Feeds:
تدوينات
تعليقات

18890123_Bosses_of_The_Senate-Keppler-Puck_1_jpg_600x446_q85

عيد شكر اللصوص-تشارلز سيميك.

26/11/2014- نيويورك ريفيو اوف بوكس.

لم يمر زمن أفضل من هذا لتكون محتالاً. في أي بلد آخر من بلاد القوانين يتمتع المرء بهذا القدر الكبير من الحرية في الاحتيال على حكومته ومواطنيه دون أن يخشى من العواقب؟ سينتهي الأمر بصغار المحتالين آجلاً أم عاجلاً في السجن، لكننا اكتشفنا أنه قد تم اعتبار كبار النصابين لدينا، فوق النقد، شديدي الثراء وأصحاب نفوذ بحيث لا يمكن توقيفهم. وليس هذا فقط، الأكثر شهرة من بينهم ينالون إعجاباً على نطاق واسع، ليس فقط من قبل أقرانهم ومن قبل السياسيين المرتشين، لكن أيضاً من قبل رئيسنا، الذي من بعد ست سنوات على حدوث أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الاقتصادي الكبير، يدعوهم برجال أعمال جيدين (لقد قالها على الأقل مرة واحدة). لا عجب أن المتخرجين من مدارسنا الأكثر مهابة يتحدثون صراحة عن الاقتداء بهم، وينبذون القيم الإيثارية القديمة تلك التي كان يطمح إليها طلاب الجامعة في أجيال سابقة. إضافة إلى أنه، أين يوجد أيضاً في اقتصادنا الضعيف فرص لأعمال جيدة أفضل مما يوجد في الابتزاز؟

ما يجعل امتهان الجريمة لدى أصحاب الياقات البيض بالغ الجاذبية هو أن المخاطر أصبحت قليلة جداً. الجميع يعلم عن أن سبب خسارات مصرفيي وول ستريت هو بسبب تشكيلة الخدع التي قاموا بتلفيقها على مدى سنوات وتمت تغطيتها من قبل دافعي الضرائب. لكن الآن، حتى عندما يهدر المصرفيون البلايين على مصارفهم بالقيام بصفقات سيئة أو متهورة، أو أن عليهم أن يدفعوا غرامات تنظيمية، كما فعل جيمي ديمون، الرئيس الحالي، والمدير العام التنفيذي لمتابعة ج.ب مورجان في وقت سابق من هذه السنة، فمن المرجح أن يحصلوا على علاوة 74%، كما فعل، بدل من أن يخسروا أعمالهم. وبالنسبة للمصالح الفيدرالية التي من المفترض أن تراقبهم ووزارة العدل التي من المفترض أن تجر هؤلاء الدساسين إلى المحكمة، إذا ما كانوا وهم على هذا القدر من الوحشية لمواجهة المصارف، فهم ببساطة يطلبون منهم دفع الغرامات، وبذلك يتفادون قاض أو هيئة محلفين ويكونوا على ثقة بأن تفاصيل احتيالاتهم يمكن أن تظل في السر بعيداً عن أعين العامة.

مهما كان وول ستريت مخادعاً، فهو لا يقارن بنوع الاختلاس الذي جرى في العراق وافغانستان. حدث ذات مرة، أنه تم اعتبار المنتفعين من الحرب تحت القانون ومدانين من قبل رؤساء. ” أسوأ من خونة السلاح هم الرجال الذين يتظاهرون بالولاء للعلم، يولمون ويسمنون على ويلات الأمة في حين يلون الدم الوطني سهول الجنوب بلون قرمزي وأهله الريفيون يتفسخون في التراب،” حذر ابراهام لنكولن أثناء الحرب الأهلية. ” لا أريد رؤية ولادة ثري حرب واحد في الولايات المتحدة بنتيجة لهذه الحرب الكارثية،” أعلن فرانكلين روزفلت لدى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.

واليوم أيضاً، وفقاً لمفوضية التعاقدات زمن الحرب، مفوضية مستقلة ذات سلطة تشريعية مكونة من الحزبين تأسست لدراسة تعاقدات زمن الحرب، فقد تمت خسارة ما يراوح بين 31 و60 بليون دولار من أموال الحكومة الاميركية عبر عقد فساد واحتيال في العراق وافغانستان. من الشائع معرفته الآن أن المتعاقدين كانوا قد دفعوا ملايين الدولارات على مشاريع لم تكن قد نفذت أبداً، ذلك أن وزارة الدفاع منحت أكثر من 400 بليون دولار لشركات قد عوقبت سابقاً على حالات التورط في الاحتيال، والمنتفعين من مثل هذا السخاء السابق لم يحصلوا فقط على ثروة هائلة، لكن استمروا في كونهم مدعوين لتقفي فرص أعمال رابحة في وطن جديد بتركيبة أمنية-صناعية.

مهما كانت فظاعة هذه الكشوفات فهي لا تعدو أن تكون مفاجئة حقيقة. هل يمكن لأي كان أن يتخيل مرشحاً لوظيفة يتحدث عن التربح من الحرب ويطالب بمساءلة كل من الجيش والمتعاقدين المدنيين وهؤلاء الذين قاموا بتشغيلهم؟ أنا لا أستطيع. ولا يمكنني تخيل أن صحفي يسأل الرئيسين بوش واوباما عما حصل بكل أموال دافعي الضرائب. الأيام التي كان يمكن فيها إثارة الموضوع مضت منذ زمن طويل. نحن الآن نعيش في بلد نظامه السياسي فاسد جداً بحيث لا يمكنه الدفاع عن نفسه في مواجهة المحتالين. لابد لبعض الأعضاء من مجلسي الشيوخ والكونجرس من صحوة ضمير مباغتة تجعلهم يفشون بشيء ما، ” نقود مظلمة”(أموال الحملات الانتخابية) تعيدهم إلى وعيهم وتذكرهم بأن عملهم هو تسهيل نقل الأموال العامة إلى جيوب البعض وأن لا يسألوا الكثير من الأسئلة. صرف ما يعادل 4 بليون دولار تقريباً على انتخابات نصف الفترة لهذه السنة ومنها 219 مليون على “نقود مظلمة”، كلها بمباركة المحكمة العليا، التي قررت في عام 2010  قراراً مدنياً  بالإجماع  من شأنه جعل المرتشين من الرجال والنساء يترشحون لوظائف قانونية و يحولون السياسيين الشرفاء إلى أنواع منقرضة.

” حريات روما لم تكن يوماً مباعة في المزاد العلني، لكنها بيعت ببطء، تدريجياً، خلسة، شيئاً فشيئاً،” استحضر مارك توين ما تعلمه في المدرسة، وهو يفكر بطبيعة العملية التي يمكن أن تتحول من خلالها جمهوريتنا إلى ملكية. لابد من أن يكون واضحاً الآن أنه إذا كنا سنصبح دولة بوليس حقيقية، فهي لن تنشأ عن أي متسلط ايديولوجي حتماً، لكن كنتيجة نهائية لذلك الجشع النهم للربح الذي أفسد بالفعل كل جانب من جوانب الحياة الأميركية من الخدمات الصحية إلى الطريقة التي أجبر فيها طلاب الكليات على الدين. ثروات هائلة تم تكوينها من التجسس علينا والتوصل إلى اعتبار كل أمريكي عدو محتمل. لهم الحق في التفكير بتلك الطريقة.  إذ لم ندرك أبداً كأمة أن الجرمية على ذلك النطاق الهائل ستقود البلاد إلى الدمار بالنتيجة، لا بد أن يكون هنا عواقب جدية على المقترفين. في الوقت الحاضر، منْ منَ المرجح أن يواجهوا المشاكل هم المنشقون الذين يرغبون أن يكشفوا لنا عما يجري من وراء ظهورنا. لا شك أنه في موسم الأعياد القادم سيكون لدى محتالينا الكثير مما يتوجب عليهم تقديم الشكر من أجله والكثير للاحتفاء.

Nievo

ألم يتم إنجاز هذا كله سابقاً؟  بل ربما بشكل أفضل مما باستطاعة أي شخص أن يفعله اليوم؟ إذا كان كذلك، لماذا نقرأ الروايات المعاصرة، سيما وأن الكثير من الروايات الكلاسيكية متوفر بأسعار مخفضة وجزء كبير منها متاح مجاناً ككتب إلكترونية؟ قمت للتو بتحميل النسخة الأصلية من الرواية الإيطالية “اعترافات إيطالي” من تأليف إبوليتو نييفو مجاناً. إنها مكتوبة بشكل جميل. أطلع من خلالها على الكثير من المعلومات عن إيطاليا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إنها بطول 860 صفحة.  بعض المزيد من اللقى مثل تلك ستستأثر بكامل وقتي المخصص للقراءة. فلماذا أذهب للبحث عن كاتب صعب معاصر؟

كمراجعة للكتب غالباً ما كانت انتقاداتها صارمة، تظن فرجينيا وولف أن واحدة من متع قراءة الروايات المعاصرة هي في كونها تجبرك على مران محاكمتك. لم يكن هناك رأي عن كتاب في المتناول. كان عليك أن تقرر بنفسك فيما إذا كان جيداً. يفرض التبصر إرباكاً دلالياً آسراً في الحال، إذا ما استمتعت بقراءة كتاب، فهو جيد على الأرجح، على الأقل بالنسبة لك. هذا ليس شيئاً عليك “حسمه.” إذا ما كان عليك أن تقرر إذا ما كان الكتاب جيداً، هل هذا يعني بأنك لست على علم إذا ما كنت قد استمتعت به أو لا، حالة غريبة، أو أنك لا تعلم إذا كان استمتاعك من عدمه رد فعل مناسب؟

هذا يبدو معقداً نوعاً ما، حتى وإن كنا نعلم تماماً ما تتحدث عنه فرجينيا وولف. قد يقدم كتاب من نوع جديد المتعة التي لم نعرف بعد كيف نستمتع بها ونحرم أنفسنا من المتعة التي كنا ننتظرها. بدلاً من موائمته لشيء كنا على دراية كبيرة به، فإنه يطلب منا أن نتغير. وكم من الناس يتقبلون حقاً تغيير أذواقهم؟ ولم عليهم أن يكونوا كذلك؟ واحدة من غرائب رواية عوليس لجويس هي كم المراجعين والمفكرين الذين غيروا مواقفهم من الرواية في العشر سنوات التي تلت نشرها. تقلبات عديدة من الكره إلى الإعجاب –يتبادر يونج إلى ذهني، والمراجع الباريسي المكين لويس جييه، الذي تحول من وصفه لها على أنها “عسيرة ” و “جوفاء” إلى تهنئة جويس على كتابته تحفة عصره الفنية العظيمة. لكن كثر آخرون تحولوا من التملق إلى التشكيك. تحول صاموئيل بيكيت من الإيمان بأن جويس أحيا اللغة الإنجليزية إلى التساؤل فيما إذا لم تكن فعلاً تقتفي ببساطة الخطأ القديم نفسه، كما توصل بيكيت ليراها، من تخيل أن تلك اللغة لن يمكنها أبداً أن تستحضر تجربة معاشة. مواجهين بشيء ما جديد، ربما نستغرق وقتاً للوصول إلى رأي فصل فيها.

وهذا الشك من جانبنا، ونحن نشرع بقراءة رواية لأول مرة، لنقل، لباموق، لجيلينك، لفيرانتي، أو ونحن ننتقل من كتابات روث المبكرة إلى كتاباته الأخيرة، هو جزء من المتعة في الحقيقة. وهذه المتعة في التكيف مع الجديد-منتظرين أن نرى فيما إذا ما كان سيغوينا أو سيشعرنا بالملل، متفهمين طبيعة توقعاتنا القرائية بالضبط بوجود ما ينازعها-يمكن أن تصبح إدماناً، أو ببساطة أكثر إثارة لاهتمامنا من المتع الأكثر سهولة في إيجاد كتاب آخر مشابه أيضاً بشكل لطيف لآخر قد استمتعنا به مسبقاً. بغض النظر عما إذا ما استمتعنا في النهاية كلياً بالرواية المعاصرة، قد نستمتع مع ذلك بالتفكير فيما هو مطلوب منا. هذه كانت بالتأكيد تجربتي في قراءة موراكامي، جيلنيك، وساراماجو. لم أستمتع كثيراً بأي من هؤلاء الكتاب. لكني استمتعت بالتعامل معهم. لذلك “وإن كان قابلاً للجدل،” كما تقول وولف،” أننا نحصل من الحياة فعلاً، على أكثر مما نحصل عليه من الموت، بالرغم من أنه قد يكون أكثر سوءاً.”

اعتراض: أليست نفس الطزاجة موجودة هناك، أو على الأقل نفس الغرابة، عندما نشرع برواية أقدم أو برواية أجنبية مكتوبة في سنن نحن لسنا متآلفين معها؟ حكاية جينجي، على سبيل المثال، أو آلام فرتر، أو حتى رواية نييفو “اعترافات إيطالي”؟ لكن مع اثنين من الاختلافات الهامة. عمل مثل حياة جينجي حقق حتى الآن ملايين القراء على مدى قرون، يمكنني المخاطرة بإبداء رأي والإعلان عما هو ضدها، لكن إذا ما فعلت ذلك ينبغي عليَّ أيضاً أن أسأل نفسي عن سبب استمتاع أناس كثر بها على مدى أجيال عديدة. وبشكل وثيق الصلة بالموضوع أكثر، تعيقني حقيقة كوني لا أعرف شيئاً عن اليابان في القرن الحادي عشر نوعاً ما عندما أقدم على التساؤل فيما إذا كانت هذه القصة رد فعل مناسب على العالم الذي كان الكاتب يعيش فيه. ولكون قصة جينجي غريبة عليَّ فمن المرجح أن العالم هو غريب عني، لكن ليس بهذا الإلحاح، طالما أني لم أعش فيه بنفسي.

حتى عندما أقرأ نييفو، بالرغم من أني عشت في إيطاليا لمدة ثلاثين عاماً وقرأت بعض الروايات الإيطالية الأخرى من القرن التاسع عشر (ليس الكثير منها مطبوعة)، فأنا لست على علم أبداً في الواقع، عن شكل الحياة في البندقية وبولونيا وميلانو في بدايات القرن التاسع عشر. لن أتأثر بنفس الدرجة مع رواية نييفو التي تحكي عن ثورات العام 1848 كما سأفعل، لنقل، مع رواية مارتين اميس عن الحياة في لندن عام 1980 في “حقول لندن”. يمكنني أن أبدي كل أنواع الاعتراضات على كتاب اميس، لسبب بسيط هو أني كنت هناك. ويمكن لانفعالي أن يشتد عندما يصب كبد الحقيقة (كما أراها). هذا لم يحصل في قراءة رواية توم جونز لفيلدينج، عندما نصف المتعة هي: واو، كم كان العالم مختلفاً حينها.

الإثارة الناتجة عن الشروع برواية جديدة تتجاسر على سرد المشهد المعاصر تحيط بها دوماً هذه الأسئلة: كيف يحدث أن شخصاً ما يشاركني عالمي كتب هذا الكتاب الذي ربما أجده غريباً وصعباً؟ ماذا يحاول أن يخبرني عنه، عن الطريقة التي أراه بها؟ هل هي صعوبة مفيدة؟ هل بإمكاني، أيضاً، ربما، أن أنفعل بعصرنا بهذه الطريقة، وهل سيكون أمراً مؤثراً إذا ما فعلت؟ هذا كان بالتأكيد السؤال الذي يواجهه القراء عندما يشرعون بقراءة عوليس، لكن أيضاً السيدة دالاوي، أو وداعاً للسلاح، أو ثلاثية بيكيت، أو الشرف المفقود لكاثرينا بلوم، أو قوس قزح الجاذبية، أو الجحيم لديليلو. وهذه هي الكتب التي أقنعت أخيراً عدداً لا بأس به من القراء على إيجاد مكان لهم في الرأي العام. تساقط آخرون كثر، مسحورون بالقراءة على حد سواء ونفس الوقت ربما. يتبارد إلى الذهن ب.س. جونسون. طالما أن متعة التفكير بعلاقة العمل بالعالم المعاصر كانت نفسها مع جونسون كما كانت، لنقل، مع بيكيت. والعديد كانوا مقتنعون لمدة من الزمن.

يدعي روبرتو كالاسو في “زواج قدموس وهارموني”، أن قراءة الالياذة هي الاعتراف بعدم وجود ارتقاء في الفن. من الصعب ألا تسلم بذلك. لكن هذا لا يعني أن كل شيء قد تم. العالم يتغير والناس يتغيرون وهذه هي الطريقة التي يحس بها الكاتب تجاه أمور تثيرنا كما تفعل الآن في الأدب القصصي المعاصر. عندما كتبت روايتي “ساطور” في عام 2005، واحد من محرري الأوروبيين اشتكى حول تضميني لرسائل نصية متبادلة بين الشخصيات في الكتاب.  في كونه مسن وغير متآلف مع الهاتف النقال، شعر بأن هذه كانت وسيله للتحايل. بعد ثمان سنوات، من الصعب تخيل أن شخصاً قد يحتج على حضور رسائل نصية في رواية. في سرد الحياة العصرية يجب على المرء أن يمتلك شخصيات تحمل الـ آي باد والهواتف الذكية ويركبون القطارات والطيارات، وأن تكون واعياً للكيفية التي يتطابق فيها هذا الوعي المتبدل، مع نوعية التجارب التي يعيشها الناس. هم يكشفون باستمرار عن اتصال مع جميع من يعرفونهم والكثير ممن لا يعرفونهم.

في الواقع ما أصبح مريباً في رواية جديدة هو أنها مجرد معارضات أدبية لمتاع من روايات من الماضي، عندما تعيدنا إلى ماض لا يعرفه الكاتب إلا من خلال الكتب، طالما بإمكانه تكرار متع كتب العصر. التي لم يتم تكرارها أبداً. متعة قراءة نيفو كان لها علاقة مع واقعة أنه حقيقة كان منخرطاً في حركة ” Risorgimento ” الانبعاث الإيطالية ساعياً لتأسيس موقف مؤثر في عالم متغير عاش فيه.  هذا يعطي للكتاب وضوحه. في قراءة رواية توماسي دي لامابيدوزا “النمر الأرقط”، المكتوبة في الخمسينيات، هي قراءة معارضة أدبية ساحرة ومؤثرة. يبدو أنها تنبع بشكل أساسي من تصميم الكاتب على كتابة رواية أنيقة ومعقدة، متخيلاً اضطرابات حركة التحرر الإيطالية ضامناً معرفة الأحداث الماضية، ضامناً الإلمام بالكيفية التي كتبت فيها الروايات التقليدية الجيدة.

” مولوداً في القرن الثلاثين،” استهل ادوين موير قصيدته الأكثر شهرة، ” في البيت في كل منهم لكن الأخير تماماً.”  قيل الكثير عن التهربية من الواقع في الأدب السردي والقصصي. لكن ربما التهربية الأكثر عظمة هي الالتجاء لألفة الماضي، الوطن الذي صار التاريخ والأدب، متفادياً لحظة واحدة من الزمن لا نكون فيها في الوطن، ولكن علينا أن نحياها: الحاضر.

هذا مكان الأمل والخوف،

والإيمان الذي يأتي عندما يفقد الأمل،

الهزيمة والنصر كلاهما هنا.

في هذا المكان حيث يكون كل شيء.

طلب عمل-روبرت فالسر

robert_walser

طلب عمل-روبرت فالسر

كتبت عام 1914-ترجمها إلى الإنجليزية كريستوفر ميدلتون.

السادة المحترمون

أنا شابٌ فقير عاطلٌ عن العمل، اسمي وينزِل، أبحث عن منصبٍ ملائم، وأسمح لنفسي أن أسألكم بكامل اللطف والتهذيب، فيما إذا كنت أجد لي في غرفكم المتجددة الهواء، المضيئة، الأنيسة، منصباً قد يكون شاغراً. أعرف بأن شركتكم الجديرة كبيرة، متشامخة، قديمة، وثريَّة، ولهذا قد أنقادُ إلى تخمين مبهجٍ في أن يتح لي مكان صغير جميل، هانئ، لطيف، والذي يمكنني أن أنسلَّ فيه، كما لو في مكان ضيِّقٍ دافئ.  وكونوا على علمٍ بأني مناسبٌ بشكل ممتاز، لشغل مثل هذا الملجأ المتواضع فقط، لأن طبيعتي حساسةٌ بالمجمل، وأنا بشكل أساسي هادئٌ، مهذب، وطفل حالم، من صُنعَ ليشعر بالبهجة في أن يظنه الناس غير متطلبٍ، ويسمحوا له بامتلاك بقعة صغيرة جداً في الوجود، حيث يمكنه أن يكون مفيداً على طريقته ويشعر بالتالي بالهناء. مكان هادئ، مريح، صغير في الظل، كان دوماً موضوعاً لكل أحلامي الرقيقة، وإذا ما تكثفت الآن تلك الصور التي أملكها عنكم، ما يجعلني آمل بأن حلمي القديم الجديد قد يتحول إلى واقع حي ولذيذ، حينها لكم فيَّ الخادم الأكثر غيرة وولاءً والذي سيقوم بتنفيذ جميع واجباته بحذافيرها وبحرصٍ، كما يملي عليه ضميره. لا يمكنني القيام بالمهام الكبيرة والصعبة، وتبعث واجبات من أنواع مختلفة الحماس الشديد في عقلي. أنا لست ذكياً على وجه الخصوص، وقبل كل شيء لا أحب إجهاد عقلي بإفراط. أنا حالم ولست بمفكر، نكرة ولست بقوة، كليل ولست بقاسٍ. أنا على يقين بأنه يوجد في مؤسستكم الشاملة ومكاتبكم، التي أتخيل أنها غامرة بالوظائف الأساسية والفرعية، عمل من ذلك النوع الذي يمكنني القيام به كما لو في حلم؟  -أنا، لأكن صريحاً، صيني، بما معناه، شخصٌ يعتبر كل شيء صغير ومتواضع جميل وممتع، وكل شيء كبير وشاق هو بالنسبة له مخيف ومروع. أعرف فقط الحاجة للشعور براحة البال، لذا فبإمكاني في كل يوم أن أشكر الله على نعمة الحياة بكل بركاتها. لا أعرف الشغف في الذهاب بعيداً في العالم.  إفريقيا بصحاريها ليست أكثر غرابةً. حسناً، فأنتم الآن تعرفون أي نوع من الأشخاص أنا. – أكتب كما ترون، بيدٍ رشيقة وسلسة، ولا يلزمكم أن تتصوروا بأني لست على قدر من الذكاء.  عقلي صافٍ، لكنه يرفض استيعاب أشياء كثيرة بل كثيرة جداً ينأى بنفسه عنها.  أنا مخلصٌ وصادق، وأعي بأن هذا لا يفيد في العالم الذي نعيش فيه إلا قليلاً، لذا سأنتظر إجابة من سيد مبجل، وستكون مصدراً لسعادتي، أنا خادمكم المحترم، المغرق في الطاعة بكل تأكيد.

وينزل

برلين والفنان-روبرت فالسر

مدينة فظةٌ كبرلين، صلفة، شقيةٌ أريبة، تُقرُ دوماً بما يناسبها من أمور وتطوِّح بكل ما تبرَم به.  هنا في المدينة الكبيرة يمكنك أن تشعر بالتأكيد بأمواج فكرية تغسل كحمَّام حياة المجتمع البرليني. لا مفرَّ للفنان هنا من الإصغاء. يُسمح له في مكان آخر أن يّصم آذانه ويغرق في تجاهل متعمد. هذا ممنوع هنا. بل بالحري، عليه أن يشدَّ من أزر نفسه باستمرار ككائن بشري، وهذا الإكراه الذي يطوقه يعود عليه بالفائدة. لكن هناك أيضاً أمور أخرى.

لا تستريح برلين أبداً، وهذا عظيم. يجلب فجر كل يوم معه هجوماً جديداً، مرفوضاً بلطف، على الرضا الذاتي، وهذا يمنح إحساساً عاماً بطيبِ الكسل. لدى الفنان ميلٌ فطري للكسل النبيل الجميل، أكثر ما يشبه الطفل في ذلك. حسناً، تَصفع هذه القوقعة، هذه المملكة، باستمرار رياح عاتية جديدة من الإلهام. يتحدث المخلوق الصامت اللبق فجأة بصخب عن شيء ما فظ، صارخ، وغير لائق. هناك دوماً ضباب يلفُّ أشياء عديدة معاً، وهذا جيد، هذه برلين، وبرلين رائعة.

ليس على السيد العظيم من الأقاليم، بأية حال، أن يتخيل مطلقاً أنه لا يوجد هنا في المدينة عزلة أيضاً. ففي الحاضرة عزلة من أكثر الأنواع فظاعة، وبإمكان أي شخص يتمنى أن يتذوق هذا الطبق المختار أن يأكل الكثير منه هنا. يمكنه أن يختبر معنى العيش في الصحاري والقفار.  لا تنقص الفنان العاصمي الفرص ليرى ويتحدث إلى أي كان على الإطلاق. كل ما عليه فعله هو أن يجعل من نفسه مجهولاً بين بعض محكمي المذاقات أو أُخر يركزون بثبات على حالات الإخفاق، وسرعان ما سيغرق في أكثر أنواع الخذلان روعة، وازدهاراً.

يعيش الفنان المكلل بالنجاح في العاصمة كما لو أنه في حلم شرقي ساحر. يجدُّ من بيت أنيق إلى آخر ثري، يجلس بثقة إلى طاولات موسرة، وبينما يوفر له المضغ والالتهام اللهو. يقضي أيامه في حالة من السُّكر فعلية. ونبوغه؟ هل يهمل فنان على مثل هذا الحال نبوغه؟ يا له من سؤال! كما لو أنه يمكن لشخص أن ينسلخ عن مواهبه بكلمة عن إذنك. على العكس من ذلك.  فإن النبوغ يصبح أقوى بشكل لا واع عندما يرمي المرء بنفسه في معترك الحياة.  ليس عليك أن تكون عطوفاً، مدللاً إياه باستمرار كشيء سقيم. إنه يذوي عندما تهتم له باستحياء بالغ.

مع ذلك، فيجوز للمبدع أن يتدرج صعوداً ونزولاً. كالنمر، في كهف إبداعه الفني، مستلباً بالرغبة وقلقاً حيال تحقيق منتج جمالي ما. وطالما أن ما من أحد يرى هذا، فليس من أحد يلوح به أمام ناظريه. أما في الصحبة، فعليه أن يكون مرحاً، دمثاً، وساحراً قدر استطاعته، ليس شديد التقدير لنفسه ولا العكس أيضاً. أمر واحد ليس عليه أن ينساه أبداً: أنه يتوجب عليه أن يخطب ودَّ النساء الجميلات المقتدرات قليلاً على الأقل.

بعد مرور زهاء خمس أو ست سنوات، سيتولد لدى الفنان-حتى وإن كان من منبت ريفي-إحساسٌ بأن العاصمة هي موطنه الأصلي. سيبدو كما لو أن والديه قد عاشا وأنجباه هنا. هو يشعر بالامتنان، بالارتباط، وبأنه مدين لجلبة غريبة، ثرثارة حيوية. كل الانطلاق والعدو السريع الآن يبدوان له نوعاً من شخصية أمومية محبوبة، غامضة. لم يعد يفكر بالمغادرة من بعد. لا يهم إن سارت الأمور نحو الأفضل أو العكس، سواء فشل أو حقق النجاح، لقد ملكته، إنه مأخوذ بها إلى الأبد، وسيستحيل عليه أن يلوح لهذا القلق العظيم بتلويحة الوداع.

ترجمتها إلى الإنجليزية سوزان بيرنوفسكي

الأصل هنا:

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2012/feb/03/berlin-and-artist/

9781443439824_p0_v1_s260x420

بفستانها الأزرق، وحمرة خديها الخفيفة، عينيها، عينيها الزرقاوين، وخصلات شعرها الذهبية المدبسة ولو أنها المرة الأولى-مدبَّسةً كي لا تزعجا تحليقها-ربما تكون ابنة السيدة راديك قد هبطت للتو من هذه السماء المشعة. السيدة راديك خفرةً، ذاهلة قليلاً، لكنها نظرت نظرة إعجاب عميق كما لو أنها تعتقد ذلك أيضاً، لكن الابنة لم تبدِ أيَّما سرور فائض-ولم يتوجب عليها ذلك؟ – عندما حطت على درج النادي. أجل، كانت سئمة-سئمة كما لو أن السماء كانت حافلة بالنوادي حيث يقوم قديسون عجائز بغيضون بإدارة موائد القمار، والتيجان للعب.

ليس لديك مانع في أن تـأخذي هيني؟ قالت السيدة راديك. أواثقة من ذلك؟  توجد هناك سيارة، وستحتسين الشاي ونعود إلى هنا لنلتقي على هذا الدرج-هنا تماماً-خلال ساعة. كما ترين، أريدها أن تدخل. هي لم تأت إلى هنا من قبل، وهو حري بالمشاهدة. أشعر بأنه لم يكن مناسباً لها.

أوه، اسكتي، أمي، قالت بضجر. تعالي. لا تتكلمي كثيراً. وحقيبتك مفتوحة، ستفقدين كل نقودك مجدداً.

آسفة، عزيزتي، قالت السيدة راديك.

أوه، ادخلي! أريد كسب المال، قال الصوت النافذ الصبر. إن كل شيء مبهج جداً لك-لكني مفلسة!

هاكِ-خذي خمسين فرنكاً، عزيزتي، خذي مائة!  رأيت السيدة راديك تضغط أوراقاً نقدية في يدها وهنَّ يعبرن خلل الأبواب الدوارة.

وقفت وهيني على الدرج لدقيقة، نشاهد الناس.  كان له ابتسامة عريضة جداً ومبهجة.

أقول، صرخ، هناك كلب انجليزي. هل سمحوا بإدخال الكلاب هناك؟

لا، لم يفعلوا!

إنه رائع، أليس كذلك؟ أتمنى لو كان عندي واحد. يا لهم من تسلية. إنهم يبعثون الخوف في نفوس الناس هكذا، ولن يكونوا شرسين أبداً مع-مع مالكيهم.  فجأة عصر ذراعي.  “أقول، انظر إلى تلك العجوز. من تكون؟  لم تبدو هكذا؟  هل هي مقامرة؟”

إنسانة عتيقة ذاويه، ترتدي فستاناً من الساتان الأخضر، وعباءة مخملية سوداء وتعتمر قبعة بيضاء ذات ريش قرمزي، اهتزت ببطء، صاعدة الدرج كما لو أنها كانت تسير على الحبال. حدقت أمامها، كانت تضحك وتومئ وتثرثر مع نفسها، تشبثت أصابعها بما بدا أنه كيس-صندوق قذر.

لكن في ذات تلك اللحظة كانت السيدة راديك –معها-وسيدة أخرى تحومان في الخلفية. هرعت السيدة راديك نحوي. كانت متوردة ببهاء، مبتهجة، كائن مختلف.  كانت كامرأة تقول “وداعاً” لأصدقائها على رصيف المحطة، والقطار موشك على المغادرة.

أوه، أنتم لا تزالون هنا.  أليس ذلك من حسن الحظ! أنكم لم تغادروا.  أليس ذلك رائعاً!  لقد قضيت أسوأ الأوقات -معها، ولوحت لابنتها، التي وقفت ساكنة تماماً، تنظر للأسفل بازدراء، تعبث بقدمها على الدرجة، على بعد أميال.  “لن يدعوها تدخل.  أقسمت أنها بعمر الحادية والعشرين.  لكنهم لم يصدقوني.  لقد أظهرت للرجل محفظتي، لم أجرؤ على فعل ما هو أكثر، لكن هذا لم يكن مجدياً. لقد هزأ ببساطة… والآن قابلت للتو السيدة ماك اوين من نيويورك، وقد ربحت للتو ألف وثلاثمائة في غرفة خاصة[1]-وتريد مني أن أعود برفقتها طالما الحظ يحالفنا. بالطبع لا يمكنني تركها. لكن إذا كنت—”

عند ذلك رفعت بصرها، صعقت والدتها ببساطة. “لم لا يمكنك أن تتركيني؟” قالت باهتياج. ” كلام فارغ! كيف تجاسرت على فعل كهذا؟ لن أخرج معك بعد الآن. تقولين كلاماً شديد الفظاعة فعلاً.” نظرت إلى أمها جيئة وذهاباً. “هدئي من روعك،” قالت بجلال.

كانت السيدة راديك يائسة، يائسة تماماً. كانت “تواقة” للعودة مع السيدة ماك اوين، لكن في نفس الوقت…

استجمعت قواي. “هلا-هل تودين أن تأتي معنا لشرب الشاي؟

“نعم، نعم، ستكون مسرورة.  هذا تماماً ما أريده، أليس كذلك يا عزيزتي؟  السيدة ماك اوين… سأعود إلى هنا بعد ساعة… أو أقل… سأ-“

صعدت السيد ر. الدرج مسرعة.  رأيت أن حقيبتها كانت مفتوحة مجدداً.

فغادرنا نحن الثلاثة.  لكنه لم يكن ذنبي حقيقة.  كانت عينا هيني كسيرتين، أيضاً.  عندما وصلت السيارة إلى هناك لفت معطفها الداكن من حولها -كي لا يتلوث.  حتى وإن بدت قدمها الصغيرة كما لو أنها تعاف أن تنزلها الدرج باتجاهنا.

“أنا آسفة جداً،” تمتمتُ مع انطلاق السيارة.

” أوه، لا أبالي،” قالت. ” لا أود أن أبدو في الحادية والعشرين من عمري.  من يود ذلك إذا كان في السابعة عشر! إنه”-وارتعدت رعدة خفيفة-“أنا أكره الحماقة، وأن أكون على مرأى الرجال البدناء العجائز. بهائم!”

نظر إليها هيني نظرة خاطفة ومن ثم حدق من النافذة.

دنونا من قصر هائل من المرمر الأبيض والزهري وأشجار برتقال في الخارج في أحواض ذهبية وسوداء.

“هل تحفلين بالدخول؟ اقترحتُ عليها.

ترددت، نظرت، عضت شفتها، وأذعنت. “أوه حسناً، يبدو أنه ما من مكان آخر،” قالت.  “اخرج، هيني.”

رحت أولاً-لإيجاد الطاولة، بالطبع-تبعتني. لكن أسوأ ما في الأمر كان مرافقة أخيها الصغير ذي الاثني عشر عاماً، لنا.  هذا ما كان ينقصها -طفل يتبعها على أعقابها.

كان هناك طاولة واحدة.  عليها زهور قرنفل وردية وأطباق بنفس اللون مع مناديل شاي زرقاء صغيرة على شكل أشرعة.

“هلا جلسنا هنا؟”

وضعت يدها بضجر على ظهر كرسي أبيض من الخيزران.

“يمكننا أيضاً. لم لا؟” قالت.

حشر هيني خلفها وتلوى جالساً على الكرسي في النهاية. شعرت بسببه بالفظاعة.  حتى أنها لم تخلع قفازيها.  غضت بصرها ودقت على الطاولة.  عندما تناهى إلى سمعنا صوت خافت لآلة كمان جفلت وعضت على شفتها مجدداً. صمت.

ظهرت النادلة. وبصعوبة تجاسرت على سؤالها. “شاي-قهوة؟  شاي صيني-أو شاي مثلج مع الليمون؟”

لم تكن تبالي حقيقة.  كان كل شيء سيان بالنسبة لها.  لم ترغب بأي شيء في الحقيقة. همس هيني، ” شوكولا!”

لكن في الوقت الذي ابتعدت فيه النادلة صرخت بتهور، “اوه، يمكنك أن تجلبي الشوكولا لي أيضاً.”

بينما كنا ننتظر أخرجت علبة بودرة ذهبية صغيرة لها مرآة في الغطاء، نفضت اللبادة كما لو أنها تعافها وربتت على أنفها الجميل.

“هيني،” قالت، “أبعد هذه الزهور.” أشارت بلبادتها نحو القرنفل، وسمعتها تتمتم، “لا أستطيع تحمل الزهور على الطاولة.” لا بد أنها تسببت لها بألم شديد، لأنها أغلقت عينيها بقوة وأنا أبعدها.

عادت النادلة بالشوكولا والشاي. وضعت الأكواب الكبيرة الرغوية قبالتهما ودفعت عبرها كأسي الرائق. دفن هيني أنفه، وانبثق، للحظة واحدة بغيضة، بلطخة مرتجفة من الكريما على الأرنبة. لكنه سرعان ما مسحها كرجل محترم صغير. تساءلتُ إذا ما كان ينبغي عليَّ أن أتجاسر وألفت انتباهها إلى كوبها.  هي لم تلحظه-لم تره-إلى أن فجأة وبصدفة محضة تناولت رشفة منه.  راقبتُ بقلق، وهي ارتجفت قليلاً.

“شديد الحلاوة!” قالت.

جاء صبي صغير برأس يشبه الزبيبة وجسم بلون الشوكولا، بصينية فطائر-صف فوق آخر من قليل من النزوات، قليل من الإلهام، والقليل من الأحلام الذائبة. قدمها لها. “اوه، أنا لست جائعة على الإطلاق. ابعدها.”

قدمتها إلى هيني. هيني رمقني بنظرة خاطفة-لابد أنها كانت ترضيه-لأنه تناول كريمة الشوكولا، كلير القهوة، حلوى الميرينج المحشوة بالكستناء وقرن صغير محشو بالفراولة الطازجة.  بالكاد أطاقت النظر إليها. لكن ما إن استدار الصبي مبتعداً حتى حملت طبقها.

“اوه حسناً، أعطني واحدة،” قالت.

ألقت الملاقط الفضية بواحدة، اثنتين، ثلاث-وفطيرة كرز. “لا أعلم لمَ تعطيني كل هذه،” قالت، وابتسمت تقريباً. ” لن آكلها، لا أستطيع!”

شعرتُ بارتياح كبير. ارتشفت الشاي، استندت للوراء، وحتى أني سألت إذا ما كان بإمكاني أن أدخن.  عند ذاك توقفت، الشوكة في يدها، فتحت عينيها، وابتسمت حقاً.  “بالطبع،” قالت.  “أنتظر من الناس أن يفعلوا ذلك دوماً.”

لكن عند تلك اللحظة حدثت مأساة لهيني.  خرق قرن فطيرته بشدة.  وانقسم اثنين، نصف انسكب على الطاولة.  يا للفظاعة! أحمر لونه خجلاً. وحتى أن أذنيه اضطرمتا، وزحفت يد خجلة لتبعد ما بقي على الطاولة.

“أنت وحش صغير حقاً!” قالت.

يا إلهي! كان عليَّ أن أطير لأنجو. صرخت بتعجل، “هل سيطول غيابك في الخارج؟”

لكنها كانت قد نسيت أمر هيني بالفعل. كنت منسياً، أيضاً. كانت تحاول أن تتذكر أمراً… كانت على بعد أميال.

“لا أعلم،” قالت ببطء، من ذلك المكان البعيد.

“أفترض بأنك تفضلين الذهاب إلى لندن. إنها أكثر وأكثر-“

عندما توقفت عادت ونظرت إلي، مشوشة جداً.” أكثر-؟”

“أخيراً[2]-بهجةً، صرخت، ملوحاً بسيجارتي.

لكن استغرق الأمر كعكة كاملة كي تنتبه. وحتى حينها، “أوه حسناً، هذا يختلف!” كان كل ما استطاعت قوله بثقة.

انتهى هيني. وكان لا يزال حاراً جداً.

خطفتُ قائمة التي لها شكل فراشة عن الطاولة. “أقول-ما رأيك بالثلج، يا هيني؟ ما رأيك باليوسفي والزنجبيل؟ لا، مشروب بارد. ما رأيك بالأناناس الطازج بالقشدة؟”

وافق هيني بحماس. كانت عيون النادلة علينا. كان الطلب قد أخذ عندما رفعت بصرها عن فُتاتها.

“هل تقولين اليوسفي والزنجبيل؟ أحب الزنجبيل. بإمكانك أن تجلبي لي واحداً.” وسرعان ما أضافت، “أتمنى ألا تعزف تلك الأوركسترا أشياء من السنة الأولى. كنا نرقص على كل ذلك في عيد الميلاد الفائت.  كم هو مقزز!”

لكن الجو كان ساحراً. انتبهت إليه لتوي، لقد منحني الدفء.

أظن أنه مكان لطيف، ألا توافقني الرأي هيني؟ قلت.

قال هيني: “ممتاز!”  كان في نيته قول ذلك بصوت منخفض، لكنه صدر عالياً جداً كأنه صرير.

لطيف؟ هذا المكان؟ وحدقت للمرة الأولى فيما حولها، تحاول رؤية ما كان هناك… طرفت عيناها الجميلتان، وجالتا. حدق رجل مسنٌ وسيم بها من خلال نظارة مفردة بإطار أسود. لكنها ببساطة لم تتمكن من رؤيته.  كان يوجد مطب هوائي في المكان الذي كان يجلس فيه.  نظرت من خلاله تماماً.

أخيراً تمددت الملاعق الصغيرة المسطحة ساكنة على الأطباق الزجاجية.  بدا هيني متعباً أيضاً. لكنها شدت قفازها الأبيض ثانية.  كان ثمة مشكلة في ساعة يدها المرصعة بالماس، كانت تعيقها. شدت عندها-محاولة كسر ذلك الشيء الصغير الأحمق-لم ينكسر. أخيراً، جذبت قفازها فوقها.  رأيت بعد ذلك، أنه لم يعد بإمكانها تحمل البقاء في هذا المكان ولو للحظة، وبالفعل قفَزت واستدارت في حين رحت أسدد ثمن الشاي بشكل روتيني.

بعدها عدنا إلى الخارج. حلَّ الظلام. كانت السماء تتألق بنجوم صغيرة، والمصابيح الكبيرة متوهجة. وبينما كنت أنتظر مجيء السيارة وقفَت على الدرجة، كما سبق تماماً، تهزُّ قدميها وتنظر للأسفل.

قفز هيني للأمام فاتحاً الباب، دخلت وغاصت في المقعد مع-أوه-يا للتنهيدة!

“قل له،” لهثت، “أن يقود بأسرع ما يمكن.”

ابتسم هيني لصديقه السائق. “هيا بنا بسرعة!”[3] قال. ومن ثم استقام في جلسته على مقعد صغير قبالتنا.

خرج صندوق البودرة الذهبي ثانية. ومجدداً نُفضت اللبادة الصغيرة المسكينة، وكانت هناك تينك النظرة السرية للغاية بينها وبين المرآة من جديد.

اندفعنا عبر البلدة الذهبية والسوداء كمقص يخرق القماش. كان هيني يعاني صعوبة كبيرة للإشاحة ببصره كما لو أنه كان مثبتاً بشيء ما.

وعندما وصلنا إلى النادي، لم تكن السيدة راديك هناك بالطبع. لم يوجد ما يدل عليها على الدرج-ولا أي أمارة.

“هلَّا بقيتِ في السيارة ريثما أذهب لأرى وأعود؟”

لكن لا-لم ترغب بذلك. “يا إلهي، لا! هيني يمكنه البقاء. لم يكن بمقدورها احتمال الجلوس في السيارة، انتظرت على الدرج.

” لكني لا أود مفارقتك،” تمتمتُ. ” إني أفضل ألا أدعك هنا.”

عند ذلك ألقت بمعطفها، التفتت نحوي، شفتاها منفرجتان. “يا إلهي-لماذا! أنا-لا أمانع ولو قليلاً. أنا-أود الانتظار.” وتوردت وجنتاها فجأة، واكفهرت عيناها -للحظة فكرت بأنها كانت على وشك البكاء. “دعيني رجاء، تلعثمت، بصوت دافئ لاهف. “أحبه. أحب الانتظار! حقيقة-حقيقة أحبه! أنا أنتظر دوماً-في كل الأماكن…”

انفتح معطفها الداكن، وكانت حنجرتها البيضاء-جسدها الناعم كله في الفستان الأزرق-كزهرة تفتحت للتو من برعمها الداكن.

[1] sale privee في الأصل.

[2] Enfin في الأصل.

[3] Allie veet في الأصل.

boxer

ولج جاك من الباب ووجد علبة سجائر على رف الموقد. كانت آن جالسة على الكنبة تقرأ عدداً من مجلة كوزموبوليتان. أشعل جاك سيجارة، جلس على كرسي. كانت الساعة الثانية عشرة إلا عشر دقائق.

قال لك تشارلي ألا تدخن، قالت آن، وهي تنظر من المجلة.

أنا جدير بها. لقد كانت ليلة قاسية.

هل ربحت؟

بالأغلبية لكني فزت بها. كان بنسون صبياً صعباً، بالغ الشجاعة. يقول تشارلي بأن بارفينيللي هو التالي. إذا تغلبت عليه، سأنال البطولة.

نهض جاك، وذهب إلى المطبخ، وعاد بزجاجة بيرة.

قال لي تشارلي أن أبعدك عن البيرة، وضعت آن المجلة جانباً.

تشارلي قال لي، تشارلي قال لي،… لقد تعبت من ذلك.  لقد كسبت مباراتي. ربحت 16 جولة، ولي الحق بالبيرة وبالسجائر.

من المفترض أن تبقى لائقاً جسدياً.

لا يهم. بإمكاني تناول أي منها.

أنت رائع جداً، أسمع هذا باستمرار كلما كنت ثملاً، أنت رائع جداً. لقد سئمت منه.

أنا عظيم. 16 جولة، 15 بالضربة القاضية ما الذي يمكن أن يكون أفضل من هذا؟

لم تجب آن. أخذ جاك قنينة البيرة وسيجارته إلى الحمام.

أنت حتى لم تقبلني محيياً. أول ما فعلته هو الذهاب إلى زجاجة البيرة. أنت عظيم جداً، حسناً. أنت شارب بيرة عظيم.

لم يجب جاك. وقف بعد خمس دقائق بباب الحمام، وبنطاله وسرواله التحتي في الأسفل عند حذائه.

يا يسوع المسيح، آن، ألا يمكنك أن تضعي بكرة من أوراق التواليت هنا؟

آسفة.

ذهبت إلى الخزانة وأعطته البكرة. أنهى جاك قضاء حاجته وخرج. ومن ثم أنهى بيرته وتناول واحدة أخرى. ” ها أنت تعيشين هنا مع الأفضل على مستوى العالم من فئة الوزن خفيف-الثقيل وكل ما بوسعك هو التذمر. ترغب الكثير من الفتيات أن أكون معها لكن كل ما تفعلينه هو الجلوس والتشكي.

أعلم أنك جيد. جاك، ربما الأفضل، لكن لا تعلم كم مملٌ هو الجلوس والاستماع إليك وأنت تكرر الكلام عن مدى عظمتك.

أوه، لقد سئمت من ذلك، صحيح؟

نعم، اللعنة، أنت وبيرتك وعظمتك.

حتى أنك لم تحضري مبارياتي.

هناك أشياء أخرى إلى جانب الملاكمة. جاك.

ماذا؟  كالجلوس على مؤخرتك وقراءة الكوزموبوليتان؟

أرغب بتنمية مداركي.

لابد أن تفعلي. فهناك الكثير من العمل.

أقول لك بأنه يوجد أشياء أخرى إلى جانب الملاكمة.

ماذا؟ سمِّها.

حسناً، الفن، الموسيقى، الرسم، أشياء من هذا القبيل.

وهل تحسنين فعل أي منها؟

لا، لكني أقدرها.

هراء، أنا أفضِّل أن أكون الأفضل فيما أفعله.

حسناً، الأفضل، الأحسن… يا الله، ألا يمكنك تقدير الناس لما هم عليه؟

ماذا يكون هذا؟ ما هو حال أغلبهم؟ حلزونات، مصاصو دماء، متغندرون، مخبرون، قوادون، خدم…

أنت تنظر دوماً نظرة دونية للجميع. ما من واحد من أصدقائك جيد بما فيه الكفاية.

أنت عظيم جداً!

هذا صحيح، حبيبتي.

ذهب جاك إلى المطبخ وخرج مع بيرة أخرى.

أنت وبيرتك اللعينة!

إنها من حقي. هم يبيعونها وأنا أشتريها.

قال تشارلي…

اللعنة على تشارلي!

أنت عظيم جداً!

هذا صحيح. على الأقل باتي تعرف ذلك. وتعترف به. لقد كانت فخورة بذلك. هي تعلم أنه يستحق. كل ما تفعلينه هو التذمر.

حسناً، لم لا تعود إلى باتي؟ ما الذي تفعله معي؟

هذا تماماً ما أفكر فيه.

حسناً، نحن لسنا بمتزوجين، يمكنني المغادرة في أي وقت.

هذه استراحتنا الوحيدة. اللعنة، آتي إلى هنا ميت من التعب بعد عشر جولات قاسيات وأنت لا تشعرين بالسرور حتى لكسبي لها. كل ما تفعلينه هو التذمر مني.

اسمع. جاك، هناك أمور أخرى عدا الملاكمة. عندما قابلتك، أعجبت بما أنت عليه.

كنت ملاكماً. لم يكن هناك أمور أخرى إلى جانب الملاكمة.

هذا ما أنا عليه—ملاكم. هذا مجالي، وأنا جيد فيه. الأفضل.  لقد لاحظت أنك دوماً تذهبين إلى هؤلاء الذين في الدرجة الثانية… مثل توبي جورجينسون.

توبي مسل جداً. لديه حس نكتة، حس نكتة حقيقي.  يعجبني توبي.

أرقامه9،5، وواحد. يمكنني التغلب عليه وأنا ثمل.

والله يعلم بأنك ثمل بما يكفي. هل تعلم بما يكون عليه إحساسي في الحفلات عندما ترتمي على الأرض أو تتدحرج حول الغرفة وأنت تقول للجميع، أنا عظيم، أنا عظيم، أنا عظيم! ألا تعتقد بأن ذلك يجعلني أشعر بأني حمقاء؟

ربما أنت حمقاء. إذا ما كان توبي يعجبك بشدة، لم لا تذهبين معه؟

اوه، أنا قلت للتو بأني معجبة به، اعتقدت بأنه مسل، هذا لا يعني بأني أود أن أذهب معه إلى السرير.

حسنا، اذهبي معي إلى السرير وقولي بأني ممل. أنا لا أعلم أي جحيم تريدين.

لم تجب آن. نهض جاك، مشى نحو الأريكة، رفع رأس آن وقبلها ثم عاد وجلس ثانية.

اسمعي، دعيني أخبرك عن هذه المعركة مع بينسون. حتى أنت كان لك أن تفخري بي. لقد أوقعني أرضاً في الجولة الأولى، على حين غرة. نهضت وكبحته ما بقي في الجولة من وقت. ضربني مجدداً في الجولة الثانية. نهضت بصعوبة عند 8.1 وأمسكت به ثانية. في الجولات القليلة التالية بدأت بالكسب. نلت السادسة، السابعة، الثامنة، وأوقعته مرة في التاسعة ومرتين في العاشرة. أنا لا أسمي ذلك أغلبية. هم يسمونه كذلك. حسناً إنها 45 ألف دولار. فهمت ذلك؟ أيتها الصبية؟ 45 ألفاً. أنا عظيم، لا تستطيعين إنكار ذلك صحيح؟

لم تجب آن.

هيا قولي لي بأني عظيم.

حسناً أنت عظيم.

حسناً، هذا يروقني أكثر. مشى جاك نحوها وقبلها مجدداً. أشعر بارتياح كبير. الملاكمة عمل فني، إنها حقاً كذلك. تحتاج لشجاعة لتكون فناناً عظيماً وتحتاج للشجاعة لتكون ملاكماً عظيماً.

حسناً جاك.

حسناً جاك، هل هذا كل ما بمقدورك قوله؟ لطالما كانت باتي تسعد عندما أفوز. كنا كلانا نُسرّ الليل بطوله. ألا يمكنك أن تشاركيني عندما أفعل شيئاً جيداً؟ اللعنة، هل تحبيني أو تحبين الخاسرين من أنصاف المواهب؟ أظن بأنك ستكونين أكثر سعادة عندما آتيك خاسراً.

أتمنى لك الفوز جاك، المسألة فقط هي إنك تضخم كثيراً ما تفعله…

اللعنة، إنها حياتي، عيشي. أنا فخور بكوني الأفضل. إنه كالطيران، إنه كالطيران في السماء والإمساك بالشمس،

ماذا ستفعل عندما تصبح عاجزاً عن الملاكمة؟

اللعنة، سيكون لدينا ما يكفي من المال لفعل ما نود فعله.

ما عدا أن نكون معاً، ربما.

ربما يمكنني تعلم قراءة كوزموبوليتان لأطور عقلي.

حسناً، هناك مجال للتطور.

أضاجعك.

ماذا؟

أضاجعك.

حسناً، لم تفعل هذا منذ مدة.

بعض الرجال يحبون مضاجعة نساء مرتبطات، أنا لا أحب ذلك.

أفترض بأن باتي لا تتذمر؟

كل النساء يفعلن، أنت البطلة.

حسناً لم لا تعود إلى باتي؟

أنت هنا الآن، لا يمكنني أن أكون سوى مع عاهرة واحدة في كل مرة.

عاهرة؟

عاهرة.

نهضت آن وتوجهت إلى الخزانة أخرجت حقيبتها وبدأت بوضع ثيابها فيها. ذهب جاك إلى المطبخ وأتى بقنينة بيرة أخرى. كانت آن تبكي غاضبة. جلس جاك وبيرته ورشف رشفة كبيرة. احتاج إلى الويسكي، احتاج لزجاجة ويسكي ولسيجار جيد.

يمكنني أن آتي لأخذ بقية أشيائي عندما لا تكون هنا.

لا تزعجي نفسك. سأرسلها لك.

توقفت عند العتبة.

حسناً، أظن هذا، قالت.

أفترض ذلك، أجاب جاك.

أغلقت الباب ومضت، إجراء عادي، أنهى جاك البيرة وراح إلى الهاتف، اتصل برقم باتي، أجابت.

باتي؟

اوه جاك، كيف حالك؟

لقد فزت بمباراة كبيرة الليلة. بالأغلبية، كل ما عليَّ فعله هو أن أزيح بارفينيللي وأحصل على البطولة.

ستتغلب على كليهما، جاك. أعلم أنه بإمكانك فعل ذلك.

ماذا تفعلين الليلة باتي؟

إنها الساعة الواحدة صباحاً جاك. هل كنت تشرب؟

قليلاَ، أنا أحتفل.

وماذا عن آن؟

لقد افترقنا، من عادتي أن أكون مع امرأة واحدة، تعلمين ذلك باتي.

جاك…

ماذا؟

أنا مع رجل.

رجل؟

توبي جورجينسون. إنه في غرفة النوم.

اوه، آسف.

أنا آسفة أيضاً، جاك. أحببتك… ربما لا زلت أفعل.

اوه اللعنة، أنتن النساء ترمين بهذه الكلمة كيفما اتفق…

آسفة، جاك.

حسناً، أغلق السماعة. ومن ثم راح إلى الخزانة ليأخذ معطفه. ارتداه، أنهى بيرته، نزل بالمصعد إلى سيارته. وانطلق نحو جادة النورماندي مباشرة بسرعة 65 م/س، موقفاً السيارة عند متجر للخمور في شارع هوليوود. مشى نحوه ودخله. أخذ ست مجموعات من بيرة الميكولوب، وعلبة من
فوار الكا- سيلتزر. ومن ثم طلب من المحاسب خُمسية من نوع جاك دلانيلز. بينما كان المحاسب يقوم بحساب السعر دخل سكير ومعه ست مجموعات من بيرة Coors.

هيه يا رجل! قال لجاك، ألست جاك باكينويلد الملاكم؟

أنا هو، أجاب جاك.

يا رجل، لقد رأيت تلك المباراة الليلة. جاك، أنت بالغ الشجاعة. أنت عظيم حقاً!

شكراً يا رجل، قال للسكير، ومن ثم أخذ كيس حاجياته وراح إلى سيارته. جلس هناك، نزع غطاء زجاجة الدانيلز ورشف جرعة كبيرة. ومن ثم أغلقها، انطلق شرق شارع هوليوود، أخذ يساره عند النورماندي ولحظ مراهقة ممتلئة القوام تترنح في الشارع. أوقف سيارته، أخرج زجاجة الدانيلز من الكيس وأظهرها لها.

هل ترغبين بالصعود؟

كان جاك متفاجئاً بموافقتها. سأساعدك على شرب ذلك، يا سيد، لكن دون مزايا إضافية.

اللعنة، لا. قال جاك.

سار في جادة النورماندي بسرعة 35 ميلاً في الساعة. مواطن يحترم نفسه ومصنف ثالثاً في فئة الوزن خفيف الثقيل عالمياً. شعر للحظة كما لو أنه يود تقديم نفسه لها لكنه غير رأيه ومد يده وعصر إحدى ركبتيها.

ألديك سيجارة سيدي؟ سألت.

نقف بيده مخرجاً واحدة، أقحمها في لوحة الولاعة. ثم برزت وأشعلها لها.

bop

تحدثنا عن نساءٍ اختلسنا النظر إلى سيقانهن وهن يترجلنَّ من السيارات، ونظرنا من النوافذ ليلاً آملين رؤية ثمة من يضاجع لكن لم نرَ أحداً.  شاهدنا في إحدى المرات زوجاً في سرير وكان الرجل يهمُّ بامرأته وفكرنا بأنَّا سنراه الآن، لكنها قالت، “لا، لا أريد الليلة!” وأدارت له ظهرها. أشعلَ سيجارة ورحنا نبحث عن نافذة جديدة.

ابن الحرام، ما من امرأة كانت لتفعلها معي!”

ولا أنا. أي نوع من الرجال كان هذا؟”

كنا ثلاثة، أنا، بالدي، وجيمي.  كان يوم الأحد يومنا الأهم.  التقينا في منزل بالدي وركبنا الترام الذاهب إلى الشارع الرئيسي. كانت الأجرة سبعة سنتات.

كان الفوليز والبيربانك أيامها من المرابع التي تقدم عروضاً هزلية. كنا نحب المتعريات في بيربانك وكانت النكات أفضل قليلاً لذا توجهنا إلى بيربانك. سعينا إلى صالة سينما دنيئة لكن الأفلام لم تكن كذلك حقيقةً ومثلها كانت الحكايات. تثمل فتاة صغيرة بريئة على يد مجموعة من الرجال وقبل أن تصحو من سكرتها ستجد نفسها في مبغى ينتظرها طابور من البحارة والحُدب. إضافة إلى أن المتبطلين في تلك الأماكن، يهجعون ليلاً نهاراً، يبولون على الأرض، يشربون النبيذ، يطأ أحدهم الآخر. كان نتن البول والخمر والقتل لا يطاق. ذهبنا إلى بيربانك.

هل أنتم ذاهبون إلى عرض المنوعات اليوم يا أولاد؟ يسأل جد بالدي.

أوه، لا سيدي، علينا إنهاء بعض الأمور.

ذهبنا. كنا نذهب كل يوم أحد.  في الصباح الباكر، قبل أن يبدأ العرض بوقت طويل وذرعنا الشارع الرئيسي جيئة وذهاباً باحثين عن حانات فارغة تجلس فتياتها في المداخل بتنانير مرفوعة، تركلن كواحلهنَّ في ضوء الشمس المنجرف نحو الحانة المظلمة. كانت الفتيات جميلات. لكننا نعلم.  لقد تناهى إلى أسماعنا.  دخل رجل ليطلب شراباً وفرضوا عليه دفع ثمن مشروبه ومشروب الفتيات. لكن مشروب الفتيات مخفف بالماء. وستحصل على لمسة أو اثنتين وهذا كل ما في الأمر. إذا ما عرضت أي مال سيراه الساقي ليسخروا منك ويطردوك من الحانة وتكون نقودك قد ذهبت أدراج الرياح. كنا على علم.

بعد نزهتنا على طول الشارع الرئيسي دخلنا مطعماً واشترينا بثماني سنتات سجقاً وكوباً كبيراً من البيرة الجذرية بخمسة سنتات.  كنا نرفع الأثقال بعضلات منتفخة ونرتدي قمصاناً بأكمام مقلوبة إلى الأعلى وكل منا يحمل علبة من السجائر في جيب صدره. وحتى أننا جربنا دورة تشارلز أطلس[1]. توتر حيوي، لكن رفع الأثقال بدا الطريق الأكثر وضوحاً وصرامة.

ونحن نتناول سجقنا ونحتسي كوب بيرتنا الكبير لعبنا في آلة البينبول، بنس واحد لكل لعبة. علمنا أن آلة البينبول جيدة جداً. لدى إحرازك لمجموع كامل تفوز بلعبة مجانية. كان علينا إحراز مجاميع كاملة، لم يكن لدينا المال.

كان فرانكي روزفلت هناك، كانت الأمور آخذة بالتحسن ولو أن الكآبة ظلت فآباؤنا جميعاً عاطلون عن العمل. ولولا أن أعيننا كانت ثاقبة تلتقط أي شيء ملقىً على الأرض فقد كان حصولنا على مصروفنا القليل لغزاً. نحن لم نسرق، فقط تقاسمنا.  واخترعنا.  ببعض المال أو من دونه، ألعاباً صغيرة لتزجية الوقت– كانت واحدة منها التنزه نحو الشاطئ والعودة.

كان هذا يجري في الصيف عادة ولم يتذمر أهلنا أبداً لدى وصولنا متأخرين عن وجبة العشاء إلى البيت. ولا هم اهتموا للبثور التي تلتمع أسفل أقدامنا. هذا كان يحصل لدى رؤيتهم كعوب ونعال أحذيتنا المهترئة. كانوا يرسلون بنا إلى متجر رخيص لإصلاح الأحذية بسعر معقول.

كان الحال مشابهاً في لعبنا الكرة في الشوارع.  لم يكن هناك أموال عامة تنفق على ملاعب الأطفال. كنا شديدي البأس، لعبنا الكرة في الشوارع في كل المواسم، ولعبنا في مواسم كرة السلة والبيسبول وفي موسم الكرة التالي. عندما يتم الإمساك بك على الأسفلت، تحدث أمور. الجلد يتمزق، العظام تصاب برضوض، ودماء، لكنك تنهض كما لو أن شيئاً لم يكن.

لم يلق أهلنا بالاً أبداً للدمامل والدماء والكدمات، كان الذنب الرهيب الذي لا يغتفر هو أن تحدث ثقباً في واحدة من ركبتي بنطالك. لأنه لم يكن هناك سوى بنطالين لكل صبي: بنطاله اليومي وبنطال يوم الأحد. ولا يمكنك أبداً أن تحدث ثقباً في ركبة واحد من بناطيلك لأن ذلك سيظهر أنك فقير وغبي، وبأن أهلك فقراء وأغبياء أيضاً. لذا فقد تعلمت أن تمسك بالولد دون أن تقع على أي من ركبتيك، والصبي الذي يتم الإمساك به تعلم ألا يقع على أي من ركبتيه.

عندما كنا نتشاجر، كان شجارنا يستمر لساعات، ولن يقدم أهلنا على فعل شيء لإنقاذنا. أظن أن السبب كان تظاهرنا بالبأس وتمنعنا عن طلب الرحمة أبداً، كانوا ينتظرون منا طلب الرحمة، ولكنا كرهنا أهلنا، وهم فعلوا بالمقابل، كانوا يخرجون إلى شرفاتهم وينظرون إلينا دون مبالاة في حمأة شجار رهيب لا ينتهي، تثائبوا وتناولوا إعلانا مرمياً على الأرض ودخلوا وحسب.

لقد تشاجرت مع صبي، انتهى به الأمر لاحقاً في البحرية الأميركية. تشاجرت معه في أحد الأيام من الساعة الثامنة والنصف صباحاً حتى ما بعد غروب الشمس، لم يوقفنا أحد، بالرغم من أنا كنا على مرأى باحة بيته الأمامية، تحت شجرتي فلفل ضخمتين وعصافير الدوري تتغوط فوقنا طوال اليوم.

لقد كان قتالاً شرساً، على وشك أن ينتهي. لقد كان أقوى، أكبر سناً بقليل وأثقل وزناً، لكني كنت أكثر جنوناً.  توقفنا باتفاق مشترك—لا أعلم كيف يحصل هذا، عليك تجربته لتتمكن من فهمه، لكن بعد أن يتشاجر اثنان لثمان أو تسع ساعات ينشأ نوع غريب من الأخوة.

كان جسدي في اليوم التالي أزرقاً بالكامل. لم أتمكن من الكلام وكنت أشعر بالألم لدى تحريك أي عضو من أعضائي. لقد كنت على السرير جاهزاً للموت، جاءت أمي بقميصي الممزق خلال الشجار، حملته أمام وجهي فوق السرير وقالت، ” انظر، هناك بقع دم على القميص! بقع دم!”

آسف!

لن أستطيع إزالتها أبداً! أبداً!

إنها بقع دمه.

لا يهم! إنه دم! لن تمكن إزالته!

كانت الآحاد لنا، يومنا الخفيف الهادئ. رحنا إلى بيربانك. كان هناك دوماً فيلم سيء أولاً. فيلم قديم جداً، وأنت تنظر وتنتظر. كنت تفكر بالبنات. عزف الرجال الثلاثة أو الأربعة في حفرة الأوركسترا، بصوت مرتفع، ربما لم يعزفوا بشكل جيد جداً، لكنهم عزفوا بصوت مرتفع، وخرجت تلك المتعريات أخيراً وخطفن الستارة، طرفها، وقد خطفنها كما لو أنها رجل ورحن يهزهزن أجسادهن ويواصلن الرهز أمامها. ومن ثم يتأرجحن ويبدأن بالتعري. لو كان لديك ما يكفي من المال كنت لتحظى بكيس من الفشار، وإن لم يكن لديك فليذهب إلى الجحيم.

كان هناك استراحة قبل الفصل التالي. نهض رجل صغير وقال، ” سيداتي سادتي، أود أن ألفت عنايتكم….” لقد كان يبيع خواتم برَّاقة. كنت سترى في زجاج كل خاتم، إذا ما رفعته نحو الضوء صورة رائعة. كان هذا محط آمالك! كان ثمن الواحد منها خمسين سنتاً فقط، ملكية لمدى الحياة فقط بخمسين سنتاً متاح فقط لمرتادي بيربانك ولن يباع في أي مكان آخر. ” فقط ارفعوه نحو الضوء وسترون! وشكراً، أيتها السيدات والسادة لطيب متابعتكم. الآن سيعبر الحُجَّاب الممرات فيما بينكم.

سيعبر متبطلان اثنان بأسمال بالية في الممرات، تفوح منهما رائحة النبيذ، وكل واحد يحمل كيساً من الخواتم. لم أر أبداً شخصاً يشتري واحداً منها، أتخيل مع ذلك أنك إذا ما رفعت واحداً نحو الضوء، فستكون الصورة في الزجاج لامرأة عارية.

بدأت الفرقة ثانية وأزيحت الستائر وكان هناك مجموعة منشدات أغلبهن متعريات سابقات تقدمن في السن، بماسكارا كثيفة، وحمرة شفاه، ورموش مستعارة. بذلن أقصى جهدهن ليبقوا مع الموسيقى لكنهن كن دوماً متأخرين قليلاً لكنهن استمروا، أظن أنهن كن شجاعات جداً.

ومن ثم جاء مغنٍ. كان من الصعوبة بمكان أن تعجب بمغني. غنى بصوت مرتفع عن الحب الضال. لم يكن يعرف كيف يغني وعندما انتهى فرد ذراعيه وحنى رأسه لموجة صغيرة من التصفيق.

ومن ثم جاء الكوميدي. اوه، لقد كان جيداً! خرج بمعطف قديم بني اللون، وقبعة مشدودة على عينيه، يمشي مترهلاً كسكير، لا شيء لديه ليفعله ولا مكان ليذهب إليه. ستمشي الفتاة على الخشبة وسيتبعها بعينيه. ومن ثم يلتفت إلى الجمهور ويقول، بفمه الخالي من الأسنان، حسناً، سأكون بغيضاً!

ستخرج فتاة أخرى إلى الخشبة وسيمشي باتجاهها، واضعاً وجهه قريباً من وجهها ويقول، أنا رجل عجوز، تجاوزت الرابعة والأربعين لكن عندما يتحطم السرير أقع أرضاً. لقد فعلها. كم ضحكنا! الشبان والعجائز، كم ضحكنا. وكان هناك فقرة عن حقيبة. كان يحاول مساعدة فتاة ما في حزم حقيبتها. وكانت الملابس تنبثق منها باستمرار.

لا أستطيع إدخالها!

دعيني أساعدك!

إنها تنبثق مجدداً!

انتظري سأقف عليها.

ماذا؟ اوه لا، لا تقف فوقها!

استمرا مع حقيبة السفر أكثر وأكثر. اوه لقد كان مسلياً!

أخيراً خرجت أول ثلاث أو أربع متعريات ثانية. لقد كان لكل منا متعريته المفضلة ووقعنا في الحب. اختار بالدي فتاة نحيلة فرنسية مصابة بالربو ولها تغضنات داكنة تحت عينيها. أعجب جيمي بالمرأة النمر (النمرة للدقة). لفتُّ انتباه جيمي إلى أن للنمرة صدر أكبر من الآخر قطعاً. أما متعريتي فكانت روزالي.

كان لروزالي مؤخرة عريضة تهزها وتهزها وتغني أغانٍ مسلية قليلاً، وبينما تمشي وتتعرى تتحدث إلى نفسها وتقهقه. لقد كانت الوحيدة التي تستمتع بعملها حقيقة. لقد أحببت روزالي. فكرت أحياناً بالكتابة إليها وإخبارها عن مدى عظمتها لكن لسبب ما لم أقدم على ذلك.

كنا في أحد الأصائل ننتظر الترام بعد العرض وكانت المرأة النمرة تنتظر الترام أيضاً هناك. كانت ترتدي فستاناً أخضر ضيقاً ووقفنا ننظر إليها.

إنها فتاتك، جيمي، المرأة النمر.

يا ولد، حصلت عليه، انظر إليها!

أنا ذاهب للتحدث معها، قال بالدي.

إنها فتاة جيمي.

لا أود التحدث معها، قال جيمي.

أنا ذاهب للتحدث إليها، قال بالدي واضعاً سيجارة في فمه، أشعلها ومشى نحوها.

مرحباً، عزيزتي! ابتسم مكشراً لها.

لم تجب المرأة النمر. فقط حدقت أمامها مباشرة منتظرة الترام.

أعلم من تكونين، لقد رأيت تعريك اليوم، لقد فعلتها يا عزيزتي، حقيقة فعلتها!

لم تجب المرأة النمر.

لقد أثرته حقيقة، يا إلهي، لقد أثرته حقيقة!

حدقت المرأة النمر للأمام. وقف بالدي هناك يبتسم كالأبله نحوها. أود أن أضعه لك. أود أن أضاجعك، يا عزيزتي.

تقدمنا وجذبنا بالدي، وسحبناه في الشارع. أنت أحمق، ليس لديك الحق بأن تكلمها بتلك الطريقة.

حسناً، نهضت وهزته، نهضت أمام الرجال وهزته!

إنها تحاول كسب لقمة عيشها.

إنها حارة، إنها حمراء حارة، إنها ترغب به!

أنت مجنون.

سحبناه بعيداً في الشارع.

وسرعان ما بدأت أفقد الاهتمام بتلك الآحاد في الشارع الرئيسي. أفترض بأن الفوليز وبيربانك لا يزالان هناك. بالطبع، المرأة النمر والمتعرية المريضة بالربو، وروزالي، روزاليتي، ذهبن منذ وقت طويل.  ربما فارقن الحياة.  وربما تكون مؤخرة روزالي الكبيرة الهزازة قد ماتت.  عندما أكون في الجوار، منطلقاً بسيارتي أمر بالمنزل حيث كنت أسكن وأرى أن غرباء يعيشون فيه الآن.  كانت تلك الآحاد جميلة، مع ذلك، أغلب تلك الآحاد كانت جميلة، ضوء خفيف في ظلمة تلك الأيام الكئيبة التي كان آباؤنا يعبرون فيها الشرفات الأمامية، عاطلون عن العمل وضعفاء ينظرون إلينا ونحن نتشاجر، ومن ثم يدخلون ليحدقوا بالجدران، يمتنعون عن تشغيل الراديو خشية ارتفاع فاتورة الكهرباء.

[1] تشارلز أطلس واسمه الحقيقي آنجلو سيسيليانو، (1893-1972) قام بتطوير منهج بناء الأجسام.

royareload

Roya reload

Asylum

John Self's Shelves

هنا تحكي

مُش عارفة ش قاعدة تحكي ولا ليه ولمين تحكي، بس تعرف إنّ فيه أحد- هي، على الأقل- مهتم بالّي تحكيه.

Mystery of the Iniquity

Truth is inspiring, it is guarded by GOD, and will triumph over all opposition!

راضي الشمري

عن الكتب .. وأشياء أخرى.

قراءات

قراءات نقدية معاصرة.. المعرفة والأفكار للجميع

Books, Bikes, and Food

Reviews, Recipes, Rides... and some other things, too.

TIME

Breaking News, Analysis, Politics, Blogs, News Photos, Video, Tech Reviews

Writer on Writer

Book reviews and analysis

Younes Ben Amara

مدونة يونس بن عمارة

Travalanche

Being a web log for the observations of actor, author, cartoonist, comedian, critic, director, humorist, journalist, master of ceremonies, performance artist, playwright, producer, publicist, public speaker, songwriter, and variety booker Trav S.D.

ك ت ب - «ثقافة وفن»| kataba

صحيفة إلكترونية تعنى بالثقافة والفن.. تتطلع لمزيد من التفاعل مع مبدعى ومثقفى العالم

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 250 other followers