الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

إلى فتاة شابة ذات صوت ليلي عذب تحلم أن تنجب طفلا من رجل تحبه

 

1

أتعرفين معنى أن يكتب أحدُنا كلمةً على يده؛

اسمَ من يحبّ، سمكةً، ساعةً، أو طائرا كفم طفلة!

ثم يتأملها كما لو كانت كلمة سواه؟

إيهِ أيتها الدقيقة الهاربة؛

في داخلك الشهوة والخيال المريران،

حتى يخال الواحدُ منّا نفْسَه مرآةً كالبحر،

داكنةً عميقة مفزعة!

2

وإنْ لم تكنْ بعْدُ

هذه المصافحاتُ الطيبة؟

إنْ لم نجدْ أكتافَ أحبّتنا

تقترب من أعناقنا المنحنية!

أفتكون العينُ وحيدةً وحزينة،

أم إن ذكرى دافئة بعيدة كالسُّحب،

تمنحها الثقةَ والأمل.

3

ماذا يجري خلفك أيتها الليالي الماضية مثل بقية الليالي؟

أبوسع الرجاء المخنوق أن يثنيك قليلا،

أو يمنع تمزقاتِ الأماني المتحمسة؛

تلك التي تظل تتصارع وتذوب

مثل شهقات متلاحقة من فم مريض!  

 

 

أتحسين، مثلما أرى الآن،

كيف يمكن للكلمات أن ترأف

وتشفي وتتقدم واحدة تلو الاخرى،

معاً مثل صيصان عديدة؛

هناك تتسارع في حوش ريفي عريض

يرق ويصفو تحت ضياء شمس الصباح!

4

ما لَهُ، هذا السورُ الواطئ الصغير

يمتص لونَ الغروب الواهن؛

كما لو أن الغياب والأسى

يجتمعان داخل لمسات بطيئة!

                                                              علي جازو

الوصية الأخيرة لجو هيل

  إقرار وصيتي ليس صعباً،

 لأنه لا يوجد شيء لاقتسامه،

 أقاربي لا ينقصهم الجلبة والنواح-

 ”الطحلب لا ينمو على حجر متدحرج”

 جسدي؟ آه، لوكان لي الخيار،

 أود أن يتناهى إلى رماد،

 ولتهب النسائم العليلة مذريَّةً

 غباري إلى حيث تنمو بعض الأزهار

 ربما بعض الزهور الذابلة آنذاك

 سوف تبعث حية وتزهر من جديد.

 هذه هي وصيتي الأخيرة

 حظاً سعيداً لكم جميعا، جو هيل.

الخلود- تشارلز سيميك

 متجرٌ صغير، هل هي أشياء واهية

وظلال كل ما تبيع؟

 رأيت صورتي الشاحبة

 في السريرة المتلاشية في العتمة

 مثل لص نبيل

 عاجز أن يختار

 بين عقد من اللؤلؤ

 وساعة عتيقة معلقة على الجدار.

 قطرات المطر قطعت السكينة،

 تسيل على الزجاج

 ضغطت جبهتي عليه

 كما لو كانت تتمزق من الألم

السرير-الفصل الثاني من كتاب أنواع الأمكنة ونصوص أخرى لجورج بيريك


“لطالما أخذتني سُنًّة من النوم أثناء الكتابة”
بارسيل مروست*1
1
نحن بشكل عام نستعمل الصفحة في أطول بعديها. الأمر نفسه ينطبق على السرير. السرير( أو، إذا كنت تفضل، الصفحة) فضاء مستطيل، طوله أطول من عرضه، الذي نستلقي فيه، أو عليه، بطبيعة الحال على طول جسدنا. الأسرَّة “الإيطالية” لا توجد إلا في حكايات الجن ( توم ثومب وأخوته أو بنات الغول السبعة، على سبيل المثال) أو في الحالات الخطيرة سواء كانت طبيعية أو استثنائية(سفر الخروج، الكارثة الناجمة عن الغارات، الخ). حتى عندما نستعمل السرير في أكثر الطرق طبيعية، فإذا ما أراد أكثر من شخص النوم في سرير واحد، إنه في الغالب إنذار بكارثة. السرير أداة صنعت من أجل نشاط ليلي لشخص واحد أو اثنين، على الأكثر.
السرير هو ذلك الفضاء الفردي بامتياز، فضاء أحادي للجسد (السرير المفرد )الذي يحق حتى للرجل الذي تغمره الآثام امتلاكه: ليس لدى مأموري الشرطة الحق باحتجاز سريرك. هذا يعني أيضاً- والذي من الممكن التأكد منه بسهولة من خلال التجربة- بأن لدينا سرير واحد، الذي هو سريرنا. حيث يوجد أسرة أخرى في المنزل أو الشقة، يقال بأنها أسرة للضيوف أو أسرة احتياطية. يبدو أننا لا ننام بشكل جيد إلا في أسرتنا.
• لعب على الجملة الأولى في رواية بروست الرائعة البحث عن الزمن الضائع والتي تقرأ لطالما كنت أذهب إلى النوم باكراً. (المؤلف)

2

Lit- ile*
ميشيل ليريس
لقد كان يستلقي قبالتي على سريري وأنا أقرأ بعد عشرون سنة، الجزيرة الغامضة و جيري على الجزيرة. أصبح السرير قمرة صياد، أو قارب نجاة في محيط هائج، أو شجرة بيوباب استوائية مهددة بالاحتراق، خيمة منصوبة في الصحراء، أو تلك الفرجة المبشرة بالخير التي مر من خلالها أعدائي، بطريق الخطأ.
لقد سافرت أسفاراً عظيمة من على حافة سريري. ومن أجل النجاة، حملت قطع السكر ذهبت وسرقتهم من المطبخ وخبأتهم تحت الوسادة (خربشَتُهم…). بالرغم من حماية الغطاء والوسادة كان الخوف- وحتى الرعب – موجودين دائماً.
السرير: حيث تتهددك أخطار غير متوقعة، مكان المتناقضات، حيث الجسد المنعزل مهدد بالعلاقات العابرة مع النساء، المكان الأثير للرغبة، المكان الذي لا أصدق أني تكونت فيه، مكان الأحلام والنوستالجيا الأوديبية:
سعيد من ينام بدون خوف وبدون ندم
في سرير موروث، ضخم، جليل،
حيث ولد جميع أقاربه وماتوا.
خوسيه ماريا دي هيريديا/تذكارات
حرفياً “سرير= جزيرة”، و وجهة نظر ليريس بأن اللفظ المتقارب بين الكلمتين الفرنسيتين يشكل بالنسبة له بطريقة ما قربا في المعنى.

3
أحب سريري، لقد حصلت عليه منذ سنتين أو أكثر. قبل ذلك، كان لصديقة انتقلت للتو إلى شقة صغيرة جداً ذلك أن سريرها، بالرغم من أبعاده النظامية، لا يمكن إدخاله إلى غرفتها المعدة له إلا بصعوبة، لذا بادلتني إياه بسريري السابق الذي كان أضيق بقليل.
(يوماً ما سأكتب- أنظر المقطع التالي- تاريخ مجموعة أخرى من الأشياء، أسرتي.)
أحب سريري. أحب أن أتمدد على سريري وأنظر إلى السقف بعين المطمئن. سوف أنذر بكل سرور أغلب أوقاتي إلى هذا (الصباح بشكل رئيسي) حيث لم تمنعني في أغلب الأحيان عن ذلك أعمال يفترض أنها ملحة (ولسوف أملُّ من تعدادهم). أحب الأسقف، أحب منها المقولبة على شكل ورود، أنهم غالبا يلائمونني أكثر من الزخارف المعقدة والتأملية في الديكورات المصنوعة من الجص الذين يذكروني فورا بتلك المتاهات الأخرى، المنسوجة من الأوهام، الأفكار والكلمات. لكن الناس لا يكادون يعطون أي اهتمام للأسقف. إنها مصنوعة بشكل يدعو للاحباط من مستقيمات، أو، مما هو أسوأ، بما يسمى العوارض الخشبية.
لوح خشب ضخم لطالما كان ملائما لي ليكون الجزء العلوي من السرير. باستثناء المواد الغذائية الصلبة( أنا لا أجوع عادة عندما أكون في السرير)، لا أستطيع فعل أي شيء إذا لم تكن مجتمعة هناك، في مساحات الضرورة والتفاهة على السواء: زجاجة ماء معدني، كوب، مقص أظافر
( تكسر للأسف) ،مجموعة من الكلمات المتقاطعة لروبرت سيبيون( سوف أغتنم الفرصة للتعريف به قليلاً : في الشبكة رقم 43 من المجموعة المذكورة آنفاً، الرائعة بأية حال، توصل – ضمنيا-
إلى neanmoins بحرفي ms، الذي بدا واضحاً، أنها تعني بأن الكلمة المناظرة لها عموديا خاطئة ]لا يمكن كتابتها assomnoir [ والحل لذلك اللغز كان بصراحة حلاً تسووياً)، علبة مناديل ورقية، فرشاة قاسية تسمح لي بمنح فرو قطتي ( الأنثى مصادفة) لمعاناً حاز على إعجاب الجميع، هاتفاً، شكراً لأني بفضله كنت قادراً ليس فقط على إعطاء أصدقائي تقاريراً عن حالتي الصحية، ولكن لإخبار العديد من المتصلين بأني لست شركة ميشلين، راديو ترانزستور جيد يعمل طوال اليوم، المزاج يقودني، إلى أنواع مختلفة من الموسيقى يتخللها المقاطع الإخبارية الهامسة عن حالة حركة السير، بعض عشرات من الكتب، (بعضها كنت أنوي قراءته ولم أفعل وأخرى أعيد قراءتها باستمرار)، ألبومات لصور مسلسلات الكارتون، أكوام من الصحف، منفضة ممتلئة ، العديد من دفاتر اليوميات، والملاحظات، كتب التدريبات، وكمية من الورق، ساعة منبه، ظرف من الكاستراز (فارغ )، وآخر من الاسبيرين( نصفه ممتلئ، أو إذا كنت تفضل نصفه فارغ)، علاوة على آخر من السيكونيل (دواء مضاد للإنفلونزا، لم يمس إلا قليلاً)، ضوء، بالطبع، العديد من النشرات المجانية المهملة يجب رميها، رسائل، أقلام ملونة، أقلام حبر،( كلا هذين الأخيرين غالباً جافين)، أقلام رصاص، مبراة ،ممحاة، (هذه الأشياء الثلاثة الأخيرة لحل الكلمات المتقاطعة المذكورة آنفاً)، حصى تم التقاطه من شاطئ ديبي*، بعض التذكارات الأخرى، وروزنامة مكتبية.
Dieppe: مدينة في شمال فرنسا.
4
بعض المهملات الأخرى
نمضي أكثر من ثلث حياتنا في السرير.
السرير هو واحد من أكثر الأمكنة ندرة حيث نعتمد الحديث تقريبا في وضعية أفقية. الأخرى أكثر خصوصية: طاولة عمليات، مقعد في الساونا، كرسي طويل، شاطئ، كنبة المحلل النفسي.
تقنية النوم: الفكرة عن أن الاستلقاء هو شيء طبيعي غير دقيقة تماماً (انظر مارسيل موس، “تقنيات الجسد”، في السوسولوجيا والانتروبولوجيا، الصفحة 378 ،كامل الفقرة- طويلة أكثر مما يجب، للأسف!- سوف يكون اقتباس سيء).
وماذا عن الأرجوحة الشبكية، فراش القش، وإطار السرير، والأسرة الصناديق، والأرائك العميقة كالقبر، وفرشات القش، والمقاعد التي تتحول إلى أسرة تستخدم في القطار، وأسرة التخييم ، وأكياس النوم الهاجعة على الأسرة الهوائية التي هي بنفسها نائمة على سجادة الأرض.

 تكلم، لديك ثلاث دقائق

 خوليو كورتاثار

عائداً من نزهةٍ

 حيث قطفتُ زهرةً صغيرةً كذلك ربما تحتضنك أصابعي لبرهة،

 وشربت زجاجة بوجوليه* كذلك ربما أقع في البئر

 حيث كان دب القمر يرقص،

 في الظلِّ الذهبي للمصباح علقت فروتي

 وعالماً بأني عالقٌ هنا وحدي

 في أكثر مدن العالم اكتظاظاً.

سوف تعذرين هذه المقارنة الهستيرية، بين فأر طريد و

 أنين مخدِّر،

 مبقيةً في بالك أنَّ الطقس بارد، إنها تمطر في قهوتي،

 و في كل كرواسانةٍ تمنح النداوة لمعاناً لكفوفها الإسفنجية الصغيرة.

واعلمي بخاصة

 أني افكر بك بلا هوادة، كآلةٍ عمياء،

 مثل قرعٍ لا ينتهي لناقوس الحمى،

 أو مثل مجنون يمسكُ بحمامةٍ، يمسِّدها ساعة تلو أخرى

 حتى تنصهر أصابعه في ريشها ليصبحا معا ًكِسرة حُنوٍ واحدة.

أظن بأنك لا بد تتوقعين ما يحدث،

 عندما أفكر بك في مدينتك البعيدة،

 عائدة من نزهة حيث ربما قد قطفتِ

 الزهرة الصغيرة نفسها، القليل لتحفظيه ،

 القليل لأجل هذا المكان

 لأجل حاجتنا

 ليس لتكون وحيدة، لتُمنح واحدة أخرى

 بتلةً، حتى لو كان القليل من العشب، من الزغب.

• بوجوليه: نبيذ فرنسي

روبيرتو روخاس  خيمينيز

تأتي محلقاً.

بابلو نيرودا من ديوانه:
السكنى في الأرض

من بين الريش المذعور، من الليالي

والماغنوليا والبرقيات،

بين الرياح الجنوبية والرياح التي تهب من البحر غرباً،

تأتي محلقاً.

تحت لحد المكائد والرفات،

تحت الجليد على الحلزون،

تحت المياه الجوفية البعيدة،

تأتي محلقاً.

عميقاً تبقى، بين الفتيات تحت المياه العميقة،

نباتات عمياء وفضلات من رؤوس الأسماك،

عميقاً، تبقى عميقاً، وسط الغيوم مرة ثانية،

تأتي محلقاًً.

مزيداً من الدم أو من العظام

مزيداً من الخبز،  بعد النبيذ

حرائق،

تأتي محلقاً.

من خلف المرارة والفضيلة،

بين التقرحات والبنفسج،

بصوتك البهيج، بحذائك الرطب،

تأتي محلقاً.

فوق الصيدليات، اللجان،

فوق المحامين والقوات البحرية، العجلات،

والاحمرار المقتلع من الأسنان

تأتي محلقاً.

فوق المدن ذات الأسطح تحت الماء

حيث السيدات المميزات حللن ضفائرهن

بأمشاط مفقودة في أيديهن المتغضنات

تأتي محلقاً.

بالقرب من النبيذ المعتق في الأقبية،

بأيد فاترة كدرة، هادئة،

بأيد متخشبة حمراء مترنمة

تأتي محلقاً.

وسط الطيارين المتلاشين،

على ضفاف الترع والظلال،

بجانب الزنابق المدفونة الآن،

تأتي محلقاً.

وسط الزجاجات الملونة بالمرارة،

حلقا اليانسون والحوادث،

ترفع يديك باكياً،

تأتي محلقاً.

فوق أطباء الأسنان والأبرشيات،

دور السينما، الأنفاق، الآذان،

في بدلتك المشتراة حديثاً، بمقل عينيك الممحوتين،

تأتي محلقاً.

فوق تلك المقبرة المجهولة قرب حائط،

حيث حتى البحارة يغرقون،

بينما أمطار موتك تنهمر،

تأتي محلقاً.

بينما ينهمر مطر أصابعك،

بينما ينهمر مطر عظامك،

ويتساقط ضحكك ونقيك،

تأتي محلقاً.

فوق حجر الصوان الذي ذوبته،

تتدفق سريعا تحت الوقت، تحت الشتاء

بينما ينهمر قلبك رذاذاً

تأتي محلقاً.

لم تعد هناك في تلك الحلقة الإسمنتية،

محتجزاً فيها من قبل كتاب العدل سود القلوب،

أو عظام فارس مهووس

تأتي محلقاً.

اوه، خشخاش البحر، يا صاحبي،
عازف جيتار في ثوب نحلة

كل الظلال التي شوهت شعرك مجرد كذبة:

تأتي محلقاً.

كل الظلال التي تسعى نحوك، كذبة،

كل جرعات الموت المبتلى كذبة،

كل المقاطع الكئيبة في أغاني الرثاء،

تأتي محلقاً.

ريح سوداء من فالبارايسو،

تنشر فحم ودخان أجنحتها،

تجرف السماء بعيداً حيثما تمر:

تأتي محلقاً.

هناك غشاوات و قشعريرة الماء الميت،

وصفارات وشهور ورائحة

المطر في الصباح وعفن الأسماك:

تأتي محلقاً.

يوجد روم، أيضاً، بيننا، أنت وأنا والروح التي أندبها،

في،

وليس من أحد، لا شيء على الإطلاق سوى الدرج

مع كل الخطوات المكسورة، ومظلة وحيدة:

تأتي محلقاً.

ودائما، البحر، هناك. أذهب إليه في الليل وأسمعك

تأتي محلقاً، تحت الماء، وحيداً،

تحت البحر الذي يسكنني بعمق:

تأتي محلقاً.

أستمع للأجنحة وإقلاعك البطيء،

بينما سيول كل من ماتوا تهاجمني،

حمامات عمياء تطير مبللة:

تأتي محلقاً.

تأتي محلقاً، وحيداً، في عزلتك

وحيداً مع الموت، وحيداً في الأبدية،

بلا ظل، بلا اسم، تأتي محلقاً

دونما  أحبة، أو فاه، أو دغل من الأزهار،

تأتي محلقاً .

انهض في الصباح، لم تلق الشمس بخيوطها الذهبية على سريري، ففي بيتنا النهار والليل سواء. ظلمة دائمة.
انظر في وجهي عبر المرآة، في تعبه وحيويته التي رحلت منذ أن حل الأرق في ساعات نومنا وصحونا بديلاً عن كل شيء.

لم أكن يوما أنتمي إلى تلك المجموعات من النساء اللواتي لا يخرجن من البيت إذا لم يضعن على وجوههن كل أنواع المساحيق وبتسريحة شعر لائقة، لطالما ارتبط التزيين عندي بحسن المزاج، بالوقت المتوفر، لم أهتم ، وهذه بعض أخطائي.

في هذه الأيام، في كل صباح عندما أتهيأ للخروج إلى العمل، كثيرا ما أفكر بشكل جثتي ، فالموت بات رفيق كل الناس، يركض معهم في دروب ذهابهم وإيابهم، هم لا يلوون على شيء سوى تأمين لقمة عيشهم، وهو لا يلوي إلا على الدماء، في سباق لا أحد يستطيع أن يتوقع نتيجته.

أفكر : لأضع بعض الألوان على وجهي الشاحب، ولمسة صغيرة على شعري،  فربما سينتبه الناس إلى جثتي التي ستكون في الغالب عرضة للتصوير، ربما لحظات،  ستشهدها أعداد كبيرة، أنا التي لم ينتبه إلي أحد طوال سنين عمري الطويلة،  وغالباً لا أكاد أجد الوقت لذلك.

أخبر أمي بأني ذاهبة وأودعها، فتصر على مرافقتي حتى زاوية الشارع، وبدل أن أكون ممتنة لها، أمتعض وأحس بأنها تريد أن تخنقني،  لطالما أحسست و اتهمتها علناً في كثير من المناسبات بأنها كانت حجر عثرة في طريق حياتي، ولم أكن ظالمة إلا بنسبة قليلة، كما عند عودتي، إذا ما تأخرت عن موعدي المعتاد، بسب الحواجز في الطرقات أو بسبب زحمة السير، حيث تم تحويل حركة السير إلى شارع واحد باعتبار أنه الوحيد الآمن.. تستقبلني بعصبيتها والسؤال الذي يحمل الشك في داخله:

-       أين كنت!؟

-       أين سأكون؟ بكل توتر عشته خلال طريقي إلى البيت.

-       أتردين بهذه العصبية ونحن الذي انشغل بالنا عليك؟

 

وكأن علي أن أكون ممتنة: انشغل بالها علي لأكون ممتنة لها!

 أنا لا أريد من أحد أن يشغل باله علي،  يا ليتني كنت أعيش وحدي!

لم أصدق أن هذا الأسبوع قد انتهى أخيراً، لو كان بإمكاني لما غادرت البيت أبداً، لكن، هي لقمة العيش التي باتت مغمسة بالخوف والرعب والقلق ومفتوحة على كل الاحتمالات.. إجازاتي السنوية انتهت. أتذكر تلك الأيام الماضية التي كنت أتلذذ فيها بالكسل وقد كان روتين العمل الذي لا يشبه الأعمال في شيء يشعرني بالملل فلا يمر أسبوع دون أن أتغيب، هكذا ليس لشيء وإنما كي أبقى في السرير ( وللسرير حكايات أخرى)، بعيدا عن رؤية من لا أحب في العمل وما أكثرهم! بالطبع كان الكثيرون ممن يبقون على إجازاتهم للصيف كي يذهبوا إلى البحر أو إلى المصايف الجبلية، أما نحن فلم نكن نذهب إلى أي مكان، فعندما كان أبي على قيد الحياة، كان مريضاً وليس من المعقول أن نذهب دونه وعندما مات كانت أمي تقول أننا في حداد عليه وليس من المقبول أن نذهب وأن نشعر بالسعادة! وهكذا حتى جاء الوقت الذي لم تعد الفكرة فيه متاحة حتى.. وكانت المتعة الوحيدة الممكنة هي متابعة فيلم جميل أو قراءة كتاب جيد..

انتهت إجازاتي السنوية إذن لأسباب تتلخص في أن أياما عديدة كانت فيها الطرق المؤدية إلى حينا مغلقة بسبب “الأوضاع الأمنية” السيئة في المدينة إلى أن أخذ الوضع يزداد سوءا في بدايات أيلول عندما دخل الجيش إلى الحي وكانت معركة استمرت لمدة أربعة أيام متواصلة عرفنا فيها كل أنواع المشاعر السيئة.. أتذكر ذلك اليوم تماما ، الأثنين /الخامس من أيلول عندما كنت عائدة من العمل ولم استطع الوصول إلى البيت بسبب إطلاق النار الكثيف ، حينها اتصلت بأمي لأسألها باكية عما يمكنني فعله وأين سأذهب.. ذهبت إلى خالتي وبت ليلتي عندها لأعود إلى البيت في اليوم التالي…

 وفي العمل عندما نطالب بتبرير كل هذا الغياب الخارج عن إرادتنا  يرفضون متذرعين بأن ليس هناك من تعليمات بهذا الخصوص! أوليست هذه ظروف قاهرة وحالات طارئة؟ هل هناك سبب أقوى من الحرب لتبرير الغياب؟ وأتذكر الأيام الماضية التي كان يتم فيها تبرير غياب من لم يتمكنوا من القدوم بسبب تراكم الثلوج!

أصحو في الساعة الخامسة صباحاً على صوت بضع طلقات مفردة في الهواء، لا أعرف من يطلقها ولا أفهم معناها، ربما تكون إشارة لشيء ما أو شيفرة.. فأبقى في السرير أتقلب منتظرة تبين إمكانية الذهاب إلى العمل من عدمها.. وانهض

هوس

هَوَسْ

دخلتْ جين إلى الشقة حيث كان بول في انتظارها، لم تستطع أن تلق التحية فقد كانت تضحك بصوتٍ عال بالرغم من محاولتها التوقف دونما جدوى. ابتسم بول مندهشاً من ضحكها الغريب هذا ووضع ذراعه حول خصرها قائلاً لها:

-        ما بكِ عزيزتي، ما سبب كل هذا الضحك؟ ها اخبريني، وأخذها من يدها لتجلس على الأريكة.

التقطت جين أنفاسها: انتظر، آه يا إلهي، لا أستطيع التوقف عن الضحك.

 وكلما كانت تحاول أن تتكلم وتخبره ما تريد،  كانت الضحكة تعود إليها ويعلو صوت قهقهتها، لدرجة أن ارتسمت على وجه بول ابتسامة عريضة، ثم اقترب منها في رغبة منه لتقبيلها، فتوقفت مبعدةً إياه بدفعة خفيفة من يدها واستقامت في جلستها،  آخذة نفساً عميقاً وارتسمت على وجهها بعض الجدية:

-        لقد قابلت توم اليوم، خطيبي الذي حدثتك عنه.

لم يقل بول شيئاً وإنما كان يومئ لها مصغياً باهتمام.

وتابعت : لقد أخبرني توم بأنه بات يكرهني بكل بساطة، وأنه لا يريد أن يتسبب في جرحي لكن هذه هي حقيقة مشاعره نحوي، والتي لا بد لي من معرفتها.

بدأت تغرورق عينا جين الواسعتان الجميلتان بالدموع، مد بول يده آخذاً بيدها محتضناً إياها باليد الأخرى:  تابعي عزيزتي،  أنا أسمعكِ.

-   أعلم أنه محق، لقد تسببت بخراب كل شيء جميل صنعناه سوياً،  لكني لا أعرف لم أفعل كل هذا به وبنفسي، أرجوك بول صدقني إنه أمرٌ ليس بيدي.

هز بول رأسه موافقاً وتابعت جين بانفعال:

-   أعرف أيضاً كم تصرفاتي معه مزعجة بل ومقيتة، أتعلم؟ لقد قال لي أني أصبحت مصدراً لمخاوفه! ، أنا لا أكف عن ملاحقته في كل مكان والاتصال به في كل حين دون مراعاة لظروف عمله ومزاجه وكل شيء.

كان بول يصغي إليها باهتمام بالغ، دونما مقاطعة وكان ينتظر أن تنهي نوبة انفعالها هذه.

-   أتدري بول؟ لقد أخبرتني صديقتي يوماً بأن الرجال بطبعهم صيادون ولا يتحملون أن يعاملون معاملة الطريدة، لكني لم أفهم حينها ماذا تعني.

-       قال بول: نعم، هذه حقيقة.

-    يا إلهي كم أنا غبية لقد خسرته إلى الأبد، بول هل تعلم ماذا يعني هذا؟ أنا لا استطيع أن أحيا من دونه صدقني.

-       نعم، نعم أعلم كم تحبينه عزيزتي لكن اهدأي الآن، كل شيء ممكن أن يتصلح.. قاطعته جين قائلة:

-    كنا نخطط للذهاب إلى البحر في نزهة قصيرة بعد أن ينهي أعماله، نعم عزيزتي، وقام بول باتجاه البار سائلاً إياها في طريقه: هل تشربين كاساً؟ أجابت جين: نعم أرجوك، ثم أخرجت من حقيبتها الزرقاء- تلك الحقيبة التي أهداها إياها توم يوماً- لقد كان يفضل اللون الأزرق في كل شيء، أخرجت علبة سجائرها وأشعلت واحدة ووضعت العلبة على الطاولة التي أمامها.

 قدم لها بول كاساً من شرابٍ خفيف وعاد ليجلس قربها .

جين: خططنا لكل شيء، تخيل! واليوم يقول أنه بات يكرهني، رحلتنا البحرية والبيرة الرخيصة التي سنشربها، الأفلام التي وعدني توم بمشاهدتها سوياً وعن الرقص، آه الرقص وكل شيء كل شيء….. ضيقت الخناق عليه حتى لم يعد يحتمل أن يراني..

- قاطعها بول: هل قال ذلك؟

- نعم، نعم قال كل شيء صراحة، وعن أسلوبي الذي أشبه بأسلوب بوليسي لا يطاق، وكونه لم يعد يتخيل أنه سيتابع حياته معي.

- آه يا الهي ماذا سأفعل بنفسي؟!

رفع بول رأسه فجأة قائلاً لها: لكن أنت حتى الآن لم تخبريني لماذا كنت تضحكين كل هذا الضحك عند وصولك؟

 فتحت جين عيناها على اتساعهما لتعاودها الضحكة مجدداً، ولكن ليس بنفس الدرجة من الشدة :

-       آه صحيح،  لم أخبرك بعد، اسمع إذن يا صديقي:

-   لقد قال لي توم بعد كل هذا الحديث الطويل أنه لن يستغني عن صداقتي وأنه  بإمكاننا أن نتكلم عبر الإنترنت من وقت لآخر!

ارتسمت على وجه بول تعابير الدهشة:

-       أوه حقاً؟ وراح يضحك ضحكة طويلة تشبه ضحكات جين.

-       آه يا إلهي لا أصدق…

وصار كلما خفت صوت ضحكة أحدهما علت ضحكة الآخر واستمرا على هذه الحال حتى أنهكهما الضحك في وقت متأخر من الليل.

-       هيه يا بنت، ألا تتعبين من التحديق في جهاز الكمبيوتر هذا؟

جملة أمها المعهودة تلك بصوتها العالي كتأنيب صارخ، أيقظتها من شرودها الطويل، وانتبهت إلى أنها كانت تسرح في عالم آخر منذ أكثر من ساعة. ترسم في بالها نهاية واحدة لقصص عديدة، تنهدت بحزن لأن خيالها كان أضيق من أن يكون خيالاً أدبياً، وقفز فجأة اسم الشاعر بشار بن برد ذلك الشاعر الذي ولد كفيفاً وكان يصف الألوان بصفات غريبة عنها لأنه لم يعرفها، ثم ضحكت هي أيضاً- من نفسها- ضحكة سوداء كلون دم متخثر.

1

وكانا يقفان في المطبخ يعدان وجبة الغداء حين عانقته، فهمّ بالكلام، أراد أن يقول شيئاً ثم تراجع.. أصرت على أن يقول وهو الذي لا يبوح.. فأخبرها بأنه لا يريد لقوله أن يجرحها لكنها أصرت فقال مسرعاً مشيحاً بعينيه الدامعتين عن مجال بصرها: أتمنى أن تحبني زوجة المستقبل كما تحبينني أنتِ!

أطرقت في دمعة حبستها ودمدمت: نعم، وأنا أيضاً أتمنى لك ذلك..

2

صحيح ما قلتَه عن الشمعة التي تركتها عندك
ذكرى فانية.. فعاجلاً ستحترق..
الشمعة التي لا أدري أية أفكار جعلتي أحملها معي
من مدينتي التي تحترق أيضاً
أشعلناها من أجل الشهداء
في تاريخ لن يتكرر
ولكن الشمعة التي أشعلتها في قلبي
لا تفنى.. وكيف ينسى
من منحته الحياة أن يعيشها
سبعة أيام بلياليها
كيف ينسى…

3

عائدين من نزهتهما المسائية القصيرة

لم تتشابك الأصابع والأيدي

المشغولة بحمل الهدايا

أهداها مظلة، وأهدته أوانٍ زجاجية

وعند المفرق المؤدي إلى البيت

كانت السيارة الصفراء تقف كحارس أبدي

في استقبالهما

نادته باسمه:… أحبك

هل أسعدتكِ نزهتنا القصيرة؟

 أسعدتني لبقية حياتي كلها

عانق كتفها، ضمت خصره

فتشابك  نبض قلبها ببريق عينيه

وخلف الباب لخصت القبلات

كل المعاني…

4
غفورٌ وطيب كإله،
و مضيء مثل نجمةٍ
معلقة في السماء..
وبعيد،
حبيبي..

Older Posts »

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.