Feeds:
تدوينات
تعليقات

طلب عمل-روبرت فالسر

robert_walser

طلب عمل-روبرت فالسر

كتبت عام 1914-ترجمها إلى الإنجليزية كريستوفر ميدلتون.

السادة المحترمون

أنا شابٌ فقير عاطلٌ عن العمل، اسمي وينزِل، أبحث عن منصبٍ ملائم، وأسمح لنفسي أن أسألكم بكامل اللطف والتهذيب، فيما إذا كنت أجد لي في غرفكم المتجددة الهواء، المضيئة، الأنيسة، منصباً قد يكون شاغراً. أعرف بأن شركتكم الجديرة كبيرة، متشامخة، قديمة، وثريَّة، ولهذا قد أنقادُ إلى تخمين مبهجٍ في أن يتح لي مكان صغير جميل، هانئ، لطيف، والذي يمكنني أن أنسلَّ فيه، كما لو في مكان ضيِّقٍ دافئ.  وكونوا على علمٍ بأني مناسبٌ بشكل ممتاز، لشغل مثل هذا الملجأ المتواضع فقط، لأن طبيعتي حساسةٌ بالمجمل، وأنا بشكل أساسي هادئٌ، مهذب، وطفل حالم، من صُنعَ ليشعر بالبهجة في أن يظنه الناس غير متطلبٍ، ويسمحوا له بامتلاك بقعة صغيرة جداً في الوجود، حيث يمكنه أن يكون مفيداً على طريقته ويشعر بالتالي بالهناء. مكان هادئ، مريح، صغير في الظل، كان دوماً موضوعاً لكل أحلامي الرقيقة، وإذا ما تكثفت الآن تلك الصور التي أملكها عنكم، ما يجعلني آمل بأن حلمي القديم الجديد قد يتحول إلى واقع حي ولذيذ، حينها لكم فيَّ الخادم الأكثر غيرة وولاءً والذي سيقوم بتنفيذ جميع واجباته بحذافيرها وبحرصٍ، كما يملي عليه ضميره. لا يمكنني القيام بالمهام الكبيرة والصعبة، وتبعث واجبات من أنواع مختلفة الحماس الشديد في عقلي. أنا لست ذكياً على وجه الخصوص، وقبل كل شيء لا أحب إجهاد عقلي بإفراط. أنا حالم ولست بمفكر، نكرة ولست بقوة، كليل ولست بقاسٍ. أنا على يقين بأنه يوجد في مؤسستكم الشاملة ومكاتبكم، التي أتخيل أنها غامرة بالوظائف الأساسية والفرعية، عمل من ذلك النوع الذي يمكنني القيام به كما لو في حلم؟  -أنا، لأكن صريحاً، صيني، بما معناه، شخصٌ يعتبر كل شيء صغير ومتواضع جميل وممتع، وكل شيء كبير وشاق هو بالنسبة له مخيف ومروع. أعرف فقط الحاجة للشعور براحة البال، لذا فبإمكاني في كل يوم أن أشكر الله على نعمة الحياة بكل بركاتها. لا أعرف الشغف في الذهاب بعيداً في العالم.  إفريقيا بصحاريها ليست أكثر غرابةً. حسناً، فأنتم الآن تعرفون أي نوع من الأشخاص أنا. – أكتب كما ترون، بيدٍ رشيقة وسلسة، ولا يلزمكم أن تتصوروا بأني لست على قدر من الذكاء.  عقلي صافٍ، لكنه يرفض استيعاب أشياء كثيرة بل كثيرة جداً ينأى بنفسه عنها.  أنا مخلصٌ وصادق، وأعي بأن هذا لا يفيد في العالم الذي نعيش فيه إلا قليلاً، لذا سأنتظر إجابة من سيد مبجل، وستكون مصدراً لسعادتي، أنا خادمكم المحترم، المغرق في الطاعة بكل تأكيد.

وينزل

برلين والفنان-روبرت فالسر

مدينة فظةٌ كبرلين، صلفة، شقيةٌ أريبة، تُقرُ دوماً بما يناسبها من أمور وتطوِّح بكل ما تبرَم به.  هنا في المدينة الكبيرة يمكنك أن تشعر بالتأكيد بأمواج فكرية تغسل كحمَّام حياة المجتمع البرليني. لا مفرَّ للفنان هنا من الإصغاء. يُسمح له في مكان آخر أن يّصم آذانه ويغرق في تجاهل متعمد. هذا ممنوع هنا. بل بالحري، عليه أن يشدَّ من أزر نفسه باستمرار ككائن بشري، وهذا الإكراه الذي يطوقه يعود عليه بالفائدة. لكن هناك أيضاً أمور أخرى.

لا تستريح برلين أبداً، وهذا عظيم. يجلب فجر كل يوم معه هجوماً جديداً، مرفوضاً بلطف، على الرضا الذاتي، وهذا يمنح إحساساً عاماً بطيبِ الكسل. لدى الفنان ميلٌ فطري للكسل النبيل الجميل، أكثر ما يشبه الطفل في ذلك. حسناً، تَصفع هذه القوقعة، هذه المملكة، باستمرار رياح عاتية جديدة من الإلهام. يتحدث المخلوق الصامت اللبق فجأة بصخب عن شيء ما فظ، صارخ، وغير لائق. هناك دوماً ضباب يلفُّ أشياء عديدة معاً، وهذا جيد، هذه برلين، وبرلين رائعة.

ليس على السيد العظيم من الأقاليم، بأية حال، أن يتخيل مطلقاً أنه لا يوجد هنا في المدينة عزلة أيضاً. ففي الحاضرة عزلة من أكثر الأنواع فظاعة، وبإمكان أي شخص يتمنى أن يتذوق هذا الطبق المختار أن يأكل الكثير منه هنا. يمكنه أن يختبر معنى العيش في الصحاري والقفار.  لا تنقص الفنان العاصمي الفرص ليرى ويتحدث إلى أي كان على الإطلاق. كل ما عليه فعله هو أن يجعل من نفسه مجهولاً بين بعض محكمي المذاقات أو أُخر يركزون بثبات على حالات الإخفاق، وسرعان ما سيغرق في أكثر أنواع الخذلان روعة، وازدهاراً.

يعيش الفنان المكلل بالنجاح في العاصمة كما لو أنه في حلم شرقي ساحر. يجدُّ من بيت أنيق إلى آخر ثري، يجلس بثقة إلى طاولات موسرة، وبينما يوفر له المضغ والالتهام اللهو. يقضي أيامه في حالة من السُّكر فعلية. ونبوغه؟ هل يهمل فنان على مثل هذا الحال نبوغه؟ يا له من سؤال! كما لو أنه يمكن لشخص أن ينسلخ عن مواهبه بكلمة عن إذنك. على العكس من ذلك.  فإن النبوغ يصبح أقوى بشكل لا واع عندما يرمي المرء بنفسه في معترك الحياة.  ليس عليك أن تكون عطوفاً، مدللاً إياه باستمرار كشيء سقيم. إنه يذوي عندما تهتم له باستحياء بالغ.

مع ذلك، فيجوز للمبدع أن يتدرج صعوداً ونزولاً. كالنمر، في كهف إبداعه الفني، مستلباً بالرغبة وقلقاً حيال تحقيق منتج جمالي ما. وطالما أن ما من أحد يرى هذا، فليس من أحد يلوح به أمام ناظريه. أما في الصحبة، فعليه أن يكون مرحاً، دمثاً، وساحراً قدر استطاعته، ليس شديد التقدير لنفسه ولا العكس أيضاً. أمر واحد ليس عليه أن ينساه أبداً: أنه يتوجب عليه أن يخطب ودَّ النساء الجميلات المقتدرات قليلاً على الأقل.

بعد مرور زهاء خمس أو ست سنوات، سيتولد لدى الفنان-حتى وإن كان من منبت ريفي-إحساسٌ بأن العاصمة هي موطنه الأصلي. سيبدو كما لو أن والديه قد عاشا وأنجباه هنا. هو يشعر بالامتنان، بالارتباط، وبأنه مدين لجلبة غريبة، ثرثارة حيوية. كل الانطلاق والعدو السريع الآن يبدوان له نوعاً من شخصية أمومية محبوبة، غامضة. لم يعد يفكر بالمغادرة من بعد. لا يهم إن سارت الأمور نحو الأفضل أو العكس، سواء فشل أو حقق النجاح، لقد ملكته، إنه مأخوذ بها إلى الأبد، وسيستحيل عليه أن يلوح لهذا القلق العظيم بتلويحة الوداع.

ترجمتها إلى الإنجليزية سوزان بيرنوفسكي

الأصل هنا:

http://www.nybooks.com/blogs/nyrblog/2012/feb/03/berlin-and-artist/

9781443439824_p0_v1_s260x420

بفستانها الأزرق، وحمرة خديها الخفيفة، عينيها، عينيها الزرقاوين، وخصلات شعرها الذهبية المدبسة ولو أنها المرة الأولى-مدبَّسةً كي لا تزعجا تحليقها-ربما تكون ابنة السيدة راديك قد هبطت للتو من هذه السماء المشعة. السيدة راديك خفرةً، ذاهلة قليلاً، لكنها نظرت نظرة إعجاب عميق كما لو أنها تعتقد ذلك أيضاً، لكن الابنة لم تبدِ أيَّما سرور فائض-ولم يتوجب عليها ذلك؟ – عندما حطت على درج النادي. أجل، كانت سئمة-سئمة كما لو أن السماء كانت حافلة بالنوادي حيث يقوم قديسون عجائز بغيضون بإدارة موائد القمار، والتيجان للعب.

ليس لديك مانع في أن تـأخذي هيني؟ قالت السيدة راديك. أواثقة من ذلك؟  توجد هناك سيارة، وستحتسين الشاي ونعود إلى هنا لنلتقي على هذا الدرج-هنا تماماً-خلال ساعة. كما ترين، أريدها أن تدخل. هي لم تأت إلى هنا من قبل، وهو حري بالمشاهدة. أشعر بأنه لم يكن مناسباً لها.

أوه، اسكتي، أمي، قالت بضجر. تعالي. لا تتكلمي كثيراً. وحقيبتك مفتوحة، ستفقدين كل نقودك مجدداً.

آسفة، عزيزتي، قالت السيدة راديك.

أوه، ادخلي! أريد كسب المال، قال الصوت النافذ الصبر. إن كل شيء مبهج جداً لك-لكني مفلسة!

هاكِ-خذي خمسين فرنكاً، عزيزتي، خذي مائة!  رأيت السيدة راديك تضغط أوراقاً نقدية في يدها وهنَّ يعبرن خلل الأبواب الدوارة.

وقفت وهيني على الدرج لدقيقة، نشاهد الناس.  كان له ابتسامة عريضة جداً ومبهجة.

أقول، صرخ، هناك كلب انجليزي. هل سمحوا بإدخال الكلاب هناك؟

لا، لم يفعلوا!

إنه رائع، أليس كذلك؟ أتمنى لو كان عندي واحد. يا لهم من تسلية. إنهم يبعثون الخوف في نفوس الناس هكذا، ولن يكونوا شرسين أبداً مع-مع مالكيهم.  فجأة عصر ذراعي.  “أقول، انظر إلى تلك العجوز. من تكون؟  لم تبدو هكذا؟  هل هي مقامرة؟”

إنسانة عتيقة ذاويه، ترتدي فستاناً من الساتان الأخضر، وعباءة مخملية سوداء وتعتمر قبعة بيضاء ذات ريش قرمزي، اهتزت ببطء، صاعدة الدرج كما لو أنها كانت تسير على الحبال. حدقت أمامها، كانت تضحك وتومئ وتثرثر مع نفسها، تشبثت أصابعها بما بدا أنه كيس-صندوق قذر.

لكن في ذات تلك اللحظة كانت السيدة راديك –معها-وسيدة أخرى تحومان في الخلفية. هرعت السيدة راديك نحوي. كانت متوردة ببهاء، مبتهجة، كائن مختلف.  كانت كامرأة تقول “وداعاً” لأصدقائها على رصيف المحطة، والقطار موشك على المغادرة.

أوه، أنتم لا تزالون هنا.  أليس ذلك من حسن الحظ! أنكم لم تغادروا.  أليس ذلك رائعاً!  لقد قضيت أسوأ الأوقات -معها، ولوحت لابنتها، التي وقفت ساكنة تماماً، تنظر للأسفل بازدراء، تعبث بقدمها على الدرجة، على بعد أميال.  “لن يدعوها تدخل.  أقسمت أنها بعمر الحادية والعشرين.  لكنهم لم يصدقوني.  لقد أظهرت للرجل محفظتي، لم أجرؤ على فعل ما هو أكثر، لكن هذا لم يكن مجدياً. لقد هزأ ببساطة… والآن قابلت للتو السيدة ماك اوين من نيويورك، وقد ربحت للتو ألف وثلاثمائة في غرفة خاصة[1]-وتريد مني أن أعود برفقتها طالما الحظ يحالفنا. بالطبع لا يمكنني تركها. لكن إذا كنت—”

عند ذلك رفعت بصرها، صعقت والدتها ببساطة. “لم لا يمكنك أن تتركيني؟” قالت باهتياج. ” كلام فارغ! كيف تجاسرت على فعل كهذا؟ لن أخرج معك بعد الآن. تقولين كلاماً شديد الفظاعة فعلاً.” نظرت إلى أمها جيئة وذهاباً. “هدئي من روعك،” قالت بجلال.

كانت السيدة راديك يائسة، يائسة تماماً. كانت “تواقة” للعودة مع السيدة ماك اوين، لكن في نفس الوقت…

استجمعت قواي. “هلا-هل تودين أن تأتي معنا لشرب الشاي؟

“نعم، نعم، ستكون مسرورة.  هذا تماماً ما أريده، أليس كذلك يا عزيزتي؟  السيدة ماك اوين… سأعود إلى هنا بعد ساعة… أو أقل… سأ-”

صعدت السيد ر. الدرج مسرعة.  رأيت أن حقيبتها كانت مفتوحة مجدداً.

فغادرنا نحن الثلاثة.  لكنه لم يكن ذنبي حقيقة.  كانت عينا هيني كسيرتين، أيضاً.  عندما وصلت السيارة إلى هناك لفت معطفها الداكن من حولها -كي لا يتلوث.  حتى وإن بدت قدمها الصغيرة كما لو أنها تعاف أن تنزلها الدرج باتجاهنا.

“أنا آسفة جداً،” تمتمتُ مع انطلاق السيارة.

” أوه، لا أبالي،” قالت. ” لا أود أن أبدو في الحادية والعشرين من عمري.  من يود ذلك إذا كان في السابعة عشر! إنه”-وارتعدت رعدة خفيفة-”أنا أكره الحماقة، وأن أكون على مرأى الرجال البدناء العجائز. بهائم!”

نظر إليها هيني نظرة خاطفة ومن ثم حدق من النافذة.

دنونا من قصر هائل من المرمر الأبيض والزهري وأشجار برتقال في الخارج في أحواض ذهبية وسوداء.

“هل تحفلين بالدخول؟ اقترحتُ عليها.

ترددت، نظرت، عضت شفتها، وأذعنت. “أوه حسناً، يبدو أنه ما من مكان آخر،” قالت.  “اخرج، هيني.”

رحت أولاً-لإيجاد الطاولة، بالطبع-تبعتني. لكن أسوأ ما في الأمر كان مرافقة أخيها الصغير ذي الاثني عشر عاماً، لنا.  هذا ما كان ينقصها -طفل يتبعها على أعقابها.

كان هناك طاولة واحدة.  عليها زهور قرنفل وردية وأطباق بنفس اللون مع مناديل شاي زرقاء صغيرة على شكل أشرعة.

“هلا جلسنا هنا؟”

وضعت يدها بضجر على ظهر كرسي أبيض من الخيزران.

“يمكننا أيضاً. لم لا؟” قالت.

حشر هيني خلفها وتلوى جالساً على الكرسي في النهاية. شعرت بسببه بالفظاعة.  حتى أنها لم تخلع قفازيها.  غضت بصرها ودقت على الطاولة.  عندما تناهى إلى سمعنا صوت خافت لآلة كمان جفلت وعضت على شفتها مجدداً. صمت.

ظهرت النادلة. وبصعوبة تجاسرت على سؤالها. “شاي-قهوة؟  شاي صيني-أو شاي مثلج مع الليمون؟”

لم تكن تبالي حقيقة.  كان كل شيء سيان بالنسبة لها.  لم ترغب بأي شيء في الحقيقة. همس هيني، ” شوكولا!”

لكن في الوقت الذي ابتعدت فيه النادلة صرخت بتهور، “اوه، يمكنك أن تجلبي الشوكولا لي أيضاً.”

بينما كنا ننتظر أخرجت علبة بودرة ذهبية صغيرة لها مرآة في الغطاء، نفضت اللبادة كما لو أنها تعافها وربتت على أنفها الجميل.

“هيني،” قالت، “أبعد هذه الزهور.” أشارت بلبادتها نحو القرنفل، وسمعتها تتمتم، “لا أستطيع تحمل الزهور على الطاولة.” لا بد أنها تسببت لها بألم شديد، لأنها أغلقت عينيها بقوة وأنا أبعدها.

عادت النادلة بالشوكولا والشاي. وضعت الأكواب الكبيرة الرغوية قبالتهما ودفعت عبرها كأسي الرائق. دفن هيني أنفه، وانبثق، للحظة واحدة بغيضة، بلطخة مرتجفة من الكريما على الأرنبة. لكنه سرعان ما مسحها كرجل محترم صغير. تساءلتُ إذا ما كان ينبغي عليَّ أن أتجاسر وألفت انتباهها إلى كوبها.  هي لم تلحظه-لم تره-إلى أن فجأة وبصدفة محضة تناولت رشفة منه.  راقبتُ بقلق، وهي ارتجفت قليلاً.

“شديد الحلاوة!” قالت.

جاء صبي صغير برأس يشبه الزبيبة وجسم بلون الشوكولا، بصينية فطائر-صف فوق آخر من قليل من النزوات، قليل من الإلهام، والقليل من الأحلام الذائبة. قدمها لها. “اوه، أنا لست جائعة على الإطلاق. ابعدها.”

قدمتها إلى هيني. هيني رمقني بنظرة خاطفة-لابد أنها كانت ترضيه-لأنه تناول كريمة الشوكولا، كلير القهوة، حلوى الميرينج المحشوة بالكستناء وقرن صغير محشو بالفراولة الطازجة.  بالكاد أطاقت النظر إليها. لكن ما إن استدار الصبي مبتعداً حتى حملت طبقها.

“اوه حسناً، أعطني واحدة،” قالت.

ألقت الملاقط الفضية بواحدة، اثنتين، ثلاث-وفطيرة كرز. “لا أعلم لمَ تعطيني كل هذه،” قالت، وابتسمت تقريباً. ” لن آكلها، لا أستطيع!”

شعرتُ بارتياح كبير. ارتشفت الشاي، استندت للوراء، وحتى أني سألت إذا ما كان بإمكاني أن أدخن.  عند ذاك توقفت، الشوكة في يدها، فتحت عينيها، وابتسمت حقاً.  “بالطبع،” قالت.  “أنتظر من الناس أن يفعلوا ذلك دوماً.”

لكن عند تلك اللحظة حدثت مأساة لهيني.  خرق قرن فطيرته بشدة.  وانقسم اثنين، نصف انسكب على الطاولة.  يا للفظاعة! أحمر لونه خجلاً. وحتى أن أذنيه اضطرمتا، وزحفت يد خجلة لتبعد ما بقي على الطاولة.

“أنت وحش صغير حقاً!” قالت.

يا إلهي! كان عليَّ أن أطير لأنجو. صرخت بتعجل، “هل سيطول غيابك في الخارج؟”

لكنها كانت قد نسيت أمر هيني بالفعل. كنت منسياً، أيضاً. كانت تحاول أن تتذكر أمراً… كانت على بعد أميال.

“لا أعلم،” قالت ببطء، من ذلك المكان البعيد.

“أفترض بأنك تفضلين الذهاب إلى لندن. إنها أكثر وأكثر-”

عندما توقفت عادت ونظرت إلي، مشوشة جداً.” أكثر-؟”

“أخيراً[2]-بهجةً، صرخت، ملوحاً بسيجارتي.

لكن استغرق الأمر كعكة كاملة كي تنتبه. وحتى حينها، “أوه حسناً، هذا يختلف!” كان كل ما استطاعت قوله بثقة.

انتهى هيني. وكان لا يزال حاراً جداً.

خطفتُ قائمة التي لها شكل فراشة عن الطاولة. “أقول-ما رأيك بالثلج، يا هيني؟ ما رأيك باليوسفي والزنجبيل؟ لا، مشروب بارد. ما رأيك بالأناناس الطازج بالقشدة؟”

وافق هيني بحماس. كانت عيون النادلة علينا. كان الطلب قد أخذ عندما رفعت بصرها عن فُتاتها.

“هل تقولين اليوسفي والزنجبيل؟ أحب الزنجبيل. بإمكانك أن تجلبي لي واحداً.” وسرعان ما أضافت، “أتمنى ألا تعزف تلك الأوركسترا أشياء من السنة الأولى. كنا نرقص على كل ذلك في عيد الميلاد الفائت.  كم هو مقزز!”

لكن الجو كان ساحراً. انتبهت إليه لتوي، لقد منحني الدفء.

أظن أنه مكان لطيف، ألا توافقني الرأي هيني؟ قلت.

قال هيني: “ممتاز!”  كان في نيته قول ذلك بصوت منخفض، لكنه صدر عالياً جداً كأنه صرير.

لطيف؟ هذا المكان؟ وحدقت للمرة الأولى فيما حولها، تحاول رؤية ما كان هناك… طرفت عيناها الجميلتان، وجالتا. حدق رجل مسنٌ وسيم بها من خلال نظارة مفردة بإطار أسود. لكنها ببساطة لم تتمكن من رؤيته.  كان يوجد مطب هوائي في المكان الذي كان يجلس فيه.  نظرت من خلاله تماماً.

أخيراً تمددت الملاعق الصغيرة المسطحة ساكنة على الأطباق الزجاجية.  بدا هيني متعباً أيضاً. لكنها شدت قفازها الأبيض ثانية.  كان ثمة مشكلة في ساعة يدها المرصعة بالماس، كانت تعيقها. شدت عندها-محاولة كسر ذلك الشيء الصغير الأحمق-لم ينكسر. أخيراً، جذبت قفازها فوقها.  رأيت بعد ذلك، أنه لم يعد بإمكانها تحمل البقاء في هذا المكان ولو للحظة، وبالفعل قفَزت واستدارت في حين رحت أسدد ثمن الشاي بشكل روتيني.

بعدها عدنا إلى الخارج. حلَّ الظلام. كانت السماء تتألق بنجوم صغيرة، والمصابيح الكبيرة متوهجة. وبينما كنت أنتظر مجيء السيارة وقفَت على الدرجة، كما سبق تماماً، تهزُّ قدميها وتنظر للأسفل.

قفز هيني للأمام فاتحاً الباب، دخلت وغاصت في المقعد مع-أوه-يا للتنهيدة!

“قل له،” لهثت، “أن يقود بأسرع ما يمكن.”

ابتسم هيني لصديقه السائق. “هيا بنا بسرعة!”[3] قال. ومن ثم استقام في جلسته على مقعد صغير قبالتنا.

خرج صندوق البودرة الذهبي ثانية. ومجدداً نُفضت اللبادة الصغيرة المسكينة، وكانت هناك تينك النظرة السرية للغاية بينها وبين المرآة من جديد.

اندفعنا عبر البلدة الذهبية والسوداء كمقص يخرق القماش. كان هيني يعاني صعوبة كبيرة للإشاحة ببصره كما لو أنه كان مثبتاً بشيء ما.

وعندما وصلنا إلى النادي، لم تكن السيدة راديك هناك بالطبع. لم يوجد ما يدل عليها على الدرج-ولا أي أمارة.

“هلَّا بقيتِ في السيارة ريثما أذهب لأرى وأعود؟”

لكن لا-لم ترغب بذلك. “يا إلهي، لا! هيني يمكنه البقاء. لم يكن بمقدورها احتمال الجلوس في السيارة، انتظرت على الدرج.

” لكني لا أود مفارقتك،” تمتمتُ. ” إني أفضل ألا أدعك هنا.”

عند ذلك ألقت بمعطفها، التفتت نحوي، شفتاها منفرجتان. “يا إلهي-لماذا! أنا-لا أمانع ولو قليلاً. أنا-أود الانتظار.” وتوردت وجنتاها فجأة، واكفهرت عيناها -للحظة فكرت بأنها كانت على وشك البكاء. “دعيني رجاء، تلعثمت، بصوت دافئ لاهف. “أحبه. أحب الانتظار! حقيقة-حقيقة أحبه! أنا أنتظر دوماً-في كل الأماكن…”

انفتح معطفها الداكن، وكانت حنجرتها البيضاء-جسدها الناعم كله في الفستان الأزرق-كزهرة تفتحت للتو من برعمها الداكن.

[1] sale privee في الأصل.

[2] Enfin في الأصل.

[3] Allie veet في الأصل.

boxer

ولج جاك من الباب ووجد علبة سجائر على رف الموقد. كانت آن جالسة على الكنبة تقرأ عدداً من مجلة كوزموبوليتان. أشعل جاك سيجارة، جلس على كرسي. كانت الساعة الثانية عشرة إلا عشر دقائق.

قال لك تشارلي ألا تدخن، قالت آن، وهي تنظر من المجلة.

أنا جدير بها. لقد كانت ليلة قاسية.

هل ربحت؟

بالأغلبية لكني فزت بها. كان بنسون صبياً صعباً، بالغ الشجاعة. يقول تشارلي بأن بارفينيللي هو التالي. إذا تغلبت عليه، سأنال البطولة.

نهض جاك، وذهب إلى المطبخ، وعاد بزجاجة بيرة.

قال لي تشارلي أن أبعدك عن البيرة، وضعت آن المجلة جانباً.

تشارلي قال لي، تشارلي قال لي،… لقد تعبت من ذلك.  لقد كسبت مباراتي. ربحت 16 جولة، ولي الحق بالبيرة وبالسجائر.

من المفترض أن تبقى لائقاً جسدياً.

لا يهم. بإمكاني تناول أي منها.

أنت رائع جداً، أسمع هذا باستمرار كلما كنت ثملاً، أنت رائع جداً. لقد سئمت منه.

أنا عظيم. 16 جولة، 15 بالضربة القاضية ما الذي يمكن أن يكون أفضل من هذا؟

لم تجب آن. أخذ جاك قنينة البيرة وسيجارته إلى الحمام.

أنت حتى لم تقبلني محيياً. أول ما فعلته هو الذهاب إلى زجاجة البيرة. أنت عظيم جداً، حسناً. أنت شارب بيرة عظيم.

لم يجب جاك. وقف بعد خمس دقائق بباب الحمام، وبنطاله وسرواله التحتي في الأسفل عند حذائه.

يا يسوع المسيح، آن، ألا يمكنك أن تضعي بكرة من أوراق التواليت هنا؟

آسفة.

ذهبت إلى الخزانة وأعطته البكرة. أنهى جاك قضاء حاجته وخرج. ومن ثم أنهى بيرته وتناول واحدة أخرى. ” ها أنت تعيشين هنا مع الأفضل على مستوى العالم من فئة الوزن خفيف-الثقيل وكل ما بوسعك هو التذمر. ترغب الكثير من الفتيات أن أكون معها لكن كل ما تفعلينه هو الجلوس والتشكي.

أعلم أنك جيد. جاك، ربما الأفضل، لكن لا تعلم كم مملٌ هو الجلوس والاستماع إليك وأنت تكرر الكلام عن مدى عظمتك.

أوه، لقد سئمت من ذلك، صحيح؟

نعم، اللعنة، أنت وبيرتك وعظمتك.

حتى أنك لم تحضري مبارياتي.

هناك أشياء أخرى إلى جانب الملاكمة. جاك.

ماذا؟  كالجلوس على مؤخرتك وقراءة الكوزموبوليتان؟

أرغب بتنمية مداركي.

لابد أن تفعلي. فهناك الكثير من العمل.

أقول لك بأنه يوجد أشياء أخرى إلى جانب الملاكمة.

ماذا؟ سمِّها.

حسناً، الفن، الموسيقى، الرسم، أشياء من هذا القبيل.

وهل تحسنين فعل أي منها؟

لا، لكني أقدرها.

هراء، أنا أفضِّل أن أكون الأفضل فيما أفعله.

حسناً، الأفضل، الأحسن… يا الله، ألا يمكنك تقدير الناس لما هم عليه؟

ماذا يكون هذا؟ ما هو حال أغلبهم؟ حلزونات، مصاصو دماء، متغندرون، مخبرون، قوادون، خدم…

أنت تنظر دوماً نظرة دونية للجميع. ما من واحد من أصدقائك جيد بما فيه الكفاية.

أنت عظيم جداً!

هذا صحيح، حبيبتي.

ذهب جاك إلى المطبخ وخرج مع بيرة أخرى.

أنت وبيرتك اللعينة!

إنها من حقي. هم يبيعونها وأنا أشتريها.

قال تشارلي…

اللعنة على تشارلي!

أنت عظيم جداً!

هذا صحيح. على الأقل باتي تعرف ذلك. وتعترف به. لقد كانت فخورة بذلك. هي تعلم أنه يستحق. كل ما تفعلينه هو التذمر.

حسناً، لم لا تعود إلى باتي؟ ما الذي تفعله معي؟

هذا تماماً ما أفكر فيه.

حسناً، نحن لسنا بمتزوجين، يمكنني المغادرة في أي وقت.

هذه استراحتنا الوحيدة. اللعنة، آتي إلى هنا ميت من التعب بعد عشر جولات قاسيات وأنت لا تشعرين بالسرور حتى لكسبي لها. كل ما تفعلينه هو التذمر مني.

اسمع. جاك، هناك أمور أخرى عدا الملاكمة. عندما قابلتك، أعجبت بما أنت عليه.

كنت ملاكماً. لم يكن هناك أمور أخرى إلى جانب الملاكمة.

هذا ما أنا عليه—ملاكم. هذا مجالي، وأنا جيد فيه. الأفضل.  لقد لاحظت أنك دوماً تذهبين إلى هؤلاء الذين في الدرجة الثانية… مثل توبي جورجينسون.

توبي مسل جداً. لديه حس نكتة، حس نكتة حقيقي.  يعجبني توبي.

أرقامه9،5، وواحد. يمكنني التغلب عليه وأنا ثمل.

والله يعلم بأنك ثمل بما يكفي. هل تعلم بما يكون عليه إحساسي في الحفلات عندما ترتمي على الأرض أو تتدحرج حول الغرفة وأنت تقول للجميع، أنا عظيم، أنا عظيم، أنا عظيم! ألا تعتقد بأن ذلك يجعلني أشعر بأني حمقاء؟

ربما أنت حمقاء. إذا ما كان توبي يعجبك بشدة، لم لا تذهبين معه؟

اوه، أنا قلت للتو بأني معجبة به، اعتقدت بأنه مسل، هذا لا يعني بأني أود أن أذهب معه إلى السرير.

حسنا، اذهبي معي إلى السرير وقولي بأني ممل. أنا لا أعلم أي جحيم تريدين.

لم تجب آن. نهض جاك، مشى نحو الأريكة، رفع رأس آن وقبلها ثم عاد وجلس ثانية.

اسمعي، دعيني أخبرك عن هذه المعركة مع بينسون. حتى أنت كان لك أن تفخري بي. لقد أوقعني أرضاً في الجولة الأولى، على حين غرة. نهضت وكبحته ما بقي في الجولة من وقت. ضربني مجدداً في الجولة الثانية. نهضت بصعوبة عند 8.1 وأمسكت به ثانية. في الجولات القليلة التالية بدأت بالكسب. نلت السادسة، السابعة، الثامنة، وأوقعته مرة في التاسعة ومرتين في العاشرة. أنا لا أسمي ذلك أغلبية. هم يسمونه كذلك. حسناً إنها 45 ألف دولار. فهمت ذلك؟ أيتها الصبية؟ 45 ألفاً. أنا عظيم، لا تستطيعين إنكار ذلك صحيح؟

لم تجب آن.

هيا قولي لي بأني عظيم.

حسناً أنت عظيم.

حسناً، هذا يروقني أكثر. مشى جاك نحوها وقبلها مجدداً. أشعر بارتياح كبير. الملاكمة عمل فني، إنها حقاً كذلك. تحتاج لشجاعة لتكون فناناً عظيماً وتحتاج للشجاعة لتكون ملاكماً عظيماً.

حسناً جاك.

حسناً جاك، هل هذا كل ما بمقدورك قوله؟ لطالما كانت باتي تسعد عندما أفوز. كنا كلانا نُسرّ الليل بطوله. ألا يمكنك أن تشاركيني عندما أفعل شيئاً جيداً؟ اللعنة، هل تحبيني أو تحبين الخاسرين من أنصاف المواهب؟ أظن بأنك ستكونين أكثر سعادة عندما آتيك خاسراً.

أتمنى لك الفوز جاك، المسألة فقط هي إنك تضخم كثيراً ما تفعله…

اللعنة، إنها حياتي، عيشي. أنا فخور بكوني الأفضل. إنه كالطيران، إنه كالطيران في السماء والإمساك بالشمس،

ماذا ستفعل عندما تصبح عاجزاً عن الملاكمة؟

اللعنة، سيكون لدينا ما يكفي من المال لفعل ما نود فعله.

ما عدا أن نكون معاً، ربما.

ربما يمكنني تعلم قراءة كوزموبوليتان لأطور عقلي.

حسناً، هناك مجال للتطور.

أضاجعك.

ماذا؟

أضاجعك.

حسناً، لم تفعل هذا منذ مدة.

بعض الرجال يحبون مضاجعة نساء مرتبطات، أنا لا أحب ذلك.

أفترض بأن باتي لا تتذمر؟

كل النساء يفعلن، أنت البطلة.

حسناً لم لا تعود إلى باتي؟

أنت هنا الآن، لا يمكنني أن أكون سوى مع عاهرة واحدة في كل مرة.

عاهرة؟

عاهرة.

نهضت آن وتوجهت إلى الخزانة أخرجت حقيبتها وبدأت بوضع ثيابها فيها. ذهب جاك إلى المطبخ وأتى بقنينة بيرة أخرى. كانت آن تبكي غاضبة. جلس جاك وبيرته ورشف رشفة كبيرة. احتاج إلى الويسكي، احتاج لزجاجة ويسكي ولسيجار جيد.

يمكنني أن آتي لأخذ بقية أشيائي عندما لا تكون هنا.

لا تزعجي نفسك. سأرسلها لك.

توقفت عند العتبة.

حسناً، أظن هذا، قالت.

أفترض ذلك، أجاب جاك.

أغلقت الباب ومضت، إجراء عادي، أنهى جاك البيرة وراح إلى الهاتف، اتصل برقم باتي، أجابت.

باتي؟

اوه جاك، كيف حالك؟

لقد فزت بمباراة كبيرة الليلة. بالأغلبية، كل ما عليَّ فعله هو أن أزيح بارفينيللي وأحصل على البطولة.

ستتغلب على كليهما، جاك. أعلم أنه بإمكانك فعل ذلك.

ماذا تفعلين الليلة باتي؟

إنها الساعة الواحدة صباحاً جاك. هل كنت تشرب؟

قليلاَ، أنا أحتفل.

وماذا عن آن؟

لقد افترقنا، من عادتي أن أكون مع امرأة واحدة، تعلمين ذلك باتي.

جاك…

ماذا؟

أنا مع رجل.

رجل؟

توبي جورجينسون. إنه في غرفة النوم.

اوه، آسف.

أنا آسفة أيضاً، جاك. أحببتك… ربما لا زلت أفعل.

اوه اللعنة، أنتن النساء ترمين بهذه الكلمة كيفما اتفق…

آسفة، جاك.

حسناً، أغلق السماعة. ومن ثم راح إلى الخزانة ليأخذ معطفه. ارتداه، أنهى بيرته، نزل بالمصعد إلى سيارته. وانطلق نحو جادة النورماندي مباشرة بسرعة 65 م/س، موقفاً السيارة عند متجر للخمور في شارع هوليوود. مشى نحوه ودخله. أخذ ست مجموعات من بيرة الميكولوب، وعلبة من
فوار الكا- سيلتزر. ومن ثم طلب من المحاسب خُمسية من نوع جاك دلانيلز. بينما كان المحاسب يقوم بحساب السعر دخل سكير ومعه ست مجموعات من بيرة Coors.

هيه يا رجل! قال لجاك، ألست جاك باكينويلد الملاكم؟

أنا هو، أجاب جاك.

يا رجل، لقد رأيت تلك المباراة الليلة. جاك، أنت بالغ الشجاعة. أنت عظيم حقاً!

شكراً يا رجل، قال للسكير، ومن ثم أخذ كيس حاجياته وراح إلى سيارته. جلس هناك، نزع غطاء زجاجة الدانيلز ورشف جرعة كبيرة. ومن ثم أغلقها، انطلق شرق شارع هوليوود، أخذ يساره عند النورماندي ولحظ مراهقة ممتلئة القوام تترنح في الشارع. أوقف سيارته، أخرج زجاجة الدانيلز من الكيس وأظهرها لها.

هل ترغبين بالصعود؟

كان جاك متفاجئاً بموافقتها. سأساعدك على شرب ذلك، يا سيد، لكن دون مزايا إضافية.

اللعنة، لا. قال جاك.

سار في جادة النورماندي بسرعة 35 ميلاً في الساعة. مواطن يحترم نفسه ومصنف ثالثاً في فئة الوزن خفيف الثقيل عالمياً. شعر للحظة كما لو أنه يود تقديم نفسه لها لكنه غير رأيه ومد يده وعصر إحدى ركبتيها.

ألديك سيجارة سيدي؟ سألت.

نقف بيده مخرجاً واحدة، أقحمها في لوحة الولاعة. ثم برزت وأشعلها لها.

bop

تحدثنا عن نساءٍ اختلسنا النظر إلى سيقانهن وهن يترجلنَّ من السيارات، ونظرنا من النوافذ ليلاً آملين رؤية ثمة من يضاجع لكن لم نرَ أحداً.  شاهدنا في إحدى المرات زوجاً في سرير وكان الرجل يهمُّ بامرأته وفكرنا بأنَّا سنراه الآن، لكنها قالت، “لا، لا أريد الليلة!” وأدارت له ظهرها. أشعلَ سيجارة ورحنا نبحث عن نافذة جديدة.

ابن الحرام، ما من امرأة كانت لتفعلها معي!”

ولا أنا. أي نوع من الرجال كان هذا؟”

كنا ثلاثة، أنا، بالدي، وجيمي.  كان يوم الأحد يومنا الأهم.  التقينا في منزل بالدي وركبنا الترام الذاهب إلى الشارع الرئيسي. كانت الأجرة سبعة سنتات.

كان الفوليز والبيربانك أيامها من المرابع التي تقدم عروضاً هزلية. كنا نحب المتعريات في بيربانك وكانت النكات أفضل قليلاً لذا توجهنا إلى بيربانك. سعينا إلى صالة سينما دنيئة لكن الأفلام لم تكن كذلك حقيقةً ومثلها كانت الحكايات. تثمل فتاة صغيرة بريئة على يد مجموعة من الرجال وقبل أن تصحو من سكرتها ستجد نفسها في مبغى ينتظرها طابور من البحارة والحُدب. إضافة إلى أن المتبطلين في تلك الأماكن، يهجعون ليلاً نهاراً، يبولون على الأرض، يشربون النبيذ، يطأ أحدهم الآخر. كان نتن البول والخمر والقتل لا يطاق. ذهبنا إلى بيربانك.

هل أنتم ذاهبون إلى عرض المنوعات اليوم يا أولاد؟ يسأل جد بالدي.

أوه، لا سيدي، علينا إنهاء بعض الأمور.

ذهبنا. كنا نذهب كل يوم أحد.  في الصباح الباكر، قبل أن يبدأ العرض بوقت طويل وذرعنا الشارع الرئيسي جيئة وذهاباً باحثين عن حانات فارغة تجلس فتياتها في المداخل بتنانير مرفوعة، تركلن كواحلهنَّ في ضوء الشمس المنجرف نحو الحانة المظلمة. كانت الفتيات جميلات. لكننا نعلم.  لقد تناهى إلى أسماعنا.  دخل رجل ليطلب شراباً وفرضوا عليه دفع ثمن مشروبه ومشروب الفتيات. لكن مشروب الفتيات مخفف بالماء. وستحصل على لمسة أو اثنتين وهذا كل ما في الأمر. إذا ما عرضت أي مال سيراه الساقي ليسخروا منك ويطردوك من الحانة وتكون نقودك قد ذهبت أدراج الرياح. كنا على علم.

بعد نزهتنا على طول الشارع الرئيسي دخلنا مطعماً واشترينا بثماني سنتات سجقاً وكوباً كبيراً من البيرة الجذرية بخمسة سنتات.  كنا نرفع الأثقال بعضلات منتفخة ونرتدي قمصاناً بأكمام مقلوبة إلى الأعلى وكل منا يحمل علبة من السجائر في جيب صدره. وحتى أننا جربنا دورة تشارلز أطلس[1]. توتر حيوي، لكن رفع الأثقال بدا الطريق الأكثر وضوحاً وصرامة.

ونحن نتناول سجقنا ونحتسي كوب بيرتنا الكبير لعبنا في آلة البينبول، بنس واحد لكل لعبة. علمنا أن آلة البينبول جيدة جداً. لدى إحرازك لمجموع كامل تفوز بلعبة مجانية. كان علينا إحراز مجاميع كاملة، لم يكن لدينا المال.

كان فرانكي روزفلت هناك، كانت الأمور آخذة بالتحسن ولو أن الكآبة ظلت فآباؤنا جميعاً عاطلون عن العمل. ولولا أن أعيننا كانت ثاقبة تلتقط أي شيء ملقىً على الأرض فقد كان حصولنا على مصروفنا القليل لغزاً. نحن لم نسرق، فقط تقاسمنا.  واخترعنا.  ببعض المال أو من دونه، ألعاباً صغيرة لتزجية الوقت– كانت واحدة منها التنزه نحو الشاطئ والعودة.

كان هذا يجري في الصيف عادة ولم يتذمر أهلنا أبداً لدى وصولنا متأخرين عن وجبة العشاء إلى البيت. ولا هم اهتموا للبثور التي تلتمع أسفل أقدامنا. هذا كان يحصل لدى رؤيتهم كعوب ونعال أحذيتنا المهترئة. كانوا يرسلون بنا إلى متجر رخيص لإصلاح الأحذية بسعر معقول.

كان الحال مشابهاً في لعبنا الكرة في الشوارع.  لم يكن هناك أموال عامة تنفق على ملاعب الأطفال. كنا شديدي البأس، لعبنا الكرة في الشوارع في كل المواسم، ولعبنا في مواسم كرة السلة والبيسبول وفي موسم الكرة التالي. عندما يتم الإمساك بك على الأسفلت، تحدث أمور. الجلد يتمزق، العظام تصاب برضوض، ودماء، لكنك تنهض كما لو أن شيئاً لم يكن.

لم يلق أهلنا بالاً أبداً للدمامل والدماء والكدمات، كان الذنب الرهيب الذي لا يغتفر هو أن تحدث ثقباً في واحدة من ركبتي بنطالك. لأنه لم يكن هناك سوى بنطالين لكل صبي: بنطاله اليومي وبنطال يوم الأحد. ولا يمكنك أبداً أن تحدث ثقباً في ركبة واحد من بناطيلك لأن ذلك سيظهر أنك فقير وغبي، وبأن أهلك فقراء وأغبياء أيضاً. لذا فقد تعلمت أن تمسك بالولد دون أن تقع على أي من ركبتيك، والصبي الذي يتم الإمساك به تعلم ألا يقع على أي من ركبتيه.

عندما كنا نتشاجر، كان شجارنا يستمر لساعات، ولن يقدم أهلنا على فعل شيء لإنقاذنا. أظن أن السبب كان تظاهرنا بالبأس وتمنعنا عن طلب الرحمة أبداً، كانوا ينتظرون منا طلب الرحمة، ولكنا كرهنا أهلنا، وهم فعلوا بالمقابل، كانوا يخرجون إلى شرفاتهم وينظرون إلينا دون مبالاة في حمأة شجار رهيب لا ينتهي، تثائبوا وتناولوا إعلانا مرمياً على الأرض ودخلوا وحسب.

لقد تشاجرت مع صبي، انتهى به الأمر لاحقاً في البحرية الأميركية. تشاجرت معه في أحد الأيام من الساعة الثامنة والنصف صباحاً حتى ما بعد غروب الشمس، لم يوقفنا أحد، بالرغم من أنا كنا على مرأى باحة بيته الأمامية، تحت شجرتي فلفل ضخمتين وعصافير الدوري تتغوط فوقنا طوال اليوم.

لقد كان قتالاً شرساً، على وشك أن ينتهي. لقد كان أقوى، أكبر سناً بقليل وأثقل وزناً، لكني كنت أكثر جنوناً.  توقفنا باتفاق مشترك—لا أعلم كيف يحصل هذا، عليك تجربته لتتمكن من فهمه، لكن بعد أن يتشاجر اثنان لثمان أو تسع ساعات ينشأ نوع غريب من الأخوة.

كان جسدي في اليوم التالي أزرقاً بالكامل. لم أتمكن من الكلام وكنت أشعر بالألم لدى تحريك أي عضو من أعضائي. لقد كنت على السرير جاهزاً للموت، جاءت أمي بقميصي الممزق خلال الشجار، حملته أمام وجهي فوق السرير وقالت، ” انظر، هناك بقع دم على القميص! بقع دم!”

آسف!

لن أستطيع إزالتها أبداً! أبداً!

إنها بقع دمه.

لا يهم! إنه دم! لن تمكن إزالته!

كانت الآحاد لنا، يومنا الخفيف الهادئ. رحنا إلى بيربانك. كان هناك دوماً فيلم سيء أولاً. فيلم قديم جداً، وأنت تنظر وتنتظر. كنت تفكر بالبنات. عزف الرجال الثلاثة أو الأربعة في حفرة الأوركسترا، بصوت مرتفع، ربما لم يعزفوا بشكل جيد جداً، لكنهم عزفوا بصوت مرتفع، وخرجت تلك المتعريات أخيراً وخطفن الستارة، طرفها، وقد خطفنها كما لو أنها رجل ورحن يهزهزن أجسادهن ويواصلن الرهز أمامها. ومن ثم يتأرجحن ويبدأن بالتعري. لو كان لديك ما يكفي من المال كنت لتحظى بكيس من الفشار، وإن لم يكن لديك فليذهب إلى الجحيم.

كان هناك استراحة قبل الفصل التالي. نهض رجل صغير وقال، ” سيداتي سادتي، أود أن ألفت عنايتكم….” لقد كان يبيع خواتم برَّاقة. كنت سترى في زجاج كل خاتم، إذا ما رفعته نحو الضوء صورة رائعة. كان هذا محط آمالك! كان ثمن الواحد منها خمسين سنتاً فقط، ملكية لمدى الحياة فقط بخمسين سنتاً متاح فقط لمرتادي بيربانك ولن يباع في أي مكان آخر. ” فقط ارفعوه نحو الضوء وسترون! وشكراً، أيتها السيدات والسادة لطيب متابعتكم. الآن سيعبر الحُجَّاب الممرات فيما بينكم.

سيعبر متبطلان اثنان بأسمال بالية في الممرات، تفوح منهما رائحة النبيذ، وكل واحد يحمل كيساً من الخواتم. لم أر أبداً شخصاً يشتري واحداً منها، أتخيل مع ذلك أنك إذا ما رفعت واحداً نحو الضوء، فستكون الصورة في الزجاج لامرأة عارية.

بدأت الفرقة ثانية وأزيحت الستائر وكان هناك مجموعة منشدات أغلبهن متعريات سابقات تقدمن في السن، بماسكارا كثيفة، وحمرة شفاه، ورموش مستعارة. بذلن أقصى جهدهن ليبقوا مع الموسيقى لكنهن كن دوماً متأخرين قليلاً لكنهن استمروا، أظن أنهن كن شجاعات جداً.

ومن ثم جاء مغنٍ. كان من الصعوبة بمكان أن تعجب بمغني. غنى بصوت مرتفع عن الحب الضال. لم يكن يعرف كيف يغني وعندما انتهى فرد ذراعيه وحنى رأسه لموجة صغيرة من التصفيق.

ومن ثم جاء الكوميدي. اوه، لقد كان جيداً! خرج بمعطف قديم بني اللون، وقبعة مشدودة على عينيه، يمشي مترهلاً كسكير، لا شيء لديه ليفعله ولا مكان ليذهب إليه. ستمشي الفتاة على الخشبة وسيتبعها بعينيه. ومن ثم يلتفت إلى الجمهور ويقول، بفمه الخالي من الأسنان، حسناً، سأكون بغيضاً!

ستخرج فتاة أخرى إلى الخشبة وسيمشي باتجاهها، واضعاً وجهه قريباً من وجهها ويقول، أنا رجل عجوز، تجاوزت الرابعة والأربعين لكن عندما يتحطم السرير أقع أرضاً. لقد فعلها. كم ضحكنا! الشبان والعجائز، كم ضحكنا. وكان هناك فقرة عن حقيبة. كان يحاول مساعدة فتاة ما في حزم حقيبتها. وكانت الملابس تنبثق منها باستمرار.

لا أستطيع إدخالها!

دعيني أساعدك!

إنها تنبثق مجدداً!

انتظري سأقف عليها.

ماذا؟ اوه لا، لا تقف فوقها!

استمرا مع حقيبة السفر أكثر وأكثر. اوه لقد كان مسلياً!

أخيراً خرجت أول ثلاث أو أربع متعريات ثانية. لقد كان لكل منا متعريته المفضلة ووقعنا في الحب. اختار بالدي فتاة نحيلة فرنسية مصابة بالربو ولها تغضنات داكنة تحت عينيها. أعجب جيمي بالمرأة النمر (النمرة للدقة). لفتُّ انتباه جيمي إلى أن للنمرة صدر أكبر من الآخر قطعاً. أما متعريتي فكانت روزالي.

كان لروزالي مؤخرة عريضة تهزها وتهزها وتغني أغانٍ مسلية قليلاً، وبينما تمشي وتتعرى تتحدث إلى نفسها وتقهقه. لقد كانت الوحيدة التي تستمتع بعملها حقيقة. لقد أحببت روزالي. فكرت أحياناً بالكتابة إليها وإخبارها عن مدى عظمتها لكن لسبب ما لم أقدم على ذلك.

كنا في أحد الأصائل ننتظر الترام بعد العرض وكانت المرأة النمرة تنتظر الترام أيضاً هناك. كانت ترتدي فستاناً أخضر ضيقاً ووقفنا ننظر إليها.

إنها فتاتك، جيمي، المرأة النمر.

يا ولد، حصلت عليه، انظر إليها!

أنا ذاهب للتحدث معها، قال بالدي.

إنها فتاة جيمي.

لا أود التحدث معها، قال جيمي.

أنا ذاهب للتحدث إليها، قال بالدي واضعاً سيجارة في فمه، أشعلها ومشى نحوها.

مرحباً، عزيزتي! ابتسم مكشراً لها.

لم تجب المرأة النمر. فقط حدقت أمامها مباشرة منتظرة الترام.

أعلم من تكونين، لقد رأيت تعريك اليوم، لقد فعلتها يا عزيزتي، حقيقة فعلتها!

لم تجب المرأة النمر.

لقد أثرته حقيقة، يا إلهي، لقد أثرته حقيقة!

حدقت المرأة النمر للأمام. وقف بالدي هناك يبتسم كالأبله نحوها. أود أن أضعه لك. أود أن أضاجعك، يا عزيزتي.

تقدمنا وجذبنا بالدي، وسحبناه في الشارع. أنت أحمق، ليس لديك الحق بأن تكلمها بتلك الطريقة.

حسناً، نهضت وهزته، نهضت أمام الرجال وهزته!

إنها تحاول كسب لقمة عيشها.

إنها حارة، إنها حمراء حارة، إنها ترغب به!

أنت مجنون.

سحبناه بعيداً في الشارع.

وسرعان ما بدأت أفقد الاهتمام بتلك الآحاد في الشارع الرئيسي. أفترض بأن الفوليز وبيربانك لا يزالان هناك. بالطبع، المرأة النمر والمتعرية المريضة بالربو، وروزالي، روزاليتي، ذهبن منذ وقت طويل.  ربما فارقن الحياة.  وربما تكون مؤخرة روزالي الكبيرة الهزازة قد ماتت.  عندما أكون في الجوار، منطلقاً بسيارتي أمر بالمنزل حيث كنت أسكن وأرى أن غرباء يعيشون فيه الآن.  كانت تلك الآحاد جميلة، مع ذلك، أغلب تلك الآحاد كانت جميلة، ضوء خفيف في ظلمة تلك الأيام الكئيبة التي كان آباؤنا يعبرون فيها الشرفات الأمامية، عاطلون عن العمل وضعفاء ينظرون إلينا ونحن نتشاجر، ومن ثم يدخلون ليحدقوا بالجدران، يمتنعون عن تشغيل الراديو خشية ارتفاع فاتورة الكهرباء.

[1] تشارلز أطلس واسمه الحقيقي آنجلو سيسيليانو، (1893-1972) قام بتطوير منهج بناء الأجسام.

1-Death-boat

 

 

كان الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه شديد التعاسة لدى وصوله إلى باريس في العام 1902، إذ كتب، ” أسند أحياناً رأسي على بوابة لوكسمبورج فقط لأتنفس في فسحة صغيرة، سكينةً، ضوء القمر-لكن نفس الهواء الرصاصي، هناك أيضاً، لا يزال مثقلاً برائحة الزهور الكثيرة المزدحمة على الحدود… المدينة شديدة الاتساع ومثقلة بالكآبة.” نصح معلم ريلكه، النحات رودان، ابن الست والعشرين سنة بأن ” عليك أن تختار واحداً من اثنين، إما السعادة أو الفن.” لكن ريلكه اكتشف أن باريس “مغترة” “بنفاذ صبر لتملك الحياة على الفور،” في حين أنه آمن بأن دافع الحياة الحقيقي كان “هادئاً، ضخماً، جوهرياً.” انطلاقاً من هذه الحالة شديدة التوتر، اعتبر باريس غريبة، معادية، مستبدة، مسببة للحمى و “قريبة من الموت”. كانت نصيحة رودان له “اعمل، لا شيء سوى العمل.”

” لقد قيل كل شيء عن هذه الكنائس العظيمة،” كتب ريلكه. ” كتب فيكتور هوجو بعض صفحات لا تنسى عن نوتردام باريس، ولا يزال أثر هذه الكاتدرائيات مستمراً في البذل، حي بصورة غريبة، غير منتهك، غامض، تعجز الكلمات عن وصفه… تنمو نوتردام يوماً في إثر آخر، وفي كل مرة تراها تبدو أكبر.” وجد ريلكه بقلقه الفتي، أن باريس “تندفع متهورة خارج الفلك، مثل كوكب، نحو كوارث رهيبة.” في أيامه الأولى، كل ما استطاع رؤيته خلف أشجار السبل الطويلة، كانت” المشافي في كل مكان”، و”مبان طويلة رتيبة.” تشبث ببعض أمور رآها مختلفة، مثل ” المسن العظيم” رودان، الذي ستؤول الأمور معه إلى نهاية سيئة، والنصب الفخم لآلهة النصر اليونانية من ساموثراكي، في اللوفر، الذي جعله يشعر بأنفاس اليونان بدلاً من هواء باريس الثقيل، العدائي، المحزن، المنعزل حتى الموت.

في قداس هذا المساء، كانت تجري مراسم معمودية طفل صغير، وفكرت كيف أن ريلكه وجد أن كنائس باريس أقرب إلى الطبيعة من الحدائق العامة، التي كانت بالنسبة له، شديدة الشبه بالأعمال الفنية. بدلاً من ذلك، اعتبر كنائس المدينة الكبيرة “حية بشكل غريب،” “مصانة” بعزلتها وهدوئها حتى في وسط المدينة الكبيرة. خلال الطقس الكنسي، قام راهب يرتدي ثوباً أبيض بتغطيس الطفل العاري في جرن المعمودية ثلاث مرات، غاسلاً إياه بالماء الذي أتى به الأهل من نهر الأردن، الذي يجري في إسرائيل وفلسطين. ومن ثم رفع الطفل المحمول كالسمكة من قدميه ورأسه-في ضوء المذبح المشرق، فاستطاع جميع الرعية رؤية لحمه المشع الزهري اللون.

بعد الغسق، قبل أن تضاء شموع صلاة الغروب، أنا اللا أدري-كثيراً ما أشعر بالوحدة في ظلمة ذلك الركام من الأحجار المتداعية. بحجم راحة اليد، غير مرئي، قبالتي في الظلمة الرطبة، حيث الضوء الحقيقي الوحيد هو ضوء المخيلة-مع الصباح، عندما يخترق نور الشمس مجدداً نوافذ الزجاج الملون من الرسل، من بينهم الرسول متى البشير، الذي قال،
“واسعة هي البوابة والطريق المؤدي إلى الدمار رحب. ضيقة هي البوابة وعسير هو الطريق الذي يقود إلى الحياة.” بعد انتهاء الطقوس، في الساحة خارجاً، كان يجري حدث عظيم عن بطة سوداء وبيضاء جميلة، هربت من متجر للجزارة. كان ثلاثة رجال مستعينين بسلالم، مكانس، وأحجار، يحاولون الإمساك بالمخلوق الخائف، الذي فهم جيداً أنه سيؤكل قريباً على عشاء يوم الأحد. أتذكر حكاية من حكايات جان دولا فونتين، التي تحكي عن طاهٍ ثمل، يقحم خطأً بجعة بدلاً من بطة، في وعاء الحساء، وفي الوقت الذي كان يوشك فيه على طبخها، أرغم غناء البجعة لحن الموت الطاهي على فتح عيونه المتعبة، (ماذا فعلت؟). ما من رجل عاقل أبداً يطهو بجعة تغني مثل هذه الأغنية الجميلة، فالدرس المستفاد من الحكاية هو أنه لدى مواجهة الخطر، قد تكون أغنية، أو (حتى كلمات لا تنسى من قصيدة) في المتناول.

كان قط سيامي هو أول حيوان أليف اقتنته عائلتي عندما كنت صبياً، وكان اسمه شو-شو، ومعناه “الملفوفة الصغيرة”، ولو أن شو-شو كان صياداً مفتول العضلات يجول الطرقات كل ليلة تاركاً غنائمه-عصافير دوري وأبو الحناء هامدة، على عتبتنا غالباً. المحزن في الأمر أنه في أحد الأيام لم يعد. لتكريمه، ترجمت عن الفرنسية مقالة مؤثرة لريلكه عن القطط، كتبت كتقديم لمجموعة من رسومات بالحبر الأسود رسمها لصديقه ذو الأحد عشر عاماً بالتازار كلوسوفسكي، الذي أصبح الفنان الحداثي الفرنسي-البولوني بالثوس، وكانت أمه صديقة لريلكه. عندما كان بالثوس صبياً، ربى قطة ضالة اسمها ميتسو، وعندما اختفت ميتسو المحبوبة بشكل غامض حزن بالثوس حزناً شديداً. وقد أحيا ذكرى العلاقة في أربعين رسم تعبيري، ما أدخل البهجة إلى قلب ريلكه-بنوع من شعور أبوي-إذ عمل على نشرها. يبدأ تمهيد ريلكه:

من يعرف القطط؟ – من الممكن أن تدعي معرفتها حقيقة. أنا أقر بأن وجودها بالنسبة لي كان دوماً فرضيات محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير.

لا بد للحيوانات بالطبع، من دخول عالمنا قليلاً للانتماء إليه. لابد لها من قبول طريقة عيشنا والانصياع لها، لا يهم إلى أي حد. وإلا سواء كانت عدائية أو هيابة، ستستوعب المسافة بيننا، وهذا سيصبح الأساس لتواصلها.

انظر إلى الكلاب: مسلكها الواثق والمثير للإعجاب هو هكذا إذ يظهر أن بعضاً منها تاب عن التراث الأقدم من عالم الكلاب طلباً لاستحقاق أعرافنا وحتى نقاط ضعفنا. هذا تماماً ما يجعلهم مأساويين وأجلاء. خيارهم بقبولنا يجبرهم على الإقامة، عند حدود طبائعهم الحقيقة، إذا جاز القول، هذه الطبائع التي يتجاوزونها باستمرار بنظراتهم البشرية وخطومهم الكئيبة.

لكن ما هو سلوك القطط؟ – القطط هي القطط، باختصار، وعالمها هو عالم القطط تماماً. تنظر إلينا، هل تظن ذلك؟ لكن لا يمكنك أبداً أن تعرف حقيقة إذا ما كانت تتفضل وتستبقِ صورتك الهزيلة ولو حتى للحظة في خلفية شبكيتها.  مركزة علينا، قد تكون الحقيقة، أنها تمحونا بشكل سحري من حدقاتها الملآى أصلاً؟ لا شك أن بعضاً منا ينساقون مع خداع مداعباتها الكهربية والملحة. لكن على هؤلاء أن يتذكروا السلوك الغريب المفاجئ الذي تتحول إليه حيواناتهم المفضلة، بوضعها حداً لهذه المشاعر المتدفقة التي كانوا يفترضون أنها متبادلة. حتى البعض من ذوي الامتيازات الذين سمح لهم بالتقرب من القطط، يتم رفضهم وإنكارهم مرات عدة.

” إنَّ حياة العظماء طريق معبد بالأشواك، لأنهم مكرسون لفنهم بالكامل. حياتهم مثل عضو ضامر كفّوا عن استخدامه ” كتب ريلكه في رسالة. هل من الممكن لكاتب أن يحب الكلمات أكثر من الحياة؟ أتساءل. لا أرغب أن تكون حياتي عضواً ضامراً، لا أريد أن أكون بعيداً عن أحلامي، مثل أبي الذي تجند ليهرب من حياة المزارع. مكافحاً لجمع اللغة مع الفن، أريد بناء عالم متخيل يكون لي بكليته، ليس اعترافياً ولا مجرداً. ليس لدي برنامج للشعر، ولو أني دائماً ما آمل بهدي هؤلاء الذين لا أعجبهم.

أظن أن الكثير من المهارة في الفن قد تكون مملة، ليست البراعة في قرض الشعر ضرورية لتجعل من المرء شاعراً جيداً. ما يحدد الشاعر ميزة عالمية محددة تستتبع تفهمه للذبذبة السرية للعالم. هذا لا يشمل بالضرورة موهبة نظم الشعر، التي هي قدرة يشترك بها العديد من الشعراء الحقيقيين.

كان السيري جيمس لورد بالنسبة لي، رجلاً لافتاً لم يصب الضمور حياته، ولو أن أصدقاءه وجدوه كتوماً ومنحرفاً.  لقد استوعب الطبيعة المعقدة للإلهام الفني. كان مثقفاً دون تكبر، لأنه لم ير العالم بطريقة تراتبية. له رسومات بريشة بالثوس الملغز بعناد، الذي زاره في بيته، قصر شاسي، في البيرجندي، حيث تم إنهاء المخططات الرسومية –في المرة الأولى خلال خمسة عشر أو عشرين دقيقة، ومن ثم الثانية فالثالثة، كان الرسم الأخير، وفقاً لجيمس، “الأفضل بلا شك.” “حسناً الآن، عزيزي جيم، سيكون لدينا فترة وقوف صغيرة، هل نفعل؟” قال له بالثوس عندما أتى إلى المرسم حاملاً دفتراً خاصاً بالمخطوطات ومجموعة أقلام فقط. “اجلس في تلك الأريكة وانظر نحوي. حسناً. هكذا. واخفض رأسك.” فكر جيمس بأن المخططات كانت من بين أفضل رسومات بالثوس، وعندما كان يغادر القصر، قال له بالثوس،” لقد قطعت كل هذا الطريق لتقف من أجلي، ومن النادر جداً، جداً أن أرسم رجالاً، فأنا بالتالي مدين لك حقيقة بمعروف، عليك أن تأخذ الثلاثة وتذهب.”  كما لو أن الرسوم لم تكن فقط تسجيلاً لصورة جيمس الشاب، لكن أيضاً لكشف بالثوس المهذب النبيل عن شيء ما في قرارة نفسه، نجمَ عن اقتحام جيمس لعالمه المنفرد. ” كان بالثوس وحيداً،” أكد جيمس، وحيد جليل، رومانسي “من فكر بالفنان باعتباره شخصية بطولية، أسطورية.

كنت طفلاً صغيراً عندما أتيت إلى باريس للمرة الأولى ومصدر الذكريات التي أحملها هو الأفلام الثمانية لعائلتي. في واحد من هذه الأفلام كنا في رحلة على متن قارب في نهر السين، جالس بالقرب من والدي الوسيم الذي يرتدي بدلة صيفية وقميصاً أبيض مزرراً حتى حنجرته، ينظر للأسفل بشكل تأملي، وأنا أرتدي سترة رمادية بسحاب محدقاً في الشمس نحو الكاميرا، يقف أخي الأكبر خلفنا بوجه متجهم. كان الموت، الخوف، الحلم، والشعر بعيدين عن الصبي الصغير الذي كنته. هل كان لي في عمر ثلاث سنوات، نفس أيضاً؟ إذا كان لي، كيف عليَّ أن أناضل لئلا أقتل في باريس التي أجدها غير محتملة. يبدو وجهي وحيداً وهادئاً. يعكس السين المظلم من خلفنا ضوء الشمس كمرآة سوداء، بدلاً من المياه الرمادية الضبابية التي أمر بها في ذهابي وإيابي يومياً.  تنتظرني النصب، الحدائق، الكنائس، النوافير، التماثيل وعائلتي الفتية. أية رسائل ذكريات محيرة قد تسفر عنها. وأنا أكتب هذا، يكاد يكون عطرها، وموسيقاها الجميلة، ظلالها، أثقل من تحمله.

نشرت في النيويوركر بتاريخ 28/8/2014

2-Notre-Dame-rose-window

شارع الشاعر الحديدي-يوميات هنري كول في باريس-/11/

نشرت في مجلة النيويوركر بتاريخ 24/6/2014

لماذا أكتب هذا كله، يا عزيزي القارئ؟ أجيب بأني غير راغب بإخفاء شيء كما أني لا أود أن أكون كتوماً. وبدلاً من ذلك، أريد الكشف عن أشياء-أساطير يومية، حكايات، وأمثولات-وإلا سيظل هذا كله منسياً وراء جمال باريس المكثف. شاهدت مؤخراً فيلماً من العام 1930 مقتبساً عن رواية فيكتور هيجو الخالدة ” أحدب نوتردام”، التي تدور أحداثها في نهاية القرن الخامس عشر. كان من بين الممثلين، الإنجليزي تشارلز لوتون، في دور كوازيمودو اللطيف، المسكين، والمساء فهمه، قارع جرس كاتدرائية نوتردام المشوَّه، الذي ينقذ إزميرالدا (لعبت دورها مورين أوهارا)، الراقصة في شوارع روما (أو الغجرية، كما تسمي نفسها)، المتهمة بالقتل. سحرت ازميرلدا الجميع، مع عنزتها. لكنها تشعر بأنها حرمت من الأمان، والسعادة، من منزل جيد، ومن الرفاهية بسبب أصلها. يؤكد الفيلم دون مبالغة، بأنا جميعاً نولد من رحم وننتهي إلى لحد. انتهت العصور الوسطى وأنهكت فرنسا بحروب دامت مئات السنين، لكن الأمل موجود في عيون مواطنيها. للأسف، هناك خرافة أيضاً، عن شكل جديد من التعبير والتفكير المعروف باسم مطبعة جوتنبرج، لكن الملك لويس الحادي عشر ليس خرافة.

“هناك… في جميع أنحاء فرنسا، في كل مدينة، تنتصب كاتدرائية مثل هذه، معالم انتصارات الماضي… كتاب في حجر،” يقول، مشيراً إلى نوتردام. يخبرنا الملك بأن الكاتدرائيات هي ” خط يد الماضي،” لكن ” المطبعة من عصرنا.”

موضوعة الجديد إزاء القديم هذه مكررة في الفيلم، الذي يقال لنا من خلاله، نظماً، ” لا يمكن للقديم أن يدوم أبداً. / يطالب الجديد بمكانه. / من الحماقة التشبث بالماضي. / ثق بوجه المستقبل.” أحببت الكثير من الأمور في الفيلم، كما عندما تقول الشخصية، ” كوني شاعر هذا يعني أيضاً أني متشرد، ويمكنني التعلم بسرعة كيف أصبح لصاً.” لاحقاً يضيف، لا يؤمن الشاعر بالقوة. أخبرتك أنه بإمكاني إنقاذك دون قوة.”  وأحببت عندما يغلب الشوق كوازيمودو الذي بالكاد ينطق، لازميرالدا الجميلة، ويقول لميزاب الكاتدرائية القبيح، “لمَ لمْ أقدُّ مثلك من حجر؟” كالعادة، الكتاب أكثر قتامة من الفيلم، لم يتم إنقاذ ازميرالدا وهي في طريقها إلى المشنقة، بل شنقت. بعد دفنها بعدة سنوات، وجد هيكل عظمي ذو حدبة متشابك مع هيكلها العظمي.

كان يعتقد أن الضوء المتغلغل من الزجاج الملون لنوافذ الكاتدرائية هو حضور الله الأكثر جمالاً بيننا. ” لم أدرك ذلك أبداً إلى الآن، كم أنا قبيح، لأنك جميلة جداً،” كوازيمودو (الذي تم التخلي عنه وهو طفل على درجات كاتدرائية نوتردام) يقول بحزن لازميرالدا، التي تمنحه شربة ماء وبعض الشفقة.  نحن مسحورون بقبحه سحراً شيطانياً -نحجم عنه لكنا نرغب بالنظر إليه أيضاً. أتيت إلى باريس لجمالها من ناحية، ولأن نداء الحياة أقوى من مقاومته، وهذا منحني الإحساس بهناء عاطفي، لكن هل هو شعور تطوري؟ هل يساعدني في البقاء على قيد الحياة؟ ” الجمال،” الاسم ويعني” الجاذبية الحسية،” أتى من الكلمة الأنجلو-فرنسية في أوائل القرن الرابع عشر beute، فيما ظهرت كلمة تفيد ضمناً معنى ” امرأة جميلة” في وقت لاحق من القرن. كان أول تسجيل لتعبير ” خبير تجميل” بالأميركية الإنجليزية في العام 1924 (في كليفلاند، أوهايو، دليل الهاتف).  أما نعت
“قبيح،” الذي يصف المظهر ” البغيض أو الكريه” فهو أقدم.  لها أصل إسكندنافي، ربما من اللغة النرويجية القديمة uggligr، التي تعني ” مخيف، مفزع.” في سوناتا جيرارد مانلي هوبكينز الجريئة، ” جمال مبرقش،” يعرف الجمال على أنه ” كل شيء مضاد، أصيل، قليل، قوي،”  مما يسمح لنا بتقدير الكستناء، الماشية، السلمون، الحسون، والحقول المرسومة، وهذا يبدو مثالياً.

استرعى انتباهي هذا الصباح سنجاب جميل نائم.  تسعى الحيوانات-مثلها مثل البشر-لملاذ آمن. يصنع الغزال سريراً من العشب النامي، تحفر القوارض جحورها في التربة، وتبتدع القردة فراشاً من الأوراق. في باريس، أنام وحيداً على فراش سميك رغوي. لأن أحلامي غير متماسكة، أفقد أي إحساس بالزمان والمكان. كثيراً ما أطير. عليَّ أن أصحو أثناء مرحلة “نوم حركة العين السريعة” REMلأكتب أحلامي، أو أنساها. ترتعش عيناي كعيني قطة حالمة، لكن لا يبدو أن هذا مرتبط بأحلامي. تتحرك عيناي لأن الخلايا العصبية التي تنبه عضلات وجهي ليست معطلة، كما هو حالها في بقية جسدي الطويل. على نحو غامض، أحظى في باريس دائماً بالكثير من مراحل نوم حركة العين السريعة، وبالتالي أكتب.

أتمنى لو أعرف سببها، أتمنى لو أتمكن من تحديدها. إنها تبدو شكلاً للفكر، أو نوعاً من وهم الواقع. بالتأكيد، إنها مصدر عاطفة مكثفة، ومن المرجح أنها تحميني مما أشعر به حقيقة، ما سيكون تحمله شديد الإيلام. في باريس، عندما أنام لوقت متأخر مثل رضيع، أقول لنفسي، مبرراً كسلي، هذا حسن لدماغي وجهازي المناعي. عندما أنام، أتقلب على جانبي وانتزع الوسادة الفرنسية الكبيرة الناعمة. هذه إشارة على أني أحلم، مثل حركة كفوف وشارب قطة، أو كلب يتأوه وتتدحرج عيناه خلف الجفون المغلقة. أتمنى أن تكون باريس دوماً مكاناً مستقراً من حيث نوعية النوم وكميته. أظن أن هذا سيكون تعويضاً عن بعض الإذلال المبتذل للحياة اليومية. النوم هو فكرتي عن الجمال. ولقد حاولت الكتابة عنه في قصيدتي “للنوم”

حينها قفزت يد عارية من الظلمة

لاطفت جبهتي، ” تعال، أيها الطفل،

مد قدميك تحت الغطاء.

سوف تعيد الظلمة إليك، النسيان.

لا تخف.” فأضع كتابي

وأقحم مثل إصبع في الحرير الخالص،

الجزء السيري مني، الأنا،

خطفت إلى مكان آخر، حيث لم أعد

جسدي لكن أكثر-

الأجزاء المتمردة مني، والمكرهة

متكافئة، كل شيء ينزلق-

حرب، انتحار، حب، فقر-كثائر،

فان أنا، أنا، استلقي، كخنفساء تخرق زهرة،

أفكاري الحمر في ظل أحمر كل ما كنته.

التقطت يوم أمس صورة حرارية لصديقتي المترجمة، كلير مالرو. كنت أنظر إليها كما ينظر مخلوق ما ليلاً في شارع من شوارع الدائرة الرابعة عشرة، حيث تسكن. للحيوانات مستقبلات حرارية في عينيها تسمح لها بتتبع المصادر الحرارية عن بعد. ذكرتني رؤيتي لكلير بهذه الطريقة بنفسي عندما كنت في السادسة عشرة من عمري أتعاطى أنواع الأفيون الذي كان شديد التأثير على عقلي الشاب، فكنت أتمدد في السرير لثلاثة أيام كمخلوق أحمق، غائب عن الوعي. اكتشفت أني لا أرغب أو أحتاج لرؤية المصادر الحرارية لأحبائي، بالطريقة التي ترى بها الأفعى. ليس عليَّ رؤية ما تراه بومة البيدر، أو الجرذ، أو العثة في الظلمة، بسبب العصيات الخاصة في عيونها. في خلفيات عيوني قماش براق من أوردة الدم البشرية. لهذا السبب هي حمراء، عندما أصور مستخدماً فلاش الكاميرا. لا أود خسارة هذا البعد البشري حتى بعد أن أفقد قدرتي على التحمل، وأعيش مثل ميزاب في دار للرعاية اشتم البول، والبراز، ومفرزات أخرى.

لأن الكثير مما آمل تحقيقه لم أنجزه بعد، أنا أطمح دوماً لقول الحقيقة في جو من الجمال (الجمال مجدداً!)، بحيث أربط داخلي مع الفضاء الخارجي. أظن أني طالما أملك هذا البعد الداخلي سأرغب بخلق شيء من اللغة للكشف عما يوجد هناك-لا سيما، الأشياء الفظيعة، المجنونة، القاسية من حولي. ربما يكون الشعر صورة حرارية للإنسان في العالم.

كان هناك اليوم رجل ينشج بجواري في الحانة. شاب يشرب كأساً من الكولا مع شريحة ليمون تتأرجح بداخله. كل بضعة دقائق يمسح الدموع عن خديه، وينظر إليَّ معتذراً. يرتدي بنطالاً من القطن المريح وسالفاه مشذبين بدقة. هل رأى مستقبله في مرآة الحانة، أتساءل؟ هل مس فيروس قاتل جسده الشاب، بانتخاب غير عادل، ذلك الذي مستني كثيراً في حياتي؟ هل يحتاج إلى طبيب؟ لم أكن مستعداً للتحدث إليه، كشخص من العهد القديم تحت أشجار الزيتون، مع رائحة إكليل الجبل أو الخزامى في الهواء. لقد بدا أنه يعوم في مكان ما بين السماء والأرض. موسى، إبراهيم، اسحق، يعقوب، نوح، وآدم كانوا في مكان ما بعيد، خلفه. في المرآة، صنعت الشمس المشرقة أشكالاً أجنحة غريبة كاللهب. على سطح طاولته، باقة زهور ملونة صنعت لهبا أيضاً. لقد بدا شديد الواقعية بالنسبة لي، لأنه لم يكن من شيء غير حقيقي عنه أو عن حزنه. رغبت بالتحدث إليه لكنه كان خائفاً. كنا كلانا وحيدين، والندل المستعجلين كانوا يتجاهلونا. للشاب عينين خضراوين دامعتين، كالزمرد الخام. في الخارج، في الساحة، كان هناك شجرة دلب، كبيرة، مخيفة، تهتز أغصانها. في الأفق، سحب كبيرة تتحرك بسرعة. بالقرب، على الرصيف، غراب ينقر بمنقاره الأصفر كيس قمامة زهري اللون ينضح. طلبت طبقاً من الفريز البري، الذي كان موسمه، وأخرجت دفتري وقلمي، لأني لا أعرف ما أفعله سوى هذا. لماذا تجعل الآلهة من اللعب معنا رياضتها؟ كلنا ولدنا في رحم وننتهي إلى لحد، كتبت.

http://www.newyorker.com/books/page-turner/street-of-the-iron-poet-part-xi

Asylum

John Self's Shelves

هنا تحكي

مُش عارفة ش قاعدة تحكي ولا ليه ولمين تحكي، بس تعرف إنّ فيه أحد- هي، على الأقل- مهتم بالّي تحكيه.

Mystery of the Iniquity

Truth is inspiring, it is guarded by GOD, and will triumph over all opposition!

راضي الشمري

عن الكتب .. وأشياء أخرى.

قراءات

قراءات نقدية معاصرة.. المعرفة والأفكار للجميع

Books, Bikes, and Food

Reviews, Recipes, Rides... and some other things, too.

TIME

Breaking News, Analysis, Politics, Blogs, News Photos, Video, Tech Reviews

Writer on Writer

Book reviews and analysis

Younes Ben Amara

مدونة يونس بن عمارة

Travalanche

Being a web log for the observations of actor, author, cartoonist, comedian, critic, director, humorist, journalist, master of ceremonies, performance artist, playwright, producer, publicist, public speaker, songwriter, and variety booker Trav S.D.

ك ت ب - «ثقافة وفن»| kataba

صحيفة إلكترونية تعنى بالثقافة والفن.. تتطلع لمزيد من التفاعل مع مبدعى ومثقفى العالم

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 243 other followers