، إذا كان لا يزال يفعل إلى أي حد، هل لا يزال يحبني أو لا، كم يحبني، الى أي حد هو قادر على خداعي في التصرف وما بعده في إخباري.

ولدت الكاتبة الأميركية ليديا ديفيس في نورثامبتون، ماساشوتس في الخامس عشر من تموز عام 1947، تكتب القصة القصيرة، الرواية والمقالة وتترجم عن الفرنسية. درست ديفيس أولاً الموسيقى، البيانو والكمان. تزوجت في العام 1974 الكاتب بول أوستر ولديها منه ابن يدعى دانيل، تطلقا فيما بعد وهي متزوجة الآن من الفنان الآن كوت، لديها منه ابن يدعى ثيو، هي الآن أستاذة الكتابة الإبداعية في جامعة ألباني. حصلت على جائزة مان بوكر العالمية في العام 2013.

 

[1] Apostrophe.

the_brothers_-karamazov_large

الإخوة كارامازوف

سقوط أوروبا

هرمان هيسه

 

يبدو لي أن ما أسميه سقوط أوروبا متنبأ به ومفسر بأوضح صورة في أعمال دوستوفسكي وبالشكل الأكثر تكثيفاً في رواية الأخوة كارامازوف. يبدو لي أن الشبان الأوروبيين وبخاصة الألمان منهم مقدر لهم ايجاد كاتبهم الأعظم في دوستويفسكي—وليس في غوته، وليس حتى في نيتشه. في الشعر الأكثر حداثة، هناك في كل مكان تناولاً لدوستوفسكي، حتى وإن كان أحياناً تقليدياً وغير ناضجاً. مثال الكارامازوف، البدائي، الآسيوي، والسحري، بدأ بالفعل باستنزاف الروح الأوروبية. هذا ما أعنيه بسقوط أوروبا. هذا السقوط هو عودة إلى الوطن إلى الأم، عودة إلى آسيا، إلى المصدر، إلى “Faüstischen Muttern”(أي الأم الفاوستية) وسيؤدي الضرورة، مثل كل موت على الأرض، إلى ولادة جديدة.

نرى نحن المعاصرون “السقوط” في هذه الأحداث بنفس طريقة الهَرمين، ممن يرغمون على مغادرة المنزل الذي يحبون، يبكون خسارة لا يمكن تعويضها بالنسبة لهم في حين أن الشباب يفكر فقط بالمستقبل، يهتم فقط بما هو جديد.

ما هو هذا المثال الآسيوي الذي أجده لدى دوستوفسكي، أثره الذي سيكون، كما أراه، غامراً لأوروبا؟

باختصار، هو رفض لكل مثل وعبرة مسيطرة بقوة لصالح سياسة شاملة من عدم التدخل. هذه هي العقيدة الجديدة والخطرة، التي أعلنها الشيخ زوسيما، العقيدة الحية في اليوشا وديمتري، العقيدة التي كانت مقدمة في أوضح صورة لها عبر ايفان كارامازوف. في حالة الشيخ زوسيما، الحق المثالي لا يزال يحكم الأسمى. الخير والشر دائماً موجودان بالنسبة له، لكنه يمنح حبه للأشرار اختياراً. اليوشا بالفعل يصنع شيئا ما أكثر حيوية من هذه الملة الجديدة، يشق طريقه عبر البذاءة والوحل بنزاهة أخلاقية تقريباً. هو يذكرنا بقسم زرادشت: ” في ذلك اليوم لقد أقسمت بأني سأتوب عن كل بغض.”

لكن إخوة اليوشا يحملان هذا أيضاً، إنهما يسلكان هذا الطريق بعزم أكبر، يبدوان غالباً أنهما يفعلان هذا بتحد. يبدو في الكتاب الضخم أحياناً كما لو أن علاقة الإخوة كارامازوف تتكشف بنفسها ببطء شديد حتى أنها في وقت ما قد تبدو مستقرة، وفي وقت آخر تصبح مائعة. يصبح اليوشا البار دنيويا أكثر، الأخوة الدنيويون أكثر قداسة، وبشكل مشابه الأكثر جموحاً منهم والأكثر تجرداً من المبادئ يصبح ورعاً، الأكثر حساسية، الأكثر نبوة روحية للقداسة الجديدة، للفضيلة الجديدة، لجنس بشري جديد. هذا جد غريب. كلما تكشفت القصة بنفسها، الخبيث والأكثر ثمالة، الأكثر فسقاً ووحشية من الأخوة كارامازوف، يتوهج بشكل أكثر تألقاً المثال الجديد عبر مجموعة من هذه الظهورات الأولية، الناس، والأفعال، والأكثر روحانية، يصبح الأكثر قداسة داخلياً. مقارنة بالثمل، القاتل، العنيف ديميتري وايفان العقلاني المتشائم-الكريم، الحاكم فائق الاحترام والآخر يمثل البرجوازية، منتصرون ولو أنهم قد يكونوا ظاهرياً، دنيؤون، فارغون، تافهون.

يبدو، حينها، أن ” المثال الجديد” الذي به جذور الروح الأوروبية مستنزفة، مفهوم أخلاقي كلياً، قابلية الشعور بالإلهي، العظيم، القدري، في الآثم وفي القبيح، وحتى منحهم التبجيل والعبادة. ليس أقل من ذلك. الغلو الساخر الذي ينشد به الحاكم في خطابه منع هؤلاء الكارامازوف من احتقار المواطنين، هو ليس في الواقع غلواً. إنه بالفعل اتهام وديع. لأنه في هذا الخطاب “الرجل الروسي” معروض من وجهة نظر برجوازي محافظ. كان إلى حينه هدفاً. خطراً، عاطفياً، غير مسؤول، وأيضا مطارداً بالضمير، ناعماً، حالماً، وحشياً، أيضا طفولي بشكل أساسي. مثل هذا المرء لا يزال يحب  أن يعتبر ” الرجل الروسي” إلى اليوم، بالرغم من أني، أؤمن، أنه كان لوقت طويل على الطريق في أن يصبح الرجل الأوروبي. وهذا هو سقوط أوروبا.

دعنا ننظر إلى هذا ” الرجل الروسي” للحظة. هو أكبر سناً بكثير من دوستوفسكي، لكن دوستوفسكي أخيراً أظهره للعالم بكل ثقله المخيف. ” الرجل الروسي” هو كارامازوف، إنه فيدور بافلوفيتش، إنه ديمتري، إنه ايفان، إنه اليوشا. هؤلاء الأربعة، مختلفون كما قد يظهرون، ينتمون أحدهم إلى الآخر بشكل غير منفصل. معا هم كارامازوف، معا هم ” الرجل الروسي،” معاً هم المقترب، الرجل الملازم للتحول الأوروبي.

ثم لاحظ شيء ما لافت جداً. يتحول ايفان خلال القصة من رجل متحضر إلى كارامازوف، من أوروبي إلى روسي، من نمط تاريخي مصاغ بشكل محدد إلى مادة غير مشكلة من القدر.

هناك واقع –حلم كالخيال فيما يتعلق بالطريقة التي ينزلق فيها ايفان من نفسيته الأصيلة: من فهمه، هدوءه، معرفته. هناك حقيقة غامضة في هذا الانزلاق للأخ الذي يبدو صلباً نحو هستيري، روسي، كارامازوفي. إنه تماماً هو، الشكاك، الذي في النهاية يجري حواراً مع الشيطان! سوف نأتي إلى ذلك لاحقاً.

لذا ف”الرجل الروسي” ليس مرسوماً كهيستيري، سكير، مجرم، شاعر، قديس، لكن كواحد منهم جميعاً، كمستحوذ على هذه الشخصيات بآن معاً. الرجل الروسي، كارامازوف، هو القاتل والحكم، الوحشي والروح العطوف، الأناني كلياً والبطل الأكثر تضحية بنفسه. سوف لن نستوعبه من وجهة نظر أوربية، أخلاقية عجولة وقاسية، معنوية، عقائدية. في هذا الرجل، الخارج والداخل، الخير والشر، الله وابليس متحدين.

النداء الملح يقرع أبداً من هؤلاء الكارامازوف من أجل الرمز الذي تسعى أرواحهم إليه، إله هو أيضا شيطان. الرجل الروسي لدى دوستوفسكي مخترق من ذلك الرمز. الـ إله-شيطان، القوة المهيمنة الأولية، هو الذي كان هناك منذ البداية الذي وحده يقف في الجانب الآخر للمحرم، الذي لا يعرف النهار ولا الليل، ولا الخير ولا الشر. هو لا شيء وكل شيء. هو لا سبيل لمعرفته بالنسبة لنا، لأننا لا نملك سوى القدرة على إدراك التحريم، نحن كائنات منفردة، مقيدين بالنهار والليل، بالدفء والبرد، نحتاج إلى الله والشيطان. على الجانب الآخر من ذلك المحرم، في اللا شيء وكل شيء، فقط القوة المهيمنة، إله كل شيء، من لا يعرف لا الخير ولا الشر، يمكن أن يعيش.

هناك الكثير ليقال عن هذا، لكن ما كتبته لا بد يفي بالغرض. لقد رأينا طبيعة الرجل الروسي. إنه يمتد ما وراء المحرمات، أبعد من الغرائز الطبيعية، أبعد من الفضيلة. إنه الرجل الذي استوعب فكرة تحرير نفسه ومن جانب آخر، أبعد من الشر، أبعد من مبدأ التشخيص principium individuationis، من العودة ثانية. هذا الرجل المثالي في الأخوة كارامازوف لا يحب شيئا وكل شيء، لا يهاب شيئا وكل شيء، لا يعمل شيئا ويعمل كل شيء. إنه مادة خام. إنه مادة الروح الهائلة. لا يمكنه أن يعيش في هذا الشكل، يمكنه فقط أن ينهار، يمكنه أن يرحل فقط.

استحضر دوستوفسكي مخلوق السقوط هذا، هذا الشبح المخيف. كثيرا ما قيل بأنه لأمر جيد أن الأخوة كارامازوف لم يطوروا إلى مرحلتهم الأخيرة. وإلا لكانت ليست روسيا فقط، لكن الجنس البشري انفجر في الهواء.

لكن ما قيل، ولو أن المتكلم لم يسحب من كلماته تضميناتها القصوى، لا يمكن أبداً التراجع عنه. ذلك الذي يوجد، ذلك الذي تم التفكير به، ذلك الممكن، لا يمكن أن يكون مطفأ ثانية. الرجل الروسي لطالما وجد، إنه يوجد في خارج روسيا، إنه يحكم نصف أوروبا، وجزء من الانفجار الرهيب الذي كان حقا في هذه السنوات الأخيرة بيناً بشكل مسموع. إنه يظهر نفسه في أن أوروبا متعبة، إنه يظهر نفسه في أن أوروبا تريد أن تعود إلى البيت، في أن أوروبا تريد الراحة، في أن أوروبا تريد أن تكون معاد خلقها، منبعثة.

هناك بيانين خطرا لي عن الأوروبي الذي يمثل بلا ريب بالنسبة لنا العصر الماضي، أوروبا التي إذا لم تنهار فعلاً فإنها في ثبات. أنوه إلى القيصر فيلهيلم.  البيان الأول هو الذي كتبه مرة بصورة مجازية بشكل استثنائي. في هذا هو حذر الأمم الأوروبية كي يحموا ممتلكاتهم المقدسة من تقدم الهلاك من الشرق.

لم يكن القيصر فيلهيلم بالتأكيد شخصاً عميقاً وحكيماً. على أنه امتلك، باعتباره المودع لديه والوصي على مُثل العالم القديم العليا، نباهة أكيدة موروثة حذرته من الأخطار التي هددت تلك المثل. هو لم يكن مفكراً! لم يكن يحب قراءة الكتب الجيدة، وشغل نفسه كثيراً بالسياسة لهذا تلك الصورة التي مع تحذيرها للأمم لم تكن كما قد يفكر المرء بنتيجة لقراءة دوستوفسكي، لكن من خوف غامض من الجماعات الشرقية، التي من خلالها الطموحات اليابانية قد تكون أدرجت ضد أوروبا. القيصر يعلم، لكن جزئيا، مصدر كلماته وكيف كان على حق بشكل استثنائي. هو بالتأكيد لم يعرف بالأخوة كارامازوف، كان مرعوباً من فكرة عميقة، لكن كان لديه الهاجس الصحيح عن غير قصد. الخطر كان يقترب كل يوم. ذلك الخطر كان الأخوة كارامازوف، الأذى من الشرق. ما كان يخافه لا شعوريا لكن بشكل محق، كان العودة الصاعقة للروح الأوروبية المتعبة نحو الأم الآسيوية.

البيان الثاني الامبراطوري الذي يخطر لي والذي في ذلك الوقت كان له أثراً سيئا علي، هو هذا. ” الأمة التي ستربح الحرب هي تلك التي لديها أفضل أعصاب.” عندما في ذلك الوقت، تماما عند بداية الحرب، سمعت عن البيان، أتاني كتحذير مكتوم عن زلزال. كان بالطبع واضحا بأن القيصر لم يكن يعني ذلك، ما كان حقيقة في باله، كان شيء ما تملقيا جداً لألمانيا. من المحتمل أنه هو نفسه كان لديه أعصاب استثنائية، رفاقه في الصيد واستعراض القوات أيضا. هو يعلم أيضا القصة القديمة المملة عن عجز فرنسا المنحلة و عن ألمانيا الفاضلة المثمرة وآمن به، لكن بالنسبة لهؤلاء الذين على علم، ومع  ذلك أكثر بالنسبة لهؤلاء ممن لديهم حدس الاستشعار بالغد وما بعده، كان البيان فظيعا لأنهم يعلمون بأن الألمان لديهم بأي صورة من الصور أعصابا أفضل من الفرنسيين، الانجليز، والأميركيين، في أحسن الأحوال أفضل من الروس، لأنه أن تملك أعصابا سيئة  فهو تعبير عامي عن الهستيريا و الوهن العصبي، عن الجنون الأخلاقي و كل تلك الشرور التي قد رآها المرء بطرق مختلفة لكن التي تشير بالمجمل  إلى الكارامازوف، باستثناء النمسا ،ألمانيا تقف بما لا يقاس بشكل أكثر رغبة وضعفا، منفتحة على الأخوة كارامازوف، على دوستوفسكي، على آسيا، من أي شعب أوروبي آخر.

بالتالي نطق القيصر أيضا التحذير مرتين، تنبأ بالفعل بسقوط أوروبا.

لكن تماماً مسألة أخرى هي في طريقة نظرتنا نحن إلى هذا السقوط. هنا نحن عند مفترق الطرق. هؤلاء الذين يتشبثون يقينا بالماضي، هؤلاء الذين يعظمون أشكالاً ثقافية أصيلة، فرسان الفضيلة المكنوزة، لابد أن ينشدوا تأجيل هذا السقوط وسوف يبكونه بشكل تعس عندما يحدث. بالنسبة لهم السقوط هو النهاية، بالنسبة للآخرين، هو البداية. بالنسبة للأول، دوستوفسكي مجرم، بالنسبة للآخرين هو قديس. بالنسبة للفريق الأول أوروبا وروحها تشكلان وجودا نهائيا، مقدرا، غير منتهك، أمر مثبت ولا يتغير. بالنسبة للآخرين إنها أمر متكون، متحول، متغير أبدا.

الآسيوي، الفوضوي، المتوحش، الخطر، الأخلاقي، في الواقع يمكن النظر إلى عناصر الكارامازوف مثل كل شيء آخر في العالم، من وجهة نظر إيجابية أو سلبية على حد سواء. هؤلاء الذين من خوف لا يسمونه، يشتمون دوستوفسكي هذا، هؤلاء الكارامازوف، هؤلاء الروس، هذه الآسيا، هذه الفانتازيا المهيمنة وكل بياناتها، ينتظرهم وقت قاس لأن الكارامازوف يهيمنون أكثر فأكثر، لكنهم يقعون في الخطأ برؤية فقط ما هو ظاهر، المرئي، المادي، إنهم يرون سقوط أوروبا قادما ككارثة فظيعة بالدوي وقرع الطبول، أيضا كثورة مترافقة بالذبح والعنف، أو كانتصار للجريمة، البغي، البطش، الفساد، والقتل.

كل ذلك ممكن، كله محتوى في كارامازوف. لا يعلم المرء أبدا ما سيفعله الكارامازوف لاحقاً. ربما سيفاجئنا بالضربة القاضية، ربما بالانتقال إلى شكر الله. هو يصر على اليوشا وديمتري، على فيودور وايفان. كما رأينا، هم لن يكونوا متماثلين مع أي شخصية مفردة، لكن مع الميل لتبني أي وكل شخصية.

لكن ليس هناك من عزاء للوجل، في هؤلاء الناس الذين لم يكن يحسب حساب لهم ربما قد يسفر عن خير مستقبلي أو شر على حد سواء، من المحتمل تماماً أن يجدوا مملكة جديدة لله أو واحدة للشيطان، ما يقف أو ينهار على أرض يتعلق بالكارامازوف قليلا، سرهم يكمن في مكان آخر، والقيمة وخصوبة طبيعتهم اللاأخلاقية أيضا.

يختلف هؤلاء الناس الجدد كليا عن سابقيهم، الأكبر سنا، الخاضعون للقانون، كرام القوم، في احترام حيوي واحد، تحديدا، ذلك أنهم يعيشون روحيا بنفس القدر تماما الذي يعيشون به خارجيا، ذلك أنهم يهتمون بشكل مستمر بأرواحهم. بدا أن الكارامازوف قد يقترفون أية جريمة، لكنهم يقترفونها بشكل استثنائي، لأنها كقاعدة تكفيهم ليملكوا فكرة عن جريمة، أو ليحلموا بها ليجعلوا أرواحهم واثقة بإمكانيتها، هنا يكمن سرهم. دعنا نسعى لصيغة له.

كل شكل للإنسانية، كل ثقافة، كل حضارة، كل نظام، مؤسس على منحة، شيء ما يتجاوز ما هو مسموح وما هو ممنوع. الانسان، في منتصف الطريق بين الحيوان والأنا الأعلى، كان لديه دوما في داخله مقدار كبير يكبته، يخفيه، يرفضه، رغبة في أن يكون كائنا بشريا محترما وليكون ممكنا اجتماعيا. الانسان طافح بالحيوان، طافح بالكائن البدائي، طافح بغرائز ضخمة، مروضة بالكاد من أنانية قاسية وحشية. كل هذه الغرائز الخطرة هي هناك دائما لكن تمت تغطيتها. لم يظهرها الانسان، لقد تعلم منذ الطفولة أن يخفي هذه الغرائز وأن يرفضها. لكن كل تلك الغرائز لابد أن تطفو عاجلا أم آجلا على السطح. كل غريزة حية، ما من واحدة قتلت، ما من واحدة قد تغيرت بشكل مؤقت أو نهائي وتم تصعيدها. وكل واحدة من هذه الغرائز هي في حد ذاتها خيرة، هي ليست أسوأ من الأخرى. لكن بالنسبة لكل حقبة وثقافة، هي غريزة خاصة ينظر لها ببغض خاص من الرعب. الآن، عندما تصعد هذه الغرائز ثانية، في شكل سطحي وخافت فقط، ولو أنه بحذر، قوى طبيعية مضبوطة، عندما هذه الوحوش ثانية تبدأ بالزئير مثل عبيد أضرمت روحهم المكسورة طويلا بالسوط والقمع، من جديد بالتمرد، حينها يكون الكارامازوف عندنا. عندما الثقافة، واحدة من هذه المحاولات لتدجين الانسان، تعبت وبدأ ت تبلى، عندها الرجال يصبحون ملحوظين بمقياس أعظم. يصبحون هستيريين، رغبات غريبة متطورة، تصبح مثل الشبان في الاحتلام أو مثل النساء في النفاس. رغبات شديدة ليس للإنسان اسم لها، تنبع من الروح، رغبات يجب أن تمنعها الثقافة والأخلاق القديمة لأنها آثمة. لكنها تعلن نفسها بصوت بريء جدا، ذلك أن الخير والشر يصبحان متبادلان، وكل قانون يترنح.

مثل هؤلاء الناس هم الأخوة كارامازوف. كل قانون يبدو بسهولة لهم كعرف، كل فضيلة كشخص مادي النزعة، هم يتبنون بخفة كل شهادة، كل نزوة. ودائما بفرح كبير يستمعون إلى العديد من الأصوات في قلوبهم.

لكن هذه الأرواح لا تحتاج إلى اقتراف جريمة بشكل حتمي وتمرد من فوضى. كاتجاه جديد معطى للتيار البدائي المقاطع، لذا فالبذار مبذورة من أجل نظام جديد، لفضيلة جديدة.

مع كل ثقافة الأمر سيان. لا يمكننا تدمير التيار البدائي، الحيوان فينا، لأنه بموته علينا أن نموت نحن أنفسنا. لكن يمكننا لحدود معينة توجيهه، لمدى معين يمكننا تهدئته، إلى مدى معين جعل “الجيد” نافعا، كما يستخدم المرء حصانا سيئا لعربة جيدة، فقط من حين لآخر، يصبح لمعان هذا الجيد قديما وضعيفا، لم تعد الغرائز حقيقة تؤمن به، ترفض أن تكون منضمة إليه، حينها تتشظى الحضارة، ببطء كقاعدة. لذا فما نسميه قديم يحتاج لقرون حتى يموت.

وقبل أن تتمكن الحضارة والمبادئ الأخلاقية القديمتين المحتضرتين أن تذوبا في واحدة جديدة، في تلك المرحلة المؤلمة، الخطيرة، والمخيفة، على الجنس البشري أن ينظر ثانية في روحه، عليه أن يرى الوحش يولد في نفسه من جديد، عليه ثانية أن يدرك السيادة المطلقة للقوى الأولية في نفسه، القوى التي هي الأخلاق العليا. هؤلاء الذين هم مقدرين، محضرين، وناضجين لهذا الحدث هم الكارامازوف. إنهم هستيريون وخطرون، جاهزون ليكونوا مجرمين كنُسَّاك، لا يؤمنون بشيء فيما عدا الشك المطلق بكل عقيدة.

كل رمز له مئات التأويلات، التي منها قد يكون كل شخص على حق. لدى الكارامازوف أيضاً مئات التفسيرات. تفسيري هو واحد منها فقط، واحد من مائة. هذا الكتاب من كتب دوستوفسكي علق رمزا حول عنق الجنس البشري، شيد نصبا له تماما كما قد يخلق الفرد في حلم نصبا لنفسه، صورة لغرائزه المتحاربة وقواه.

إنه لحدث استثنائي أن يستطيع كائن بشري كتابة الأخوة كارامازوف. والآن وقد وقع هذا الحدث، فليس من الضرورة شرحه. لكن هناك ضرورة عميقة لتوكيد الحدث، لقراءة الكتابة بشكل كامل ما أمكن، بشكل احتوائي ما أمكن، للتعلم بقدر ما يمكن من سحرها الرائع. عملي هو الاسهام بفكرة، بتأمل، بتعليق على ذلك الإنجاز، لا أكثر.

ليس لأحد أن يفترض بأني بينت هذه الأفكار والمقترحات باعتبارها تخص دوستوفسكي، على العكس، ما من عارف عظيم أو شاعر، حتى وإن كانت لديه القدرة، قد استطاع أن يشرح مطلقا قصته في مغزاها النهائي.

في الختام أود أن أشير إلى أن هذه الرومانسية الغامضة، حلم الانسان هذا، لا يشير فحسب إلى عتبة تجتازها أوروبا، اللحظة الخطرة من التحويم بين الخواء وكل شيء. إنها أيضا تشيع الإمكانيات الثرية للحياة الجديدة.

في هذا السياق شخصية ايفان مذهلة. نتعلم معرفته كفرد مهذب، لطيف، معاصر، هادئ إلى حد ما، خائب إلى حد ما، متشكك إلى حد ما، نوعا ما متعب. لكنه يصبح أكثر شبابا، أكثر حماسا، أكثر أهمية، أكثر شبها بالكارامازوف. هو من كتب قصيدة المحقق. هو بعد التجاهل بارد للقاتل الذي يؤمن بأنه أخيه، يؤدي في النهاية إلى إحساس عميق بإثمه وحتى لشجبه الذاتي. وهو أيضا يختبر بالشكل الأكثر وضوحا والأكثر أهمية التفسير الروحي للاوعي (عند ذلك كل شيء يتغير بالفعل. هذا هو المعنى الكلي للسقوط، الولادة الجديدة بمجملها تنبثق منه.) في الجزء الأخير من الكتاب، هنا فصل متفرد جدا فيه يدخل ايفان البيت قادما من مقابلته مع سيردياكوف، يرى الشيطان جالسا هناك ويتحدث معه لساعة من الزمن. هذا الشيطان ليس أحد آخر سوى عقل ايفان الباطني، ليس أحد آخر سوى الرضى المهزوز، الخفي طويلا والذي يبدو أنه منسي من روحه. وهو يعرفه أيضا. يعرفه ايفان بثقة مذهلة ويقول هذا بوضوح وبرغم ذلك يتحدث مع الشيطان، برغم ذلك يؤمن به—لأن ما هو داخلي داخلي. برغم ذلك هو حانق منه، مندفع نحوه، حتى أنه يرميه بكوب، هو الذي يعلم أنه آت من نفسه. بالتأكيد ما من قصيدة بينت أبدا بأكثر من هذا الوضوح جلي صلة الكائن البشري مع نفسه اللاوعية. وهذه الصلة، هذا (الغضب المحتقر) هو فهم عميق للشيطان، إنه فقط الطريق الذي اختاره الأخوة كارامازوف ليرونا إياه. بالفعل يظهر دوستوفسكي اللاوعي على أنه الشيطان. وبشكل ملائم. لأن ذلك الذي في داخلنا مشوه برؤيتنا المدجنة، الأخلاقية، المهذبة إلى شيء ما بغيض وشيطاني. لكن نوع ما من مجموع ايفان واليوشا سيكون حقا موفرا لذلك، القاعدة الأعلى الأكثر خصوبة التي عليها يجب بناء العالم الجديد. حينها سرعان ما سيكون اللاوعي هو الشيطان، لكن إله-شيطان، القوة المهيمنة، هو الذي كان دائما، الذي يأتي من الكل. لإيجاد خير جديد وشر جديد ليست مسألة فن خالد، ليست متعلقة بالقوة المهيمنة. هذا هو عمل الانسان وآلهته الأصغر والصاغرة.

كان ليكتب فصلا كاملا عن آخر، كارامازوف خامس، الذي يلعب دورا مشؤوما لكن مهما، بالرغم من أنه دوما يبقى نصف محجوب. هذا هو سيردياكوف، كارامازوف غير الشرعي. إنه هو الذي اغتال الرجل المسن. إنه هو الذي واجه الله كلي الوجود، ككقاتل مدان ذاتيا. إنه هو الذي علم ايفان، العالم، عن أكثر الأمور غموضا وتقى. إنه هو الغير عملي جداً وفي نفس الوقت الأكثر حكمة من كل الكارامازوف. لكني لم أجد مكانا لأقدم له الإنصاف، الكارامازوف الأكثر غموضا، في هذه المقالة.

كتاب دوستوفسكي ليس من تلك الكتب التي يمكنك أن تقتطع منها. يمكنني أن أمضي أياما وأنا أسعى وأجد سمات جديدة كلها تشير في نفس الاتجاه. واحد ة بشكل خاص مبهجة وجميلة، هي الهيستريا والشخصيتين من عائلة هوهلاكوف. هنا لدينا ثانية عنصر الكارمازوف امتزج مع كل ما هو غريب ومريض وسيء في شخصيتين. واحدة منهما، الأم هوهلاكوف، هي ببساطة مريضة. سلوكها هو نتيجة عادة أكدها العمر، الهيستريا هي مرض فحسب، ضعف وحماقة. لكن في حالة الابنة الرائعة، ليس التعب الذي يظهر نفسه كشكل من الهستيريا، لكن الحيوية الانفعالية. إنها مطاردة بالمستقبل. عدم النضج وحب ناضج مقابل بعضهما في حلقة. هي تطور فكرة ورؤية الشر أكثر من أمها التافهة وأيضا الأمر المذهل بشأن الابنة هو أن البراءة والقوة خلف   أكثر تصرفاتها خبثا وبذاءة يقودانها نحو مستقبل مليء بالوعود، الأم هوهلاكوف هستيرية مكانها المصحة ولا شيء آخر، الابنة عصابية مرضها هو عرض لطاقة نبيلة التعبير عنها مرفوض.

وهل هذه التطورات في أرواح الشخصيات المتخيلة في القصة تفيد حقيقة بسقوط أوروبا؟

بالتأكيد، إنهم يعنونه بشكل أكيد كما تشعر عين العقل بالحياة والخلود في نصل عشب الربيع، والموت وحتميته في كل سقوط لورقة خريف. من الممكن أن السقوط أوروبا بكليته سينتهي بنفسه “فقط” روحيا، فقط في أرواح الجيل، فقط في تغيير معنى تحطيم الرموز، في عدم تقدير القيم الروحية. ولهذا، العالم القديم، تلك الصياغة البراقة الأولى للثقافة الأوروبية لن تستمر في ظل نيرون. دمارها لم يكن بسبب سبارتاكوس ولا بسبب العشائر الألمانية. لكن فقط بالتفكير في آسيا، حيث أن ذلك التفكير البسيط، المستقر، لطالما كان هناك، لكن أخذ الشكل الذي أعطاه له المسيح المعلم.

بطبيعة الحال، يمكن للمرء إذا كان يود النظر إلى الأخوة كارامازوف من وجهة نظر أدبية، كعمل فني. عندما صنع العقل اللاواعي للقارة بأكملها والعصر من نفسه شعرا في كابوس حالم، نبوئي فرد، عندما نفذ في صرخته الرهيبة المفزعة، يمكن للمرء بالطبع أن يعتبر هذه الصرخة من وجهة نظر معلم غناء. لا شك أن دوستوفسكي كان شاعراً موهوباً جداً بالرغم من الشرور التي يجدها المرء في كتبه. ليس لدى تورجينيف على سبيل المثال، الشاعر النقي والبسيط مثل هذه الشرور، اشعيا أيضا كان شاعرا موهوبا للغاية، لكن هل ذلك هام؟ عند دوستوفسكي بخاصة في الكارامازوف، يجد المرء أمورا محددة تافهة ومبالغة، مثل هذه الأشياء، التي لن تقتل الفنانين، تحدث حيث الرجل أصلا قد تجاوز الفن، لا يهم. حتى كفنان يثبت هذا النبي الروسي نفسه، بين الحين والأخر يجعل نفسه شهيرا، يجعل نفسه شخصية عالمية ويتأثر المرء بشعور غريب، أنه من أجل أوروبا في الوقت عندما كان دوستوفسكي قد كتب جميع كتبه، عدا عن أنه كان مقدرا مع أعظم الشعراء الأوروبيين، فلوبير على سبيل المثال، بالمقارنة مع الأخوة كارامازوف، يصبح عمل فلوبير تماما فعلا فنيا صغيرا. سرعان ما سيكرهه الشباب الأوروبي ويسخرون منه بظلمهم العنصري، إذا لو كعقاب على الولاية المبالغ بها من قبل آبائهم. لا، هذا ليس زمن الفنانين، ذلك زمن زها بنفسه في مكان آخر.

لكن هنا أصل إلى طريق فرعي. مكان آخر سيكون مكان بالنسبة لي لأرى لم عند هذا المفصل، اعترض فلوبير طريقي بشكل مقلق وأغواني بعيدا عن فكرتي. ذلك أيضا سيكون له دلالته الخاصة. الآن عليَّ أن اتشبث باهتمامي الرئيسي. كنت ماضيا في القول: ربما الأقل مرتبة من مثل هذا الكتاب العالمي هو العمل الفني، نبوءته حقيقية. وإلى جانب أنه يبدو لي أن هناك الكثير مما هو لافت وأيضا غير متعمد، ليس عمل ذكاء مفرد في الرومانسية، في الأسطورة، وفي اختراع الكارامازوف، يبدو أنه ليس من شاعر.

على سبيل المثال، لنقل كل شيء في الحال، الواقعة الأكثر دلالة في كامل العمل هي أن الكارامازوف هم كائنات بشرية خطرة، ليست في الحسبان. لديهم شدتهم المميزة، وعيهم المميز، ولا وعيهم المميز. أحدهم سكير، والآخر مطارد للنساء، والآخر راهب خيالي، الأخير هو شاعر لنظم تجديفي سري. هذه الأخوة المميزين ينشرون خطرا أكبر للآخرين. إنهم يحتجزون الناس باللحية يجعلون الناس مفلسين يهددون الناس بالموت ومع ذلك هم أبرياء وبرغم كل شيء ما من واحد منهم فعل أي شيء جرمي حقيقة، القتلة الوحيدون في هذه الرواية الطويلة التي تهتم بشكل أساسي بالقاتل، اللص، و الجريمة، القتلة المذنبون الوحيدون، هم القاضي والمحكمة، ممثلو النظام القديم   المحترم، المواطنون الطاهرون الشرفاء، إنهم يدينون ديمتري البريء، إنهم يهزؤون ببراءته، إنهم يحكمون عليه، يخمنون، ينتقدون الله والعالم وفقا لرمزهم وهم الذين على خطأ، وهم الذين يخافون من الجور، هم من يصبحون قتلة من التحيز، من الخوف، من التفكير السطحي.

هذا ليس اكتشاف، إنه ليس أمرا يتعلق بالأدب. إنه ليس عمل تحر أدبي بارع معتد بنفسه أو الرجل الذكي والتهكمي لخطابات تلعب دور الناقد الاجتماعي. نعلم كل شيء حول هذا النوع من الأمور ونحن مرتابون، وكنا لوقت طويل منقطعون عن الايمان به. لا، بالنسبة لدوستوفسكي براءة المجرم وذنب الحاكم ليسا على الأقل دعوى خبث. إنه أمر مخيف يصمد وينمو بثقة، إنه متجذر بعمق شديد، حيث أخيرا تقريبا في المرحلة الأخيرة من الكتاب يقف المرء مذعورا من الحقيقة. يقف المرء ويحدق بكل ألم وجنون العالم على المعاناة والنقص في الفهم للرجال كما لو أن المرء يواجه جدارا.

قلت إن دوستوفسكي ليس شاعراً، أو أنه فقط شاعر بالمعنى الثانوي. دعوته نبيا. من الصعب القول بالضبط ما تعنيه كلمة نبي. تبدو لي شيئا مثل هذا. النبي مثل رجل مريض، مثل دوستوفسكي، الذي كان مصابا بالصرع. النبي هو نوع من رجل مريض فقد حاسة العناية بنفسه، الفحوى هي انقاذ مواطن كفء. هو لم يكن ليفعل لو كان هناك الكثير منهم، لان العالم كان سينهار.

رجل مريض من هذا القبيل، سواء كان اسمه دوستوفسكي أو كارامازوف، بتلك الغرابة، الغموض، القدرة الإلهية، الإمكانية التي منها يعظم الآسيوي في كل ممسوس. إنه عراف وحكيم. أناس، حقبة، بلد، قارة صممت من جثتها آلة، عضوا حسيا بحساسية لا نهائية، عضو نادر جدا وهش. رجال آخرون، الفضل لسعادتهم وصحتهم، لا يمكن أبدا أن يضطربوا بهذه الهبة. هذه الآلة الشعورية، هذه المقدرة ليست ممكنة الفهم بهمجية كنوع ما من التخاطر أو السحر، بالرغم من أن الهبة يمكن أيضا أن تظهر نفسها حتى وإن بشكل مشوش. بالأحرى ذلك الرجل المريض من هذا النوع يفسر حركات روحه بشروط الكون والجنس البشري. كل رجل له رؤى، كل انسان له خيالاته، كل انسان له أحلامه. وكل رؤيا كل حلم، كل فكرة وخاطر لرجل، على الطريق من اللاوعي إلى الوعي، يمكن أن يكون لها آلاف المعاني المختلفة، والتي منها يمكن للجميع أن يكونوا على حق.

لكن ظهورات ورؤى العراف والنبي ليستا ملكه. كابوس الرؤى الذي يثقله لا يخطره بالمرض الشخصي، بالموت الشخصي، لكن بمرض، بموت ذلك الجسم الذي هو عضوه الحسي، هذا الجسم يمكن أن يكون عائلة، قبيلة، شعب، أو يمكن أن يكون كامل الجنس البشري. في روح دوستوفسكي مرض معين وحساسية للمعاناة في صدر الجنس البشري الذي يسمى خلافاً لذلك هستيريا، وجد حالاً وسائله في التعبير والقياس. الجنس البشري الآن على وشك إدراك هذا. بالأصل نصف أوروبا، على كل حال، نصف أوروبا الشرقية، على طريق الفوضى. في حالة الوهم الثمل، إنها تترنح إلى الهاوية وتغني وهي تترنح، ترنيمة ثملة من مثل التي غناها ديمتري كارامازوف. المواطن المهان يضحك لتلك الأغنية بازدراء، القديس والعراف يسمعانها دامعين.

 

هدف- أومبيرتو سابا.

 

slide_17

الحارس منهاراً، في آخر دفاع

عقيم، يخفي وجهه

في الأرض، كي لا يرى المشهد المرير.

رفيقه، جاثياً على يمينه،

يحثه، طالباً منه النهوض، لكن

يجد عيناه وقد اغرورقتا بالدموع.

 

الجماهير—مهتاجة معاً— تفيض

على الملعب، حشود حول الهداف

تجمهرت، مطوقاً من قبل رفاقه الآخرين.

قليلة هي اللحظات الرائعة مثل هذه

لهؤلاء المنهكين بالكراهية والحب

تحت هذه السموات الفارغة.

 

في حلق المرمى البعيد، غير المنتهك،

الحارس الآخر يلزم مكانه. لكن

روحه ترفض أن تترك وحيدة.

بابتهاج، رفع ذراعيه

عالياً ليرسل القبلات عبر الملعب

هذه الحفلة-يقول-حفلتي أيضاً.

 

 

 

 

 

 

-a_spy_in_the_house_of_love_957546996

جاسوس في منزل الحب-أناييس نن.

كان كاشف الكذب نائماً عندما سمع رنين الهاتف.

ظن في البدء أنه رنين المنبه يستدعيه للنهوض، لكن عندها استفاق تماماً وتذكر عمله.

كان الصوت الذي سمعه أجشاً، كما لو أنه متنكر. لم يستطع أن يميز سبب تغيره: الكحول، المخدرات، القلق أو الخوف.

كان صوت امرأة، لكن ربما كان مراهقاً يقلد امرأة، أو امرأة تقلد مراهقاً.

ما هذا؟ سأل. “الو. الو. الو.”

عليَّ أن أكلم أحداً، لا أستطيع النوم. عليَّ أن أتصل بشخص ما.

لديك شيء ما تعترفين به…

أعترف؟ ردد الصوت بنبرة شك، هذه المرة، كانت النغمات المتصاعدة لأنثى بشكل غير قابل للخطأ.

ألا تعلمين من أنا؟

لا، لقد اتصلت بشكل عشوائي. لقد فعلت ذلك من قبل. من الجيد سماع صوت في منتصف الليل، هذا كل شيء.

لماذا بغريب؟ بإمكانك الاتصال بصديق.

الغريب لا يسأل أسئلة.

من أنت؟

كاشف الكذب.

ثم حل صمت طويل بعد كلماته. توقع كاشف الكذب منها أن تغلق الخط. لكنه سمع سعالها عبر الهاتف.

هل لا زلت هنا؟

نعم.

ظننت بأنك أغلقت السماعة.

كان هناك ضحك عبر الهاتف، ضحك لولبي، مائع، منحل، “لكنك لن تمارس عملك على الهاتف!”

هذا صحيح. لكنك لم تكوني لتتصلي بي لو كنت بريئة. الذنب يثقل كاهل الكائن البشري ولا يستطيع تحمله بمفرده. كلما اقترفت جريمة جرى اتصال هاتفي أو اعتراف للغرباء.

-           ما من جريمة.

هناك فقط طريقة واحدة للخلاص: الاعتراف، التوقيف، الحكم، العقاب. هذا هو المثالي بالنسبة لكل جريمة. لكنه ليس بهذه البساطة. فقط نصف الذات ترغب بالتكفير، لتتحرر من عذابات الذنب. النصف الآخر من الانسان يريد الاستمرار في كونه حراً. لذا فقط نصف الذات تستسلم، مناديةً عالياً ” اقبضوا علي”، بينما النصف الآخر يخترع العقبات، المصاعب، طالباً الهرب. إنه العبث مع العدالة. إذا ما كانت العدالة نبيهة فسوف تتبع مفتاح اللغز بمساعدة المجرم. إذا لم تكُ كذلك، فالمجرم سوف يهتم بكفارته.

-           هل هذا أسوأ؟

أظن ذلك. أظن بأننا حكاماً أكثر صرامهً على أفعالنا من القضاة المحترفين. نحن نحكم على أفكارنا، نوايانا، لعناتنا السرية، أحقادنا السرية، وليس فقط أفعالنا.

أغلقت الخط.

اتصل كاشف الكذب بالمشغِّل، وأعطى أوامراً بتتبع المكالمة. لقد أتت من بار. بعد نصف ساعة كان يجلس هناك.

لم يسمح لعينيه أن تتجول أو تتفحص. لقد أراد لأذنيه وحدها أن تكون يقظة، بذلك قد يتمكن من التعرف إلى الصوت.

عندما طلبت مشروباً، رفع عينيه عن صحيفته.

مكتسية بالأحمر والفضي، استدعت أصواتا وخيالات سيارات الإطفاء عندما يندفعن في شوارع نيويورك، مسببات القلق للقلب بالجرس العنيف للكارثة، لباسها بالكامل أحمر وفضي، أحمر ممزق وفضي يقطع طريقه عبر اللحم. شعر أول مرة نظر إليها: بأن كل شيء سينفجر!

حباً بالأحمر والفضي والصراخ الطويل لجرس الإنذار للشاعر الذي نجا من بين كل البشر، مثلما نجا الطفل فيه، نحو هذا الشاعر رمت سلماً غير متوقع في وسط المدينة وأمرت، ” تسلق!”

لدى ظهورها، تراجع الاصطفاف المنظم للمدينة قباله هذا المزوَّد بسلم والذي كان مدعواً للتسلق، واقفاً مباشرة في مكان مثل سلم البارون مونشوازن الذي يؤدي إلى السماء.

سلمها يؤدي إلى النار فقط.

نظر إليها ثانية بتجهم العارف.

لم تتمكن من البقاء هادئة. تحدثت بغزارة وبشكل متواصل بانفعال شديد دون أن تلتقط أنفاسها كمن يخاف من الصمت. جلست كما لو أنها لا تستطيع تحمل الجلوس طويلاً، وعندما نهضت لشراء السجائر، كانت تواقةً للعودة لمقعدها على حد سواء. نافذة الصبر، يقظة، مراقبه، كما لو أنها مفزوعة من كونها مهاجمة، قلقة ومتحمسة، شربت بسرعة، ابتسمت برشاقة كبيرة لدرجة أنه لم يكن على يقين من أنه قد تلقى ابتسامة، استمعت فقط جزئيا لما كان يقال لها، وحتى عندما كان ينحني شخص ما في البار ويصرخ باسم نحوها، لم تكن تلتفت أولا، إذا لم يكن اسمها.

سابينا! صرخ الرجل من البار، منحنياً نحوها بخطورة بالغة لكن ليس فاقداً سيطرته على ظهر كرسيه خوفا من السقوط.

كرر شخص ما أقرب إليها بشهامة اسمها لها، حيث أدركت أخيراً بأنها المقصودة. في هذه اللحظة، رمى كاشف الكذب عنه الغشاوة التي تشكلت فيه بسبب الليل، الصوت، المنومات وحضورها، وانتهى إلى أنها تتصرف كشخص لديه كل أعراض الذنب: طريقتها في النظر إلى باب البار، كما لو أنها تنتظر اللحظة المناسبة للهرب، حديثها غير المتعمد، المنقطع، ايماءتها المفاجئة والشاردة، غير المرتبطة بحديثها، صدى جملها، صمتها، العابس، والمفاجئ.

عندما تقدم الأصدقاء نحوها، جلسوا معها، ومن ثم توزعوا إلى طاولات أخرى، كانت مجبرة على رفع صوتها، المنخفض عادة، لتكون مسموعة مع صوت البلوز الثرثار.

كانت تتحدث عن حفلة حيث حصلت حوادث غامضة، مشاهد غائمة لم يستطع كاشف الكذب أن يميز منها البطلة أو الضحية، ثرثرة حلم محطم، ومسافات، انسحابات معكوسة، وخيالات راكضة.

كانت الآن في المغرب تزور الحمامات مع امرأة محلية، تتشاركن حجر الخفاف، وتتعلمن من البغايا كيف ترسمن عيونهن بالكحل من السوق. “إنه غبار الفحم، وتضعينه مباشرة في عينيك. مؤلم في البداية، وتشعرين برغبة في البكاء، لكن هذا سينتشر على الجفون، وهذه كيفية حصولها على هذا البريق، الفحم الأسود يؤطر محيط العينين.”

“ألم تصابي بعدوى؟” سألت واحدة على يمينها التي لم يتمكن كاشف الكذب من رؤيتها بوضوح، شخصية غامضة تجاهلتها حتى حينما أجابت، “اوه، لا، العاهرات لديهن كحل مقدس من المسجد.” وعندها، عندما ضحك الجميع على هذا الذي لم تعتبره فكاهة، ضحكت معهم، والآن كما لو أن كل ما قالته قد كتب على لوح ضخم، وأخذت اسفنجة ومحته كله بالجملة التي بقيت فيمن كان عند الحمامات متلهفاً، أو، ربما، هذه كانت قصة قرأتها، أو سمعتها في بار، وحالما انمحت من بال مستمعيها، بدأت بأخرى…

تظهر وجوه وهيئات شخوصها نصف مرسومة فقط، وعندما بدأ كاشف الكذب للتو بتبينهم، كان وجه آخر وهيئة يدخل كما لو في حلم. وعندما ظن بأنها تكلمت عن أمرأه، ظهر بأنها ليست امرأة، لكن رجلاً، وعندما بدأت صورة الرجل تتشكل، ظهر أن كاشف الكذب لم يسمع بشكل صحيح، كان شاباً شابه امرأةذات مره اهتمت بسابينا، وهذا الشاب كان قد مسخ في الحال إلى مجموعة من الناس الذين أذلوها في إحدى الليالي.

لم يستطع أن يتذكر تسلسل الناس الذين أحبتهم، كرهتهم، هربت منهم، أكثر من قدرته المحافظة على تتبع التغيرات في مظهرها الشخصي بواسطة جمل من مثل، “في ذلك الوقت كان شعري أشقر،” “في ذلك الوقت كنت متزوجة”، ومن كان ذلك الذي صار نسياً منسياً أو غدر به، وعندما في يأس تتشبث بتكرار بعض الكلمات، لم يشكلوا بتكرارهم تصميما، لكن بدلا من ذلك تناقضاً قاطعاً. تكررت الكلمة ” ممثلة ” بإصرار، وحتى كاشف الكذب لم يتمكن، بعد ساعات من التتبع، أن يعرف فيما إذا كانت ممثلة، أو أرادت أن تكون، أو كانت تتظاهر.

كانت مجبرة بحمى الاعتراف التي اضطرتها إلى رفع زاوية الخمار، ومن ثم ذعرت عندما أصغى أي شخص بانتباه شديد. أخذت بشكل متكرر إسفنجة ضخمة ومحت كل ما قالته بإنكار تام. كما لو أن هذا التشوش كان في نفسه غطاء الحماية.

في البدء أومأت وأغرت المرء بالدخول إلى عالمها، ثم لطخت الممرات، مشوشة كل الصور، كما لو أنه للتملص من التتبع.

بزوغ الفجر عند الباب أسكتها، شدت رداءها حول كتفيها كما لو أنه كان الإنذار الأخير، أعظم الاعداء على الإطلاق. نحو الفجر لم ترغب حتى أن تلقي خطاباً محموماً، حدقت نحوه بغضب وغادرت البار.

كاشف الكذب تبعها.

Lydia-Davis-001

 

كافكا يعد وجبة العشاء- ليديا ديفيس.

أنا يائس كلياً مع اقتراب اليوم الذي ستأتي فيه عزيزتي ميلينا. لقد بدأت بصعوبة بالبت فيما سأقدمه لها. واجهت بصعوبة الفكرة أيضاً، فقط حلقت حولها كما تدور الذبابة حول مصباح، أحرق رأسي به.

أخشى كثيراً أني سأبقى دونما فكرة أخرى سوى سلطة البطاطا، وهذه لم تعد مستغربةبالنسبة لها. لا يتعين عليَّ ذلك. كانت فكرة هذا العشاء ترافقني طوال الأسبوع دون انقطاع، تثقل كاهلي بالطريقة نفسها كما لا يوجد في بحر عميق من مكان إلا ويقع تحت ضغط أعظمي.  استجمع كل ما لدي من قوة بين الحين والآخر وأعمل على القائمة كما لو كنت مجبراً على دق مسمار في حجر، كما لو كنت كل من الشخص الذي يدق والمسمار أيضاً. لكن في أحيان أخرى، أجلس هنا أقرأ في الأصيل، نبات آس في عروتي، وهناك تلك الفقرات الجميلة في الكتاب حتى أظن بأني أصبحت جميلاً أنا نفسي.

بمستطاعي أن أكون جالساً أيضا في حديقة مشفى المجانين أحدق في الفضاء كأبله. ولكني أعلم بأني أخيراً سأستقر على قائمة، أشتري الطعام، وأحضر الوجبة. في هذا، أفترض بأني مثل الفراشة: طيرانها المتعرج شاذ جداً، مراقبتها وهي تصفق كثيراً تسبب الألم، إنها تطير فيما هو متناظر تماماً مع الخط المستقيم، ومع ذلك تقطع بنجاح أميالاً وأميالاً للوصول إلى وجهتها النهائية، لذا لا بد أن تكون أكثر كفاءة أو على الأقل أكثر تصميما مما تبدو.

تعذيبي لنفسي مثير للشفقة أيضاً، بالطبع. ففي آخر الأمر، لم يعذب الاسكندر العقدة الغوردية عندما لم تحل. أشعر بأني مدفون حياً تحت كل هذه الأفكار، بالرغم من أنني في الوقت نفسه أشعر بأني مجبر على البقاء هادئاً، بما أني ربما ميت حقيقة في النهاية. هذا الصباح، على سبيل المثال، قبل نهوضي بوقت قصير، الذي كان أيضاً بعد وقت قصير من نومي، حلمت بحلم لم يغادرني بعد: أمسكت بخلد وحملته إلى حقل من حشيشة الدينار، حيث غاص في الأرض كما لو أنه يغوص في الماء واختفى. عندما أتدبر أمر هذا العشاء، أود أن أختفي في الأرض مثل ذلك الخلد. أود أن أحشر نفسي في درج خزانة حجرة غسيل، وأفتح الدرج من وقت لآخر لأرى إذا ما كنت قد اختنقت. إنه لمن المفاجئ جداً أكثر من أي شيء أن يصحو المرء كل صباح.

أعلم بأن سلطة الشمندر ستكون أفضل. يمكنني أن أضع فيها شمندر وبطاطا معاً، وشريحة من لحم البقر، إذا ما أدرجت اللحم. مع أن شريحة جيدة من لحم البقر لا تتطلب أي طبق جانبي، فهي ذات طعم أفضل لوحدها، لذا فالطبق الجانبي يمكن أن يأتي قبل، وهو في هذه الحالة لن يكون طبقاً جانبياً لكن مقبلات. أياً يكن ما أفعله، ربما لن تقدر عالياً جهودي، أو ربما ستشعر بالتوعك قليلاً في أن تبدأ به ولن تستثار لمرأى هذا الشمندر. في الحالة الأولى، سأكون خجلاً بصورة مريعة، وفي حالة الثانية، سأكون بلا مشورة-كيف سيمكنني؟ لكن سؤال بسيط وحسب: هل سترغب أن أزيل كل الطعام من على الطاولة؟

ليس هذا العشاء ما يصيبني بالذعر، تماماً. لقد بذلت في النهاية بعض الخيال والطاقة، لذا ربما سأكون قادراً على إعداد عشاء سيعجبها. هناك أمر آخر، وجبات عشاء بجودة مقبولة حيث أن الوجبة التي أعددتها من أجل فيليس كانت مشؤومة جداً-مع أن الخير الذي تأتى عن تلك الوليمة كان أكثر من الشر ربما.

كان أن دعوت ميلينا الأسبوع الماضي. كانت مع صديق. التقينا صدفة في الشارع وتكلمت باندفاع. للرجل الذي معها وجه، لطيف، سمين، ودود-وجه صحيح جداً، وجوه لا تكون إلا للألمان. بعد القيام بالدعوة، مشيت لوقت طويل عبر المدينة كما لو أنها كانت مقبرة، لقد كنت هكذا بسلام.

بعدها بدأت بتلويع نفسي، مثل زهرة في أصيص ورود مجلودة بالريح لكنها لم تفقد ولا أي من وريقاتها.

 

كرسالة مملوءة بعلامات قلم التصحيح، لدي عيوبي. رغم كل شيء، أنا لا أقوى على الابتداء، وأؤمن حتى بأن هرقل أغمي عليه مرة. أحاول طوال اليوم، في العمل، ألا أفكر بما هو سابق لأوانه، لكن هذا يكلفني الكثير من الجهد حيث لا شيء يبقى للقيام بعملي. أتعامل مع اتصالات الهاتف بشكل سيء جداً وبعد مدة يرفض عامل المقسم أن يصلني. كان من الأفضل لي أن أقول لنفسي، امض قدماً ولمع الآنية الفضية بشكل جميل، ومن ثم جهزها على صِوان السفرة وانته منها. لأني ألمعها في ذهني طوال اليوم-هذا ما عذبني (ولم ينظف الفضة).

أحب سلطة البطاطا الألمانية المصنوعة من بطاطا جيدة، بطاطا بائتة وخل، حتى ولو كانت ثقيلة جداً، قسرية جداً، تقريباً، ذلك أني أشعر بالقليل من الغثيان حتى قبل أن أتذوقها-ربما قد أكون معتنقاً لثقافة غريبة ومستبدة. إذا ما قدمت هذا إلى ميلينا ربما أفضح جزءا لا يستهان به مني لها حيث علي أن أبقي لها بادئ الأمر، جزءً مني لم تتعرف إليه بعد. الطبق الفرنسي، بأية حال، حتى ولو أنه أكثر ملائمة، سيكون أقل صدقاً بالنسبة لي، وهذا سوف يكون ربما خيانة لا تغتفر.

أنا مفعم بمقاصد خيرة ولكنها خامدة، كما كنت تماماً في ذلك اليوم في الصيف الماضي عندما جلست على شرفتي أراقب الخنفساء على ظهرها تلوح بأرجلها في الهواء، غير قادرة على تصحيح نفسها. شعرت بعطف عظيم عليها، مع أني لم أكن لأترك كرسيي لمساعدتها. توقفت عن الحركة وكانت ساكنة لوقت طويل حتى ظننت أنها ماتت. ومن ثم مشت فوقها سحلية، زلقتها، وقلبتها، ومن ثم مشت على الحائط كما لو أن شيئا لم يكن.

اشتريت الغطاء من الشارع البارحة من رجل يجر عربة يد. كان الرجل صغير الجحم، يكاد يكون بالغ الصغر، ضعيفا، وملتح، أعوراً. استعرت شمعدانات من جارة، أو علي أن أقول، أنها أعارتني إياهم.

سأقدم لها قهوة الاسبرسو بعد العشاء. وأنا أخطط لهذه الوجبة أشعر قليلا بالطريقة التي كان لنابليون أن يشعر بها أثناء تصميم الحملة الروسية، إذا ما كان قد عرف تماما ما ستكون عليه النتيجة.

أتشوق لأن أكون مع ميلينا، ليس فقط الآن لكن طوال الوقت. لم أنا كائن بشري؟ أسأل نفسي-أي حدٍ مبهم إلى أقصاه! لم لا أستطيع أن أكون خزانة سعيدة في غرفتها؟

قبل أن أعرف عزيزتي ميلينا، فكرت بأن الحياة نفسها كانت لا تحتمل. ومن ثم أتت إلى حياتي وأظهرت لي أن هذا لم يكن صحيحاً. حقيقة، لم يكن لقاؤنا الأول مبشراً، لأن أمها فتحت الباب، وأي جبهة قوية كانت للمرأة، ونقش عليها ما يقرأ: ” أنا ميتة، وامتهن أي شخص ليس كذلك.” بدت ميلينا مسرورة بمقدمي، لكنها سرت أكثر عندما غادرت. ذلك اليوم، حصل أني نظرت إلى خريطة المدينة. للحظة بدا غير مفهوما بالنسبة لي أن أيا كان أراد بناء مدينة كاملة عندما كل ما كان مطلوبا هو غرفة لها.

ربما، في النهاية، أبسط شيء سيكون في أن أصنع لها ما صنعته تماما من أجل فيليس، لكن بعناية أكبر، وبالتالي لا يفشل شيء، وبدون القواقع أو الفطر. يمكنني حتى أن أدرج طبق sauerbraten,[1]، مع أنه عندما أعددته من أجل فيليس، كنت لا أزال آكل اللحم. في ذلك الحين لم أكن متضايقا من التفكير بأن الحيوان، أيضاً، له الحق بحياة جيدة وربما حتى أكثر أهمية بموت جيد. الآن لا يمكنني حتى تناول القواقع. والد والدي كان جزاراً وتعهدت بأني لن آكل الكمية نفسها من اللحم التي سفحها في حياته. الآن لم أتذوق اللحم منذ وقت طويل، مع أني آكل الحليب والزبدة، لكن من أجل ميلينا، سأصنع الساوربراتن ثانية.

لم تكن شهيتي أبداً كبيرة. أنا أكثر نحولاً مما يجب، لكني نحيل منذ وقت طويل. منذ بضع سنوات، على سبيل المثال، كنت أذهب كثيراً للتجذيف في نهر المولدو في قارب صغير. كنت أجذف عبر النهر ومن ثم استلقي على ظهري في قعر القارب وانساب عائداً مع التيار. حدث أن كان صديق مرة يعبر الجسر ورآني أعوم وحيدا تحته. قال إنه كان كما لو أنه يوم الحساب قد حل ونعشي قد فتح، لكنه من حينها هو بنفسه كسب وزنا، ثقيلا، ولم يعرف إلا القليل عن الناس النحيلين ما عدا أنهم كانوا نحيلين. على الأقل هذا الوزن على قدمي هو حقيقة ملكي الخاص.

هي ربما لم تعد ترغب بالمجيء حتى، ليس بسبب أنها متقلبة، لكن لأنها منهكة، وهذا مفهوم. إذا لم تأت سيكون من الخطأ القول بأني سأفتقدها، لأنها دائما حاضرة في بالي. إلا أنها ستكون في عنوان مختلف وسأكون جالسا إلى طاولة المطبخ وجهي بين يدي.

إذا ما جاءت، سأبتسم وأبتسم، لقد ورثت هذا من عمة مسنة لي التي أيضا اعتادت أن تبتسم باستمرار، لكن كل منا بسبب الاحراج بدلاً من الظرف أو الحنو. لن أكون قادراً على الكلام، لن أكون قادراً حتى على أن أكون سعيداً لأنه بعد تحضير الوجبة ليس لدي القوة. وإذا ما ترددت مع عذري عن أن الطبق الأول لا يزال في القدر في يدي، بمغادرة المطبخ ودخول غرفة الطعام، وإذا ما في نفس الوقت، وقد شعرت هي بحرجي، ترددت بمغادرة غرفة الجلوس ودخلت غرفة الطعام من الجانب الآخر، حينها بسبب ذلك الفاصل الطويل، ستكون الغرفة الجميلة فارغة.

آه، حسنا-رجل يناضل في الماراتون، الآخر في المطبخ.

مع ذلك، قررت تقريبا كامل القائمة الآن وبدأت بتحضيرها بتخيل عشاءنا، كل تفصيل فيه، من البداية إلى النهاية. أكرر هذه الجملة لنفسي بحماقة، دردشة أسناني: ” ومن ثم نركض جميعا إلى الغابة.” بحماقة، لأنه ليس هناك غابة هنا، ولن يكون هناك مسألة ركض في أية حال.

لدي إيمان بأنها ستأتي، مع أنه جنبا إلى جنب مع إيماني هناك نفس الخوف الذي يترافق دوما بإيماني، خوف متأصل في كل ايمان، بأية حال، منذ بداية الزمن.

لم نكن فيليس وأنا مخطوبين في وقت ذلك العشاء المشؤوم، ولو أنا كنا مخطوبين قبل ثلاث سنوات وكنا سنخطب ثانية بعد أسبوع-بالتأكيد ليس كنتيجة للعشاء، ما لم يكن أن عاطفة فيليس نحوي كانت قد استيقظت بعبثية جهودي في صنع عصيدة الحنطة السوداء[2]، زلابية البطاطا، و ساور براتن. انفصالنا النهائي، من ناحية أخرى، ربما كان له تفسيرات أكثر مما يستحق حقيقة-هذا سخيف، لكن بعض الخبراء يؤكدون أنه حتى الهواء هنا في هذه المدينة يشجع على التقلب.

لقد كنت متحمسا كما يتحمس المرء دائما لأمر جديد. لقد كنت بطبيعة الحال مرعوبا بطريقة ما أيضا. فكرت بأن وجبة تشيكية أو ألمانية تقليدية قد تكون الأفضل، حتى إذا ما كانت ثقيلة بالنسبة لشهر تموز. بقيت لبعض الوقت حيراناً حتى في أحلامي. عند حد ما استسلمت ببساطة وفكرت بترك المدينة. ومن ثم قررت البقاء، بالرغم من أن الاضطجاع ببساطة في الشرفة لا يستحق أن يسمى قرارا. في هذه الأوقات ظهرت عاجزا بحيرتي في حين أن أفكاري تضرب باهتياج رأسي، تماما كما يظهر يعسوب معلقا بلا حراك في الجو في حين تضرب أجنحته باهتياج النسيم الركين. أخيرا قفزت كغريب ينزع غريبا آخر من السرير.

حقيقة أني خططت للوجبة بتأن كانت ربما غير دقيقة. أردت تحضير شيء ما ناجعاً، طالما أنها احتاجت لتعزيز قوتها. أتذكر جمع الفطر في الصباح الباكر، زاحفا بين الأشجار على مرأى من أختين مسنتين-اللاتي ظهرن لتستنكراني أنا أو سلتي. أو ربما من حقيقة أني كنت أرتدي بدلة جيدة في الغابة. لكن موافقتهما ربما كانت تقريباً الشيء نفسه.

ومع اقتراب الساعة، كنت خائفا، لفترة وجيزة، من أنها لن تأتي، بدلا من أن أخاف، كما يجب علي أن أكون، من أنها ستأتي حقيقة. في البدء قالت بأنها ربما لن تأتي. كان غريباً بالنسبة لها فعل ذلك. لقد كنت مثل فتى ساعٍ لم يعد يستطع الجري سعيا لكنه ظل يأمل بنوع ما من وظيفة.

تماما كحيوان صغير جداً في الغابة يتسبب بقدر متفاوت من الضجيج ويضطرب بين الأوراق والغصينات على الأرض عندما يرتعب ويهرع إلى حفرته، أو حتى عندما لا يكون خائفا لكن يصطاد البندق وحسب، فقد يفكر المرء بأن دبا على وشك الهجوم في فسحة الغابة، حتى لو كان مجرد فأر-هذا ما كانت عاطفتي عليه، صغيرة جدا ولكنها مع ذلك ذات ضجيج كبير. رجوت طالبا ألا تأتي إلى العشاء، لكن من ثم رجوت طالبا منها ألا تستمع إلي لكن أن تأتي بأية حال. كلماتنا هي غالبا من نوع مجهول، كائنات غريبة. لا أؤمن بأي حديث بعد الآن. حتى الخطاب الأكثر جمالا يحتوي نخراً.

مرة، عندما أكلنا معا في مطعم، كنت خجلا من العشاء كما لو أني صنعته بنفسي. دمر أول شيء بالذات جلبوه إلى الطاولة شهيتنا للبقية، حتى لو كانت جيدة إلى حد ما: Leberknödeln زلابية الكبد ألمانية بيضاء، دسمة، تعوم في حساء خفيف كان سطحه منقطا بالزيت. كان من الواضح أن الطبق ألماني، بدلا من أن يكون تشيكيا. لكن لم يتوجب على أي شيء أن يكون أكثر تعقيدا بيننا مما لو كنا جالسين بهدوء في منتزه ونراقب الطائر الطنان يحلق من نبات البيتونيا ليحط على قمة شجرة بتولا.

ليلة عشاءنا، قلت لنفسي إذا لم تأت، سأستمتع بتفريغ الشقة، لأن كونك وحيد في غرفة فهذا ضروري للحياة نفسها، أن تكون وحيدا في شقة ضروري ليكون المرء سعيداً. استعرت الشقة من أجل المناسبة. لكني لم أكن مستمتعا بسعادة الشقة الفارغة. أو ربما لم تكن الشقة الفارغة هي التي عليها أن تجعلني سعيدا، لكن أن يكون لدي شقتين. لقد أتت، لكنها كانت متأخرة. قالت لي بأنها تأخرت لأنه كان عليها أنت تنتظر لتتحدث مع الرجل الذي كان ينتظر هو أيضا، بفارغ الصبر، نتيجة محادثة تتعلق بافتتاح ملهى جديد. لم أصدقها.

عندما عبرت الباب كنت يائسا تقريبا. ستكون أكثر سعادة بكثير في تناول العشاء مع رجل آخر. كانت ستجلب لي الزهور، لكنها ظهرت بدونها. وطالما كنت مفعما بهذا العجب فقط لكوني معها، بسبب حبها، ولطفها، متألقة مثل طنين حشرة على غصين زيزفون.

بالرغم من انزعاجنا باشرنا بتناول عشاءنا. عندما حدقت إلى الطبق المنتهي أسفت لتضاؤل قوتي، أسفت لكوني ولدت، أسفت لنور الشمس. لقد أكلنا شيئا كان للأسف لن يختفي من أطباقنا إلا إذا ابتلعناه. كنت على حد سواء مندفعا ومحرجا، سعيدا وحزينا، حيث أنها أكلت باستمتاع ظاهر-محرج وحزين لأني فقط ليس لدي شيء أفضل لتقديمه لها، سعيدا ومندفعا لأن هذا بدا كافيا، على الأقل أكلت كل حصة من الوجبة ولطف اطراءاتها التي منحتها أي قيمة-لقد كانت سيئة بشدة. هي حقيقة استحقت، بدلا من ذلك، شيئا ما مثل سمك موسى مشوي، أو صدر طائر التدرج، مع حلوى مثلجة وفواكه من اسبانيا. ألم أستطع توفير هذا بطريقة ما؟

وعندما تلعثمت اطراءاتها، أصبحت اللغة نفسها طيعة لها تماما، وأكثر جمالا مما قد يتوقعه المرء. إذا ما سمع غريب جاهل فيليس سيفكر، أي رجل! لا بد أنه يحرك الجبال! – في حين أني لم أفعل شيئا تقريبا سوى خلط العصيدة وفق تعليمات اوتلا[3]. أملت أنها بعد أن تذهب ستجد مكانا لطيفا مثل حديقة تستلقي فيها على مقعد وتستريح. بالنسبة لي، هذا الإبريق كان قد كسر منذ وقت طويل قبل أن يذهب إلى البئر[4].

كان هناك حادثا أيضاً. أدركت أني كنت أجثو فقط عندما أرى قدمها مباشرة أمام عيني. القواقع كانت في كل مكان على السجادة ورائحة الثوم.

ربما، حتى عندما انتهينا من تناول الوجبة، قمنا بخدع حسابية على الطاولة، لا أتذكر، مبالغ قليلة، ومن ثم مبالغ طويلة بينما حدقت من النافذة نحو البناء المقابل. ربما كنا سنعزف الموسيقى معا بدلا من ذلك، لكني لست موسيقيا.

محادثتنا كانت خرقاء ومتلعثمة. ظللت استطرد بحماقة، من أجل التهدئة. أخيرا قلت لها بأني كنت أضل طريقي، لكنها لم تكن مشكلة لأنها إذا ما وصلت إلى هذا الحد معي فكلينا كنا ضالين. كان هناك الكثير من سوء الفهم، حتى عندما بقيت على الموضوع. ومع ذلك لم يكن عليها أن تخشى من أني كنت غاضباً منها، لكن على العكس، أنا لم أكن.

لقد فكرت بأن لدي العمة كلارا. حقيقةً لدي العمة كلارا، كل يهودي لديه العمة كلارا. لكن عمتي ماتت منذ زمن طويل. قالت إن عمتها كانت شخصا غريب الأطوار، ونزاعة لإطلاق الآراء، من مثل أن على المرء أن يختم الرسائل بشكل مناسب ولا يرمي الأشياء من النافذة، كل منهما حقيقي، بالطبع، لكن ليس سهلا. تحدثنا عن الألمان. هي تكره الألمان كثيرا، لكني قلت لها أن ليس عليها ذلك، لأن الألمان رائعون. ربما خطئي كان التفاخر بأني قطعت خشباً لمدة ساعة مؤخرا. فكرت بأن عليها أن تكون ممتنة لي-برغم كل شيء لقد كنت أقاوم غواية قول شيء ما غير لطيف.

سوء فهم آخر وكانت جاهزة للمغادرة. حاولنا طرق مختلفة في قول ما عنيناه، لكن لم نكن حقيقة عشاقا في تلك اللحظة، نحويين فقط. حتى الحيوانات، عندما يتخاصمون، يفقدون كل حذر: تتسابق السناجب للخلف والأمام عبر مسطح أخضر أو شارع وتنسى أنه قد يكون هناك مفترس يراقب. قلت لها أنها لو كانت ستغادر، الشيء الوحيد الذي أوده سيكون قبلة قبل أن تغادر. أكدت لي بأنه بالرغم من أننا نفترق على غضب، فإنه لن يمر وقت طويل قبل أن نرى بعضنا ثانية، لكن في عقلي” قريباً” بدلاً من” أبداً” كانت لا تزال ” أبداً “ومن ثم غادرت.

مع هذه الخسارة كنت أكثر شبها بروبنسون كروزو بل حتى روبنسون كروزو نفسه-هو على الأقل ظل يملك الجزيرة، جمعة، ومؤونته، ماعزه، السفينة التي أخذته بعيدا، اسمه. لكن بالنسبة لي، تخيلت طبيبا ما بأصابع كاربوليكية (سامّة) تأخذ رأسي بين ركبتيه ويحشر اللحم في فمي ونحو حنجرتي حتى أختنق.

انقضى المساء. خرجت حسناء من صالة السينما ولا يزال حارس صغير واقفا في الممرات-وكان ذلك عشاؤنا؟ أنا قذر جداً-لهذا السبب أصرخ دائما حول الطهارة. ما من أحد يشير بنقاء إلى هؤلاء الذين يسكنون أعماق الجحيم-تفكر بأنك تسمع أغنية الملائكة لكنها أغنية ذلك الآخر. ومع ذلك قررت أن أبقى على قيد الحياة لمدة أطول على الأقل، طوال الليل.

في النهاية، أنا لست لبقاً، مرة قال أحدهم بأني أسبح مثل بجعة، ولكن هذا لم يكن إطراءً.

 

[1]طبق ألماني مكون من اللحم المشوي والمنقوع في الخل.

[2]kasha varnishke: طبق تقليدي يهودي شرق أوروبي يتكون عادة من الحنطة السوداء مع النودلز.

[3]أوتلا كافكا شقيقة فرانزكافكا.

[4]بما معناه أن العلاقة فاشلة من قبل أن تبدأ.

ولدت الكاتبة الأميركية ليديا ديفيس في نورثامبتون، ماساشوتس في الخامس عشر من تموز عام 1947، تكتب القصة القصيرة، الرواية والمقالة وتترجم عن الفرنسية. درست ديفيس أولاً الموسيقى، البيانو والكمان. تزوجت في العام 1974 الكاتب بول أوستر ولديها منه ابن يدعى دانيل، تطلقا فيما بعد وهي متزوجة الآن من الفنان الآن كوت، لديها منه ابن يدعى ثيو، هي الآن أستاذة الكتابة الإبداعية في جامعة ألباني. حصلت على جائزة مان بوكر العالمية في العام 2013.

هذه الأغنية قاتلة: الحكاية الغريبة لـ ‘gloomy Sunday”

seressrezso

في فيينا، أغرقت فتاة بعمر المراهقة نفسها وهي تقبض على قطعة من صفحة موسيقى. في بودابست، قتل صاحب متجر نفسه وترك ملحوظة مقتبسة من كلمات من الأغنية نفسها. في لندن، تناولت امرأة جرعة زائدة وهي تستمع إلى تسجيل الأغنية مرات ومرات.

قطعة الموسيقى التي تربط بين كل هذه الوفيات هي ” Gloomy Sunday ” الشهيرة. لقبت بـ “أغنية الانتحار الهنجارية”، ارتبطت بأكثر من مائة حالة انتحار بما فيها انتحار الرجل الذي ألفها.

بالطبع، كل هذا يمكن أن يكون أسطورة حضرية.

شيء واحد بالطبع، مع ذلك. أنهى مؤلف “Gloomy Sunday ” ريزو سيريس حياته، ونجاح أعظم أعماله ربما كان عاملاً مساهماً.

الأغاني الحزينة تقول الكثير

كان سيريس في عام 1933، الهنجاري المولد (واسمه الحقيقي رودي سبيتزر) كاتب أغنيات مكافح في عمر الرابعة والثلاثين.

تقول بعض الروايات بأنه كان يعيش في باريس، أخرى تقول في بودابست. تحكي القصة أنه بعد أن تركته صديقته، كان مكتئبا جداً بحيث كتب اللحن الذي أصبح “Gloomy Sunday”. شريط دخان أزرق من مفتاح السلم الموسيقي الصغير، أعطي اللحن قدر مساو من الكلمات الكئيبة-بالهنجارية-من قبل صديق سيريس، الشاعر لازلو جافور. تدعي بعض التقارير بأن جافور هو من هجرته صديقته، ملهمة الأغنية كقصيدة في البدء. يقول آخرون بأن سيريس كتب كلماته بنفسه، عن الحرب ونهاية العالم، ومن ثم غيرها جافور لاحقاً لتصبح أغنية شعبية تحطم القلب.

مهما كانت الحالة، “Szomorú Vasárnap,”  كما عنونت، لم تحقق كثيراً من ردود الفعل بداية. لكن بعد سنتين، ربطت نسخة مسجلة من قبل بال كلمر بسلسلة من حالات الانتحار في هنجاريا. تم منع الأغنية بعدها ظاهرياً. بالاقتصار على الهنجاريين العارفين والتصيد من صحف بودابست في الثلاثينيات، من المستحيل التحقق من أي منها (لدى هنجاريا أعلى معدل من حالات الانتحار تاريخياً في العالم بما يقارب 46 شخص من بين كل 100000 شخص يقدمون على الانتحار سنوياً.)

لكنها بالتأكيد تخلق قصة مثيرة للاهتمام. وقد فعلت في الوقت المناسب، أيضا، لأن ناشرو الموسيقى من اميركا وانجلترا سرعان ما اندفعوا للعمل.

كتب كل من مؤلف أغاني البوب سام م. لويس من مجموعة تين بان آلي وشاعر المسرح البريطاني الغنائي ديزموند كارتر ترجمة انجليزية للأغنية. كانت نسخة لويس، المسجلة في عام 1936 من قبل هال كيمب وفرقته الموسيقية، هي التي اشتهرت.

سام لويس، الذي اشتهر بأغانيه الضاربة المرحة مثل “I’m Gonna Sit Write Down And Write Myself A Letter “، بقي أميناً للأسى المر في الأصل. وها هنا المقطع الثاني:

” الأحد كئيب، بالظلال قضيته كله

قلبي وأنا قررنا إنهاء هذا كله

قريبا سيكون هناك شموع ومصلين حزانى، أعلم

لا تدعهم يبكون، أعلمهم بأني سعيد بالذهاب

الموت ليس حلماً، لأني في الموت ألاطفك

بآخر رمق في روحي سوف أباركك

قدم لويس تنازلاً واحداً لناحية التجارية بتوجيه المقطع الثالث الذي بث شعاع من النور في نفق العتمة. بدأ:

أحلم، كنت فقط أحلم،

نهضت ووجدتك تنامين في أعماق قلبي، يا حبي

سجلت بيلي هوليداي في العام 1941، نسخة النهائية من “”Gloomy Sunday في اليوم الذي ارتبطت الأغنية فيه بالسيدة التي تعيش حياة شاقة بالـتأكيد أعلى من قيمة المأساة.

بالرغم من التقارير المتضاربة، لم تكن الأغنية ممنوعة أبداً في الولايات المتحدة بشكل رسمي، مع أن هذا حصل في انجلترا. في بداية الاربعينيات، أعتبرت البي بي سي الأغنية “مزعجة جداً” للعامة، ومن ثم قالت لاحقاً بأن الاصدار الموسيقي فقط ممكن أن يذاع في الراديو.

في عام 1948، “الأحد الكئيب” كانت في الأخبار ثانية، عادت إلى الأذهان، عندما سيق اوزي اوزبورن إلى المحكمة من قبل أهل مراهقة قتلت نفسها وهي تستمع لأغنية مغني الروك “Suicide Solution “. في عام 1999، روى فيلم ألماني،Ein Lied von Liebe und Tod (الأحد الكئيب-أغنية عن الحب والموت)، قصة غرام مثلث منكوب والأغنية التي تسببت بسلسلة من حالات الانتحار. وفي السنوات الأخيرة، سجلت الأغنية من قبل العديد من الفنانين من مثل الفيس كوستيلو، ساره ماك لاكلين وهيذر نوفا.

خلال الحرب العالمية الثانية، كان موضوعاً في معسكر للعمل من قبل النازيين، حيث نجا. بعد ذلك، عمل في المسرح والسيرك، حيث كان فنان أرجوحة. عاد لاحقاً إلى كتابة الأغاني، مع ذلك لم يحقق أي نجاح كبير أبدا بحجم نجاح ” الأحد الكئيب”.

في الواقع، تقول القصة بأنه عندما لاقت الأغنية أول نجاح لها، حاول سيريس أن يتصالح مع من كانت ملهمتها. بعد وقت قصير، سمع بأنها سممت نفسها، وكان هناك نسخة من صفحة موسيقى الأغنية بالقرب منها (وفي رواية أخرى للقصة، تركت ملاحظة مكتوب عليها “الأحد الكئيب”). سواء كان هذا حقيقيا أم لا، فإن سيريس بنفسه أقدم على الانتحار، في عام 1968، بالقفز من نافذة شقة في مبنى في بودابست.

كتب سيريس مرة عن مشاعره المتضاربة تجاه تحفته الكئيبة: ” وقفت في خضم هذا النجاح القاتل كمتهم. هذه الشهرة المشؤومة تجرحني. لقد بكيت كل خيبات قلبي في هذه الأغنية، ويبدو أن الآخرين ممن يحملون مشاعر مثل مشاعري وجدوا جرحهم فيها.

النص الأصلي:
http://mentalfloss.com/article/28525/songs-killer-strange-tale-gloomy-sunday

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

Independent journalism institute

معهد الصحافة المستقلة

shabab kurd

shabab kurd || وكالة كوردية اخبارية | ثقافية | اجتماعية | تنموية | تربوية ..تواصلوا معنا عبر الايميل : shabab.kurd@hotmail.com

eltibas

ملتبسون. لا جدوى من الإنكار.

الدَّهر الآتي

صوتٌ وجوديّ رومنطيقيّ- من وحي يسوع المسيح

Bristol Bookworm

No longer in Bristol

The American Short Story

The Seamless and the Stitched

Bookstack

A ravenous reader blogs on all things bookish

Mark Athitakis' American Fiction Notes

A blog by Mark Athitakis on (mostly) U.S. novelists and short-story writers.

VERBA AMERICANA

Ideas on American Literature

Perlophonies

"que de sang caillé sur mon chemin griffé de lumière, l'or défunt des réverbères"

qisasukhra

مصائب قوم عند قوم فوائد

تصعلق

يا صعاليق العالم تصعلقوا

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 156 other followers