Feeds:
تدوينات
تعليقات

418IzZaI57L._SY344_BO1,204,203,200_

اعترافات جبان-تشارلز بوكوفسكي 1956

يا إلهي، فكرت وهي مضطجعة في السرير عارية وتعيد مطالعة كتاب الدينجتون “صورة العبقري”، لكن… إنه لمحتال! ليس د.ه. لورانس، لكن زوجها-هنري-بكرشه السمين وكل ذلك الشعر الذي لم يمشطه قط وكيف وقف بسرواله القصير هناك، ووقف عارياً قبالة النافذة يعوي كبدوي، وقد أخبرها بأنه كان يتحول إلى علجوم وأنه أراد شراء بوذا وأنه أراد أن يكون عجوزاً ويغرق في البحر، وأنه كان عازماً على إطلاق لحيته وأنه شعر كما لو أنه كان يتحول إلى امرأة.

وهنري كان مسكيناً، مسكيناً وتافهاً وبائساً ومريضاً، ورغب بالانضمام إلى رابطة ماهلر. كانت رائحة فمه كريهةً، كان أبيه مخبولاً وأمه تحتضر إثر إصابتها بالسرطان.

وعلاوةً على ذلك كله، كان الطقس حاراً، حاراً كالجحيم.

لقد توصلت إلى نظام جديد، قال. كل ما أحتاجه هو أربعة أو خمسة آلاف دولار.

إنه موضوع استثمار، قال.  يمكننا السفر من درب إلى آخر في مقطورة.

رغبت في قول إحدى الشتائم، “لا نملك أربعة أو خمسة آلاف دولار”، لكن لم تنطق بها. لم تقل أي شيء: كانت كل الأبواب مغلقة وجميع النوافذ مسدلة، وكان ذلك في عرض الصحراء-ما من نسور حتى -وكانوا على وشك رمي القنبلة. كان عليها أن تبقى في تكساس، كان عليها أن تبقى مع بابا-هذا الرجل أحمق، مُنفِّر، جبان لا-لا شيء في عالم الفاعلين. إنه يخفي خلف السمفونيات والخيالات الشعرية، روحاً ضعيفةً وكسولة.

هل ستأخذني إلى المتحف؟ سألت.

لماذا؟

يوجد هناك معرض فني.

أعلم.

حسناً، ألا ترغب برؤية فان كوخ؟

ليذهب فان كوخ إلى الجحيم! ما الذي يعنيه فان كوخ لي؟

أوصدت الأبواب ثانيةً ولم تستطع التفكير بجواب.

أنا لا أحب المتاحف، تابع. ولا أحب زوار المتاحف.

كانت المروحة تدور، لكنها كانت شقة صغيرة والحرارة احتجزت كما لو أنها مطوقة في مغلاة.

في الواقع، قال، وهو يخلع قميصه واقفاً بسرواله القصير فقط، أنا لا أحب الناس بكل أنواعهم.

كان كمية الشعر على صدره مذهلة.

في الواقع، واصل، وهو يُسلت سرواله مرتكزاً على طرف إحدى قدميه، سوف أؤلف كتاباً في يوم ما وأسميه اعترافات جبان.

رن جرس الباب كاغتصاب، أو كتهتك اللحم الحي.

يا يسوع المسيح! قال كمن يؤخذ على غِرَّة.

قفزت من على السرير، وبدت باهتة وشديدة البياض. كموزة مغطاة بالسُّكَّر. الدينجتون و د.ه. لورانس وتاوس سقطوا على الأرض.

هرعت إلى الخزانة وراحت تحشر نفسها في مستلزمات الملابس النسائية.

الملابس غير مهمة، قال.

ألا تنوي أن تفتح؟

لا، لمَ يتوجب عليَّ ذلك؟

رنَّ مجدداً. دخل صوت الجرس الغرفة وبحث عنهما، تسلق صاعداً جلدهما، لكمهما بعيون زاحفة.

ومن ثم حل صمت.

ومع صوتهما استدارت القدم، تصرف وترشد وحشاً ما، تنزله من على بئر السلم، واحد اثنان ثلاثة، 1.2.3 ومن ثم رحل.

عجباً، قال. وهو لم يتحرك بعد، ما كان ذلك؟

لا أعلم، قالت، وهي تنحني خلفاً على خصرها وتخلع تنورتها التحتية من رأسها.

أخيراً! صرخت. أخيراً! رافعة ذراعيها إلى الأعلى كالمجسَّات.

انتهت من خلع الثوب من رأسها ببعض من النفور.

لماذا تلبس النساء هذا الهراء؟ سأل بصوت مرتفع.

لم تشعر بأن هناك ضرورة للرد وبحثت ثم سحبت لورانس من تحت السرير. ودخلت السرير مع لورنزو وجلس زوجها على الأريكة.

لقد قاموا ببناء مقام صغير له، قال.

من؟ سألت مشاكسة.

لورانس.

اوه.

يوجد صورة له في ذلك الكتاب.

نعم لقد رأيتها.

هل رأيت مقبرة للكلاب؟

ماذا؟

مقبرة كلاب.

حسناً، ماذا عنها؟

فيها دوماً زهور، عند كل كلب دوماً زهور طازجة، مشكَّلة كلها في باقات صغيرة أنيقة على كل قبر. هذا كافٍ لجعلك تبكين.

وجدت المكان الذي وصلت إليه في الكتاب ثانية، مثل شخص يبحث عن عزلة وسط بحيرة: إذن فالشهور المرة تواصلت بشكل بائس، مترافقة مع شعور لورنزو المأساوي بالضياع، هذا-

أتمنى لو أني تعلمت الباليه، قال. أنا أكاد أتهاوى كلياً لكن هذا يعود إلى روحي الذاوية. أنا رشيق حقاً، جاهز للتشقلب على فرشة قفز من نوع ما، كان عليَّ أن أكون ضفدعاً، على الأقل. سترين. سأتحول في يوم ما إلى ضفدع.

تموجت بحيرتها بنسيم مغضب: حسناً، بحق السماء، تعلم الباليه! اذهب ليلاً! تخلص من كرشك! اقفز هنا وهناك! كن ضفدعاً!

هل تقصدين بعد العمل؟ سأل بحزن.

يا الله، قالت، أنت تريد كل شيء دون مقابل. نهضت وذهبت إلى الحمام وأغلقت الباب.

هي لا تفهم، فكر، وهو جالس على الكنبة عارياً، هي لا تفهم بأني أمزح. إنها مغرقة في الجدية. كل ما أقوله لا بد أن يحمل معنى مأساوياً أو حقيقياً، أو رؤيا أو ما شابه. لقد تحملت كل ذلك!

وقع نظره على قصاصة ورقية مخربش عليها بقلم رصاص، بخط يدها، على الطاولة الجانبية، فتناولها:

زوجي شاعر صدر له إلى جانب سارتر ولوركا، هو يكتب عن الجنون ونيتشه ولورنس، لكن ما الذي كتبه عني؟

هي تقرأ الكتب الهزلية

والترهات الفارغة

وتصنع قبعات صغيرة

وتذهب إلى القداس في الثامنة صباحاً

أنا أيضاً شاعر وفنان، يقول بعض النقاد

المتبصرين، لكن زوجي كتب عني:

هي تقرأ الهزليات…

سمع صوت شطف المرحاض، ثم خرجت بعد لحظة.

أود أن أكون مهرجاً في السيرك، قال في استقبالها.

عادت إلى السرير مع كتابها.

ألا تودين أن تكوني مهرجاً مؤثراً يتخبط بوجهه المصبوغ بالألوان؟ سألها.

لم تجب، التقط استمارة السباق.

باور 114 ب.ج.4، مع القنبلة الذرية-

بومايا، مع بومبي

بريدر، اسطبل بروكميدي.

1956 12 2 4 1 $12,950

18-Jam I I/16 1:45 1/5ft. 3 122 2تموز

1/2 3 2 2 سا guerinE’Alw86

أنا ذاهب إلى كالينتي الأحد القادم، قال.

حسناً، سأدعو شارلوت للمجيء. بإمكان آلان ايصالها بالسيارة.

هل تصدقين أن الكاهن قد أغواها حقاً في ذلك الفيلم كما ادعت؟

قلبت صفحة كتابها.

عليكِ اللعنة، أجبيني! وأخيراً صرخ غاضباً.

عم أجيبك؟

ألا تظنين أنها عاهرة وتختلق كل ذلك؟ ألا تظنين أننا جميعاً عاهرات؟ ما الذي نحاول فعله، بقراءة كل تلك الكتب؟ كتابة كل تلك القصائد التي أعادوها، والعمل في زنزانة ما بلا مقابل لأننا لسنا حقيقة مهتمين بالمال؟

وضعت الكتاب ونظرت إليه من فوق كتفها. حسناً، قالت بصوت منخفض، هل ترغب بالتخلي عن كل شيء؟

التخلي عن ماذا؟ نحن لسنا نملك أي شيء! أو هل تقصدين سمفونية بيتهوفن الخامسة أو موسيقى الماء لهاندل؟ أو هل أنك تعنين موسيقى السول؟

لنكف عن الجدل. رجاءً. أنا لست راغبة بالمجادلة.

حسناً، أريد معرفة ما نحاول فعله!

رن جرس الباب كما لو أن كل أجراس القدر تكتسح الغرفة.

ششش، قال، ششش! اهدأي!

رن جرس الباب ثانية، كما لو أنه يقول، أعرف أنكم في الداخل، أعرف أنكم في الداخل.

هم يعلمون أنَّا هنا، همست.

أشعر بأنه هو، قال.

ماذا؟

لا يهم. ابقي هادئة فقط. ربما سيمضي مبتعداً.

أليس رائعاً أن يكون لديك كل هؤلاء الأصدقاء؟ تسلحت بالمزاح.

لا. ليس لدينا أصدقاء. أقول لك، هذا شيء آخر!

رن مجدداً، مقتضباً جداً، بارداً وكئيباً. لقد حاولت مرة تكوين فريق سباحة أولمبي، قال، حائداً عن الموضوع بالكامل.

أنت تفصح عن أكثر التصريحات سخافة كل دقيقة، هنري.

هل ستتخلين عني؟ فقط من أجل ذلك! قال، رافعاً صوته،

من هناك؟

لم يكن هناك رد.

نهض هنري مفتوح العينين كما لو أنه مغشي عليه وفتح الباب مطوحاً إياه، ناسياً عريه. وقف هناك مشلول الفكر لبعض الوقت، لكن كان واضحاً لها أنه لو كان هناك شخص آخر في مثل حالته من العري تلك لما أحدث هذه الضجة، أو على أقل تقدير، تعليق راقي نوعاً ما.

ومن ثم أغلق الباب. كانت على وجهه نظرة غريبة، بعينين مدورتين أشبه ما تكون بعيون الدمى وازدرد في لحظة مواجهته لها. كبرياءه، ربما؟

لقد قررت، أعلن، بأني لن أتحول أخيراً إلى امرأة.

حسناً، هذا سيقدم يد العون بخصوص ما بيننا كثيراً، هنري.

وسآخذك أيضاً لرؤية فان كوخ. لا انتظري، سأدعك تأخذيني أنت.

لا فرق، عزيزي، لا يهم.

لا، قال. عليك أن ترافقيني!

مشى إلى الحمام وأغلق الباب.

ألا تتساءل، قالت عبر الباب، عمن كان هذا؟

ما هذا الذي كان؟

من الذي كان عند الباب؟ في المرتين؟

اللعنة، قال، أعرف من يكون.

من كان، إذن؟

ها!

ماذا؟

قلت، ها! ما أنا بقائل!

هنري، أنت ببساطة لا تعلم من يكون، لا تعرف أكثر مما أعرف. أنت ببساطة تتحامق ثانية.

إذا ما وعدت بأخذي لرؤية فان كوخ، سأخبرك من كان عند الباب.

حسناً، سايرته. أعدك.

طيب، أنا من كان عند الباب!

أنت كنت عند الباب؟

نعم، ضحك ضحكة صغيرة تافهة. أنا أبحث عني! في المرتين.

ألا تزال تلعب دور المهرج، هنري؟

سمعت صوت الماء يجري في الحوض وعرفت أنه سيشرع بالحلاقة.

هل ستقوم بالحلاقة، هنري؟

لقد قررت حلاقة اللحية، أجاب.

لقد عاد ليسبب لها الملل من جديد وفتحت كتابها ببساطة على صفحة عشوائية وبدأت بالقراءة:

ألم تعد تريد مني شيئاً؟

أود أن ننفصل، تتحررين مني، وأتحرر منك.

وماذا عن تلك الشهور الأخيرة؟

لا أعلم. أنا لم أقل لك أي شيء سوى أن ما فكرت به كان حقيقياً.

إذن لم أنت مختلف الآن؟

أنا لست كذلك، أنا لم أتغير-فقط أعلم أنه ليس من الجيد أن نستمر.

أغلقت الكتاب وفكرت بهنري، إن الرجال كالأطفال، عليك مسايرتهم، ليس بإمكانهم القيام بأي أذى. لقد كان أمراً تعرفه كل النساء. حاول هنري-لقد كان كذلك تماماً-كل لعب دور المهرج هذا. كل النكات الركيكة.

نهضت من على السرير كما لو في حلم، مشت على أرضية الحجرة، فتحت الباب ونظرت إلى الداخل. كان هناك مقابل الحوض فرشاة حلاقة وعليها آثار الصابون وإبريقه المخصص للحلاقة لا يزال مبللاً، لكن الماء في الحوض كان بارداً وعند القعر، فوق السدادة، نظر إليها ضفدع حي سمين، أخضر، وبحجم قفاز مجعد، ليس في متناولها أخيراً.

ملاحظة: كتب تشارلز بوكوفسكي هذه القصة في العام 1956، قبل وقت طويل من نيله أي اعتراف أدبي. وكان في ذلك الوقت يعيش مع زوجته الأولى، باربرا فراي، والتي كانت ترأس تحرير مجلة أدبية صغيرة هناك تدعى Harlequin. بعد ما يقرب من عقد من توقفه عن الكتابة، بدأ بوكوفسكي بالكتابة مرة أخرى، وكان يرسل قصائده إلى المجلات في جميع أنحاء البلاد. نشرت باربرا فراي بحماس كل ما أرسله لها وكانت تقابل بلهفة اكتشافها الأدبي الجديد.

وقد وصف بوكوفسكي قصة لقائهما والزواج اللاحق في روايته “مكتب البريد” وفي بعض من قصائده المبكرة الأكثر شهرة، ذهب بوكوفسكي أخيراً إلى تكساس تلبية لطلب محررته الجديدة (وعائلتها المحافظة جداً) وبعد فترة تزوجا في لاس فيغاس (في عام 1956). استقرا فيما بعد في لوس انجلس وسرعان ما انفصلا وتم الطلاق في آذار من عام 1958.

paul_auster_203

قصة أوجي رين عن عيد الميلاد-بول أوستر.

لقد سمعت هذه القصة من أوجي رين. وحيث أن أوجي لم يَخلُص فيها إلى خاتمة حسنة، ليس كما كان يرغب على الأقل، فقد طلب مني عدم استخدام اسمه الحقيقي.  بخلاف ذلك، فإن كل شيء عن المحفظة المفقودة والمرأة العمياء وعشاء عيد الميلاد هو تماماً بحسب ما قال لي.

يقرب عمر تعارفي أنا وأوجي حالياً من إحدى عشرة سنة. هو يعمل خلف طاولة بيع في متجر السيجار في شارع المحكمة وسط بروكلن، وحيث أنه المتجر الوحيد الذي يبيع السيجار الهولندي الذي أحب تدخينه، فكثيراً ما أتردد إلى هناك. لوقت طويل، لم ألق كثير بالٍ إلى أوجي رين. لقد كان الرجل الغريب الضئيل الحجم، الذي يرتدي سترة بغطاء للرأس زرقاء اللون ويبيعني السيجار والمجلات، الشخص العابث، صاحب الردود البارعة، فلديه دوماً شيئاً مضحكاً يقوله عن الطقس، عن الـ Mets [1]أو عن السياسيين في واشنطن، وذلك كان أقصى ما في الأمر.

لكن في أحد الأيام، منذ عدة سنوات مضت، حصل أنه كان يتصفح مجلة في المتجر، وقد تعثَّر بمراجعة لواحد من كتبي.  عرف أنه كتابي بفضل صورة مرفقة بالمراجعة، وبعد ذلك تغيرت الأمور بيننا. لم أعد مجرد زبون آخر من زبائنه، أصبحت شخصاً مميزاً. قلة من الناس فقط بإمكانهم تجاهل الكتب والكُتَّاب، لكن تبين أن أوجي كان يعتبر نفسه فناناً. الآن وقد كشف سر هويتي، فقد عانقني كحليف، كأحد المقربين، كأخ في السلاح.  لنقل الحقيقة، لقد وجدت الأمر محرجاً إلى حد ما. بعدها بشكل يكاد يكون حتمياً، جاءت اللحظة التي سألني فيها عما إذا كنت أرغب بإلقاء نظرة على صوره الفوتوغرافية. ولما كان عليه من حماسةٍ وحسن النية، كان من الصعب تخييب ظنه.

الله أعلم بما كنت أتوقعه. على أقل تقدير، لم يكن ما أظهره لي أوجي في اليوم التالي. في غرفة صغيرة، بلا نوافذ، في القسم الخلفي من المتجر، فتح صندوقاً من الورق المقوى، وأخرج اثني عشر ألبوماً من الصور المتشابهة.  هذا كان عمل حياته، قال، وأن القيام به لم يكلفه أكثر من خمس دقائق يومياً. كان يقف في كل صباح، على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، على ناصية جادة الأطلنطي وشارع كلينتون عند الساعة السابعة تماماً، ليلتقط صورة واحدة ملونة لنفس المشهد تماماً. حقق المشروع حتى الآن أكثر من أربعة آلاف صورة فوتوغرافية. يمثل كل ألبوم سنة مختلفة، وكانت الصور جميعها موضوعة في تسلسل، من1 كانون الثاني حتى 31 كانون الأول، بتواريخ مسجلة بعناية تحت كل واحدة.

بينما كنت أقلب في الألبومات وأهم بتفحص عمل أوجي، لم أعلم بم أفكر. كان انطباعي الأول أنه أكثر الأمور التي رأيتها غرابةً وإرباكاً. كل الصور متشابهة. كان المشروع برمته هجمة عنيفة مخدرة من التكرار، الشارع نفسه والأبنية، مراراً وتكراراً، هذيان لا يهدأ من الصور الفائضة عن الحاجة. لم أستطع التفكير بأي شيء لأقوله لأوجي، لذا فقد واصلت في تقليب الصفحات، مومئاً برأسي في تقدير زائف. أما أوجي فقد بدا هادئاً، يرقبني بابتسامة عريضة على وجهه، لكن بعد أن رأى أنه مضى عليَّ عدة دقائق، قاطعني فجأة قائلاً، إنك تقلب بسرعة كبيرة. أنت لن تراها قط إذا لم تخفف من سرعتك.

كان على حق، بطبيعة الحال. إذا لم تأخذ وقتك في النظر، فلن يكون بإمكانك أن ترى شيئاً أبداً، تناولت ألبوماً آخر وأرغمت نفسي على المضي بتأن أكثر.  ألقيت انتباهاً أكبر على التفاصيل، ملاحظاً تبدل الطقس، مراقباً الزوايا المتغيرة للضوء مع تقدم الفصول. أخيراً كنت قادراً على كشف الفروق الدقيقة في تدفق حركة المرور، توقع إيقاع الأيام المختلفة، فوضى صباحات أيام العمل، السكون النسبي لعطلات نهاية الأسبوع، التناقض بين أيام السبت والآحاد، ومن ثم بدأت شيئاً فشيئاً تمييز وجوه الناس في الخلفية، العابرين في طريقهم إلى العمل، نفس الأشخاص في نفس البقعة كل صباح، يعيشون هنيهة من حياتهم في مجال آلة تصوير أوجي.

عندما بدأت بالتعرف عليهم، رحت أتفحص وضعياتهم، الطريقة التي حملوا فيها أنفسهم من صباح إلى آخر، محاولاً استكشاف أمزجتهم من هذه الإشارات الظاهرية، كما لو أني تمكنت من تخيل قصصهم، كما لو أني تمكنت من اختراق الدراما المخفية، المقفل عليها داخل أجسادهم. تناولت ألبوماً آخر. لم أعد سئماً، لم أعد مربكاً كما كنت في البدء. كان أوجي يصور الزمن، أدركت ذلك، كل من الزمن الطبيعي والزمن الإنساني، ولقد كان يفعل ذلك بغرس نفسه في زاوية صغيرة واحدة من العالم راغباً في جعلها ملكاً له، بالوقوف حارساً في المكان الذي اختاره لنفسه. وهو يرقبني وأنا أتأمل عمله، واصل أوجي الابتسام بسرور. ومن ثم تقريباً كما لو أنه يقرأ أفكاري، بدأ بتلاوة بيت من شعر شكسبير. “غداً وغداً وكل غد”، تمتم هامساً، “يزحف الزمن بهذه الخطى الحقيرة “، فهمت حينها أنه يعرف تماماً ما كان يفعله.

كان ذلك منذ ما يزيد على ألفي صورة، منذ ذلك اليوم، ناقشنا أنا وأوجي عمله عدة مرات، لكني لم أعلم سوى في الأسبوع الماضي بقصة اقتنائه لآلة التصوير وشروعه بالتقاط الصور من بدايتها. ذلك كان موضوع القصة التي أخبرني بها، وأنا لا أزال أكافح لفهمها.

في وقت سابق من ذلك الأسبوع نفسه، اتصل بي رجل من صحيفة النيويورك تايمز وسألني عما إذا كنت على استعداد لكتابة قصة قصيرة ستظهر في الصحيفة صبيحة عيد الميلاد، كان رغبتي الأولى هي الرفض، لكن الرجل كان جذاباً جداً ومثابراً، وفي نهاية المحادثة أخبرته بأني سأحاول. في اللحظة التي أغلقت فيها الهاتف، بأية حال، وقعت في ذعر شديد، ما الذي أعرفه عن عيد الميلاد؟ سألت نفسي. ما الذي أعرفه عن كتابة القصص القصيرة بالطلب؟

أمضيت الأيام القليلة التالية يائساً، أحارب أشباح ديكنز، أو هنري، وآخرين من سادة روح عيد الميلاد. كان للعبارة ذاتها “قصة عيد الميلاد”، ارتباطات بغيضة عندي، تستحضر سيولاً كريهة من النفاق الزائف والفائض عن الحاجة، حتى في أفضل أحوالها، لم تكن قصص عيد الميلاد أكثر من أحلام بتحقيق الأماني، حكايات للكبار، ولسوف أكون ملعوناً إذا ما سمحت لنفسي بكتابة شيء من هذا القبيل، وأيضاً، كيف يمكن الطلب من شخص ما كتابة قصة عيد ميلاد غير عاطفية؟ كان اجتماعاً للفظتين متناقضتين، استحالة، كانت أحجية بالكامل، قد يخيل للمرء أيضاً جواد سباق بدون أرجل، أو دوري بدون أجنحة.

لم أصل إلى نتيجة. خرجت يوم الخميس في نزهة طويلة، على أمل أن يساهم الهواء في تصفية أفكاري. توقفت بعد الظهر تماماً عند متجر السيجار لأسدَّ النقص في مؤونتي، وكان أوجي هناك واقفاً خلف طاولة البيع كالمعتاد. سألني عن حالي. دون أن أرمي إلى ذلك حقيقةً، وجدت نفسي أفضي بهمي إليه، قصة عيد ميلاد؟ قال بعد انتهائي. هل هذا كل شيء؟ لو أنك تدعوني على وجبة الغداء يا صديقي، سأخبرك بأفضل قصة عيد ميلاد سمعت بها أبداً. مع ضمانتي أن كل كلمة فيها هي حقيقة.

سرنا نحو المبنى حيث يوجد فرع من فروع سلسلة مطاعم Jack’s، أطعمة محضرة منعشة ومرصوصة في شطائر البسطرمة الطيبة وصور لفرق دودجرز القديمة معلقة على الجدران. وجدنا طاولة في الخلف وطلبنا طعامنا، ومن ثم بدأ أوجي برواية قصته.

لقد كان صيف عام 1972، قال. جاء ولد في أحد الصباحات وراح يسرق أشياءً من المتجر، هو لا بد كان في التاسعة عشرة أو العشرين من عمره، ولا أظن أني رأيت قط سارقاً أكثر إثارة للشفقة منه في حياتي. واقف بالقرب من رف الكتب على طول الجدار البعيد يدس الكتب في جيوب معطفه المطري، لقد كان المكان مزدحماً حول الطاولة في وقتها فلم أره في البداية، لكن عندما لحظت ماذا كان يفعل بدأت بالصراخ، ولى هارباً كأرنب بري، ومع الوقت تمكنت من الخروج من خلف الطاولة، كان بالفعل يعبر جادة الأطلنطي. لحقت به ما يقارب نصف وحدة بناء ومن ثم استسلمت، لقد رمى شيئاً على الطريق، وحيث أني لم أشعر بالرغبة في الجري أكثر، انحنيت لأرى ما الذي كان قد سقط منه.

تبين أنها كانت محفظته، لم يكن بداخلها أي نقود، لكن شهادة القيادة كانت هناك مع ثلاث أو أربع صور فوتوغرافية. تخيلت أنه بإمكاني استدعاء الشرطة لتوقيفه، لدي اسمه والعنوان من الشهادة، لكني شعرت بنوع من الأسف عليه، لقد كان مجرد غلام تافه صغير، وعندما نظرت إلى تلك الصور في محفظته لم أستطع إرغام نفسي على الغضب منه. روبرت جودوين، ذلك كان اسمه. في واحدة من الصور، أتذكر، كان يقف وذراعه حول أمه أو جدته، في أخرى كان يجلس هناك بعمر التاسعة أو العاشرة وهو يرتدي ثياب البيسبول وابتسامة عريضة على وجهه، لم يطاوعني قلبي ببساطة. ربما كان تحت تأثير المخدر الآن، تصورت. ولد مسكين من بروكلن من دون التقصي كثيراً عنه، ومن يهتم بشأن بضعة كتب تافهة بأية حال؟

وهكذا احتفظت بالمحفظة. على عدة مرات بين الحين والآخر كانت تلح عليَّ رغبة صغيرة في إرسالها له، لكني ظللت أؤجل ولم أفعل شيئاً بشأنها. ومن ثم جاء عيد الميلاد وأنا لم أكن قد فعلت شيئاً بعد. كان رب العمل يدعوني عادة إلى منزله لقضاء اليوم، لكن في تلك السنة كان هو وعائلته في فلوريدا يزورون أقارباً لهم، لذا فقد كنت جالساً في شقتي ذلك الصباح أشعر ببعض الأسى على نفسي. ومن ثم رأيت محفظة روبرت جودوين ملقاة على رف في المطبخ، خطر لي أن حسناً، لم لا أفعل شيئاً ما لطيفاً ولو لمرة، فارتديت معطفي وخرجت لأعيد المحفظة بنفسي.

كان العنوان على تله بوروم، في مكان ما في المساكن الشعبية، كان الجو شديد البرودة ذلك اليوم، وأتذكر أني أضعت طريقي عدة مرات وأنا أحاول إيجاد البناء الصحيح، كل شيء يبدو متشابهاً في ذلك المكان، وأنت تواصل المضي على نفس الأرض، تفكر بأنك في مكان آخر. بأية حال وصلت أخيراً إلى الشقة التي أبحث عنها وقرعت الجرس. لم يحدث شيء. استنتجت أن ما من أحد هناك، لكني أحاول مجدداً فقط لكي أكون واثقاً. انتظرت لوقت أطول قليلاً، وعندما كنت على وشك الاستسلام تماماً، سمعت شخصاً يجر أقدامه نحو الباب. صوت امرأة مسنة يسأل من الطارق، وقلت بأني أبحث عن روبرت جودوين. هل هذا أنت، روبرت؟ قالت المرأة العجوز، ومن ثم حلت حوالي خمسة عشر قفلاً وفتحت الباب.

كانت لا بد في الثمانين، وربما التسعين من عمرها، وأول ما لاحظته هو أنها كانت كفيفة. عرفت أنك ستأتي، روبرت، قالت. عرفت أنك لن تنسى جدتك ايثل في عيد الميلاد. ومن ثم فتحت ذراعيها كما لو أنها على وشك معانقتي.

لم يكن لدي كثير من الوقت للتفكير، كما ترى. كان عليَّ أن أقول شيئاً ما بسرعة كلية، وقبل أن أستوعب ما كان يحدث، استطعت سماع الكلمات تخرج من فمي. هذا صحيح، جدتي ايثل، قلت. لقد عدت لرؤيتك في عيد الميلاد. لا تسألني لماذا فعلت ذلك. ليس لدي أدنى فكرة. ربما لم أرغب في تخييب ظنها أو ما شابه، لا أعرف. لقد حصل ما حصل بتلك الطريقة وحسب، ومن ثم فجأة كانت هذه المرأة المسنة تعانقني هناك أمام الباب، وعانقتها بالمقابل.

لم أقل بالضبط أني كنت حفيدها. ليس صراحة على الأقل، لكن هذا كان المضمون. لم أحاول خداعها مع ذلك. لقد كانت مثل لعبة قرر كلانا لعبها بدون مناقشة القواعد. أعني أن تلك المرأة عرفت بأني لست حفيدها روبرت. لقد كانت مسنة ومضطربة لكنها لم تكن واهنة إلى درجة أنها لا تستطيع التمييز بين الغريب وبين من هو من لحمها ودمها.   لكن هذا التظاهر جعلها سعيدة، وطالما أنه ليس لدي شيء أفضل لأفعله، بأية حال، فقد كنت سعيداً في مسايرتها.

لذا فقد دخلنا الشقة وأمضينا اليوم معاً. كان المكان قذر فعلاً، وقد أقول أكثر، لكن ماذا يمكن أن تتوخى من امرأة كفيفة تقوم بنفسها بأعمالها المنزلية؟ كل مرة كانت تسألني فيها سؤالاً عن حالي كنت أكذب عليها. قلت لها أني وجدت عملاً في متجر لبيع السيجار، قلت لها أني أنوي الزواج، قلت لها مئات القصص الجميلة، وهي كانت كما لو أنها تصدق كل واحدة منها. هذا رائع، روبرت، كانت تقول، مومئة برأسها ومبتسمة. لطالما عرفت أن الأمور ستتحسن معك.

بعد مدة بدأت أشعر ببعض الجوع.  لم يكن يبدو أنه هناك في المنزل الكثير من الطعام، لذا فقد خرجت إلى متجر في الحي وجلبت الكثير من الأشياء.  دجاجة مطهية، حساء الخضار، ودلو يحتوي على سلطة البطاطا، كعكة الشوكولا، وكل أنواع الأشياء.  كان لدى ايثل زجاجتين من النبيذ مخبأتين في غرفة نومها، وبالتالي تدبرنا فيما بيننا تجهيز عشاء ميلاد مرضٍ إلى حد مقبول.  كلانا ترنحنا قليلاً من النبيذ، كما أذكر، وبعد انتهائنا من الوجبة خرجنا للجلوس في غرفة المعيشة، حيث كانت الأرائك مريحة أكثر.  كان عليَّ أن أتبول، فقد التمست العذر لنفسي وذهبت إلى الحمام، تحت في البهو.  هناك حيث الأشياء أخذت منقلباً آخر أيضاً. لقد كان في القيام بحيلتي الصغيرة على أني حفيد ايثل ما يكفي من الحماقة، لكن ما فعلته فيما يلي كان جنوناً بكل تأكيد، ولم أسامح نفسي عليه أبداً.

دخلت الحمام، ووقفت مقابل الحائط بجانب الدوش، رأيت كومة من ست أو سبع آلات تصوير. آلات جديدة تماماً 35 ملم، لا تزال في علبها، سلع من أجود الأنواع. لقد تصورت أن هذا عمل روبرت الحقيقي، مخزن لواحدة من غنائمه الأخيرة. أنا لم ألتقط صورة في حياتي أبداً، وبالتأكيد لم أسرق شيئاً أيضاً، لكن في اللحظة التي رأيت فيها آلات التصوير تلك موضوعة في الحمام، جزمت أني أريد واحدة لنفسي. في الوقت نفسه. وبدون حتى توقف للتفكير بالأمر، تأبطت واحدة من تلك العلب وعدت إلى غرفة المعيشة.

لم يكن مضى على غيابي أكثر من ثلاث دقائق، لكن كانت الجدة ايثل قد غفت في أريكتها في تلك الأثناء. الكثير من النبيذ الإيطالي[2]، كما خيل لي. ذهبت إلى المطبخ لأغسل الصحون، وهي نامت في راحة تامة، تغط كالطفل الرضيع.  لم يظهر هناك ما يشير إلى انزعاجها، لذا فقد قررت المغادرة.  لم أتمكن حتى من كتابة ملحوظة تقول وداعاً، بالنظر إلى كونها كفيفة وكل شيء، لذا فقد غادرت وحسب. لقد وضعت محفظة حفيدها على الطاولة، تناولت آلة التصوير ثانية، وخرجت من الشقة. وهذه هي نهاية القصة.

هل عدت لرؤيتها في وقت من الأوقات؟ سألت.

مرة، قال. بعد حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر. شعرت بالسوء كثيراً لسرقة آلة التصوير، لم أكن قد استعملتها بعد. أخيراً قررت إعادتها، لكن ايثل لم تعد هناك. لا أعرف ما الذي حل بها، لكن شخص آخر انتقل إلى الشقة، لكنه لم يتمكن من إخباري عن مكانها.

ربما قد تكون ماتت.

نعم، ربما.

هذا يعني أنها أمضت آخر عيد ميلاد لها معك.

أعتقد ذلك، أنا لم أفكر أبداً بذلك على هذا النحو.

كان عملاً صالحاً أوجي، لقد كان لطفاً منك ما فعلته من أجلها.

لقد كذبت عليها، ومن ثم سرقتها، أنا لا أفهم كيف يمكنك أن تدعوه عملاً صالحاً.

لقد جعلتها سعيدة، وآلة التصوير كانت مسروقة بأية حال، هو لا يشبه الحالة في أخذها من الشخص الذي يملكها حقيقة.

أي شيء لخاطر الفن، ايه، بول؟

أنا لم أقل ذلك، لكن على الأقل فقد استخدمت آلة التصوير استخداماً حسناً.

والآن لديك قصة عيد الميلاد، أليس كذلك؟

نعم، قلت، أعتقد ذلك.

توقفت للحظة، متفحصاً أوجي وابتسامة عريضة عابثة منبسطة على وجهه. لم أستطع أن أكون واثقاً، لكن النظرة في عينيه في تلك اللحظة كانت جد ملغزة، مفعمة كثيراً بوهج من انشراح داخلي ما، حتى باغتتني فجأة فكرة أنه قد اختلق الأمر برمته. كنت على وشك سؤاله إذا ما كان يتظاهر عليَّ، لكني بعدها أدركت بأنه لن يقول أبداً. لقد تورطت في تصديقه، وهذا كان الأمر المهم الوحيد. فليس من قصة لا يمكن أن تكون حقيقة، طالما أن هناك شخصاً واحداً يصدقها.

أنت ممتاز أوجي، قلت. شكراً لكونك متعاوناً جداً.

مرحباً بك، أجاب. ولا يزال ينظر إلي وذلك الضوء الممسوس في عينيه. في النهاية، إذا كنت لا تستطيع أن تتقاسم أسرارك مع أصدقائك، فأي نوع من الأصدقاء أنت؟

أظن بأني مدين لك بواحد.

لا، لست كذلك. فقط دونها كما أخبرتك إياها، ولست مديناً لي بشيء.

ما عدا الغداء.

هذا صحيح، فيما عدا الغداء.

قابلت ابتسامة أوجي بابتسامة مني، ومن ثم ناديت النادل وطلبت الحساب.

[1] فريق بيسبول امريكي.

[2] Chianti.

استمعوا هنا إلى القصة بصوت الكاتب:

http://www.npr.org/templates/story/story.php?storyId=4244994

شهرزاد- هاروكي موراكامي.

haruki-murakami

شهرزاد- هاروكي موراكامي

كانت بعد كل مرة يمارسان فيها الجنس، تروي لهابارا قصة غريبة مشوقة. مثلها مثل الملكة شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”. ولو أن هابارا بخلاف الملك بالطبع، لم يكن ينوي قطع رأسها في صباح اليوم التالي. (هي لم تبق معه أبداً حتى الصباح بأية حال.) حكت لهابارا القصص لأنها كانت ترغب بذلك، لأنها كما خمن، تستمتع بالاسترخاء في السرير والتحدث إلى رجل أثناء تلك اللحظات الحميمة الواهنة، بعد ممارسة الحب. وأيضاً ربما لأنها تمنت أن تروح عن هابارا الذي كان عليه أن يمضي الأيام حبيس البيت.

لهذا السبب، أطلق هابارا على المرأة لقب شهرزاد. هو لم يستعمل الاسم مطلقاً في حضورها، لكنه كان يشير به إليها في مذكرات صغيرة احتفظ بها. “جاءت شهرزاد اليوم،” دوّن بقلم حبر جاف. ومن ثم سجل خلاصة قصة ذلك اليوم بتعابير بسيطة وخفية ليكون على ثقة من إرباك أي شخص قد يقرأ اليوميات لاحقاً.

لا يعلم هابارا فيما إذا كانت قصصها حقيقية، مبتدعة، أو حقيقية في جزء منها ومبتدعة في آخر. لم تكن لديه وسيلة لمعرفة ذلك. بدا أن كل من الواقع والافتراض، الملاحظة والخيال الصرف مختلطون معاً في رواياتها. وبناء عليه استمتع هابارا بها كما قد يحصل لطفل، بدون الكثير من التشكيك. ما الذي يمكن للاختلاف الجائز أن يصنع له، في آخر الأمر، إذا ما كانت حقيقة أم أكاذيباً أو مزيجاً معقداً من الاثنين.

على كل حال، كان لشهرزاد موهبة رواية القصص المؤثرة. ومهما كان نوع القصة، فقد جعلت منها قصة مميزة. صوتها، توقيتها، سرعتها، كانت كلها بلا شائبة. لقد استولت على انتباه مستمعها، مستثيرة إياه، تقوده إلى التفكير والتخمين، ومن ثم في النهاية تقدم له تماماً ما كان ينشده. مسحوراً، كان هابارا قادراً على نسيان الواقع المحيط به حتى ولو للحظة. مثل سبورة سوداء ممسوحة بقماشة مبللة، لقد أزيلت عنه المخاوف، من الذكريات السيئة. من يمكنه أن يطلب أكثر؟ في تلك اللحظة من حياته، كان هذا النوع من النسيان ما يتمناه هابارا أكثر من أي شيء آخر.

كانت شهرزاد في الخامسة والثلاثين من عمرها، تكبر هابارا بأربع سنوات، ربة منزل متفرغة ولها طفلان في المدرسة الابتدائية (ومع ذلك كانت أيضاً ممرضة مرخصة، وعلى ما يبدو كانت تستدعى للعمل بين الحين والآخر). كان زوجها ممثلاً نموذجياً لشركة. كان بيتهما على بعد عشرين دقيقة من بيت هابارا. هذه كانت كل المعلومات الشخصية التي قدمتها تقريباً. لم يكن لهابارا وسيلة للتأكد من أي منها، لكنه لم يتمكن من التفكير بأي مبرر للشك بها. هي لم تكشف عن اسمها أبداً. ” ليس لك حاجة بمعرفته، أليس كذلك؟ “سألت شهرزاد. وهي أيضاً لم تدعو هابارا باسمه أبداً، ولو أنها بالطبع تعرفه، لكنها تجنبت الاسم بحكمة واضحة، كما لو أنه سيجلب بطريقة ما النحس أو سيكون من غير المناسب أن تنبس به شفتاها.

ظاهرياً، على الأقل، لم يكن لشهرزاد هذه شيئا مشتركاً مع الملكة الجميلة في “ألف ليلة وليلة.”  كانت في طريقها إلى خريف العمر، وبالفعل كان لغداها وخطوط النسيج المحيط بزوايا عينيها آخذين بالتهدل. لم تكن تسريحة شعرها، زينتها، وطريقتها في اللباس تخلو من العناية تماماً، ولا كان من المحتمل أن تلقى أي إطراء أيضاً. لم تفتقر سماتها إلى الجاذبية لكن وجهها كان ينقصه الاهتمام، ولهذا كان الانطباع الذي تتركه مبهماً. وبالنتيجة، ربما لفتت انتباه هؤلاء الذين ساروا بمحاذاتها في الشارع، أو شاركوها المصعد نفسه قليلاً. ربما كانت قبل عشر سنوات امرأة شابة جذابة وحيوية، ربما تكون أيضاً قد جذبت انتباه بعض الأشخاص. في مرحلة ما بأية حال، أسدلت الستائر على ذلك الجزء من حياتها وبدا من غير المرجح أن ترفع ثانية.

كانت شهرزاد تأتي لرؤية هابارا مرتين أسبوعياً. لم تكن أيامها ثابتة، لكنها لم تأت أبداً في نهاية الأسبوع. لا شك أنها أمضت ذلك الوقت مع عائلتها. كانت تتصل دائماً قبل قدومها بساعة. تشتري الخضار من متجر محلي وتجلبها له بسيارتها، مازدا صغيرة زرقاء هاتشباك[1]. موديل قديم، كان فيها انبعاج في المصدّ الخلفي وعجلاتها كانت مسوَّدة بالسخام. تركنها في المساحة المخصصة للمنزل، ستحمل الحقائب إلى الباب الأمامي وترن الجرس. بعد النظر من ثقب الباب سوف يفتح هابارا القفل، ويحل السلسلة، ويدعوها للدخول. في المطبخ سوف تفرز الخضار وترتبها في الثلاجة. ومن ثم تضع قائمة بالأشياء التي يتوجب عليها شراؤها في الزيارة المقبلة. كانت تنجز هذه المهمات بمهارة، بالحد الأدنى من الحركات المهدرة، بالقليل من الكلام أثناء ذلك.

عندما تنتهي، سينتقلان معاً إلى غرفة النوم بصمت، كما لو أنهما محمولان إلى هناك على تيار غير مرئي. تخلع شهرزاد سريعاً ملابسها وتظل صامتة، منضمة إلى هابارا في السرير. هي بالكاد تتكلم في أثناء ممارستهما الحب، وأيضاً تؤدي كل فعل كما لو أنها تكمل مهمة. عندما كانت حائضة، استعملت يدها للوصول إلى النهاية نفسها. رشاقتها، بالأحرى أسلوبها العملي ذكر هابارا بأنها كانت ممرضة مرخصة.

بعد الجنس، يستلقيان في السرير ويتحدثان. بتعبير أكثر دقة، هي تتكلم وهو يصغي، مضيفاً كلمة مناسبة هنا، ويطرح سؤالاً عرضياً هناك. عندما تدق الساعة الرابعة والنصف تقطع قصتها لسبب ما، يبدو دوماً أنها قد وصلت للذروة)، تقفز من السرير، تلملم ثيابها، وتجهز نفسها للمغادرة. عليها الذهاب إلى البيت، تقول، لتحضير العشاء.

سيرافقها هابارا إلى الباب، ويعيد السلسلة إلى مكانها، ويراقب من خلال الستائر السيارة الصغيرة الزرقاء المكسوة بالسخام وهي تبتعد. عند الساعة السادسة، يصنع عشاءً بسيطاً ويتناوله بمفرده. لقد عمل مرة طاهٍ، لذا فتحضير الوجبات لم يكن بتلك الصعوبة.  يشرب مياه معدنية فوارة مع عشائه (هو لم يقرب الكحول أبداً) ويتبعه بكوب من القهوة، الذي يرتشفه أثناء مشاهدته فيلماً على قرص مضغوط DVD أو وهو يقرأ. لقد أحب الكتب الطويلة، ولا سيما تلك التي كان عليه أن يقرأها عدة مرات كي يفهمها. لم يكن هناك الكثير ليفعله. لم يكن لديه أحد يتحدث إليه. لا أحد ليتصل به. وليس عنده كمبيوتر، لم يكن لديه طريقة للوصول إلى الانترنت. ما من صحيفة تصله، ولم يشاهد التلفزيون أبداً. (لقد كان هناك سبباً وجيهاً لذلك.) وغني عن القول بأنه لم يكن بإمكانه الخروج. إذا ما كان على زيارات شهرزاد أن تتوقف لسبب ما فسيكون متروكاً وحيداً تماماً.

لم يكن هابارا شديد الانشغال بهذا الاحتمال، إذا ما حدث ذلك، فكر، سيكون صعباً، لكني سأتجاوزه. أنا لست متروكاً على جزيرة معزولة. لا، فكر، أنا جزيرة معزولة. كان كثيراً ما يرتاح في كونه وحيداً. ومع ذلك فقد كان التفكير في ألا يكون قادراً على التحدث في السرير مع شهرزاد هو ما يزعجه. أو بشكل أكثر دقة، تفويت الحلقة التالية من قصتها.
” لقد كنت ثعبان بحر في حياة سابقة،” قالت شهرزاد ذات مرة، وهما يضطجعان في السرير معاً. كان تعليقاً بسيطاً ومباشراً، مرتجلاً كما لو أنها قد أعلنت بأن القطب الشمالي كان في أقصى الشمال. لم يكن لدى هابارا أدنى فكرة عن أي نوع من المخلوقات كان ثعبان البحر، ناهيك عن شكل الواحد منها. ومن هنا لم يكن لديه رأي خاص في الموضوع.

هل تعرف كيف يأكل ثعبان البحر السلمون؟ سألت.

هو لا يعرف. في الواقع، لقد كانت المرة الأولى التي يسمع بها بأن ثعبان البحر يأكل السلمون.

ثعابين البحر ليس لها مخالب. هذا ما يميزها عن أنواع الحنكليس الأخرى.

ها؟ هل للحنكليس مخالب؟

ألم تلق بنظرة إلى واحد منها أبداً؟ قالت متفاجئة.

أنا آكل الحنكليس بين الحين والآخر لكن لم تتح لي الفرصة أبداً لأرى فيما إذا كان لديها مخالب.

حسناً عليك أن تتفحصها في وقت ما. اذهب إلى حوض الأسماك أو مكان ما من هذا القبيل. الحنكليس العادي له مخالب وأسنان. لكن ثعبان البحر ليس لديه سوى ممصات، التي تستعمل للالتصاق بالصخور عند قاع النهر أو البحيرة. ومن ثم يعوم هناك فقط، متموجاً جيئة وذهاباً مثل الأعشاب.

تخيل هابارا مجموعة من ثعابين البحر مثل الأعشاب في قاع البحيرة. بدا المشهد بطريقة ما منفصلاً عن الواقع، وبالرغم من أن الواقع الذي عرفه يمكن له أحياناً أن يكون غير واقعي بشكل فظيع.

تعيش ثعابين البحر بهذه الطريقة، مختفية بين الأعشاب. مستلقية في حالة انتظار. ومن ثم عندما يمر السلمون فوقها تنطلق مسرعة نحوه بممصاتها. في داخل ممصاتها هناك تلك الأشياء التي تشبه اللسان مع أسنان، التي تحتك جيئة وذهاباً على بطن السلمون إلى أن تفتح ثغرة فيه وبعدها يمكنها البدء بأكل اللحم شيئاً فشيئاً.

أنا لا أحب أن أكون سلموناً، قال هابارا.

في العصور الرومانية قاموا بتربية ثعابين البحر في برك، وتم رمي العبيد المتعجرفين فيها، لتتغذى عليها ثعابين البحر وهم أحياء.

فكر هابارا بأنه لن يستمتع في كونه عبداً رومانياً أيضاً.

كانت المرة الأولى التي رأيت فيها ثعبان بحر في المدرسة الابتدائية، في رحلة صف إلى حوض الأسماك، قالت شهرزاد. اللحظة التي قرأت فيها وصفاً لطريقة حياتهم، علمت بأني كنت واحدة في حياة سابقة. أقصد يمكنني حقيقة أن أتذكر-كوني مشدودة إلى صخرة، أتأرجح بشكل غير مرئي بين الأعشاب، أحدق بالسلمون السمين سابحاً من فوقي.

هل يمكنك تذكر أكلك لهم؟

لا، لا يمكنني.

هذا مريح، قال هابارا. لكن هل ذلك كل ما تتذكرينه من حياتك كثعبان بحر-تتأرجحين جيئة وذهاباً عند قاع النهر؟

لا يمكن استدعاء الحياة السابقة بتلك الطريقة تماماً، قالت. إذا كنت محظوظاً فإنك تحظى بومضة عما كانت عليه. إنها كالتقاط لمحة من ثقب صغير في الجدار. هل يمكنك تذكر أي من حيواتك السابقة؟

لا، ولا أي منها، قال هابارا. والحق يقال، هو لم يشعر أبداً بالرغبة في إعادة النظر في حياة سابقة. كان مشغولاً بالحياة الحالية.

ومع ذلك، فالحال يبدو أنيقاً جداً في قاع البحيرة، رأساً على عقب وفمي ملتصق بصخرة، أراقب السمك يعبر من فوق رأسي. رأيت حقيقة سلحفاة كبيرة تعض مرة، أيضاً، شكلاً أسود هائلاً يعبر مثل السفينة الفضائية الشريرة في حرب النجوم. وطيوراً كبيرة بيضاء بمناقير طويلة وحادة، من أسفل بدت مثل غيوم بيضاء تعوم عبر السماء.

وأنت بإمكانك رؤية كل هذه الأشياء الآن؟

واضحة وضوح النهار، قالت شهرزاد. الضوء، جذب التيار، كل شيء. أحياناً يمكنني أيضاً أن أعود إلى هناك في بالي.

فيم كنت تفكرين في ذلك الحين؟

نعم؟

بماذا يفكر ثعابين البحر؟

ثعابين البحر تفكر أفكاراً مشابهه لثعبان البحر. حول موضوعات شبيهة بالثعبان في سياق شديد الشبه بالثعبان.  ليس هناك كلمات تشرح هذه الأفكار. إنها تنتمي لعالم الماء. إنها تشبه عندما كنا في الرحم. كنا نفكر بأشياء هناك، لكن لا يمكننا التعبير عن تلك الأفكار باللغة التي نستعملها هنا. صح؟

انتظري ثانية! يمكنك تذكر ما كان الحال عليه في الرحم؟

بالتأكيد، قالت شهرزاد رافعة رأسها لترى فوق صدره. ألا يمكنك ذلك؟

لا، قال. ليس بإمكانه.

إذن سأخبرك في وقت ما عن الحياة في الرحم.

“شهرزاد، ثعبان بحر، حيوات سابقة” هذه ما سجله هابارا في يومياته ذلك اليوم. كان يشك بأن أحداً بإمكانه أن يخمن ما كانت تعنيه الكلمات إذا ما وقعت في يده.

التقى هابارا بشهرزاد أول مرة منذ أربعة أشهر. كان قد تم نقله إلى هذا المنزل في مدينة ريفية شمال طوكيو، وقد تم تعيينها له باعتبارها “علاقة داعمة”، طالما أنه لا يمكنه الخروج، كان دورها شراء المواد الغذائية وغيرها من المواد المطلوبة وجلبها إلى المنزل. هي أيضاً كانت تتبع أية كتب أو مجلات أعرب عن رغبته في قراءتها، وأية أقراص مدمجة أراد أن يستمع إليها. بالإضافة إلى ذلك فقد اختارت تشكيلة من أقراص الفيديو الرقمية-ولو أنه قد مر بوقت عصيب في قبول معاييرها في الاختيار على هذا الصعيد.

بعد وصوله بأسبوع، كما لو أنها كانت الخطوة التالية البديهية، أخذته شهرزاد إلى السرير. كان هناك واقيات ذكرية على الطاولة الجانبية لدى وصوله. هابارا خمن أن الجنس كان واحداً من الواجبات الموكلة إليها-أو ربما “نشاطات داعمة”، بحسب التعبير الذي استعملوه. أياً كان المصطلح، وأياً كانت دوافعها، فهو سيسير مع التيار فقبل عرضها من دون تردد.

لم تكن ممارستهما للجنس إلزامية تماماً، ولكن أيضاً لا يمكن القول بأن قلوبهما كانت كلياً فيها. هي بدت أنها على أهبة الاستعداد خشية أن يزداد حماسهما-تماماً مثل معلم القيادة الذي لا يرغب لطلابه أن يكونوا متحمسين كثيراً بشأن قيادتهم. وأيضاً في حين لم تكن ممارسة الحب ما قد تسميه شغفاً، لم تكن بالكامل شبيهة بالعمل، أيضاً. ربما بدأت كواحدة من واجباتها (أو على الأقل كشيء ما كان مشجعاً بشكل قوي) لكن عند حد معين بدت، وإن فقط بشكل صغير، أنها وجدت نوعاً من المتعة فيها. تمكن هابارا من معرفة ذلك عبر عدة طرق محددة دقيقة كان جسدها يستجيب من خلالها، التجاوب الذي أبهجه أيضاً. في النهاية هو لم يكن حيواناً برياً مزروباً في قفص، لكن انساناً مزوداً بحصته من العواطف. والجنس لغرض التفريغ الجسدي لوحده، كان بالكاد يؤديه. كذلك إلى أي حد رأت شهرزاد علاقتهما الجنسية كواحدة من واجباتها وكم تنتمي فعلتها إلى دائرة حياتها الشخصية؟ لم يستطع أن يعرف.

هذا كان ينطبق على الأشياء الأخرى أيضاً. كثيراً ما وجد هابارا صعوبة في تفسير شعور شهرزاد ومقاصدها. على سبيل المثال، كانت تلبس سراويل تحتية من القطن العادي معظم الوقت، النوع من السراويل الذي تخيل أن ربات البيوت كن يرتدينه في ثلاثينياتهن دوماً، ولو أن هذا كان تخميناً صرفاً حيث لم يكن لديه معرفة بربات بيوت من ذلك العمر. بعد عدة أيام بأية حال، تحولت إلى السراويل التحتية الملونة وتلك التي من الحرير المزركش، لماذا بدلت بين الاثنين لم يكن لديه فكرة.

كان الأمر الآخر الذي أربكه، واقعة أن ممارستهما للحب وروايتها للقصص كانتا مرتبطتين بشكل وثيق. ما جعل من الصعب معرفة أين تنتهي الواحدة وأين تبدأ الأخرى. هو لم يجرب أبداً أي شيء من هذا قبلاً: وبالرغم من أنه لم يحبها والجنس كان بين بين، هو كان مرتبطاً بدنياً بها بشدة، كان كل شيء محيراً بعض الشيء.

كنت مراهقة عندما بدأت اقتحام البيوت الفارغة، قالت في أحد الأيام وهما مستلقيان في السرير.

هابارا-كما كان حاله غالباً عندما تروى له القصص-وجد نفسه تعوزه الكلمات.

هل اقتحمت أبداً بيت شخص ما؟ سألت.

لا أظن ذلك، أجاب بصوت جاف.

افعلها مرة ولسوف تدمن.

لكنه عمل غير قانوني.

أنت على حق إنه خطر، لكنك تظل مدمناً مع ذلك.

انتظر هابارا بهدوء حتى تكمل.

أروع شيء في كونك في منزل شخص آخر عندما لا يكون هناك أحد، قالت شهرزاد، إنه كما ينبغي للصمت أن يكون. ما من صوت. مثل أكثر الأمكنة هدوءاً في العالم. هذا ما شعرت به بأية حال، عندما جلست على الأرض وبقيت ساكنة تماماً، حياتي كثعبان بحر عادت إلي. أخبرتك عن كوني ثعبان بحر في حياة سابقة، صح؟

نعم لقد فعلت.

لقد كانت تماماً مثل ذلك. ممصاتي التصقت بالصخرة تحت الماء وجسدي كان يتموج جيئة وذهاباً مثل الأعشاب من حولي. كل شيء هادئ تماماً. ولو أن ذلك قد كان لأنني لا أملك أذنين. في أيام مشمسة، سقط ضوء من السطح كالسهم. انجرفت أسماك من كل الألوان والأشكال من الأعلى. وكان عقلي فارغاً من الأفكار. أقصد، بطريقة أخرى أفكار ثعبان البحر. كان غائماً ولكن صافياً جداً. كان ليكون مكاناً رائعاً.

كانت أول مرة اقتحمت فيها شهرزاد منزلاً، تلميذة مستجدة في المدرسة الثانوية، كما أوضحت، وكانت مفتونة افتتاناً جدياً بزميل لها في الصف. ولو أنه لم يكن من النوع الذي بإمكانك أن تسميه وسيماً، كان طويلاً وواضح الملامح، كان طالباً مجتهداً يلعب في فريق كرة القدم، وكانت منجذبة إليه بقوة. لكنه على ما يبدو كان معجباً بفتاة أخرى في صفهما ولم يمنح شهرزاد أي اهتمام. في الواقع، من الممكن أنه كان غافلاً عن وجودها. وبرغم ذلك، لم تستطع أن تتوقف عن التفكير به. كانت مجرد رؤيتها له تبهرها، شعرت أحياناً أنها على وشك أن تتقيأ. إذا لم تفعل شيئاً إزاء ذلك، فكرت. فأنها قد تصاب بالجنون.  لكن الاعتراف بحبها كان أمراً مستبعداً.

في أحد الأيام، هربت شهرزاد من المدرسة وراحت إلى منزل الفتى. كان على بعد حوالي خمسة عشرة دقيقة سيراً على الأقدام من المكان الذي كانت تسكنه. كانت قد بحثت في حالة عائلته مسبقاً. أمه تدرس اللغة اليابانية في مدرسة في بلدة مجاورة. والده، الذي كان يعمل في شركة إسمنت، قتل في حادث سيارة منذ عدة سنوات. كانت أخته طالبة مستجدة في المرحلة الإعدادية. هذا يعنى أن المنزل لا بد أن يكون فارغاً خلال النهار.

من غير المستغرب أن الباب الأمامي كان مقفلاً. تفقدت شهرزاد تحت البساط بحثاً عن المفتاح. كما هو متوقع كان هناك واحداً. المجتمعات السكنية الهادئة في المدن الريفية مثل مدينتهم قلت فيها الجريمة، وكان كثيراً ما يترك مفتاح احتياطي تحت حصيرة أو تحت أصيص للنبات.

لتكون في مأمن، رنت شهرزاد الجرس، منتظرة لتتأكد من أنه ما من رد، تفحصت الشارع فيما لو كانت مراقبة، فتحت الباب، ودخلت. أغلقت الباب ثانية من الداخل. خالعة حذاءها، وضعته في كيس بلاستيكي وحشرته في حقيبة ظهرها. ومن ثم صعدت الدرج برفق نحو الطابق الثاني.

كانت غرفة نومه هناك، كما تصورت. كان سريره مرتباً بإتقان. كان هناك على رف الكتب مسجلة صغيرة، مع بضعة أقراص مدمجة. على الجدار، كان هناك روزنامة عليها صورة لفريق برشلونة لكرة القدم، وبالقرب منها ما بدا أنه يشبه علماً لفريق، ولا شيء آخر. ما من ملصقات، لا صور، فقط جدار ملون بلون قشدي. ستارة بيضاء معلقة أعلى النافذة. كانت الغرفة مرتبة، كل شيء في مكانه. ما من كتب مبعثرة، ما من ثياب على الأرض. تشهد الغرفة على شخصية ساكنها شديدة التدقيق. أو أيضاً على أم حافظت على منزل مثالي. أو على كليهما. مما جعل شهرزاد متوترة. إذ لديها غرفة مهملة، ما من أحد يمكن أن يلحظ الفوضى القليلة التي قد تصنعها. ولكن في نفس الوقت نظافة الغرفة الشديدة وبساطتها، ترتيبها المثالي، جعلتها سعيدة. لقد كانت تشبهه كثيراً.

أنزلت شهرزاد نفسها في كرسي المكتب وجلست هناك لفترة. هذا هو المكان الذي يدرس فيه كل ليلة، فكرت، خفق قلبها.  التقطت الأدوات على المكتب واحداً بعد الآخر، جمعتهم بين أصابعها، اشتمتهم، قربتهم من شفتيها. أقلامه، مقصاته، مسطرته، دباسته-الأشياء الأكثر دنيوية أصبحت بطريقة ما مشعة لأنها كانت له.

فتحت أدراج المكتب وتفحصت بحذر محتوياتها. كان الدرج الأعلى مقسماً إلى أقسام، كل منها احتوى على أشياء متناثرة وتذكارات. الدرج الثاني كان جاروراً صغيراً يكاد يكون ممتلئاً بدفاتر الملاحظات للدروس التي كان يأخذها في الوقت الحالي، في حين الدرج الذي في الأسفل (الدرج الأكثر عمقاً) كان ممتلئاً بمجموعة متنوعة من الصحف القديمة، الدفاتر، والامتحانات. تقريباً كل شيء كان متعلقاً بالمدرسة أو بكرة القدم.  كانت قد تمنت أن تعثر على شيء ما شخصي-يوميات، ربما، أو رسائل-لكن المكتب لم يكن عليه شيء من هذا القبيل. ولا حتى صورة. هذا صدم شهرزاد قليلاً باعتباره غير طبيعي إلى حد ما. ألم يكن لديه حياة بعيداً عن المدرسة وكرة القدم؟ أو أنه أخفى بحذر كل شيء من طبيعة خاصة، حيث لا يمكن لأحد العثور عليه؟

ومع ذلك، مجرد الجلوس إلى مكتبه وتمرير عينيها على كتابات بخط يده أثر بشهرزاد بما يعجز الوصف عنه. من أجل أن تهدئ من روعها، نهضت من على الكرسي وجلست على الأرض. نظرت إلى الأعلى نحو السقف. الهدوء المحيط بها كان مطلقاً. بهذه الطريقة عادت إلى عالم ثعابين البحر.

إذن كل ما فعلته، سأل هابارا، كان الدخول إلى غرفته، والمرور بأشيائه، والجلوس على الأرض؟

لا، قالت شهرزاد. كان هناك المزيد. رغبت في أخذ شيء ما أشيائه معي إلى البيت. شيء ما يستعمله كل يوم أو شيء ما قريب من جسده. لكن لم يكن ممكناً أن يكون شيئاً مهماً قد يفتقده. لذا فقد سرقت واحداً من أقلامه.

قلم واحد؟

نعم. القلم الذي كان يستعمله. لكن السرقة لم تكن كافية. كان من شأن ذلك أن يجعل منها حالة سطو واضحة. واقعة أنني قمت بذلك ستكون خاسرة. لقد كنت لص حب في آخر الأمر.

لص حب؟ لقد بدا لهابارا كعنوان لفيلم صامت.

لذا فقد قررت أن أترك شيئاً ما خلفي في بيته، علامة من نوع ما. كدليل على أني كنت هناك. توضيح أن هذا كان تبادلاً، وليست مجرد سرقة. لكن ما ذا ينبغي أن يكون؟ لم يخطر في بالي شيء. بحثت في حقيبة ظهري وجيوبي لكني لم أتمكن من ايجاد أي شيء مناسب. ضربت نفسي لأني لم أفكر بجلب شيء ما مناسب. أخيراً، قررت أن أترك سدادة قطنية[2]. واحدة غير مستعملة، بالطبع، لا تزال في غلافها البلاستيكي. كانت دورتي الشهرية تقترب لذا فقد كنت أحملها معي لأكون في مأمن. أخفيتها في آخر الدرج السفلي، حيث سيكون من الصعب إيجادها. هذا حقيقة أثر بي. حقيقة أن السدادة كانت مكنوزة في درج مكتبه. ربما لأني كنت مستثارة ما جعل دورتي تبدأ تقريباً بعد ذلك حالاً.

سدادة مقابل قلم، فكر هابارا. ربما ذلك كان ما عليه تدوينه في يومياته ذلك اليوم: ” لص حب، قلم، سدادة قطنية.”  سيود أن يرى ماذا سيفعلون بذلك!

لقد كنت هناك في بيته نحو ما يقارب خمسة عشر دقيقة. لم أستطع البقاء مدة أطول من ذلك: قد كانت تجربتي الأولى في التسلل إلى منزل، وكنت خائفة من دخول أي شخص أثناء وجودي هناك. تفحصت الطريق لأتأكد من أن المنحدر كان فارغاً، انزلقت من الباب، أقفلته وأعدت المفتاح إلى مكانه تحت البساط. ومن ثم ذهبت إلى المدرسة. وأنا أحمل قلمه الثمين.

صمتت شهرزاد. وعلى ما يبدو، أنها عادت في الزمن وكانت تتصور أشياء عديدة حصلت فيما بعد، واحدة فأخرى.

ذلك الأسبوع كان الأسعد في حياتي، قالت بعد توقف طويل. خربشت أشياء عشوائية في دفتري بقلمه. شممته، قبلته، مسحت خدي به، دحرجته بين أصابعي. حتى أني وضعته في فمي أحياناً وقمت بمص رأسه. بالطبع، آلمني أني كلما كتبت به أكثر سيصبح أقصر، لكني لم أستطع منع نفسي. إذا ما صار قصيراً، فكرت، يمكنني دائماً العودة والحصول على آخر. كان هناك مجموعة كاملة من أقلام مستعملة في حاملة الأقلام على مكتبه. هو لن يكون لديه فكرة عن فقدان أحدها.  وهو ربما لم يجد بعد السدادة القطنية المحشورة في درجه. تلك الفكرة أثارتني بلا حدود-لقد منحتني إحساساً غريباً قلقاً. لم يعد يؤرقني بعد الآن أنه في العالم الحقيقي لم ينظر إليَّ أبداً أو لم يظهر ما ينبي بأنه كان حتى مدركاً لوجودي. لأني أنا سراً أمتلك شيئاً منه-جزءً منه، كما كان.

بعد عشرة أيام، هربت شهرزاد من المدرسة مجدداً وقامت بزيارة ثانية إلى منزل الفتى. كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً. كما من قبل، التقطت المفتاح من تحت البساط وفتحت الباب. ثانية، كانت غرفته في ترتيب لا تشوبه شائبة. بادئ ذي بدء، اختارت قلماً مستعملاً كثيراً مهملاً، وبحذر وضعته في حقيبة أقلامها. ومن ثم استلقت بحذر شديد على سريره، يداها مشبوكتان على صدرها، ونظرت إلى السقف. هذا كان السرير الذي ينام عليه كل ليلة. زادت الأفكار من خفقان قلبها، ووجدت من الصعب أن تتنفس بشكل طبيعي. لم تكن رئتاها تمتلئان بالهواء وحنجرتها كانت جافة كعظم، جاعلة من كل نفس مؤلماً.

نهضت شهرزاد من على السرير، رتبت الأغطية، وجلست على الأرض، كما فعلت في زيارتها الأولى. نظرت مجدداً إلى السقف. أنا لست مستعدة تماماً لسريره، قالت لنفسها. هذا لا يزال أكثر من اللازم للقيام به.

في هذه المرة، أمضت شهرزاد نصف ساعة في المنزل. سحبت دفاتر ملاحظاته من الدرج ونظرت فيها. وجدت تقريراً عن كتاب وقرأته. كان عن رواية “كوكورو” لسوزكي ناتسومي، وظيفة القراءة لذلك الصيف. كان خط يده جميلاً، كما هو متوقع من طالب متفوق، ليس هناك خطأ أو سهو في أي مكان.  كانت الدرجة عليه ممتاز.  ماذا يمكن أن تكون غير ذلك؟ أي معلم سيقابل بفن الخط بذلك الكمال سوف يمنحه تلقائياً درجة ممتاز، سواء أزعج نفسه بقراءة سطر واحد أم لم يفعل.

انتقلت شهرزاد إلى خزانة الأدراج، متفحصة محتوياتها بالترتيب. ثيابه الداخلية، وجواربه. قمصانه وبناطليه. لباسه الخاص بكرة القدم. كانت كلها مطوية بإتقان. لا شيء ملطخ أو مهترئ. هل هو من قام   بطيها؟ أو ربما على الأرجح ، أن أمه قد قامت بذلك من أجله؟ شعرت بوخز من الغيرة تجاه أمه، التي يمكنها أن تقوم بتلك الأشياء من أجله كل يوم.

انحنت شهرزاد واشتمت الثياب في الأدراج. كانت كلها لها رائحة الغسيل المنعشة وعبق الشمس. أخرجت قميصاً ذي لون رمادي خالص، فردته وضغطته على وجهها. ألا يمكن أن تكون نفحة من عرقه بقيت تحت الذراعين؟ لكن لم يكن هناك شيئاً. ومع ذلك، أبقته هناك لبعض الوقت، تستنشقه بأنفها. لقد أرادت أن تبقي القميص لنفسها. لكن ذلك سيكون مخاطرة كبيرة. كانت ثيابه مرتبه ومثبتة بدقة كبيرة. ربما يعرف هو (أو أمه) العدد الدقيق لقمصانه في الدرج. إذا ما فقد أحدها، قد تثار ضجة كبيرة.  أعادت شهرزاد بحذر طي القميص ووضعته في مكانه الصحيح. بدلاً منه، أخذت شارة صغيرة شكلها يشبه كرة القدم وجدت في درج من أدراج المكتب. بدا أنها تعود لفريق من سنوات مدرسته الابتدائية، شكت أنه سيفتقدها. أو على أقل تقدير، سيمر وقت قبل أن يلحظ غيابها، وبينما كانت عنده، تفحصت الدرج السفلي للمكتب بحثاً عن السدادة القطنية. كانت لا تزال هناك.

حاولت أن تتخيل ما قد يحصل إذا ما اكتشفت والدته السدادة. ماذا ستفكر؟ هل ستطلب منه شرحاً عما تفعله السدادة في مكتبه؟ أو أنها ستحفظ سر اكتشافها مدورهً شكوكها المظلمة في رأسها مراراً وتكراراً، لم يكن لدى شهرزاد أي فكرة. لكنها قررت أن تدع السدادة حيث كانت، ففي النهاية لقد كانت فعلتها الأولى.

لتحيي ذكرى زيارتها الثانية، تركت شهرزاد خلفها ثلاث ضفائر من شعرها. كانت قد انتزعتها في الليلة السابقة، ولفتها في ورقة بلاستيكية، ووضعتها في مغلف صغير. الآن أخذت المغلف من حقيبة ظهرها، زلقته في واحد من دفاتر الرياضيات القديمة في درجه. كانت الشعرات الثلاث مستقيمة وسوداء متوسطة الطول. ما من أحد سيعرف لمن تعود بدون إجراء فحص الحمض النووي، ولو أنه كان واضحاً أنها تعود لفتاة.

غادرت منزله وتوجهت مباشرة إلى المدرسة، لتصل في الوقت المناسب إلى صفها الأول ذلك الأصيل. مرة ثانية، كانت مسرورة لمدة ما يقارب عشرة أيام. شعرت بأنه أصبح يخصها بشكل أكبر. لكن كما قد تتوقع، هذه السلسلة من الأحداث لن تنتهي بدون حادث طارئ لأنه كما قالت شهرزاد، التسلل إلى بيوت الآخرين يسبب الإدمان بشكل كبير.

عند هذه المرحلة في القصة شهرزاد ألقت بنظرة على الساعة التي بجانب السرير ورأت أنها كانت الساعة 4:32 من بعد الظهر. عليَّ الذهاب، قالت. كما لو أنها تحدث نفسها. قفزت من السرير وارتدت سروالها الداخلي الأبيض، علقت حمالة صدرها، وانزلقت في بنطالها الجينز، وجذبت قميصها النيلي اللون من ماركة NIKE من رأسها، ومن ثم غسلت يديها في الحمام، سرحت شعرها بفرشاة، وانطلقت بسيارتها المازدا الزرقاء. متروكاً بلا شيء لفعله على وجه الخصوص، استلقى هابارا في السرير وأنعم النظر في القصة التي أخبرته إياها لتوها، مستمتعاً بها شيئاً فشيئاً، مثل بقرة تجتر طعامها. أين كانت متجهة؟ تساءل. كما مع كل قصصها، لم يكن لديه فكرة. وجد أنه من الصعب تصور شهرزاد طالبة في المدرسة الثانوية. هل كانت نحيلة حينها، خالية من التهدلات التي تحملها اليوم؟ لباس مدرسي، جوارب بيضاء، شعرها مجدول؟

لم يكن يشعر بعد بالجوع، لذا فقد أجل تحضير الطعام وعاد إلى الكتاب الذي كان يقرأه، لكن ليجد أنه لا يستطيع التركيز. صورة شهرزاد تتسلل إلى غرفة زميلها في الصف وتدفن وجهها في قميصه كانت طازجة جداً في عقله. كان متشوقاً إلى سماع بقية القصة.

كانت زيارة شهرزاد التالية إلى المنزل بعد ثلاثة أيام، بعد أن انقضت عطلة نهاية الأسبوع. كما دوماً، أتت تحمل أكياساً كبيرة ورقية متخمة بالمؤن. راحت خلل الأغذية في الثلاجة، معيدة كل المنتهية الصلاحية، وتفحصت السلع المعلبة والزجاجات في الخزانة، ومتفحصة المؤونة من البهارات والتوابل، لترى ما الذي على وشك النفاذ، وكتبت قائمة التسوق. وضعت بعض زجاجات مياه معدنية في الثلاجة لتبرد. أخيراً، كومت بعض الكتب الجديدة وأقراص الفيديو التي جلبتها معها على الطاولة.

هل هناك شيء آخر تحتاجه أو تريده؟

لا يمكنني التفكير بأي شيء، أجاب هابارا.

ثم كما في كل مرة، ذهب الاثنان إلى السرير ومارسا الجنس. بعد قدر مناسب من المداعبات، زلق واقيه الذكري، وولجها، وبعد قدر مناسب من الوقت، قذف. بعد الإلقاء بنظرة محترفة على محتويات واقيه، بدأت شهرزاد بالدفعة الأخيرة من قصتها.

كما من قبل، شعرت بسعادة وامتلاء لمدة عشرة أيام بعد تسللها الثاني. أخفت شارة كرة القدم بعيداً في حقيبة أقلامها ومن وقت لآخر كانت تتحسسها أثناء الدرس. قضمت القلم الذي أخذته ولحست رأسه. طوال الوقت كانت تفكر بغرفته. فكرت بمكتبه، السرير حيث ينام، خزانة الأدراج المحشوة بثيابه، سراويله القصيرة الناصعة البياض، والسدادة والثلاث ضفائر التي أخفتها في درجه.

لقد فقدت كل اهتمام بوظائفها المدرسية. في الصف، أيضاً عبثت بالشارة وبالقلم وانغمست في أحلام اليقظة. عندما تعود إلى البيت، لم تكن في حالة ذهنية مناسبة لحل وظائفها. لم تكن علامات شهرزاد المدرسية تعاني من مشكلة أبداً. لم تكن طالبة متفوقة لكنها كانت فتاة جدية تنجز مهامها دوماً. لذا فعندما نادى عليها معلمها في الصف لم تكن قادرة على تقديم جواب ملائم، كان مشوشاً أكثر مما هو غاضب. أخيراً، دعاها إلى غرفة المعلمين أثناء استراحة الغداء. ماهي المشكلة. سألها. هل هناك ما يزعجك؟ استطاعت فقط أن تهمهم بشيء مبهم عن شعورها بأنها ليست على ما يرام. سرها كان ثقيلاً جداً ومظلماً بحيث لن تتمكن من كشفه إلى أي كان-كان عليها أن تحمله وحدها.

عليَّ أن أواصل التسلل إلى منزله، قالت شهرزاد. كنت مضطرة إلى ذلك. كما يمكنك أن تتخيل، لقد كان خطراً جداً. حتى أنا يمكنني رؤية ذلك. عاجلاً أم آجلاً، شخص ما سيجدني هناك وسيتم استدعاء الشرطة، الفكرة أخافتني حتى الموت لكن ما أن بدأت الكرة بالتدحرج لم يكن هناك من طريقة لإيقافها. بعد مرور عشرة أيام من زيارتي الثانية، رحت إلى هناك مجدداً لم يكن لدي خيار. شعرت بأني إذا لم أفعل سأنتهي نهاية قاتمة. إذا عدنا الى الوراء، أظن حقيقة أنني كنت مجنونة بعض الشيء.

ألم يتسبب لك هذا بمشاكل في المدرسة، الهرب من الصف غالباً؟ سأل هابارا.

كان لوالدي عملهما، لذا فقد كانا منشغلين جداً عن منحي كبير اهتمام. لم أتسبب أبداً بأية مشكلة من قبل، لم أتحدَّ سلطتهما مطلقاً. فبالتالي حسبا أن نهج عدم التدخل كان أفضل.  تزييف الملاحظات إلى المدرسة كان جزءاً من المهمة. لقد شرحت لمعلمي أن لدي مشكلة صحية تتطلب مني قضاء نصف اليوم في المستشفى من وقت لآخر. طالما أن المعلمين كانوا يجهدون فكرهم فيما عليهم فعله تجاه الأولاد الذين يتغيبون عن المدرسة لوقت طويل فلم يكونوا منشغلين كثيراً بقضائي نصف يوم من حين لآخر.

رمت شهرزاد بنظرة سريعة على الساعة بجانب السرير قبل أن تكمل.

أخذت المفتاح من تحت البساط ودخلت المنزل للمرة الثالثة. لقد كان هادئاً كما من قبل-لا، حتى أكثر هدوءً لسبب ما. لقد أُثرتُ عندما دارت الثلاجة-لقد بدت مثل وحش كبير يتنهد. رن الهاتف عندما كنت هناك. كان صوت الرنين عالياً جداً ومزعجاً حتى فكرت أن قلبي سيتوقف. كنت مكسوة بالعرق. ما من أحد رد بالطبع، وتوقف بعد حوالي عشر رنات، وصار المنزل أكثر هدوءً بعدئذ.

أمضت شهرزاد وقتاً طويلاً ممددة على سريره ذلك اليوم. لم يخفق قلبها هذه المرة بعنف شديد، وكانت قادرة على التنفس بشكل طبيعي. استطاعت أن تتخيله نائماً في سلام بجانبها، وتشعر أيضاً كما لو أنها كانت ترقبه وهو نائم. لقد شعرت بذلك، إذا ما مدت يدها فبإمكانها أن تلمس ذراعه المفتول. هو لم يكن هناك بالقرب منها، بالطبع. كانت مستغرقة فقط في غشاوة أحلام اليقظة.

لقد شعرت بتوق لا يقاوم في أن تشمه. نهضت من السرير ومشت نحو خزانة الأدراج، فتحت واحداً، وتفحصت القمصان في الداخل. كانت كلها مغسولة ومطوية بعناية. كانت نقية وخالية من الرائحة تماماً مثلما كانت سابقاً.

ومن ثم أعجبتها الفكرة. ركضت تهبط الدرج إلى الطابق الأول. هناك في الغرفة بجانب الحمام، وجدت سلة الغسيل وأزالت الغطاء، كانت الثياب المتسخة مختلطة معاً لأفراد العائلة الثلاثة، الأم، الابنة، والابن. مظهرها يوحي أنه مضى عليها يوم واحد. أخرجت شهرزاد قطعة ثياب رجالية. قميصاً أبيض بياقة بحار. تنشقته. رائحة الشاب واضحة. نفس العفونة التي اشتمتها من قبل عندما كان رفيقها بالقرب منها. ليس العطر المتألق بالتأكيد. لكن حقيقة أن هذه الرائحة كانت له جعلت شهرزاد في فرح لا حد له. عندما وضعت أنفها بالقرب من الابطين واشتمت، شعرت كما لو أنها كانت في حضنه، ذراعاه تلفانها بشدة.

القميص في يدها، صعدت شهرزاد الدرج إلى الطابق الثاني واستلقت على سريره مرة ثانية. دفنت وجهها في قميصه وتنشقته بطمع. أمكنها في ذلك الوقت أن تشعر بإحساس خائر في الجزء السفلي من جسدها. كانت حلمتاها تتصلبان أيضاً. هل يمكن أن دورتها الشهرية في الطريق؟ لا، لقد كان الوقت مبكراً جداً. هل كانت هذه رغبة جنسية؟ إذا كانت كذلك إذن ماذا بإمكانها أن تفعل حيالها؟ لم يكن لديها فكرة. كان أمراً واحداً بالتأكيد، مع ذلك-لم يكن بالإمكان فعل شيء في ظل هذه الظروف. ليس هنا في غرفته على سريره.

في النهاية، قررت شهرزاد أن تأخذ القميص معها. كانت مخاطرة، بالتأكيد. كان من المحتمل أن تكتشف أمه اختفاء القميص. حتى لو لم تدرك أنه مسروق، ستظل تتساءل عن غيابه. أي أم تحافظ على نظافة منزلها بهذا الشكل، كان لا بد أن تكون موسوسه من الدرجة الأولى بالأناقة. عندما يفقد شيء، ستبحث في المنزل من الأعلى إلى الأسفل، مثل كلب الشرطة، حتى تجده. بلا شك ستكتشف آثار شهرزاد في غرفة ابنها الغالي. لكن حتى ومع فهم شهرزاد لذلك، لم ترغب أن تنفصل عن القميص. عقلها كان عاجزاً عن إقناع قلبها.

وبدلاً من ذلك، بدأت بالتفكير بما عليها أن تترك خلفها. بدا سروالها الداخلي الخيار الأفضل. كان من نوع عادي، بسيطاً، جديد نسبياً، ونضراً في صباح ذلك اليوم. كان باستطاعتها أن تخفيه في الخلف جداً من خزانته. هل من الممكن أن يكون هناك أي شيء أكثر ملائمة لتركه كبديل؟ لكن عندما خلعته كان المنشعب رطباً. أظن أن هذا بسبب الرغبة، أيضاً، فكرت. سيكون من الصعب ترك شيء ما ملوث برغبتها في غرفته. لن تهين سوى نفسها. لبسته مجدداً وبدأت بالتفكير بشيء آخر تتركه.

قطعت شهرزاد قصتها. لوقت طويل لم تقل كلمة. استلقت هناك تتنفس بهدوء وعيناها مغمضتان. إلى جانبها هابارا، اقتدى بها منتظراً منها أن تتابع.

أخيرا فتحت عينيها وتكلمت. هيه سيد هابارا، قالت. لقد كانت المرة الأولى التي تخاطبه فيها باسمه.

نظر هابارا إليها.

هل تفكر أنه باستطاعتنا أن نفعلها مرة ثانية؟

أظن أنه بإمكاني تدبر ذلك، قال.

لذا فقد مارسا الحب ثانية. ولو أنه هذه المرة كان مختلفاً جداً عن المرة السابقة. عنيفاً، شغوفا ومطولاً. كانت نشوتها في النهاية لا لبس فيها. سلسلة من تشنجات قوية تركتها ترتجف. حتى وجهها كان مقلوباً. بالنسبة لهابارا كان مثل التقاط لمحة موجزة عن شهرزاد في شبابها: كانت المرأة بين ذراعيه الآن فتاة مشوشة بعمر سبعة عشر عاماً، من أصبحت بطريقة ما واقعة في فخ الجسد الذي لربة بيت بعمر الخامسة والثلاثين. استطاع هابارا أن يشعر بها هناك، عيناها مغمضتان، جسدها يرتعد، تستنشق عطر قميص الفتى المبتل بالعرق ببراءة.

هذه المرة، لم ترو له شهرزاد قصة بعد الجنس.  ولم تتفحص محتوى الواقي الذكري. استلقيا هناك بهدوء جنباً إلى جنب. كانت عيناها مفتوحتين باتساع، وكانت تحدق إلى السقف مثل ثعبان البحر الذي يحدق إلى أعلى نحو السطح البراق للماء. كم سيكون رائعاً، فكر هابارا، إذا ما استطاع هو أيضاً أن يسكن زماناً ومكاناً آخرين. تاركاً هذا الكائن الوحيد، المحدد بوضوح، المسمى نوبوتاكا هابارا خلفه، ويصبح ثعبان بحر بلا اسم.  تصور نفسه وشهرزاد جنباً إلى جنب، ممصاتهما ملتصقة بالصخرة، أجسادهما تتموج في التيار، محدقين بالسطح وهما ينتظران مرور السلمون السمين وهو يسبح معتداً بنفسه.

إذن فما الذي تركته بدلاً عن القميص، هابارا كسر الصمت.

لم تجب في الحال.

لا شيء، قالت أخيراً. لا شيء آخذه معي يمكن أن يضاهي ذلك القميص برائحته. لذا فقد أخذته فقط وتسللت خارجة. وفي هذا الوقت صرت لصة، نقية وبسيطة.

عندما عادت شهرزاد بعد أحد عشر يوماً إلى منزل الفتى للمرة الرابعة، كان هناك قفلاً جديداً على الباب الأمامي، بلون ذهبي يلتمع في شمس الظهيرة كما لو أنه يتباهى بثباته العظيم. ولم يكن هناك مفتاح تحت البساط.  من الواضح أن شكوك أمه قد استثيرت بفقدان القميص، هي لا بد أنها بحثت في كل مكان، مصادفة إشارات أخرى تخبر عن شيء ما غريب يجري في منزلها. غرائزها كانت سديدة، رد فعلها سريع.

كانت شهرزاد بالطبع مخيبة بهذا التطور، لكن في الوقت نفسه شعرت بأنها مرتاحة. لقد كان كما لو أن شخصاً وقف خلفها ومحا ثقلاً كبيراً عن كاهليها. هذا يعني أنه ليس عليَّ اقتحام هذا المنزل، فكرت. لم يكن هناك شك بأنه لو لم يتم تغيير القفل، فإن اجتياحاتها ستتواصل بلا حدود. ولا كان هناك أي شك بأن تصرفاتها ستتصعد مع كل زيارة. أخيراً، سيظهر عضو من العائلة وهي في الطابق الثاني.  وسوف لن يكون هناك وسيلة للهرب، ما من طريقة لتخرج نفسها من ورطتها، هذا كان المستقبل الذي ينتظرها عاجلاً أم آجلاً، بالنتيجة ستكون مدمرة. الآن استطاعت تفاديه، ربما عليها أن تشكر أمه -ولو أنها لم تلتق المرأة أبداً-لأن لها عينين كعيني الصقر.

كانت شهرزاد تتنشق شذا قميصه في كل ليلة قبل أن تأوي إلى السرير. تنام وهو بالقرب منها.  تغطيه بورقة وتخفيه قبل أن تغادر إلى المدرسة في الصباح. ومن ثم بعد العشاء، تجذبه لتلامسه وتتنشقه. لقد قلقت من أن رائحته قد تتلاشى مع مرور الأيام، لكن هذا لم يحصل، رائحة عرقه تخللت القميص جيداً.

الآن والمزيد من الاقتحامات لم تعد واردة، بدأت حالة شهرزاد العقلية بالعودة ببطء إلى طبيعتها. وصارت تحلم أحلام اليقظة في الصف بشكل أقل، وبدأت بتدوين كلمات معلمها. مع أن تركيز ها الرئيسي لم يكن على صوت معلمها، لكن على سلوك زميلها. أبقت عينها مدربة بتحفظ عليه، محاولة تتبع التغيير، أي إشارة على الإطلاق قد تبدو عصبية نحو شيء ما. لكن كل شيء كان كما عهدته، يرمي برأسه إلى الخلف ويضحك ببساطة كما كان دائماً، ويجيب فوراً عندما يستدعى، يصيح بصوت عال في تمرين كرة القدم ويتعرق.  لم تستطع أن تقتفي أثر أي شيء غير عادي-ليس سوى شاب مستقيم يعيش حياة صافية كما يظهر.

ومع ذلك عرفت شهرزاد ظلاً واحداً كان يهدده. أو شيئاً ما قريباً من ذلك. لم يعرفه أحد آخر على الأرجح. فقط هي (ولنفكر فيه، ربما أمه). صادفت في ثالث تسلل لها عدداً من المجلات الإباحية مخفية ببراعة في أقصى مكان في خزانته. كانت ملأى بصور لنساء عاريات، يفردن سيقانهن ويوفرن مشاهداً سخية لأعضائهن.  بعض الصور مثلت العملية الجنسية: رجال يدخلون قضبانهم الطويلة في أجساد الإناث في أكثر الوضعيات غرابة. لم تقع عينا شهرزاد أبداً على صور مثل هذه من قبل. جلست إلى مكتبه وقلبت ببطء صفحات المجلات متفحصة كل صورة باهتمام كبير. خمنت أنه كان يستمني أثناء رؤيته لها، لكن الفكرة لم تصدمها باعتبارها غريبة بشكل خاص، لقد تقبلت الاستمناء بوصفه نشاطاً عادياً تماماً، لا بد لكل ذلك المني أن يذهب إلى مكان ما، تماماً مثل الفتيات اللاتي لديهن الدورة الشهرية، بتعبير آخر، لقد كان مراهقاً نموذجياً، ليس بطلاً ولا قديساً. وجدت شيئاً ما مريحاً في معرفة ذلك.

عندما توقفت عن التسلل، بدأ شغفي به يبرد لقد كان تدريجياً مثل المد الذي ينحسر عن شاطئ طويل منحدر. وجدت نفسي أشم قميصه بقدر أقل، وأمضي وقتاً أقل في الاهتمام بقلمه، وشارته. كانت الحرارة تمضي. ما كنت أضيق به لم يكن شيئاً مثل مرض، لكن أمر حقيقي. طالما بقي لم أستطع التفكير بشكل سليم. ربما مر كل شخص بفترة مجنونة مثل تلك مرة، أو ربما أنه كان أمراً حدث لي أنا فقط. ماذا عنك هل عشت شيئاً مثل ذلك في حياتك؟

حاول هابارا التذكر، لكنه لم يستطع. لا، لا شيء بهذه الشدة، لا أظن، قال.

بدت شهرزاد محبطة برده نوعاً ما.

بأية حال نسيت أمره بالكامل حالما تخرجت. بسرعة كبيرة وبسهولة، لقد كان غريباً. ما الذي كان من أمره لأقع بعمر السابعة عشرة بتلك الشدة؟ أحاول قدر استطاعتي، لا أستطيع التذكر. الحياة غريبة، أليست كذلك؟ يمكن لك أن تكون مفتوناً كلياً بشيء ما في دقيقة، تكون راغباً بالتضحية بكل شيء لتجعله ملكاً لك، لكن بعد أن يمر وقت قليل، أو تتغير وجهة نظرك قليلاً، حتى تصاب بالصدمة من تلاشي هذا الوهج بشكل مفاجئ كلياً. ما الذي كنت أنظر اليه؟ تتساءل. إذن فهذه هي قصتي عن فترة ” الاقتحام والدخول”.

لقد جعلت من ذلك يبدو مثل فترة بيكاسو الزرقاء، فكر هابارا. لكنه فهم ما كانت تحاول إيصاله.

نظرت إلى الساعة المجاورة للسرير، لقد كان قد حل تقريباً وقت مغادرتها.

لأقل الحقيقة، قالت أخيراً. القصة لم تنته هناك، بعد عدة سنوات عندما كنت في سنتي الثانية في مدرسة التمريض، ضربة غريبة من القدر جمعتنا مجدداً، لعبت أمه دوراً كبيراَ في ذلك، في الواقع كان هناك شيئاً غريباً يلف الأمر برمته. لقد كان كواحدة من قصص الأشباح القديمة تلك، أخذت الأحداث منحىً لا يصدق. هل تود سماعها؟

أحب ذلك، قال هابارا.

من الأفضل أن أنتظر حتى زيارتي المقبلة، قالت شهرزاد. الوقت يداهمني، عليَّ التوجه إلى البيت وإعداد العشاء.

نهضت من السرير وارتدت ملابسها، السروال، الجوارب، قميصها الداخلي، أخيراً تنورتها وقميصها الخارجي. راقب هابارا حركاتها كيفما اتفق، من السرير. لقد أعجبته الطريقة التي تلبس بها المرأة ملابسها، والتي يمكن أن تكون أكثر إثارة للاهتمام من الطريقة التي تخلعها بها.

هل من كتب بعينها تود مني أن آتيك بها، سألت وهي تخرج من الباب.

لا، لا يمكنني التفكير بشيء، أجاب. ما رغب به حقيقة، فكر. كان أن تخبره ببقية القصة. لكن لن يفصح عن ذلك، فهذا الفعل قد يجعل حظوظه في سماعها في خطر.

أوى هابارا إلى السرير تلك الليلة، وفكر بشهرزاد. ربما لن يراها ثانية أبداً، هذا ما شغله. كان الاحتمال جد حقيقي. لا شيء ذو طبيعة شخصية-لا تعهد، لا تفاهم ضمني-يجمعهما معاً. كانت علاقتهما علاقة بالمصادفة صنعها شخص آخر، وقد يتم إنهاؤها وفقاً لرغبة ذلك الشخص بمعنى آخر كانا مربوطين بخيط واهٍ، لقد كان من المحتمل، لا، من المؤكد-أن ذلك الخيط سينقطع في النهاية، وكل المرويات الغريبة والغير مألوفة التي يجب أن تقال، ستكون مفقودة بالنسبة إليه، السؤال الوحيد كان متى.

لقد كان من الممكن أيضاً أنه قد يحرم في مرحلة ما من كامل حريته، في هذه الحالة ليست شهرزاد فقط، لكن كل النساء ستختفين من حياته، ولن يكون بمقدوره أبداً ولوج رطوبة أجسادهن الدافئة. لن يكون باستطاعته مجدداً أبداً أن يشعر بقشعريرتهن بالمقابل، ربما كان الاحتمال الأكثر بؤساً لهابارا من انقطاع النشاط الجنسي، بأية حال، خسارة اللحظات الحميمة المشتركة. كان ما قدمه له الوقت الذي قضاه مع نساء، هو إمكانية أن تكون محتضناً من قبل الواقع، من ناحية، في حين تنكره كلياً، من ناحية أخرى. ذلك كان شيئاً ما قدمته شهرزاد بوفرة حقاً، كانت موهبتها لا تنضب، توقع الفقد جعله أكثر حزناً.

أغلق هابارا عينيه وتوقف عن التفكير بشهرزاد، وبدلاً من ذلك فكر بثعابين البحر. بالمخالب التي تلصقها ثعابين البحر على الصخرة، مختفية بين أعشاب الماء، تتأرجح جيئةً وذهاباً في التيار. تخيل أنه كان واحداً منها ينتظر ظهور السلمون. لكن لم يمر أي سلمون، لا يهم كم انتظر من الوقت، لا سلموناً سميناً ولا نحيلاً، ما من سلمون على الاطلاق. أخيراً غربت الشمس وكان عالمه يتلاشى في الظلام.

ترجمها عن اليابانية تيد جوسين

[1] هي السيارة التي تدمج بين الركاب والبضائع الموجودة في مؤخرة السيارة.

[2] Tampon: كتلة اسطوانية مصنوعة من مادة ماصة تستعمل بشكل أساسي للنظافة الشخصية الأنثوية.

 

نشرت مجلة أوكسجين القصة في عددها الأخير بتاريخ 18/10/2014 القصة على الرابط التالي:

http://www.o2publishing.com/article.php?id=206

Central Park, New York City, 1970

Central Park, New York City, 1970

نيويورك في ثمانية أجزاء-تشارلز سيميك

عن النيويورك ريفيو اوف بوكس.

8/10/2014

” تعلم الحلاقة واكسب المال،” قالت اللافتة. أعمى كما هو حالي عندما أكون بدون نظارتي، قص الحلاق المتمرن نصف شعري بآلة حلاقة كهربائية، تاركاً فقط خصلة واحدة عند الجبهة، قبل أن أدرك ما كان يحدث لرأسي. ربما كانت لديه رؤية في حلاقة الشعر تسبق زمنه بعقود. لكني أصبت بذعر شديد. وحالما دفعت الخمسة والثلاثين سنتاً المترتبة علي، هرعت عبر الشارع إلى متجر فرع كلين واشتريت قبعة (بيريه)، ارتديتها في الشهرين التاليين مشدودة على أذني. لقد كان الفصل صيفاً والجو حار ورطب كما هي العادة في نيويورك، لكن لم يكن لدي خيار. أيضاً ارتديت نظارات داكنة لأمنح لنفسي مظهراً “ظريفاً “، لولا أن موسيقيو الجاز لم يكونواليخرجوا إلا من بعد حلول الظلام لكنت نافستهم ، في حين كان عليَّ الحضور إلى العمل كل صباح في مخزن شركة للنشر حيث كان أي شخص يراني ينفجر ضاحكاً على مدى أيام.

قال لي رجل مسن في البار:

كنت في كل ليلة من ليالي الأسبوع أتعشى إما في الـ ـموروكو أونادي ستورك برفقة بعض نجوم السينما، حيث كان كبير الندل يشعل لي سيجاري الهافانا وينظر إليَّ بحسد كل شخص في المكان. مرة استحميت بلوح صابون كانت آفا جارنر قد استعملته للتو.

” لا أظنك تعي ما أقوله يا ولد،” تابع غاضباً.” أنا كنت مالكاً لناطحة سحاب ولخيول سباق في الأيام الخوالي.”

عند تقاطع الجادة الخامسة والشارع 13 على مبعدة مبنى واحد عن المكان الذي عشت فيه في الستينات، كانت هنالك صالة للسينما تعرض الكثير من الأفلام الأجنبية. كنت آوي إلى السرير ليلاً أدور متقلباً غير قادر على النوم، وأدرك أنه لا يزال لدي الوقت لمشاهدة العرض الأخير.  أقفز من السرير، ارتدي ثيابي سريعاً، وأنطلق. منذ دقيقة واحدة كنت بين الأغطية قلقاً بشأن إيجار الشهر القادم، وفي الدقيقة التي تلتها كنت أشاهد بعض الأفلام الفرنسية، اليابانية، أو الهندية. إذا ما كانت واحدة من ليالي بداية أو منتصف الأسبوع فستكون الصالة فارغة تقريباً، وبسبب شعوري ببعض النعاس، فإن الفيلم الذي أشاهده سيكون  كما لو أن حلما قد تراءى لي، وحالما ينتهي ينصرف الجميع، أتذكر الخروج من البهو الفارغ في الساعة الواحدة صباحاً مرتدياً منامتي تحت معطفي المطري، ولأجد أن بوصة أو بوصتين من الثلج قد انهمرت في تلك الأثناء.

خطرت لي في أحد الأيام فكرة أنه يتوجب عليَّ قراءة قاموس أكسفورد اللاتيني الضخم الذي تركه المستأجر السابق في شقتي. كان تقريباً بسماكة قدمين ولا بد أنه يزن خمسة عشر رطلاً. حاولت قراءة القليل منه يومياً، وفعلت هذا على مدة بضعة أشهر. في صباح يوم سبت جلست إلى مكتبي غير حليق، أعاني من آثار الثمالة. وكنت على وشك أن أفتح غلافه عندما باغتتني فكرة رائعة، ماذا لو أبيعه؟ كنت مفلساً ووجدت أن القاموس قد يقدر بسعر خمسة عشر دولاراً أو أكثر، الذي كان يعني الكثير من المال في حينها، لقد بعت كتباً في مكتبة ستراند، لكن ما من شيء يضاهي قيمة هذا القاموس. لذا ارتديت ثيابي على عجل، ورحت أجر المجلد الثقيل وأتوقف لارتاح كل بضعة كتل من الأبنية. لم يكن هناك زبائن في المتجر. وضعت القاموس الضخم على المنضدة وانتظرت الشاب عند الصندوق كي يستدعي العجوز الذي يشتري الكتب ويثمنها من الخلف. تعارفنا بعضنا إلى بعض وأومأ لي باقتضاب ثم فتح القاموس متصفحاً إياه بسرعة وقال: ثلاثة دولارات! كنت مندهشاً، دمدمت شيئاً ما عن كونه يستحق أكثر من ذلك. هذا أفضل ما بإمكاني فعله، أجاب بحزم. كنت مغتاظاً بالطبع، لكن فكرة حمله طوال الطريق إلى البيت كانت محبطة، لذا أخذت المال ورحت تناولت فطوراً كبيراً، وأنا أشعر بالذنب حياله.

بالرغم من أن هناك ملايين الناس الذين يعيشون ويعملون في نيويورك والاحتمالات قليلة بشكل مذهل، إلا أنك قد تلتقي بشخص تعرفه في الشارع بين الحين والآخر. على سبيل المثال، التقيت مرة برجل عرفته بشكل عرضي، ثلاث مرات متعاقبة في ثلاثة أحياء مختلفة من مانهاتن، في المرة الأولى تبادلنا التحية فقط باقتضاب، وفي المرة الثانية توقفنا للتحدث والتعليق على غرابة الالتقاء ثانية بهذه السرعة الكبيرة، بعدها لم نر بعضنا على مدى سنوات، المرة الثالثة ضحك كلانا بشكل غير مريح، سائلين أحدنا الآخر عمن كان يتبع من، وسرعان ما ابتعدنا عن بعضنا البعض.

لم يكن لعمل في مكتب في شركة كبيرة في وسط مانهاتن عملا شاقاً، إذا حدث لك أن تكون واحداً من مئات موظفي المكاتب، أيا يكن المفترض على المرء عمله، فذلك اليوم يمكن إنجازه في بضع ساعات، تاركاً بقية الوقت لتبادل الحديث مع الزملاء، كانت النساء تشكل أغلبهم، نساء في منتصف العمر، تعملن في نفس المنصب لسنوات، كلهم يعرفون قصة حياة والشؤون الحالية لهؤلاء الذين في المكاتب التي بجانبهم. ” كيف حال فريد؟” أحدهم سيسأل جاره. الجميع يعرف أن فريد كان صديق مارتا، التي كانت تجعله يعاني أوقاتاً عصيبة،” اوه أنت لن تصدق!” هذا الجار سيجيب، وكلنا سنتوقف عن العمل ونصغي. أو إذا لم يكن من أحد يتحدث سيقول أحدهم،” من تظنوا الشخص الذي بلغت به الوقاحة كي يدق جرس بابي الليلة السابقة؟” أصحاب، أزواج مخادعون، أمهات مستحيلات، آباء مدمنون، أطفال مشاغبون، أقرباء فضوليون، سمعنا كل شيء عنهم فيما كان له أثر عدة مسلسلات تعرض في الوقت نفسه. بالتأكيد، أحياناً الأمور تتكشف جيداً، لكن عادة بحلول الوقت الذي تنتهي فيه القصة، يهز الجميع رأسهم تعبيراً عن عدم التصديق. هل يمكنك تصديق ذلك؟  قد يقولون. عليَّ الاعتراف أن قصصهم جعلتني حريصاً على الذهاب إلى المكتب في الصباح، ولا بد أنه كان لدى زملائي الحرص نفسه. نحن لم نر بعضنا أبداً بعد العمل، لكن في اللحظة التي كنا نجلس فيها خلف مكاتبنا نصبح ودودين. بالتأكيد راتبي كان قليلاً، لكن لا يمكنك أن تقاوم الترفيه، أحببت تلك النسوة كثيراً جداً، كن حاذقات وساذجات في الوقت نفسه فيما يتعلق بالعالم، وطيبات كحفنة من البشر لم أعرف مثلها من قبل أبداً.

كان نشر انطولوجيا بول كارول “الشعراء الاميركيين الشبان” في ال عام1968 حدثاً كبيراً بالنسبة لي وللشعراء الآخرين المدرجين فيها. نظمت خمس قراءات في شرفات وشقق لفنانين وكتاب مشهورين من نيويورك ليمنحوا للكتاب أقصى قدر من الدعاية. على سبيل المثال، قمت بقراءة مع مارك ستراند في استديو فرانك ستيلا الذي تم تقديمه من قبل جيمس رايت الذي تحدث بشكل وقاد عن عملنا، لكنه خلط بين أسمائنا، التي قُلبت. إذا لم يدرك الجمهور ذلك-ولمَ سيفعل طالما أنا كنا مجهولين تماماً؟ هم سرعان ما اكتشفوا عندما قرأت القصائد التي أطرى عليها رايت على أنها لستراند، وقدم تلك التي كان من المفترض أنها لي. بالطبع حيث أن رايت كان الأكبر سناً، الشاعر الأكثر احتراماً، والشخص الذي كنا من معجبيه أيضاً، لم نجرؤ على التصحيح له حينها، أو من بعد ذلك.

“الرسالة الأولى التي كتبتها كانت موجهة الى الله”، أخبرني رجل مسن على مقعد في متنزه واشنطن سكوير. أن الجنرال واشنطن كان على طابع استعمله. هل كان هناك الكثير من طوابع البريد أو ليس ما يكفي منها، تساءل. لقد سمع أنه كان هناك مخزناً في بروكلن فيه الملايين من أكياس البريد غير المرسل العائد إلى البلاد. قال يمكننا الذهاب إلى هناك الليلة مصطحبين مصباحاً يدوياً، لنبدأ بالبحث عن رسالتي، هو أراد معرفة رأيي بشأن ذلك، قلت إن الفكرة تعجبني لكني كنت تعب جداً وعليَّ أن آوي إلى سريري. بالرغم من أني الآن، بعد كل تلك السنوات، آسف لأني لم أبق معه مدة أطول على ذلك المقعد، لأنه كان ذو روح لطيفة وبدا أنه وحيد تماماً في العالم.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2014/oct/08/new-york-memories/?insrc=wbll

141013_r25575-877

لقاء مع هاروكي موراكامي

أجرت المقابلة ديبورا تريزمان

نشرت في النيويوركر بتاريخ 6/10/2014

“شهرزاد،” قصتك في عدد هذا الأسبوع، هي عن رجل عالق في منزل لا يمكنه مغادرته، حيث تعوده امرأة مرتين في الأسبوع تم التعاقد معها لتزويده بالطعام والإمدادات، وربما أيضاً لتكون حاضرة من أجل احتياجاته الجنسية. ولا تخبرنا القصة مطلقاً عن السبب الذي يمنع هابارا من مغادرة المنزل. هل تعلم؟

آسف، لكني لا أعرف الظروف الدقيقة التي أودت إلى هذا الوضع تماماً، إلا أنني بالطبع، أملك بعض الأفكار حول ما قد يكون السبب، لكني أتوقع أن قرائي لديهم أيضاً بعضاً منها. أنا لا أسعى لجعله سراً كبيراً-في الواقع، أفكر أنك إذا ما جمعت فرضياتهم وفرضيتي مع بعضهم البعض ستحصلين على شكل مهم من أشكال التواصل بين المؤلف والقارئ. لأن السبب الذي أودى إلى حالة هابارا ليس هو المهم، لكن بالأحرى كيف سنتصرف نحن أنفسنا إزاء مثل هذه الظروف.

المرأة التي لقبها هابارا بشهرزاد تروي له الحكايات بعد أن ينتهيا من ممارسة الجنس. دوما تقطع حكاياتها عند نقطة حاسمة، تاركة إياه معلقاً حتى زيارتها المقبلة. بطريقة ما، أنت تفعل الشيء نفسه بنا، تنهي هذه القصة بدون السماح لنا بسماع بقية حكايتها. لماذا تحبط القارئ بهذا الشكل؟

هذه واحدة من أكثر التقنيات أساسية في رواية القصص، التي تجذرت على مدى آلاف السنين. في الواقع يمكنني تخيل ذلك، لعشرات الآلاف من السنين، مجموعات من الناس محتشدين حول النار في كهوف مظلمة يستمعون طربين إلى الرواة الذين استعملوا هذه الطريقة تماماً. بالطبع أنا أحب سماع مثل هذه القصص.

هل سيكون هناك تتمة؟

حقيقة ليس لدي أدنى فكرة. كل مرة أنهي بها قصة قصيرة، أفكر، حسناً ها قد أنهيت واحدة. ومن ثم بعد عدة سنوات أكتشف بأني فقط قد، ربما أكون قادراً على تحويل قصة بعينها إلى شيء ما أكثر من ذلك. في تلك الحالات، غالباً ما تصبح رواية طويلة. ” الغابة النرويجية” كانت كذلك، كما كانت “سجلات الطيور البرتقالية”. ومع ذلك كان على   قدر معين من الوقت أن يمر قبل أن أعرف أي قصة قصيرة يمكن تطويرها أكثر وأيها ستظل كما هي عليه. شهرزاد مادة واعدة، عليَّ الاعتراف بذلك.

تتقاطع حيوات هاتين الشخصيتين بشكل يبدو عشوائياً أو عند نزوة من شخص غير مسمى، ما الذي جعلك تفكر برميهما معاً في هذه الحالة؟

أحيانا أفكر بأنا كلنا في صميم قلوبنا قد نسعى لواحدة من هذه الحالات، حيث لا نمارس إرادتنا الحرة وتقريباً يكون كل شيء مسيطر عليه من قبل شخص آخر، حيث لا بد لكل يوم أن يعاش وفقاً للشروط التي يحددها ذلك الشخص. ربما هناك أناس فعلاً يعيشون هذا النوع من الحياة إلى حد أكبر أو أقل، بدون علمهم حتى. البعض قد يرفض هذه الطريقة في العيش باعتبارها “سلبية”. ليس لدي اهتمام في مثل هذه التفسيرات الحتمية، الذي يثير اهتمامي هو محاولة الكشف عن هوية من أخفى ذلك بشكل حاذق في تراكم مثل هذه العمليات السلبية.

أنقذت شهرزاد حياتها في ألف ليلة وليلة بإخبارها الحكايات، هنا يبدو أن هابارا هو الشخص الذي يحيق به الخطر، هل شهرزاد هذه تنقذه؟

لا أعلم، لكن بالتأكيد لا تبدو الأمور جيدة جدا بالنسبة لهابارا. لو كان هو جاك ريتشر، فقد كان ليقتل خمسة عشر شريراً ويمشي نحو الغروب، لكنه ليس هو.

تقول شهرزاد لهابارا بأنها كانت سمكة ثعبان البحر في حياة سابقة. تقتل ثعابين البحر فريستها بالتشبث بها وتتغذى عليها ببطء. هل هذا ما تفعله شهرزاد بهابارا، تجعله بحاجة إليها ببطء؟

لا أعلم. شهرزاد هي أحجية بالنسبة لي، وأيضا ما تفكر به، ما تتطلع إليه. الأمر الذي أعرفه هو أنها ترسل لهابارا نوع من رسالة. هي تحاول نقل تلك الرسالة من خلال القصص التي تحكيها له، ومن خلال جسدها أيضا. ربما لا يمكن أن تنقل رسالتها بطريقة أخرى.

هل تؤمن بالحيوات السابقة؟

هذه الحياة وفيرة. ليس لدي رغبة بحيوات مستقبلية أو سابقة. بعد موتي أتمنى أن أنام بسلام.

إذا كانت شهرزاد سمك ثعبان البحر، الذي يعتمد على مخلوقات أخرى من أجل بقائه حياً، يشير هابارا إلى نفسه على أنه جزيرة معزولة، معزول ومكتف بنفسه.  هل تراه بتلك الطريقة؟ هل بإمكانه أن ينجو بدون تواصل انساني؟

هابارا رجل عاش تجربة نقطة انعطاف لا رجعة عنها في حياته. كانت نقطة تحول أخلاقية، أو قانونية، أو كانت مجازية، رمزية، نوع من مسألة نفسية؟ هل انعطف طوعاً، أو أن أحد ما قد أجبره؟ هل هو راض بالنتيجة أم لا؟ ليس لي علم بأجوبة أي من هذه الأسئلة. المهم أنه انعطف. وبرغم ذلك، أصبح جزيرة معزولة، الأشياء لا يمكنها أن تعود إلى الشكل الذي كانت عليه، بغض النظر عما يفعله، أظن أن ذلك هو الجانب الأكثر أهمية في القصة.

أيهما كنت تفضل أن تكون ثعبان البحر أم جزيرة معزولة؟

ثعبان البحر، بالطبع.

كانت قصة “شهرزاد” من ضمن مجموعة قصص نشرتها مؤخراً في اليابان بعنوان “رجال بلا نساء”، كلها تشتمل على رجال بدون نساء، أو على رجال خسروا نساءهن، ما الذي أوحى إليك بكتابة هذه السلسة؟

ما أتمنى أن أوصله في هذه المجموعة باختصار، هو العزلة، وما تعنيه عاطفيا. رجال بلا نساء هي مثال ملموس عن ذلك. العنوان خطفني أولاً، بالطبع ظهرت مجموعة القصص القصيرة لهمنجواي بنفس العنوان) وتتابعت القصص، أتت كل قصة من التذبذب الذي أنتجه العنوان. لماذا رجال بلا نساء، لا أعلم، بطريقة أو بأخرى، ترسخ ذلك العنوان في ذهني بنفس الطريقة التي تحل فيها البذار التي في مهب الريح في أحد الحقول وتنمو.

ترجم الإجابات عن اليابانية تيد جوسين.

والقصة تتبع :-)

http://www.newyorker.com/books/page-turner/fiction-this-week-haruki-murakami-2014-10-13?intcid=mod-yml

Archiv Susanne Schleyer

الكتب التي نتحدث عنها (وتلك التي لا نتحدث عنها)

تيم باركس. نشرت في النيويورك ريفيو اوف بوكس

في 1/10/2014

ماهي الوظيفة الاجتماعية للرواية؟ أنا لا أفكر بما تعود به على الكاتب، الذي يطور من مهارته ويكسب لقمة العيش منها ويحصِّل صورة عامة مرموقة بالمقابل. ولا عن مكافأة الناشر، الذي قد يجني -أو على الأرجح لا-قدراً كبيراً من المال. ولا حتى بمتعة القارئ الفرد، الذي يستمتع بساعات من الترفيه وربما يشعر بالاستنارة أو بتحفيز مفيد على حد سواء. ما أسأل عنه هو ما الذي فيها بالنسبة للمجتمع ككل أو على الأقل بالنسبة لذلك الجزء من المجتمع الذي يقرأ الروايات.

محادثة. موضوع مشترك للمناقشة. شيء ما معقد لتلتقي العقول حوله. هذه الحالة بشكل خاص هي عندما نتحدث إلى أناس لا نعرفهم جيداً، الأناس الذين نلتقيهم اجتماعياً إذا جاز التعبير. بالطبع هناك الكثير من المواضيع المتوفرة. الطقس. الرياضة. السياسة. لكن هناك الكثير فقط يمكن أن يقال عن تشكيلات السحب، لا يرى الجميع سحراً في البيسبول، والسياسة كما نعلم يمكن أن تكون منطقة خطرة. الروايات-أو الأفلام أو الدراما التلفزيونية علاوة على ذلك-تقدم وليمة للنقاش وتخلق نقاط اتصال: هل الشخصيات قابلة للتصديق، هل الناس حقيقة يقومون أو يفكرون حقيقة بهذه الأشياء، هل تنتهي القصة كما ينبغي، هل كتبت بطريقة جيدة؟ الطريقة التي يستجيب بها مختلف الناس على كتاب فيليب روث الرعوية الأمريكية أو رواية ج. م. كويتزي/ العار، ستخبرك الكثير حول شخصياتهم بدون الحاجة لقول أي شيء شخصي، الروايات مواضيع مثالية لاختبار الأرضية المشتركة بيننا.

عندما بدأ لورانس ستيرن بنشر فصول من روايته تريسترام شاندي، كانت مراجعة الكتب الصحفية في مهدها. التلميحات الجنسية الطريفة للرواية، تلاعبها المستمر بين الإبهام والبذاءة، مثيرة هياجاً واضطراباً في أوساط قراء الكتب إلى حد ما أثناءها. كيف يمكن للأدب القصصي أن يكتب بهذه الطريقة؟ أي علاقة كانت لحكاية ستيرن بالتجربة الواقعية، بل بالكتب الأخرى؟ هل الاقتباس غير المشار إليه في العمل من كتاب آخرين (رابليه، فرنسيس باكون، إلخ) يصل إلى حد السرقة الأدبية؟ كان النقاش عنيفاً. استفاد ستيرن منه، مضمناً تعليقات المراجعين وردود فعله عليها في أجزاء لاحقة من الكتاب. حيث أن تريسترام شاندي كانت قد نشرت منذ سبع سنوات، كتاب آخرون شاركوا، مقدمين نسخاً بديلة غير مرخصة، تتمات، وافتتاحيات، كان هناك تأثير متعاظم. ابتدع متحمسون وصفات تريسترام شاندي، إنشاء المقابر والقبور لشخصيات الرواية، وسموا خيول السباق على أسمائها. أصبح الكتاب جزءً من الحديث المحلي والعالمي أحياناً. يفهم الناس علاقاتهم مع بعضهم البعض بقياس مدى تعلقهم بالكتاب.

بعد مرور أكثر من مائة عام كان النقاش أكثر سخونة حول نشر رواية توماس هاردي تيس من آل دوربرفيل، المعنونة كما هو معروف امرأة نقية مقدمة بأمانة، كيف يمكن لها أن تكون نقية، تساءل المراجعون عندما أنجبت أولاً طفلاً غير شرعي من رجل، ومن ثم عاشت معه كعشيقه في حين تزوجت من آخر، كان سؤالاً في محله. لكن تيس كانت جذابة جداً، محبوبة جداً، وسيئة الحظ بشكل لا يصدق. كان الاختلاف في الرأي جد قاس حيث أصبح من الصعب أن تجمع مؤيدين أو مناهضين جنباً إلى جنب على موائد المجتمع. أجبرت الرواية القراء بشكل أساسي على إعادة النظر في الرأي الفيكتوري المتعارف عليه عن الأعراف الجنسية، فاضحة الجانب الرهابي للصرامة الأخلاقية في المجتمع المهذب. وحتماً كلما احتدم غضب الناس على الكتاب كلما زادت مبيعاته.

يمكن للمرء إدراج أي عدد من الروايات-أوقات عصيبة، كوخ العم توم، الابن الأصلي-تلك التي أثارت مستوى حاداً من الجدل الشعبي، غالباً لكونها ضمت حبكة مغرية بالإضافة لقضايا تهم الناس بعمق في تينك الزمان والمكان المحددين. تصبح الرواية مركزاً لمثل هذه القضايا، ربما فقط مثيرة نقاشات كامنة في صميم الموضوع، ومن ثم تضمن هذه النقاشات نجاحاً إضافياً للعمل ولشهرة للكاتب. فيما يتجاوز مستوى محدد من التفسير، بأية حال، الجودة النهائية للكتابة، أو “الفن” مشتركان، هما غالباً لا صلة لهما بالموضوع، على الأقل من أجل هذه الوظيفة الاجتماعية. الكتاب المكتوب بشكل سيء، حتى لو كان ما العمل؟ للكاتب الروسي من القرن التاسع عشر نيكولاي شيرنشفسكي أو رواية أي. لـ. جيمس /خمسون ظلاً رمادياً، يمكن أن تثير جدلاً عاماً أكثر حدة بكثير من القطعة الاستثنائية لكن المجهدة من الكتابة، ثلاثية بيكيت، أو كتاب روبرت والسر Jakob von Gunten أو حتى عمل نوعي هو بأية حال شعبي، لا يعالج قضايا مهمة: روايات ميجريت لسيمنون، كتب جيمس بوند لفليمنج، الجاسوس لـ لو كاريه.

فضلاً عن تصنيف الروايات بين جيدة أو مكتوبة بشكل سيء، شعبية أو غير شعبية، يمكن للمرء أيضاً وربما بشكل أكثر نفعاً، أن يصنفها على أنها تلك التي أصبحت جزءً من النقاش، وتلك التي لم تصبح كذلك. رواية جوناثان فرانزن/ التصويبات، صارت جزءً من نقاش محلي، قصص ليديا ديفيس، بكل روعتها لم تفعل. في أوروبا ميشيل اولبيك جزء من النقاش، شئنا أم أبينا (لكن ليس رغبة بجعل النقاش أكثر حدة)، بيتر ستام كاتب أنتظر دوماً عمله وهو ليس جزء من النقاش. القضايا الاجتماعية والطموح الأدبي ربما مهمان هنا، لكنهما ليسا أساسيان حقيقة. كان هناك حديث ضخم محدث على نحو مثير للجدل حول ملحمة هاري بوتر التي لم يكن لها علاقة بالقضايا الاجتماعية، لكن ربما كان النقاش إلى حد كبير حول ملاءمة البالغين ممن يقرؤون القصص المكتوبة للأطفال بتعطش. بالمقابل هناك العديد من الكتاب الذين يحاولون عمداً إثارة النقاش بتضمين القضايا المحلية في رواياتهم التي هي بالفعل في مركز الجدال، غالباً ما يفشلون فشلاً ذريعاً. على نحو مثير للجدل، كانت رواية جون ابدايك/ إرهابي من أقل رواياته إثارة للنقاش.

لكن أيا كان محتوى أو جودة الرواية، رغبة في ترسيخ نقاش عام، على الناس أو على قدر كاف من الناس قراءتها. ومن السيء إذا ما كان كل شخص يقرأ يستثار ببراعة، ربما مثيرة للاهتمام بشكل مماثل لكنها كتب مختلفة تماماً. كم كنت في كثير من الأحيان منخرطاً في نقاشات ربما في حفلة حيث أربعة أو خمسة أشخاص يسألون عما يفكر به الآخرون حول هذه الرواية أو تلك، فقط ليكتشفوا أنه ما من أحد سواهم قد قرأها. حتى وربما بشكل خاص بين الناس الذين يقرؤون كثيراً، هناك غالباً صعوبة في ايجاد كتاب واحد نشر مؤخراً يتوجب علينا جميعاً قراءته. النقاش ينهار ، فشل الأدب في جمعنا، ما من جدل مثار، أو لإيجاد كتاب للحديث عنه علينا أن نتحول إلى واحد من الأفلام أو أعمال وسائل الإعلام  الصاخبة في هذه الأيام ، شيء واحد تقريباً يشعر المرء بأنه مخول بالحديث عما إذا قرأه أو لا: الجحيم، الفتاة ذات وشم التنين، لقاء مع مصاص دماء، كفاحي، بغض النظر عن الجودة، بغض النظر حتى عن المبيعات، طالما أن روايات كنوسجارد هي بعيدة كل البعد من ناحية المستوى عن الآخرين، هذه هي الكتب التي تم اختيارها للنقاشات، ربما وعلى وجه الدقة لكون أنه من الصعوبة بمكان إلى حد مربك ايجاد الكتاب الذي قرأناه جميعنا لنستقر عليه. بدلا من المحادثة التي تحصل بشكل طبيعي كما حصل مع ترسترام شاندي أو تيس من آل دوربر فيل، إنه إلى حد ما مفروض علينا.

الزيادة الطارئة في عدد الروايات المنشورة كل عام مع تدويل الأدب القصصي مسؤولان إلى حد كبير عن هذه الحالة المتغيرة في الممارسات. أنتجت إنجلترا الفكتورية عدداً لا بأس به من الروايات لكن في فيما مضى كان هناك فقط عدد محدود منها ينشر بشكل متسلسل في المجلات الشهرية والأسبوعية الواسعة الانتشار يومها. هذا يكفل أن يقرأ تلك الكتب عدد معقول من القراء ليولدوا النقاش. الروائيون يكتبون لمجلات يعلمون من هم قراءها إلى حد ما، ولائموا أعمالهم حباً أو كرهاً وفقاً لذلك، حيث أن القراء لديهم الكثير من الأمور المشتركة كان من المرجح أن قطعة قصصية ستفتح قضية تحيي المحادثة، وطالما أن الصحافة كانت أقل بكثير مما هو عليه الحال اليوم، كثيراً ما تمت معالجة قضايا الساعة الصعبة من خلال الروايات

لكن كيف يدخل كتاب النقاش اليوم؟ تم الاستعاضة عن الرواية المسلسلة بالمسلسلات التلفزيونية التي أصبحت ناجحة جداً في توليد النقاشات ذلك أن أولئك الذين لم يتابعوا The Sopranos or The Wire كثيراً ما يشعرون بأنهم مستبعدون. في غضون ذلك، يختار القراء في المكتبات حرفياً من بين آلاف العناوين المنشورة مؤخراً. في بلدان أوروبا الغربية تأتي نسبة 50 بالمائة من تلك الكتب من الخارج لذا فقراءات الناس ليست مركزة على المجتمع الذي يعيشون فيه والقصص المقروءة هي غالباً تجري أحداثها في مكان آخر. في عام 2011 عندما أطلقتُ استبيانا صغيرا في مكتبة ألمانية عن نوع الروايات التي كان يقرأها الناس، قال القراء الشبان بشكل خاص بأنهم غالباً ما يختارون قراءة الكتب الأجنبية الشهيرة، بشكل خاص الكتاب الاميركيين أو الانجليز، ستيفن كينج أو ايان ماكوان، أو فيليب روث، أو زادي سميث. فبالتالي سيكون لديهم موضوعا مشتركاً للتحدث فيه عندما يلتقون بشبان آخرين خلال سفرياتهم الصيفية، خياراتهم تبدو عشوائية ومأخوذة بغض النظر عن الجودة. عدا عن الحالة حيث الناس بطبيعة الحال يجدون أنفسهم يقرؤون الشيء نفسه ومن ثم يتحدثون عنه، يميل بعض القراء للمشاهير على أمل بأن يسمح لهم ما يقرأونه بالانضمام إلى محادثات عالمية.

وبالرغم من أنه لا يزال يحصل بشكل مفاجئ تماماً أن يصبح كتاب، كاتب، ناجحاً فيما يتجاوز الأحلام الأكثر حماساً لناشريهم، وربما في غياب الناشر مطلقاً، جاعلاً الناس يقرؤون أشياء هم لا يقرأونها عادة، والتحدث معاً عن أشياء لا يتحدثون عنها عادة. لقد قرأت وراجعت مؤخراً لكاتبين كان لديهما هذه النعمة الاستثنائية أي. ل. جيمس وهاروكي موراكامي. اتهمت الأولى بكتاباتها التافهة من الإباحية الملطفة والآخر تم تمجيده لاستحضاره كل شيء محير وسريالي.

هل يمكن أن يكون لمثل هذين الكاتبين المختلفين شيء ما مشتركاً، أي شيء يجلب هذا الحد من الاهتمام إلى أعمالهم ويخلق مثل هذا الجدل الحي من حولهما. مدح موراكامي بشكل مؤقت أحياناً نوبل وهو أيضاً هاجم بشكل متكرر الكتابات الهزيلة، الحساسية الصبيانية، والسعي عمداً للوصول إلى الجمهور العالمي المفكك. (كنت مؤخراً مدعوا للتحدث في مؤتمر بدا أن موضوعه الوحيد هو مهاجمة موراكامي) و   أي. ل. جيمس، ولو أنها طردت من الطبقة المثقفة فقد وجدت عملها مراجعاً في أكثر الصحف الأدبية جدية ويجذب القراء في الخارج كما لم يحدث مطلقاً مع عمل ينتمي إلى الايروتيكية الملطفة.

يبدو لي أن كلا الكاتبين بطريقتيهما المختلفتين تماماً مسحورين بالأمر نفسه: الحاجة الفردية للتعامل مع العلاقات الأكثر عمقاً رغبة في ا لحصول على المزيد من الحياة بدون خسران الاستقلالية والذاتية. إذا ما كان لرواية ظلال الرمادي أي جدية فقد كانت في طرحها هذه الأسئلة: كيف يمكن التعامل مع الجنسية في ثنائي؟ كيف يمكنني أن أمنح الآخر ما يريده وأظل أنا نفسي؟ نوعاً ما، كيف يمكنني التحكم فيما يظهر أنه لا يمكن السيطرة عليه؟ بأسلوب أكثر تعقيداً بما لا يقاس وبالتأكيد أكثر غموضاً، يسأل موراكامي بين الحين والآخر عن الكيفية التي يمكنني بها تجاوز كوني من ناحية مستحوذاً علي من قبل الآخر ومن ناحية ثانية وحيداً، أين هو الطريق الوسط؟

هناك بالطبع العديد من الكتاب الآخرين الذين تعالج كتبهم هذه القضايا. لكن كم من الكتب يمكن للعالم أن يتحدث عنها في أي وقت من الأوقات. دزينة من الكتب؟ عشرون كتاباً؟ من الصعب ألا يخامرك الشعور بأن هناك تدخل من الحظ المجرد ولو إلى حد معين.

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2014/oct/01/books-we-talk-about/

سماءُ الخريف- تشارلز سيميك.

2833900455_1dec444967

في زمن جدة أمي،
كان كل ما يحتاجه المرء مكنسة
كي يرى الأماكن
وليطارد الإوز في السماء.

النجوم تعلم كل شيء،
فلنحاول قراءة أفكارها.
بعيدة مثلما هو حالها،
نختار أن نهمس في حضرتها.

أوه يا سينثيا،
خذي تلك الساعة التي ضاعت عقاربها
في جولة.
احجزي لي غرفة في فندق الأبدية
حيث يحلو للزمن التوقف من حين لآخر.

تعالوا يا عشاق الزوايا المظلمة.
تقول السماء،
واجلسوا في إحدى زواياي المظلمة.
هناك أصفار صغيرة لذيذة الطعم
في طبق الفول الليلة.

TIME

Breaking News, Analysis, Politics, Blogs, News Photos, Video, Tech Reviews

Writer on Writer

Book reviews and analysis

Younes Ben Amara

مدونة يونس بن عمارة

Travalanche

Being a web log for the observations of actor, author, cartoonist, comedian, critic, director, humorist, journalist, master of ceremonies, performance artist, playwright, producer, publicist, public speaker, songwriter, and variety booker Trav S.D.

ك ت ب - «ثقافة وفن»| kataba

صحيفة إلكترونية تعنى بالثقافة والفن.. تتطلع لمزيد من التفاعل مع مبدعى ومثقفى العالم

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

Independent journalism institute

معهد الصحافة المستقلة

shabab kurd

shabab kurd || وكالة كوردية اخبارية | ثقافية | اجتماعية | تنموية | تربوية ..تواصلوا معنا عبر الايميل : shabab.kurd@hotmail.com

eltibas

ملتبسون. لا جدوى من الإنكار.

الدَّهر الآتي

صوتٌ وجوديّ رومنطيقيّ- من وحي يسوع المسيح

Bristol Bookworm

No longer in Bristol

The American Short Story

The Seamless and the Stitched

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 209 other followers