Feeds:
تدوينات
تعليقات

Archive for 19 ديسمبر, 2012

 

on_the_balcony-large

تم تحويل قصر ايرل[1] من القرن الثامن عشر، في القرن العشرين، إلى نادٍ. ولقد كان الخروج إلى الشرفة المطلة على الحديقة، ممتعاً، بعد العشاء في غرفة واسعة بدعامات وثريات تحت الضوء الساطع. كانت الشجرات مكتسية بكامل حلتها من الأوراق، و هناك قمر، يمكن للمرء أن يرى شرائط ملونة بألوان الزهري والقشدي معقودة على أشجار الكستناء. لكنها كانت ليلة مقمرة،  دافئة جداً، بعد يوم صيفي جميل.

كانت حفلة السيد والسيدة آيفيمي شرب قهوةٍ وتدخين على الشرفة. كما لو كان ذلك لإعفائهما من الحاجة للكلام، لتسليتهما دونما مجهود من قبلهما، دارت قصبات الضوء عبر السماء. وكان حينها الوقت سلماً، وكانت القوى الجوية تبحث عن طائرات العدو في السماء. دار الضوء، بعد توقف للتثبت من بعض النقاط المشتبه بها، كأجنحة طاحونة هواء، أو ثانيةً مثل قرون الاستشعار لحشرة ما ضخمة وكشف هنا حجراً مقابلاً شديد الشحوب، هنا شجرة كستناء وقد علتها الزهور، ومن ثم فجأة ضرب الضوء الشرفة مباشرة، ولثانية واحدة تألق قرصٌ ساحرٌ ربما كان مرآةً في حقيبة يد السيدات.

” انظروا!” هتفت السيدة آيفيمي.

مرَّ الضوء. وعادت الظلمة لتلفهم من جديد.

” لن تخمنوا أبداً ما رأيت بفضله ! أضافت. بطبيعة الحال، هم خمنوا.

” لا، لا، لا،” احتجت. لا أحد يمكنه أن يحزر، فقط هي تعرف، فقط هي من يمكنها أن تعلم، لأنها كانت حفيدة للرجل نفسه؟ أخبرها القصة. أيّ قصة. إذا ما رغبوا، سوف تحاول أن ترويها. كان هناك وقت كاف قبل المسرحية.

” لكن من أين أبدأ؟” فكرت ملياً. ” في عام 1820؟… لا بد أنه في ذلك الوقت كان جد أبي صبياً. حتى أنا لم أعد شابة”- لا، لكنها كانت بهيئة أنيقة جداً ووسيمة- ” وكان رجلاً عجوزاً جداً عندما كنت طفلة- عندما روى لي القصة. رجل عجوز وسيم جداً، بشعر أشيب أشعث، وعيون زرقاء. لا بد أنه كان ولداً جميلاً. لكن غريب… هذا كان أمراً طبيعياً،” شرحت، ” بالنظر للطريقة التي عاشوا فيها حياتهم.

كان الاسم كومبر. قدموا إلى العالم. كانوا نبلاء، ملاكي أراضي في يوركشاير. لكن عندما كان ولداً لم يكن قد بقي سوى برج. المنزل لم يكن شيئاً سوى منزل مزرعة صغير، واقفاً في وسط الحقول. لقد رأيناه منذ عشر سنوات مضت ومضينا.

كان علينا أن نغادر السيارة ونمشي عبر الحقول. لم يكن هناك أي طريق إلى المنزل. واقفاً لوحده تماماً، نمى العشب عند البوابة… كان هناك دجاجات ينقدن من حوله، تركضن داخل وخارج الغرف. كل شيء صار خرباً ومهدماً. أتذكر حجراً وقع من البرج فجأة.” توقفت. ” هناك عاشوا،” أكملت،” العجوز، المرأة والصبي. لم تكن زوجته، أو أماً للولد. لقد كانت مجرد. عاملة، الفتاة التي أخذها العجوز لتعيش معه عندما ماتت زوجته. وهو سبب آخر ربما منع الناس من زيارتهم- والسبب الذي جعل المكان بأكمله خرباً مخلعاً. لكني أتذكر معطف الحرب فوق الباب، والكتب، كتب قديمة، تعفنت. علَّم نفسه كل ما يعرفه من الكتب. قرأ وقرأ، أخبرني، كتباً قديمة، كتب بخرائط معلقة بالصفحات. سحبهم إلى قمة البرج- الحبل بقي هناك والدرجات المكسورة. هناك كرسي بقي في النافذة بمقعده الخرب، النافذة  تلوّح مفتوحة، الزجاج مكسور، والإطلالة على مدى أميال عبر السهول.

توقفت كما لو أنها في أعلى البرج تنظر من النافذة المفتوحة المتأرجحة.

” لكننا لم نستطع،” قالت، ” ايجاد التلسكوب.” تصاعدت في غرفة الطعام خلفهم قعقعة الصحون. لكن السيدة آيفيمي، بدت  مربكة على الشرفة، لأنها لم تتمكن من ايجاد التلسكوب.

” لم التلسكوب؟” سألها أحدهم.

” لماذا؟ لأنه لولا وجود التلسكوب،” ضحكت، ” لم يكن يتوجب علي الجلوس هنا الآن.”

وطبعاً كانت جالسة هناك الآن، بهيئة حسنة، امرأة في منتصف العمر، تضع شالاً أزرقاً على كتفيها.

“لا بد أن أكون هناك،” استأنفت،” لأنه، أخبرني، كل ليلة عندما يذهب الكبار إلى النوم كان يجلس إلى النافذة، ناظراً عبر التلسكوب إلى النجوم. المشتري، الثور، كاسيوبيا.” لوحت بيدها نحو النجوم التي بدأت بالظهور فوق الشجرات. كانت الظلمة تحل. وبدا ضوء الكشاف أكثر صفاء، يتجول عبر السماء، متوقفاً هنا وهناك للتحديق بالنجوم.

” هناك كانوا،” وتابعت، ” النجوم. و سأل نفسه، جد والدي- ذلك الولد: ” ما هم؟ ولم هم؟ ومن أنا؟” عندما يكون المرء، جالساً بمفرده، دونما أحد يكلمه، ناظراً نحو النجوم.”

كانت صامتة. نظروا كلهم نحو النجوم التي كانت تخرج من العتمة فوق الأشجار. وكثيراً بدت النجوم، أبدية، ثابتة. هدير لندن الغارقة بعيداً. مئة سنة لم تبد شيئاً. شعروا بأن ذلك الولد كان ينظر إلى النجوم معهم. بدوا كأنهم معه، في البرج، ناظرين عبر السهول إلى النجوم.

عندها قال صوت من خلفهم:

” أنت على حق. الجمعة.”

التفتوا جميعهم، داروا، وشعروا بعودتهم إلى الشرفة ثانية.

” آه، لكن لم يكن هناك أحد ليقول ذلك له،” غمغمت. نهض الثنائي ومشيا مبتعدين.

” لقد كان وحيداً،” استأنفت. ” لقد كان يوماً صيفياً جميلاً. يوم من شهر حزيران. واحد من تلك الأيام الصيفية المثالية عندما بدا كل شيء ساكناً في الحرارة. كان هناك دجاجات تنقد في فناء المزرعة،  الحصان العجوز يرفس في الاسطبل، العجوز يكبي فوق كأسه. المرأة تجلي الدلاء في حجرة الغسل. ربما وقع حجر من البرج. بدا كما لو أن اليوم لن ينتهي أبداً. ولم يكن لديه أحد يكلمه ولا شيء ليفعله. تمدد العالم كله قبالته. السهل يعلو ويهبط، السماء تلاقي السهل، أخضر وأزرق، أخضر وأزرق، إلى ما لا نهاية.

في الضوء القليل، رأوا السيدة آيفيمي تنحني من على الشرفة، بذقنها المستندة إلى يديها، كما لو كانت تنظر عبر السهول من فوق البرج.

” لا شيء سوى سهل وسماء، سهل وسماء، إلى الأبد،” غمغمت.

ثم تحركت، كما لو أنها تعيد شيء ما إلى موضعه الصحيح.

” لكن ما الذي يجعل الأرض تبدو هكذا عبر التلسكوب. سألت.

ثم قامت بحركة صغيرة سريعة بأصابعها كما لو أنها كانت تدور شيئاً.

” هو من ثبته،” قالت. ” ثبته فوق الأرض. ثبته فوق الغابة الضخمة المعتمة فوق الأفق. ثبته حتى يمكنه أن يرى… كل شجرة… كل شجرة بمفردها… والطيور… يحلقون ويهبطون …وتيار الدخان… هناك… في وسط الأشجار.
… ومن ثم… أدنى… أدنى…( أخفضت عينيها)… كان هناك منزل… منزل بين الأشجار… بيت مزرعة… كل قرميدة ظهرت… والأصص على جانبي الباب… والزهور فيها زرقاء، زهرية، قرطاسيا، ربما…” توقفت…”ومن ثم خرجت فتاة من البيت تضع شيئاً أزرق على رأسها… ووقفت هناك… تطعم الطيور… الحمائم أتت ترفرف حولها… ومن ثم… انظر… رجل… رجل…! خرج من الناصية. احتضنها بذراعيه! تبادلا القبل… تبادلا القبل.”

فتحت السيدة آيفيمي ذراعيها وأغلقتهما كما لو أنها تقبل شخصاً.

” لقد كان أول مرة يرى فيها رجلاً يقبل امرأة- بتلسكوبه- أميال وأميال بعيداً عبر السهول!”

“ثم هبط السلالم. هبط عبر الحقول. هبط الممرات الضيقة، فوق الطرقات السريعة، عبر الغابات. ركض لأميال وأميال، ولم يصل إلى المنزل إلا عندما ظهرت النجوم فوق الأشجار… مغطى بالغبار، يسيل منه العرق…”

توقفت، كما لو أنها رأته.

” ومن ثم، وثم… ما الذي فعله لاحقاً؟ ما الذي قاله؟ والفتاة…” ألحوا عليها.

سقط عمود من الضوء على السيدة آيفيمي كما لو أن شخصاً ثبت عدسات التلسكوب عليها. ( لقد كانت القوى الجوية، تبحث عن طائرة للعدو.) ارتفعت. كانت تضع شيئاً ما أزرق على رأسها. رفعت يدها، كما لو أنها واقفة في المدخل، مندهشة.

” اوه الفتاة… لقد كانت-” ترددت، كما لو أنها ستهم بالقول ” أنا” لكنها تذكرت، وصححت لنفسها. ” لقد كانت والدة جدتي” قالت.

التفتت لتبحث عن عباءتها. كانت على الكرسي خلفها.

” لكن أخبرينا- ماذا عن الرجل الآخر، الرجل الذي أتى عند الناصية؟” سألوها.

” ذلك الرجل؟ أوه، ذلك الرجل،” غمغمت السيدة آيفيمي ، متوقفة لتلملم عباءتها(غادر الكشاف الشرفة)،”افترض بأنه تلاشى.”

” الضوء” أضافت، جامعة أشيائها  من حولها، ” فقط يقع هنا وهناك”

مرّ الكشَّاف. وهو  مثبت الآن على السهل الفسيح لقصر باكينجهام. وقد حان موعد ذهابهم إلى المسرحية.

ترجمة: أماني لازار


[1] لقب انكليزي

 

 

Read Full Post »

أيلول 19/2012

شارع الشاعر الحديدي

هنري كول- عن النيويوركر

 

تقع شقتي الصغيرة في الحي اللاتيني على شارع القِدْر الحديدية ( rue pot de fer)، الذي أعدتُ تسميته بشارع الشاعر[1] الحديدي. كان عليَّ أن أستمر بالتنظيف لأيام عديدة كي أشعر بالارتياح، لكنها الآن بيت، وها أنا أبحث عن غلّاية الشاي وكرسي الحمام. يقع الحي على جبل القديسة جنفييف- تلهٌ تقع على الضفة اليسرى لنهر السين في الدائرة الخامسة- ممتلئ بالطلبة، المكتبات، البارات، وصالات السينما، وتشعر فيه وكأنك في قرية. جنفييف هي القديسة الحامية لباريس. تقدَّمت في العام 451 للميلاد، صلاة طويلة والذي قيل بأنها أنقذت باريس بإبعاد أتيلا الهوني عن المدينة. وفي عام 1129، عندما كانت المدينة تعاني من التسمم بالأرغوت( المرض الذي ينتج عن فطريات تصيب الجاودار والحبوب الأخرى)، الذي يؤثر على الجملة العصبية ويتسبب بالهذيان وحالة من الذهان ومن أعراضها التشنج، الإسهال، الحكاك، صداع، غثيان، والإقياء الذي يؤدي إلى الاستسقاء وأخيراً الموت، توقف الوباء بعد أن حُملت جثة جنفييف في موكب عام عبر المدينة.

***

تلقَّيت البارحة حقنة انفلونزا، بالرغم من أنها لن تحميني من انفلونزا الطيور الذي تُعرض عنه التقارير يومياً في أخبار التلفزيون، بتسجيلات مصورة مؤثرة عن الطيور المحلقة نحو فرنسا. اشتريت اللقاح من صيدلية محلية بخمسة عشرة دولاراً فقط وأخذت موعداً مع ممرضة من الحي ( اختيرت من دليل الهاتف) لتعطيني الحقنة، محتفظاً بعلبة اللقاح في الثلاجة. كلَّفت الحقنة 4-50 فقط ولم تلبس الممرضة القفازات كما أنها لم تتحدث الانجليزية، لكنها أعجبتني وسوف تعود إذا ما أصابني المرض خلال  الشهر الذي أقضيه في باريس. دواء التاميفلو الغالي الثمن ليس متوفراً بعد، إلا لهؤلاء الذين أبتلتهم فيروسات قاتلة.

***

تُرجمت ستة من قصائدي مؤخراً إلى اللغة الكتالانية، اللغة التي لم يستطع نصف قرن من الفاشية أن يمحوها. أتساءل، هل للشعر الاميركي هذه الصلابة؟ أقضي معظم الوقت في البيت عندما أكون في بلد أجنبي، بجانب رفٍّ من الكتب الانجليزية. إنها لغة البلد الذي أتيت منه ، بالرغم من أن أمي كانت تعتبر أول فرنسية من الجيل الأول وتكلمت الفرنسية والأرمنية كفتاة. هاجر أهلها إلى مرسيليا من آسيا الصغرى، بعد الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، وعملت في شبابها في القاعدة العسكرية الأساسية لتبادل البريد، حيث التقت بوالدي ذلك الجندي الأميركي. إخوتي الأربعة وأنا شكلنا أطفال الجيل الأميركي الأول. كان لأمي لكنة جميلة لكنها كانت تسبب لها الإحراج بالإضافة للأخطاء القواعدية. لذا فالفرنسية ليست لغتي الأم بالرغم من أنها لغة أمي.

***

الاستمرار في الكتابة يعني بأني تعلمت أن لا أقلع.

الريبة فضيلة، والتساهل من الريبة.

***

تمشيت عبر باريس عصر هذا اليوم، من شارع دو جرونيل إلى برج ايفل، رمز المدينة، مطلاً على الجسور الجميلة التي تصل بين ضفتي نهر السين، عنصرٌ جامع
( هل هو مذكر أم مؤنث؟)، ومتاح للجميع. استغرقت الرحلة ساعة ونصف لاجتياز المدينة مشياً على الأقدام، وعندما وصلت لم يكن من سياح هناك، لذا صعدت إلى الشرفة الثانية، حيث لم يكن سوى مجموعة صغيرة تنتظر المصعد ليحملهم أعلى أعلى وأعلى. عندها اشتريت بطاقة وسرعان ما كان يحلق عالياً عالياً عالياً، مثل حمامة، أو صاروخ. كان الطقس عاصفاً ومشمساً عند القمة. شعرت بارتياح للقيام بهذه الرحلة التي فكرت بها طوال حياتي، منذ المرة الأولى التي رأيت فيها أروع ثمانية أفلام عن طفولتي، التي كنت فيها ولداً صغيراً ممسكاً بأيدي والدي الشابين الزائرين من الجنوب.

***

زرت اليوم نصب بودلير، الذي ينام في وسط باريس- في ظلال القيقب، الدردار، الغار، والصنوبريات- في مقبرة منوبارناس. فكرت بأني أريد أن أكون بودليرياً أكثر، والذي يعني عدم التخوف من النحس. أيضاً أقل غنائيةً.  تحدثت إليزابيت بيشوب[2] في رسالة إلى روبرت لويل[3]، عن كيف يمكن أن يكون لكلمة واحدة  قدرة هائلة في سطر من الشعر واستعملت مثالاً من قصيدة لبودلير بعنوان ” الشرفة”: les soirs    illumines par l’ardeur du charbon-  أو ” تضاءُ المساءاتُ بفحمٍ محترقْ.” إنها الـ ” فحم” التي تفاجئ القارئ وتوضح الفهم. الشعر هو اللغة التي لا تغلق في وجهنا، بل تمنح الوجه الآخر للتجربة.

***

تعاطى بودلير في آخر أيام حياته الأفيون وشرب حتى الثمالة، أصابته جلطة دماغية نتج عنها شلل وفقدان القدرة على الكلام. مات مثقلاً بالدين، الذي سددته أمه. تستكشف قصائده الطبيعة المتغيرة للجمال في باريس الصناعية. ديوانه ” أزهار الشر” (1857) أغنية جميلة للرومانسيين. حركت الحكومة عند ظهوره الدعوى ضده باعتباره مسيئاً للأخلاق العامة. في قصيدة بيشوب ” الخليج”، ظهر في وصفٍ للمد:
” يستطيع المرء أن يقتصَّ أثره متحولاً إلى غاز، إذا ما كان هذا المرء بودلير/ربما يمكن  للمرء سماعه متحولاً إلى موسيقى الماريمبا[4].” مشيرة إلى أفكار بودلير المتعلقة باللون والصوت. لكن أيضاً، اكتشافها لشيء ما ظريف وسط الرعب( الشِّباك، المراكب بالخطافات والكلَّابات، الطيور مثل المقصات والمناقير، إلخ.) إنها لمسة بودلير، “المخيفة لكن المبهجة” (بيشوب).

***

يُظهِر النُّصب بودلير ملفوفاً مثل مومياء برأسه الأصلع، على بلاطة ترتفع بضع إنشات عن الأرض. عندما كنت هناك، كانت السماء كئيبة وحلق خفاش فوق رأسي. تركت باقة زهور صغيرة من رحلة الحج. لم أسمع أية موسيقى ماريمبا، أو حتى مزمار كئيب. بدلاً من ذلك، شعرت بالقلق، وقرأت قصيدة تدعى ” امتلاك” : ” أرى السواد، الفراغ، والخواء!”

تذكرت قصيدة بيشوب الماورائية ” رصيف أورليانز”” وأنا أمشي في جزيرة سان لويس، القصيدة المنقوشة على نهر السين وواحدة من عدة قصائد عن باريس التي تجد فيها الشعور العاطفي المكثف محفوظاً عند الخليج. وصفت الافتتاحية المشهد:

كل مركبٍ في النهر يتركُ بسهولة

أثراً هائلاً،

ورقة بلوط عملاقة من الأضواء الكئيبة

على الرمادي الفاتر،

وخلفها تعومُ أوراق حقيقية،

منحدرة نحو البحر.

ثم ينادي المتكلم صديقاً:

” إذا كان ما نراه يمكنه أن ينسانا إلى حد ما بسهولة،”

أود إخبارك،

“كما هو الحال نفسه- لكن مدى الحياة لن نتحرر

من متحجرات الأوراق.”

***

يوجد خلف هذه السطور فصلٌ رهيب، حادث سيارة أجبرت فيه بيشوب وصديقتيها على الخروج عن الطريق بينما كن يقدن في بورجندي لرؤية الكنائس. رميت النساء الثلاثة من سيارتهن التي انقلبت، وفقدت صديقتها مارجريت ميللر بنتيجة الحادث يدها وساعدها الأيمن. قضت الأشهر التالية في شقة في باريس في ” رصيف أورليانز”، بانتظار خروج مارجريت من المستشفى. تتأمل بيشوب في مفكرتها بعمق اليد المقطوعة:

طُرحت اليد الممدودة على جانب الطريق في العشب البني الناعم وتكلمت بهدوء إلى نفسها. كان كل ما يمكن أن تفكر فيه أولا هو إمكانية التئامها بسرعة مع جسدها، بدون إضاعة الوقت أكثر مما ينبغي، مطلقاً.

” أوه، يا جسدي المسكين! أوه يا جسدي المسكين! لا يمكنني تحمل خسرانك. بسرعة! بسرعة!”

***

كتب الناقد دافيد كالستون في كتابه العاطفي ” جاذبية شاعر” : ” تلون ( رصيف أورليانز) بكل الخسارات التي نتجت واستدعاها الحادث، بالرغم من أن أياً منها ليست موضوعه على وجه الخصوص: تشوه صديقتها، خسارات طفولتها، فقدان القدرة على ضبط النفس و تدفق الهشاشة…”

أهدت بيشوب القصيدة إلى مارجريت، التي كانت رفيقه صفها من فاسار وكانت رسامة واعدة. وفي القصيدة : “النظر أمرٌ لا بدَّ منه لالتئام الجراح،” يروي لنا كالستون أن الكثير من الجراح التي تحتاج إلى الشفاء سوف تمنع بيشوب من العودة مرة أخرى إلى باريس.

المؤلف هنري كول، كاتب أميركي، صدر أحدث كتبه في عام 2011 بعنوان (لمس)، فاز بجائزة جاكسون للشعر، يدرِّس في جامعة ولاية أوهايو.


[1] pot  قِدْر بالفرنسية، يضيف إليها الكاتب هنا حرف e لتصبح poet شاعر بالإنجليزية.

[2] اليزابيت بيشوب(1911-1979) شاعرة أميركية.

[3] روبرت لويل: (1917-1977) شاعر أميركي.

[4] الماريمبا : آلة موسيقية تشبه الاكسيليفون تعود أصولها إلى العبيد الأفارقة الذين قدموا إلى أميركا اللاتينية.

 

Read Full Post »

أفكار حول الأبله لدوستوفسكي*

هرمان هيسه

1919

ترجمة: أماني لازار

كثيراً ما تمت مقارنة” أبله” دوستوفسكي، الأمير ليو ميشيكين، بيسوع. حيث تسهل المقارنة. تستطيع مقارنة أي شخص ممن مسَّتهم واحدة من الحقائق السحرية بيسوع، الذي سرعان ما ينفصل عما هو حياتي متأملاً وبالتالي عازلاً نفسه في خضم محيطه ويصبح مناوئاً للجميع. أبعد من ذلك، لا تبدو لي المقارنة بين ميشكين ويسوع ملائمة تماماً. فقط تبدو لي واحدة من خصال ميشكين، واحدة من  أهم الخصال كي أكون واثقاً، مثل يسوع- عفته الخجولة .الخوف الخفي من الجنس والإنجاب صفة شخصية لا يمكن أن تكون مفقودة في يسوع ” التاريخي”، يسوع الأناجيل، الميزة التي من الواضح أنها تشكل جزءاً من عالمه، بل ويعتبرها عالم اللغة إرنست رينان الأكثر سطحية له.

لكن من الغريب- قليلاً مع ذلك أن أميل للمقارنة المستمرة بين ميشكين والمسيح- ذلك أني أرى أيضاً الصورتين عن غير قصد متعلقتين ببعضهما. هذا لم يحصل لي إلا مؤخراً و بسبب مسألة ليست ذات شأن. أدركت في أحد الأيام بينما كنت أفكر” بالأبله” بأن فكرتي الأولى عنه بدت ضئيلة بشكل جلي دوماً. أراه في الومضة الأولى لخيالي دائماً في مشهد ثانوي محدد ليس مهماً في حد ذاته. لدي التجربة ذاتها مع المخلص. كلما استدعت الخواطر صورة يسوع أو سمعتُ أو رأيتُ كلمة ” يسوع”، فما يثب إلى ذهني أولاً ليس يسوع على الصليب، أو في البرية، أو صانع المعجزات، أو المنبعث من الموت، لكن يسوع في كرم الزيتون، متجرعاً كأس الوحدة الأخيرة ، تمزق روحه ويلات الموت الوشيك والقيامة الأسمى. وعندما يفتش حوله عن تلامذته، في بحثه الطفولي الأخير المؤثِّر عن المواساة، طالباً القليل من الحنو والحميمية البشرية، وهم الراحة الزائلة وسط عزلته اليائسة- كانوا نائمين هناك! كلهم، بطرس الطيب، يوحنا الوسيم- كل هؤلاء الناس الطيبين الذين طالما خدع يسوع  نفسه مراراً وتكراراً بهم ، قصداً وبحب، من شاركهم أفكاره، على الأقل جزءاً منها – كلما استطاعوا فهمه، كلما كان ممكناً في واقع الحال أن يوصل أفكاره إلى هؤلاء الناس، ليوقظ بعض المشاعر الكامنة فيهم، شيئاً ما مثل التفاهم، ما يشبه علاقة حميمة. والآن في لحظة الألم الذي لا يطاق يلتفت نحو هذه الرفقة،  من ليس له سواهم، وهو الآن صريح جداً وكله ذو طبيعة انسانية، المتألم كثيراً قد يكون أقرب إليهم من أي وقت مضى، علَّه يجد الراحة والدعم في أي كلمة تافهة أو نظرة ودودة من جانبهم- لكن لا، هم ليسوا هناك، هم نيام، يشخرون. هذه اللحظة الرهيبة، لا أعلم كيف، أثَّرت بعقلي في الشباب الباكر، وكما قلت، إذا ما فكرت بيسوع، دائماً وبشكل متصل تنبثق ذكرى هذه اللحظة في ذهني.

هناك حالة موازية عند ميشكين. إذا ما فكرت به، “الأبله”، لحظة تبدو كذلك أيضاً للوهلة الأولى أقل أهمية، حين حصلت معي للمرة الأولى، وبشكل مشابه، وهي لحظة الوحدة المأساوية، العزلة الكاملة، التي لا تصدق. هو المشهد في ذلك المساء في بافلوفسك، في منزل ليبديف، عندما كان الأمير لا يزال يتعافى بعد عدة أيام من نوبة الصرع، وقد زارته عائلة يبانشين كاملةً، عندما يبرز الثوريون والعدميون من الشباب العصريين فجأة من قلب هذه البهجة والرضى بالرغم من حلقة التوتر الداخلي. أثناء الثرثرة غير المهذبة مع أوستنسيبل “ابن بافليشيف”، عندما انطلق “الملاكم” والآخرين بهذه الفظاعة، مشهد مقلق ومنفر دوماً حيث كشف هؤلاء الشبان المحدودين وغير الموجهين والخشنين وبشكل سافر عن شيطنتهم البائسة بينما يقفون على منصة مضاءة، حيث كل كلمة من كلماتهم تثير ألماً مضاعفاً لدى القارئ، أولاً بسبب تأثيرهم على ميشكين الطيب ومن ثم بسبب القسوة التي ينكشف المتكلم معها ويتعرى – هذا غريب، لا ينسى، رغم أن المقطع الذي أعنيه في الرواية ليس مهماً بشكل خاص أو يتم التركيز عليه. من جانب هناك المجتمع، الناس الدنيويون المتأنقون، الأغنياء، الاستثنائيون، والمحافظون، ومن جانب آخر هناك الشباب المتوحش، العنيد، من لا يعرفون شيئا سوى الثورة على التقاليد وكراهيتها، قساة، فاسقين، جامحين، حمقى بشكل لا يصدق في كل أفكارهم النظرية، والأمير واقفا بين هاتين المجموعتين، وحيداً، مكشوفاً، مراقباً من قبل كلا الجانبين بشكل انتقادي وبانتباه مركز. وكيف تنتهي الحالة؟ إنها تنتهي بميشيكين بالرغم من الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها بسبب الانفعال، يتصرف تماماً وفقاً للطفه، دمثاً، بطبيعة طفولية، متقبلاً بابتسام ما لا يحتمل، مجيباً دونما أنانية على أكثر المخاطبات بذاءة، راغباً أن يتحمل كل خطأ ويبحث عن كل خطأ في نفسه- وخيبته الكليةة نتيجة لهذا هي في كونه مهاناً، ليس من هذا الجانب أو الآخر، ليس من قبل الشباب مقابل الكبار أو العكس، لكن من كليهما، كليهما !كلهم ينقلبون عليه، لقد خطا خطوات حاسمة، وتمت إبادة المعارضين الاجتماعيين الأكثر تطرفاً في العمر وفي وجهات النظر بالكامل على عجل، كلهم متحدين، وبالتفاتة واحدة أداروا ظهورهم بنقمة وغضب على الوحيد النقي من بينهم!

ما الذي يجعل هذا ” الأبله”لا يطاق في عالم الآخرين؟ لماذا لا يفهمه أحد؟ بالرغم من أن الكل تقريباً يحبه بطريقة ما، تقريباً كل شخص يلمس عذوبة روحه الدمثة، المثالية بالفعل غالباً؟ ما الذي يميزه، رجل السحر، عن الآخرين، الناس العاديين؟ لماذا هم حقاً يرفضونه؟ لماذا عليهم فعل ذلك؟ بشكل محتوم؟ لماذا على الأشياء أن تجري معه كما جرت مع يسوع، الذي لم يفتقده في النهاية العالم فقط لكن كل تلامذته أيضاً؟

هذا لأن طريقة” الأبله” في التفكير مختلفة عن طرق الآخرين. ليس كونه يفكر بمنطقية أقل أو طفولية أكثر وبأسلوب مترابط أكثر من أسلوبهم-ليس هذا. أسلوبه في التفكير هو ما أدعوه “سحرياً”. هذا ” الأبله” الدمث يرفض الحياة كلية، طريقة التفكير والشعور، العالم وواقع الآخرين. واقعه شيء مختلف تماماً عن واقعهم. واقعهم في عيونه ليس أكثر من ظلال، ويصبح عدواً لهم بالرؤية والالحاح على واقع جديد كلياً.

لا يكمن الاختلاف في أنهم قد مُنحوا السلطة ، المال، العائلة، العظمة، وقيم مشابهة وهو لا. وليس أنه يمثل الروحانيات و هم الماديات، أو أي شيء قد يرغب المرء في استنباطه. ليس هنا بيت القصيد. العالم المادي بالنسبة “للأبله” موجود أيضاً، هو يعرف أصلاً أهمية هذه الأشياء حتى لو أنه يحملها على محمل أقل جدية. ولا مبتغاه أيضاً، مثاله، تلك الفكرة الهندو أسيوية، عن الفناء لهذا العالم من الحقائق الظاهرية لصالح محتوى روحي بذاته والثقة بأنه وحده هو الواقع.

لا، نحو تبادلية الطبيعة والروح، نحو تفاعلهما الضروري، سوف يكون ميشيكين قادراً تماماً للتوصل للتفاهم مع الآخرين. لكن بالنسبة لهم التعايش، الكلمتين المتساويتين في صحتهما هو مبدأ وفكرة، بالنسبة له حياة وواقع! لنوضح ذلك أكثر، لنحاول شرحه بطريقة مختلفة. هو مختلف عن الآخرين لأنه أبله ومصاب بالصرع، وفي الوقت نفسه ذكي جداً، وتربطه صلات وثيقة ومباشرة مع اللاوعي أكثر مما يفعلون. أكبر خبرة بالنسبة له هي تلك النصف من الثانية من قابلية التأثر السامية والتبصر الذي خبره عدة مرات، تلك القدرة السحرية للحظة، لومضة اللحظة، لتكون قادراً أن تكون كل شيء، لتقمص أي شيء، للانسجام مع أي شيء، لتفهم وقبول أي شيء في العالم. هناك تكمن ماهية وجوده، لم يدرس ويتلقى السحر والحكمة الصوفية، لم يقرأهما ولا أعجب بهما ( إلا في لحظات نادرة فقط) ولكنه اختبرهما واقعياً. لم يكن وحده من لديه أفكار مميزة وغريبة وملهمة، ولكن وقف أكثر من مرة على عتبة السحر حيث كل شيء مؤكد، حيث ليس فقط أكثر الأفكار الغير مقنعة حقيقة لكن أيضاً الفكرة المناقضة لكل فكرة من هذا القبيل.

ربما أخافَ هذا الأمر الرهيب عن هذا الرجل الآخرين، هو لا يقف وحيداً تماماً، ولا كل العالم ضده. يبقى هناك بعض الناس، مريبين جداً، أناس مهدَّدين ومهدِّدِين جداً، الذين في أحيان يفهمونه عاطفياً: روجوزين، ناستازيا. هو مفهوم  من قبل المجرمين والهستيريين، هو البريء، الطفل الدمث! لكن هذا الطفل، بمشيئة الله، لطفه ليس بادياً عليه. براءته ليست مؤذية على الإطلاق، والناس يخشونه حق الخشية.

علي أن أقول بأن “الأبله”، تقترب أحياناً من ذلك الخط الحدودي حيث كل فكرة وعكسها معترف بها على أنها حقيقة. هذا هو، لديه الحدس بأنه ما من فكرة، ولا قانون، شخصية أو أمر موجود يكون حقيقة وصحيحاً إلا عندما يُرى من قطب واحد- و لكل قطب هناك قطب مقابل. الاستقرار على قطب، تبني الموقف الذي منه تمت مشاهدة وترتيب العالم ، هذا أول مبدأ لكل نظام، لكل ثقافة، كل مجتمع وأخلاق. أيا منا يشعر، ولو للحظة، بأن العدو الأكثر  تهديدا لكل صيغ النظام هي قابلية كل من الروح والطبيعة، الخير والشر للتبادل. لذلك حيث يكون النظام النقيض، وهناك تبدأ الفوضى.

طريق الأفكار الذي يعود نحو اللاوعي، نحو الفوضى، يدمر كل أشكال التنظيم البشري. يقول شخص ما “للأبله” في محادثة بأنه هو فقط ينطق بالحقيقة، ليس أكثر، وهذا ما يبعث على الأسى. وهو كذلك، كل شيء حقيقي، “نعم” يمكن أن تقال لأي شيء، لتنظيم العالم، لتحقيق الأهداف، لوضع قانون ممكن، مجتمع، منظمات، ثقافة، أخلاق، “لا” يجب أن تضاف إلى الـ” نعم”، العالم يجب أن يفصل إلى متناقضات، خير وشر. على أية حال فإنّ اعتباطية التأسيس الأول لكل “لا”، كل حظر، ربما، يصبح مقدساً وما هو آني يصبح قانوناً، ينتج ثماراً، يصبح قاعدة لوجهة نظر ومنظومة أوامر.

تكمن أعلى درجات الواقعية في عيون الثقافة الإنسانية في هذا التقسيم للعالم إلى مظلم ومضيء، خيِّر وشرير، مسموح وممنوع. أعلى درجات الواقعية بالنسبة لميشيكين، بأية حال، هي التجربة السحرية في قلب كل القواعد المثبتة، المبرر المتساوي لوجود كلا القطبين. بالرغم من أن التفكير في نهايتها المنطقية إلى النظام الأمومي للثقافة المبطلة واللاواعية، فإن “الأبله”، لا تكسر ألواح القوانين، بل تقلبها وتظهر معارضاتها المكتوبة على الخلفية.

واقعة أن خصم النظام هذا، المدمِّر المرعب، لا يظهر على أنه مجرم لكن كخجول، شخص محبب ممتلئ بما هو طفولي وساحر، رجل طيب القلب، غيري، خيِّر، هذا سر هذا الكتاب الرهيب. ناجماً عن تبصر عميق، صنع دوستوفسكي شخصية الرجل المريض هذه، المصاب بالصرع. كل تمثيل للجديد، للرهبة، للمستقبل المجهول، كل رواد الفوضى المحسوسة، هي في دوستوفسكي المثقل، الملتبس، المريض. روجوزين، ناستازيا، لاحقاً كارامازوف الأربعة كلهم. كلهم مقدمين على أنهم منحرفين، شخصيات غريبة بطريقة استثنائية، كلهم في هذه الطريقة التي نشعر بها نحو هذا المريض العقلي والمنحرف شيء ما من تلك الرهبة المقدسة التي يؤمن الآسيويين بأنهم يدينون بها للمجانين.

ليس الأمر الملحوظ والغريب، الهامّ والمصيري، أن ثمة مصاباً بالصرع في مكان من روسيا في خمسينات وستينات القرن التاسع عشر، وهو من العبقرية بمكان بحيث امتلك هذه التصورات وخلَق هذه الشخصيات. الأمر الهام أن هذه الكتب تزايدت أهميتها بشكل متصاعد لمدة ثلاثة عقود وأصبحت تشكل أعمالاً نبوئية بالنسبة للشباب الأوروبي. اللافت و الغريب هو أننا ننظر إلى وجوه هؤلاء المجرمين الهستيريين وبلهاء دوستوفسكي بشكل مختلف تماماً خلافاً لما نفعله مع وجوه مجرمين آخرين أو حمقى في روايات شهيرة أخرى، نفهمهم ونحبهم بشكل خارق للطبيعة ذلك أنه لا بد أننا نشعر في أنفسنا بشيء ما متصل وقريب من هؤلاء الناس.

هذا ليس ناجماً عن المصادفة، ولا نجم –ولو بدرجة أقل- حتى عن عناصر أدبية وخارجية في عمل دوستوفسكي. مهما  كان أي من آثاره مربكاً ربما -عليك فقط التفكير كيف يحيط بدرجة عالية من علم النفس اللاوعي المتطور-  نحن لا نعجب بعمله كتعبير عن تبصر عميق ومهارة أو على أنه تقديم فني لعالم معروف بشكل أساسي ومألوف لدينا، لا بل أننا نختبر ذلك كنبوءة، كانعكاس مسبق للانحلال والفوضى التي رأيناها تحل على نطاق واسع في أوروبا في السنوات الأخيرة. لا يقدم هذا العالم من الشخصيات الخيالية صورة لمستقبل مثالي- ما من أحد سيفكر في ذلك. لا، نحن لا نرى في ميشكين وكل الشخصيات الأخرى أمثلة لاستنساخها، لكن  ندرك الحتمية التي تقول، ” لابد أن نمر من خلال ذلك ، هذا قدرنا!”

المستقبل غامض، لكن الطريق الذي يعرض هنا غير ملتبس. إنه يرمي إلى إعادة تقييم روحية، يرشد من خلال ميشيكين ويدعو إلى تفكير “سحري”، قبول الفوضى. العودة إلى التنافر، إلى اللاوعي، إلى انعدام الشكل، إلى الحيوان وما هو أبعد من الحيوان، نحو بداية كل الأشياء. ليس رغبه بالبقاء هناك، ليس ليصبح حيواناً أو طيناً بدائياً لكن بدلاً من ذلك فنحن نستطيع إعادة توجيه أنفسنا، باحثين، عند جذور كينونتنا، عن مواهب منسية وإمكانيات التطور، لنكون قادرين على الشروع في خلق عالم جديد، مقدَّر، ومشاركته. لا يوجد برنامج يستطيع تعليمنا ايجاد هذا الطريق، ولا هناك ثورة بإمكانها أن تقتحم فاتحةً البوابات إليه. كل يمشي هذا الطريق بمفرده، كل واحد بنفسه. كل واحد منا سيكون عليه لساعة في حياته أن يقف على تخوم ميشيكين حيث الحقائق تستطيع أن تتوقف وتبدأ من جديد. كل واحد منا عليه أن يختبر لمرة وبشكل مباشر في حياته عبر نفسه النوع ذاته مما اختبره ميشيكين في لحظات الاستبصار، مثل ما اختبره دوستوفسكي نفسه في تلك اللحظات عندما وقف وجهاً لوجه مع تنفيذ حكم الإعدام الذي نجا منه بتحديقة النبي.

هوامش:

*من كتاب هيسه، ” عقيدتي: مقالات في الحياة والفن”،  قدم لها وحررها تيودور زيولكوفسكي، ترجمها دينفر ليندلي.

** إرنست رينان(1823-1892) : عالم لغوي فرنسي ومؤرخ للدين .(المترجمة)

ترجمة: أماني لازار

Read Full Post »

 

 

 

اخترع لاو لان طريقة علمية لإنفاذ الماء المضغوط إلى الشرايين الرئوية للحيوانات الذبيحة. تستطيع بهذه الطريقة إفراغ  دلو من الماء في مئتي خنزير صيني، بينما أنت بالكاد يمكنك إفراغ نصف دلو من الماء في جثة بقرة ميتة بواسطة النظام القديم. معدل المال الذي صرف من قبل الأذكياء من سكان المدينة على الماء من قريتنا عندما فكروا بأنهم يدفعون مقابل اللحم على مدى سنوات لن يعلمه أحد، لكنني واثق من أنه سوف يكون رقماً كبيراً صادماً.

كان للاو لان كرشٌ عارم وخدود متوردة، ولصوته رنينٌ عال كجلجلة جرس. باختصار، كان قد ولد ليكون موظفاً غنياً. بعد ترفيعه لمنصب رئيس القرية، علَّم  بإيثار رفاقه القرويين نظام حقن الماء وأطلق بينهم بصفته زعيم الأغنياء المحليين نشاط الخدعة. تحدث بعض القرويين بغضب وبعضهم هاجموه على  لوحة الإعلانات، داعين إياه عضواً في طبقة ملاك الأراضي الثأريين، التي كانت تنوي تدمير قاعدة بروليتاريا القرية. لكن حديث مثل ذلك كان قد مضى عهده. أعلن لاو لان عبر شبكة مكبرات الصوت في القرية ، أن” التنانين تنجب التنانين، العنقاوات تنجب العنقاوات، والفأر ولد فقط ليحفر الجحور.” أدركنا في ما بعد أنه كان مثله مثل معلم الكونج فو الذي لن يمرر أبداً كل مهاراته إلى تلامذته -الذين يشكلون خلفه شبكة أمان كافية. لحم لاو لان كان محقوناً بالماء، ككل لحوم الآخرين، لكن لحمه بدا أكثر طراوة ورائحته أجمل. تستطيع تركه خارجاً في الشمس ليومين دون أن يفسد، بينما لحوم الآخرين تنتشر فيها الديدان إذا لم تبع في يومها الأول. لذا لم يكن على لاو لان أبداً أن يقلق بشأن تخفيض السعر لو لم يبع ما بحوزته فوراً، فاللحم بدا جيداً كما لو أنه لم يكن مهدداً أبداً بخطر عدم البيع.

أخبرني والدي ليو تونج، بأنه ليس ماءاً ما حقنه لاو لان في لحم ماشيته بل غاز الفورمالديهايد. كان والدي أذكى من لاو لان. لم يدرس الفيزياء أبداً، لكنه عرف كل شيء عن الكهرباء السالبة والموجبة ، لم يدرس أبداً العلوم، لكنه كان خبيراً في النطاف والبيوض وهو لم يدرس أبداً الكيمياء، لكنه كان مطلعاً جيداً على أن الفورمالدهايد يمكن أن يقتل البكتيريا ويحفظ اللحم من الفساد، ويرسخ البروتين، فكيف له أن يحزر بأن لاو لان حقن الفورمالدهايد في لحم ماشيته. إذا ما كان الغنى في أجندة والدي، لن يكون لديه مشكلة في أن يصبح الأكثر ثراءاً في القرية، أنا واثق من ذلك. لكنه كان تنيناً بين الرجال، وليس لدى التنانين اهتمام في تكديس الأملاك. لا بد رأيت مخلوقات مثل السناجب والجرذان تحفر الجحور لتحفظ الطعام، لكن من ذا الذي رأى نمراً، ملك الحيوانات، يفعل شيئا مثل ذلك؟ تقضي النمور معظم أوقاتها نائمة في عرينها، تخرج فقط عندما تجوع لتتصيد فريسة. وبشكل مشابه، قضى والدي معظم وقته مختفياً، يأكل، يشرب، يستمتع بوقته، يخرج فقط عندما يرسله ألم الجوع للبحث عن مدخول. ليس هناك من شبه ولو للحظة بلاو لان والناس من تلك الطبقة الذين يكدسون المال الدامي واضعين السكين في البياض ليخرجوها حمراء. ولم يكن مهتماً بالنزول إلى محطة القطار ليكسب أجور حمَّال بعرق جبينه كالبعض من رجال القرية القساة. والدي كسب لقمة عيشه بذكائه.

في الأزمنة القديمة، كان هناك طاهٍ مشهور اسمه باو دينج، و كان خبيراً في نقش البقر. في الأزمنة الحديثة، كان هناك رجل خبيرٌ في قياسهم- والدي. لم يكن البقر في عيون باو دينج شيئاً سوى العظام واللحم الصالح للأكل. وهذا ما كانوا عليه في نظر والدي أيضاً. نظرة باو دينج كانت حادة كسكين، ونظرة والدي أيضاً ودقيقة ككفة ميزان. ما قوله هو: إذا ما كنت تسوق حياة بقرة لأبي فلسوف يدور حولها دورتين، ثلاثة على الأكثر، أحياناً يربت  بيده على أرجل الدابة الأمامية- فقط ليرى- ويقرر بثقة وزنها الإجمالي وكمية اللحم على عظامها، دائماً بفرق كيلو مما قد يسجل على ميزان رقمي مستخدم في مسلخ ماشية انكلترا الأكبر .

في البدء، ظن الناس بأن والدي ليس سوى متبجح، ولكن بعد تجربته عدة مرات وثقوا به. وبحضوره أخرج حظاً أعمى من الحسابات في التعاملات بين رعاة البقر والجزارين، وأسس قاعدة للإنصاف. كلما كانت سلطته في مكان، طلب كل من رعاة البقر والجزارين استشارته، آملين بأن يفوزوا بجانب. لكن، كرجل البصيرة فهو لن يعرض للخطر أبداًسمعته من أجل أرباح قليلة، وعندما سيفعل ذلك سوف يحطم صحن رزه. إذا أتى راعي البقر إلى بيتنا مع هدية من النبيذ والسيجار، رماهم والدي إلى الشارع، ومن ثم تسلق جدار حديقتنا ولعن بأعلى صوته. إذا ما أتى اللحام مع هدية من رأس خنزير، رماه أبي إلى الشارع، ثم تسلق جدار حديقتنا ولعن بأعلى صوته. قال كل من الجزار وراعي البقر بأن ليو تونج كان أحمقاً، لكنهم عرفوا بأنه الرجل الاكثر عدلاً.

وثق الناس به ضمنياً، حتى إذا ما وصلت الصفقة إلى مأزق، سينظر الأطراف إليه ليعترفوا بأنهم أرادوا أشياء مبتوت بأمرها. ” لنتوقف عن الجدل ونسمع ما يقول ليو تونج!” “حسناً، لنفعل ذلك. ليو تونج، كن أنت الحكم!”  بنفس مغرور، سوف يدور أبي حول الحيوان مرتين، ناظراً إلى كل من البائع والشاري، ثم يلقي بنظرة إلى السماء ويعلن الوزن الكلي ومعدل اللحم على العظم، ويتبعه السعر. ثم سيطلب بعدها أن يدخن سيجارة. يقترب كل من البائع والمشتري ويتصافحان. ” حسناً! اتفقنا!” مرة كان الاتفاق معقداً، أتى كل من المشتري والبائع إلى والدي وصافحاه وأعطى كل منهما عشرة يوانات شاكرين إياه على مجهوده.

ما يجب أن يكون واضحاً هو التالي، قبل أن يظهر والدي في مزادات الماشية، كانت الصفقات تعقد بواسطة سماسرة من الطراز القديم،  رجال كبار في السن قذرين، نحفاء، مكفهرين، يقفون في طوابير مدلاة ظهورهم، كانوا محترفين في فن المساومة بإشارات الإصبع المخفي في طبقات الأكمام العريضة، وهكذا يزودون المهنة بهواء الغموض. قاد والدي بشكل فعال السماسرة ذوو العيون الماكرة بعيداً عن مسرح التاريخ. هذا التقدم الملحوظ في البيع والشراء من الماشية من ذوات الحوافر يمكن فقط بالقليل من المبالغة، تسميته ثورياً. عين والدي القوية لم تكن محدودة بالمواشي لكن عملت على الخنازير والأغنام أيضاً. مثل نجار محترف يصنع طاولة لكن أيضاً يمكن أن يصنع كرسياً وإذا كان موهوباً بشكل خاص، يمكن أن يصنع تابوتاً، لم يكن لدى والدي مشكلة حتى في تقدير الجمال.

في صبيحة يوم صيفي، حملني والدي على أكتافه متوجهاً نحو مطحنة الحبوب. كنا لا نزال نعيش في كوخ مكوَّن من ثلاث غرف كنا قد ورثناه عن جدي. يبدو كوخنا بشكل خاص الآن رثاً وبغيضاً لأنه كان متوضعاً بين العديد من البيوت المبنية حديثاً بأسطحها القرميدية الحمراء،  مثل شحاذ منحنٍ قبالة قبضة ملاك الأراضي والتجار الأغنياء في الحرير والساتان، طالباً حسنة. يصل الحائط المحيط بفناء منزلنا بالكاد إلى خصر الكبير و قد علت قمته الأعشاب الضارة. شكراً لكسلي، أبي النهم، نحيا حياة التطرف، بقدور من اللحم على الموقد خلال الأوقات الخيرة والقدور الفارغة خلال الأوقات السيئة. أينما حل كان هدفاً لشتائم أمي المسعورة، سيقول، “في أي يوم من الآن، قريباً جداً، ستبدأ حملة الإصلاح الزراعي الثانية، و ستشكرينني عندما يحدث هذا.

لم يحسد لاو لان للحظة، بما أنه سوف يصطف مثل والده مالك الأرض ذاك، منجراً نحو رأس الجسر مساقاً من قبل الفلاحين الفقراء كي يقتل. ” سيصوب بندقية متخيلة نحو رأس الأم ويطلق النار يلتفت ويطلق: بانج! سوف تخفي رأسها بكلتا يديها وتذهب شاحبة من الرعب. لكن حملة الإصلاح الزراعي الثانية لم تأت ولن تأتي، والأم الفقيرة كانت مجبرة أن تجلب للبيت البطاطا الحلوة الفاسدة التي رماها الناس بعيداً وهي تستطيع أن تطعم الخنازير. خنزيرينا الصغيرين لم يحصلوا أبداً على طعام كاف وصرخوا جياعاً أغلب الوقت. كان ذلك مزعجاً.

ذلك الصباح،  ثار أبي غاضباً، ” أي جحيم تصرخين بسببه؟ استمري بذلك وسوف أقذفكم أيها الحقيرين التافهين في قدر وأكلكم على العشاء.”

حملقت أمي به وساطور الجزار في يدها، ” لا تفكر حتى في ذلك،” قالت. ” هؤلاء خنازيري. لقد ربيتهم، وليس من أحد سيؤذي شعرة فيهم. حتى لو مات السمك وتقطعت الشباك.”

” هوني عليك،” قال والدي، بضحكة مرحة. ” لم أرغب في لمس جلد وعظم الحيوانات من أجل أي شيء.”

نظرتُ نظرة طويلة نحو الخنازير- كان حقيقة أنه لم يكن هناك الكثير من اللحم على أي منهما، لكن آذانهما السمينة الأربعة ممكن أن يصنع منها وجبة خفيفة جيدة. بالنسبة لي، الآذان كانت أفضل جزء من رأس الخنزير- ليست مدهنة، ليس فيها الكثير من الشحم، وعظامها الصغيرة الرفيعة تقرمش بلذة. وكانت أفضل مع الخيار- النوع الشائك منه مع الزهور-  وبعض الثوم المطحون وزيت السمسم. ” يمكننا أكل آذانهم!” قلت.

” سوف أقطع أذنيك وآكلهم أولاً، أيها اللقيط الصغير!” قالت أمي. أمسكت بأذني و شدتها بقسوة، بينما حاول أبي أن يحررني منها- من رقبتي- وصرخت بكل ما لدي من قوة، خائفاً من أن تمزق أذني. سمعت صرخاتي كصراخ الخنازير المذبوحة في القرية. في النهاية، استطاع أبي، بقوته الفائقة، أن ينترني طليقاً.

جعل الغضب وجه أمي بلون الشمع وشفتاها بلون الأرجوان، وقفت عند الفرن تهتز من رأسها حتى أخمص قدميها. لعنتُ، لفظت اسمها متشجعاً بحماية والدي، بأعلى صوتي: ” يانج يوزن، أيتها العجوز الكريهة لقد جعلت حياتي أشبه بالجحيم!”

حدقت بي فقط، مذهولة بثورتي، بينما ضحك  أبي في خفوت، ينتقدني، وأخذ يركض. كنا خارجاً في الفناء في حين سمعنا عويل أمي العالي. ” أستطيع أن أموت. أنا غاضبة جداً، أيها اللقيط التافه.”

أمسكني والدي من رأسي وقال بنعومة، ” أيها العفريت الصغير، كيف عرفت باسم أمك؟

نظرت إلى بشرته الداكنة،  وجه كئيب. ” لقد سمعتك تقوله!”

” متى أخبرتك أنا بأن اسمها يانج يوزن؟”

” لقد أخبرته للعمة وايلد ميول.  لقد قلت، ” يانج يوزن،  تلك العجوز القذرة، حولت حياتي إلى جحيم!”

ثبت والدي يده على فمي وقال بصوت منخفض، ” اسكت، عليك اللعنة. لقد كنت أباً جيداً. لا تدمر الأشياء فوقي الآن.”

خرجت أمي من المنزل و الساطور في يدها. ” ليو تونج،” صرخت، ” ليو خياو تونج، أنتما كلاكما أولاد عاهرات، أيها الحقيرين التافهين، لن أهتم إذا ما مت اليوم لو تمكنت من أخذكما معي. اليوم سوف نرى نهاية هذه العائلة!”

أعلنت النظرة الرهيبة على وجهها لي بأنها لم تكن تمزح. ربما عاش والدي حياة فاسقة، لكنه لم يكن أحمقاً. الرجل الذكي يتجاوز الخطر. أعادني إلى الخلف، مثبتاً إياي تحت ذراعه، التفت، وركض نحو الجدار وقفز فوقه، مخلفاً وراءنا حنق أمي والكثير من المشاكل. لم يكن عندي أدنى شكوك بقدرته على القفز فوق الجدار، وقد فعل، لكنها لم ترغب بذلك. عندما قادتنا خارجاً نحو الفناء، توقفت عن مطاردتنا. قفزت لفترة عند قدم الجدار، ثم ذهبت عائدة الى الداخل لتنهي تقطيع البطاطا الفاسدة وتملأ الهواء بالشتائم العالية. كانت طريقة رائعة لتنفيس الغضب. بدون دم وبدون فوضى، دون سقوط بجهل القانون، مع ذلك أعرف بأن هذه البطاطا الفاسدة كانت تمثل رؤوس أعداءها الألداء.

الآن، عندما أعود بالتفكير إلى الوراء، أكتشف بأن العدو اللدود الحقيقي في ذهنها  لم يكن أبي ولا أنا- لقد كانت وايلد ميول، التي افتتحت محلاً للخمر في القرية. كانت أمي مقتنعة بأن البغي أغوت أبي، وأنا ببساطة لا أستطيع الجزم إذا كان هذا أم لم يكن تقييماً عادلاً للحالة. حيث كانت علاقة أبي مع ويلد مولي مقلقة، الوحيدين الذين عرفوا من أغوى الآخر، من أطلق النظرة المغازلة الأولى، كليهما.

كان سبعة أو ثمانية من تجار الماشية يجلسون على قفاهم عند حافة طاحونة الحنطة عندما وصلنا إلى هناك، يدخنون السجائر بينما ينتظرون ظهور الجزارين. ( تحولت قريتنا إلى مسلخ كبير، الحقول، من أجل كل الأغراض والمرامي، تركت الأرض، وطاحونة القمح أصبحت المكان حيث تباع الماشية وتشرى.) ربضت القطعان على الجانب، في غيبوبة تجتر مضغها، غافلة عن موتها الوشيك. أغلب التجار من الأقاليم الغربية، يتحدثون بلكنة مضحكة، كالممثلين في مسرحيات الراديو. يظهرون كل عشرة أيام تقريباً، كل واحد منهم يجلب رأسين من الماشية، ربما ثلاثة. كانوا في أكثر الأحيان يأتون في قطار بطيء للشحن وللمسافرين، الرجال والدواب في عربة واحدة، ليصلوا إلى المحطة قرب القرية نواحي الغروب. ولا يصلون إلى القرية إلا بعد منتصف الليل، بالرغم من أن المحطة لا تبعد أكثر من عشرة (لي)[1] ات. كان التجوال الذي من المفترض أن يأخذ ساعة أو ساعتين ليس أكثر يحتاج من هؤلاء التجار وماشيتهم أكثر من ثمان. لماذا يفضلون الوصول إلى قريتنا في منتصف الليل؟ كان ذلك سرهم. سألت أهلي عندما كنت شاباً وبعض شيوخ القرية هذا السؤال نفسه. لكنهم لم يرمقوني سوى بنظرات متحجرة، كما لو أني سألتهم عن معنى الحياة أو سؤال يعرف الجميع جوابه.

كان وصول الماشية إشارة لكلاب القرية كي تجمع كورس النباح، الذي أيقظ الجميع- الرجال، النساء، الشبان، والعجزة- وأعلمنا بأن تجار الماشية صاروا هنا. في ذكريات شبابي، كانوا غامضين كثيراً، وهذا الإحساس بالغموض كان بالتأكيد نابع من دخولهم المتأخر ليلاً إلى القرية. في بعض الليالي المقمرة ،عندما كان كورس نباح الكلاب يكسر الصمت، كانت أمي تصحو متدثرة بغطاء، ملصقة وجهها بالنافذة، ومحدقة بالمشهد في الخارج. هذا كان قبل أن يهرب والدي منا مع ويلد مولي، لكن كانت هناك ليالي لا يأتي فيها للمنزل. أنهض، بدون ضجة أيضاً وأنظر خلف أمي، من النافذة، نحو تجار الماشية يقودون الحيوانات بصمت خلف بيتنا، الماشية المغسولة حديثاً تلمع في ضوء القمر مثل قطع كبيرة من الأواني الفخارية الملساء. لو لم يكن هذا التيار الهائج من النباح، لكنت ظننت بأني أراقب مشهداً في حلم جميل، حتى مع الكلاب، كلما أعدت التفكير الآن، فهو يبدو كذلك.

تفخر قريتنا بالعديد من النزل، لكن التجار لم ينزلوا أبداً فيها، وبدلاً من ذلك، هم يقودون ماشيتهم مباشرة نحو طاحونة القمح منتظرين طلوع الفجر، حتى لو كانت الرياح تعصف أو تمطر بغزارة، إذا ما كان الهواء بارداً جداً أو حاراً رطباً. في بعض الليالي العاصفة كان أصحاب الحانات يخرجون لتسوية أعمالهم، لكن يبقى التجار وماشيتهم في ظروف قاسية كالتماثيل، لا مبالين، مهما كانت الدعوة بليغة. ذلك كان بسبب أنهم لم يرغبوا أن يصرفوا القليل من المال؟ لا، قال الناس بأنه بعد أن يبيعوا ماشيتهم يذهبون إلى المدينة للشرب ومعاشرة البغايا ولا يتوقفون عن صرف المال إلا عندما لا يبقى لديهم سوى ثمن بطاقة للقطار البطيء العائد الى البيت. لا يمكن أن تكون طريقة حياتهم مختلفة عن تلك التي يعيشها الفلاحون. تفكيرهم ، أيضاً. عندما كنت طفلاً، سمعت في أكثر من مناسبة بعضاً من قرويينا البارزين يعلقون، بتحسر، ” هيه، أي نوع من الناس هم؟ ما الذي يجري في رؤوسهم تلك؟” عندما يأتون إلى السوق، يجلبون معهم أبقارهم البنية والسوداء، الذكور والإناث، أبقار ناضجة وتلك التي لم تبلغ بعد، وجلبوا مرة حتى بقرة صغيرة مرضعة بدت حلماتها مثل أباريق الماء، وكان لدى والدي مشكلة في تقدير سعرها، عندما لم يعرف إذا ما كان الضرع صالحاً للأكل أو لا.

سينهض تجار الماشية عندما يرون أبي. مرتدين نظارات عاكسة في الصباح الباكر، كان لها مظهر مخيف، بالرغم من أنهم ابتسموا مبدين الاحترام. ينزلني أبي من على أكتافه، جاثياً على كفله عشر خطوات أو ما يقارب ذلك بعيداً عن التجار، مخرجاً علبة السجائر المجعدة، ساحباً سيجارة ملتوية، رطبة. سيخرج تجار الماشية علبهم، وسترمى عشر سجائر أو أكثر على الأرض عند أقدام والدي. الذي سيجمعهم ويضعهم خلفه بعناية. ” لاو ليو، أنت أيها العجوز اللعين، يقول أحد التجار. ” دخنهم. أنت لا تظن بأننا نحاول أن نشتري عطفك ببعض السجائر الرديئة، أليس كذلك؟ ” سوف يبتسم أبي فقط ويشعل دخانه الرخيص.

عندها سيبدأ جزارو القرية بالظهور، مثنى وثلاثاً، كلهم يبدون كما لو أنهم كانوا خارجين من الحمام، بالرغم من أني استطعت اشتمام رائحة الدم على أجسادهم، التي راحت تعرض ذلك الدم- سواء كان من أبقار أو خنازير- الذي لم يغسل. ستحتشد الماشية معاً مشتمة رائحة الدم على الجزارين،  الخوف يلمع في عيونها.

بدأت المفاوضات بوصول الجزارين. عندما التفوا حول الحيوانات، ربما يفكر مراقب عادي بأنه كان لديهم مشكلة في تقرير أي واحدة يشترونها. لكن، إذا ما وصل واحد منهم واختطف الرسن، خلال ثلاث ثواني، سيفعل الآخرون الشيء نفسه، وبسرعة البرق، كل الأبقار ستكون مباعة. لن يكون بإمكان أحد أن يتذكر أنه رأى جزارين يتقاتلان على الحيوان نفسه، لكن إذا ما حدث شيء ما مثل ذلك ستحل المشاحنة سريعاً. في أغلب المهن، المتنافسون أنداد، لكن الجزارين في قريتنا كانوا متحدين في صداقة، محضرين لمجابهة أي وكل خصم كأخوة. عندما كل واحد منهم يحمل ساطوراً في يده، يقترب تجار الماشية ببطء ويبدأ الجدال. الآن حيث أن أبي وطد نفوذه، لم يعد لهذه المجادلات إلا قليل أهمية، أصبحت موضة قديمة، محض عرف، لأنه كان متوقفاً عليه- امتلك هو الكلمة الفصل. الرجال سيسوقون عائدين بقرة في حبل ، صاعدين لفترة، ثم يمشون نحو والدي، كطلب شهادة للزواج في قاعة المدينة.

لكن شيء ما خاص حدث في ذلك اليوم: بدلاً من التوجه مباشرة نحو الأبقار، اختار الجزارون أن يذرعوا صاعدين نحو حافة الساحة، ابتسامتهم التي تخفي شيئاً جعلت أي شخص رآهم غير مرتاح شيء ما كان يخبأ في تلك الابتسامات التي ألمحت إلى البغض، كما لو أن مؤامرة كانت تحاك، واحدة ممكن أن تنفجر في أية لحظة. ألقيت بنظرة خائفة نحو والدي، الذي جلس هناك يدخن بتبلد واحدة من سجائره الرخيصة، كما يفعل كل يوم. رميت سجائر أفضل نحوه من قبل التجار بقيت على الأرض لم يمسها. بعد أن عقدت الاتفاقات، سيتقدم الجزارون، يجمعون سجائرهم، ويدخنوها. وبينما يدخنون، سوف يثنون على والدي لعدم قبوله الرشوة. ” لاو ليو،” سيقول أحدهم، بشبه إطراء، ” لو كان كل الصينيين مثلك، كانت عرفت الشيوعية منذ عقود مضت.” سيبتسم ولن يقول شيئاً. وفي تلك اللحظة امتلأ قلبي بالزهو الذي سأصرح به ذلك أنه كان الطريقة التي أفعل بها الأشياء، وهو كان من الرجال الذين أقتدي بهم. لقد كان واضحاً للتجار أيضاً بأن شيئاً كان يحوم في الهواء ذلك اليوم، والتفتوا ليروا والدي، ما عدا البعض الذين تعوزهم الحماسة راقبوا الجزارين وهم يعبرون. تم التوصل إلى الاتفاق الضمني: كل شخص كان ينتظر ليرى ما سيحصل، كالجمهور المنتظر بصبر كي تبدأ المسرحية.

سطعت شمس حمراء براقة على الحقول من الشرق، مثل وجه حداد متورد، وممثل بدور البطولة يظهر أخيراً في الدراما عند المطحنة: لاو لان، الرجل الطويل، القوي بعضلات نامية جيداً. كان لديه لحية بنية كثيفة، بنفس لون عينيه، التي تجعلك تتساءل إذا ما كان من جذر صيني أصيل. اتقد وجهه بشمس مشرقة. مشى نحو والدي، لكن نظرته كانت مركزة على الحقول خلف الجدار الترابي الجاثم، حيث أشعة شمس الصباح أبهرت العين. شبَّت المحاصيل خضراء، تبرعمت الزهور ، تشتم عطرها في الهواء، قبرات غردت في السماء المتوردة. أبي، الذي لم يبدو شيئاً بعيون لاو لان، ربما أيضاً أنا كان جالساً بمحاذاة الحائط. و من الطبيعي إذا لم يكن يعني والدي له شيئا أنا حتى أقل منه ربما كان مبهوراً بالشمس- ذلك كان أول فكرة خطرت لعقلي اليافع- لكني فهمت سريعاً بأن لاو لان كان يحاول أن يستفز والدي.

وهو يرفع رأسه للتحدث إلى الجزارين والتجار، فتح سحاب بنطاله، مخرجاً قضيبه الداكن، وأطلق جدولاً من البول الأصفر المحروق في وجهينا أبي وأنا مباشرة. هاجمت رائحة حارة كريهة خياشيمي. لقد كان جدولاً قوياً، ربما جمعه طوال الليل، بدون أن يريح نفسه، وبذلك ربما يذل والدي. هبطت السجائر على الأرض وتدحرجت في بول الرجل، منتفخة حتى فقدت شكلها. علا ضحك غريب من جماعات الجزارين والتجار عندما أخرج لاو لان عضوه، لكنهم توقفوا لأن الخطر كان كما لو أن يد عملاق وصلت وأمسكتهم من الحناجر. حدقوا بنا بفم أخرس ولسان صامت، بنظرات من الدهشة المتجمدة في وجوههم. حتى الجزارين الذين عرفوا بأن لاو لان أراد أن يختلق قتالاً مع والدي لم يتخيلوا أنه سيفعل شيئاً مثل ذلك. سال بوله على أقدامنا وساقينا وبعض من رذاذه على وجوهنا وأفواهنا. قفزت ساخطاً، لكن والدي لم يحرك ساكناً. جلس هناك كحجر.” اللعنة على أمك لاو لان”، صرخت، والدي لم يأت بحركة، لبس لاو لان ابتسامة المتفوق، كانت عيون والدي مغلقة مثل هؤلاء المزارعين المبتهجين برؤية المطر يقطر من الأفاريز.

عندما انتهى لاو لان من التبول، أغلق سحاب بنطاله ومشى إلى حيث كانت المواشي رابضة. سمعت تنهدات طويلة من الجزارين والتجار، لكني لم أتمكن من معرفة إذا ما كانت ناجمة عن اسف لأن شيئا لم يحدث أو عن سعادة بسبب ذلك. وبهذا مشى الجزارين بين المواشي واختاروا ما يريدون بسرعة. عندها تقدم التجار وبدأت المفاوضات. لكني أستطيع الجزم بأن قلوبهم لم تك صافية لذلك، ذلك أن شيئا آخر يشغل تفكيرهم غير إجراء الصفقات. بالرغم من أنهم لم يكونوا ينظرون إلى والدي، كنت واثقاً من أنهم يفكرون به. وهو ما الذي كان يفعله؟ كان قد جذب ركبتيه إليه وخبأ وجهه فيهما، مثل صقر ينام بين شعاب شجرة. ولأني لم أستطع رؤية وجهه، لم يكن لدي وسيلة لأعرف شيئاً عن حاله في تلك اللحظة. لكني لم أك سعيداً لما رأيته من ضعف. ربما لم أكن سوى فتى، لكني عرفت بكم من السوء أهان لاو لان والدي، وعرفت أيضاً بأن أي شخص يحترم نفسه لن يدع هذا يمر دون قتال، أثبت ذلك بلعناتي. لكن والدي بقي صامتاً كما لو أنه ميت.

انفضت المفاوضات في ذلك اليوم من دون تدخله. لكن عندما انتهوا، كل الجماعات مشت نحوه كالمعتاد ورمت بعض النقود عند قدميه. وأول من فعل ذلك لم يكن سوى لاو لان. ذلك اللقيط الهجين، لم يكتف على ما يبدو بالتبول في وجه أبي، مخرجاً ورقتين من فئة العشر يوانات من الإصدار الجديد مفرقعا بهم بين أصابعه كي يلفت انتباه أبي. لكنه لم يفلح، لأنه كان يخفي وجهه خلف ركبتيه، وهذا ما ب لأنه كان يخفي وجهه خلف ركبتيه، وهذا ما بدا مخيبا لأمل لاو لان. ألقى بنظرة سريعة على ما حوله، ثم ألقى بالورقتين النقديتين عند قدمي والدي، واحدة منهما استقرت في بركة بوله الذي لا يزال يتصاعد بخره، حيث عششت  قبالة السجائر المتحللة، الرطبة. في تلك اللحظة، لا بد أن أبي كان ميتاً. لقد أرق ماء وجهه ووجه أسلافه. لم يكن رجلاً، نزل إلى مستوى السجائر المنتفخة السابحة في بول خصمه. بعد أن رمى لاو لان ماله، التجار والجزارين تبعوه، والعطف في وجوههم، كما لو أننا كنا فريق من اب وابنه من الشحاذين الذين يستحقان الشفقة. رموا أرضا ضعف المعدل الذين يعطونه عادة لأبي، كمكافأة على عدم مقاومته أو في محاولة لمجاراة كرم لاو لان.

وأنا أحدق بكل تلك النقود التي سقطت عند قدمينا مثل كثير من الأوراق الميتة، بدأت بالبكاء، وسرعان ما رفع والدي رأسه. لم تكن أي علامة لغضب على وجهه، أو حزن. لقد كان كله يلتمع مثل قطعة من الخشب الجاف. حدق بي ببرود، نظرة من الارتباك في عينيه، كما لو أن ليس لديه فكرة عن سبب بكائي. مددت جسمي وتعلقت برقبته.” ديه” قلت، ” لم تعد والدي بعد الآن. سوف أنادي لاو لان ديه قبل أن أعود لمناداتك ديه ثانية!”

انفجر الرجال بالضحك في نفس اللحظة من حولنا سريعاً مذهولين بصرخاتي. رفع لاو لان لي إبهامه مؤيداً. ” خياو تونج” قال، ” أنت حقيقة ذلك الشيء الذي أحتاجه، ابن. أنت مرحب بك منذ الآن في منزلي في أي وقت. إذا ما رغبت بلحم الخنزير ستحصل عليه، وإذا ما رغبت بلحم البقر، فستحصل عليه أيضاً. وإذا ما أتيت بأمك سأرحب بكما بأذرع مفتوحة.”

هاجمته غاضباً لأن تجاهل الإهانة كان أمراً عظيماً. تفادى هجمتي بسهولة، وقعت على الأرض بوجهي ما أدى إلى جرح شفتي.

قال بقهقهة عالية، ” أنت أيها الثقب الصغير، تهاجمني بعد أن دعوتني ديه! من ذا الذي بكامل عقله ويرغب في ابن مثلك؟”

لما لم يقدم أحدهم لي المساعدة ، كان علي أن أقف على قدمي بنفسي. مشيت نحو والدي ورفسته على ساقه كي أنفس عن خيبة أملي. وليس فقط أن فعلي هذا لم يجعله غاضباً، بل لم يكن حتى مهتماً له. فرك وجهه فقط بيديه الناعمتين الكبيرتين. ثم مطط ذراعيه وتثاءب مثل قط كسول، ناظراً إلى الأرض، وببطء واع، حذر، جمع الأوراق النقدية التي كانت تتحرك في بول لاو لان،  ممسكاً بكل واحدة قبالة الضوء، كما لو أنه يريد أن يتأكد إن لم تكن مزورة. أخيراً، التقط ورقة لاو لان الجديدة التي كانت قد أصبحت قذرة في البول وجففها ببنطاله. الآن كل المال كان مكدساً بترتيب على ركبته، أمسكه بين إصبعيه المتوسطين من يده اليسرى، وبإبهامه وسبابته راح يعده. ركضت كي اخطفهم من يده، عازماً انتزاعهم ورميهم في وجه لاو لان، لأثأر للإهانة التي  وقعت علينا نحن الاثنين، الأب والابن. لكنه كان سريعاً جداً، قفز ورفع يده اليسرى عالياً في الهواء، متمتماً،” أيها الولد الأحمق، ما الذي تظن أنك فاعله؟ المال هو المال. المال لا يلام، بل الناس، لا تلقي بغضبك على المال.” منتزعا كوعه من يدي اليسرى، حاولت أن أنشب طريقي في جسده لتمزيق ذلك المال الموصوم بالعار من يده. لم أتوفق في ذلك، ليس بمواجهة رجل بالغ. لقد كنت غاضباً جداً أقحمت رأسي في حضنه أكثر وأكثر، لكنه ربت على رأسي وقال بلطف،” هذا يكفي الآن، بني، لا تندفع كثيراً. انظر هناك نحو ثور لاو لان-انظر- إنه يغضب.”.

 لقد كان ثوراً سميناً كبيراً، بقرون مستقيمة وعضلات متموجة مخفية تحت جلد حريري، النوع الذي رأيته لاحقاً على الرياضيين في التلفزيون. لقد كان أصفر ذهبي، كله إلا وجهه، الذي كان أبيضاً بشكل مفاجئ. لم أر أبداً ثوراً بوجه أبيض من قبل. لقد كان مخصياً، والطريقة التي ينظر بها نحوك من زاوية إحدى عينيه كانت كافية لتجعل شعر رأسك يقف حتى نهاياته. الآن عندما أعود بتفكيري، كانت ربما النظرة التي يصفها الناس عندما يتحدثون عن المخصيين. يغير الإخصاء طبيعة الرجل، وهذا يفعل الشيء نفسه بالثيران. بتحديقة الثور نحوي، جعلني والدي أنسى أمر المال، على الأقل للحظة. التفت في الوقت المناسب كي أرى لاو لان يخرج من الساحة مختالاً، يسوق ثوره. ولماذا لا يفعل، بعد الطريقة التي أهان بها والدي المستسلم؟ ارتفع اعتباره في القرية وبين تجار الماشية بطريقة دراماتيكية. هو واجه الشخص الوحيد الذي نبذه كمن ليس له علاقة وفاز، ليس من شخص في القرية سيتحداه ثانية أبداً. هذا فقط جعل ما حدث لاحقاً مروعاً جداً ذلك أني لست متأكداً بأني أصدقه حتى الآن، ولسنوات بعد.

 شد لاو لان الرسن كي يجعل الثور الذي كف عن السير يمشي ثانية. لم يستجب. حتى بمحاولة ثانية، جعل الثور يستهزئ من استعراض لاو لان لقوته. أي جزار ماشية من أهل المهنة، لديه رائحة تستطيع بشكل طبيعي أن تجعل جلد عجل جبان يرتعش مثل ورقة وتتسبب حتى بحرون الحيوان الذي يتوقع خنوعاً موته عندما يقف قبالته ، والسكين في يده .غير قادر على جعل الثور يتحرك ثانية بشده من الرسن، ذهب حوله ونخزه على كفله بصرخة تصم الآذان. الآن، أغلب الحيوانات ستفقد سيطرتها على أحشائها متأثرة بتلك الضربة والصرخة، لكن هذا الثور لم يضيع الوقت عبثاً. رفس لاو لان الحيوان في بطنه غير مهتم لطبيعته متمتعاً بوهج انتصاره على والدي، بسلوك جندي مغرور. حسنا، أدار الحيوان ردفه، مطلقاً خواراً عالياً، مخفضاً رأسه، ورمى لاو لان في الهواء بقرونه، كما لو أنه لا يزن أكثر من قشة في حصير. تجار الماشية والجزارين كانوا مصعوقين بما حصل للتو، مبهوتين لم يتفوهوا بكلمة، ولم يذهب واحد منهم لمساعدة لاو لان. أخفض الثور رأسه ثانية وهجم. الآن، لم يكن لاو لان شخصاً مألوفاً، وعندما رأى تلك القرون آتية صوبه تدحرج مبتعداً عن الطريق. بعيون تشع بالغضب التف الثور لمهاجمته ثانية، وحمى لاو لان جلده بالتدحرج بعيداً عن الطريق مرة ثانية وثالثة.

عندما كان أخيراً قادراً على الوقوف على قدميه، رأينا بأنه كان قد جرح، ولو قليلاً. وقف هناك بمواجهة الثور، وركيه نحو جانب واحد، لم يزح عينيه عن الحيوان ولو لثانية. أخفض الثور رأسه، تجمع اللعاب في زوايا فمه، وخار عالياً، كما لو أنه يتحضر للهجمة التالية. رفع لاو لان يده ليصرف انتباه الثور، لكن كان من الواضح أنه فقط يتقدم ليظهر شجاعته. بدا مثل مصارع الثيران الخائف الذي يريد فعل أي شيء ليحفظ وجهه. خطا خطوة حذرة نحو الأمام، لم يتحرك الثور. لكنه أخفض رأسه أكثر، في إشارة إلى أن الهجمة التالية كانت وشيكة. في النهاية، فقد لاو لان مزاجه الاستعراضي، صرخ صرخة نهائية واحدة عاصفة التفت، وركض بجنون. وركض الثور خلفه، برز ذيله صلباً ومستقيماً، مثل قضيب حديدي. رفس بحوافره طيناً في كل الاتجاهات، مثل رذاذ، توجه بالفطرة نحو المتفرجين، آملاً أن يجد خلاصاً في الحشد. لكن خلاصه كان آخر شيء في عقولهم. بالصراخ في كل مكان، هم أيضاً، ركضوا ناجين بحيواتهم، يجدفون على أهليهم لأنهم لم يمنحوهم سوى ساقين. ولحسن الحظ، كان لدى الثور الذكاء الكافي لينفرد بلاو لان ولم يفرغ جام غضبه على أي شخص آخر. انطلق التجار والجزارين بشجاعة طائر وهم يتسلقون الجدران ويصعدون الأشجار. ركض لاو لان مصعوقاً بمأزقه مباشرة نحونا أبي وأنا.

بإحساس باليأس، انتزعني أبي من رقبتي بيد وأمسك بحمالات سروالي بالأخرى، ورماني عالياً فوق الحائط لثوانٍ فقط قبل أن يختبئ ذلك اللعين لاو لان خلفه، خالعاً ملابسه حتى لا يستطيع الإمساك به، ويحتجزه بعيداً عن الثور المهاجم. تراجع أبي ، لذا بالطبع ،كذلك فعل لاو لان حتى كانا كلاهما محتجزان قبالة الجدار. لوح والدي بالمال في يده بمواجهه الثور وغمغم،” أيها الثور، ها، أيها الثور ليس هناك ثأر بيني وبينك، ليس الآن، لم يك أبداً، لذا دعنا نحل المسألة.

كل شيء حصل بسرعة أكبر من أن تصفه الكلمات: رمى والدي المال عند وجه الثور وقفز على ظهره قبل أن يعرف الحيوان ماذا كان يحصل. ثم أدخل أصابعه في أنف الثور، مختطفاً حلقه أنفه، وشد رأسه عالياً. الأبقار التي جلبها التجار من الأقاليم الغربية كانت حيوانات مزارع، لذا كلها تحمل حلقة في أنفها. الآن الأنف نقطة ضعف الثور، وما من أحد، حتى أفضل مزارع على قيد الحياة، يعرف أكثر عن الثيران مما يفعل والدي، حتى هو نفسه لم يكن ذلك المزارع. طفرت الدموع من عيني كما لو أنني جالس على قمة جدار. أنا جد فخور بك أبي، فكرت بالطريقة التي أزلت بها العار وأصلحت ماء وجهنا المراق بحكمتك وتصرفك الشجاع.

الجزارون والتجار ساعدوه لينزل الثور الأصفر ذو الوجه الأبيض على الأرض، رغبة في منعه من الهجوم ثانية وإيذاء أي شخص، واحد من الجزارين ركض للبيت، بسرعة أرنب، ليجلب سكين، التي قدمها لوجه لاو لان الشاحب الآن، لكن لاو لان تقدم خطوة للخلف ملوحاً، محولاً المهمة إلى شخص آخر. نظر الجزار نظر من جانب إلى آخر، السكين في يده: ” من سيفعلها؟ لا أحد؟ حسنا أظن أنها من نصيبي.” عندها طوى أكمامه، مسح الشفرة بنعل حذائه، تحصن وأغمض عيناً واحدة، مثل نجار يستعمل الشاقول. جاعلاً هدفه في صدر الثور، ضرب السكين بداخله، وعندما سحبها نفر الدم وصبغ والدي بالأحمر .

الآن وبعد أن مات الثور ، نزل الجميع ، الدم الأحمر المتخثر المستمر في النزف من الذبيحة، يبقبق مثل الماء من نافورة ومطلقاً رائحة كريهة في هواء الصباح النضر. وقف الرجال من حوله مثل بالونات مفرغة، ذاوون وضعفاء بشكل ما. كان هناك الكثير ممن أرادوا القول، لكن لم يتفوه أحدهم بكلمة. إلا والدي، الذي أخفض رأسه بين كتفيه، فاتحاً فمه ليكشف عن أسنان صفراء لكن قوية، وقال،” أيها العجوز في السماء، لقد كنت خائفاً جدا!” .

عندها، التفت الجميع نحو لاو لان، الذي تمنى بوضوح لو يستطيع الزحف داخل جحر. حاول تغطية  ضعفه بإخفاض نظره نحو الثور، الذي كانت ساقيه ممدة بشكل مستقيم، الأجزاء اللحمية من أعضاءه بقيت مشدودة. واحدة من عينيه الزرقاوين بقيت مفتوحة، كما لو لتتحرر من الكره الداخلي. ” عليك اللعنة” قال لاو لان وهو يرفس الحيوان الميت. ” قضيت كل حياتك تتصيد الإوز البري، فقط لينقر فرخ الإوز لك عينك”، نظر نحو والدي. ” أدين لك بواحدة، ليو تونج، لكن أنت وأنا لم ننته.”

” مم ننتهي ؟” سأل والدي. ” لا يوجد شيء بينك وبيني.”

” ألم تمسها!” هسهس لاو لان.

” أنا لم أرغب أبداً بلمسها- هي أرادت ذلك،” قال والدي، بضحكة متفاخرة قليلاً. ” نعتتك بالكلب، ولن تدعك أبداً تمسها ثانية.”

في نفس الوقت، لم يكن لدي فكرة  عما كان يدور كل هذا ، مع أنه لاحقاً، بالطبع، اكتشفت بأنهم كانوا يتحدثون عن وايلد ميول.

لكن عندما سألت، ” ديه، عم تتحدث؟، قال، ” لا شيء الولد بحاجة لأن يعرف.”

” بني” قال لاو لان، ” ألم تقل بأنك أردت أن تكون عضواً في عائلة لان؟ فلماذا تدعوه ديه الآن؟”

“أنت لا تعدو أن تكون كلباً قذراً ” قلت.

“بني” قال، ” اذهب إلى البيت وأخبر أمك بأن والدك قد وجد طريقه إلى كهف وايلد ميول ولا يمكنه الخروج.”

هذا جعل والدي غاضباً كما لو أنه ثور، أخفض رأسه والتفت نحو لاو لان. ولم يكادا يقتربان من بعضهما البعض حتى اندفع الجميع نحوهما لتفريقهما. لكن، في ذلك الوقت القصير، تمكن لاو لان من كسر إصبع والدي الصغير ومزق والدي نصف أذنه. باصقاً عليها بغضب، قال، ” كيف تجرؤ على قول أشياء كهذه أمام ابني، أيها الكلب ابن الحرام!”

ترجمة: أماني لازار


[1] وحدة صينية لقياس المسافة.

Read Full Post »

Cauldrons and Cupcakes

Recipes for Creativity, Soul Growth, Writing and Life...

CONFESSIONS OF A READAHOLIC

Don't waste your time. Let me read it first.

نهر الإسبرسّو

أحمد العلي

محمد رشو

شاعر - سوريا

HOKKU

WRITING THROUGH THE SEASONS

شوشرة وكتابة

ترجمات، مقالات، يوميّات

Quartz

Quartz is a digitally native news outlet for the new global economy.

ريهارا

الصّبية الثانية من اليمين

مدونة فريق لآو

جميع أعمال فريق لآو في عالم الأنيمي

Solomon planet - O planeta de Salomão

أنا إنسانٌ صغيرٌ مجهول.. لي وجهٌ كرقعةٍ من الخشب نخرها السوس /الأرقش/

Utopia/Dystopia

examining art of the WWI era

Rotten Books

The real book review site

javiermariasblog

blog de la web javiermarias.es

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 429 متابعون آخرين