Feeds:
تدوينات
تعليقات
by faith ringgold

by faith ringgold

البنية الجمالية لرواية “كين” لجين تومر

مايكل كارسني-جامعة سان فرانسيسكو.

في خريف عام 1992 نشر تومر قصائد ” نهاية عاصفة،” ” غسق جورجيا،”
” أغنية الحصاد،” و ” أغنية الابن،” بالإضافة إلى قصص ” سرخس،” كارما،” و ” بيكي” وقطع النثر الشعرية ” نورا” و ” الشارع السابع.”  بدأ تومر مع نشر القطعة الأخيرة بالكتابة أكثر عن السود في الشمال. كانت هذه القطع متضمنة في كين بمقابل القصائد والصور النثرية التي نجمت عن تجاربه في جورجيا. كل مخططات، قصائد، وقصص كين، إلى جانب النسخة المنقحة للرواية الدرامية التتويجية” كابينز” حيث تم تأليفها بنهاية العام.

لتوضيح إضافي للفكرة لا يحتاج المرء سوى النظر في الأقواس المطبوعة على صفحات منفصلة في كين، واحد يسبق كل من “كارينثا” و “الشارع السابع” وكلتاهما سبقتا “كابينز”. تمثل الأقواس التصميم الأساسي لكين التي تنتقل مثل حلقة من أشكال الحياة البسيطة في الجنوب إلى الأشكال الأكثر تعقيداً في الشمال وتعود إلى الجنوب في “كابنيز”. فيما يتعلق بالتيمة، تبدأ بنية الكتاب برد غنائي على الجمال والدوافع الطبيعية لستّ نساء بدائيات تعشن بالقرب من الريف وتخرجن بدرجات متباينة عن الأخلاق المسيحية التقليدية. ومن ثم تنتقل لتعنى بالسود الشماليون، الجنوبي المنتقل الذي أصبح ضحية للتكنولوجيا ولعادات البيض.  يتناول الكتاب أخيراً “كابنيز”، أسود شمالي متحضر، يعود إلى أرض الأسلاف في محاولة فاشلة لاستكشاف معنىً وقبولاً في تراثه.

تم تجسيد كلاً من الاستكشاف والقبول الفاشل للتراث في الفصل الأول من وجهة نظر قصيدة “أغنية الابن”. ومع أن تومر كان يؤمن بأن الروح الشعبية والعفوية للسود الجنوبيين كانت تحتضر، فقد حاول تصوير الآثار في لوحات الفصل الأول من الكتاب. معرض النساء الجنوبيات وشِعر هذا الفصل يحملان الحنين الذي يشعر به الشاعر في “أغنية الابن” ويبرز السمات البدنية، الغريزة الطبيعية، والأرض. ينتقل الفصل نحو الكبت الجنسي لـ “استر”-نتيجة تسلل أخلاق البيض-والقاتل الرمزي لحيوية السود بواسطة ثقافة البيض في قصيدة “صورة في جورجيا” والقصة القصيرة “قمر دموي يحترق.”

يعنى الفصل التالي أو قوس الكتاب الثاني بالآثار المتفشية لثقافة البيض على الرجل الأسود الشمالي. خضع السود الشماليون لموت روحي لا يشبه الموت الجسدي لتوم بورويل في” قمر دموي يحترق”.  وبالتالي فهناك في طباق مع الفصل الأول من كين cane إبراز للإقصاء من الأرض، الدوافع الطبيعية والروح. الإقصاء واضح جداً، على سبيل المثال يبدأ الفصل الثاني بقطعة النثر الشعرية “مناداة يسوع”، بعد قطعتين مرتبطتين من نثر شعري بـ ” آفي”، صورة لامرأة شمالية سوداء تتذكر الدوافع الطبيعية والحسية المرافقة للجنوب العاطفي، بالرغم من أمنيات راوي القصة. تركز حركة الفصل بعدها على كبت هذه الدوافع في شخصيات جون في “مسرح”، ومورييل والرجل الجنوبي الأسود دان مور في “مقعد المقصورة”.  هناك في “بونا وبول” يقظة في وعي بول للجمال الطبيعي والعرقي في الفصل الأول، الناجمة كنتيجة عن حاجته لجمع بتلات وفهم السبب الذي كان يمنعه من الإمساك ببونا الشهوانية والمستبدة في آن. في هذه القصة التي ينتهي بها فصل الكتاب الثاني أو القوس، هناك طباق أساسي بين بونا المرأة البيضاء الجنوبية، ولوسيا من “قمر دموي يحترق”. بدل من أن يترافق القمر والدم في القصة الأخيرة، هناك إشراقة مفاجئة وحدائق قرمزية، قوى تعمل مع بواب القصة الأسود بزيه الرسمي على تنشيط وعي بول لفهم هويته العرقية المشوشة، أو الذاهلة.

القوسان اللذان يسبقا الفصل الأخير من كين، يمثل” كابنيز” الوعي الأسود العصابي للشمال في التماس روحانيته المجتثة وهويته العرقية بواسطة العودة إلى أرض الجنوب القمرية في “قمر الأطفال.”  وبالتالي تدمج ” كابنيز” أهمية القوسين السابقين: الحاجة الفنية للجمال الغنائي واستكشاف رعب الفصل الأول، الروح المخنوقة والوعي المتيقظ في الثاني. ينتهي فصل “كابنيز” من كين على تضاد مع الماضي المندثر المترافق مع شروق الشمس في فصل الكتاب الأول، مع الشمس، ينهض “طفل الذهب متوهج” ويبعث “أغنية ولادة”، أغنية دائمة لـ “كين المتجذرة عميقاً.” يصبح التصميم العام لكين كما هو ظاهر، واضحاً في بال تومر في الوقت الذي كان يكتب فيه الفصل الثاني من الكتاب.

كلاً من الفصلين الأخيرين من كين يتناولان الآثار التي تركها على السود اضمحلال الجمال والمرتبط سلالياً بالثقافة الشعبية، المكتملة رمزياً بالموت المؤجل للأب جون في “كابنيز”. جمالياً، بأية حال، وعي كابنيز قابل لاستكشاف الأشكال التي يسعى إليها في صور الفصل الأول من الكتاب. تتحد الأقواس مشكلة حلقة، ويظل هذا الشكل سلساً بواسطة الوحدة العضوية ومجاز خيال الفنان. مثل الجنوب الغامض لـ “الكهنة الكبار …ورجل الجوجو” يتجاوز الكتاب الأبعاد الدنيوية.

ولد جين تومر سنة 1894 في واشنطن العاصمة، ابناً لمزارع جيورجي. ورغم أنه عاش بين البيض خلال فترات عديدة من حياته، إلا أنه ترعرع في مجتمع السود. سنة 1921 اشتغل في التعليم بجورجيا وبقي هناك أربعة أشهر، وقد ألهمته هذه التجربة كتابه «Cane» وهو كتاب قصيدة النثر الذي يصف فيه سكان جورجيا وطبيعتها. في بداية العشرينيات اهتمَّ تومر باليونيتيزم، وهي ديانة أوجدها الأميركي جورج إيفانوفيتش جورجييف، تُعلِّم الوحدة، التجاوز والتفوّق الذاتي عبر اليوغا. فبدأ يعظ بتعاليم هذه الديانة في هارلم، ولاحقاً في وسط المدينة في مجتمع البيض، ومن هناك انتقل إلى شيكاغو ليفتتح فرعاً جديداً للمُريدين، وقد جسَّدَ هذا المركز توقه إلى الوحدة العرقية. انتُقد تومر من مجتمع السود لتركه هارلم وزواجه من البيض ولأنه رفض جذوره ليحيا حياة البيض. توفي الشاعر سنة 1967. وفي الآتي ثلاث من قصائده.

وجه من جورجيا

شعر كستنائي مضفور

معقود كحبل المشنقة

عيون -حُزم

شفاه -خوف قديم، أو أول البثور الحمراء

نَفَس -عطر كين المحبَّب الأخير

وجسدها الناحل أبيض كرماد

اللحم الأسود بعد الاحتراق.

أغنية مسائية

قمرٌ بدرٌ يُشرف على مياه قلبي،

بحيرات وقمر ونيران،

كلوين متعبة،

تعضُّ على شفتَيها،

عهود الوسن تهجر الشاطئ لتسحر القمر،

ونجمة المساء بقيت بأعجوبة،

كلوين تنام،

وسوف أنام بعد قليل،

كلوين، تتقلَّب مثل مياه ناعسة عندما تبدأ موجات القمر،

مشعَّة، تومض بلمعان

كلوين تحلم،

شفاهها تضغط على قلبي.

زهرة قطن نوفمبر

سوسة القطن في طريقها، وبرد الشتاء

أضفى على سويقات القطن لون الصدأ، كمواسم فات أوانها،

والقطن، شحيح كثلج جنوبي،

الغصن يتهاوى؛ رخواً شديد الذبول،

لا يصلح أن يكون مجرفة لأوراق الخريف؛

التربة اجتاحها القحط مسبّباً انجرافها

جفاف كل مياه السواقي؛ طيورٌ ميتةٌ وُجدتْ

في الآبار على عمق مئة قدم تحت سطح الأرض

وهذا هو الفصل الذي تفتَّحت فيه الزهرة

الدهشة أصابت كبار القوم، وسرعان ما حلّوا اللغز

الخرافة رأت

ما لم تره من قبل قط:

عيون بنّية وقعت في حبّها دون وجل،

حُسْنٌ لا يخطر ببال أحد في مثل ذلك الوقت من السنة.

ملاحظة: القصائد نشرت في مجلة «الغاوون»، العدد 48، 10 أيّار 2012.

الرابط  هنا:

http://www.negroartist.com/writings/The%20Aesthetic%20Structure%20of%20Jean%20Toomer’s%20Cane.pdf

بنات القمر- إيتالو كالفينو

RYAN MCGINLEY, “FIREWORKS HYSTERIC” (2007-08)/COURTESY TEAM GALLERY, NY

RYAN MCGINLEY, “FIREWORKS HYSTERIC” (2007-08)/COURTESY TEAM GALLERY, NY

بنات القمر

إيتالو كالفينو-1968

نشرت في النيويوركر في 23/2/2009

ترجمها عن الإيطالية: مارتن ماكلوكلين.

 

محروماً كما عهده من غطاء هوائي يعمل كدرع وقائي، وجد القمر نفسه عرضة منذ البداية وبشكل مستمر لقصف النيازك ولعوامل التآكل من أشعة الشمس مباشرة. وفقا لتوماس جولد من جامعة كورنل، تحولت الصخور على سطح القمر إلى مسحوق عبر استنزاف مستمر من جسيمات نيزكية. وفقا لجيرارد كيبر من جامعة شيكاغو، هروب الغازات من ماجما القمر ربما منحت للقمر ضوءً بقوام اسفنجي مثل ذلك الذي للحجر الخفاف.

 

أقر قفوفق[1] أن القمر طاعن في السن، مجوف بالثقوب، بالٍ. يتدحرج عارياً عبر السماوات، إنه يتآكل ويخسر لحمه مثل عظم منخور. هذه ليست هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الأمر. أتذكر أقماراً كانت حتى أكبر وأكثر بِلىً من هذا القمر، لقد رأيت قدراً كبيراً من هذه الأقمار، رأيتها تولد وتجري عبر السماء وتنقرض، واحد مثقوب من برَد الشهب، وآخر ينفجر من كل فوهاته، وأيضاً آخر ينضح قطرات من عرق التوباز الملون الذي تبخر من فوره، ومن ثم مغطى بغيوم مخضرة ويتناقص إلى أن يذوي، قوقعة اسفنجية.

ليس سهلاً وصف ما يحدث على الأرض عندما يموت قمر، سأحاول أن أفعل باللجوء إلى آخر حالة يمكنني تذكرها. وصلت الأرض عقب فترة طويلة من التطور إلى ما يقارب الطور الذي نحن فيه الآن، أي أنها دخلت مرحلة تبلى فيها السيارات بسرعة أكبر من نعال الأحذية.  كانت الكائنات بالكاد أشياء مصنعة بشرياً تباع وتشترى، وقد غطت المدن اليابسة بلون مضيء. نشأت هذه المدن في نفس الأماكن تقريباً التي تنشأ مدننا فيها الآن، مهما اختلف الشكل الذي كان للقارات. كانت نيويورك هناك حتى أنها بدت تشبه بشكل ما نيويورك التي يعرفها جميعكم، لكنها كانت أكثر جدة، أو بالأحرى مغمورة أكثر بمنتجات جديدة، فراشي أسنان جديدة، نيويورك بمانهاتن التي توسعت بكثافة بناطحات السحاب النيرة مثل الشعيرات البلاستيكية لفرشاة أسنان من نوع جديد.

في هذا العالم حيث كل شيء كان يتم التخلص منه عند أدنى إشارة للتهشم أو القدم، عند أول انبعاج أو تبقع، ويستبدل بجديد ومثالي، كان هناك ملاحظة واحدة خادعة، ظل واحد: القمر. لقد تجول عبر السماء عارياً، متآكلاً، ورمادياً، غريباً أكثر فأكثر عن العالم هنا في الأسفل، أثراً من طريقة وجود تم هجرها الآن.

لا تزال تعابير قديمة من مثل ” قمر كامل”، ” قمر الربع الأخير” مستعملة لكنها لم تكن حقيقة سوى مجازات كلامية: كيف يمكننا أن ندعو بالكامل الشكل الذي كان مليئاً بالشقوق والفجوات والذي بدا دائماً أنه يكاد يتحطم على رؤوسنا بحمام من الأنقاض؟ ولا حاجة لتذكر عندما كان قمراً أمحقاً! كان يتضاءل إلى نوع من قشرة جبنة مقضومة، ويختفي دائماً قبل أن نتوقع منه ذلك. عند كل قمر جديد، نتساءل فيما إذا سيعاود الظهور (كنا نأمل بأنه سيختفي ببساطة؟)، وعندما ظهر من جديد، بدا شبيهاً أكثر فأكثر بمشط فقد أسنانه، أشحنا بنظرنا رعباً.

كان مشهداً يبعث على الكآبة. خرجنا في حشود، أذرعنا مثقلة بالرزم، تروح وتغدو من المخازن الكبرى التي كانت مفتوحة ليلاً نهاراً، وبينما كنا ننعم النظر في إشارات النيون التي ارتفعت أعلى وأعلى ناطحات السحاب ونبهتنا باستمرار إلى منتجات جديدة تم إطلاقها، رأيناه فجأة يتقدم، شاحبا بين تلك الأضواء الباهرة، بطيئاً ومريضاً، ولم نستطع أن نشيح بأفكارنا عنه ذلك أن كل شيء جديد، كل منتج اشتريناه للتو، يمكن له أن يبلى بشكل مشابه، يفسد، يتلاشى، و لسوف نفقد الحماسة للجري هنا وهناك لشراء الأشياء و العمل بجنون – خسارة لم تخلو من العواقب على الصناعة والتجارة.

تلك كانت الطريقة التي بدأنا بها النظر في مسألة ما علينا فعله معه، هذا القمر ذو النتائج العكسية. إنه لا يفيد أي غرض، لقد كان خراباً عديم النفع. عندما بدأ بخسارة وزنه، انحرف مداره نحو الأرض: لقد كان خطراً، متجاوزاً أي شيء آخر.  وسرعان ما تباطأ مساره، لم يعد بإمكاننا حساب مراحله. حتى الروزنامة، إيقاع الشهور، أصبحت اصطلاحية وحسب، مضى القمر قدماً على نحو متقطع وغير منتظم كما لو أنه على وشك الانهيار.

في ليالي القمر المنخفض هذه، بدأ أناس من ذوو المزاج الأكثر تقلباً بالقيام بأشياء غريبة. كان هناك دوماً متسرنماً يمشي على حافة تصوينة ناطحة سحاب وأذرعه ممدودة نحو القمر، أو مستذئباً يبدأ بالعواء في وسط ساحة التايمز، أو مصاب بهوس إشعال الحرائق يشعل ناراً في مخازن رصيف الميناء. كانت هذه الحوادث في ذلك الوقت شائعة حتى أنها لم تعد تجذب الحشد المعتاد من الفضوليين، لكن عندما رأيت فتاة جالسة بكامل عريها على مقعد في المتنزه المركزي كان عليَّ أن أتوقف.

كان لدي شعور بأن أمراً غريباً ما كان على وشك الحدوث حتى قبل أن أراها وأنا أقود سيارتي عبر السنترال بارك، عند عجلة سيارتي المكشوفة شعرت بنفسي استحم في ضوء يخفق مثل ذلك الذي لمصباح الفلورسنت تنبعث منه سلسلة من ومضات شاحبة مرتجفة قبل أن يضيء بشكل كلي. كان المنظر من حولي مثل ذلك الذي لحديقة غاصت في حفرة على سطح القمر. جلست الفتاة العارية بجانب بركة تعكس قطعة من قمر. توقفت لثانية فكرت بأني تعرفت عليها ركضت خارجاً من السيارة نحوها لكن حينها تجمدت. لم أعرف من تكون، فقط شعرت بأن عليَّ فعل شيء من أجلها في الحال.

كان كل شيء متناثراً على العشب حول المقعد: ثيابها، جوربها وحذاؤها هنا والفردة الأخرى هناك، قرطيها، عقدها، وأساورها، محفظة وحقيبة تسوق والمحتويات مسفوحة في قوس عريض، وحزم لا تعد وسلع، كما لو أن المخلوقة شعرت بنفسها مدعوة في طريق عودتها من فورة التسوق الباذخ ورمت كل شيء مدركة أن عليها تحرير نفسها من كل الأشياء والرموز التي تربطها إلى الأرض وكانت الآن تنتظر دخولها في المجال القمري كما هو مفترض.

ماذا يحدث؟ تلجلجت. هل بإمكاني مساعدتك؟

مساعدة؟ سألت، وعيناها تحدقان للأمام. لا أحد يمكنه تقديم المساعدة. ما من أحد يمكنه فعل أي شيء. وكان واضحاً أنها لم تكن تتكلم عن نفسها بل عن القمر.

كان القمر فوقنا، محدباً يكاد يسحقنا، سطح مدمر مرصع بالحفر مثل مبشرة الجبن. بدأت الحيوانات في الحديقة -عند تلك اللحظة تماماً-بالزمجرة.

هل هذه النهاية؟ سألت بشكل آلي، وحتى أنا نفسي لا أعلم ما قصدت.

أجابت، إنها البداية، أو شيء من هذا القبيل. (تكلمت تقريباً دون أن تحرك شفتيها.)

ماذا تقصدين؟ إنها بداية النهاية، أو شيء ما آخر يبدأ؟

نهضت ومشت على العشب. بشعرها الطويل النحاسي اللون المتدلي على كتفيها. كانت شديدة الحساسية حتى أني شعرت بالحاجة لحمايتها بطريقة ما، أن أحجبها، وحركت يداي نحوها كما لو لأكون جاهزاً لالتقاطها إذا ما سقطت أو لأمنع أي شيء قد يؤذيها لكن يداي لم تجرؤان حتى على مسها وبقيتا دوماً على بعد عدة سنتمترات من بشرتها. وبينما كنت أتبعها بهذه الطريقة ماراً بحدائق الزهور أدركت أن حركاتها كانت مشابهة لحركاتي، ذلك أنها أيضاً كانت تحاول حماية شيء ما هش، شيء ما قد يسقط ويتشظى قطعاً. وذلك يتطلب بالتالي أن يساق نحو مكان يحط فيه بلطف، شيء ما لا يمكنها لمسه لكن فقط توجهه بنظراتها: القمر.

بدا القمر بائساً. وقد هجر مدار فلكه، لم يعد يعلم أين يذهب، استسلم ليحمل كورقة جافة. بدا أحياناً أنه يسقط نحو الأرض، وفي أحيان أخر يتمعج في حركة لولبية، ولا زال في أخرى يبدو أنه ينجرف وحسب. كان يفقد علوه، ذلك كان محققاً: لثانية بدا كما لو أنه سيتحطم في فندق البلازا، لكن بدلا من ذلك انزلق في الممر بين ناطحتي سحاب واختفى عن النظر في اتجاه نهر الهودسون. وعاود الظهور سريعاً بعدها على الجانب المقابل للمدينة، غادر فجأة من خلف سحابة عابراً هارلم والنهر الشرقي في ضوء طباشيري وتدحرج نحو البرونكس كما لو أن هبة ريح تمسك به.

ها هو! صرخت. هناك-لقد توقف!

لا يمكنه التوقف! صاحت الفتاة، وركضت عارية حافية على العشب.

إلى أين أنت ذاهبة؟ لا يمكنك التجول بهذا الشكل! توقف! هيه، أنا أتكلم معك! ما اسمك؟

لقد صرخت باسم مثل دايانا أو ديانا، شيء ما يمكن أن يكون أيضاً تضرعاً. واختفت. رغبة في اللحاق بها قفزت عائداً إلى سيارتي وبدأت بالبحث في طرقات المتنزه المركزي.

أضاءت أشعة كشافاتي الأسوار، التلال، المسلات، لكن الفتاة ديانا لم تكن لتُرى في أي مكان. في ذلك الوقت كان عليَّ الذهاب بعيداً جداً: لابد أني عبرت بها، التفت لأعود نحو الطريق الذي قدمت منه. قال صوت من خلفي، ” لا، إنه هناك، واصل المضي!”

كانت الفتاة العارية جالسة خلفي على صندوق سيارتي تشير إلى القمر.

أردت أن أطلب منها النزول لأشرح أنه لا يمكنني التجول عبر المدينة معها وهي ظاهرة للعيان بتلك الهيئة، لكني لم أجرؤ على إلهائها، مصرة كما كانت على عدم الإشاحة ببصرها عن الوهج المتقد الذي كان يختفي ويعاود الظهور عند نهاية الطريق. وفي أية حال-وهذا كان حتى غريبا-ما من عابر بدا أنه يلحظ هذه التي بمظهر الأنثى الجالسة على صندوق سيارتي.

عبرنا واحداً من الجسور التي تربط مانهاتن بالبر. كنا في ذلك الوقت سائرين على طول طريق سريع متعدد المسارب، وسيارات أخرى بجانبنا، أبقيت عيوني محدقة نحو الأمام مباشرة، خوفاً من التعليقات الضاحكة والقاسية ذلك أن مشهدنا كان بلا شك مثيراً للسيارات من حولنا. لكن عندما تجاوزتنا سيارة سيدان كدت أخرج عن الطريق من هول المفاجأة: كانت رابضة على سطحها فتاة عارية وشعرها تطيره الرياح. فكرت لثانية بأن مسافرتي كانت تثب من سيارة مسرعة إلى أخرى، لكن كل ما فعلته كان أن أدرت رأسي بخفة شديدة لأرى أن ركبتي ديانا كانتا لا تزالان هناك عند مستوى أنفي. ولم يكن جسمها الوحيد الذي يتوهج قبالة عيني: الآن رأيت فتيات في كل مكان وقد انتشرن في أقوى الوضعيات، يتشبثن بالمشعات، الأبواب، وبرفارف السيارات المسرعة، جدائل شعرهن الغامقة أو الذهبية تتعاكس مع الومض المعتم أو الوردي لبشرتهن العارية. كان هناك واحدة من تلك النساء المسافرات الغامضات على كل سيارة وكلهن منحنيات للأمام، يستعجلن السائقين ليتبعوا القمر.

تم استدعائهنَّ من قبل القمر المهدد: كنت واثقاً من ذلك. كم واحدة منهن كانت هناك؟ المزيد من السيارات تحمل فتيات قمريات تجمعن عند مفارق الطرق وتقاطعاتها، تجمعن من كل أحياء المدينة نحو المكان الذي بدا أن القمر قد توقف فوقه. وجدنا أنفسنا عند طرف المدينة أمام باحة لسيارات الخردة.

تناهى الطريق تدريجياً نحو منطقة ذات وديان صغيرة، قمم، تلال، وذرى، لكنها لم تكن محيط الأرض الذي خلق السطح الوعر لكنها بالأحرى طبقات السلع المرمية: كل الأشياء التي استنفذتها مدينة المستهلك ونبذتها وبالتالي استطاعت أن تتنعم بمتعة التعاطي مع أشياء جديدة انتهت إلى هذه الحواري الغير جذابة في الحال.

بعد مرور عدة سنوات، ركام ثلاجات بالية، أعداد مصفرة من مجلة life، ومصابيح كهربائية محروقة تم تجميعها حول باحة أنقاض ضخمة. لاح القمر الآن فوق هذه المنطقة المتعفنة الخشنة وصفوف الحديد المجعد تعالت كما لو أنها حملت على مجرى عال. إنهما يشبهان بعضهما بعضاً، القمر المتداع وقشرة الأرض التي كانت قد التحمت في مزيج من الحطام، شكلت جبال خردة الحديد سلسلة أغلقت على نفسها مثل مدرج مسرحي. كان شكلها بدقة مثل ذلك الذي لفوهة بركانية أو بحر قمري. تدلى القمر فوق هذا المكان، وكان كما لو أن الكوكب وأقماره كانوا مرايا لبعضهما البعض.

توقفت محركات سياراتنا كلها: لا شيء يثير الرعب في السيارات بقدر ما تثيره مقابرها. نزلت ديانا وتبعتها كل الدَيَانات الأخرى. لكن بدا أن طاقتهن تتلاشى: تحركن بخطوات مترددة، كما لو أنهن في ايجاد أنفسهن بين تلك القطع من حديد الخردة، كان يستولى عليهن فجأة وعي بعريهن، طوت العديد منهن ذراعيها لتغطي صدرها كما لو أنها ترتجف برداً وفيما هن يفعلن ذلك انتشرن متسلقات جبال الخردة عديمة الفائدة ونزلن نحو المدرج حيث وجدن أنفسهن يشكلن حلقة ضخمة في الوسط ومن ثم رفعن جميعهن أذرعهن معاً.

تم تصميم الرافعة وبناؤها من قبل السلطات التي قررت تخليص السماء من عبئها السمج. لقد كانت رافعة يرتفع منها ما يشبه مخلب سرطان. تقدمت على خطى جرارها بدينة وقوية، تماماً مثل سرطان، وعندما وصلت إلى المكان الذي تم تحضيره للعملية بدا أنها تصبح أكثر بدانة حتى لتتشبث بالأرض بكامل سطحها. استدار المرفاع سريعاً ورفعت الرافعة ذراعها نحو السماء، لم يصدق أحد أنه يمكن بناء هذه الرافعة بهذه الذراع الطويلة. فتح جيبها كاشفا كل أسنانه الآن أكثر من مخلب السرطان لقد شابهت فم القرش. كان القمر تماما هناك. لقد تذبذب كما لو أنه أراد الهرب، لكن الرافعة بدا أنها ممغنطة ونحن نشاهد، القمر كان يكنس كهربائياً، كما كان يحط في مخالب الرافعة التي أغلقت عليه بصوت جاف-كراك! لثانية بدا كما لو أن القمر تفتت كحلوى الميرينج، لكن بدلاً من ذلك استقر هناك نصف في الداخل ونصف خارج مخالب الجيب. تسطح في شكل مستطيل، نوع من سيجار ثخين عالق في سن الجيب. نزل حمام رمادي.

حاولت الرافعة في هذا الوقت سحب القمر من مداره. بدأ المرفاع بالالتفاف بالاتجاه المعاكس: تطلب الالتفاف عند هذه المرحلة جهداً كبيراً. ظلت ديانا وصديقاتها بلا حراك وأذرعهن مرفوعة خلال هذه العملية، كما لو أنهن يأملن أن يهزمن مبادأة العدو بقوة حلقتهن. لكن بمجرد هطول الرماد من القمر المحطم على وجوههن وصدورهن بدأن بالتبدد. أفلتت من ديانا صرخة عويل مؤلمة.

في ذلك الحين فقد القمر الحبيس ما احتفظ به من ضوءٍ قليل: صار صخرة عديمة الشكل سوداء. كان ليتحطم على الأرض لولا أن سن المجرفة انتشله. حضَّر العمال في الأسفل شبكة معدنية كانت مثبتة إلى الأرض بأظافر طويلة، كانت الرافعة تنزل ببطء حمولتها حول المكان برمته.

لما وصل إلى الأرض، كان القمر جلمود صخر رملي تكسوه البثور، شديد الجفاف وكامداً، فكان من المستحيل التفكير أنه كان ذات مرة يضيء السماء بانعكاسه المشع. انفتحت مخالب المجراف، انكفأت الرافعة على عجلات جرارها وتقريباً نقفت إلى أعلى بينما كانت تتخفف فجأة من حمولتها. كان العمال جاهزين بالشبكة: أحاطوا القمر بها موقعين إياه بين الشبكة والأرض كافح القمر في سترة المجانين: باختلاج مثل ذلك الذي لزلزال تسبب بانهيارات لعلب فارغة لتنزلق من جبل النفايات. بعدها كان كل شيء في سلام من جديد. كانت السماء الخالية من القمر في ذلك الوقت مشبعة برشقات من الضوء من مصابيح كبيرة. لكن الظلمة كانت الآن تتلاشى بالفعل على أية حال.

وجد الفجر بطلوعه مقبرة السيارات وقد زادت حصتها من الأنقاض: القمر متروكاً في وسطها يكاد يصعب تمييزه عن الأشياء الأخرى الملقاة، كان له اللون نفسه ونفس المظهر المستهجن كشيء لا يمكنك أن تتصور أبداً أنه كان جديداً في وقت مضى. دوت خرخرة منخفضة عبر فوهة القمامة الأرضية: كشف ضوء الفجر سرباً من أشياء حية تصحو ببطء. مخلوقات مشعرة كانت تتقدم وسط هياكل الشاحنات المبقورة، العجلات المحطمة، المعدن المجعد.

عاشت بين الأشياء الملقاة جماعة من المنبوذين-كانوا أناس مهمشين، أو أنهم نبذوا أنفسهم طوعاً، أناس كانوا متعبين من الجري حول المدينة لبيع وشراء أشياء جديدة التي كان مقدر لها أن تهجر في الحال، أناس قرروا أن الأشياء التي تم رميها كانت الغنى الحقيقي الوحيد للعالم. هذه الشخصيات الهزيلة تطوق القمر في جميع أنحاء المدرج المسرحي، وقوفاً أو جلوساً، وجوههم محاطة بلحى أو شعر مشعث. كان حشداً رث الملابس أو بثياب غريبة وفي وسطه كانت دياناي العارية وكل الفتيات من الليلة السابقة تقدمن وبدأن بحل الأسلاك الفولاذية للشبكة من المخالب التي سيقت إلى الأرض.

صعد القمر في الحال مثل منطاد انطلق من سلاسله ملوحاً فوق رؤوس الفتيات فوق المدرج المليء بالمتشردين ومعلقاً هناك بشبكة الفولاذ التي كانت ديانا وصديقاتها تتحكم بأسلاكها فأحياناً تجذبها وأحياناً تتركها، وعندما بدأت الفتيات بالركض ظللن يمسكن بنهايات الأسلاك، القمر تبعهن.

بمجرد تحرك القمر بدأت موجة ما بالصعود من وديان الحطام، سحقت جيف السيارات القديمة مثل أكورديونات بدأت بالسير، تنظم نفسها في موكب مصدرة صريراً، وتدحرج تيار من العلب المحطمة معاً محدثاً ضجة كالرعد، ومع ذلك لا يمكنك أن تحدد فيما إذا كانوا يجرجرون أو كونهم مجرجرين بأي شيء آخر. يتبعهم هذا القمر الذي أنقذ من كومة النفايات، بدأت الأشياء كلها والناس الذين كانوا قد أقيلوا ليكونوا مقذوفين في زاوية بالانطلاق على الطريق مجدداً، زاحفين نحو الحواري الأكثر ثراءً في المدينة.

كانت المدينة في صباح ذلك اليوم، تحتفي بيوم شكر المستهلك. كان هذا العيد يعود في كل سنة، في يوم من تشرين الثاني، وقد وضع للسماح للمتسوقين بتقديم امتنانهم لمنتجات الله، الذي أرضى بلا كلل رغباتهم.  نظم المخزن الأكبر في المدينة استعراضاً في كل عام: كان يعرض بالوناً ضخماً على شكل لعبة ملونة مبهرجة عبر الشوارع الرئيسية، تسحبه شرائط تمسك بها فتيات مكسوات بالترتر أثناء سيرهن خلف فرقة موسيقية. في ذلك اليوم، كان الموكب قادماً من الجادة الخامسة: أدارت الفتيات عصيهن في الهواء، قرعت الطبول الكبيرة والبالون الضخم ممثلا المستهلك القانع يطير بين ناطحات السحاب بإذعان يتقدم على زمام تمسك به فتيات بقبعات مزينة بشرابات وكتافيات مهدبة يقدن دراجات مزينة.

في الوقت نفسه، كان استعراض آخر يعبر مانهاتن. القمر المتعفن القشري كان يتقدم أيضاً مبحراً بين ناطحات السحاب مسحوباً من قبل الفتيات العاريات ومن خلفه جاء صف من سيارات مضروبة وهياكل الشاحنات، وسط حشد صامت كان يزداد حجمه تدريجياً منذ الساعات الأولى للصباح، أناس من كل الألوان، عائلات كاملة مع أطفال من كل الأعمار، بخاصة أن الموكب تقدم نحو مناطق مزدحمة بالسود والبورتوريكيين من هارلم.

عرج الموكب القمري حول المنطقة ومن ثم بدأ يهبط نحو برودواي ودخل بسرعة وبصمت ليجتمع مع الموكب الآخر الذي كان يجر بالونه الضخم على طول الجادة الخامسة.

عند ساحة ماديسون لاقى الموكب الآخر، أو بشكل أكثر دقة صار الموكبين موكبا واحداً. ربما يدين المستهلك القانع للتصادم مع سطح القمر الخشن المنكمش كخرقة مطاطية. على الدراجات الآن كانت الديانات يسحبن القمر بشرائط متعددة الألوان. أو بالأحرى وطالما أن عدد النساء العاريات سائقات الدراجات قد تضاعف على الأقل فلا بد أنهن قد رمين ثيابهن الموحدة والقبعات. تحول مشابه استبد بالدراجات والسيارات في الاستعراض. لم يعد بإمكانك أن تحدد أيها كانت السيارات القديمة وأيها الجديدة، كانت العجلات المتشابكة والرفرافات الصدئة مختلطة مع هياكل السيارات المشع كمرآة والمطلية تلك التي كانت تلمع كالمينا.

تغطت واجهات العرض خلف الاستعراض بشباك العنكبوت والعفن، بدأت مصاعد ناطحات السحاب بالصرير والـتأوه، اصفرت الملصقات الإعلانية، امتلأت حاملات البيض في الثلاجات بالكتاكيت، كما لو أنها كانت في حاضنة، ذكرت القنوات التلفزيونية عواصف جوية مدوِّمة. استهلكت المدينة نفسها عند الضربة: كانت مدينة يمكن التخلص منها ذلك أنها في ذلك الوقت تبعت القمر في رحلته الأخيرة.

وصل الموكب على وقع قرع الفرقة على علب الغاز الفارغة إلى جسر بروكلين. رفعت ديانا عصاها ودورت صديقاتها شرائطهن في الهواء، قام القمر بالانطلاقة الأخيرة عابراً القوس المشبك للجسر مائلاً نحو البحر محطماً في الماء مثل قرميدة وغارقاً، مرسلاً آلافاً من الفقاعات الصغيرة على السطح.

في هذه الأثناء، بدلاً من إفلات الشرائط، ظلت الفتيات ممسكة بها، رفعها القمر، مرسلاً إياها لتطير فوق التصوينة ومن على الجسر: رسمت أقواساً في الهواء كغطاسين اختفوا في الماء.

وقفنا وحدقنا في ذهول بعض منا على جسر بروكلين والآخرون على رصيف الشاطئ بين التوق للغطس في إثرهم وبين اليقين من أننا سنراهم مجدداً تماماً كما من قبل.

لم يكن علينا الانتظار طويلاً. بدأ البحر يهتز بموجات انتشرت في حلقة. ظهرت هناك في مركز هذه الحلقة جزيرة كبرت كجبل، كنصف كرة، ككرة ترتاح على الماء أو بالأحرى أقامت تماماً فوقه لا مثل قمر يعلو في السماء، قلت قمر حتى لو أنه لم يكن يشبه قمراً أبداً إلا ذلك الذي رأيناه يندفع في الأعماق قبل لحظات. بأية حال كان هذا القمر الجديد مختلفاً بطريقة مختلفة جداً، انبثق من البحر يقطر ذيلاً من طحالب متلألئة خضراء تصب الماء المنهال في نوافير من حقول منحته لمعان الزمرد. غطته غابة مشبعة بالبخار لكن ليس بالنباتات. بدا أن هذا الغطاء صنع من ريش الطاووس الممتلئ بالعيون والألوان المضيئة.

كان هذا المنظر الطبيعي الذي تمكنا أن نلمحه بالكاد قبل أن تنسحب الكرة سريعا نحو السماء، وكانت التفاصيل الأكثر دقة تتوارى في انطباع عام من النضارة والعذوبة. لقد كان الغسق: كان تضاد الألوان يخبو نحو تناوب متذبذب للضوء والظل، كانت الحقول القمرية والأجمات الآن مجرد حواف لا تكاد تكون مرئية على السطح المشدود للكرة المشعة. لكنا كنا قادرين أن نبصر منظر بعض الأرجوحات الشبكية المعلقة على الأغصان تؤرجحها الريح ورأيت الفتيات اللاتي قدننا إلى ذلك المكان يجلسن فيها. ميزت ديانا في أمان أخيراً تروح عن نفسها بمروحة من ريش وربما ترسل لي إيماءة تقدير.

ها هم هناك! ها هي! صرخت. صرخنا جميعنا، وقد كانت السعادة لعثورنا عليهن ثانية حقاً محفوفة بالألم لخسارتهن الآن للأبد، لم يرسل القمر وهو يصعد إلى السماء المظلمة سوى انعكاسات الشمس على بحيراته وحقوله.

كان يستولي علينا الحماس: رحنا نعدو على اليابسة، خلل السافانا والغابات التي غطت الأرض، المدن المدفونة والطرقات مجدداً. تطمس كل أثر لما كان.  وصرخنا رافعين نحو السماء خراطيمنا وأنيابنا الطويلة، الرفيعة، نرعش وبر أجسادنا بتفجع عنيف يستحوذ علينا جميعاً نحن الماموثات الفتية عندما ندرك أن الحياة تبدأ الآن ، وقد كان واضحاً أن ما نسعى إليه لن نحصل عليه أبداً. ♦

ترجمة أماني لازار

http://www.newyorker.com/magazine/2009/02/23/the-daughters-of-the-moon

[1] Qfwfq هو الراوي في ا لعديد من قصص كالفينو.

لحن- دونالد بارثيلم.

لحن -دونالد بارثيلم

نشرت في النيويوركر عام 1979.

هل يكذبون؟ بحماسة بالغة. هل يسرقون؟ الفضة والذهب فقط. هل يتذكرون؟ أنا على اتصال دائم. بالكاد ينقضي اليوم. الأطفال. غير أن البعض مع ذلك ليس باستطاعتهم التهجئة. تنزهت في منطقة الصناعات الخفيفة، حيث تم تحويل كل شيء. الكثير من المحلات الصغيرة، حانات النبيذ. رأيت بعض الأشياء الغريبة. رأيت مجموعة من صحون مربعة فولاذية مرتبه على الأرض. جد مثير ة للاهتمام. رأيت مان ماونتين دين[1] مرتدياً الأزرق السماوي.  أطفال شرسون يمضغون. لقد كانوا صغاراً. Petite. بمقاسات صغيرة جداً. جاؤوا وذهبوا. أبواب تصفق. كانوا من الجنسين لكنهم يرتدون ثياباً متشابهة. تجولوا، ومن ثم عادوا. إنهم غامضون، أنت تعلم، يقولون لك أشياء بطريقة مبهمة. طلبوا مني المغادرة، قالوا إنهم قد اكتفوا. اكتفوا من ماذا؟ سألت. اكتفوا من وقاحتي، قالوا. بالرغم من أنه لم يكن معي في زيارتي لهم سوى أكثر الأمثولات عاديةً في الحقيقة-أمثولة الملح الذي يفقد طعمه، أمثولة طيور الهواء. رحت أتمشى، أُصفِّر. رأيت عرشاً في نافذة. قلت: أي كرسي هذا؟ هل هذا هو الذي جلس عليه فريديناند العظيم، عندما أرسل السفن للبحث عن جزر الهند الغربية. المقعد مهترئ. نادراً ما مر يوم دون إعلان ما، زواج، حمل، سرطان، ولادة جديدة. يتدفقون أحياناً من يوكونyukon وأماكن أخرى بعيدة، يدخلون ويجلسون إلى طاولة المطبخ، أرادوا كوباً من الحليب وزبدة الفستق وجيلاتين، أنا ملزم، لأجل الأيام الخوالي. أرسل لي جدول دوري فرق كرة القدم الصغيرة، قد تمت تسميتها كلها على أسماء السيارات، الموستانجز ضد المافريكس، الشارجرز ضد الايمبالاس. شيء ما مسل بشأن ذلك. ابني. نام مع من لا أعرف اسمها، قالوا، وهي نائمة، لا أظن بأن هذا مناسب. واهنة لا عون لها في وهج المصابيح. لقد ابتعدوا، ومن ثم عادوا، في عيدي الميلاد والفصح، لديهم طاولة ممتلئة تماماً، ربما دزينة من جميع الصغار… شركاء تم تعارفهم خلال أسفارهم… اخدش صلعتهم، اقلع سنهم. وجوه صغيرة متضورة على بعد أربعة أقدام عن الشاشة، لقد تكلمت إليهم بصوت قوي، مرتفع، لم تصب برعشة. استعمال الجبيرة الوقائية، لا يعلم الجميع بها.  العالم يذكرنا بسلطته، مراراً وتكراراً. ذاهب تفكر بعملك، وفجأة حادث قضاء وقدر، أمامك مباشرة. انهيارات عظيمة للثلج والطيور المتفجرة. تصير مذنباً، تاركاً إياها تنزلق. منثورة هنا وهناك كزهور بيتونيا صغيرة، واحدة مزروعة في ليم القديمة، واحدة في فيربانكس، واحدة في تيمبي. زاعماً أنه نام معها وهي نائمة، يمكنني أن أرى ذلك، في ظل ظروف معينة. قد تغمز، لكن ليس لشخص آخر. ربما تغمز فقط للحمامات.  ربما قد تضرب أوتاد خيمتك، تلقي بخيمتك، تجمع حطباً لتشعل النار، تهيئ طبق الـ hushpuppies[2].
هم يسعون للعودة؟ العودة إلى العش؟ الأذرع الدافئة؟ الروائح التي لا توصف؟ ليس على صورتك المطبوعة. حسناً، أظن أن هذا قاس قليلاً. أفكر أنه قاس قليلاً ألا تظن؟ نعم أظن أنه قاس قليلاً. أظن أنه قاس قليلاً ألا تظن ذلك؟ نعم قاس. قاس. حسناً هذا هو المخطط، هذا هو، هذا المخطط من الصفيح-هم يكتبون ويتصلون.  ألا يوجد سيوله؟ أعطنا اتصال، تم التعامل مع كل الاستجوابات بغاية السرية.  إنهم يتصلون باستمرار، إنهم يتصلون، قائلين عاصفة، عاصفة-

مشيت إلى آخر حبلي، اكتشفت أني كنت مربوطاً، مقيداً. لم أتوقف أبداً للتفكير، فقط توجهت مباشرة وفعلتها، لقد كان سلسلة من الإجراءات، حصلت على واحدة ومن ثم التزمت بها ومن ثم حصلت على أخرى والتزمت بالاثنتين، توالت أخريات، والآن تلك بدورها تصنع المزيد والمزيد والمزيد…بعض عويل هناك جعلك تقفز. أتوا إلي وقالوا، وداعاً. وداعاً؟ قلت. وداعاً، قالوا. أنت لم تعد معي بعد الآن، هل هذا فقط؟ قلت. هذا فقط، قالوا. أنت تسحب غطاءك، هل هذا فقط؟ قلت. قالوا، هذه هي قصة مجد الصباح. رأيت سمكة كبيرة كمنزل، وطقم شاي زهري اللون من سندرلاند. رحت أولول عبر الغرف، أسحب حواشي الأوصياء المتغضنين، داخلاً لأقول ليلة سعيدة أحياناً، انحناءات احترام وتقوسات، كانت هذه المناسبات نادرة الحدوث. أشياء احتاجوها لحيواتهم: عصي هوكي، قدور كركند، سيارات مازدا. تتملق وتتحاشى في وقت واحد. هذا اختبار للنظام، هذا مجرد اختبار. رموا سترهم الرطبة والمنتنة على الأرض وفقاً للعادة. شغل الموسيقى واطفئها ثانية. نظف غرفتك، رجاءً نظف غرفتك، أرجوك، نظف غرفتك. سالي الطويلة هناك، اطل أحذيتها. اطل أحذيتك، الأسود للأسود والبني للبني، هل ترى أي شيء في راحتي؟ فقط قنينة صغيرة من شيب-ديب[3]، أكمل تعليمك، هو على حق وأنت مخطئ، الممر الداخلي يحسب أن يكون الأفضل، ابلغه، من الأفضل أن تظهر مرتاح البال، في لباس ليس واضح الجدة، لا أ، ب، ت، ث، ج، التفت قليلاً إلى اليمين، الآن قليلاً نحو اليسار، احمله! فتيات عاريات برأسي ماركس ومارلو واهنات ولا حول لهن في وهج الكشافات، حاولت إعطائهم القليل من البهجة joie de vivre لكن ربما لم يقبلوا بها، تشاحنهن المستمر وضآلتهن، مثل ضرب البرق، العالم يذّكرك بسلطته، فجوات يمنة ويسرة، أنا أغزل، طفلي الجميل، لا تحكّ، أمسك بقدمك، الليالي الطويلة، أمضيت معظم وقتي في الاستماع، هذا اختبار للنظام، هذا اختبار فحسب.

[1] مصارع امريكي محترف.

[2] طبق جانبي وهو عبارة عن كرات من خبز الذرة.

[3] نوع من الويسكي.

قصص- ليديا ديفيس.

قصص قصيرة لـ ليديا ديفيس

 

قصة سلامي مسروقة

احتفظ مؤجِّر ابني الإيطالي في بروكلن بسقيفة في الخلف يقدد ويدخن السلامي فيها. في إحدى الليالي، في خضم موجة تخريب وسرقة تافهة، تم اقتحام السقيفة وسُرق السلامي. تحدث ابني إلى مؤجره بشأنها في اليوم التالي، مواسياً لاختفاء النقانق. كان المؤجر مذعناً ورابط الجأش، لكن صحح له: ” لم تكن نقانق. لقد كانت سلامي.” كُتب عن الحادثة في حينه في واحدة من أكثر مجلات المدينة أهمية باعتبارها حادثة حضرية مسلية ونابضة بالحياة. سمّى الصحفي في المقالة، البضائع المسروقة ” نقانق”. عرض ابني   المقالة على مؤجِّرهُ، الذي لم يكن يعرف بأمرها.  كان المؤجر مهتماً ومسروراً كون المجلة رأت أنه من المناسب التطرق للحادثة، لكنه أضاف: ” لم يكونوا نقانق. لقد كانوا سلامي.”

 

وبر الكلب

مات الكلب. نحن نفتقده. عندما يرنّ جرس الباب، ما من أحد ينبح. عندما نصل إلى البيت متأخرين، ليس هناك من أحد في انتظارنا. لا نزال نجد وبره الأبيض هنا وهناك في أرجاء المنزل وعلى ثيابنا. نلتقطه. علينا أن نتخلص منه. لكنه كل ما بقي لنا منه. نحن لم نرميه. لدينا أمل جامح-أنه إذا ما جمعنا قدراً كافياً منه، سنكون قادرين على استعادة الكلب من جديد.

قصة دائرية

هناك دائماً جلبةً في صباحات الأربعاء الباكرة على الطريق في الخارج. إنها توقظني وأتساءل عما تكونه. هي دوماً شاحنة جمع النفايات تلتقط النفايات. تأتي الشاحنة في الصباح الباكر من كل يوم أربعاء. إنها توقظني دوماً. ودوماً أتساءل عما تكونه.

 

 

فكرة عن لافتة

يبحث الناس في بداية رحلة في القطار، عن مقعد جيد، والبعض منهم يلقون بنظرة متفحصة على من يجاروهم ممن اختاروا مقاعدهم، ليروا إذا ما سيكونون جيراناً جيدين.

ربما يكون مساعداً أن يحمل كل منا لافتة صغيرة عن العادات التي ستجعل منا مزعجين محتملين أو غير مزعجين للمسافرين الآخرين من مثل: لن أتكلم بالهاتف الخلوي، لن آكل طعاماً كريه الرائحة.

سيكون متضمناً في لافتتي: لن أتحدث بالخلوي على الإطلاق،  عدا عن  اتصال قصير ربما بزوجي  في بدء رحلة العودة، ملخّصةً زيارتي للمدينة،  أو بشكل أقل،  تنبيه سريع لصديق في الطريق عن تأخري، لكني سأحني مقعدي إلى الخلف بقدر ما يسمح به، معظم وقت الرحلة،  فيما عدا وقت  تناولي وجبة غدائي أو وجبتي الخفيفة، ربما في الواقع أضبطه قليلاً إلى الخلف والأعلى، من وقت لآخر خلال الرحلة، وآجلاً أو عاجلاً سآكل شيئاً، عادة سندويتش، سلطة أحياناً أو وعاء يحتوي على الأرز بالحليب، في الواقع وعاءين من الأرز بالحليب، ولو أنهما صغيرين، سندويتش، دائماً في الغالب جبنة سويسرية،  بجبنة صغيرة جداً حقيقة، فقط شريحة واحدة، وخس وبندورة، لن تكون ذات رائحة ملحوظة، على الأقل بقدر ما يمكنني أن أتوقع، أنا مرتبة قدر استطاعتي مع السلطة، لكن تناول السلطة بشوكة بلاستيكية صعب و أخرق، أنا مرتبة مع الأرز بالحليب، أتناول لقيمات صغيرة، مع أنه عندما أنزع غلاف الوعاء يمكن أن يحدث صوت تمزق مرتفع  للحظة فقط،  ربما لن أنزع غطاء قنينة الماء و أطلب كاساً من الماء، بخاصة أثناء  تناول سندويشتي وحوالي ساعة بعدئذ، ربما أكثر تململاً من  بعض المسافرين الآخرين، وقد أنظف يدي عدة مرات  أثناء الرحلة  بقنينة صغيرة من معقم اليدين، أحياناً أستعمل غسولاً لليد بعده، الذي ينطوي على تناول حقيبة يدي، مخرجة حقيبة الزينة الصغيرة فاتحة سحابها، وعندما أنتهي، أعيد إغلاق سحابها ثانية وأعيدها إلى حقيبتي، لكن ربما أيضا أجلس هادئة تماماً  لبضع دقائق أو أكثر  أنظر من النافذة، ربما لا أفعل شيئاً سوى  قراءة كتاب معظم وقت الرحلة، ما عدا  عبور الممر لمرة واحدة نحو غرفة الاستراحة وأعود إلى مقعدي، لكن في يوم آخر، ربما أضع الكتاب جانباً كل بضعة دقائق، أتناول مفكرة صغيرة من حقيبتي،  أنزع الشريط المطاطي من حولها، وأكتب ملحوظة في المفكرة،  أو عندما أقرأ في عدد سابق من مجلة أدبية، ربما أشق الصفحات رغبة في الاحتفاظ بها، مع أني سأحاول ان أفعل ذلك  عندما يكون القطار متوقفاً في المحطة، أخيراً، بعد يوم في المدينة، ربما أحل أربطة حذائي لجزء من الرحلة، بخاصة إذا لم يكن  الحذاء مريحا جدا، عندها أريح قدمي الحافية أعلى حذائي بدلا من  أن تكون مباشرة على الأرض، أو  لماماً جداً، ربما  أخلع الحذاء  و ألبس الخفّ، إذا كنت أحمل معي زوجاً ، أبقيه إلى أن  أصل تقريباً إلى وجهتي، لكن  قدمي نظيفتان تماماً و أظافري مطلية بطلاء أحمر داكن ظريف.

بلومينجتون

الآن وطالما أني هنا منذ بعض الوقت، يمكنني القول بثقة بأني لم أكن هنا من قبل أبداً.

الكلب وأنا

يمكن لنملة أن ترفع بصرها نحوك، أيضاً، وتتوعدك حتى بأذرعها.
بالطبع، كلبي لا يعلم بأنني انسان، هو يراني كلباً، مع أني لا أقفز من على السياج. أنا كلبٌ قوي. لكني لا أترك فمي فاغراً متدلياً عندما أمشي متقدماً. حتى في يوم حار، لا أدع لساني يتدلى خارجاً. لكني أنبح عليه:” لا! لا!”

 

تعاونٌ مع طير

وضعت تلك الكلمة على الصفحة،

لكنه أضاف الفاصلة العليا (’)[1].

عاصفة استوائية

مثل عاصفة استوائية،

أنا، أيضاً، قد أصبح يوماً ما ” أفضل تنظيماً.”

متنوِّرة

لا أعلم إذا ما كان بإمكاني أن أبقى على صداقة معها. لقد فكرت وفكرت بذلك-هي لن تعرف أبداً كم فعلت. لقد منحتها فرصة أخيرة. اتصلت بها، بعد عام. لكني لم أحب الطريقة التي جرت عليها المحادثة. المشكلة هي أنها ليست متنوِّرة كثيراً. أو عليَّ القول، أنها ليست متنورة بالقدر الكافي بالنسبة لي. يناهز عمرها الأربعين عاماً وليست متنورة أكثر، كما بإمكاني أن أرى، مما كانت عليه عندما عرفتها أول مرة منذ عشرين عاماً مضت، عندما تحدثنا بشكل أساسي عن الرجال. لم ألق بالاً إلى درجة قلة تنورها في حينه، ربما بسبب أني لم أكن متنورة أنا نفسي. أؤمن أني أكثر تنوراً الآن، وبالتأكيد أكثر تنوراً منها. مع أني أعلم أنه ليس من التنور كثيراً قول ذلك. لكني أريد أن أقوله، لذا أنا أرغب في تأجيل كوني أكثر تنوراً حتى يمكنني قول شيء مثل ذلك عن صديق.

 

 

مسابقة الذوق الجيد

كان زوج وزوجة يتنافسان في مسابقة الذوق الجيد التي تتولى التحكيم فيها لجنة مكونة من أقرانهما، رجال ونساء من ذوي الذوق الجيد، بمن فيهم مصمم أقمشة، بائع كتب نادرة، طاهِ معجنات، وأمين مكتبة. كان قد حكم للزوجة أن لديها ذوق أفضل في الأثاث، وبخاصة الأثاث العتيق. كان قد حكم للزوج أن لديه ذوق تعس إجمالاً في تركيب الإضاءة، أدوات المائدة، والأواني الزجاجية.  كان قد حكم للزوجة أن لديها ذوق لا مبالٍ في التعامل مع النوافذ، لكن حكم لكل من الزوج والزوجة بأن لديهما ذوق جيد في أغطية الأرض، بياضات السرير، بياضات الحمّام، الأجهزة الكبيرة، والأجهزة الصغيرة. كان بادياً على الزوج أن لديه ذوقاً جيداً في السجاجيد، لكن فقط ذوقاً متوسطاً في أقمشة التنجيد. كان يبدو أن للزوج ذوق جيد في كل من الطعام والمشروبات الروحية، في حين أن للزوجة ذوق يتراوح بين الجيد والتعس في الطعام. لدى الزوج ذوق أفضل من ذوق الزوجة في الألبسة ولو أن ذوقاً متقلباً في العطور والكولونيا. في حين حكم أنه ليس لدى كل من الزوج والزوجة سوى ذوق متوسط في تصميم الحدائق، كانا قد حكم لهما أن لديهما ذوقاً جيداً في عدد من أنواع النباتات دائمة الخضرة. كان بادياً أن للزوج ذوق رائع في الأزهار لكن ذوقاً تعساً في الأبصال. بدا أن للزوجة ذوقاً أفضل في الأبصال وبشكل عام ذوقاً جيداً في نباتات الظل باستثناء الزنبق. بدا أن ذوق الرجل جيد في فرش الحديقة لكن فقط متوسطاً في الغراس التزينية.  حكم على ذوق الزوجة بأنه تعس على نفس النهج بالنسبة لتماثيل الحديقة. بعد مناقشة قصيرة، أعطى الحكام القرار للزوج بسبب مجمل المجموع العالي لنقاطه.

رجل من ماضيها

أظن أن أمي تغازل رجلاً من ماضيها وهو غير أبي. قلت لنفسي: لا ينبغي أن يكون لأمي علاقات غير مهذبة مع هذا الرجل “فرانز”! “فرانز” أوروبي. أقول ليس عليها أن ترى هذا الرجل على نحو غير مهذب وأبي غائب! لكني أخلط بين حقيقة قديمة وحقيقة جديدة: لن يعود أبي إلى البيت. سيبقى في قاعة فيرنون. أما بالنسبة لأمي، فهي في عمر الرابعة والتسعين. كيف يمكن أن يكون لامرأة في الرابعة والتسعين من عمرها علاقات غير مهذبة؟  إلا أن التباسي يجب أن يكون هذا: مع أن جسدها طاعن في السن، قدرتها على الخيانة لا تزال فتية ويانعة.

 

 

 

غير مهتمة

 

أنا لست مهتمة ببساطة بقراءة هذا الكتاب. كنت غير مهتمة بقراءة آخر كتاب حاولت قراءته، أيضاً. اهتمامي يتناقص أكثر فأكثر بقراءة أي من الكتب التي لدي، ولو أنها جيدة إلى حد ما كما أفترض. فقط عندما خرجت منذ عدة أيام، إلى الفناء الخلفي، أزمع جمع بعض العيدان والأغصان وأحملها إلى الكومة في الزاوية البعيدة من المرج، أصبحت فجأة سئمة بشدة من فكرة التقاط تلك العيدان وحملها، مرة ثانية، إلى تلك الكومة، ومن ثم أعود عبر عشب المرج العالي من أجل المزيد، حتى أني لم أبدأ بعد، وببساطة عدت للداخل.

الديفيسين والبساط

كان كليهما يحملان اسم ديفيس، لكنهما لم يكونا متزوجان ولم تجمعهما رابطة الدم. كانا جيراناً، بأية حال. كانا كلاً منهما من المترددين، أو بالأحرى، يمكن أن يكونا مترددين جداً حول بعض الأمور، أموراً هامة، أو أموراً تتعلق بعملهما، لكن يمكن أن يكونا مترددين جداً بشأن أمور صغيرة، ويغيرا رأييهما من يوم إلى آخر، مراراً وتكراراً، يتخذا قراراً حازماً بشأن شيء ما في أحد الأيام ومن ثم يتخذا القرار الحازم المعاكس في اليوم التالي.

هما لم يعرفا هذا عن بعضهما الآخر إلى أن قررت أن تعرض بساطها للبيع.

كان بساطاً من الصوف مزخرفاً زاهٍ، أحمر، أبيض، وأسود، بتصميم جريء من الماس وبعض الأشرطة السوداء. اشترته من متجر صغير للأميركيين الأصليين حيث كانت تقطن، لكنها اكتشفت الآن أنه لم يكن أميركي أصلي. لقد أصبحت ضجرة منه قليلاً حيث يفترش أرض غرفة ابنها الغائب، لأنه كان متسخاً قليلاً ومجعداً قليلاً عند الزوايا، وقررت أن تبيعه في حلقة البيع التي كانت تعقد لجمع المال من أجل قضية انسانية. لكن عندما لاقى إعجاباً في المزاد أكثر مما توقعت، وعندما تم رفع سعر العشر دولارات الذي وضعته له من قبل منظم المزاد إلى خمسين دولاراً، غيرت رأيها وأملت ألا يشتريه أحد.  ومع انتهاء النهار، لم تخفض سعر البساط، في حين كان الآخرون يخفضون أسعارهم من حولها، ومع ذلك واصل الناس إبداء إعجابهم به، وما اشتراه أحد.

 

قصة روتها لي صديقة

روت لي صديقتي قصة حزينة منذ عدة أيام عن جار لها. كان قد شرع بمراسلة أحد الغرباء من خلال خدمة المواعدة على الانترنت. الصديق يقطن على بعد مئات الأميال، في كارولينا الشمالية.  تبادل الرجلان الرسائل ومن ثم الصور وسرعان ما كانا يجريان محادثات طويلة، في البدء كتابة ومن ثم عبر الهاتف. اكتشفا أن لديهما الكثير من الاهتمامات المشتركة، كانا متفقان عاطفياً وفكرياً، كان كلاً منهما مرتاح للآخر وكانا منجذبان جسدياً أحدهما للآخر، بالقدر الذي سمح به التواصل عبر الانترنت لهما أن يتكهنا به. كانت اهتماماتهما المهنية، أيضاً، متقاربة، كون جار صديقتي محاسباً وصديقه الجديد أقصى الجنوب أستاذاً مساعداً في الاقتصاد في كلية صغيرة. بعد عدة أشهر، بدا أنهما تماماً وحقيقة عاشقين، وكان جار صديقتي مقتنعاً أن ” هذا كان هو”، على حد تعبيره.  عندما حان وقت عطلة ما، رتب أمره ليطير جنوباً لعدة أيام ويلتقي بحبه عبر الانترنت.

خلال يوم السفر، اتصل بصديقه مرتين أو ثلاث مرات وتحدثا. ومن ثم كان متفاجئاً من عدم تلقي إجابة. ولم يكن صديقه في المطار للقائه. بعد الانتظار هناك والاتصال أكثر من مرة، غادر جار صديقتي المطار وذهب إلى عنوان أعطاه إياه صديقه.  لم يفتح أحد عندما قرع ورن. كل الاحتمالات عبرت في باله.

هنا، بعض أجزاء من القصة مفقودة، لكن صديقتي أخبرتني بأن جارها علم أنه، في ذلك اليوم، لما كان في طريقه إلى الجنوب، مات صديقه الانترنتي متأثراً بذبحة قلبية وهو على الهاتف مع طبيبه، جار صديقتي، وقد علم بذلك إما من جار الرجل أو من الشرطة، توجه إلى المشرحة المحلية، سمح له برؤية صديقه الانترنتي، وبالتالي كان هنا، وجها لوجه مع رجل ميت، حيث تقع عيناه لأول مرة على الشخص الذي، كان قد اقتنع بأنه كان رفيق عمره.

 

في القطار

نحن متحدان، هو وأنا، ومع ذلك غريبين، في مواجهة المرأتين اللاتي تتحدثان بشكل متواصل وبصوت مسموع عبر الممر الواحدة مع الأخرى. سلوك سيء.

لاحقاً أثناء الرحلة نظرت إليه (عبر الممر) وهو ينكش أنفه. بالنسبة لي، أنا أنقط بندورة من سندويشتي على صحيفتي. عادات سيئة.

سوف لن أذكر هذا فيما لو كنت أنا من ينكش أنفه.

نظرت ثانية وهو لا يزال على حاله.

بالنسبة للنسوة، هن الآن تجلسان معاً جنباً إلى جنب وتقرآن بهدوء، نظيفتان ومرتبتان، واحدة مجلة، والأخرى كتاب. بريئتين.

 

سوزي براون ستكون في البلدة

سوزي براون ستكون في البلدة. ستكون في البلدة لتبيع أشياءها. سوزي براون تنتقل بعيداً. سترغب ببيع حشيتها الملكية.

هل نريد حشيتها الملكية؟  هل نريد متكأها التركي؟ هل نريد أدوات حمامها؟

حان الوقت للقول وداعاً سوزي براون.

لقد استمتعنا بصداقتها. لقد استمتعنا بدروس التنس معها.

قصة

عدت إلى البيت من العمل وها هي رسالة منه: عن أنه ليس قادما، وأنه مشغول. سيتصل ثانية.  انتظرت اتصاله، ومن ثم في الساعة التاسعة ذهبت إلى حيث يسكن، وجدت سيارته، لكنه ليس في البيت. قرعت باب شقته ومن ثم على أبواب الكراج كلها، غير عالمة أي باب كراج هو بابه-ما من جواب. أكتب ملحوظة، أقرأها بصوت عال، أكتب ملحوظة جديدة، وأعلقها على بابه. في البيت أنا ضجرة، وكل ما يمكنني فعله، مع أنه لدي الكثير لأعمله، طالما أنى ذاهبة في رحلة صباحاً، هو العزف على البيانو. أتصل مجددا في الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة وهو في البيت، كان في السينما مع صديقته السابقة، وهي لا تزال هناك. يقول إنه سيعاود الاتصال. أنتظر. أخيرا أجلس وأكتب في مفكرتي أنه عندما يتصل بي سواء كان سيأتي إلي بعدها أو لن يفعل و سأكون غاضبة، و بالتالي إما سيكون عندي هو أو غضبي، وهذا قد يكون جيداً، طالما أن الغضب هو دائما راحة كبيرة، كما اكتشفت مع زوجي. ومن ثم أواصل الكتابة، بضمير الغائب وبالزمن الماضي، بأنه من الواضح أنها احتاجت دائما أن تحب حتى ولو كان حبا معقدا. هو يتصل قبل أن يكون لدي متسع لإنهاء كتابة كل هذا.  عندما يتصل، تكون الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة والنصف بقليل. تجادلنا حتى الثانية عشرة تقريبا. كل ما قاله متناقض: على سبيل المثال، يقول بأنه لم يرغب برؤيتي لأنه أراد العمل وحتى أكثر لأنه رغب بأن يكون وحيدا، لكنه لم يعمل ولم يكن وحيدا. ما من طريقة لجعله يصلح أي من تناقضاته، وعندما تبدأ هذه المحادثة في أن تشبه كثيرا الكثير من المحادثات التي دارت مع زوجي أقول وداعا وأغلق السماعة. أنهي كتابة ما بدأت بكتابته حتى ولو أنه الآن لم يعد يبدو في الغضب أية راحة عظيمة.

أتصل به بعد خمس دقائق لأخبره بأني آسفة بشأن كل هذا الجدال، وبأني أحبه، لكن ما من جواب. أتصل ثانية بعد خمس دقائق، وأنا أفكر بأنه قد يكون قد خرج إلى كراجه وعاد، لكن مجدداً ما من جواب. أفكر أن أذهب بسيارتي إلى حيث يعيش ثانية وأنظر في كراجه لأرى إذا ما كان يعمل هناك، لأنه يضع مكتبه هناك وكتبه وهذا هو المكان الذي يذهب إليه ليقرأ ويكتب. أنا في ثوب النوم، الساعة جاوزت الثانية عشرة وعليَّ المغادرة صباحاً في الساعة الخامسة. مع ذلك، ارتديت ثيابي وقدت ما يقارب مسافة ميل إلى مكانه. انا أخشى من أني عندما أصل هناك سأرى سيارات أخرى بجانب منزله لم أرها مسبقاً وستكون إحداها لصديقته السابقة. وأنا أقود على الطريق أرى سيارتين لم تكونا هناك من قبل، وواحدة منها مركونة أقرب ما يمكن لبابه، وأفكر بأنها هناك. أدور حول البناء الصغير نحو الخلف حيث تكون شقته، وأنظر من النافذة: الضوء منار، لكن لا يمكنني رؤية شيء بوضوح بسبب الستائر المعدنية المغلقة إلى النصف والبخار على الزجاج. لكن الأشياء في داخل الغرفة ليست كما كانت في السابق في المساء، وقبل أن يكون هناك بخار. أفتح باب الشيش الخارجي وأقرع. أنتظر. ما من رد. ادع باب الشيش يغلق وأمشي لأتفحص صف الكاراجات. الآن الباب يفتح من خلفي وأنا أبتعد ويخرج. لا أستطيع رؤيته بشكل جيد بسبب العتمة في الخط الضيق بجانب بابه وهو يرتدي ثيابا داكنة والأضواء من خلفه.  يأتي نحوي ويضع ذراعيه حولي بدون أن يتكلم، وأفكر بأنه لا يتكلم ليس بسبب أنه يشعر بالكثير لكن لأنه يحضر لما سوف يقوله. يدعني ويمشي حولي ويتوجه نحو المكان الذي ركنت فيه السيارات بجانب أبواب الكاراجات.

ونحن نمشي هناك يقول “انظري،” واسمي، وأنا أنتظر منه أن يقول بأنها هنا وأيضا بأن كل شيء انتهى بيننا لكنه لا يفعل ولدي شعور بأنه لا ينوي أن يقول شيئا مثل ذلك، على الأقل قل بأنها كانت هنا، وأنه من ثم عدل عن رأيه لسبب ما. بدلا من ذلك يقول بان كل شيء حدث بشكل سيء الليلة كان خطأه وأنه آسف. يقف وظهره أمام باب الكراج ووجهه في الضوء وأقف أمامه وظهري للضوء. عند لحظة ما يعانقني بشكل مفاجئ جداً حتى أن نار سيجارتي تفتت أمام باب الكراج خلفه أعلم لم نحن في الخارج هنا وليس في غرفته لكني لا أساله إلى أن يصبح كل شيء بيننا على ما يرام. ومن ثم يقول،” هي لم تكن هنا عندما اتصلت بك. لقد عادت لاحقا.” يقول أن السبب الوحيد وراء كونها هنا هو أن شيئا ما يزعجها وهو الوحيد الذي بإمكانها أن تحدثه عنه ومن ثم يقول،” أنت لا تفهمين، أليس كذلك؟”

أحاول أن أستنتج.

إذن فقد ذهبا إلى السينما ومن ثم عادا إلى بيته ومن ثم اتصلت ومن ثم غادرت واتصل من جديد وتجادلنا ومن ثم اتصلت مرتين لكنه غادر ليجلب البيرة (يقول) ومن ثم قدت السيارة وفي هذا الوقت عاد من شراء البيرة وعادت هي أيضا وكانت في غرفته لذا تحدثنا عند أبواب الكراج لكن ماهي الحقيقة؟ هل هو وهي كلاهما عادا حقيقة في تلك الفسحة القصيرة بين آخر تلفون لي ووصولي إلى بيته أو أن الحقيقة أنه أثناء اتصاله بي انتظرت خارجا أو في كراجه أو في سيارتها وأنه بعدها أدخلها ثانية وأنه عندما رن الهاتف في اتصالي الثاني والثالث تركه يرن بدون جواب لأنه كان مشمئزا مني ومن الجدال أو أن الحقيقة أنها غادرت وعادت لاحقا وأنه بقي وترك الهاتف يرن دون أن يرد أو ربما هو أتى بها وخرج من أجل البيرة في حين انتظرت هناك واستمعت لرنين الهاتف؟ الأخير هو الأقل احتمالا. لا أصدق بأية حال أنه كان هناك أي خروج من أجل البيرة.

واقعة أنه لا يخبرني الحقيقة طوال الوقت يجعلني لست أكيدة من حقيقته في أوقات معينة، ومن ثم أعمل على الاستنتاج بنفسي فيما إذا كان يخبرني الحقيقة أم لا، وأحيانا أستطيع معرفة أنها ليست الحقيقة وأحيانا لا أعلم ولا أعلم أبدا، وأحيانا فقط لأنه يقول هذا لي مرارا وتكرارا أنا مقتنعة ثانية بأنها الحقيقة لأني لا أصدق بأنه يستطيع أن يعيد الكذبة بهذا التكرار. ربما الحقيقة لا تهم، لكني أريد أن أعرفها فقط حتى يمكنني التوصل إلى نتيجة ما حول مسألة من مثل: فيما إذا كان غاضبا مني أو لا، إذا كان غاضبا إلى أي حد، هل لا يزال يحبها أو لا، إذا كان لا يزال يفعل إلى أي حد، هل لا يزال يحبني أو لا، كم يحبني، الى أي حد هو قادر على خداعي في التصرف وما بعده في إخباري.

ولدت الكاتبة الأميركية ليديا ديفيس في نورثامبتون، ماساشوتس في الخامس عشر من تموز عام 1947، تكتب القصة القصيرة، الرواية والمقالة وتترجم عن الفرنسية. درست ديفيس أولاً الموسيقى، البيانو والكمان. تزوجت في العام 1974 الكاتب بول أوستر ولديها منه ابن يدعى دانيل، تطلقا فيما بعد وهي متزوجة الآن من الفنان الآن كوت، لديها منه ابن يدعى ثيو، هي الآن أستاذة الكتابة الإبداعية في جامعة ألباني. حصلت على جائزة مان بوكر العالمية في العام 2013.

 

[1] Apostrophe.

the_brothers_-karamazov_large

الإخوة كارامازوف

سقوط أوروبا

هرمان هيسه

 

يبدو لي أن ما أسميه سقوط أوروبا متنبأ به ومفسر بأوضح صورة في أعمال دوستوفسكي وبالشكل الأكثر تكثيفاً في رواية الأخوة كارامازوف. يبدو لي أن الشبان الأوروبيين وبخاصة الألمان منهم مقدر لهم ايجاد كاتبهم الأعظم في دوستويفسكي—وليس في غوته، وليس حتى في نيتشه. في الشعر الأكثر حداثة، هناك في كل مكان تناولاً لدوستوفسكي، حتى وإن كان أحياناً تقليدياً وغير ناضجاً. مثال الكارامازوف، البدائي، الآسيوي، والسحري، بدأ بالفعل باستنزاف الروح الأوروبية. هذا ما أعنيه بسقوط أوروبا. هذا السقوط هو عودة إلى الوطن إلى الأم، عودة إلى آسيا، إلى المصدر، إلى “Faüstischen Muttern”(أي الأم الفاوستية) وسيؤدي الضرورة، مثل كل موت على الأرض، إلى ولادة جديدة.

نرى نحن المعاصرون “السقوط” في هذه الأحداث بنفس طريقة الهَرمين، ممن يرغمون على مغادرة المنزل الذي يحبون، يبكون خسارة لا يمكن تعويضها بالنسبة لهم في حين أن الشباب يفكر فقط بالمستقبل، يهتم فقط بما هو جديد.

ما هو هذا المثال الآسيوي الذي أجده لدى دوستوفسكي، أثره الذي سيكون، كما أراه، غامراً لأوروبا؟

باختصار، هو رفض لكل مثل وعبرة مسيطرة بقوة لصالح سياسة شاملة من عدم التدخل. هذه هي العقيدة الجديدة والخطرة، التي أعلنها الشيخ زوسيما، العقيدة الحية في اليوشا وديمتري، العقيدة التي كانت مقدمة في أوضح صورة لها عبر ايفان كارامازوف. في حالة الشيخ زوسيما، الحق المثالي لا يزال يحكم الأسمى. الخير والشر دائماً موجودان بالنسبة له، لكنه يمنح حبه للأشرار اختياراً. اليوشا بالفعل يصنع شيئا ما أكثر حيوية من هذه الملة الجديدة، يشق طريقه عبر البذاءة والوحل بنزاهة أخلاقية تقريباً. هو يذكرنا بقسم زرادشت: ” في ذلك اليوم لقد أقسمت بأني سأتوب عن كل بغض.”

لكن إخوة اليوشا يحملان هذا أيضاً، إنهما يسلكان هذا الطريق بعزم أكبر، يبدوان غالباً أنهما يفعلان هذا بتحد. يبدو في الكتاب الضخم أحياناً كما لو أن علاقة الإخوة كارامازوف تتكشف بنفسها ببطء شديد حتى أنها في وقت ما قد تبدو مستقرة، وفي وقت آخر تصبح مائعة. يصبح اليوشا البار دنيويا أكثر، الأخوة الدنيويون أكثر قداسة، وبشكل مشابه الأكثر جموحاً منهم والأكثر تجرداً من المبادئ يصبح ورعاً، الأكثر حساسية، الأكثر نبوة روحية للقداسة الجديدة، للفضيلة الجديدة، لجنس بشري جديد. هذا جد غريب. كلما تكشفت القصة بنفسها، الخبيث والأكثر ثمالة، الأكثر فسقاً ووحشية من الأخوة كارامازوف، يتوهج بشكل أكثر تألقاً المثال الجديد عبر مجموعة من هذه الظهورات الأولية، الناس، والأفعال، والأكثر روحانية، يصبح الأكثر قداسة داخلياً. مقارنة بالثمل، القاتل، العنيف ديميتري وايفان العقلاني المتشائم-الكريم، الحاكم فائق الاحترام والآخر يمثل البرجوازية، منتصرون ولو أنهم قد يكونوا ظاهرياً، دنيؤون، فارغون، تافهون.

يبدو، حينها، أن ” المثال الجديد” الذي به جذور الروح الأوروبية مستنزفة، مفهوم أخلاقي كلياً، قابلية الشعور بالإلهي، العظيم، القدري، في الآثم وفي القبيح، وحتى منحهم التبجيل والعبادة. ليس أقل من ذلك. الغلو الساخر الذي ينشد به الحاكم في خطابه منع هؤلاء الكارامازوف من احتقار المواطنين، هو ليس في الواقع غلواً. إنه بالفعل اتهام وديع. لأنه في هذا الخطاب “الرجل الروسي” معروض من وجهة نظر برجوازي محافظ. كان إلى حينه هدفاً. خطراً، عاطفياً، غير مسؤول، وأيضا مطارداً بالضمير، ناعماً، حالماً، وحشياً، أيضا طفولي بشكل أساسي. مثل هذا المرء لا يزال يحب  أن يعتبر ” الرجل الروسي” إلى اليوم، بالرغم من أني، أؤمن، أنه كان لوقت طويل على الطريق في أن يصبح الرجل الأوروبي. وهذا هو سقوط أوروبا.

دعنا ننظر إلى هذا ” الرجل الروسي” للحظة. هو أكبر سناً بكثير من دوستوفسكي، لكن دوستوفسكي أخيراً أظهره للعالم بكل ثقله المخيف. ” الرجل الروسي” هو كارامازوف، إنه فيدور بافلوفيتش، إنه ديمتري، إنه ايفان، إنه اليوشا. هؤلاء الأربعة، مختلفون كما قد يظهرون، ينتمون أحدهم إلى الآخر بشكل غير منفصل. معا هم كارامازوف، معا هم ” الرجل الروسي،” معاً هم المقترب، الرجل الملازم للتحول الأوروبي.

ثم لاحظ شيء ما لافت جداً. يتحول ايفان خلال القصة من رجل متحضر إلى كارامازوف، من أوروبي إلى روسي، من نمط تاريخي مصاغ بشكل محدد إلى مادة غير مشكلة من القدر.

هناك واقع –حلم كالخيال فيما يتعلق بالطريقة التي ينزلق فيها ايفان من نفسيته الأصيلة: من فهمه، هدوءه، معرفته. هناك حقيقة غامضة في هذا الانزلاق للأخ الذي يبدو صلباً نحو هستيري، روسي، كارامازوفي. إنه تماماً هو، الشكاك، الذي في النهاية يجري حواراً مع الشيطان! سوف نأتي إلى ذلك لاحقاً.

لذا ف”الرجل الروسي” ليس مرسوماً كهيستيري، سكير، مجرم، شاعر، قديس، لكن كواحد منهم جميعاً، كمستحوذ على هذه الشخصيات بآن معاً. الرجل الروسي، كارامازوف، هو القاتل والحكم، الوحشي والروح العطوف، الأناني كلياً والبطل الأكثر تضحية بنفسه. سوف لن نستوعبه من وجهة نظر أوربية، أخلاقية عجولة وقاسية، معنوية، عقائدية. في هذا الرجل، الخارج والداخل، الخير والشر، الله وابليس متحدين.

النداء الملح يقرع أبداً من هؤلاء الكارامازوف من أجل الرمز الذي تسعى أرواحهم إليه، إله هو أيضا شيطان. الرجل الروسي لدى دوستوفسكي مخترق من ذلك الرمز. الـ إله-شيطان، القوة المهيمنة الأولية، هو الذي كان هناك منذ البداية الذي وحده يقف في الجانب الآخر للمحرم، الذي لا يعرف النهار ولا الليل، ولا الخير ولا الشر. هو لا شيء وكل شيء. هو لا سبيل لمعرفته بالنسبة لنا، لأننا لا نملك سوى القدرة على إدراك التحريم، نحن كائنات منفردة، مقيدين بالنهار والليل، بالدفء والبرد، نحتاج إلى الله والشيطان. على الجانب الآخر من ذلك المحرم، في اللا شيء وكل شيء، فقط القوة المهيمنة، إله كل شيء، من لا يعرف لا الخير ولا الشر، يمكن أن يعيش.

هناك الكثير ليقال عن هذا، لكن ما كتبته لا بد يفي بالغرض. لقد رأينا طبيعة الرجل الروسي. إنه يمتد ما وراء المحرمات، أبعد من الغرائز الطبيعية، أبعد من الفضيلة. إنه الرجل الذي استوعب فكرة تحرير نفسه ومن جانب آخر، أبعد من الشر، أبعد من مبدأ التشخيص principium individuationis، من العودة ثانية. هذا الرجل المثالي في الأخوة كارامازوف لا يحب شيئا وكل شيء، لا يهاب شيئا وكل شيء، لا يعمل شيئا ويعمل كل شيء. إنه مادة خام. إنه مادة الروح الهائلة. لا يمكنه أن يعيش في هذا الشكل، يمكنه فقط أن ينهار، يمكنه أن يرحل فقط.

استحضر دوستوفسكي مخلوق السقوط هذا، هذا الشبح المخيف. كثيرا ما قيل بأنه لأمر جيد أن الأخوة كارامازوف لم يطوروا إلى مرحلتهم الأخيرة. وإلا لكانت ليست روسيا فقط، لكن الجنس البشري انفجر في الهواء.

لكن ما قيل، ولو أن المتكلم لم يسحب من كلماته تضميناتها القصوى، لا يمكن أبداً التراجع عنه. ذلك الذي يوجد، ذلك الذي تم التفكير به، ذلك الممكن، لا يمكن أن يكون مطفأ ثانية. الرجل الروسي لطالما وجد، إنه يوجد في خارج روسيا، إنه يحكم نصف أوروبا، وجزء من الانفجار الرهيب الذي كان حقا في هذه السنوات الأخيرة بيناً بشكل مسموع. إنه يظهر نفسه في أن أوروبا متعبة، إنه يظهر نفسه في أن أوروبا تريد أن تعود إلى البيت، في أن أوروبا تريد الراحة، في أن أوروبا تريد أن تكون معاد خلقها، منبعثة.

هناك بيانين خطرا لي عن الأوروبي الذي يمثل بلا ريب بالنسبة لنا العصر الماضي، أوروبا التي إذا لم تنهار فعلاً فإنها في ثبات. أنوه إلى القيصر فيلهيلم.  البيان الأول هو الذي كتبه مرة بصورة مجازية بشكل استثنائي. في هذا هو حذر الأمم الأوروبية كي يحموا ممتلكاتهم المقدسة من تقدم الهلاك من الشرق.

لم يكن القيصر فيلهيلم بالتأكيد شخصاً عميقاً وحكيماً. على أنه امتلك، باعتباره المودع لديه والوصي على مُثل العالم القديم العليا، نباهة أكيدة موروثة حذرته من الأخطار التي هددت تلك المثل. هو لم يكن مفكراً! لم يكن يحب قراءة الكتب الجيدة، وشغل نفسه كثيراً بالسياسة لهذا تلك الصورة التي مع تحذيرها للأمم لم تكن كما قد يفكر المرء بنتيجة لقراءة دوستوفسكي، لكن من خوف غامض من الجماعات الشرقية، التي من خلالها الطموحات اليابانية قد تكون أدرجت ضد أوروبا. القيصر يعلم، لكن جزئيا، مصدر كلماته وكيف كان على حق بشكل استثنائي. هو بالتأكيد لم يعرف بالأخوة كارامازوف، كان مرعوباً من فكرة عميقة، لكن كان لديه الهاجس الصحيح عن غير قصد. الخطر كان يقترب كل يوم. ذلك الخطر كان الأخوة كارامازوف، الأذى من الشرق. ما كان يخافه لا شعوريا لكن بشكل محق، كان العودة الصاعقة للروح الأوروبية المتعبة نحو الأم الآسيوية.

البيان الثاني الامبراطوري الذي يخطر لي والذي في ذلك الوقت كان له أثراً سيئا علي، هو هذا. ” الأمة التي ستربح الحرب هي تلك التي لديها أفضل أعصاب.” عندما في ذلك الوقت، تماما عند بداية الحرب، سمعت عن البيان، أتاني كتحذير مكتوم عن زلزال. كان بالطبع واضحا بأن القيصر لم يكن يعني ذلك، ما كان حقيقة في باله، كان شيء ما تملقيا جداً لألمانيا. من المحتمل أنه هو نفسه كان لديه أعصاب استثنائية، رفاقه في الصيد واستعراض القوات أيضا. هو يعلم أيضا القصة القديمة المملة عن عجز فرنسا المنحلة و عن ألمانيا الفاضلة المثمرة وآمن به، لكن بالنسبة لهؤلاء الذين على علم، ومع  ذلك أكثر بالنسبة لهؤلاء ممن لديهم حدس الاستشعار بالغد وما بعده، كان البيان فظيعا لأنهم يعلمون بأن الألمان لديهم بأي صورة من الصور أعصابا أفضل من الفرنسيين، الانجليز، والأميركيين، في أحسن الأحوال أفضل من الروس، لأنه أن تملك أعصابا سيئة  فهو تعبير عامي عن الهستيريا و الوهن العصبي، عن الجنون الأخلاقي و كل تلك الشرور التي قد رآها المرء بطرق مختلفة لكن التي تشير بالمجمل  إلى الكارامازوف، باستثناء النمسا ،ألمانيا تقف بما لا يقاس بشكل أكثر رغبة وضعفا، منفتحة على الأخوة كارامازوف، على دوستوفسكي، على آسيا، من أي شعب أوروبي آخر.

بالتالي نطق القيصر أيضا التحذير مرتين، تنبأ بالفعل بسقوط أوروبا.

لكن تماماً مسألة أخرى هي في طريقة نظرتنا نحن إلى هذا السقوط. هنا نحن عند مفترق الطرق. هؤلاء الذين يتشبثون يقينا بالماضي، هؤلاء الذين يعظمون أشكالاً ثقافية أصيلة، فرسان الفضيلة المكنوزة، لابد أن ينشدوا تأجيل هذا السقوط وسوف يبكونه بشكل تعس عندما يحدث. بالنسبة لهم السقوط هو النهاية، بالنسبة للآخرين، هو البداية. بالنسبة للأول، دوستوفسكي مجرم، بالنسبة للآخرين هو قديس. بالنسبة للفريق الأول أوروبا وروحها تشكلان وجودا نهائيا، مقدرا، غير منتهك، أمر مثبت ولا يتغير. بالنسبة للآخرين إنها أمر متكون، متحول، متغير أبدا.

الآسيوي، الفوضوي، المتوحش، الخطر، الأخلاقي، في الواقع يمكن النظر إلى عناصر الكارامازوف مثل كل شيء آخر في العالم، من وجهة نظر إيجابية أو سلبية على حد سواء. هؤلاء الذين من خوف لا يسمونه، يشتمون دوستوفسكي هذا، هؤلاء الكارامازوف، هؤلاء الروس، هذه الآسيا، هذه الفانتازيا المهيمنة وكل بياناتها، ينتظرهم وقت قاس لأن الكارامازوف يهيمنون أكثر فأكثر، لكنهم يقعون في الخطأ برؤية فقط ما هو ظاهر، المرئي، المادي، إنهم يرون سقوط أوروبا قادما ككارثة فظيعة بالدوي وقرع الطبول، أيضا كثورة مترافقة بالذبح والعنف، أو كانتصار للجريمة، البغي، البطش، الفساد، والقتل.

كل ذلك ممكن، كله محتوى في كارامازوف. لا يعلم المرء أبدا ما سيفعله الكارامازوف لاحقاً. ربما سيفاجئنا بالضربة القاضية، ربما بالانتقال إلى شكر الله. هو يصر على اليوشا وديمتري، على فيودور وايفان. كما رأينا، هم لن يكونوا متماثلين مع أي شخصية مفردة، لكن مع الميل لتبني أي وكل شخصية.

لكن ليس هناك من عزاء للوجل، في هؤلاء الناس الذين لم يكن يحسب حساب لهم ربما قد يسفر عن خير مستقبلي أو شر على حد سواء، من المحتمل تماماً أن يجدوا مملكة جديدة لله أو واحدة للشيطان، ما يقف أو ينهار على أرض يتعلق بالكارامازوف قليلا، سرهم يكمن في مكان آخر، والقيمة وخصوبة طبيعتهم اللاأخلاقية أيضا.

يختلف هؤلاء الناس الجدد كليا عن سابقيهم، الأكبر سنا، الخاضعون للقانون، كرام القوم، في احترام حيوي واحد، تحديدا، ذلك أنهم يعيشون روحيا بنفس القدر تماما الذي يعيشون به خارجيا، ذلك أنهم يهتمون بشكل مستمر بأرواحهم. بدا أن الكارامازوف قد يقترفون أية جريمة، لكنهم يقترفونها بشكل استثنائي، لأنها كقاعدة تكفيهم ليملكوا فكرة عن جريمة، أو ليحلموا بها ليجعلوا أرواحهم واثقة بإمكانيتها، هنا يكمن سرهم. دعنا نسعى لصيغة له.

كل شكل للإنسانية، كل ثقافة، كل حضارة، كل نظام، مؤسس على منحة، شيء ما يتجاوز ما هو مسموح وما هو ممنوع. الانسان، في منتصف الطريق بين الحيوان والأنا الأعلى، كان لديه دوما في داخله مقدار كبير يكبته، يخفيه، يرفضه، رغبة في أن يكون كائنا بشريا محترما وليكون ممكنا اجتماعيا. الانسان طافح بالحيوان، طافح بالكائن البدائي، طافح بغرائز ضخمة، مروضة بالكاد من أنانية قاسية وحشية. كل هذه الغرائز الخطرة هي هناك دائما لكن تمت تغطيتها. لم يظهرها الانسان، لقد تعلم منذ الطفولة أن يخفي هذه الغرائز وأن يرفضها. لكن كل تلك الغرائز لابد أن تطفو عاجلا أم آجلا على السطح. كل غريزة حية، ما من واحدة قتلت، ما من واحدة قد تغيرت بشكل مؤقت أو نهائي وتم تصعيدها. وكل واحدة من هذه الغرائز هي في حد ذاتها خيرة، هي ليست أسوأ من الأخرى. لكن بالنسبة لكل حقبة وثقافة، هي غريزة خاصة ينظر لها ببغض خاص من الرعب. الآن، عندما تصعد هذه الغرائز ثانية، في شكل سطحي وخافت فقط، ولو أنه بحذر، قوى طبيعية مضبوطة، عندما هذه الوحوش ثانية تبدأ بالزئير مثل عبيد أضرمت روحهم المكسورة طويلا بالسوط والقمع، من جديد بالتمرد، حينها يكون الكارامازوف عندنا. عندما الثقافة، واحدة من هذه المحاولات لتدجين الانسان، تعبت وبدأ ت تبلى، عندها الرجال يصبحون ملحوظين بمقياس أعظم. يصبحون هستيريين، رغبات غريبة متطورة، تصبح مثل الشبان في الاحتلام أو مثل النساء في النفاس. رغبات شديدة ليس للإنسان اسم لها، تنبع من الروح، رغبات يجب أن تمنعها الثقافة والأخلاق القديمة لأنها آثمة. لكنها تعلن نفسها بصوت بريء جدا، ذلك أن الخير والشر يصبحان متبادلان، وكل قانون يترنح.

مثل هؤلاء الناس هم الأخوة كارامازوف. كل قانون يبدو بسهولة لهم كعرف، كل فضيلة كشخص مادي النزعة، هم يتبنون بخفة كل شهادة، كل نزوة. ودائما بفرح كبير يستمعون إلى العديد من الأصوات في قلوبهم.

لكن هذه الأرواح لا تحتاج إلى اقتراف جريمة بشكل حتمي وتمرد من فوضى. كاتجاه جديد معطى للتيار البدائي المقاطع، لذا فالبذار مبذورة من أجل نظام جديد، لفضيلة جديدة.

مع كل ثقافة الأمر سيان. لا يمكننا تدمير التيار البدائي، الحيوان فينا، لأنه بموته علينا أن نموت نحن أنفسنا. لكن يمكننا لحدود معينة توجيهه، لمدى معين يمكننا تهدئته، إلى مدى معين جعل “الجيد” نافعا، كما يستخدم المرء حصانا سيئا لعربة جيدة، فقط من حين لآخر، يصبح لمعان هذا الجيد قديما وضعيفا، لم تعد الغرائز حقيقة تؤمن به، ترفض أن تكون منضمة إليه، حينها تتشظى الحضارة، ببطء كقاعدة. لذا فما نسميه قديم يحتاج لقرون حتى يموت.

وقبل أن تتمكن الحضارة والمبادئ الأخلاقية القديمتين المحتضرتين أن تذوبا في واحدة جديدة، في تلك المرحلة المؤلمة، الخطيرة، والمخيفة، على الجنس البشري أن ينظر ثانية في روحه، عليه أن يرى الوحش يولد في نفسه من جديد، عليه ثانية أن يدرك السيادة المطلقة للقوى الأولية في نفسه، القوى التي هي الأخلاق العليا. هؤلاء الذين هم مقدرين، محضرين، وناضجين لهذا الحدث هم الكارامازوف. إنهم هستيريون وخطرون، جاهزون ليكونوا مجرمين كنُسَّاك، لا يؤمنون بشيء فيما عدا الشك المطلق بكل عقيدة.

كل رمز له مئات التأويلات، التي منها قد يكون كل شخص على حق. لدى الكارامازوف أيضاً مئات التفسيرات. تفسيري هو واحد منها فقط، واحد من مائة. هذا الكتاب من كتب دوستوفسكي علق رمزا حول عنق الجنس البشري، شيد نصبا له تماما كما قد يخلق الفرد في حلم نصبا لنفسه، صورة لغرائزه المتحاربة وقواه.

إنه لحدث استثنائي أن يستطيع كائن بشري كتابة الأخوة كارامازوف. والآن وقد وقع هذا الحدث، فليس من الضرورة شرحه. لكن هناك ضرورة عميقة لتوكيد الحدث، لقراءة الكتابة بشكل كامل ما أمكن، بشكل احتوائي ما أمكن، للتعلم بقدر ما يمكن من سحرها الرائع. عملي هو الاسهام بفكرة، بتأمل، بتعليق على ذلك الإنجاز، لا أكثر.

ليس لأحد أن يفترض بأني بينت هذه الأفكار والمقترحات باعتبارها تخص دوستوفسكي، على العكس، ما من عارف عظيم أو شاعر، حتى وإن كانت لديه القدرة، قد استطاع أن يشرح مطلقا قصته في مغزاها النهائي.

في الختام أود أن أشير إلى أن هذه الرومانسية الغامضة، حلم الانسان هذا، لا يشير فحسب إلى عتبة تجتازها أوروبا، اللحظة الخطرة من التحويم بين الخواء وكل شيء. إنها أيضا تشيع الإمكانيات الثرية للحياة الجديدة.

في هذا السياق شخصية ايفان مذهلة. نتعلم معرفته كفرد مهذب، لطيف، معاصر، هادئ إلى حد ما، خائب إلى حد ما، متشكك إلى حد ما، نوعا ما متعب. لكنه يصبح أكثر شبابا، أكثر حماسا، أكثر أهمية، أكثر شبها بالكارامازوف. هو من كتب قصيدة المحقق. هو بعد التجاهل بارد للقاتل الذي يؤمن بأنه أخيه، يؤدي في النهاية إلى إحساس عميق بإثمه وحتى لشجبه الذاتي. وهو أيضا يختبر بالشكل الأكثر وضوحا والأكثر أهمية التفسير الروحي للاوعي (عند ذلك كل شيء يتغير بالفعل. هذا هو المعنى الكلي للسقوط، الولادة الجديدة بمجملها تنبثق منه.) في الجزء الأخير من الكتاب، هنا فصل متفرد جدا فيه يدخل ايفان البيت قادما من مقابلته مع سيردياكوف، يرى الشيطان جالسا هناك ويتحدث معه لساعة من الزمن. هذا الشيطان ليس أحد آخر سوى عقل ايفان الباطني، ليس أحد آخر سوى الرضى المهزوز، الخفي طويلا والذي يبدو أنه منسي من روحه. وهو يعرفه أيضا. يعرفه ايفان بثقة مذهلة ويقول هذا بوضوح وبرغم ذلك يتحدث مع الشيطان، برغم ذلك يؤمن به—لأن ما هو داخلي داخلي. برغم ذلك هو حانق منه، مندفع نحوه، حتى أنه يرميه بكوب، هو الذي يعلم أنه آت من نفسه. بالتأكيد ما من قصيدة بينت أبدا بأكثر من هذا الوضوح جلي صلة الكائن البشري مع نفسه اللاوعية. وهذه الصلة، هذا (الغضب المحتقر) هو فهم عميق للشيطان، إنه فقط الطريق الذي اختاره الأخوة كارامازوف ليرونا إياه. بالفعل يظهر دوستوفسكي اللاوعي على أنه الشيطان. وبشكل ملائم. لأن ذلك الذي في داخلنا مشوه برؤيتنا المدجنة، الأخلاقية، المهذبة إلى شيء ما بغيض وشيطاني. لكن نوع ما من مجموع ايفان واليوشا سيكون حقا موفرا لذلك، القاعدة الأعلى الأكثر خصوبة التي عليها يجب بناء العالم الجديد. حينها سرعان ما سيكون اللاوعي هو الشيطان، لكن إله-شيطان، القوة المهيمنة، هو الذي كان دائما، الذي يأتي من الكل. لإيجاد خير جديد وشر جديد ليست مسألة فن خالد، ليست متعلقة بالقوة المهيمنة. هذا هو عمل الانسان وآلهته الأصغر والصاغرة.

كان ليكتب فصلا كاملا عن آخر، كارامازوف خامس، الذي يلعب دورا مشؤوما لكن مهما، بالرغم من أنه دوما يبقى نصف محجوب. هذا هو سيردياكوف، كارامازوف غير الشرعي. إنه هو الذي اغتال الرجل المسن. إنه هو الذي واجه الله كلي الوجود، ككقاتل مدان ذاتيا. إنه هو الذي علم ايفان، العالم، عن أكثر الأمور غموضا وتقى. إنه هو الغير عملي جداً وفي نفس الوقت الأكثر حكمة من كل الكارامازوف. لكني لم أجد مكانا لأقدم له الإنصاف، الكارامازوف الأكثر غموضا، في هذه المقالة.

كتاب دوستوفسكي ليس من تلك الكتب التي يمكنك أن تقتطع منها. يمكنني أن أمضي أياما وأنا أسعى وأجد سمات جديدة كلها تشير في نفس الاتجاه. واحد ة بشكل خاص مبهجة وجميلة، هي الهيستريا والشخصيتين من عائلة هوهلاكوف. هنا لدينا ثانية عنصر الكارمازوف امتزج مع كل ما هو غريب ومريض وسيء في شخصيتين. واحدة منهما، الأم هوهلاكوف، هي ببساطة مريضة. سلوكها هو نتيجة عادة أكدها العمر، الهيستريا هي مرض فحسب، ضعف وحماقة. لكن في حالة الابنة الرائعة، ليس التعب الذي يظهر نفسه كشكل من الهستيريا، لكن الحيوية الانفعالية. إنها مطاردة بالمستقبل. عدم النضج وحب ناضج مقابل بعضهما في حلقة. هي تطور فكرة ورؤية الشر أكثر من أمها التافهة وأيضا الأمر المذهل بشأن الابنة هو أن البراءة والقوة خلف   أكثر تصرفاتها خبثا وبذاءة يقودانها نحو مستقبل مليء بالوعود، الأم هوهلاكوف هستيرية مكانها المصحة ولا شيء آخر، الابنة عصابية مرضها هو عرض لطاقة نبيلة التعبير عنها مرفوض.

وهل هذه التطورات في أرواح الشخصيات المتخيلة في القصة تفيد حقيقة بسقوط أوروبا؟

بالتأكيد، إنهم يعنونه بشكل أكيد كما تشعر عين العقل بالحياة والخلود في نصل عشب الربيع، والموت وحتميته في كل سقوط لورقة خريف. من الممكن أن السقوط أوروبا بكليته سينتهي بنفسه “فقط” روحيا، فقط في أرواح الجيل، فقط في تغيير معنى تحطيم الرموز، في عدم تقدير القيم الروحية. ولهذا، العالم القديم، تلك الصياغة البراقة الأولى للثقافة الأوروبية لن تستمر في ظل نيرون. دمارها لم يكن بسبب سبارتاكوس ولا بسبب العشائر الألمانية. لكن فقط بالتفكير في آسيا، حيث أن ذلك التفكير البسيط، المستقر، لطالما كان هناك، لكن أخذ الشكل الذي أعطاه له المسيح المعلم.

بطبيعة الحال، يمكن للمرء إذا كان يود النظر إلى الأخوة كارامازوف من وجهة نظر أدبية، كعمل فني. عندما صنع العقل اللاواعي للقارة بأكملها والعصر من نفسه شعرا في كابوس حالم، نبوئي فرد، عندما نفذ في صرخته الرهيبة المفزعة، يمكن للمرء بالطبع أن يعتبر هذه الصرخة من وجهة نظر معلم غناء. لا شك أن دوستوفسكي كان شاعراً موهوباً جداً بالرغم من الشرور التي يجدها المرء في كتبه. ليس لدى تورجينيف على سبيل المثال، الشاعر النقي والبسيط مثل هذه الشرور، اشعيا أيضا كان شاعرا موهوبا للغاية، لكن هل ذلك هام؟ عند دوستوفسكي بخاصة في الكارامازوف، يجد المرء أمورا محددة تافهة ومبالغة، مثل هذه الأشياء، التي لن تقتل الفنانين، تحدث حيث الرجل أصلا قد تجاوز الفن، لا يهم. حتى كفنان يثبت هذا النبي الروسي نفسه، بين الحين والأخر يجعل نفسه شهيرا، يجعل نفسه شخصية عالمية ويتأثر المرء بشعور غريب، أنه من أجل أوروبا في الوقت عندما كان دوستوفسكي قد كتب جميع كتبه، عدا عن أنه كان مقدرا مع أعظم الشعراء الأوروبيين، فلوبير على سبيل المثال، بالمقارنة مع الأخوة كارامازوف، يصبح عمل فلوبير تماما فعلا فنيا صغيرا. سرعان ما سيكرهه الشباب الأوروبي ويسخرون منه بظلمهم العنصري، إذا لو كعقاب على الولاية المبالغ بها من قبل آبائهم. لا، هذا ليس زمن الفنانين، ذلك زمن زها بنفسه في مكان آخر.

لكن هنا أصل إلى طريق فرعي. مكان آخر سيكون مكان بالنسبة لي لأرى لم عند هذا المفصل، اعترض فلوبير طريقي بشكل مقلق وأغواني بعيدا عن فكرتي. ذلك أيضا سيكون له دلالته الخاصة. الآن عليَّ أن اتشبث باهتمامي الرئيسي. كنت ماضيا في القول: ربما الأقل مرتبة من مثل هذا الكتاب العالمي هو العمل الفني، نبوءته حقيقية. وإلى جانب أنه يبدو لي أن هناك الكثير مما هو لافت وأيضا غير متعمد، ليس عمل ذكاء مفرد في الرومانسية، في الأسطورة، وفي اختراع الكارامازوف، يبدو أنه ليس من شاعر.

على سبيل المثال، لنقل كل شيء في الحال، الواقعة الأكثر دلالة في كامل العمل هي أن الكارامازوف هم كائنات بشرية خطرة، ليست في الحسبان. لديهم شدتهم المميزة، وعيهم المميز، ولا وعيهم المميز. أحدهم سكير، والآخر مطارد للنساء، والآخر راهب خيالي، الأخير هو شاعر لنظم تجديفي سري. هذه الأخوة المميزين ينشرون خطرا أكبر للآخرين. إنهم يحتجزون الناس باللحية يجعلون الناس مفلسين يهددون الناس بالموت ومع ذلك هم أبرياء وبرغم كل شيء ما من واحد منهم فعل أي شيء جرمي حقيقة، القتلة الوحيدون في هذه الرواية الطويلة التي تهتم بشكل أساسي بالقاتل، اللص، و الجريمة، القتلة المذنبون الوحيدون، هم القاضي والمحكمة، ممثلو النظام القديم   المحترم، المواطنون الطاهرون الشرفاء، إنهم يدينون ديمتري البريء، إنهم يهزؤون ببراءته، إنهم يحكمون عليه، يخمنون، ينتقدون الله والعالم وفقا لرمزهم وهم الذين على خطأ، وهم الذين يخافون من الجور، هم من يصبحون قتلة من التحيز، من الخوف، من التفكير السطحي.

هذا ليس اكتشاف، إنه ليس أمرا يتعلق بالأدب. إنه ليس عمل تحر أدبي بارع معتد بنفسه أو الرجل الذكي والتهكمي لخطابات تلعب دور الناقد الاجتماعي. نعلم كل شيء حول هذا النوع من الأمور ونحن مرتابون، وكنا لوقت طويل منقطعون عن الايمان به. لا، بالنسبة لدوستوفسكي براءة المجرم وذنب الحاكم ليسا على الأقل دعوى خبث. إنه أمر مخيف يصمد وينمو بثقة، إنه متجذر بعمق شديد، حيث أخيرا تقريبا في المرحلة الأخيرة من الكتاب يقف المرء مذعورا من الحقيقة. يقف المرء ويحدق بكل ألم وجنون العالم على المعاناة والنقص في الفهم للرجال كما لو أن المرء يواجه جدارا.

قلت إن دوستوفسكي ليس شاعراً، أو أنه فقط شاعر بالمعنى الثانوي. دعوته نبيا. من الصعب القول بالضبط ما تعنيه كلمة نبي. تبدو لي شيئا مثل هذا. النبي مثل رجل مريض، مثل دوستوفسكي، الذي كان مصابا بالصرع. النبي هو نوع من رجل مريض فقد حاسة العناية بنفسه، الفحوى هي انقاذ مواطن كفء. هو لم يكن ليفعل لو كان هناك الكثير منهم، لان العالم كان سينهار.

رجل مريض من هذا القبيل، سواء كان اسمه دوستوفسكي أو كارامازوف، بتلك الغرابة، الغموض، القدرة الإلهية، الإمكانية التي منها يعظم الآسيوي في كل ممسوس. إنه عراف وحكيم. أناس، حقبة، بلد، قارة صممت من جثتها آلة، عضوا حسيا بحساسية لا نهائية، عضو نادر جدا وهش. رجال آخرون، الفضل لسعادتهم وصحتهم، لا يمكن أبدا أن يضطربوا بهذه الهبة. هذه الآلة الشعورية، هذه المقدرة ليست ممكنة الفهم بهمجية كنوع ما من التخاطر أو السحر، بالرغم من أن الهبة يمكن أيضا أن تظهر نفسها حتى وإن بشكل مشوش. بالأحرى ذلك الرجل المريض من هذا النوع يفسر حركات روحه بشروط الكون والجنس البشري. كل رجل له رؤى، كل انسان له خيالاته، كل انسان له أحلامه. وكل رؤيا كل حلم، كل فكرة وخاطر لرجل، على الطريق من اللاوعي إلى الوعي، يمكن أن يكون لها آلاف المعاني المختلفة، والتي منها يمكن للجميع أن يكونوا على حق.

لكن ظهورات ورؤى العراف والنبي ليستا ملكه. كابوس الرؤى الذي يثقله لا يخطره بالمرض الشخصي، بالموت الشخصي، لكن بمرض، بموت ذلك الجسم الذي هو عضوه الحسي، هذا الجسم يمكن أن يكون عائلة، قبيلة، شعب، أو يمكن أن يكون كامل الجنس البشري. في روح دوستوفسكي مرض معين وحساسية للمعاناة في صدر الجنس البشري الذي يسمى خلافاً لذلك هستيريا، وجد حالاً وسائله في التعبير والقياس. الجنس البشري الآن على وشك إدراك هذا. بالأصل نصف أوروبا، على كل حال، نصف أوروبا الشرقية، على طريق الفوضى. في حالة الوهم الثمل، إنها تترنح إلى الهاوية وتغني وهي تترنح، ترنيمة ثملة من مثل التي غناها ديمتري كارامازوف. المواطن المهان يضحك لتلك الأغنية بازدراء، القديس والعراف يسمعانها دامعين.

 

هدف- أومبيرتو سابا.

 

slide_17

الحارس منهاراً، في آخر دفاع

عقيم، يخفي وجهه

في الأرض، كي لا يرى المشهد المرير.

رفيقه، جاثياً على يمينه،

يحثه، طالباً منه النهوض، لكن

يجد عيناه وقد اغرورقتا بالدموع.

 

الجماهير—مهتاجة معاً— تفيض

على الملعب، حشود حول الهداف

تجمهرت، مطوقاً من قبل رفاقه الآخرين.

قليلة هي اللحظات الرائعة مثل هذه

لهؤلاء المنهكين بالكراهية والحب

تحت هذه السموات الفارغة.

 

في حلق المرمى البعيد، غير المنتهك،

الحارس الآخر يلزم مكانه. لكن

روحه ترفض أن تترك وحيدة.

بابتهاج، رفع ذراعيه

عالياً ليرسل القبلات عبر الملعب

هذه الحفلة-يقول-حفلتي أيضاً.

 

 

 

 

 

 

-a_spy_in_the_house_of_love_957546996

جاسوس في منزل الحب-أناييس نن.

كان كاشف الكذب نائماً عندما سمع رنين الهاتف.

ظن في البدء أنه رنين المنبه يستدعيه للنهوض، لكن عندها استفاق تماماً وتذكر عمله.

كان الصوت الذي سمعه أجشاً، كما لو أنه متنكر. لم يستطع أن يميز سبب تغيره: الكحول، المخدرات، القلق أو الخوف.

كان صوت امرأة، لكن ربما كان مراهقاً يقلد امرأة، أو امرأة تقلد مراهقاً.

ما هذا؟ سأل. “الو. الو. الو.”

عليَّ أن أكلم أحداً، لا أستطيع النوم. عليَّ أن أتصل بشخص ما.

لديك شيء ما تعترفين به…

أعترف؟ ردد الصوت بنبرة شك، هذه المرة، كانت النغمات المتصاعدة لأنثى بشكل غير قابل للخطأ.

ألا تعلمين من أنا؟

لا، لقد اتصلت بشكل عشوائي. لقد فعلت ذلك من قبل. من الجيد سماع صوت في منتصف الليل، هذا كل شيء.

لماذا بغريب؟ بإمكانك الاتصال بصديق.

الغريب لا يسأل أسئلة.

من أنت؟

كاشف الكذب.

ثم حل صمت طويل بعد كلماته. توقع كاشف الكذب منها أن تغلق الخط. لكنه سمع سعالها عبر الهاتف.

هل لا زلت هنا؟

نعم.

ظننت بأنك أغلقت السماعة.

كان هناك ضحك عبر الهاتف، ضحك لولبي، مائع، منحل، “لكنك لن تمارس عملك على الهاتف!”

هذا صحيح. لكنك لم تكوني لتتصلي بي لو كنت بريئة. الذنب يثقل كاهل الكائن البشري ولا يستطيع تحمله بمفرده. كلما اقترفت جريمة جرى اتصال هاتفي أو اعتراف للغرباء.

-           ما من جريمة.

هناك فقط طريقة واحدة للخلاص: الاعتراف، التوقيف، الحكم، العقاب. هذا هو المثالي بالنسبة لكل جريمة. لكنه ليس بهذه البساطة. فقط نصف الذات ترغب بالتكفير، لتتحرر من عذابات الذنب. النصف الآخر من الانسان يريد الاستمرار في كونه حراً. لذا فقط نصف الذات تستسلم، مناديةً عالياً ” اقبضوا علي”، بينما النصف الآخر يخترع العقبات، المصاعب، طالباً الهرب. إنه العبث مع العدالة. إذا ما كانت العدالة نبيهة فسوف تتبع مفتاح اللغز بمساعدة المجرم. إذا لم تكُ كذلك، فالمجرم سوف يهتم بكفارته.

-           هل هذا أسوأ؟

أظن ذلك. أظن بأننا حكاماً أكثر صرامهً على أفعالنا من القضاة المحترفين. نحن نحكم على أفكارنا، نوايانا، لعناتنا السرية، أحقادنا السرية، وليس فقط أفعالنا.

أغلقت الخط.

اتصل كاشف الكذب بالمشغِّل، وأعطى أوامراً بتتبع المكالمة. لقد أتت من بار. بعد نصف ساعة كان يجلس هناك.

لم يسمح لعينيه أن تتجول أو تتفحص. لقد أراد لأذنيه وحدها أن تكون يقظة، بذلك قد يتمكن من التعرف إلى الصوت.

عندما طلبت مشروباً، رفع عينيه عن صحيفته.

مكتسية بالأحمر والفضي، استدعت أصواتا وخيالات سيارات الإطفاء عندما يندفعن في شوارع نيويورك، مسببات القلق للقلب بالجرس العنيف للكارثة، لباسها بالكامل أحمر وفضي، أحمر ممزق وفضي يقطع طريقه عبر اللحم. شعر أول مرة نظر إليها: بأن كل شيء سينفجر!

حباً بالأحمر والفضي والصراخ الطويل لجرس الإنذار للشاعر الذي نجا من بين كل البشر، مثلما نجا الطفل فيه، نحو هذا الشاعر رمت سلماً غير متوقع في وسط المدينة وأمرت، ” تسلق!”

لدى ظهورها، تراجع الاصطفاف المنظم للمدينة قباله هذا المزوَّد بسلم والذي كان مدعواً للتسلق، واقفاً مباشرة في مكان مثل سلم البارون مونشوازن الذي يؤدي إلى السماء.

سلمها يؤدي إلى النار فقط.

نظر إليها ثانية بتجهم العارف.

لم تتمكن من البقاء هادئة. تحدثت بغزارة وبشكل متواصل بانفعال شديد دون أن تلتقط أنفاسها كمن يخاف من الصمت. جلست كما لو أنها لا تستطيع تحمل الجلوس طويلاً، وعندما نهضت لشراء السجائر، كانت تواقةً للعودة لمقعدها على حد سواء. نافذة الصبر، يقظة، مراقبه، كما لو أنها مفزوعة من كونها مهاجمة، قلقة ومتحمسة، شربت بسرعة، ابتسمت برشاقة كبيرة لدرجة أنه لم يكن على يقين من أنه قد تلقى ابتسامة، استمعت فقط جزئيا لما كان يقال لها، وحتى عندما كان ينحني شخص ما في البار ويصرخ باسم نحوها، لم تكن تلتفت أولا، إذا لم يكن اسمها.

سابينا! صرخ الرجل من البار، منحنياً نحوها بخطورة بالغة لكن ليس فاقداً سيطرته على ظهر كرسيه خوفا من السقوط.

كرر شخص ما أقرب إليها بشهامة اسمها لها، حيث أدركت أخيراً بأنها المقصودة. في هذه اللحظة، رمى كاشف الكذب عنه الغشاوة التي تشكلت فيه بسبب الليل، الصوت، المنومات وحضورها، وانتهى إلى أنها تتصرف كشخص لديه كل أعراض الذنب: طريقتها في النظر إلى باب البار، كما لو أنها تنتظر اللحظة المناسبة للهرب، حديثها غير المتعمد، المنقطع، ايماءتها المفاجئة والشاردة، غير المرتبطة بحديثها، صدى جملها، صمتها، العابس، والمفاجئ.

عندما تقدم الأصدقاء نحوها، جلسوا معها، ومن ثم توزعوا إلى طاولات أخرى، كانت مجبرة على رفع صوتها، المنخفض عادة، لتكون مسموعة مع صوت البلوز الثرثار.

كانت تتحدث عن حفلة حيث حصلت حوادث غامضة، مشاهد غائمة لم يستطع كاشف الكذب أن يميز منها البطلة أو الضحية، ثرثرة حلم محطم، ومسافات، انسحابات معكوسة، وخيالات راكضة.

كانت الآن في المغرب تزور الحمامات مع امرأة محلية، تتشاركن حجر الخفاف، وتتعلمن من البغايا كيف ترسمن عيونهن بالكحل من السوق. “إنه غبار الفحم، وتضعينه مباشرة في عينيك. مؤلم في البداية، وتشعرين برغبة في البكاء، لكن هذا سينتشر على الجفون، وهذه كيفية حصولها على هذا البريق، الفحم الأسود يؤطر محيط العينين.”

“ألم تصابي بعدوى؟” سألت واحدة على يمينها التي لم يتمكن كاشف الكذب من رؤيتها بوضوح، شخصية غامضة تجاهلتها حتى حينما أجابت، “اوه، لا، العاهرات لديهن كحل مقدس من المسجد.” وعندها، عندما ضحك الجميع على هذا الذي لم تعتبره فكاهة، ضحكت معهم، والآن كما لو أن كل ما قالته قد كتب على لوح ضخم، وأخذت اسفنجة ومحته كله بالجملة التي بقيت فيمن كان عند الحمامات متلهفاً، أو، ربما، هذه كانت قصة قرأتها، أو سمعتها في بار، وحالما انمحت من بال مستمعيها، بدأت بأخرى…

تظهر وجوه وهيئات شخوصها نصف مرسومة فقط، وعندما بدأ كاشف الكذب للتو بتبينهم، كان وجه آخر وهيئة يدخل كما لو في حلم. وعندما ظن بأنها تكلمت عن أمرأه، ظهر بأنها ليست امرأة، لكن رجلاً، وعندما بدأت صورة الرجل تتشكل، ظهر أن كاشف الكذب لم يسمع بشكل صحيح، كان شاباً شابه امرأةذات مره اهتمت بسابينا، وهذا الشاب كان قد مسخ في الحال إلى مجموعة من الناس الذين أذلوها في إحدى الليالي.

لم يستطع أن يتذكر تسلسل الناس الذين أحبتهم، كرهتهم، هربت منهم، أكثر من قدرته المحافظة على تتبع التغيرات في مظهرها الشخصي بواسطة جمل من مثل، “في ذلك الوقت كان شعري أشقر،” “في ذلك الوقت كنت متزوجة”، ومن كان ذلك الذي صار نسياً منسياً أو غدر به، وعندما في يأس تتشبث بتكرار بعض الكلمات، لم يشكلوا بتكرارهم تصميما، لكن بدلا من ذلك تناقضاً قاطعاً. تكررت الكلمة ” ممثلة ” بإصرار، وحتى كاشف الكذب لم يتمكن، بعد ساعات من التتبع، أن يعرف فيما إذا كانت ممثلة، أو أرادت أن تكون، أو كانت تتظاهر.

كانت مجبرة بحمى الاعتراف التي اضطرتها إلى رفع زاوية الخمار، ومن ثم ذعرت عندما أصغى أي شخص بانتباه شديد. أخذت بشكل متكرر إسفنجة ضخمة ومحت كل ما قالته بإنكار تام. كما لو أن هذا التشوش كان في نفسه غطاء الحماية.

في البدء أومأت وأغرت المرء بالدخول إلى عالمها، ثم لطخت الممرات، مشوشة كل الصور، كما لو أنه للتملص من التتبع.

بزوغ الفجر عند الباب أسكتها، شدت رداءها حول كتفيها كما لو أنه كان الإنذار الأخير، أعظم الاعداء على الإطلاق. نحو الفجر لم ترغب حتى أن تلقي خطاباً محموماً، حدقت نحوه بغضب وغادرت البار.

كاشف الكذب تبعها.

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

Independent journalism institute

معهد الصحافة المستقلة

shabab kurd

shabab kurd || وكالة كوردية اخبارية | ثقافية | اجتماعية | تنموية | تربوية ..تواصلوا معنا عبر الايميل : shabab.kurd@hotmail.com

eltibas

ملتبسون. لا جدوى من الإنكار.

الدَّهر الآتي

صوتٌ وجوديّ رومنطيقيّ- من وحي يسوع المسيح

Bristol Bookworm

No longer in Bristol

The American Short Story

The Seamless and the Stitched

Bookstack

A ravenous reader blogs on all things bookish

Mark Athitakis' American Fiction Notes

A blog by Mark Athitakis on (mostly) U.S. novelists and short-story writers.

VERBA AMERICANA

Ideas on American Literature

Perlophonies

"que de sang caillé sur mon chemin griffé de lumière, l'or défunt des réverbères"

qisasukhra

مصائب قوم عند قوم فوائد

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 163 other followers