Feeds:
تدوينات
تعليقات

ضارب الرِّق- بوب ديلان.

ضارب الرِّق-بوب ديلان.

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

لا أشعر بالنعاس ولست بذاهب إلى أي مكان

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

في صباح رائقٍ سآتي في إثرك

ولو أني أعلم بأن مملكة المساء تحولت رمالاً تنسرب من بين أصابعي

تركتني واقفاً هنا دون بصيرة، ومع ذلك لا زلت يقظاً

ضجري يصيبني بالذهول، متعب، مغلول الأقدام

وما من أحد لألتقيه

الشارع العتيق الفارغ مفلس تماماً ولا يصلح للحلم.

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

لا أشعر بالنعاس ولست بذاهب إلى أي مكان

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

في صباح رائق سآتي في إثرك.

ارتحل بي على مركبك السحري الدوار

مجردٌ من حواسي، يداي ضعيفتان

أصابع قدمي شديدة الخدر، انتظر فقط إلى أن ينطلق كعب حذائي بالطواف

أنا مستعد للذهاب إلى أي مكان، أنا مستعد للذبول

في موكبي، علمني طريقتك في الرقص

وأعدك باتباعها.

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

لا أشعر بالنعاس ولست بذاهب إلى أي مكان

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

في صباح رائق سآتي في إثرك

ولو أنك قد تسمع ضحكاً، دوراناً، أرجحةً، بجنون عبر الشمس

فهو لا يقصد أحداً، إنه محض هروب نحو المدى

وفيما عدا السماء، ما من أسوار تواجهنا

وإذا ما سمعت آثاراً مبهمة لقفزات تترنح على إيقاع

رِقِّك، فهي ليست سوى لمهرج رثٍّ في الخلف

لن ألقي إليه بالاً، فحسبه أن يكون ظلاً

تراه يتعقبنا.

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

لا أشعر بالنعاس ولست بذاهب إلى أي مكان

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

في صباح رائق سآتي في إثرك.

خذني إذن لأختفي في حلقات دخان أفكاري

نحو أطلال الزمن المضببة، بعيداً عن الأوراق المتجمدة

الأشجار المسكونة، المذعورة، بعيداً عن شاطئ تعصف به الرياح

بعيداً عن ذراع الأسى المجنون الملتوية

نعم، لأرقص تحت السماء الماسية ملوحاً بيدي

يظللني البحر، محاطاً بسيركٍ من الرمال

بكل الذكريات والمصير، مساقاً نحو الأمواج العميقة

دعني أؤجل أمر اليوم إلى الغد

مهلاً يا ضارب الرِّق، اعزف لي أغنية

لا أشعر بالنعاس ولست بذاهب إلى أي مكان

مهلاً يا ضارب الرق، اعزف لي أغنية

في صباح رائق سآتي في إثرك.

230100_10150197522812692_2781680_n

 

تمرد طفيف بعيداً عن ماديسون، القصة التي ستكون الأساس لرواية سالينجر الشهيرة، الحارس في حقل الشوفان، والتي تتضمن نسخة معدلة من القصة في فصلها السابع عشر.

أهدي هذه الترجمة إلى الصديق أحمد طارق :-)

 

تمرد طفيف بعيداً عن ماديسون-ج.د سالينجر
مجلة النيويوركر 21 ديسمبر، 1946

كان هولدن موريسي كولفيلد معتاداً على ارتداء معطفه وقبعة لها حافة عند الـ “V” في الأعلى، لدى حصوله على عطلة من مدرسة بينيسي الإعدادية للبنين (“مدرس واحد لكل عشرة طلاب”). عندما كان يستقل باصات الجادة الخامسة، غالباً ما كانت الفتيات اللاتي يعرفنه يعتقدن بأنهن قد رأينه يمر بمحلات ساكس أو ألتمان أو لورد وتايلور، لكن كان ذلك عادة شخص آخر.

بدأت عطلة هولدن لعيد الميلاد هذه السنة، من مدرسة بينسي الإعدادية في نفس الوقت الذي بدأت فيه عطلة سالي هايز من مدرسة ماري أ. ودروف للبنات (” اهتمام خاص لهؤلاء المهتمين بالأحداث الدرامية”). في عطلة من ماري أ ودروف، كانت تذهب سالي عادة حاسرة الرأس مرتدية معطفها الجديد ذو اللون الأزرق الفضي المصنوع من فراء فأر المسك. وعندما تستقل باصات الجادة الخامسة، كان الصبية ممن يعرفون سالي غالباً ما يظنون بأنهم قد رأوها تمر بمتاجر ساكس أو التمان أو لورد وتايلور[1]. وكان من يرونه عادة شخصاً آخر.

وحالما يصل هولدن إلى نيويورك، يستقل سيارة أجرة إلى المنزل، يرمي بحقيبة سفره في البهو، يقبل أمه، يكوم قبعته ومعطفه على أقرب أريكة ويتصل برقم سالي.

هيه! قال عبر سماعه الهاتف. سالي؟

نعم. من المتصل؟

هولدن كولفيلد. كيف حالك؟

هولدن! أنا بخير! كيف حالك؟

ممتاز، قال هولدن. اسمعي. كيف حالك، بأية حال؟ أقصد كيف هي المدرسة؟

جيدة، قالت سالي. أقصد-أنت تعرف.

ممتاز، قال هولدن. حسناً، اسمعي. ما الذي تنوين فعله الليلة؟

صحبها هولدن إلى مسرح ” The Wedgewood Room” تلك الليلة، وكان كلاهما متأنقين، سالي ترتدي ملابسها الجديدة الفيروزية اللون. رقصا كثيراً. كان أسلوب هولدن يتمثل بخطوات طويلة، عريضة بطيئة، جيئة وذهاباً، كما لو أنه كان يرقص فوق بالوعة مفتوحة. رقصا خداً لخد وعندما صار وجهاهما لزجين من التلامس، لم يهتما للأمر. فقد مر وقت طويل على لقائهما الأخير.

تبادلا قبلاً رائعة أثناء ركوبهما التكسي عائدين إلى البيت. مرتين، عندما توقفت السيارة لوقت قصير في الزحمة، انثنى هولدن في المقعد.

أحبك، أقسم لسالي، مبعداً فمه عن فمها.

أوه عزيزي، أنا أحبك أيضاً، قالت سالي، وأضافت بقدر أقل من الشغف، عدني بأنك ستطيل شعرك، سخيفة هي القصات القصيرة.

في يوم الخميس التالي اصطحب هولدن سالي لحضور عرض نهاري لمسرحية ” يا خليلتيo mistress mine”، التي لم يحضرها أي منهما قبلاً.  خلال فترة الاستراحة الأولى، دخنا في الرواق واتفقا في الرأي بحماس على أن الثنائي لونت كانا رائعين.  كان جورج هاريسون من اندوفر، يدخن في الرواق أيضاً وتعرف إلى سالي، كما توقعت. لقد تعارفا مرة في حفلة ولم يتقابلا منذ ذلك الحين. الآن في الرواق في مبنى الإمباير، تبادلا التحية بسرور بالغ يشبه فرحة من التقى بصديق الطفولة. سألت سالي جورج عما إذا كان العرض قد أعجبه. منح جورج لنفسه بعض الوقت قبل أن يجيب، وهو يدوس على قدم المرأة التي تقف خلفه. قال بأن المسرحية نفسها لم تكن تحفة فنية بالتأكيد، لكن الثنائي لونت، كانا بالطبع، ملائكة قطعاً.

ملائكة، فكر هولدن. ملائكة. بحق المسيح. ملائكة.

بعد الحفلة، قالت سالي لهولدن بأن لديها فكرة رائعة. لنذهب للتزلج في راديو سيتي الليلة.

حسناً، قال هولدن. بالتأكيد.

أأنت جاد؟ قالت سالي. لا تقل إلا إذا كنت راغباً حقاً. أقصد بأني لن أنزعج، في كل الأحوال.

لا، قال هولدن. لنذهب. قد يكون الأمر مسلياً.

كان كلاً من سالي وهولدن متزلجين سيئين. شعرت سالي بالألم في كعبيها، بسبب الالتقاء غير الصحيح لأحدهما مع الآخر، وهولدن لم يكن بأفضل حالاً. كان في تلك الليلة على الأقل مائة شخص هناك، لم يكن لديهم شيئا يقومون به أفضل من مراقبة المتزلجين.

دعينا نحصل على طاولة ونشرب شيئاً، اقترح هولدن فجأة.

تلك أكثر الأفكار التي سمعتها اليوم روعة، قالت سالي.

نزعا زلاجتيهما وجلسا إلى طاولة في الردهة الدافئة. خلعت سالي قفازيها الصوفيين الحمراوين. بدأ هولدن بإشعال أعواد الثقاب. وتركها تحترق إلى أن لم يعد بإمكانه الإمساك بها، ومن ثم رمى بما تبقى في منفضة.

انظر، قالت سالي، علي أن أعرف-هل ستساعدني في تزيين شجرة عيد الميلاد؟

بالتأكيد، قال هولدن، بدون حماسة.

أعنى أنه لابد أن أعرف، قالت سالي.

فجأة توقف هولدن عن إشعال أعواد الثقاب. وانحنى على الطاولة. سالي، هل شعرت بالضجر يوما ما؟

أعني هل خشيت كثيراً من أن كل شيء سيسوء إلا إذا قمت بفعل شيء؟

بالتأكيد، قالت سالي.

هل تحبين المدرسة؟ استفهم هولدن.

إنها مضجرة للغاية.

أقصدن هل تكرهينها؟

حسناً، لا أكرهها.

حسناً، أنا أكرهها، قال هولدن. يا ولد، أنا أكرهها! لكن ليس ذلك تماما. هو كل شيء. أنا أكره العيش في نيويورك. أكره باصات الجادة الخامسة وباصات جادة ماديسون والخروج من أبواب المركز. أكره فيلم الشارع الثاني والسبعين، مع تلك السحب المزيفة على السقف، وأن أتعرف على أولاد مثل جورج هاريسون، والنزول بالمصاعد عندما تودين الخروج، وأولاد يقيسون بنطالك طوال الوقت في محلات بروكس. أصبح صوته أكثر إثارة. أشياء مثل هذه. هل تعرفين ما أعنيه؟ هل تعرفين شيئا؟ أنت السبب الوحيد الذي يجعلني آتي في عطلة.

أنت جميل، قالت سالي، متمنية لو يغير الموضوع.

يا ولد، أكره المدرسة! عليك أن تذهبي إلى مدرسة الصبيان يوماً ما. كل ما تفعلينه هو الدراسة، وتخيلي أنك ستهتمين إذا ما فاز فريق كرة القدم، وتتحدثين عن الفتيات والثياب والخمر و-

الآن، اسمع، قالت سالي مقاطعة. الكثير من الأولاد يحصلون من المدرسة على ما هو أكثر من ذلك.

أوافقك، قال هولدن. لكن هذا كل ما حصلت عليه منها. هل تفهمين؟ هذا ما أعنيه.  أنا لا أحصل على أي شيء من أي شيء. أنا في حال سيئة. أنا فاشل.  انظري، سالي.  كيف تودين الهروب منها تماماً؟ هذه فكرتي.  سأستعير سيارة فريد هاسلي وغداً صباحاً سننطلق إلى ماساشوتس وفيرمون ونواحيهما، أترين؟ إنها جميلة.  أقصد أنه رائع الذهاب إلى هناك، صدقا.  سنبقى في تلك المخيمات وأشياء من تلك إلى أن أفلس. لدي مائة واثني عشر دولاراً. ومن ثم عندما تنتهي النقود، سأحصل على عمل وسنعيش في مكان ما بسرية وخصوصية. هل تعرفين ما أعنيه؟ صدقا، سالي، سيكون لدي وقت رائع. ومن ثم فيما بعد، سنتزوج أو شيء ما.  ماذا تقولين؟  هيا! ما تقولين؟ هيا!  لنفعلها، ها؟

لا يمكن فعل شيء ما كهذا بهذه الطريقة، قالت سالي.

لم لا؟ سال هولدن بحدة. لم لا بحق الجحيم؟

لأنه لا يمكنك، قالت سالي. ليس باستطاعتك وحسب هذا كل شيء. افترض أن النقود التي معك انتهت ولم تحصل على عمل فماذا حينها؟

سأحصل على عمل. لا تقلقي بهذا الشأن. ليس عليك أن تقلقي بخصوص هذا الجزء ما المشكلة؟ ألا تودين الذهاب معي؟

ليس هذا، قالت سالي. ليس هذا على الاطلاق. هولدن، لدينا الكثير من الوقت لفعل هذه الأشياء-كل هذه الأشياء. بعد أن تذهب إلى الكلية ونتزوج وكل شيء. وسيكون هناك الكثير من الأماكن الرائعة التي يمكننا الذهاب إليها.

لا لن يكون، قال هولدن. سيكون الأمر مختلفا كليا.

نظرت سالي إليه، لقد كان يناقضها كليا.

لن يكون الأمر نفسه على الإطلاق. سيكون علينا أن ننزل في المصاعد مع حقائب وأشياء. سيكون علينا أن نتصل بالجميع لنقول لهم وداعا ونرسل لهم البطاقات البريدية. وسيكون علي أن أعمل مع والدي و أركب باصات جادة ماديسون وأقرأ الجرائد. سيكون علينا الذهاب إلى الشارع الثاني والسبعين طوال الوقت ونشاهد الأخبار في السينما. أخبار السينما! هناك دوما سباق خيول تافه وثمة سيدة تحطم زجاجة على السفينة. أنت لا تفهمين ما أعنيه أبدا.

ربما لا أفهم. ربما أنت لا تفعل، أيضا، قالت سالي.

وقف هولدن، وألواح التزلج تترنح على كتفيه. لقد تسببت لي بألم كبير، أعلن بشكل محايد تماما.

بعد منتصف الليل بقليل، جلس هولدن برفقة ولد بدين غير جذاب يدعى كارل لوسي على حانة وادسورث، يشربان الويسكي والصودا ويأكلان رقاقات البطاطا المقلية، كان كارل في مدرسة بينيسي الإعدادية أيضاً ويتقدم صفه.

هيه، كارل، قال هولدن، أنت واحد من هؤلاء الأولاد المثقفين. قل لي شيئا. بافتراض أنك كنت مشمئزا. بافتراض أنك كنت ماضٍ نحو جنون شديد. بافتراض أنك رغبت بترك المدرسة وكل شيء والخروج من نيويورك. ما ستفعل؟

اشرب، قال كارل. فليذهب ذلك إلى الجحيم.

لا، أنا جاد، اعترف هولدن.

أنت تبحث عن المشاكل دوماً، قال كارل، ونهض ثم غادر.

واصل هولدن الشراب. شرب ما قيمته 9 دولارات من الويسكي والصودا، وفي الساعة الثانية صباحاً خرج من الحانة إلى مخدع صغير، حيث كان هناك هاتف. اتصل بثلاثة أرقام قبل أن يطلب الرقم الصحيح.

الو! صرخ هولدن في الهاتف.

من هناك؟ استفسر صوت بارد.

هذا أنا، هولدن كولفيلد. هل بإمكاني التحدث إلى سالي، لو سمحت؟

سالي نائمة. أنا السيدة هايز. لم تتصل في هذه الساعة؟

هولدن؟

أود التكلم مع سالي، سيدة هايز. لأمر هام جداً. دعيها تكلمني.

سالي نائمة، هولدن. اتصل في الغد. ليلة سعيدة.

أيقظيها. أيقظيها، ها؟ أيقظيها، سيدة هايز.

هولدن، قالت سالي، من جهاز هاتف آخر. هذه أنا. ما الفكرة؟

سالي؟ سالي، أهذه أنت؟

نعم. أنت ثمل.

سالي سآتي في ليلة الميلاد. لأزين الشجرة من أجلك. ما تقولين؟ ها؟

نعم، آوي إلى سريرك الآن. أين أنت؟ من معك؟

سأزين الشجرة من أجلك. ها؟ ما قولك؟ ها؟

نعم، اذهب إلى النوم الآن. أين أنت؟ من معك؟

سأزين الشجرة من أجلك. ها؟ ما قولك؟ ها؟ حسناً؟

نعم! تصبح على خير!

ليلة سعيدة. ليلة سعيدة. حبيبتي سالي. سالي الحبيبة، عزيزتي.

أغلق هولدن الهاتف ووقف بالقرب لمدة ربع ساعة تقريباً. ومن ثم وضع قطعة معدنية أخرى في الشق واتصل بنفس الرقم مجدداً.

ألو! صرخ في السماعة. أود التحدث إلى سالي، لو سمحت.

حدثت قرقعة حادة لدى إغلاق الهاتف، وأغلق هولدن أيضاً من جهته، وقف يتأرجح للحظة. ومن ثم توجه إلى غرفة الرجال وملأ واحداً من الأحواض بالماء البارد. غمس رأسه حتى أذنيه، ومن بعدها مشى يقطر ماء، نحو المشعاع وجلس فوقه. جلس هناك يعد المربعات في بلاط الأرض بينما الماء يقطر من وجهه ومن عنقه، مبللاً ياقة قميصه وربطه عنقه.

بعد عشرين دقيقة دخل عازف البيانو في الحانة ليسرح شعره المموج.

هيه يا ولد! حياه هولدن من على المشعاع. أنا على المقعد الحار. لقد شدوا المفتاح علي. إني أتقلى.

ابتسم عازف البيانو.

يا ولد، بإمكانك العزف! قال هولدن. أنت حقيقة تستطيع العزف على البيانو. عليك الذهاب إلى الإذاعة. هل تعرف ذلك؟ أنت جيد جداً، يا فتى.

هل تريد منشفة، يا رفيق؟ سأل عازف البيانو.

ليس أنا، قال هولدن.

لم لا تذهب إلى البيت، يا ولد؟

هز هولدن رأسه. ليس أنا، قال، ليس أنا.

هز عازف البيانو كتفيه معيداً المشط النسائي الصغير إلى جيبه. عندما غادر الغرفة، نهض هولدن عن مشعاع التدفئة المركزية وطرف بعينيه عدة مرات لتخرج منها الدموع. ومن ثم ذهب إلى غرفة الملابس. لبس معطفه دون أن يزرره وضغط قبعته على رأسه الرطب المبلل.

اصطكت أسنانه بشدة، وقف هولدن على الناصية وانتظر باص جادة ماديسون، لقد كان انتظاراً طويلاً.

[1] أسماء لمتاجر في نيويورك.

CM469_G

الجاوتشو[1] الذي لا يطاق-روبرتو بولانيو

إلى رودريجو فريزان

في اعتقاد هؤلاء الذين عرفوه جيداً، كان هكتور بيريدا يمتاز بخصلتين بارزتين: كان أباً مهتماً وحنوناً، ومحامياً لا غبار عليه بسجل شريف، في زمان ومكان كانا بالكاد يعينان على مثل هذا السلوك. كنتيجة للفضيلة الأولى، اتهمه كلاً من ابنه وابنته، بيبي وكوكا، من كانت سني طفولتهما ومراهقتهما سعيدة، فيما بعد، بحمايتهما من حقائق الحياة القاسية، مركزين هجومهما بشكل خاص على معالجته للمسائل العملية. عن عمله كمحام، ليس هناك الكثير ليقال. نجح وصنع أصدقاء أكثر من الأعداء، وهذا لم يكن بالأمر السهل، وعندما كان لديه الخيار بين أن يصبح قاضياً أو عضواً في حزب سياسي، اختار المحكمة دون تردد، بالرغم من أن هذا قد عنى تفويت إمكانيات لكسب مالي أكبر الذي كان ليتاح له في السياسة كما هو واضح.

بعد ثلاث سنوات بأية حال، مثبطاً من عمله كقاضٍ، تخلى عن الحياة العامة وقضى بعض الوقت، ربما حتى بضع سنوات، في القراءة والسفر. بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً السيدة بيريدا، نيه هيرشمان، التي كان المحامي يحبها بجنون، كما يقال. هناك صور من ذلك الوقت تثبت ذلك: يظهر بيريدا في واحدة منها في بدلة سوداء يرقص التانجو مع امرأة شقراء، تقريباً بشعر أشقر بلاتيني، تنظر إلى الكاميرا وتبتسم، في حين عيني المحامي ظلت مثبتة عليها، كعيون المسرنم أو الشاة. للأسف، ماتت السيدة بيريدا فجأة، عندما كانت كوكا في عمر الخامسة وبيبي في السابعة. لم يتزوج الأرمل الشاب أبداً مرة ثانية، بالرغم من أنه كان هناك العديد من النساء في حلقته الاجتماعية عرف بعلاقته الطيبة معهن (ولو أنها ليست علاقة حميمة أبداً) ومن علاوة على ذلك كانت لديهن كل الصفات المطلوبة لتصبحن السيدة بيريدا الجديدة.

عندما سئل المحامي من قبل اثنين أو ثلاثة من أصدقائه المقربين عن سبب بقائه عازباً، كان يجيب دوماً بأنه ليس راغباً في فرض ثقل لا يطاق (على حد تعبيره) من زوجة أب على ذريته. برأي بيريدا، معظم مشاكل الأرجنتين الحالية يمكن أن تعود إلى شخص زوجة الأب. لم يكن لدينا أم أبداً، كأمة، سيقول، أو لم تكن هناك أبداً، أو تركتنا على باب دار الأيتام. لكن كان لدينا الكثير من زوجات الأب، من كل الأنواع، بدءاً من زوجة الأب البيرونية العظيمة. وسيختتم: من بين كل بلدان اميركا اللاتينية، نحن بالذات لدينا خبرة مع زوجات الأب.

بالرغم من كل شيء، كانت حياته سعيدة. من الصعب ألا تكون كذلك، كان يقول، في بوينس آيريس، التي هي مزيج تام من باريس وبرلين، بالرغم من أنه إذا ما نظرت عن كثب فهي أكثر شبهاً من خليط مثالي من ليون وبراغ. كل يوم، ينهض في الوقت نفسه مع أولاده، يتناول فطوره معهم ويرسلهم إلى المدرسة. يمضي بقية الصباح في قراءة صحيفتين على الأقل، وبعد وجبة خفيفة في الحادية عشرة (مكونة بشكل أساسي من لحوم باردة وسجق على خبز فرنسي مدهون بالزبدة وكأسين أو ثلاث من النبيذ الأرجنتيني أو التشيلي، فيما عدا مناسبات خاصة، عندما كان النبيذ بطبيعة الحال، فرنسي)، أخذ قيلولة حتى الواحدة. كان غداؤه الذي يتناوله وحيداً في غرفة فارغة ضخمة بينما يقرأ كتاباً تحت أنظار خادمة مسنة ذاهلة ونظرة بالأبيض والأسود من زوجته الفقيدة، تنظر عبر صور فوتوغرافية في أطر فضية مزخرفة، خفيفاً: حساء والقليل من السمك والبطاطا المهروسة، الذي سيترك البعض منه كي يبرد. في الأصيل، يساعد أطفاله على حل وظائفهم المنزلية، أو يجلس بجانب كوكا وهي تأخذ دروس البيانو بصمت، أو إلى جانب بيبي ودروسه في الفرنسية والانجليزية التي يعطيها معلمان ذوو ألقاب إيطالية، كانوا يأتون إلى المنزل.

أحياناً، عندما تعلمت كوكا عزف مقطوعة كاملة، ستأتي الخادمة والطاهية للاستماع أيضاً، والمحامي بفخر كبير، سيسمعهما تتمتمان كلمات الثناء، التي خطر له في البداية أنها مبالغ بها، لكن من بعد تأمل، بدت مناسبة تماماً. بعد تمني ليلة سعيدة لأطفاله وتذكير كادره المنزلي بعدم فتح الباب لأي كان، يذهب إلى مقهاه المفضل، في كورينتيس، حيث سيجلس حتى الواحدة كحد أقصى، مستمعاً إلى أصدقائه أو أصدقائهم يناقشون قضايا التي ظن أنه سيجدها مملة كثيراً إذا ما علم أي شيء عنها، يعود من بعدها إلى البيت، حيث يكون الجميع نيام.

أخيرا، كبر الأطفال. أولاً تزوجت كوكا وذهبت لتعيش في ريو دي جانيرو، ومن ثم بدأ بيبي بالكتابة وأصبح بالفعل كاتباً ناجحاً جداً، ما كان مصدر فخر كبير لبيريدا، الذي قرأ كل كلمة كتبها ابنه وجميع منشوراته. واصل بيبي العيش في البيت لعدة سنوات (أين كان له أن يجد مكان آخر بمثل هذه الجودة)، من بعدها كأخته، طار من العش.

أولاً، حاول المحامي التخلي عن العزلة. كان له علاقة مع أرملة، سافر في رحلة طويلة إلى فرنسا وإيطاليا، قابل فتاة اسمها ريبيكا، وأخيراً أرضى نفسه بتنظيم مكتبته الفوضوية الضخمة. عندما عاد بيبي من الولايات المتحدة، حيث قضى سنة دراسية في الجامعة، هرم بيريدا قبل الأوان. كان بيبي قلقاً وحاول ألا يدع والده وحيداً لوقت طويل. لذا فأحياناً كانا يذهبان إلى السينما أو المسرح، حيث سينام المحامي عادة، وأحياناً يجره بيبي إلى تجمعات أدبية كانت تعقد في مقهى القلم الأسود، حيث ينعم الكتاب بمجد بعض الجوائز المحلية، مسهبين مطولاً حول مصير الأمة. عندما كانوا يتحدثون عن الأدب، كان بيريدا يشعر بسأم شديد.

في رأيه، كان أفضل الكتاب الأرجنتينيين هما بورخس وبيبي، أي تعقيب إضافي حول الموضوع كان نافلاً. لكن عندما بدأوا يتحدثون عن السياسات العالمية والمحلية، توتر جسم المحامي كما لو أنه شحن بتيار كهربائي.  ومن حينها تغيرت عاداته اليومية. بدأ بالنهوض باكراً لينظر في الكتب القديمة في مكتبته، باحثاً عن شيء ما ولو أنه لم يستطع تحديده.  قرر ترك النبيذ واللحوم الدسمة لأنه أدرك أنها كانت تبلد فكره. كانت نظافته الشخصية أيضاً تخضع للتغيير، هو لم يعد يهتم بهندامه لدى خروجه، وسرعان ما توقف عن أخذ حمام يومي، وحتى أنه راح إلى المتنزه لقراءة الصحيفة دون أن يضع ربطة عنق.  بالكاد تعرف أصدقاؤه القدامى في هذا البيريدا الجديد على المحامي الذي عهدوه، الذي كان نزيهاً بكل اعتبار. نهض في أحد الأيام وهو يشعر بعصبية أكثر من المعتاد. تناول طعام الغداء مع قاض وصحفي متقاعدين وكان يضحك طوال تلك الفترة. فيما بعد وبينما هم يشربون الكونياك سأله القاضي عما يجده مضحكاً إلى هذا الحد. بيونيس ايريس تتداعى، أجاب بيريدا. فكر الصحفي بأن المحامي يكاد يصاب بالجنون، ونصحه ببعض الوقت على البحر، ذو الهواء المنعش. القاضي الأقل ميلاً إلى التنظير، فكر ببساطة بأن بيريدا قد حاد عن الموضوع.

بعد عدة أيام، بأية حال، انهار الاقتصاد الارجنتيني. تجمدت الأرصدة المودعة بالدولار الأميركي، هؤلاء الذين لم ينقلوا رؤوس أموالهم (أو مدخراتهم) خارجاً اكتشفوا فجأة بأنه لم يتبق لديهم شيء، أو فقط بعض السندات والأوراق المصرفية. المشهد بمفرده كان كافياً لإصابتهم بقشعريرة، وعود مبهمة مستوحاة من تانجو منسي ومن كلمات النشيد الوطني سواء بسواء. قلت لك ذلك، قال المحامي إلى كل شخص راغب بالاستماع. بعدها وقف برفقة طاهيته وخادمته، في طوابير طويلة مثل الكثير من سكان بوينس آيريس، وانخرطوا في محادثات طويلة مع الغرباء (الذين كان لهم عليه أثر السحر تماماً) في الشوارع المزدحمة بالناس المخدوعين بالحكومة، أو البنوك، أو كائناً من كان.

عندما استقال الرئيس، كان بيريدا هناك بين المحتجين وهم يطرقون على قدورهم ومقاليهم. أحياناً بدا كما لو أن الكهول سيطروا على الشارع، مسنون من كافة الطبقات الاجتماعية، وقد أعجبه ذلك، بالرغم من أنه لا يعرف السبب، بدا مثل إشارة كانت تتغير أحياناً، شيء ما كان ينتقل في الظلمة، بالرغم من أنه كان أيضاً سعيداً بالانضمام إلى إضرابات غير مضمونة ومحاصرات سرعان ما انفضت إلى مشاجرات. في فضاء بضعة أيام تتابع على رئاسة الارجنتين ثلاثة رؤوساء مختلفين. لم يخطر لأي كان أن يعلن ثورة أو ينظم انقلاباً عسكرياً. وحينها قرر بيريدا العودة إلى الريف.

قبل المغادرة، شرح خطته للخادمة والطاهية. بوينس آيريس تنهار، أنا ذاهب إلى المزرعة، قال. تكلموا لساعات، جالسين حول طاولة المطبخ. كانت الطاهية ترافقه إلى المزرعة عندما كان يذهب إليها، هو الذي لطالما كان يقول إن الريف لم يكن مكاناً مناسباً لرجل مثله، رجل عائلة مهذبة، من أراد أن يكون واثقاً من حصول أطفاله على تعليم جيد. صوره الذهنية عن المزرعة بهتت وتغشت، لم يبق منها سوى منزلاً بفجوة في الوسط، شجرة ضخمة رهيبة، واسطبل يومض بالظلال التي قد تكون جرذاناً. وبرغم ذلك، في تلك الليلة وهو يحتسي الشاي في المطبخ أخبر موظفتيه بأنه لا يكاد يكون لديه المال ليدفع لهن (كانت كلها مجمدة في البنك-وبتعبير آخر بحكم المفقودة) والحل الوحيد كان بأخذهن إلى الريف، حيث على الأقل لن يعدموا الطعام، أو هذا ما أمله.

استمعت الخادمة والطاهية إليه بشفقة، وعند حد ما أجهش المحامي بالبكاء. في محاولة منهن لتعزيته، قالتا له، ألا يقلق بشأن المال، كانتا جاهزتان لمواصلة العمل حتى ولو لم يتمكن من الدفع لهما. رفض المحامي بحزم أي إجراء من هذا القبيل. لن أصبح قواداً بعد هذا العمر، قال بابتسامة معتذرة. في الصباح التالي حزم حقيبته واستقل سيارة أجرة إلى المحطة. لوحت النسوة من على الرصيف.

رحلة القطار الطويلة الرتيبة منحته وقتاً وفيرا للتأمل. في البدء كانت العربة ممتلئة. لاحظ أنه كان هناك بشكل أساسي موضوعين للمحادثات: حالة البلاد من الإفلاس، وكيف أن فريق الأرجنتين كان يتهيأ لكأس العالم في كوريا واليابان. ذكرته زحمة المسافرين بالقطارات المسافرة من موسكو في فيلم “دكتور زيفاجو”، الذي قد رآه فيما مضى، بخلاف أنه في العربات الروسية كما صورت من قبل ذلك المخرج الإنجليزي لم يكن الحديث عن هوكي الجليد أو التزحلق. أي أمل لدينا، فكر، بالرغم من أنه كان عليه الإقرار بأنه في الصحيفة اختيار الارجنتين بدا لا يقهر. عندما حل الليل، توقفت المحادثات، وفكر المحامي في طفليه، كان كل من كوكا وبيبي في الخارج. فكر أيضاً بعدد من النسوة اللاتي عرفهن عن قرب، لكن لم يتوقع أن يتذكر، بصمت، انبثقن من النسيان، بشرتهن مغطاة بالعرق، تبثثن في روحه الضجرة شيء من السكينة، بالرغم من أنها لم تكن صافية تماماً، ربما ليست بمعنى المغامرة تماماً، لكن شيء ما يشبهها.

ومن ثم بدأ القطار بالتقدم على السهول، وحنى المحامي رأسه أمام الزجاج البارد للنافذة وغط في النوم.

عندما استيقظ، كانت العربة نصف فارغة وكان هناك رجل يبدو هندياً إلى حد ما جالس بجانبه، يقرأ كتاب الرجل الوطواط المصور. أين نحن؟ سأل بيريدا. في كورنيل جوتييريز، قال الرجل. آه هذا صحيح، فكر المحامي، أنا ذاهب إلى كابيتان جوردان. ومن ثم نهض، ممدداً ساقيه، وجلس من جديد. في الخارج على الأرض المنبسطة رأى أرنباً بدا كما لو أنه يسابق القطار. كان هناك خمسة أرانب أخرى تركض خلفه. الأرنب الأول، يركض بمحاذاة النافذة تماماً بعيون متسعة، كما لو أن السباق مع القطار تطلب جهداً فائقاً (أو بالأحرى قفزاً ممتازاً، فكر المحامي) بدا أن الارانب في المطاردة تركض ترادفياً، كالدراجين في سباق فرنسا.

بعدة قفزات كبيرة، صار الأرنب الذي في المؤخرة مكان المتسابق الأول، الذي تراجع إلى المركز الأخير، في حين أن الأرنب الثالث انتقل إلى المركز الثاني، والرابع انتقل إلى الثالث، وطوال المدة كانت المجموعة تطبق على الأرنب المنفرد الذي يركض بمحاذاة النافذة. الأرانب، فكر، كم هي رائعة! على الأراضي المنبسطة، لم يكن هناك شيء آخر ليرى: فسحة واسعة لا نهائية من العشب الشحيح، تحت الغيوم الواطئة الكبيرة، وما من إشارة على وجود بلدة بالقرب. هل أنت ذاهب إلى كابيتان جوردان؟ سأل بيريدا قارئ الرجل الوطواط، الذي بدا أنه يتفحص كل لوحة باهتمام فائق مدققاً بكل تفصيل كما لو أنه كان يزور متحفاً متنقلاً، لا، أجاب، سأنزل عند الابيديرو. حاول بيريدا تذكر محطة بذلك الاسم لكنه لم يستطع، وماهي؟ هل محطة أو مصنع؟ الرجل الذي يبدو هندياً حدق به بتركيز: محطة، أجاب. يبدو أنه متضايق، فكر بيريدا. لم يكن يسأل مثل تلك الأسئلة في العادة، بالنظر لرجاحة عقله المألوفة. السهول جعلته يستفسر بتلك الطريقة من الصراحة، القوة، والواقعية، قرر.

عندما أراح جبهته على النافذة ثانية، رأى أن الأرانب في الملاحقة قد التحقت بالأرنب الذي يركض وحيداً، وكانت تهاجمه بشراسة، تمزق جسده بمخالبها وأسنانها-تلك الأسنان الطويلة القارضة، فكر بيريدا برعب مرتعداً. نظر مرة ثانية ورأى كتلة بلا ملامح من الفراء الأسمر تتدحرج بجانب السكة الحديدية.

كان بيريدا والمرأة وطفليها هما المسافرين الوحيدين الذين نزلوا عند كابيتان جوردان. كان الرصيف نصف من خشب ونصف اسمنتي، وبالرغم من أفضل جهوده التي بذلها لم يستطع بيريدا أن يجد موظف السكة الحديدية في أي مكان. بدأت المرأة والأطفال بالمشي على السكة وبالرغم من أنهم كانوا يتحركون بوضوح بعيداً وكانت هيئاتهم تتضاءل بشكل مرئي استغرق اختفائهم من مرمى النظر أكثر من ثلاثة أرباع الساعة بحسابات المحامي. هل الأرض مدورة؟ تساءل بيريدا. بالطبع هي كذلك، قال لنفسه، جالساً على مقعد خشبي قديم أمام جدار المحطة، محضراً ليقتل بعض الوقت. حتما تذكر قصة بورخيس “الجنوب”، وعندما فكر بالمخزن المشار إليه في الفقرة الأخيرة، اغرورقت عيناه بالدموع، ومن ثم تذكر حكاية من رواية بيبي الأخيرة وتخيل ابنه يكتب على الكمبيوتر في غرفة بسيطة في جامعة في الغرب الأوسط. عندما يأتي بيبي ويكتشف إني رحلت إلى المزرعة…، فكر بحدس متحمس.

[1]  Gaucho: وهم رعاة البقر في سهول في اميركا اللاتينية.

يتبع…

جيم-روبيرتو بولانيو

bolafioRoberto (1) جيم-روبيرتو بولانيو كان عندي منذ عدة سنوات صديق يدعى جيم، وقد كان الأكثر حزناً من بين الشمال-أمريكيين الذين عرفتهم. لقد رأيت الكثير من الرجال المحبطين. لكن لم يكن أحداً منهم حزيناً مثل جيم. ذهب إلى البيرو مرةً -لمدة جاوزت الستة أشهر فيما يبدو، لكن سرعان ما رأيته ثانيةً. اعتاد أولاد الشوارع المكسيكيين سؤاله، مما يتألف الشعر، يا جيم؟  مصغياً إليهم، سيحدق جيم في السحب ومن ثم يبدأ بالتعداد.  المفردات، البلاغة، البحث عن الحقيقة. الوحي. كما عندما تظهر لك العذراء في رؤيا. قام بعمليات سلب عديدة في بنك أميركا المركزي، ما يبدو مفاجئاً، لأنه كان ملّاحاً ومقاتلاً في فيتنام. لقد انتهى القتال، كان جيم يقول.  أنا الآن شاعر، أبحث عما هو استثنائي، محاولاً التعبير عنه بكلمات يومية، عادية.  إذاً هل تعتقد أن ثمة كلمات يومية عادية؟  أظن ذلك، كان جيم يقول.  كانت زوجته شاعرة مكسيكية، تهدد بين الفينة والأخرى بهجره.   لقد أراني صورة لها.  لم تكن ذات جمال مميز. كان وجهها ينم عن معاناة، وتحت تلك المعاناة، يجيش الغضب.  تخيلتها في شقة في سان فرنسيسكو أو في منزل في لوس انجلس، بنوافذ مغلقة وستائر مفتوحة، جالسة إلى طاولة، تأكل شرائح الخبز وطبقاً من حساء الخضار.  أحبَّ جيم النساء ذوات البشرة الداكنة، على ما يبدو، نساء التاريخ السريات، كان ليقول، بدون استرسال. أما بالنسبة لي، فأفضل الشقراوات. مرةً رأيته يشاهد أكلة النار في شارع في مدينة مكسيكو. رأيته من الخلف ولم أحييه، لكن كان واضحاً أنه جيم. قصة الشَّعر الرديئة، القميص الأبيض المتَّسخ والانحناءة، كما لو أنه لا يزال يحمل صُرَّته. بطريقة ما، استحضرتْ رقبته، رقبته الحمراء، صورة الإعدام في الريف-منظراً طبيعياً بالأبيض والأسود، بدون لوحات إعلانية أو أضواء لمحطة وقود-الريف كما هو أو كما يجب أن يكون: براحٌ من الأرض البور مطموساً في الغرف المجاورة ذات الجدران القرميدية أو الملاجئ التي هربنا منها، واقفين هناك، منتظرين عودتنا. كان جيم يضع يديه في جيوبه. كان آكل النار يلوح بشعلته ويضحك بعنف. وجهه المسوَّد كان ذو شباب دائم: ربما كان له من العمر خمسة وثلاثين عاماً أو خمسة عشر. لم يكن يرتدي قميصاً وكان هناك ندبة عمودية تمتد من سرته إلى عظم القص.  يملأ فمه بين الحين والآخر بسائل قابل للاشتعال ويبصق أفعى نارية طويلة. سيرقبه الناس في الشارع لبرهة من الوقت معجبين بمهارته ويتابعون سيرهم، ما عدا جيم، الذي ظل هناك على حافة الرصيف، ساكناً تماماً، كما لو أنه يتوقع المزيد من آكل النار، رسالة عاشرة (إذ قام بحل التاسعة المألوفة)، أو كما لو أنه رأى في ذلك الوجه الخالي من الألوان سمات صديق قديم أو شخص ما كان قد قتله. راقبته لمدة طويلة. لقد كنت في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمري في ذلك الوقت وأؤمن بأني خالد.  لو كنت أدرك أني لست كذلك، كنت لأستدير مبتعداً.  بعد مدة تعبت من النظر إلى ظهر جيم وإلى تكشيرات آكل النار. فتقدمت وناديت باسمه. يبدو أن جيم لم يسمعني.  عندما التفتَ لاحظت أن وجهه كان يغطيه العرق.  بدا أنه محموم، واستغرقه قليل من الوقت ليتعرف إلي، حياني بإيماءة وعاد إلى آكل النار.  لاحظت وأنا واقف بجانبه أنه كان يبكي.  ربما كانت حرارته مرتفعة أيضاً.  واكتشفت شيئاً يفاجئني الآن أكثر مما كان يفعل في ذلك الوقت، كتابة هذا: كان آكل النار يؤدي عرضه بشكل حصري من أجل جيم، كما لو أن العابرين بتلك الناصية في مدينة مكسيكو جميعهم لم يكونوا موجودين ببساطة. كان اللهب يقع أحياناً على أرض المكان الذي كنا نقف عليه. ماذا تنتظر، قلت، هل ترغب بأن تشوى في الشارع؟  لقد كانت ملاحظة حمقاء، قلتها دون تفكير، لكن بعدها خطر لي: أن هذا تماماً ما كان جيم ينتظره. كانت هناك في تلك السنة كما أذكر، أغنية تشغل باستمرار في بعض الأماكن الخاصة بموسيقا الفانك بلازمة تقول، chingado, hechizado ( مسيطراً عليه، مفتوناً). هذا كان جيم: مسيطراً عليه ومفتوناً. أثر به سحر مكسيكو وها هو الآن ينظر مباشرة في وجه شياطينه. لنخرج من هنا، قلت.  وسألته أيضاً عما إذا كان منتشياً أو يشعر بالإعياء.  هز رأسه.  كان آكل النار يحدق بنا.  ومن ثم أخذ يقترب منا، بأوداجه المنتفخة كعولس، إله الرياح.  أدركت بسرعة كبيرة أن ليست هي الرياح تلك التي ستهب في وجهنا.  لنذهب، قلت، وانتزعت جيم بعيداً عن الحافة المشؤومة لذلك الرصيف.  ابتعدنا في الشارع المؤدي إلى ريفورما، وبعد مدة افترقنا وراح كل في طريقه.  لم يقل جيم كلمة طوال ذلك الوقت.  ولم أره ثانية.

لشبونة،1989، ابريل برنار.

AprilBernard_NewBioImage

ترنَّح العام الجديد

على صخب الأبواق

حاويات القمامة والمفرقعات

المتعالي من المرفأ

حتى عتبة النافذة

إلى غرفة الفندق حيث

ماتت الكياسة لتوِّها.

ذهبنا في اليوم التالي لتناول الغداء

في مطعم غالٍ

مزدحم بفلول النازية

وكنت أشعر بالإعياء في غرفة السيدات

حيث كانت الجدران مخططة

والمراحيض مرقطة. فغادرت وحيدة

في نزهة، احتسيت قهوة

باردة في مقهى بارد

وعددت خساراتي

قبالة المطر المكفهر.

فتحت في المكتبة ديوان

شعر: بعض أسطر رهيفة

عن البحر الزمردي، جلبت

للذاكرة رائحة الملح والزهور-

قبل أن تسبح الكلمات عائدة الى

البرتغال، غير مقروءة.

عزيزي بيسوا، كان صوتك

صافياً كالموسيقى، ففي تلك اللحظات القليلة

استطعت أن أقرأ

كل القصائد المكتوبة.

*عزيزي،  وردت بالبرتغالية في الأصل Querido .

ابريل برنار: مواليد عام1956 شاعرة اميركية.

418IzZaI57L._SY344_BO1,204,203,200_

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي 1956

يا إلهي، فكرت وهي مضطجعة في السرير عارية وتعيد مطالعة كتاب الدينجتون “صورة العبقري”، لكن… إنه لمحتال! ليس د.ه. لورانس، لكن زوجها-هنري-بكرشه السمين وكل ذلك الشعر الذي لم يمشطه قط وكيف وقف بسرواله القصير هناك، ووقف عارياً قبالة النافذة يعوي كبدوي، وقد أخبرها بأنه كان يتحول إلى علجوم وأنه أراد شراء بوذا وأنه أراد أن يكون عجوزاً ويغرق في البحر، وأنه كان عازماً على إطلاق لحيته وأنه شعر كما لو أنه كان يتحول إلى امرأة.

وهنري كان مسكيناً، مسكيناً وتافهاً وبائساً ومريضاً، ورغب بالانضمام إلى رابطة ماهلر. كانت رائحة فمه كريهةً، كان أبيه مخبولاً وأمه تحتضر إثر إصابتها بالسرطان.

وعلاوةً على ذلك كله، كان الطقس حاراً، حاراً كالجحيم.

لقد توصلت إلى نظام جديد، قال. كل ما أحتاجه هو أربعة أو خمسة آلاف دولار.

إنه موضوع استثمار، قال.  يمكننا السفر من درب إلى آخر في مقطورة.

رغبت في قول إحدى الشتائم، “لا نملك أربعة أو خمسة آلاف دولار”، لكن لم تنطق بها. لم تقل أي شيء: كانت كل الأبواب مغلقة وجميع النوافذ مسدلة، وكان ذلك في عرض الصحراء-ما من نسور حتى -وكانوا على وشك رمي القنبلة. كان عليها أن تبقى في تكساس، كان عليها أن تبقى مع بابا-هذا الرجل أحمق، مُنفِّر، جبان لا-لا شيء في عالم الفاعلين. إنه يخفي خلف السمفونيات والخيالات الشعرية، روحاً ضعيفةً وكسولة.

هل ستأخذني إلى المتحف؟ سألت.

لماذا؟

يوجد هناك معرض فني.

أعلم.

حسناً، ألا ترغب برؤية فان كوخ؟

ليذهب فان كوخ إلى الجحيم! ما الذي يعنيه فان كوخ لي؟

أوصدت الأبواب ثانيةً ولم تستطع التفكير بجواب.

أنا لا أحب المتاحف، تابع. ولا أحب زوار المتاحف.

كانت المروحة تدور، لكنها كانت شقة صغيرة والحرارة احتجزت كما لو أنها مطوقة في مغلاة.

في الواقع، قال، وهو يخلع قميصه واقفاً بسرواله القصير فقط، أنا لا أحب الناس بكل أنواعهم.

كان كمية الشعر على صدره مذهلة.

في الواقع، واصل، وهو يُسلت سرواله مرتكزاً على طرف إحدى قدميه، سوف أؤلف كتاباً في يوم ما وأسميه اعترافات جبان.

رن جرس الباب كاغتصاب، أو كتهتك اللحم الحي.

يا يسوع المسيح! قال كمن يؤخذ على غِرَّة.

قفزت من على السرير، وبدت باهتة وشديدة البياض. كموزة مغطاة بالسُّكَّر. الدينجتون و د.ه. لورانس وتاوس سقطوا على الأرض.

هرعت إلى الخزانة وراحت تحشر نفسها في مستلزمات الملابس النسائية.

الملابس غير مهمة، قال.

ألا تنوي أن تفتح؟

لا، لمَ يتوجب عليَّ ذلك؟

رنَّ مجدداً. دخل صوت الجرس الغرفة وبحث عنهما، تسلق صاعداً جلدهما، لكمهما بعيون زاحفة.

ومن ثم حل صمت.

ومع صوتهما استدارت القدم، تصرف وترشد وحشاً ما، تنزله من على بئر السلم، واحد اثنان ثلاثة، 1.2.3 ومن ثم رحل.

عجباً، قال. وهو لم يتحرك بعد، ما كان ذلك؟

لا أعلم، قالت، وهي تنحني خلفاً على خصرها وتخلع تنورتها التحتية من رأسها.

أخيراً! صرخت. أخيراً! رافعة ذراعيها إلى الأعلى كالمجسَّات.

انتهت من خلع الثوب من رأسها ببعض من النفور.

لماذا تلبس النساء هذا الهراء؟ سأل بصوت مرتفع.

لم تشعر بأن هناك ضرورة للرد وبحثت ثم سحبت لورانس من تحت السرير. ودخلت السرير مع لورنزو وجلس زوجها على الأريكة.

لقد قاموا ببناء مقام صغير له، قال.

من؟ سألت مشاكسة.

لورانس.

اوه.

يوجد صورة له في ذلك الكتاب.

نعم لقد رأيتها.

هل رأيت مقبرة للكلاب؟

ماذا؟

مقبرة كلاب.

حسناً، ماذا عنها؟

فيها دوماً زهور، عند كل كلب دوماً زهور طازجة، مشكَّلة كلها في باقات صغيرة أنيقة على كل قبر. هذا كافٍ لجعلك تبكين.

وجدت المكان الذي وصلت إليه في الكتاب ثانية، مثل شخص يبحث عن عزلة وسط بحيرة: إذن فالشهور المرة تواصلت بشكل بائس، مترافقة مع شعور لورنزو المأساوي بالضياع، هذا-

أتمنى لو أني تعلمت الباليه، قال. أنا أكاد أتهاوى كلياً لكن هذا يعود إلى روحي الذاوية. أنا رشيق حقاً، جاهز للتشقلب على فرشة قفز من نوع ما، كان عليَّ أن أكون ضفدعاً، على الأقل. سترين. سأتحول في يوم ما إلى ضفدع.

تموجت بحيرتها بنسيم مغضب: حسناً، بحق السماء، تعلم الباليه! اذهب ليلاً! تخلص من كرشك! اقفز هنا وهناك! كن ضفدعاً!

هل تقصدين بعد العمل؟ سأل بحزن.

يا الله، قالت، أنت تريد كل شيء دون مقابل. نهضت وذهبت إلى الحمام وأغلقت الباب.

هي لا تفهم، فكر، وهو جالس على الكنبة عارياً، هي لا تفهم بأني أمزح. إنها مغرقة في الجدية. كل ما أقوله لا بد أن يحمل معنى مأساوياً أو حقيقياً، أو رؤيا أو ما شابه. لقد تحملت كل ذلك!

وقع نظره على قصاصة ورقية مخربش عليها بقلم رصاص، بخط يدها، على الطاولة الجانبية، فتناولها:

زوجي شاعر صدر له إلى جانب سارتر ولوركا، هو يكتب عن الجنون ونيتشه ولورنس، لكن ما الذي كتبه عني؟

هي تقرأ الكتب الهزلية

والترهات الفارغة

وتصنع قبعات صغيرة

وتذهب إلى القداس في الثامنة صباحاً

أنا أيضاً شاعر وفنان، يقول بعض النقاد

المتبصرين، لكن زوجي كتب عني:

هي تقرأ الهزليات…

سمع صوت شطف المرحاض، ثم خرجت بعد لحظة.

أود أن أكون مهرجاً في السيرك، قال في استقبالها.

عادت إلى السرير مع كتابها.

ألا تودين أن تكوني مهرجاً مؤثراً يتخبط بوجهه المصبوغ بالألوان؟ سألها.

لم تجب، التقط استمارة السباق.

باور 114 ب.ج.4، مع القنبلة الذرية-

بومايا، مع بومبي

بريدر، اسطبل بروكميدي.

1956 12 2 4 1 $12,950

18-Jam I I/16 1:45 1/5ft. 3 122 2تموز

1/2 3 2 2 سا guerinE’Alw86

أنا ذاهب إلى كالينتي الأحد القادم، قال.

حسناً، سأدعو شارلوت للمجيء. بإمكان آلان ايصالها بالسيارة.

هل تصدقين أن الكاهن قد أغواها حقاً في ذلك الفيلم كما ادعت؟

قلبت صفحة كتابها.

عليكِ اللعنة، أجبيني! وأخيراً صرخ غاضباً.

عم أجيبك؟

ألا تظنين أنها عاهرة وتختلق كل ذلك؟ ألا تظنين أننا جميعاً عاهرات؟ ما الذي نحاول فعله، بقراءة كل تلك الكتب؟ كتابة كل تلك القصائد التي أعادوها، والعمل في زنزانة ما بلا مقابل لأننا لسنا حقيقة مهتمين بالمال؟

وضعت الكتاب ونظرت إليه من فوق كتفها. حسناً، قالت بصوت منخفض، هل ترغب بالتخلي عن كل شيء؟

التخلي عن ماذا؟ نحن لسنا نملك أي شيء! أو هل تقصدين سمفونية بيتهوفن الخامسة أو موسيقى الماء لهاندل؟ أو هل أنك تعنين موسيقى السول؟

لنكف عن الجدل. رجاءً. أنا لست راغبة بالمجادلة.

حسناً، أريد معرفة ما نحاول فعله!

رن جرس الباب كما لو أن كل أجراس القدر تكتسح الغرفة.

ششش، قال، ششش! اهدأي!

رن جرس الباب ثانية، كما لو أنه يقول، أعرف أنكم في الداخل، أعرف أنكم في الداخل.

هم يعلمون أنَّا هنا، همست.

أشعر بأنه هو، قال.

ماذا؟

لا يهم. ابقي هادئة فقط. ربما سيمضي مبتعداً.

أليس رائعاً أن يكون لديك كل هؤلاء الأصدقاء؟ تسلحت بالمزاح.

لا. ليس لدينا أصدقاء. أقول لك، هذا شيء آخر!

رن مجدداً، مقتضباً جداً، بارداً وكئيباً. لقد حاولت مرة تكوين فريق سباحة أولمبي، قال، حائداً عن الموضوع بالكامل.

أنت تفصح عن أكثر التصريحات سخافة كل دقيقة، هنري.

هل ستتخلين عني؟ فقط من أجل ذلك! قال، رافعاً صوته،

من هناك؟

لم يكن هناك رد.

نهض هنري مفتوح العينين كما لو أنه مغشي عليه وفتح الباب مطوحاً إياه، ناسياً عريه. وقف هناك مشلول الفكر لبعض الوقت، لكن كان واضحاً لها أنه لو كان هناك شخص آخر في مثل حالته من العري تلك لما أحدث هذه الضجة، أو على أقل تقدير، تعليق راقي نوعاً ما.

ومن ثم أغلق الباب. كانت على وجهه نظرة غريبة، بعينين مدورتين أشبه ما تكون بعيون الدمى وازدرد في لحظة مواجهته لها. كبرياءه، ربما؟

لقد قررت، أعلن، بأني لن أتحول أخيراً إلى امرأة.

حسناً، هذا سيقدم يد العون بخصوص ما بيننا كثيراً، هنري.

وسآخذك أيضاً لرؤية فان كوخ. لا انتظري، سأدعك تأخذيني أنت.

لا فرق، عزيزي، لا يهم.

لا، قال. عليك أن ترافقيني!

مشى إلى الحمام وأغلق الباب.

ألا تتساءل، قالت عبر الباب، عمن كان هذا؟

ما هذا الذي كان؟

من الذي كان عند الباب؟ في المرتين؟

اللعنة، قال، أعرف من يكون.

من كان، إذن؟

ها!

ماذا؟

قلت، ها! ما أنا بقائل!

هنري، أنت ببساطة لا تعلم من يكون، لا تعرف أكثر مما أعرف. أنت ببساطة تتحامق ثانية.

إذا ما وعدت بأخذي لرؤية فان كوخ، سأخبرك من كان عند الباب.

حسناً، سايرته. أعدك.

طيب، أنا من كان عند الباب!

أنت كنت عند الباب؟

نعم، ضحك ضحكة صغيرة تافهة. أنا أبحث عني! في المرتين.

ألا تزال تلعب دور المهرج، هنري؟

سمعت صوت الماء يجري في الحوض وعرفت أنه سيشرع بالحلاقة.

هل ستقوم بالحلاقة، هنري؟

لقد قررت حلاقة اللحية، أجاب.

لقد عاد ليسبب لها الملل من جديد وفتحت كتابها ببساطة على صفحة عشوائية وبدأت بالقراءة:

ألم تعد تريد مني شيئاً؟

أود أن ننفصل، تتحررين مني، وأتحرر منك.

وماذا عن تلك الشهور الأخيرة؟

لا أعلم. أنا لم أقل لك أي شيء سوى أن ما فكرت به كان حقيقياً.

إذن لم أنت مختلف الآن؟

أنا لست كذلك، أنا لم أتغير-فقط أعلم أنه ليس من الجيد أن نستمر.

أغلقت الكتاب وفكرت بهنري، إن الرجال كالأطفال، عليك مسايرتهم، ليس بإمكانهم القيام بأي أذى. لقد كان أمراً تعرفه كل النساء. حاول هنري-لقد كان كذلك تماماً-كل لعب دور المهرج هذا. كل النكات الركيكة.

نهضت من على السرير كما لو في حلم، مشت على أرضية الحجرة، فتحت الباب ونظرت إلى الداخل. كان هناك مقابل الحوض فرشاة حلاقة وعليها آثار الصابون وإبريقه المخصص للحلاقة لا يزال مبللاً، لكن الماء في الحوض كان بارداً وعند القعر، فوق السدادة، نظر إليها ضفدع حي سمين، أخضر، وبحجم قفاز مجعد، ليس في متناولها أخيراً.

ملاحظة: كتب تشارلز بوكوفسكي هذه القصة في العام 1956، قبل وقت طويل من نيله أي اعتراف أدبي. وكان في ذلك الوقت يعيش مع زوجته الأولى، باربرا فراي، والتي كانت ترأس تحرير مجلة أدبية صغيرة هناك تدعى Harlequin. بعد ما يقرب من عقد من توقفه عن الكتابة، بدأ بوكوفسكي بالكتابة مرة أخرى، وكان يرسل قصائده إلى المجلات في جميع أنحاء البلاد. نشرت باربرا فراي بحماس كل ما أرسله لها وكانت تقابل بلهفة اكتشافها الأدبي الجديد.

وقد وصف بوكوفسكي قصة لقائهما والزواج اللاحق في روايته “مكتب البريد” وفي بعض من قصائده المبكرة الأكثر شهرة، ذهب بوكوفسكي أخيراً إلى تكساس تلبية لطلب محررته الجديدة (وعائلتها المحافظة جداً) وبعد فترة تزوجا في لاس فيغاس (في عام 1956). استقرا فيما بعد في لوس انجلس وسرعان ما انفصلا وتم الطلاق في آذار من عام 1958.

paul_auster_203

قصة أوجي رين عن عيد الميلاد-بول أوستر.

لقد سمعت هذه القصة من أوجي رين. وحيث أن أوجي لم يَخلُص فيها إلى خاتمة حسنة، ليس كما كان يرغب على الأقل، فقد طلب مني عدم استخدام اسمه الحقيقي.  بخلاف ذلك، فإن كل شيء عن المحفظة المفقودة والمرأة العمياء وعشاء عيد الميلاد هو تماماً بحسب ما قال لي.

يقرب عمر تعارفي أنا وأوجي حالياً من إحدى عشرة سنة. هو يعمل خلف طاولة بيع في متجر السيجار في شارع المحكمة وسط بروكلن، وحيث أنه المتجر الوحيد الذي يبيع السيجار الهولندي الذي أحب تدخينه، فكثيراً ما أتردد إلى هناك. لوقت طويل، لم ألق كثير بالٍ إلى أوجي رين. لقد كان الرجل الغريب الضئيل الحجم، الذي يرتدي سترة بغطاء للرأس زرقاء اللون ويبيعني السيجار والمجلات، الشخص العابث، صاحب الردود البارعة، فلديه دوماً شيئاً مضحكاً يقوله عن الطقس، عن الـ Mets [1]أو عن السياسيين في واشنطن، وذلك كان أقصى ما في الأمر.

لكن في أحد الأيام، منذ عدة سنوات مضت، حصل أنه كان يتصفح مجلة في المتجر، وقد تعثَّر بمراجعة لواحد من كتبي.  عرف أنه كتابي بفضل صورة مرفقة بالمراجعة، وبعد ذلك تغيرت الأمور بيننا. لم أعد مجرد زبون آخر من زبائنه، أصبحت شخصاً مميزاً. قلة من الناس فقط بإمكانهم تجاهل الكتب والكُتَّاب، لكن تبين أن أوجي كان يعتبر نفسه فناناً. الآن وقد كشف سر هويتي، فقد عانقني كحليف، كأحد المقربين، كأخ في السلاح.  لنقل الحقيقة، لقد وجدت الأمر محرجاً إلى حد ما. بعدها بشكل يكاد يكون حتمياً، جاءت اللحظة التي سألني فيها عما إذا كنت أرغب بإلقاء نظرة على صوره الفوتوغرافية. ولما كان عليه من حماسةٍ وحسن النية، كان من الصعب تخييب ظنه.

الله أعلم بما كنت أتوقعه. على أقل تقدير، لم يكن ما أظهره لي أوجي في اليوم التالي. في غرفة صغيرة، بلا نوافذ، في القسم الخلفي من المتجر، فتح صندوقاً من الورق المقوى، وأخرج اثني عشر ألبوماً من الصور المتشابهة.  هذا كان عمل حياته، قال، وأن القيام به لم يكلفه أكثر من خمس دقائق يومياً. كان يقف في كل صباح، على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، على ناصية جادة الأطلنطي وشارع كلينتون عند الساعة السابعة تماماً، ليلتقط صورة واحدة ملونة لنفس المشهد تماماً. حقق المشروع حتى الآن أكثر من أربعة آلاف صورة فوتوغرافية. يمثل كل ألبوم سنة مختلفة، وكانت الصور جميعها موضوعة في تسلسل، من1 كانون الثاني حتى 31 كانون الأول، بتواريخ مسجلة بعناية تحت كل واحدة.

بينما كنت أقلب في الألبومات وأهم بتفحص عمل أوجي، لم أعلم بم أفكر. كان انطباعي الأول أنه أكثر الأمور التي رأيتها غرابةً وإرباكاً. كل الصور متشابهة. كان المشروع برمته هجمة عنيفة مخدرة من التكرار، الشارع نفسه والأبنية، مراراً وتكراراً، هذيان لا يهدأ من الصور الفائضة عن الحاجة. لم أستطع التفكير بأي شيء لأقوله لأوجي، لذا فقد واصلت في تقليب الصفحات، مومئاً برأسي في تقدير زائف. أما أوجي فقد بدا هادئاً، يرقبني بابتسامة عريضة على وجهه، لكن بعد أن رأى أنه مضى عليَّ عدة دقائق، قاطعني فجأة قائلاً، إنك تقلب بسرعة كبيرة. أنت لن تراها قط إذا لم تخفف من سرعتك.

كان على حق، بطبيعة الحال. إذا لم تأخذ وقتك في النظر، فلن يكون بإمكانك أن ترى شيئاً أبداً، تناولت ألبوماً آخر وأرغمت نفسي على المضي بتأن أكثر.  ألقيت انتباهاً أكبر على التفاصيل، ملاحظاً تبدل الطقس، مراقباً الزوايا المتغيرة للضوء مع تقدم الفصول. أخيراً كنت قادراً على كشف الفروق الدقيقة في تدفق حركة المرور، توقع إيقاع الأيام المختلفة، فوضى صباحات أيام العمل، السكون النسبي لعطلات نهاية الأسبوع، التناقض بين أيام السبت والآحاد، ومن ثم بدأت شيئاً فشيئاً تمييز وجوه الناس في الخلفية، العابرين في طريقهم إلى العمل، نفس الأشخاص في نفس البقعة كل صباح، يعيشون هنيهة من حياتهم في مجال آلة تصوير أوجي.

عندما بدأت بالتعرف عليهم، رحت أتفحص وضعياتهم، الطريقة التي حملوا فيها أنفسهم من صباح إلى آخر، محاولاً استكشاف أمزجتهم من هذه الإشارات الظاهرية، كما لو أني تمكنت من تخيل قصصهم، كما لو أني تمكنت من اختراق الدراما المخفية، المقفل عليها داخل أجسادهم. تناولت ألبوماً آخر. لم أعد سئماً، لم أعد مربكاً كما كنت في البدء. كان أوجي يصور الزمن، أدركت ذلك، كل من الزمن الطبيعي والزمن الإنساني، ولقد كان يفعل ذلك بغرس نفسه في زاوية صغيرة واحدة من العالم راغباً في جعلها ملكاً له، بالوقوف حارساً في المكان الذي اختاره لنفسه. وهو يرقبني وأنا أتأمل عمله، واصل أوجي الابتسام بسرور. ومن ثم تقريباً كما لو أنه يقرأ أفكاري، بدأ بتلاوة بيت من شعر شكسبير. “غداً وغداً وكل غد”، تمتم هامساً، “يزحف الزمن بهذه الخطى الحقيرة “، فهمت حينها أنه يعرف تماماً ما كان يفعله.

كان ذلك منذ ما يزيد على ألفي صورة، منذ ذلك اليوم، ناقشنا أنا وأوجي عمله عدة مرات، لكني لم أعلم سوى في الأسبوع الماضي بقصة اقتنائه لآلة التصوير وشروعه بالتقاط الصور من بدايتها. ذلك كان موضوع القصة التي أخبرني بها، وأنا لا أزال أكافح لفهمها.

في وقت سابق من ذلك الأسبوع نفسه، اتصل بي رجل من صحيفة النيويورك تايمز وسألني عما إذا كنت على استعداد لكتابة قصة قصيرة ستظهر في الصحيفة صبيحة عيد الميلاد، كان رغبتي الأولى هي الرفض، لكن الرجل كان جذاباً جداً ومثابراً، وفي نهاية المحادثة أخبرته بأني سأحاول. في اللحظة التي أغلقت فيها الهاتف، بأية حال، وقعت في ذعر شديد، ما الذي أعرفه عن عيد الميلاد؟ سألت نفسي. ما الذي أعرفه عن كتابة القصص القصيرة بالطلب؟

أمضيت الأيام القليلة التالية يائساً، أحارب أشباح ديكنز، أو هنري، وآخرين من سادة روح عيد الميلاد. كان للعبارة ذاتها “قصة عيد الميلاد”، ارتباطات بغيضة عندي، تستحضر سيولاً كريهة من النفاق الزائف والفائض عن الحاجة، حتى في أفضل أحوالها، لم تكن قصص عيد الميلاد أكثر من أحلام بتحقيق الأماني، حكايات للكبار، ولسوف أكون ملعوناً إذا ما سمحت لنفسي بكتابة شيء من هذا القبيل، وأيضاً، كيف يمكن الطلب من شخص ما كتابة قصة عيد ميلاد غير عاطفية؟ كان اجتماعاً للفظتين متناقضتين، استحالة، كانت أحجية بالكامل، قد يخيل للمرء أيضاً جواد سباق بدون أرجل، أو دوري بدون أجنحة.

لم أصل إلى نتيجة. خرجت يوم الخميس في نزهة طويلة، على أمل أن يساهم الهواء في تصفية أفكاري. توقفت بعد الظهر تماماً عند متجر السيجار لأسدَّ النقص في مؤونتي، وكان أوجي هناك واقفاً خلف طاولة البيع كالمعتاد. سألني عن حالي. دون أن أرمي إلى ذلك حقيقةً، وجدت نفسي أفضي بهمي إليه، قصة عيد ميلاد؟ قال بعد انتهائي. هل هذا كل شيء؟ لو أنك تدعوني على وجبة الغداء يا صديقي، سأخبرك بأفضل قصة عيد ميلاد سمعت بها أبداً. مع ضمانتي أن كل كلمة فيها هي حقيقة.

سرنا نحو المبنى حيث يوجد فرع من فروع سلسلة مطاعم Jack’s، أطعمة محضرة منعشة ومرصوصة في شطائر البسطرمة الطيبة وصور لفرق دودجرز القديمة معلقة على الجدران. وجدنا طاولة في الخلف وطلبنا طعامنا، ومن ثم بدأ أوجي برواية قصته.

لقد كان صيف عام 1972، قال. جاء ولد في أحد الصباحات وراح يسرق أشياءً من المتجر، هو لا بد كان في التاسعة عشرة أو العشرين من عمره، ولا أظن أني رأيت قط سارقاً أكثر إثارة للشفقة منه في حياتي. واقف بالقرب من رف الكتب على طول الجدار البعيد يدس الكتب في جيوب معطفه المطري، لقد كان المكان مزدحماً حول الطاولة في وقتها فلم أره في البداية، لكن عندما لحظت ماذا كان يفعل بدأت بالصراخ، ولى هارباً كأرنب بري، ومع الوقت تمكنت من الخروج من خلف الطاولة، كان بالفعل يعبر جادة الأطلنطي. لحقت به ما يقارب نصف وحدة بناء ومن ثم استسلمت، لقد رمى شيئاً على الطريق، وحيث أني لم أشعر بالرغبة في الجري أكثر، انحنيت لأرى ما الذي كان قد سقط منه.

تبين أنها كانت محفظته، لم يكن بداخلها أي نقود، لكن شهادة القيادة كانت هناك مع ثلاث أو أربع صور فوتوغرافية. تخيلت أنه بإمكاني استدعاء الشرطة لتوقيفه، لدي اسمه والعنوان من الشهادة، لكني شعرت بنوع من الأسف عليه، لقد كان مجرد غلام تافه صغير، وعندما نظرت إلى تلك الصور في محفظته لم أستطع إرغام نفسي على الغضب منه. روبرت جودوين، ذلك كان اسمه. في واحدة من الصور، أتذكر، كان يقف وذراعه حول أمه أو جدته، في أخرى كان يجلس هناك بعمر التاسعة أو العاشرة وهو يرتدي ثياب البيسبول وابتسامة عريضة على وجهه، لم يطاوعني قلبي ببساطة. ربما كان تحت تأثير المخدر الآن، تصورت. ولد مسكين من بروكلن من دون التقصي كثيراً عنه، ومن يهتم بشأن بضعة كتب تافهة بأية حال؟

وهكذا احتفظت بالمحفظة. على عدة مرات بين الحين والآخر كانت تلح عليَّ رغبة صغيرة في إرسالها له، لكني ظللت أؤجل ولم أفعل شيئاً بشأنها. ومن ثم جاء عيد الميلاد وأنا لم أكن قد فعلت شيئاً بعد. كان رب العمل يدعوني عادة إلى منزله لقضاء اليوم، لكن في تلك السنة كان هو وعائلته في فلوريدا يزورون أقارباً لهم، لذا فقد كنت جالساً في شقتي ذلك الصباح أشعر ببعض الأسى على نفسي. ومن ثم رأيت محفظة روبرت جودوين ملقاة على رف في المطبخ، خطر لي أن حسناً، لم لا أفعل شيئاً ما لطيفاً ولو لمرة، فارتديت معطفي وخرجت لأعيد المحفظة بنفسي.

كان العنوان على تله بوروم، في مكان ما في المساكن الشعبية، كان الجو شديد البرودة ذلك اليوم، وأتذكر أني أضعت طريقي عدة مرات وأنا أحاول إيجاد البناء الصحيح، كل شيء يبدو متشابهاً في ذلك المكان، وأنت تواصل المضي على نفس الأرض، تفكر بأنك في مكان آخر. بأية حال وصلت أخيراً إلى الشقة التي أبحث عنها وقرعت الجرس. لم يحدث شيء. استنتجت أن ما من أحد هناك، لكني أحاول مجدداً فقط لكي أكون واثقاً. انتظرت لوقت أطول قليلاً، وعندما كنت على وشك الاستسلام تماماً، سمعت شخصاً يجر أقدامه نحو الباب. صوت امرأة مسنة يسأل من الطارق، وقلت بأني أبحث عن روبرت جودوين. هل هذا أنت، روبرت؟ قالت المرأة العجوز، ومن ثم حلت حوالي خمسة عشر قفلاً وفتحت الباب.

كانت لا بد في الثمانين، وربما التسعين من عمرها، وأول ما لاحظته هو أنها كانت كفيفة. عرفت أنك ستأتي، روبرت، قالت. عرفت أنك لن تنسى جدتك ايثل في عيد الميلاد. ومن ثم فتحت ذراعيها كما لو أنها على وشك معانقتي.

لم يكن لدي كثير من الوقت للتفكير، كما ترى. كان عليَّ أن أقول شيئاً ما بسرعة كلية، وقبل أن أستوعب ما كان يحدث، استطعت سماع الكلمات تخرج من فمي. هذا صحيح، جدتي ايثل، قلت. لقد عدت لرؤيتك في عيد الميلاد. لا تسألني لماذا فعلت ذلك. ليس لدي أدنى فكرة. ربما لم أرغب في تخييب ظنها أو ما شابه، لا أعرف. لقد حصل ما حصل بتلك الطريقة وحسب، ومن ثم فجأة كانت هذه المرأة المسنة تعانقني هناك أمام الباب، وعانقتها بالمقابل.

لم أقل بالضبط أني كنت حفيدها. ليس صراحة على الأقل، لكن هذا كان المضمون. لم أحاول خداعها مع ذلك. لقد كانت مثل لعبة قرر كلانا لعبها بدون مناقشة القواعد. أعني أن تلك المرأة عرفت بأني لست حفيدها روبرت. لقد كانت مسنة ومضطربة لكنها لم تكن واهنة إلى درجة أنها لا تستطيع التمييز بين الغريب وبين من هو من لحمها ودمها.   لكن هذا التظاهر جعلها سعيدة، وطالما أنه ليس لدي شيء أفضل لأفعله، بأية حال، فقد كنت سعيداً في مسايرتها.

لذا فقد دخلنا الشقة وأمضينا اليوم معاً. كان المكان قذر فعلاً، وقد أقول أكثر، لكن ماذا يمكن أن تتوخى من امرأة كفيفة تقوم بنفسها بأعمالها المنزلية؟ كل مرة كانت تسألني فيها سؤالاً عن حالي كنت أكذب عليها. قلت لها أني وجدت عملاً في متجر لبيع السيجار، قلت لها أني أنوي الزواج، قلت لها مئات القصص الجميلة، وهي كانت كما لو أنها تصدق كل واحدة منها. هذا رائع، روبرت، كانت تقول، مومئة برأسها ومبتسمة. لطالما عرفت أن الأمور ستتحسن معك.

بعد مدة بدأت أشعر ببعض الجوع.  لم يكن يبدو أنه هناك في المنزل الكثير من الطعام، لذا فقد خرجت إلى متجر في الحي وجلبت الكثير من الأشياء.  دجاجة مطهية، حساء الخضار، ودلو يحتوي على سلطة البطاطا، كعكة الشوكولا، وكل أنواع الأشياء.  كان لدى ايثل زجاجتين من النبيذ مخبأتين في غرفة نومها، وبالتالي تدبرنا فيما بيننا تجهيز عشاء ميلاد مرضٍ إلى حد مقبول.  كلانا ترنحنا قليلاً من النبيذ، كما أذكر، وبعد انتهائنا من الوجبة خرجنا للجلوس في غرفة المعيشة، حيث كانت الأرائك مريحة أكثر.  كان عليَّ أن أتبول، فقد التمست العذر لنفسي وذهبت إلى الحمام، تحت في البهو.  هناك حيث الأشياء أخذت منقلباً آخر أيضاً. لقد كان في القيام بحيلتي الصغيرة على أني حفيد ايثل ما يكفي من الحماقة، لكن ما فعلته فيما يلي كان جنوناً بكل تأكيد، ولم أسامح نفسي عليه أبداً.

دخلت الحمام، ووقفت مقابل الحائط بجانب الدوش، رأيت كومة من ست أو سبع آلات تصوير. آلات جديدة تماماً 35 ملم، لا تزال في علبها، سلع من أجود الأنواع. لقد تصورت أن هذا عمل روبرت الحقيقي، مخزن لواحدة من غنائمه الأخيرة. أنا لم ألتقط صورة في حياتي أبداً، وبالتأكيد لم أسرق شيئاً أيضاً، لكن في اللحظة التي رأيت فيها آلات التصوير تلك موضوعة في الحمام، جزمت أني أريد واحدة لنفسي. في الوقت نفسه. وبدون حتى توقف للتفكير بالأمر، تأبطت واحدة من تلك العلب وعدت إلى غرفة المعيشة.

لم يكن مضى على غيابي أكثر من ثلاث دقائق، لكن كانت الجدة ايثل قد غفت في أريكتها في تلك الأثناء. الكثير من النبيذ الإيطالي[2]، كما خيل لي. ذهبت إلى المطبخ لأغسل الصحون، وهي نامت في راحة تامة، تغط كالطفل الرضيع.  لم يظهر هناك ما يشير إلى انزعاجها، لذا فقد قررت المغادرة.  لم أتمكن حتى من كتابة ملحوظة تقول وداعاً، بالنظر إلى كونها كفيفة وكل شيء، لذا فقد غادرت وحسب. لقد وضعت محفظة حفيدها على الطاولة، تناولت آلة التصوير ثانية، وخرجت من الشقة. وهذه هي نهاية القصة.

هل عدت لرؤيتها في وقت من الأوقات؟ سألت.

مرة، قال. بعد حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر. شعرت بالسوء كثيراً لسرقة آلة التصوير، لم أكن قد استعملتها بعد. أخيراً قررت إعادتها، لكن ايثل لم تعد هناك. لا أعرف ما الذي حل بها، لكن شخص آخر انتقل إلى الشقة، لكنه لم يتمكن من إخباري عن مكانها.

ربما قد تكون ماتت.

نعم، ربما.

هذا يعني أنها أمضت آخر عيد ميلاد لها معك.

أعتقد ذلك، أنا لم أفكر أبداً بذلك على هذا النحو.

كان عملاً صالحاً أوجي، لقد كان لطفاً منك ما فعلته من أجلها.

لقد كذبت عليها، ومن ثم سرقتها، أنا لا أفهم كيف يمكنك أن تدعوه عملاً صالحاً.

لقد جعلتها سعيدة، وآلة التصوير كانت مسروقة بأية حال، هو لا يشبه الحالة في أخذها من الشخص الذي يملكها حقيقة.

أي شيء لخاطر الفن، ايه، بول؟

أنا لم أقل ذلك، لكن على الأقل فقد استخدمت آلة التصوير استخداماً حسناً.

والآن لديك قصة عيد الميلاد، أليس كذلك؟

نعم، قلت، أعتقد ذلك.

توقفت للحظة، متفحصاً أوجي وابتسامة عريضة عابثة منبسطة على وجهه. لم أستطع أن أكون واثقاً، لكن النظرة في عينيه في تلك اللحظة كانت جد ملغزة، مفعمة كثيراً بوهج من انشراح داخلي ما، حتى باغتتني فجأة فكرة أنه قد اختلق الأمر برمته. كنت على وشك سؤاله إذا ما كان يتظاهر عليَّ، لكني بعدها أدركت بأنه لن يقول أبداً. لقد تورطت في تصديقه، وهذا كان الأمر المهم الوحيد. فليس من قصة لا يمكن أن تكون حقيقة، طالما أن هناك شخصاً واحداً يصدقها.

أنت ممتاز أوجي، قلت. شكراً لكونك متعاوناً جداً.

مرحباً بك، أجاب. ولا يزال ينظر إلي وذلك الضوء الممسوس في عينيه. في النهاية، إذا كنت لا تستطيع أن تتقاسم أسرارك مع أصدقائك، فأي نوع من الأصدقاء أنت؟

أظن بأني مدين لك بواحد.

لا، لست كذلك. فقط دونها كما أخبرتك إياها، ولست مديناً لي بشيء.

ما عدا الغداء.

هذا صحيح، فيما عدا الغداء.

قابلت ابتسامة أوجي بابتسامة مني، ومن ثم ناديت النادل وطلبت الحساب.

[1] فريق بيسبول امريكي.

[2] Chianti.

استمعوا هنا إلى القصة بصوت الكاتب:

http://www.npr.org/templates/story/story.php?storyId=4244994

Books, Bikes, and Food

Reviews, Recipes, Rides... and some other things, too.

TIME

Breaking News, Analysis, Politics, Blogs, News Photos, Video, Tech Reviews

Writer on Writer

Book reviews and analysis

Younes Ben Amara

مدونة يونس بن عمارة

Travalanche

Being a web log for the observations of actor, author, cartoonist, comedian, critic, director, humorist, journalist, master of ceremonies, performance artist, playwright, producer, publicist, public speaker, songwriter, and variety booker Trav S.D.

ك ت ب - «ثقافة وفن»| kataba

صحيفة إلكترونية تعنى بالثقافة والفن.. تتطلع لمزيد من التفاعل مع مبدعى ومثقفى العالم

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

Independent journalism institute

معهد الصحافة المستقلة

shabab kurd

shabab kurd || وكالة كوردية اخبارية | ثقافية | اجتماعية | تنموية | تربوية ..تواصلوا معنا عبر الايميل : shabab.kurd@hotmail.com

eltibas

ملتبسون. لا جدوى من الإنكار.

الدَّهر الآتي

صوتٌ وجوديّ رومنطيقيّ- من وحي يسوع المسيح

Bristol Bookworm

No longer in Bristol

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 229 other followers