Feeds:
تدوينات
تعليقات

Archive for 23 ديسمبر, 2012

 

الفتاة نحيلة الخصر في عام 1941

مادوموازيل- أيار 1947

ج.د.سالينجر

انحنى الشاب الجالس في المقعد الخلفي لمقعد باربرا أخيراً نحوها في ألعاب الـ هاي الآي[1] وسألها عما إذا كانت مريضة وتود العودة إلى السفينة. نظرت باربرا إليه، تفحصت مظهره، وقالت نعم، فكرت بأن عليها أن تقول شكراً ،لأنها كانت تعاني من بعض الصداع وكان هذا لطفاً منه بالتأكيد . عندها نهضا معاً وتركا الملعب عائدين إلى السفينة في تكسي ومن ثم مركب. لكن قبل أن تدخل إلى حجرتها في الطابق (ب) قالت باربرا بعصبية للشاب: “هيه. أستطيع أن أتناول حبة اسبرين أو شيء ما. يمكنني مقابلتك على السطح حيث توجد أدوات لعبة الشفل بورد[2] .هل تعرف من تشبه؟ أنت تبدو مثل ذلك الولد الذي كان في الكثير من أفلام west pointy مع ديك بويل وروبي كيلر أيام طفولتي. لم أعد أراه أبداً. اسمع. بإمكاني فقط تناول حبة اسبرين. إلا إذا كان عندك شيء آخر”-قاطعها الشاب، قائلاً، في كلمات كثيرة، بأن ليس لديه أي شيء آخر يفعله. عندها أسرعت باربرا في مشيتها باتجاه حجرتها. كانت تلبس رداءً مسائياً مكشوفاً أحمر وأزرق اللون، كان جسدها فتياً جداً ومفعماً بالحياة. وكان لابد من مضي سنوات عديدة قبل أن يتوقف عن كونه كذلك ويصبح مجرد جسد جميل جداً.

كان يدعى راي كينسيللا، عضواً في لجنة الترفيه الصغرى الخاصة بالسفينة- منتظرا باربرا عند سور الجانب المخصص للنزهات. كان معظم المسافرين تقريبا على الشاطئ، وفي ظل الهدوء وضوء القمر، كان مكاناً جذاباً، كان صوت مياه ميناء هافانا التي تتلاطم بلطف على جانبي السفينة هو الصوت الوحيد في الليل. ومن خلال لون القمر الشاحب كانت ترى السفينة كونجشلم، ترسو ناعسة وثيرة، وعلى بعد ما يقارب مائة قدم خلفا بعيداً قبالة الشاطئ تجمعت بعض المراكب الصغيرة.

قالت باربرا:  لقد عدت.

التفت الفتى راي قائلا ً: “أوه،  لقد غيرت ثوبك.”

  “ألا تحب اللون الأبيض؟”- بسرعة.

قال راي: بالتأكيد. إنه جميل.” كانت تنظر إليه وكأنها مصابة بقصر النظر، وتوقع أنها كانت تلبس نظارات في البيت. نظر إلى ساعة يده الآن. “اسمعي. المقطورة ستغادر خلال دقيقة. هل تودين أن نذهب إلى الشاطئ ونتسلى قليلاً في الأرجاء؟ أقصد هل أنت بحال أفضل الآن؟”

” تناولت حبة اسبرين. إلا إذا كان لديك شيء آخر تريد أن تقوم به،” قالت باربرا.” لا أحب البقاء طويلاً على السفينة.”

” لنسرع، إذن،” قال راي، وأخذها من ذراعها.

كان على باربرا أن تركض لتتمكن من اللحاق به.” يا إلهي،” قالت،” كم طولك بأية حال؟”

“6.4 ، اسرعي قليلاً.”

تمايلت العبّارة بخفة فوق الماء الهادئ، وضع راي يديه تحت ذراعي باربرا وسلمها بخفة إلى القبطان ثم قفز بنفسه إلى المركب. أدت هذه القفزة الصغيرة  إلى فك ربطة شعره الأسود الداكن الذي انفرد على ظهر سترته المسائية. هندم سترته ومرر مشطاً وجد طريقه إلى إحدى يديه، وأكمل تسريحه باليد الأخرى التي تخللته ، بحذر. ثم نظر حوله،  كان هناك ثلاثة أشخاص في المركب بالإضافة إليه وباربارا والقبطان ، تمكن من التعرف إلى واحدة منهم تعمل مضيفة في الطابق (أ)،  لا بد أن لديها موعد على الشاطئ مع أحد العاملين على السفينة. الشخصان الآخران زوج زوجة في أواخر الأربعينيات كان لهما وجهين مألوفين، لا يعرف راي اسميهما، كانا يحضران بانتظام ألعاب سباق الخيل كل عصر، كما تناهى إليه . فقد اهتمامه عند هذا الحد وأمسك بباربارا عندما بدأ المركب الصغير بالانطلاق.

كانت الزوجة في هذه الأثناء قد بدأت تنظر باهتمام إلى باربرا وراي، امرأة  جميلة جمالاً لا يشوبه شائبة، رمادي شعرها، كانت تلبس ثوباً مسائياً طويل الأكمام رسم عليه كلاب ثوربر[3]، كانت تلبس خاتماً ماسياً مصاغاً على شكل كمثرى وسواراً من الماس. لن يراهن عاقل واحد أنه من الممكن التكهن عن تاريخها من خلال مظهرها. ربما مشت منتصبة القامة قبل سنوات عبر مسرح برودواي، وبيدها مروحة من ريش النعام، تغني (الفتاة الجميلة كاللحن)، أو شيء ما يليق  بمروحة ريش النعام. ربما كانت ابنه سفير أو ابنه رجل إطفاء. وربما كانت سكرتيرة زوجها لسنوات. حيث فقط الجمال من الدرجة الثانية يمكن أن يعرَّف، اللغة تعجز عن الوصف.

توجهت بالحديث إلى  باربرا وراي فجأة.

    “أليست  ليلة من الجنة؟”

    قال راي :” بالتأكيد.”

     سألت المرأة باربرا:” ألا تشعرين بالروعة الآن ؟”

     أجابت باربرا بتهذيب: ” الآن فقط، لم أكن أشعر بذلك من قبل.”

    قالت المرأة مبتسمة:  “أوه، أنا في غاية السعادة” زلقت ذراعها في ذراع زوجها. ثم للمرة الأولى انتبهت للمضيفة مِن الطابق (أ)، التي كَانت تَقِف بجانب القبطان و خاطبتها: ” ألا تشعرين بجمال هذه الليلة ؟”

التفتت المضيفة :” أستميحك عذراً؟” وكانت نبرتها أشبه بنبرة متكبر قليل الاحترام.

“قُلتُ ألا تشعرين بالدهشة. أليست هي ليلة رائعة؟”

قالَت المضيفةَ بابتسامة موجزة: “أوه ، أعتقد ذلك.”

  “قالت المرأة مؤكدة :” أوه، هي كذلك، من يقول أننا على أبواب كانون أول!”عصرت يد زوجها بشكل باد للعيان وخاطبته بنفس النغمة البهيجة التي كانت تستعملها. “يتملكك شعور رائع، أليس كذلك عزيزي؟ “

    قال زوجها وهو يغمز لباربرا وراي :” بالتأكيد،” كان يلبس سترة خمرية اللون حيث كانت مفصلة تفصيلة ضيقة جداً، تجعله يبدو ضخماً علاوة على أنه ذو وزن زائد. التفتت المرأة وألقت بنظرها على المياه.

“مدهش، “قالت بنعومة. مَسّت كُمَّ زوجِها. “عزيزي، انظر إلى تلك المراكب الصغيرة الحلوة.”

“أين؟ “

“هناك. هناك.”

“أوه نعم. جميل.”

خاطبت المرأة باربرا فجأة. “أنا ديان ودروف وهذا زوجي فيلدنج.” باربرا وراي تباعاً قدّما نفسيهما “بالطبع! “قالت السّيدة ودروف إلى راي. “أنت الفتى الذي يُدير كلّ المباريات. رائع.” ونظرت ثانيةً إلى الماء. “تلك المراكب الصغيرة الهزيلة. إنها جميعاً يشبهون أحواض الاستحمام. ” نَظرتْ إلى باربرا وراي. “أين أنتما ذاهبان؟ لماذا لا تأتيان معنا؟ بالطبع! عليكما ذلك. قولا بأنكما ستفعلان. رجاءً.”

  “حسناً، أنا – هذا لطف كبير منك، “أجاب راي. “أنا لا أَعْرف ماذا لدى باربرا–

   أَحبُّ ذلك، “قالَت باربرا. “إلى أين أنتما  ذاهبين ؟ أعْني، أني لأول مرة هنا في هافانا.

  “إلى كل مكان!” “قالَت السّيدة ودروف بحماسة “حسناً، أليس هذا أمر رائع؟” “انحنت للأمام وتكلمت ثانيةً إلى المضيفة. “عزيزتي، ألا ترغبين بالانضمام الينا ؟ رجاءً افعلي.”

  ” أنا آسفة. علي مقابلة  أحد الأشخاص،  شكراً لك أيضاً، بأية حال.”

 “يا للمسكين. فيلدنج، عزيزي، تَبْدو مثل طالب جامعي، شاب جداً. هذا غير لائق.”

       “أنا؟ وغدٌ طاعن في السن مثلي؟ “

“من أين أنت عزيزتي؟ “سَألت السّيدة ودروف باربرا.

“كوبيرسبيرغ، بنسلفانيا. تقع قُرْب بيتسبيرج.”

“أوه، يا سلام. وأنت؟ “

“مدينة البحيرة المالحة، “قال راي.

“نحن من سان فرانسيسكو. أليس هذا جميلاً؟ هل تَعتقد بأنّ  الحرب ستبدأ قريباً، سيد والترز؟ زوجي لا يظن ذلك.”

“كينسيللا “صحّح لها راي. ” لا أَعْرف. سألتحق بالجيش على أية حال”

وضعت السّيدة ودروف يدها على فمها …. قالتْ. “أوه، آسفة جداً! “

“أوه، لن يَكُون الأمر سيئاً جداً، وضح راي. “لدي توصية لدى لجنة المدفعيةِ مِنْ ه. ت. ض. إ [4]. سَيكونُ عِنْدي بطاريتي الخاصة وكُلّ شيء. أَعْني بأنّه لن يتوجب على أن آخذ أي شيء من أي شخص .

عندما ارتطم المركب بلطف بالميناءِ، وَضعَ راي ذراعه حول خصر باربرا ليحميها من السقوط.

” لَيْسَ لَها خصر مطلقاً، “قالَت السّيدةَ ودروف ونَظرَت بلطف نحو راي. “كم هو أمر رائع بالنسبة لك أن تخرج في مثل هذه الليلة الجميلة مع فتاة ليس لها خصر على الإطلاق دون أدنى شك.”

قادهم راي إلى فيفا هافانا  الذي كان قد نُصح به. وقد كان بشكل رئيسي وجهة السياح، حيث كانت تصرف عليه أموال و ثروات طائلة. لم يكن في الداخل إلا النُدل. المالك ايرلندي، القائمة فرنسية، رئيس المضيفين سويسريَ، الأوركسترا في الغالب من  بروكلن، مغنيات الجوقةَ كُنّ مغنيات في مسرح شوبيرت في نيويورك، والويسكي تباع أكثر من أي مشروب آخر. انتهت ألعاب ألهاي آلاي ، وصل حشد مِنْ السفينةِ إلى فيفا هافانا وانتشروا متناثرين في الغرفة الصاخبة الواسعة. لاحظ راي من فوره السيدة الشابة الذي صوَّت هو وباقي أعضاء لجنة الشباب في الحال لها لتكون ملكة جمال لباس البحر المطاطي للعام 1941. لقد كانت تتمايل، خلال ذراعي مراقصها، قرب الفرقة الموسيقية ، متحدثة إلى القائد، ربما تطلب منه أن يعزف معزوفة غبار النجوم. استكشف راي أيضاً الحاكم المنتخب- الشهير على السفينة- في طريقه إلى غرفة اللعب، مرتدياً سترة عشاء بيضاء، ليس رجلاً عادياً من الناس الذين يرتدون بذلات سوداء هزيلة. التوأم ماسترسون، انتبه إليهم راي أيضاً، كانا على طاولة في محادثة مع موظفي السفينة برفقة الشيكاجو كاتش و مخطئ كرات كليفلاند ، كان بما لا يدعو للشك متضايقاً. عني السيد ودروف بالطلبات لما جلسوا جميعهم. ثم أخذ والسيدة ودورف طريقهما إلى ساحة الرقص.

” هل ترغبين بالرقص؟” سأل راي باربرا.

” ليس الآن. لا أعرف رقصة الرومبا. أحتاج شيء ما بطيئاً جداً، بأية حال انظر إلى السيدة ودورف. إنها جيدة جداً.”

” هي ليست سيئة” راي مذعناً.

 قالت باربرا بإثارة،” أليست لطيفة؟ أليست جميلة؟ هي شيء ما لا أعرف ما هو. يا الهي!”

” هي بالتأكيد تتحدث كثيراً” قال راي، محركاً شرابه.

” لا بد أنك تلتقي بالكثير من الناس، ذاهبا في هذه الرحلات طوال الوقت” قالت باربرا.

” هذه فقط المرة الثانية. للتو تركت الجامعة. يال. كنت ذاهبا إلى الجيش بأية حال، لذا فكرت بأن أحصل على بعض المتعة أيضاً” أشعل سيجارة.” ماذا تفعلين؟” سألها.

” كنت أعمل. الآن لا أفعل شيئاً. لم أذهب إلى الجامعة.”

 ” لم أر أمك في أي مكان الليلة،” قال رجل يال.

” السيدة التي تسافر برفقتي؟” قال باربرا.” هي ليست أمي”

ليست كذلك؟”

“لا. أمي ميتة. إنها حماتي الموعودة”

“اوه”

تناولت باربرا علبة أعواد الثقاب التي في الوسط. أشعلت عوداً، أطفأته، أشعلت آخر، أطفأته وسحبت يديها إلى حضنها.” كنت مريضة لفترة،” قالت، ” رغب خطيبي مني الذهاب للراحة. قالت السيدة اودينهيرن بأنها ستأخذني في رحلة أو ما شابه. وهكذا ذهبنا.”

” حسناً!” قال راي، الذي كان يراقب أداء ملكة جمال لباس البحر للعام 1941 على ساحة الرقص.

” كما لو أني برفقة فتاة من عمري، تقريباً،” قالت باربرا.” هي لطيفة جداً. كانت رياضية عظيمة في شبابها.”

” تبدو لطيفة جداً. احتسي شرابك، لماذا لا تفعلين؟” التقطت باربرا شرابها ورشفت 1/16 من الإنش منه.” أستطيع الرقص على ما يعزفونه الآن،” قالت.

” جميل” نهضا وأخذا طريقهما  نحو ساحة الرقص. رقصت باربرا بصلابة وبدون أي شعور مدرك للإيقاع. أخذت بعصبيتها ذراع راي في وضعية غريبة، احتجزتها بطريقة سببت له مشكلة في توجيهها.

” أنا راقصة فاشلة”

” بالتأكيد لست كذلك”

” حاول أخي أن يعلمني عندما كنت صغيرة”

“اوه؟”

” هو في مثل مقاسك. كان يلعب كرة القدم في الثانوية. لكن ركبته أصيبت وكان عليه أن يتوقف. لقد كان بإمكانه أن يحصل على منحه لولا أنه آذى نفسه.”

الساحة كانت مزدحمة جداً وهذا أدى نسبيا لأن يرقصا معا بطريقة سيئة.

لاحظ راي، فجأةً، شعر باربرا الأشقر كعرنوس الذرة.” صفِ لي خطيبك. سألها.

” كارل؟ اوه، لطيف جداً. يبدو ممتعاً على الهاتف. يهتم كثيراً- كثيراً بالأشياء”

” أية أشياء؟”

” اوه، أشياء. لا أعرف. لا أفهم الصبية. لم أعلم أبداً عما يتحدثون.”

أخفض راي فجأة رأسه وقبل باربرا في جبينها. كانت قبلة طيبة تركته حائراً.

” لماذا فعلت ذلك؟” قالت باربرا، دون أن تنظر اليه.

” لا أعلم. هل أنت غاضبة؟”

 “الجو حار جداً هنا” قالت باربرا،” يا إلهي”.

” كم عمرك باربرا؟”

“ثمانية عشر، وأنت؟”

“حسناً في الواقع أنا عمري اثنان وعشرون”

واصلا الرقص.

” تعرض والدي لنزيف دماغي وتوفي على إثره الصيف الماضي” قالت باربرا.

“اوه، كم هذا قاسٍ”

“أعيش مع عمتي، هي معلمة في ثانوية كوبرسبورغ، هل قرأت الضوء الأخضر لليود س دوجلاس؟”

” لم يكن لدي الوقت الكثير للكتب لماذا؟ هل هو كتاب جيد؟”

” لم اقرأه. عمتي تريدني أن أفعل، أنا أدوس على قدمك”

“لا لست تفعلين”

“عمتي لطيفةٌ جداً” قالت باربرا.

“هل تعلمين” قال راي، “من الصعب جداً متابعة حديثك بعض الأحيان”.

لم تجب، وللحظة خشي من أن يكون قد أغضبها. شعر برعب خفيف يبزغ في رأسه عندما تراوده فكرة أنه: لا يزال يتذوق طعم جبهتها على شفتيه. لكن تحت ذقنه عاد صوت باربرا مجدداً” تعرض أخي لحادث سيارة قبل أن أغادر.” وكان يشعر بارتياح كبير لسماعه .

كانت عائلة ودورف قد جلسوا الآن إلى الطاولة. أقداح الويسكي فرغت ومشاريبهم رشفت.

“لقد لوَّحت لكِ” اتهمت السيدة ودروف باربارا بلطف” أنت حتى لم تلوحي لي”

“لماذا، بالتأكيد لوحت لك” قالت باربارا.

“هل شاهدت رقصتنا الرومبا؟ “قالت السّيدة ودروف. “ألم نكن رائعين؟ فيلدنج لاتيني القلب في الواقع. نحن كلانا لاتينيان. أَنا ذاهِبة إلى غرفة المكياج … باربرا؟ “

“ليس الآن. أراقب رجلاً سكران، “قالت باربرا.

عندما غادرت السّيدةَ ودروف الطاولة، انحنى زوجها في الوقت نفسه تقريباً إلى الأمام مخاطباً كلا الشابين .

 ” أحاول أن أخفي أمراً عنها. كان ابننا ذاهب إلى الجيش عند رحيلنا، أعتقد. يُريد أن يكون طياراً. سيقتل هذا الخبر السيدة ودروف إذا عرفت به.” ثم عاد السّيد ودورف إلى الخلف، تَنهّد بعمق وأشار بعينه للنادل لدورةِ أخرى من المشروب. ثمّ نَهضَ، استعمل منديلَه بقوّة وهام بعيداً عن الطاولة.

راقبته باربارا حتى اختفى: عندها التفتت وتحدثت إلى راي:

” هل تحبين البطلينوس والمحار وهذه الأشياء؟” بدأ راي برفق.

“حسنا، نعم. نوعاً ما”

“أنا لا أحب أي من أنواع نوع الأصداف” قالت باربارا بعصبية.” هل تعلم ماذا سمعت اليوم؟ لقد سمعت بأن السفينة ستتوقف عن القيام بالجولات البحرية إلى ما بعد الحرب.”

” مجرد إشاعة” قال راي معترضاً.” لا تحزني كثيراً لهذا. أنت وما اسمه -كارل؟ ستتمكنان من القيام بنفس هذه الرحلة بعد الحرب” قال راي، مراقباً إياها.

” سيلتحق بسلاح البحرية”

“بعد الحرب، قلت”

“أعلم،” قالت باربارا، مومئة،” لكن كل شيء عجيب. أشعر بالغرابة.” توقفت لوهلة، غير راغبة أو غير قادرة على التعبير عما يدور في نفسها .اقترب راي قليلاً منها .

قال راي: “لديك يدين جميلتين، باربرا،” فسحبتهما عن الطاولة.

“إنهما رهيبتان الآن، لم أستطع الحصول على طلاء جيد.”

” ليستا سيئتين،” أمسك راي بإحدى يديها- وتركها فوراً. وقف وسحب كرسي السيدة ودورف لتجلس. ابتسمت السيدة ودورف، أشعلت سيجارة ونظرت بانتباه إليهما.

” أريدكما أن تغادرا بسرعة” قالت مبتسمة.” هذا المكان ليس مناسباً لكما.”

“لماذا؟” سألت باربرا، بعيون مفتوحة.

” حقيقة. هذا من الأمكنة التي تقصد عندما تكون أفضل الأشياء قد انتهت في حين يبقى بعض المال على العموم .حتى نحن لا يناسبنا- فيلدينج وأنا. رجاءً. اذهبا في نزهة جميلة في مكان ما.” ناشدت السيدة ودورف راي “سيد والترز” قالت،  “ألا يوجد الليلة حفلة شواء في الهواء الطلق أو جولة في عربة مفتوحة؟

“كينسيلا” صحح راي، باقتضاب.” أخشى أنه لا يوجد”

” لم أذهب أبداً في نزهة بحرية أو في عربة” قالت باربرا.

“اوه! اوه! ما هذه الأخبار السيئة! هي نزهات جميلة جداً. أوه، كم أكره عام 1941″

جلس السيد ودورف.

“ما هذا عزيزتي ؟ “سأل

” قلت أكره عام 1941 ” قالت زوجته بطريقه غريبة. ودون تأثر انخرطت بالبكاء، مبتسمة لهم جميعاً.” أنا أكرهه” قالت ” أمقته. يعج بالسلاح الذي ينتظر أن يسلم للأولاد،  الفتيات والأمهات ينتظرن ليعشن في صناديق البريد ويتكلفن الابتسام لرؤوساء الخدم العجائز الذين ليس عليهم الذهاب لأي مكان. أمقته. عام عفن.”

” نحن لم ندخل الحرب بعد عزيزتي” قال السيد ودورف. ثم قال:” كان على الأولاد دائما ًأن يذهبوا إلى الحرب. لقد ذهبت. إخوتك فعلوا”

هذا مختلف. ليس فاسداً بنفس الطريقة. الوقت لم يعد فيه ما هو خير أبداً. أنت وبول وفريدي تركتما نسبياً أشياء لطيفة خلفكم. يا الهي. بوبي حتى لم يواعد أحداً اذا لم يكن معه مال. الأمر مختلف كلياً. فاسد بالكامل.”

“حسناً” قال راي مرتبكاً. نظر إلى ساعة يده: ثم نحو باربرا .”هل تحبين أن تلقي بنظرة على بعض المشاهد؟” سألها.

“لا أعرف” قالت باربرا، مواصلة التحديق بالسيدة ودورف.

انحنى السيد ودورف نحو زوجته.” هل تودين لعب القليل من  الروليت عزيزتي؟”

“نعم. نعم، بالطبع، عزيزي.” رفعت السيدة ودورف نظرها.” اوه، أنتم مغادرون يا أولاد؟” سألت.

 كانت الساعة تجاوزت الرابعة صباحاً بقليل. كان على متعهد جانبي السفينة، عند الساعة الواحدة ، وضع عدد من كراسي السطح لاستيعاب الحشد المتجمع لاستعمالها بعد بضعة ساعات، لفطور متأخر في الشمس المشرقة هناك الكثير من الأشياء تستطيع فعلها على كرسي السطح: تناول المقبلات الساخنة عندما يمر رجل بهم على صينية، قراءة مجلة أو كتاب،  مشاهدة صور فوتوغرافية لحفيدك، تنسج، تفكر بالمال، تفكر بالرجل، تفكر بالمرأة، تشعر بالغثيان، تراقب الفتيات في طريقهن لحوض السباحة، ترقب الأسماك الطائرة… لكن اثنين من الناس على كراسي السطح، مقتربان من بعضهما بشكل وثيق، لا يمكنها تقبيل بعضهما بارتياح. إضافة إلى أن أذرع الكرسي الخشبي مرتفعة جداً أو أن الأشخاص المعنيين منزلقين في عمقها.

كان راي جالساً إلى يسار باربرا. ذراعه الأيمن ملقى على الخشب القاسي لكرسيها، مثاراً من البهجة.

كان عليهما أن يرفعا صوتيهما.

“كيف تشعرين الآن؟” سأل راي.

” أنا؟ بخير.”

” لا، أعني هل لا زلت متضايقة قليلاً؟ ربما لم يكن علينا الذهاب إلى ذلك المكان الأخير.”

” أنا؟ لم أكن متضايقة.” فكرت باربرا لدقيقة، ثم سألت: ” هل كنت أنت متضايقاً؟”

” لا أبداً، لم أتضايق مطلقاً.” هذا الجزء من تبادل المعلومات غير الدقيق بدا أوتوماتيكيا كتجديد لرخصة راي بالتقدم أكثر من الحواف المكشوفة لكرسي باربرا.

بعد ساعتين من القبل، كانت شفاه باربرا متشققة قليلاً، لكنها لازالت رقيقة، جادة، و مستثارة. لن يتمكن راي من التذكر، حتى لو حاول ذلك، متى تأثر نسبياً بقبلة فتاة أخرى. وبينما يقبلها من جديد الآن، اضطرب بحلاوة قبلتها المؤهلة بسخاء وبالبراءة المعاد تأهيلها.

عندما انتهت القبل- لم يستطع التنازل غير المشروط لإنهاء واحدة من قبل باربرا- رجع إلى الخلف قليلاً وبدأ يتحدث ببحة غير طبيعية في صوته حتى لساعات و مستهلكاً السجائر والمشروب.” باربرا. بلا مزاح. سنفعلها. هاه؟ سنتزوج، ها؟”

باربرا، كانت ساكنة بجانبه في الظلمة.

” لا ، حقيقةً،” توسل راي، بالرغم من أنه كان متناقضاً. ” سنكون سعداء. حتى لو حصلت الحرب أنا ربما لن يتم إرسالي أبداً إلى ما وراء البحار أو أي شيء. أنا محظوظ في هذا. سيكون لنا- سيكون لنا وقت رائع.” تملى في وجهها الهادئ في ضوء القمر. ” أليس كذلك؟”

” لا أعلم،” قالت باربرا.

” بالتأكيد تعلمين! بالتأكيد تعلمين! أقصد، اللعنة. نحن مناسبين لبعضنا البعض.”

” أنا حتى  دائماً أنسى اسمك،” قالت باربرا بطريقة عملية. ” يا إلهي. نحن بالكاد نعرف بعضنا”

” اسمعي. نحن نعرف بعضنا أفضل بكثير مما يعرف الناس بعضهم خلال شهور!”  أبلغها راي بتهور.

” لا أعلم. لا أعلم بم سأخبر السيدة اودينهيرن”

” أمك؟ فقط أخبريها بالحقيقة، هذا كل شيء!” راي ناصحاً.

 لم تجب باربرا. قضمت بعصبية جلد إبهامها. أخيراً تكلمت.

” هل تظن بأني مغفلة؟”

” أظن ماذا؟ هل أظن بأنك مغفلة؟ بالتأكيد لا”

” أنا أعتبر مغفلة” قالت باربرا ببطء. ” أنا مغفلة قليلاً. أظن.”

” توقفي عن قول ذلك الآن. أقصد، توقفي. أنت لست مغفلة. أنت ذكية. من قال بأنك مغفلة؟ هل هو ذلك الفتى كارل؟”

كانت باربرا مبهمة حوله.” اوه، ليس تماما. الفتيات، أكثر، الفتيات اللواتي ذهبت إلى المدرسة برفقتهن.”

” إنهن مجنونات.”

” كيف ذكية؟” أرادت باربرا أن تعرف. ” أنت قلت بأني ذكية.”

” حسناً، أنت- أنت كذلك، هذا كل شيء!” قال راي. ” أرجوك.” و مجهزاً فقط بأكثر أنواع البلاغة الرئيسية، انحنى وقبلها قبلة رائعة طويلة مرضية، كما أمل.

 في النهاية قاطعته باربرا بلطف بتخليص شفتيها من شفتيه. وجهها في ضوء القمر كان مضطرباً، لكن بإهمال، بفمها المفتوح قليلاً، دونما وعي بأنها مراقبة.

” أتمنى لو لم أكن مغفلة” قالت لليل.

 لم يكن راي صبوراً لكن حذراً.

” باربرا. قلت لك. أنت لست مغفلة.. أرجوك. أنت لست مغفلة على الاطلاق. أنت ذكية جداً.” نظر إليها بطريقة تملكية، بغيرة. ” ما الذي تفكرين به؟” سأل. ” بذلك الفتى كارل؟”

 هزت رأسها.

” باربرا. اسمعي. سنكون سعداء في كل شيء. جدياً. أعلم بأننا لم نعرف بعضنا لوقت طويل. هذا ربما ما تفكرين به. لكن هذا زمن حقير. أقصد مع الجيش وكل هذا، وكل شخص ينقلب رأساً على عقب. بمعنى آخر، إذا ما أحب شخصين بعضهما عليهما أن يبقيا سوية.” تملى في وجهها، أقل يأساً، معززاً بما يعتبره بصيرته المفاجأة وبلاغته.” ألا تظنين ذلك؟” سأل باعتدال.

” لا أعلم” قالت باربرا وبدأت بالبكاء.

 بكت بألم، بشهقتين من حجابها الحاجز. مروعاً بحزنها العنيف وبكونه شاهداً عليه، لكنه يضيق بحزنه الشخصي، كان راي مواسياً مسكيناً. أخيرا باربرا خرجت من ألمها الشخصي تماماً بنفسها.

” أنا بخير” قالت. ” أظن من الأفضل أن أذهب للنوم.” نهضت غير متزنة.

 قفز راي وأخذ بيدها.

” سأراك في الصباح، أليس كذلك؟” سأل. ” أنت تلعبين النهائية في الجولة الثانية، صحيح؟ مسابقة التنس؟”

 ” نعم” قالت باربرا. ” حسناً، ليلة سعيدة”

” لا تقوليها هكذا” قال راي،  مؤنباً.

” لا أعلم كيف أقولها” قالت باربرا.

” حسنا، أقصد، أبداً. قلت ذلك كما لو أنك لا تعرفينني أو ما شابه. إلهي، لقد سألتك أن تتزوجي بي لعشرين مرة”

” أخبرتك بأني كنت مغفلة” شرحت باربرا ببساطة.

” أتمنى عليك أن تتوقفي عن قول ذلك”

” تصبح على خير” قالت باربرا” شكراً على الوقت اللطيف. حقيقة.” ومدت يدها.

 عائلة ودروف كانوا المسافرين الوحيدين في المركب الأخير من الشاطئ إلى السفينة. السيدة ودورف كانت ترتدي جواربها، معطية حذاءها لسائق التكسي مكافأة لقيادته الجميلة. كانا الآن  يهبطان السلم الضيق الشديد الانحدار الذي امتد واهياً بين سطح المركب وباب  بوابة السطح ب . سبقت السيدة ودورف زوجها، ملتفتة عدة مرات بشكل متقلقل لترى اذا ما كان زوجها يتبع القواعد المتفق عليها بينهما.

” أنت تمسك الشيء. الحبل” اتهمته. وهي تنظر الآن نحو زوجها.

” لا” أنكر السيد ودورف بسخط. بربطة عنقه غير معقودة. قبة سترته مرفوع نصفها من الخلف.

” لقد قلت بوضوح بأن لا أحد يمسك بالحبل” أعلنت السيدة ودورف. مترددة في خطوة أخرى. نظر السيد ودورف إلى الخلف محدقاً بها، وجهه يترنح بين الحيرة والحزن السحيق. فجأةً، أدار ظهره لزوجته وجلس حيث كان. كان تحديداً في وسط السلم. والارتفاع عن المياه كان لا يقل عن ثلاثون قدماً.

” فيلدينج! فيلددينج، تعال إلى هنا في الحال!”

وضع السيد ودورف ذقنه بين يديه  ليجيب. لوحت السيدة ودورف بخطر، ثم رفعت تنورتها ونجحت لسبب غير مفهوم، في أن تهبط إلى درجة تعلو مقعد زوجها. احتضنته بأن وضعت ذراعها تحت إبطه وكادا أن ينقلبا معا.

” اوه حبيبي” قالت”” هل أنت غاضب مني؟”

” لقد قلت بأني كنت أستعمل الحبل” قال السيد ودورف، صوته ينبح بخفة.

” لكن حبيبي كنت تفعل”

” لم أكن أفعل” قال السيد ودورف.

قبلت السيدة ودورف رأس زوجها، حيث كان الشعر خفيفاً. ” بالطبع لم تكن” قالت وضمت يداها مبتهجة حول حنجرة السيد ودورف.
” هل تحبني يا صغيري؟” سألت،  قاطعة تنفسه تقريباً.

كان جوابه غامضاً.

” كثيراً جداً؟”

 سألت السيدة ودورف سؤالها. ” بالطبع تحبني. سوف لن أسامحك إن لم تكن تفعل. يا طفلي الحلو، أرجوك لا تسقط، ضع كلا القدمين على الدرجة. لماذا أنت متضايق عزيزي؟ أعجب كم كان زواجنا فرحاً. نحن أثرياء جداً. علينا أن نملك، بكل الأعراف، قارات متراكمة منفصلة. أنت تحبني كثيراً بشكل لا يكاد يحتمل، أليس كذلك؟ حبيبي، ضع قدميك على الدرجة، كولد طيب. أليس الجو لطيف هنا؟  نحن نتحدى قانون ماجلان. عزيزي، ضع ذراعيك حولي –لا، لا تتحرك! لا يمكنك الجلوس حيث أنت.  سأصدق بأن ذراعيك تلفني. ماذا تفكر عن ذلك الفتى وتلك الفتاة الصغيرة؟ باربرا وايدي. كانا غير متزنين. ألا تظن؟ كانت لطيفة.  كان ممتلئ بالهراء. آمل أن تتصرف بعقلانية. اوه هذه السنة المجنونة. إنها شيطان. أصلي أن يستعمل الأطفال عقولهم. يا إلهي، اجعل كل الأطفال يستعملون عقولهم الآن- أنت تجعل السنوات رهيبة الآن، يا الهي” السيدة ودورف نكزت زوجها في ظهره. ” فيلدينح أنت صلي أيضا؟”

” أصلي لأجل ماذا؟”

” صلي أن يستعمل الأولاد عقولهم الآن.”

” أي أطفال؟”

” كلهم عزيزي. بوبي. طفلنا الرائع بوبي. فتيات فريمونت بآذانهن الحلوة. بيتي ودونالد ميركر. أولاد عائلة كروفت. كلهم. خاصة تلك الفتاة الصغيرة التي كانت معنا الليلة. باربرا. لا أستطيع أن أبعدها عن تفكيري. صل. طفلي العزيز.”

” حسناً”

” اوه، أنت رائع جداً.” السيدة ودورف داعبت ظاهر عنق زوجها. فجأة، لكن ببطء، قالت: ” أحلفكن يا بنات اورشليم، بالظباء، و بأيائل الحقول، ألا تيقظن، و لا تنبهن الحبيب، حتى يشاء.”

سمعها السيد ودورف. ” من أين هذا؟” سألها.

” نشيد الأناشيد. الانجيل. عزيزي؟، لا تستدر. أنا جد خائفة من أن تسقط.”

 أنت تعلمين كل شيء” قال السيد ودورف برصانة. ” تعلمين كل شيء.”

” اوه، أيها الحبيب! صل قليلاً من أجل الأطفال، طفلي الحبيب. أوه، ما هذه السنة المقيتة!”

” باربرا؟ هل هذه أنت عزيزتي؟”

” نعم، أنا، سيدة اودنهيرن.”

 بإمكانك إشعال النور، عزيزتي. أنا صاحية.”

” أستطيع أن أبدل ثيابي في العتمة. حقيقة.” ” بالطبع لا تستطيعين. أشعلي الأنوار عزيزتي.”  كانت السيدة اودينهورن لاعبة تنس خطيرة للغاية في شبابها، لعبت مرة بمواجهة  هيلين ويلز في لعبة استعراضية. ولا زالت تحتفظ بمضربين تغير لهما الأوتار سنوياً، في نيويورك، ” من قبل شاب ماهر ”  طوله ستة أقدام. حتى الآن، في السرير الساعة الرابعة وخمس وأربعون دقيقة صباحاً” لك، شريك!” خصلة رنت في صوتها.” أنا مستيقظة تماماً” أعلنت. ” بقيت صاحية لساعات. سكارى كثر مروا بالحجرة. بالطبع لا يهتمون للآخرين. أشعلي النور عزيزتي.”

أشعلت باربرا الأنوار. وضعت السيدة اودنيهورن كي تحمي نفسها من الوهج، ابهامها وسبابتها على عينيها، ثم أبعدت يدها وابتسمت بشدة. كان شعرها في اللفافات، وباربرا لم تنظر إليها مباشرة.

” هناك طبقات مختلفة من الناس، هذه الأيام، “لاحظت السيدة اودينهيرن. ”  هذه السفينة حقيقة كانت لتكون لطيفة جدا. هل قضيت وقتاً ممتعاً عزيزتي؟”

 نعم، فعلت، شكراً. سيء جداً أنك لم تذهبي. هل تحسنت قدمك.” رفعت السيدة اودينهيرن  بجدية مخادعة سبابتها  وهزتها لباربرا. ” الآن، استمع إلي، أيتها السيدة الشابة. إذا خسرنا مباراتنا اليوم  فلن يكون ذلك  على حسابي. ضعي هذا حلقة في أذنك. لذا هيا!”

ابتسمت باربرا واخرجت حقيبتها من تحت  السرير المزدوج غير المحتل- سريرها. وضعتها على السرير وبدأت تبحث عن شيء فيها.

 كانت السيدة اودينهيرن تفكر.

” رأيت السيدة هيلجر والسيدة ايبيرس في الصالون بعد مغادرتك الليلة.”

” اوه؟” قالت باربرا.

” هم سيخرجون غداً من أجل أن نحرك أجسادنا ، ليس هناك مانع من إخبارك. كان عليك أن تلعبي فقط قليلاً أقرب إلى الشبكة عندما أضرب الكرة، عزيزتي.”

” سأحاول ذلك،” قالت باربرا، وذهبت تبحث في حقيبتها، تقلب أشياء ناعمة.

”  أسرعي إلى السرير، عزيزتي، اقفزي” قالت السيدة اودينهيرن.

“لا أستطيع أن أجد- أوه، ها هي هنا.” وسحبت باربرا بيجامتها.

“بيتر الأرنب،”  قالت السيدة أودينهيرن بحنان.

“عفواً؟ ” “لطالما أحب كارل الأرنب بيتر عندما كان صغيراً،” رفعت السيدة صوتها بمقدار أوكتاف أو أكثر: “مامي، اقرئي لي بيتر الاًرنب، كما كان يقول. مرات ومرات. أتمنى لو حصلت على بنس واحد مقابل كل مرة قرأت له فيها هذه الحكاية.”

ابتسمت باربرا مجدداً ودخلت الحمام المجاور والبيجاما تحت ذراعها. حيث استوقفها صوت السيدة اودنيهيرن المرتفع.

“يوماً ما ستقرئين( بيتر الأرنب) لطفلك الصغير.”

لم يكن على باربرا أن تبتسم، إنها الآن في الحمام.  دخلت وأغلقت الباب وراءها. عندما خرجت مرتديه منامتها بعد لحظة، السيدة اودينهيرن التي لم تكن تدخن، كانت تشرب سيجارة بمشربها- كنوع من الدعاية ليكون (مزيلا للنيكوتين). وكانت تحاول الوصول إلى مكتبة روايات السفينة، التي وضعت على طاولة الليل.

” جاهزة للنوم ، عزيزتي؟ أنا فقط أفكر بقراءة مقطع صغير من كتابي. ريثما يساعدني على النوم. الكثير الكثير من الأشياء تجري في رأسي العجوز المسكين.”

ابتسمت باربرا ودخلت في سريرها.

“هل سيزعجك الضوء، عزيزتي؟”

“لا إطلاقاً. أنا متعبة كثيراً.” وقلبت سارة على جانبها، إلى الجهة المعاكسة للضوء والسيدة اودينهيرن .وقالت: “ليلة سعيدة”.

“نوما عميقاً، عزيزتي… اوه، أعتقد بأني سأحاول النوم أيضاً! إنه كتاب سخيف جداً، بأية حال صدقاً، لم أقرأ كتاباً ساحراً في حياتي. كتَّاب هذه الأيام يحاولون الكتابة عن أشياء مملة. أفكر بأني لو استطعت أن أقرأ فقط كتاب آخر لسارة ميلفورد بيز لكنت سعيدة. لقد ماتت، يا لروحها المسكينة، إنه السرطان .”وأطفأت السيدة اودينهيرن ضوء الطاولة.

بقيت باربرا مستلقية بضع دقائق في الظلمة. كانت تعرف بأن عليها أن تنتظر حتى الأسبوع القادم أو الشهر القادم أو أي شيء آخر- قادم. ولكن وكأن قلبها كان يدفعها خارج السرير.” سيدة اودينهيرن” خرج الاسم واقفا كعمود في الظلام.

“نعم عزيزتي؟”

 “لا أريد أن أتزوج”

“ماذا تقولين”

“لا أريد أن أتزوج ” جلست السيدة اودينهيرن في سريرها. وصلت بكفاءه نحو مفتاح الضوء. أغلقت باربرا عينيها قبل أن تضاء الغرفة وصلّت بصمت وبدون أفكار. شعرت بحديث السيدة اودينهيرن من خلف رأسها.

” أنت جد متعبة. لا تعنين ما تقولينه، عزيزتي. ” كلمة ” عزيزتي” خفقت في الأعلى إلى جانب اسم السيدة اودنيهيرن.

” أنا فقط لا أريد أن أتزوج من أي كان.”

” حسناً! هذا بالتأكيد غير طبيعي باربرا. كارل يحبك كثيراً، كثيراً جدا، عزيزتي.”

” أنا آسفة. صدقاً.” ثم حل صمت قصير. كسرته السيدة اودنهيرن.

” لابد أن تكوني كذلك،” قالت فجأة، ” ماذا تفكرين الآن، عزيزتي. أنا واثقة بأن لو كارل كان هنا فلسوف يكون ولدا مجروحا جدا. ومن جانب آخر-“

استمعت باربرا. وصل ذلك إلى انقطاع، استمعت باهتمام بالغ.

” من جانب آخر،” قالت السيدة اودينهرن، ” دائماً أفضل طريق لتدارك الخطأ قبل اقترافه. إذا ما أوليت هذه المسألة قدراً كبيراً، كبيراً، من الاهتمام والتفكير أنا واثقة سيكون كارل آخر من يلومك، عزيزتي.”

مكتبة روايات السفينة، اهتزت بحركة مرفق السيدة اودينهيرن ، سقطت من على طاولة الليل إلى الأرض. سمعتها باربرا وهي تلتقطها.

” نامي الآن، عزيزتي. سنرى عندما تشرق الشمس الجميلة كيف نشعر حيال الأشياء . أريدك أن تفكري بي كما لو كانت أمك موجودة. أريد أيضاً أن أساعدك في فهم أفكارك،” قالت السيدة اودينهيرن، وأضافت: ” بالطبع، أعلم بأنه من الصعب إقناع الأولاد هذه الأيام وجعلهم يعدلون عن قراراتهم التي اتخذوها. كما أعلم بأن لك شخصية رائعة، جداً جداً.

عندما سمعت باربرا صوت إطفاء الضوء، فتحت عينيها. وخرجت من السرير وذهبت إلى الحمام. كادت تخرج تقريباً مرة واحدة، لتلبس رداءاً ومشايات، وتحدثت إلى السيدة اودينهيرن في الظلمة.” أنا ذاهبة إلى السطح لبعض الوقت.”

“ماذا تلبسين؟”

“ردائي ومشايتي. لابأس، كل الناس نيام.”

أشعلت السيدة أودينهيرن الضوء الذي على الطاولة مجدداً. نظرت إلى باربرا بحدة، لا معجبة ولا عكس ذلك. نظرتها قالت،” حسناً، لقد انتهينا، أنا بالكاد أحتمل نفسي، أنا سعيدة جداً. أنت مسؤولة عن نفسك لبقية الرحلة. فقط لا تسببي لي العار أو الحرج.” باربرا قرأت النظرة بشكل خاطئ.

“إلى اللقاء”

“لا تصابي بالبرد، عزيزتي.”

أغلقت باربرا الباب خلفها وأخذت تمشي عبر الممرات الصامتة، المضاءة. صعدت السلالم المؤدية إلى السطح عبر ردهة الحفلات، مستخدمة الجناح  الذي تركته فرقة التنظيف بين الأكوام المكدسة  للكراسي المريحة. خلال أقل من أربعة أشهر لن يكون هناك كراسي مريحة في صالة الحفلات، بدلاً من ذلك، سيتم ترتيب أكثر مِنْ ثلاثمائة مجنّد، مؤرقين، على ظهورِهم فوق الأرضيةِ. في الأعلى على سطحِ النزهات، تقف باربرا لساعة تقريباً عند السياج الجانبي للسفينة. على الرغم مِنْ أنها كانت تلبس بيجامة قطنِية ورداء حريري فلن يمنعا خطر إصابتها بالرشح. الساعة التي مضت سريعاً كانت تحمل أشياء عديدة ، لكن باربرا الآن، كانت استثنائياً، نهباً لطباق معقد يتردد في اللحظات الأخيرة من طفولتها.

 ت: أ. ل


[1] نوع من ألعاب كرة اليد.(المترجمة)

[2] لعبة تدفع فيها الأقراص على طول سطح ناعم.

[3] جيمس ثوربر رسام كاريكاتير وكاتب اميركي 1894-1961

[4] هيئة تدريب ضباط الاحتياط، the Reserve Officers Training Corps .ROTC

.

 

Read Full Post »

6636487

دروس العقد الأول

القصد من عنوان هذا الكتاب جعله اختباراً أولياً لذكاء القارئ: إذا ما استدعى الانطباع الأول الكليشيه المبتذله المعادية للشيوعية -” أنت على حق-فاليوم، بعد مأساة القرن العشرين الشمولية، كل حديث عن العودة إلى الشيوعية لا يمكن أن يكون إلا تهريجاً!” ثم أني أنصحك بإخلاص أن تتوقف هنا. حقاً، يجب مصادرة الكتاب منك بالقوة، ذلك أنه يتعامل مع مأساة ومهزلة مختلفتين كلياً، تحديداً، الحدثان اللذان يشيران إلى بداية ونهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: هجمات 11 أيلول،2001 والانهيار المالي في عام2008.
علينا أن نلحظ التشابه في لغة الرئيس بوش في خطاباته للشعب الاميركي بعد9 /11 وبعد الانهيار المالي: بدا كل من الخطابين كما لو أنهما نسختين من خطاب واحد إلى حد كبير. استحضر في المرتين التهديد لطريقة حياة الاميركيين والحاجة للقيام بتحرك سريع وحاسم للتغلب على الخطر. دعا في المرتين لتعليق جزئي للقيم الاميركية (ضمانات الحرية الفردية، السوق الرأسمالية) رغبة في إنقاذ هذه القيم نفسها تحديداً. من أين يأتي هذا التشابه؟

بدأ ماركس كتابه الثامن عشر من برومير بتصحيح لفكرة هيجل عن أن التاريخ يعيد نفسه بالضرورة: ” أشار هيجل في مكان ما بأن كل الأحداث العظيمة والشخصيات في تاريخ العالم تحدث، على سبيل المثال، مرتين. نسي أن يضيف: المرة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة.”[1]  هذه الإضافة على مفهوم هيجل عن التكرار التاريخي كانت الصورة البلاغية التي طاردت سابقاً ماركس لسنين سبقت: نجدها في ” مقالة في نقد فلسفة هيجل عن الحق ” حيث شخَّص تدهور النظام الألماني القديم ancien regime في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر كتكرار هزلي للمأساة التي وقعت على النظام الفرنسي القديم ancien regime :

 

من المفيد(للأمم الحديثة) رؤية النظام القديمancien regime، الذي واجه في بلادهم مأساته، يلعب دوره الهزلي كشبح ألماني. لطالما كان تاريخه مأساوياً عندما كان القوة السابقة في العالم وحرية نزوة شخصية-باختصار، طالما آمن، وكان لا بد أن يؤمن، بامتيازاته الخاصة. طالما النظام القديم، كنظام عالمي مؤسس، كان يكافح ضد عالم كان ينبثق للتو، كان هناك خطأ تاريخي عالمي من جانبه لكن ليس شخصياً. سقوطه كان علاوة على ذلك مأساوي.

النظام الألماني الحالي، من جهة أخرى-مفارقة تاريخية، تناقض صارخ مع البديهيات المقبولة عالمياً، عبثية النظام القديم عرضت على العالم بأسره ليرى-فقط تخيل بأنه لازال يؤمن بنفسه ويسأل العالم أن يشاركه توهماته. إذا ما آمن بطبيعته، هل سيحاول إخفاء تلك الطبيعة تحت مظهر طبيعة غريبة ويسعى لخلاصه من خلال النفاق والمغالطات؟ النظام القديم الحديث هو بالأحرى مجرد مهرج لنظام عالم مات أبطاله الحقيقين. التاريخ شامل ويعبر من خلال عدة مستويات بينما يحمل الصيغة القديمة إلى قبره. الطور الأخير لصيغة العالم التاريخي هي ملهاته. آلهة الاغريق، الذين ماتوا مسبقاً مرة بجراحهم في مأساة اسخيلوس بروميثيوس المقيد، حيث أجبروا على الموت موتاً ثانياً-هذه المرة هي هزلية-في محاورات لوسيان. لماذا يسلك التاريخ هذا المسلك؟ وبذلك يمكن للبشرية أن تتخلى عن ماضيها بسعادة. نحن ندعو بهذا المصير التاريخي السعيد للسلطات السياسية في ألمانيا.[2]

لاحظ التشخيص الدقيق للنظام الألماني القديم على أنه النظام الذي
” فقط يتخيل بأنه لا يزال يؤمن بنفسه”-يمكن للمرء حتى التأمل في معنى الحادثة، ذلك أن كيركيجارد نشر في نفس الفترة، فكرته عن أننا نحن البشر ليس بإمكاننا أن نكون واثقين أبداً من أننا نؤمن: جوهرياً، نحن فقط ” نؤمن بأننا نؤمن.” صيغة النظام الذي ” فقط يتخيل بأنه يؤمن بنفسه” تأسر بدقة إلغاء السلطة التمثيلية (” الفعالية الرمزية”) للأيديولوجيا الحاكمة: لم تعد وظائف فعالة كهيكل أساسي للرابط الاجتماعي. وقد نسأل، ألسنا اليوم في الحالة نفسها؟ أليس وعاظ اليوم وممارسو الديمقراطية الليبرالية أيضاً” فقط يتخيلون بأنهم يؤمنون بأنفسهم” فيما يتلفظون به؟ في الواقع، سيكون من المناسب أكثر شرح التعبير الساخر المعاصر على أنه يمثل انقلاباً دقيقاً لصيغة ماركس: نحن اليوم، فقط نتخيل بأننا لا ” نؤمن حقيقة” بأيديولوجيتنا-بالرغم من هذه المسافة المتخيلة، نستمر في ممارستها. نحن لا نؤمن أقل لكن أكثر بكثير مما نتخيل بأننا نؤمن. كان بنيامين لذلك متبصراً حقا في ملاحظته أن ” كل شيء يعتمد على كيفية ايمان المرء بعقيدته.”[3]

سقط جدار برلين قبل إحدى عشرة سنة من 11/9 في تشرين الثاني 9/1989. بدا هذا الحدث كأنه إعلان عن بداية “التسعينيات السعيدة” يوتوبيا فرانسيس فوكوياما عن ” نهاية التاريخ “، الايمان بأن الليبرالية الديمقراطية فازت في المبدأ، ذلك أن حلول المجتمع الليبرالي الشامل كانت قاب قوسين أو أدنى، وتلك العقبات لهذه النهاية الهوليودية كانت تجريبية فحسب ومشروطة (جيوب محلية من المقاومين الذين لم يستوعب قادتهم بعد بأن زمنهم قد مضى). 11 أيلول، على العكس، رمز لنهاية الفترة الكلينتونية، وأعلن عن عهد كانت ترى فيه ظهور جدران جديدة في كل مكان: بين اسرائيل والضفة الغربية، حول الاتحاد الأوروبي، على طول الحدود الاميركية-المكسيكية، لكن أيضاً بين ولايات الدولة نفسها.

في مقالة للنيوز ويكNewsweek، وصفت كل من اميلي فلين فينكات وجينان برونيل كيف أن اليوم،

تنتشر ظاهرة الأعضاء -فقط في كل أساليب الحياة، مطوقة كل شيء من الشروط المصرفية الخاصة إلى عيادات الصحة للمدعوين فقط … هؤلاء الذين يقفلون بالمال بشكل متصاعد حيواتهم كاملة خلف أبواب موصده. علاوة على حضور الأحداث الإعلامية الضخمة، يرتبون لحفلات موسيقية خاصة، عروض أزياء ومعارض فنية في بيوتهم. يتسوقون لساعات، ولديهم جيرانهم (وأصدقاء مخفيين) موثوقي الطبقة والسيولة النقدية.

تنشأ الطبقة العالمية الجديدة هكذا” مع، لنقل، جواز سفر هندي، قلعة في اسكتلندة، قطعة أرض في مانهاتن وجزيرة خاصة في الكاريبي”-المفارقة هي أن أعضاء هذه الطبقة العالمية” يتناولون وجباتهم في الخفاء، يتسوقون سراً، يرون الفنون سراً، كل شيء في السر، سراً، سراً.” هم هكذا يخلقون حياتهم العالمية الخاصة لحل مشكلتهم المضنية التفسير، كما قال تود ميلي: ” لا يمكن للعائلات الغنية “دعوة الناس ببساطة وتتوقع منهم أن يفهموا ماذا يعني أن تملك 300 مليون دولار” ” فما هي اتصالاتهم بالعالم الواسع؟ إنها تأتي في صيغتين: أعمال وانسانيات (حماية البيئة، محاربة الأمراض، دعم الفنون، الخ.) هؤلاء المواطنون العالميون يعيشون حياتهم غالباً في طبيعة نظيفة جداً-سواء في رحلة على عربة ثيران في باتاغونيا أو السباحة في المياه الشفافة تقريبا في جزرهم الخاصة. لا يستطيع المرء إلا أن يلحظ أن واحدة من الميزات الأساسية لحال هؤلاء المصنفين أثرى الأثرياء هي الخوف. الخوف من الحياة الخارجية الاجتماعية نفسها. أهم الأولويات لـ” شبكة الأفراد الفائقي الثراء” هي بالتالي كيفية تقليل الأخطار الأمنية-الأمراض، التعرض لتهديدات جريمة العنف، وهلم جراً.[4]

بنى محدثو النعمة في الصين المعاصرة، مجتمعات معزولة مشكلة على هيئة المناطق الغربية المثالية ” النمطية”، هناك على سبيل المثال، بالقرب من شنغهاي نسخة مطابقة ” حقيقية” عن بلدة انجليزية صغيرة، بما فيها الشارع الرئيسي بحاناته، كنيسة انجيلية، محلات سينسبوري، الخ.- كل المنطقة معزولة عما حولها بقبة غير مرئية، لكنها لا تقل واقعية. لم يعد هناك تسلسل هرمي للمجموعات الاجتماعية في الأمة نفسها -سكان هذه المنطقة يعيشون في العالم من خلال ايديولوجيته المتخيلة،” الطبقة السفلى” المحيطة بالعالم ببساطة ليست موجودة. أليس هؤلاء “المواطنون العالميون” الذين يعيشون في مناطق منعزلة هم القطب المقابل الحقيقي لهؤلاء الذين يعيشون في أحياء الفقراء و “بقع بيضاء [5]” أخرى من الجو العام؟ هم فعلياً وجهان لعملة واحدة، نهايتين لطبقتين جديدتين منقسمتين. المدينة التي تجسد أفضل تجسيد ذلك الانقسام هي ساو باولو في برازيل لولّا، التي تتباهى ب 250 مهبط لطيارة هيلوكوبتر في منطقة مركز المدينة. لعزل أنفسهم عن أخطار الاختلاط بالناس العاديين، يفضل أغنياء ساو باولو استعمال الهيلوكوبترات، لذا بالنظر نحو سماء المدينة، يشعر المرء حقيقة كأنه في مدينة كبيرة مستقبلية من النوع الذي صور في أفلام مثل [6]blade runner أو [7]the fifth element، بينما الناس العاديين يتجمعون في الشوارع الخطرة في الأسفل يحلق الأغنياء على أعلى مستوى في الهواء.

وهكذا يبدو بأن يوتوبيا فوكوياما عن التسعينيات قد ماتت مرتين، طالما أن انهيار يوتوبيا السياسة الديمقراطية الليبرالية في 11/9 لم تؤثر على اليوتوبيا الاقتصادية للسوق الرأسمالية العالمية: إذا ما كان انهيار عام 2008 المالي حصل على معناه التاريخي عندها، فهي إشارة لنهاية الوجه الاقتصادي لحلم فوكوياما. الذي يعيدنا لما صاغه ماركس مجدداً عن هيجل: ينبغي على المرء أن يذكر أن هربرت ماركوس[8] في مقدمته للإصدار الجديد من “الثامن عشر من برومير” في عام 1960، دق مسمارا آخرا في النعش: أحياناً التكرار في مظهره الهزلي يمكن أن يكون أكثر إفزاعاً من المأساة الأصلية.

هذا الكتاب ينطلق من الأزمة الحالية كبداية، ينتقل تدريجياً إلى ” مسائل متعلقة” عن طريق كشف ظروفها وعلاقاتها. يقدم الفصل الأول تحليلاً لمأزقنا، بتلخيص الجوهر اليوتوبي للأيديولوجيا الرأسمالية التي حددت كل من الأزمة نفسها وتصوراتنا لردود الأفعال عليها. يسعى الفصل الثاني لتحديد سمات حالتنا التي تفتح الفضاء على صيغ جديدة من التطبيقات العملية الشيوعية.

لا يقدم الكتاب تحليلات حيادية لكن متورطة و”منحازة” جدا-لأن الحقيقة منحازة، لا يسهل الوصول إليها إلا عندما يأخذ المرء جانباً، وهي لا تقل عالمية لهذا السبب. الجانب المتخذ هنا هو، بالطبع، جانب الشيوعية. بدأ أدورنو[9] دراساته الثلاث عن هيجل بإعادة السؤال التقليدي عن مثالية هيجل بعنوان كتاب بينيديتو كروتشي[10] ماهي الحياة وما هو الموت في فلسفة هيجل؟ يفترض مثل هذا السؤال من جانب الكاتب، تبني لموقف متغطرس كحاكم للماضي، لكن عندما نتعامل مع فيلسوف عظيم حقيقة السؤال الحقيقي الذي يثير القلق ليس ما قد يبقى من أقوال هذا الفيلسوف، ما يمكن أن يعنيه بالنسبة لنا، لكن بالأحرى العكس، تحديدا، ما نحن، ما يمكن أن تكون عليه حالتنا المعاصرة، في عينيه، كيف يظهر عصرنا في أفكاره. ونفس الشيء يجب أن يطبق على الشيوعية-بدلاً من طرح السؤال الواضح” هل لا زالت فكرة الشيوعية موضوعية اليوم، هل لا زال من الممكن استعمالها كأداة للتحليل والاختبار السياسي؟” على المرء أن يسأل السؤال المعاكس: “كيف ببدو مآزقنا اليوم من وجهة نظر الفكرة الشيوعية؟” ها هنا يقيم جدل القديم والحديث: إنه هؤلاء الذين يقترحون خلق متواصل لمصطلحات جديدة (” المجتمع ما بعد الحداثي” مجتمع الخطر” ” المجتمع المعلوماتي” المجتمع ما بعد الصناعي” الخ.) رغبة في استيعاب ما يجري اليوم من نقص الإحاطة بما هو جديد حقيقة. الطريقة الوحيدة لاستيعاب الجدة الحقيقية للحديث هي تحليل العالم عبر عدسات ما كان “خالدا” في القديم. إذا ما كانت الشيوعية حقيقة فكرة “خالدة”، إذن هي تعمل ك ” الشمولية الصلبة” الهيجيليه: إنها خالدة ليس بمعنى سلاسل من معالم عالمية مجردة التي يمكن أن تطبق في أي مكان، لكن بمعنى ذلك الذي وجبت إعادة اختراعه في كل حالة تاريخية.

في الأيام القديمة الجيدة من الاشتراكية الوجودية الحقيقية، انتشرت نكتة بين المنشقين استعملت لتبيين عبثية احتجاجاتهم. في القرن الخامس عشر، عندما احتلت روسيا من قبل المغول، كان فلاح وزوجته يمشيان على طريق ريفي مغبر، توقف محارب مغولي على حصان بمحاذاتهم وقال للفلاح بأنه سيشرع الآن باغتصاب زوجته، وأضاف: “لكن لأن هناك الكثير من الغبار على الأرض عليك أن تمسك خصيتي بينما اغتصب زوجتك حتى لا تتلوثا”، ولما أنهى المغولي صنيعه وغادر بدأ الفلاح بالضحك والقفز فرحاً، زوجته المندهشة سألته:” كيف لك أن تقفز فرحاً وأنا للتو قد اغتصبت بوحشية في حضرتك؟” أجاب المزارع: ” لكني نلت منه، خصيتيه كساهما الغبار!” هذه النكتة الحزينة تظهر مأزق المنشقين هم فكروا بأنهم كانوا يوجهون ضربات قاسية لحزب طبقة نخبة الشيوعيين لكن كل ما كانوا يفعلونه كان تلويث تافه لخصى هذا الحزب بينما النخبة الحاكمة واصلت اغتصاب الناس.

أليس اليسار النقدي اليوم في وضعية مشابهة؟ (بين أسماء معاصرة إلى الأبد تلطخ على نحو تافه هؤلاء الذين في السلطة، نستطيع أن نسجل “الانتقاد” أو “حماية الحريات الشخصية” سحر ميجيل دو اونامونو[11] في مواجهة شهيرة في جامعة سالامانكا في عام 1936 أتباع فرانكو: “vencereis, pero no )convencereis””ستربحون، لكن لن تقتنعوا”)- هل هذا كل ما يمكن لليسار أن يقوله للرأسمالية العالمية المنتصرة اليوم؟ هل قدر لليسار أن يواصل لعب دور هؤلاء الذين على العكس يقتنعون لكن أبداً يبقون خاسرين وهل الاقتناع بشكل خاص يشرح رجعياً أسباب فشلهم؟ مهمتنا اكتشاف كيفية المضي خطوة للأمام. فرضياتنا يجب أن تكون: في مجتمعاتنا، حقق يساريون نقديون حتى الآن نجاحاً فقط في نفي هؤلاء الذين في السلطة، لما كان الهدف الحقيقي القضاء عليهم.

لكن كيف نستطيع فعل ذلك؟ علينا التعلم هنا من فشل السياسات اليسارية في القرن العشرين. ليست المهمة إجراء الإقصاء في مواجهة مباشرة مناخية، لكن تقويض هؤلاء الذين في السلطة بعمل نقدي أيديولوجي متأني، ذلك أنه بالرغم من أنهم لا يزالون في السلطة، يلحظ المرء بشكل مفاجئ كليا أن السلطات مبتلاة بأصوات عالية النبرة مصطنعة. بالعودة إلى العام 1960، سمى لاكان دوريته الغير منتظمة الصدور والتي لم تعش طويلاً على اسم مدرسته scilicet-لم يك المعنى السائد للكلمة اليوم هو الرسالة (“بالتحديد”، “يدرك “،”بمعنى آخر”)، لكن حرفياً “مسموح له أن يعلم”. (يعلم ماذا؟ – ما تفكر مدرسة فرويد في باريس عن اللاوعي…) اليوم، رسالتنا يجب أن تكون الشيء نفسه: إنها تسمح بأخذ العلم والارتباط الكامل بالشيوعية، للتحرك ثانية بإخلاص تام للفكرة الشيوعية. الليبرالية الإباحية هي توخي ما معناه-مسموح أن ترى، لكن ما هو ساحر جداً في المجون الذي سمح لنا بمشاهدته يمنعنا من معرفة ما هذا الذي نراه.

مغزى القصة: أن زمن الابتزاز الأخلاقي لليبرالية الديمقراطية انتهى. لم يعد على جانبنا الاستمرار بالاعتذار، في حين أن من الأفضل بالنسبة للجانب الآخر البدء عاجلاً.

 

[1] كارل ماركس، ” لويس بونابارت،” في استطلاعات من المنفى، المحرر والمقدم من قبل ديفيد فيرنباخ، هارموندسورث: بنجوين 1973، ص 146.

[2] كارل ماركس، ” مقالة لنقد فلسفة الحق عند هيجل،” في كتابات مبكرة، المقدمة من قبل لوسيو كوليتي، هارمونسورث: بنجوين1975، ص 247 8.

[3] فالتر بنيامين، gesammelte briefe, vol 1 , Frankfurt: suhrkamp verlag 1995, p 182.

[4] اميلي فلين فينكات و جينان برونيل، ” آه، الحياة المعزولة،” النيوزويك، 10 كانون الأول،2007.

[5] متلازمة البقع البيضاء: عدوى فيروسية.

[6]Blade runner فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 1982.

[7] ألعنصر الخامس فيلم من إخراج لوك بيسون عام 1997.

[8] هربرت ماركوس: (1898-1979) فيلسوف وعالم إجتماع ومنظر سياسي ألماني اميركي.

[9] تيودور أدورنو: (1903-1969) فيلسوف وعالم إجتماع ألماني عرف بنظريته النقدية للمجتمع وكان قياديا في مدرسة فرانكفورت.

[10] بينيديتو كروتشي: (1866-1952) فيلسوف إيطالي.

[11] ميجيل دو اونامونو: (1864-1936) كان كاتب مقالات اسباني وروائي، شاعر، وفيلسوف.

Read Full Post »

 

on_the_balcony-large

تم تحويل قصر ايرل[1] من القرن الثامن عشر، في القرن العشرين، إلى نادٍ. ولقد كان الخروج إلى الشرفة المطلة على الحديقة، ممتعاً، بعد العشاء في غرفة واسعة بدعامات وثريات تحت الضوء الساطع. كانت الشجرات مكتسية بكامل حلتها من الأوراق، و هناك قمر، يمكن للمرء أن يرى شرائط ملونة بألوان الزهري والقشدي معقودة على أشجار الكستناء. لكنها كانت ليلة مقمرة،  دافئة جداً، بعد يوم صيفي جميل.

كانت حفلة السيد والسيدة آيفيمي شرب قهوةٍ وتدخين على الشرفة. كما لو كان ذلك لإعفائهما من الحاجة للكلام، لتسليتهما دونما مجهود من قبلهما، دارت قصبات الضوء عبر السماء. وكان حينها الوقت سلماً، وكانت القوى الجوية تبحث عن طائرات العدو في السماء. دار الضوء، بعد توقف للتثبت من بعض النقاط المشتبه بها، كأجنحة طاحونة هواء، أو ثانيةً مثل قرون الاستشعار لحشرة ما ضخمة وكشف هنا حجراً مقابلاً شديد الشحوب، هنا شجرة كستناء وقد علتها الزهور، ومن ثم فجأة ضرب الضوء الشرفة مباشرة، ولثانية واحدة تألق قرصٌ ساحرٌ ربما كان مرآةً في حقيبة يد السيدات.

” انظروا!” هتفت السيدة آيفيمي.

مرَّ الضوء. وعادت الظلمة لتلفهم من جديد.

” لن تخمنوا أبداً ما رأيت بفضله ! أضافت. بطبيعة الحال، هم خمنوا.

” لا، لا، لا،” احتجت. لا أحد يمكنه أن يحزر، فقط هي تعرف، فقط هي من يمكنها أن تعلم، لأنها كانت حفيدة للرجل نفسه؟ أخبرها القصة. أيّ قصة. إذا ما رغبوا، سوف تحاول أن ترويها. كان هناك وقت كاف قبل المسرحية.

” لكن من أين أبدأ؟” فكرت ملياً. ” في عام 1820؟… لا بد أنه في ذلك الوقت كان جد أبي صبياً. حتى أنا لم أعد شابة”- لا، لكنها كانت بهيئة أنيقة جداً ووسيمة- ” وكان رجلاً عجوزاً جداً عندما كنت طفلة- عندما روى لي القصة. رجل عجوز وسيم جداً، بشعر أشيب أشعث، وعيون زرقاء. لا بد أنه كان ولداً جميلاً. لكن غريب… هذا كان أمراً طبيعياً،” شرحت، ” بالنظر للطريقة التي عاشوا فيها حياتهم.

كان الاسم كومبر. قدموا إلى العالم. كانوا نبلاء، ملاكي أراضي في يوركشاير. لكن عندما كان ولداً لم يكن قد بقي سوى برج. المنزل لم يكن شيئاً سوى منزل مزرعة صغير، واقفاً في وسط الحقول. لقد رأيناه منذ عشر سنوات مضت ومضينا.

كان علينا أن نغادر السيارة ونمشي عبر الحقول. لم يكن هناك أي طريق إلى المنزل. واقفاً لوحده تماماً، نمى العشب عند البوابة… كان هناك دجاجات ينقدن من حوله، تركضن داخل وخارج الغرف. كل شيء صار خرباً ومهدماً. أتذكر حجراً وقع من البرج فجأة.” توقفت. ” هناك عاشوا،” أكملت،” العجوز، المرأة والصبي. لم تكن زوجته، أو أماً للولد. لقد كانت مجرد. عاملة، الفتاة التي أخذها العجوز لتعيش معه عندما ماتت زوجته. وهو سبب آخر ربما منع الناس من زيارتهم- والسبب الذي جعل المكان بأكمله خرباً مخلعاً. لكني أتذكر معطف الحرب فوق الباب، والكتب، كتب قديمة، تعفنت. علَّم نفسه كل ما يعرفه من الكتب. قرأ وقرأ، أخبرني، كتباً قديمة، كتب بخرائط معلقة بالصفحات. سحبهم إلى قمة البرج- الحبل بقي هناك والدرجات المكسورة. هناك كرسي بقي في النافذة بمقعده الخرب، النافذة  تلوّح مفتوحة، الزجاج مكسور، والإطلالة على مدى أميال عبر السهول.

توقفت كما لو أنها في أعلى البرج تنظر من النافذة المفتوحة المتأرجحة.

” لكننا لم نستطع،” قالت، ” ايجاد التلسكوب.” تصاعدت في غرفة الطعام خلفهم قعقعة الصحون. لكن السيدة آيفيمي، بدت  مربكة على الشرفة، لأنها لم تتمكن من ايجاد التلسكوب.

” لم التلسكوب؟” سألها أحدهم.

” لماذا؟ لأنه لولا وجود التلسكوب،” ضحكت، ” لم يكن يتوجب علي الجلوس هنا الآن.”

وطبعاً كانت جالسة هناك الآن، بهيئة حسنة، امرأة في منتصف العمر، تضع شالاً أزرقاً على كتفيها.

“لا بد أن أكون هناك،” استأنفت،” لأنه، أخبرني، كل ليلة عندما يذهب الكبار إلى النوم كان يجلس إلى النافذة، ناظراً عبر التلسكوب إلى النجوم. المشتري، الثور، كاسيوبيا.” لوحت بيدها نحو النجوم التي بدأت بالظهور فوق الشجرات. كانت الظلمة تحل. وبدا ضوء الكشاف أكثر صفاء، يتجول عبر السماء، متوقفاً هنا وهناك للتحديق بالنجوم.

” هناك كانوا،” وتابعت، ” النجوم. و سأل نفسه، جد والدي- ذلك الولد: ” ما هم؟ ولم هم؟ ومن أنا؟” عندما يكون المرء، جالساً بمفرده، دونما أحد يكلمه، ناظراً نحو النجوم.”

كانت صامتة. نظروا كلهم نحو النجوم التي كانت تخرج من العتمة فوق الأشجار. وكثيراً بدت النجوم، أبدية، ثابتة. هدير لندن الغارقة بعيداً. مئة سنة لم تبد شيئاً. شعروا بأن ذلك الولد كان ينظر إلى النجوم معهم. بدوا كأنهم معه، في البرج، ناظرين عبر السهول إلى النجوم.

عندها قال صوت من خلفهم:

” أنت على حق. الجمعة.”

التفتوا جميعهم، داروا، وشعروا بعودتهم إلى الشرفة ثانية.

” آه، لكن لم يكن هناك أحد ليقول ذلك له،” غمغمت. نهض الثنائي ومشيا مبتعدين.

” لقد كان وحيداً،” استأنفت. ” لقد كان يوماً صيفياً جميلاً. يوم من شهر حزيران. واحد من تلك الأيام الصيفية المثالية عندما بدا كل شيء ساكناً في الحرارة. كان هناك دجاجات تنقد في فناء المزرعة،  الحصان العجوز يرفس في الاسطبل، العجوز يكبي فوق كأسه. المرأة تجلي الدلاء في حجرة الغسل. ربما وقع حجر من البرج. بدا كما لو أن اليوم لن ينتهي أبداً. ولم يكن لديه أحد يكلمه ولا شيء ليفعله. تمدد العالم كله قبالته. السهل يعلو ويهبط، السماء تلاقي السهل، أخضر وأزرق، أخضر وأزرق، إلى ما لا نهاية.

في الضوء القليل، رأوا السيدة آيفيمي تنحني من على الشرفة، بذقنها المستندة إلى يديها، كما لو كانت تنظر عبر السهول من فوق البرج.

” لا شيء سوى سهل وسماء، سهل وسماء، إلى الأبد،” غمغمت.

ثم تحركت، كما لو أنها تعيد شيء ما إلى موضعه الصحيح.

” لكن ما الذي يجعل الأرض تبدو هكذا عبر التلسكوب. سألت.

ثم قامت بحركة صغيرة سريعة بأصابعها كما لو أنها كانت تدور شيئاً.

” هو من ثبته،” قالت. ” ثبته فوق الأرض. ثبته فوق الغابة الضخمة المعتمة فوق الأفق. ثبته حتى يمكنه أن يرى… كل شجرة… كل شجرة بمفردها… والطيور… يحلقون ويهبطون …وتيار الدخان… هناك… في وسط الأشجار.
… ومن ثم… أدنى… أدنى…( أخفضت عينيها)… كان هناك منزل… منزل بين الأشجار… بيت مزرعة… كل قرميدة ظهرت… والأصص على جانبي الباب… والزهور فيها زرقاء، زهرية، قرطاسيا، ربما…” توقفت…”ومن ثم خرجت فتاة من البيت تضع شيئاً أزرق على رأسها… ووقفت هناك… تطعم الطيور… الحمائم أتت ترفرف حولها… ومن ثم… انظر… رجل… رجل…! خرج من الناصية. احتضنها بذراعيه! تبادلا القبل… تبادلا القبل.”

فتحت السيدة آيفيمي ذراعيها وأغلقتهما كما لو أنها تقبل شخصاً.

” لقد كان أول مرة يرى فيها رجلاً يقبل امرأة- بتلسكوبه- أميال وأميال بعيداً عبر السهول!”

“ثم هبط السلالم. هبط عبر الحقول. هبط الممرات الضيقة، فوق الطرقات السريعة، عبر الغابات. ركض لأميال وأميال، ولم يصل إلى المنزل إلا عندما ظهرت النجوم فوق الأشجار… مغطى بالغبار، يسيل منه العرق…”

توقفت، كما لو أنها رأته.

” ومن ثم، وثم… ما الذي فعله لاحقاً؟ ما الذي قاله؟ والفتاة…” ألحوا عليها.

سقط عمود من الضوء على السيدة آيفيمي كما لو أن شخصاً ثبت عدسات التلسكوب عليها. ( لقد كانت القوى الجوية، تبحث عن طائرة للعدو.) ارتفعت. كانت تضع شيئاً ما أزرق على رأسها. رفعت يدها، كما لو أنها واقفة في المدخل، مندهشة.

” اوه الفتاة… لقد كانت-” ترددت، كما لو أنها ستهم بالقول ” أنا” لكنها تذكرت، وصححت لنفسها. ” لقد كانت والدة جدتي” قالت.

التفتت لتبحث عن عباءتها. كانت على الكرسي خلفها.

” لكن أخبرينا- ماذا عن الرجل الآخر، الرجل الذي أتى عند الناصية؟” سألوها.

” ذلك الرجل؟ أوه، ذلك الرجل،” غمغمت السيدة آيفيمي ، متوقفة لتلملم عباءتها(غادر الكشاف الشرفة)،”افترض بأنه تلاشى.”

” الضوء” أضافت، جامعة أشيائها  من حولها، ” فقط يقع هنا وهناك”

مرّ الكشَّاف. وهو  مثبت الآن على السهل الفسيح لقصر باكينجهام. وقد حان موعد ذهابهم إلى المسرحية.

ترجمة: أماني لازار


[1] لقب انكليزي

 

 

Read Full Post »

 

جلست اليوم في حديقة النبات المهملة أقرأ قصيدة راينر ماريا ريلكه ” القرطاسيا الزرقاء” يصف  أوراقها بأنها ” خشنة وجافة” و زهورها الخيَميَّة مثل “ورقةِ رسالة قديمة زرقاء تلونت بمرور الزمن بألوان، الأصفر، البنفسجي، الرمادي.” قيل أن ريلكه كتب مسوَّداته الأخيرة على ورق قديم أزرق خاص بالرسائل. متأملاً الزهور هذا الأسبوع مع تلك الظلال الزرقاء المتجمعة في متاجر الزهور في باريس، تنبهت إلى عند البشر وصلابتهم بالرغم من أن حياتنا قصيرة .

تعرفت للمرة الأولى إلى حديقة النبات(المفتتحة في عام 1626 كحديقة للنباتات الطبية) في قصيدة ريلكه ” الفهد” (المكتوبة عام 1903)، واحدة من عدة قصائد كتبها عن الحيوانات في الأسر، وفيها يصف نظرة الفهد المنكسر خلف قضبان القفص: ” وراء القضبان المتوالية أصبحت عيناه/ من شدة التعب لا تلتقطان شيئاً”[1]

و النمر مثلي، مسافرٌ معتزل، يعدو، كما أفعل أحياناً، بكآبة حادة. ثم، فجأةً، عندما يفتح عيونه الجميلة، ينفذ العالم إليه:

يحدث لبؤبؤه أحياناً أن يرفع غشاوته

دونما صخب، فتنفذ إليه صورة

وتجتاز القوس المتوترة الصامتة، قوس الأعضاء

ثم تكف عن النبض عندما تبلغ القلب.[2]

في مقالة لريلكه عن أوغستين رودان، كُتبت في نفس العام ، وصف زيارات النحات إلى حديقة النبات في الصباح الباكر ليرسم مخططاً أولياً للحيوانات النائمة. ولاحقاً، في استديو رودان في شارع الجامعة، لاحظ قالباً من طراز عتيق، صغير، من الجص لفهد احتفظ به رودان: ” يوجد قالب صغير لفهد، صنع في اليونان،…. إذا ما نظرت من الأمام تحت جسده في الفراغ المتشكل ببين الأقدام الناعمة القوية الأربعة، ستبدو كما لو أنك تنظر في أعماق معبد حجري هندي، ويتحول هذا العمل ليصبح ضخما جداً شاملاً لكل شيء.

على الجهة الجنوب- شرقية من حديقة اللوكسمبورغ، يوجد مشغل لتربية النحل(rûcher-école)، ولافتة صغيرة تحذر من خطر عبور النحل. تبدو الخلايا كمنازل صغيرة من العصر الفيكتوري بأسطح من المعدن المزخرف.

هذا المكان الخاص بتربيه النحل موجود منذ القرن الماضي، ويمكن للمرء أن يشتري العسل اللذيذ الذي تنتجه النحلات، أحياناً، أمر به، آتي بكرسي معدني وأجلس لأقرأ لساعة أو ساعتين، والنحلات العديدات- العاملات والمغنيات-ذلك أن الصوت يكاد  يكون في رأسي ، كما لو أن آلية دماغي قد تم تسجيلها وبثها عبر مكبر صوت. في الصباح عندما قررت ملكة القفير أن تمنح نفسها للتلقيح، خرجت محلقة من الظلال نحو نور الشمس، الذي لم تشعر به من قبل، وبما أن هناك الكثير من الخطر- الطيور، الريح، الحشرات- لذا لحق بها الجند الذكور، واحد منهم سوف يجتمع بها لوقت قصير في الهواء. ثم، بالعودة إلى القفير، تعود الملكة عبر ستائر من شمع ذهبي وعسل ليرحب بها من قبل مجموعات صغيرة  من الذكور الذين يساعدونها كي تزيل أحشاء حبيبها، ومنها عضوه، الذي لم تعد بحاجة إليه ، وقد صار سائله في عضوها.

يمكن للمرء أن يقول بالفرنسية، je suis seul ( أنا وحيد) أو Je me sens seul( أشعر بالوحدة)، لكن لا شيء أكثر إيلاماً من ” أنا مهجور” أو ” أنا اشعر بالوحشة” أو ما هو أسوأ، ” أنا متوحد”. قصائدي الأولى كانت في معظمها عن الوحدة. كان أبي عسكرياً وأخوتي كانوا رياضيين، لذا كنت دائماً أتطلع نحو طريقة مختلفة لأثبت رجولتي. واحدة من وظائف الشعر الغنائي هي  البحث في ثنايا الروح واستكشاف الزوايا الأكثر اعتاماً فيها. افكر تواً في هوبكينز، الذي أحبُّ قصائده. أكره الاضطرار للاعتذار، أو الدفاع عن الانطواء. لقد كانت الشاعرة الاميركية ماريان مور من قالت بأن العزلة شفاء الوحدة، لكن إذا ما قضيت كثيراً من الوقت وحيداً، سأدعى égoïste ، أو أناني. بالتأكيد، من المستحيل أن تكون كاتبًا دون أن تكون égoïste.

أخبرتني أمي وهي تحتضر، بأنها كانت وحيدة طوال حياتها. توفيت توأمها عند الولادة. عاشت في الفقر والحرب. وقضى أول مولود لها. تركها زوجها. عملت بمشقة ولكنها لم تكن مسرورة أبداً. كان لديها ألم مزمن في الظهر وأصبحت مدمنة على المسكنات، الذي أدى إلى أذى عقلي ومحاولة انتحار، مجبراً إياها أن تدخل المشفى للعلاج. برغم ذلك كان لديها حس الفكاهة، وضحكنا عندما كنا معاً. آخر ذكرياتي عنها هي النظر من تحت الغطاء لقول وداعاً. أصبحت فرنسية ثانية. قالت “Je suis prête à m’allonger,” ما يعني” أنا جاهزة للاستلقاء”

هذا الصباح، سائراً نحو جبل القديسة جنفييف، عبرت نهر السين نحو Les Halles ( السوق المركزي، أو ” بطن” باريس)، وتوقفت عند مركز بومبيدو لأرى تجهيزات فيليكس غونزاليس- توريس-  مكونة من حبل مفرد مجدول ساكن من اللمبات المعلقة بمواجهة جدار شاحب.

أتساءل، ماذا يعني توهج المصباح؟ هل هذا رسم تصويري للنفس؟ في عام 1996، مات غونزاليس تورريس بسبب مضاعفات متعلقة بالايدز. هل هذه صورة لعزلته؟ هل كان égoïste   مثلي؟ في عمل تجريدي آخر- ” بلا عنوان”(عشاق مثاليين)- تم عرض ساعات متطابقة علناً تلامس إحداها الأخرى على ضوء الجدار الأزرق. الرسالة التي كتبها غونزاليس لشريكه، الذي مات قبله، تشرح المعنى المحتمل للعمل: ” لا تخف من الساعات، إنها وقتنا، وقت كان كريماً جداً معنا. لقد دمغنا الوقت بطعم الانتصار الحلو… نحن غلال الوقت، ولذلك نعيد الأمانة لأصحابها: الوقت. نحن متزامنين، الآن وإلى الأبد. أحبك.”

التقيت الليلة الماضية، جيمس لورد ثانية في شقته وجلبت معي باقة من التوليب البنفسجي، حيث وضعها حالاً في مزهرية على جانب طاولة في غرفة المعيشة. وبينما أصب لنفسي الويسكي، قال بأن الويسكي والصودا- أو” نصف- نصف” كما سماها- كانت مشروبه المفضل لسنوات، لكن الآن شرابه المفضل هو الكولا الخاصة بالحمية. جلسنا في مطعم Le Voltaire ، على نفس الطاولة التي جلسنا عندها سابقاً، وأشار جيمس إلى ما سماه (بيض جيمس) على القائمة. وقال أن البيض لطالما كان واحد من أفضل الأشياء التي يحب أن يطلبها. و يشتكي عندما لا يكون على القائمة ، لذا أعاده المالك عند السعر الأصلي وحدده على شرفه. شجعني جيمس كي أطلب شرائح رقيقة filet mignon,، حتى وإن كانت غالية الثمن، مصراً على أن” الشاعر الحديدي يحتاج إلى اللحم الأحمر الآن وفي كل حين.” وخلال تناولنا وجبتنا، أخبرني بأنه حصل على ما يريد من الحياة، ولذلك فهو راض. وأخبرني بأن شريكه، جيلس، كان أفضل شيء حصل له.

ثانية، ناقشنا ” سر جبل بروكباك” الفيلم المؤثر عن اثنين من مربي الماشية يقيمان علاقة متقطعه- وسواء كانت ” قصة حب عالمية”، كما تريد لنا هوليود أن نصدق، أو مأساة مثليين أخرى تسجل آثار فوبيا المثلية. اتفقنا بأنها لم تكن عن الحب، لكن عن الآثار المؤذية للخلوة. علاوة على ذلك، ولا واحد منا سيحتمل أن يراه ثانية.

كتبت  آني بروكس في القصة ، ” ما تذكره جاك وتاق إليه في طريقة لن تسعفه لا في الفهم ولا في الشفاء تلك الأوقات ذلك الصيف البعيد على جبل بروكباك عندما أتى انيس من خلفه وضمه إليه، أرضى العناق الصامت بعض الجوع إلى الرفقة والجنس.

زرت اليوم ديرولز، متجر المحنطات في الدائرة السابعة، في شارع دو باك- حيث يمكن للمرء أن يشتري فراشة، خنفساء، حمل، أو دباً أسود. عدت للبيت مع حسون استرالي. جبهته، عنقه، ورأسه رمادي لؤلؤي بهالات سوداء حول العينين، ومؤخرته وبطنه أبيضان، مشح زهرية على السيقان، وكان يرتدي مريلة سوداء.

هجر مثلي، المناطق الآهلة، وفضل الغابات؟ أغنيته صفير لين أجش، وصراخه المرعب حلو بشكل غريب. يأكل في الغالب البذار لكن أيضاً الحشرات الطائرة، النمل، والعناكب. هو سكير اجتماعي، يرتشف رشفات طويلة. عليَّ رغبة بالحفاظ عليه، أن اقوم بتنظيفه مرتين في العام ” بنعومة ولطف بمنديل مرطب بالجازولين الأبيض.” لقد سميته كيتس، لأنه يذكرني بالسوناتا: يا أيتها العزلة!… لا بد أن تكوني / أنبل نعمة للبشر،/ حينما توسوسين لروحين شقيقتين بالهرب”.

 

 


[1] ترجمة كاظم جهاد

[2] ترجمة كاظم جهاد أيضاً

 

Read Full Post »

 

هنري كول- ترجمة : أماني لازار

عن النيويوركر

صادفت اليوم خمسة عشر حصاناً يهبطون جادة الطريق. كانت ألوانهم من درجات البني و ارتدى ممتطيهم معاطف سوداء، بسيوف طويلة ذهبية مدلاة من خصورهم، توافقت مع مهاميزهم وأربطة الذقن على خوذاتهم. سمعتُ حوافر الخيل تضرب الرصيف قبل أن يظهروا، وعندما توقفوا عند التقاطع، نحن الذين كنا على الرصيف، وفي السيارات وعلى الدراجات، لم نستطع إلا أن نقف وننظر إليهم، مبتسمين و الريح تلعب بذيولهم الممشطة. عالياً، تبادل الخيالة الوسيمون الحديث فيما بينهم، وعندما فتحت الإشارة الضوئية، رفع واحد منهم عند المقدمة يده، ليعبروا جميعهم جادة سان ميشيل نحو حدائق اللوكسمبورغ. انعطفوا لاحقاً نحو مكتب البريد، التقيت بالخيل ثانية في الهواء الرائق البارد وبدت كتيبتهم لي مثل عضلة شعرية تمرن نفسها لتبقى قوية، الحركات الدقيقة لكل حصان وخياله مثل سطر في قصيدة يتحرك عبر صفحة بيضاء، ممثلاً أعلى درجات التحكم- من الاختيار والحذف- عندما تجتمع اللغة بالفن.

***

تناولت العشاء الليلة الماضية مع جيمس لورد، كاتب سيرة بيكاسو وجياكومتي، في فندق غير معروف في الجانب المقابل لمبنى جيمس في شارع الفنون الجميلة- فندق الألزاس سابقاً، واحد من مجموعة فنادق رخيصة حيث قضى أوسكار وايلد أيامه الأخيرة، مصاباً بـ “تسمم عضلي”، كما سماه، و تسبب ببقع في ذراعيه، صدره، وظهره الذي جعل من الصعب بالنسبة له التوقف عن الحك. بسبب هذه الحكة، لم يشخص المرض على أنه الزهري، بالرغم من أنه كان مؤكداً إصابته بالسفلس في الأصل.

زار طبيبه الغرفة رقم 16 ثمان وستون مرة خلال أسابيع وايلد الأخيرة، عندما أصبحت الأعراض أشد خطورة ، مسجلاً التقرير التالي:” يوجد تشوش عقلي ملحوظ ينبع من تقيح قديم في الأذن اليمنى…التشخيص يجب أن يكون بلا شك التهاب السحايا.” مات وايلد في غياب العائلة، ومسح القس الزيت المقدس على يديه وقدميه، بالرغم من أنه لم يكن كاثوليكياً. تسجل سيرة ريتشارد ايلمان الذاتية المؤثرة اللحظات الأخيرة: “.. بدأت بحشرجة موت قوي وصاخب، مثل انعطاف ذراع التدوير. خرج زبد ودم من فمه في الصباح، وفي الساعة الثانية إلا عشر دقائق عصراً مات وايلد… كان يلتقط بصعوبة بالغة أنفاسه الاخيرة عندما انفجر الجسد بالمواد السائلة من الأذن، الأنف، الفم، والفتحات الأخرى.

عندما وصلت إلى سفرة مصعد جيمس، استقبلني بالـ (biso[1]us)- قبلات ودية- بدلاً من المصافحة الاميركية المعتادة ، وقدمت له باقة من الزنبق الزهري، الذي وضعه من دون إبطاء في وعاء فضي طويل كان لوالده. جلسنا في غرفة المعيشة، حيث شرب جيمس الكوكا الخاصة بالحمية و ارتشفت أنا الويسكي- هو تحت لوحة كبيرة لجياكومتي،  العمل الفني الأكثر سطوة في الشقة، الذي تطلب ثمانية عشر جلسة من جياكومتي كي ينهيه.

علمت ذلك من كتاب جيمس الصغير مدوناً زياراته لاستديو جياكومتي. كتب جيمس في فصل “تصاوير مقبولة”، “من بدايات المدنية كان الشكل البشري هو أكثر ما شغل بال الانسان. ما نبحث عنه ونقدره في العمل الفني هو الوثيق الصلة بالحياة البشرية، إنها العلاقة العاطفية و والواضحة بالرؤية التمثيلية لجوهر الحياة. باختصار، البورتريه هو استجابة الفنان الأكثر عمقاً وتعبيراً عن الحياة.

لبس جيمس في العشاء سترته من الجوخ المعلق عليها وسام الشرف الوردي.

بسؤاله عن مذكرات همنغواي عن سنواته المؤثرة ككاتب في باريس، “مأدبة متنقلة”، لم أكن متفاجئاً لسماعه يقول بأنه كان كتاباً جديراً بالازدراء من قبل كاتب بارع .

ظن همنغواي بأن جيرترود ستاين اعتبرته “رجعي فيما يتعلق بالجنس”، لذا اعترف في أحد الأيام  بتحيزه فيما يتصل بالمثلية الجنسية. كانا يشربان الـ ea[2]u-de-vie  وفجأة راحت المحادثة تحفها المخاطر، عندما أكدت ستين أن: ” الشيء الأساسي هو أن ما يرتكبه المثليين من الذكور بشع وبغيض وفيما بعد يشمئزون من أنفسهم. هم يشربون، يتعاطون المخدرات،  لتلطيف ذلك،  لكنهم يشمئزون من هذا الفعل وهم دوماً يغيرون الشركاء ولا يمكنهم أن يكونوا سعداء بالفعل.” يجيب همنغواي بهدوء، أرى ذلك.” لكن ستين تصر قائلة بأن النساء عكس الرجال، لا يفعلن شيئاً يثير الاشمئزاز أو النفور علاوة على أنهن يعشن حياة سعيدة معا بخلاف المثليين من الرجال.

أصر جيمس بأن ستاين لم تكن صادقة. وهو أيضاً لا يصدق حادثة الشجار التي سمع بها همنغواي مصادفة مع أليس ب توكلاس، التي تتكلم مع ستاين بطريقة ” لم أسمع أبداً شخص واحد يتحدث إلى الآخر، أبداً، في أي مكان، أبداً.” يصف همنغواي صوت ستاين تلتمس وتستجدي،” لا، هرتي[3] .لا . لا، أرجوك لا. سوف أفعل أي شيء، هرتي، لكن أرجوك لا تفعلي. أرجوك لا. أرجوك لا تفعلي، هرتي.”

هل كذب همنغواي حول هذا المشهد الحميم؟ هل يمكن للكذبة أن تكون حقيقة في جوهرها؟ هل يمكن لها أن تكون قصة لا لبس فيها- حتى لو لم يستند المرء على وقائع حقيقية- تحتوي بعض عناصر حقيقية، التي مثل الكذبة، تم اختراعها من أجل الفن؟ عند العودة الـ” إصدار مرمم” من ” مأدبة متنقلة”، هناك نسخ من أجزاء مكتوبة بخط اليد للمقدمة: ” هذا الكتاب أدب قصصي.” ” هذا الكتاب كله خيال والخيال ربما يلقي بعض الضوء على ما كتب كواقعة.” ” هذا الكتاب خيال والكثير من الأشياء تغيرت في الواقع في محاولة لجعله تصويراً للزمن الأصلي.”

الشعر مختلف عن القصّ. الشعر ليس تلك الكذبة التي تروي الحقيقة. القصيدة يجب أن تحترق بلهب يتلمس الحقيقة ويكون سيمفونية لغوية صغيرة ، أيضاً. تحتوي قصائدي غالباً أحداثاً حقيقية وتفاصيل من الحياة، ولكن لا أريد لها أن تكون كتدوين اليوميات. أريد أن اخترع كلمات تخيلية لتبدو أنها ملكي تماماً- لا اعتراف ولا تلخيص.

تسلقت جبل القديسة جنفييف ،عائداً إلى المنزل وحيداً مشياً على الأقدام، تحت بدر التمام.

***

قابلت اليوم المترجمة كلير مالرو ، عند سياج الليلك في جادة مونبارناس التي أشار إليها همنغواي أيضاً في ” مأدبة متنقلة”- المقهى الذي يحافظ على أجواء العالم القديم، بالبار المصنوع من الزنك والمقاعد المنجدة من الجلد الأحمر. كان يوما بارداً، كئيباً، وبقيت مرتدياً معطفي لوهلة منتظراً كلير في البهو، متأملاً سرطانات البحر الخاملة في بركة مظلمة كبيرة.

تناولنا الطعام في أرخص الحانات، حيث رددت النادلة كلمة “bingo ” في كل مرة  قدمت لنا فيها شيئاً- لأنها كانت كلمة انجليزية، وهي لاحظت بأني لم أك فرنسياً. عزف كهل في الغرفة المجاورة على بيانو كبير مطلي بالأسود.

تحدثت كلير عن عملها. بخلاف العديد من الشعراء الأميركيين، هي لم تعلِّم أبداً. قضت طفولتها المبكرة في قرية ريفية، حيث كان والديها مدرسان في ابتدائية. اعتقل والدها لانخراطه في المقاومة الفرنسية، ومات في المخيم النازي في بيرجن بيلسن. وصفت في كتابها ” رحيل الشمس الطويل” لحظة رحيل والدها الشاب. رن جرس الباب ” طويلاً وعالياً” ذات صباح وذهب ليرد. انتظره شرطيان بينما حزم ماكينة الحلاقة وفرشاة الأسنان، ولاحظت كلير انعكاس وجهه في المرآة فوق المغسلة. الحادثة قصيرة. آخر نظراتها إليه كظل في خلفية سيارة سيتروين.

لا أستطيع تخيل امتلاك ذكريات مثل هذه تلاحقني طوال حياتي. هذه جزئياً، لا بد أنها السبب الذي جعل كلير تكرس العديد من السنوات لترجمة اميلي ديكنسون ووالاس ستيفنز، الشاعرين اللذين يذكروننا باستمرار بفناء الجسد.

أقرأ ترجمتها إلى الفرنسية لآخر قصائد ستيفنز،” الصخرة”،  التي نشرت اللوموند، الصحيفة الفرنسية اليومية المسائية،  عنها مراجعة ملأت صفحة كاملة . في هذه القصائد، وفقاً للناقدة الشعرية هيلين فيندلر، أصبح ستيفنز الـ “الملحمي الصامت” للأرض:

العالمَين نيام، هما نائمين، الآن.

إحساس البكم يتملكهم بنوع من المهابة.

النفس  والأرض- أفكارك، مشاعرك،

إيمانك وشكوكك، سرك الفريد كله…

(” العجوز نائماً”)

 

ترجمت كلير السطر الثالث من قصيدة ستيفنز  : Le moi et la terretes pensées, tes sentiments و تفاجئت من أن نفس= (Moi) ،  في الفرنسية، لا يوجد كلمة منفصلة أخرى لوصف الوجود المستقل أو، الأساسي، الكلي للشخص( الذات الفردية) عدا ضمير المتكلم، اسم المفعول من ” أنا”.


من الصعب التفكير في شعر غنائي- يعرض صورة شعاعية للـ الذات في لحظات الوجود -بدون أي كلمة منفصلة عن “ذات”. هل يمكن للتشوش الغريب للسطور أن ينقل ذلك اليأس بدونها؟ ربما هي أداة التعريف قبل moi- le moi- هذا كافياً لجعلها مختلفة كلياً عن ضمير المتكلم، لذا تلك الـ
هي المفعول ( الذات).  Le moi هي فاعل (أنا)،  عرف ستيفنز بأية حال الفرنسية عن كثب، ولا بدً كان مطلعاً على هذه الاختلافات الدقيقة. بالرغم من أنه سافر مرة واحدة خارج الولايات المتحدة إلى هافانا، لقد كان متعطشا للثقافة الفرانكوفونية معنوناً قصائده بـعناوين فرنسية مثل: “Esthétique du Mal” و “Le Monocle de Mon Oncle.”، محتجاً بأن زوجته لم تكن رفيقة جيدة للسفر، فنادراً ما جازفا بالسفر بعيداً عن بيتهم الهادئ في هارتفورد. كتب  إلى صديق يزور فرنسا ،” عند موتي سيعثر على قلبي منحوتاً عليه ، برفقة الأحرف الأولى من الفتيات الجذابات  اللاتي عرفتهن، اسم aix en province .

La closerie des lilas  يعني سياج شجيرات الليلك، وعلى طاولتنا كانت هناك مزهرية صغيرة من الفريزيا بالغة الرقة. اعترف بأني أحب الناس المغرمين بالزهور. بالرغم من صعوبة تقدير خصالهم الخارقة عبر الكلمات، أحاول ثانية وثانية، كما في قصيدتي “مزهرية الليلك “:

ماتت ليلكاتي اليوم، عن عمر قصير في المزهرية.

راقبت ارتحالهن الأسبوع بطوله،

انتفخت رؤوسهن الجافة معاً بشيء ما

كالغضب، في ردٍّ موجز

على النهاية،  كما لون أنها قد حنطت سراً.


[1] بالفرنسية في الأصل

[2] نوع من البراندي

[3] Pussy في الأصل

 

 

Read Full Post »

أيلول 19/2012

شارع الشاعر الحديدي

هنري كول- عن النيويوركر

 

تقع شقتي الصغيرة في الحي اللاتيني على شارع القِدْر الحديدية ( rue pot de fer)، الذي أعدتُ تسميته بشارع الشاعر[1] الحديدي. كان عليَّ أن أستمر بالتنظيف لأيام عديدة كي أشعر بالارتياح، لكنها الآن بيت، وها أنا أبحث عن غلّاية الشاي وكرسي الحمام. يقع الحي على جبل القديسة جنفييف- تلهٌ تقع على الضفة اليسرى لنهر السين في الدائرة الخامسة- ممتلئ بالطلبة، المكتبات، البارات، وصالات السينما، وتشعر فيه وكأنك في قرية. جنفييف هي القديسة الحامية لباريس. تقدَّمت في العام 451 للميلاد، صلاة طويلة والذي قيل بأنها أنقذت باريس بإبعاد أتيلا الهوني عن المدينة. وفي عام 1129، عندما كانت المدينة تعاني من التسمم بالأرغوت( المرض الذي ينتج عن فطريات تصيب الجاودار والحبوب الأخرى)، الذي يؤثر على الجملة العصبية ويتسبب بالهذيان وحالة من الذهان ومن أعراضها التشنج، الإسهال، الحكاك، صداع، غثيان، والإقياء الذي يؤدي إلى الاستسقاء وأخيراً الموت، توقف الوباء بعد أن حُملت جثة جنفييف في موكب عام عبر المدينة.

***

تلقَّيت البارحة حقنة انفلونزا، بالرغم من أنها لن تحميني من انفلونزا الطيور الذي تُعرض عنه التقارير يومياً في أخبار التلفزيون، بتسجيلات مصورة مؤثرة عن الطيور المحلقة نحو فرنسا. اشتريت اللقاح من صيدلية محلية بخمسة عشرة دولاراً فقط وأخذت موعداً مع ممرضة من الحي ( اختيرت من دليل الهاتف) لتعطيني الحقنة، محتفظاً بعلبة اللقاح في الثلاجة. كلَّفت الحقنة 4-50 فقط ولم تلبس الممرضة القفازات كما أنها لم تتحدث الانجليزية، لكنها أعجبتني وسوف تعود إذا ما أصابني المرض خلال  الشهر الذي أقضيه في باريس. دواء التاميفلو الغالي الثمن ليس متوفراً بعد، إلا لهؤلاء الذين أبتلتهم فيروسات قاتلة.

***

تُرجمت ستة من قصائدي مؤخراً إلى اللغة الكتالانية، اللغة التي لم يستطع نصف قرن من الفاشية أن يمحوها. أتساءل، هل للشعر الاميركي هذه الصلابة؟ أقضي معظم الوقت في البيت عندما أكون في بلد أجنبي، بجانب رفٍّ من الكتب الانجليزية. إنها لغة البلد الذي أتيت منه ، بالرغم من أن أمي كانت تعتبر أول فرنسية من الجيل الأول وتكلمت الفرنسية والأرمنية كفتاة. هاجر أهلها إلى مرسيليا من آسيا الصغرى، بعد الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، وعملت في شبابها في القاعدة العسكرية الأساسية لتبادل البريد، حيث التقت بوالدي ذلك الجندي الأميركي. إخوتي الأربعة وأنا شكلنا أطفال الجيل الأميركي الأول. كان لأمي لكنة جميلة لكنها كانت تسبب لها الإحراج بالإضافة للأخطاء القواعدية. لذا فالفرنسية ليست لغتي الأم بالرغم من أنها لغة أمي.

***

الاستمرار في الكتابة يعني بأني تعلمت أن لا أقلع.

الريبة فضيلة، والتساهل من الريبة.

***

تمشيت عبر باريس عصر هذا اليوم، من شارع دو جرونيل إلى برج ايفل، رمز المدينة، مطلاً على الجسور الجميلة التي تصل بين ضفتي نهر السين، عنصرٌ جامع
( هل هو مذكر أم مؤنث؟)، ومتاح للجميع. استغرقت الرحلة ساعة ونصف لاجتياز المدينة مشياً على الأقدام، وعندما وصلت لم يكن من سياح هناك، لذا صعدت إلى الشرفة الثانية، حيث لم يكن سوى مجموعة صغيرة تنتظر المصعد ليحملهم أعلى أعلى وأعلى. عندها اشتريت بطاقة وسرعان ما كان يحلق عالياً عالياً عالياً، مثل حمامة، أو صاروخ. كان الطقس عاصفاً ومشمساً عند القمة. شعرت بارتياح للقيام بهذه الرحلة التي فكرت بها طوال حياتي، منذ المرة الأولى التي رأيت فيها أروع ثمانية أفلام عن طفولتي، التي كنت فيها ولداً صغيراً ممسكاً بأيدي والدي الشابين الزائرين من الجنوب.

***

زرت اليوم نصب بودلير، الذي ينام في وسط باريس- في ظلال القيقب، الدردار، الغار، والصنوبريات- في مقبرة منوبارناس. فكرت بأني أريد أن أكون بودليرياً أكثر، والذي يعني عدم التخوف من النحس. أيضاً أقل غنائيةً.  تحدثت إليزابيت بيشوب[2] في رسالة إلى روبرت لويل[3]، عن كيف يمكن أن يكون لكلمة واحدة  قدرة هائلة في سطر من الشعر واستعملت مثالاً من قصيدة لبودلير بعنوان ” الشرفة”: les soirs    illumines par l’ardeur du charbon-  أو ” تضاءُ المساءاتُ بفحمٍ محترقْ.” إنها الـ ” فحم” التي تفاجئ القارئ وتوضح الفهم. الشعر هو اللغة التي لا تغلق في وجهنا، بل تمنح الوجه الآخر للتجربة.

***

تعاطى بودلير في آخر أيام حياته الأفيون وشرب حتى الثمالة، أصابته جلطة دماغية نتج عنها شلل وفقدان القدرة على الكلام. مات مثقلاً بالدين، الذي سددته أمه. تستكشف قصائده الطبيعة المتغيرة للجمال في باريس الصناعية. ديوانه ” أزهار الشر” (1857) أغنية جميلة للرومانسيين. حركت الحكومة عند ظهوره الدعوى ضده باعتباره مسيئاً للأخلاق العامة. في قصيدة بيشوب ” الخليج”، ظهر في وصفٍ للمد:
” يستطيع المرء أن يقتصَّ أثره متحولاً إلى غاز، إذا ما كان هذا المرء بودلير/ربما يمكن  للمرء سماعه متحولاً إلى موسيقى الماريمبا[4].” مشيرة إلى أفكار بودلير المتعلقة باللون والصوت. لكن أيضاً، اكتشافها لشيء ما ظريف وسط الرعب( الشِّباك، المراكب بالخطافات والكلَّابات، الطيور مثل المقصات والمناقير، إلخ.) إنها لمسة بودلير، “المخيفة لكن المبهجة” (بيشوب).

***

يُظهِر النُّصب بودلير ملفوفاً مثل مومياء برأسه الأصلع، على بلاطة ترتفع بضع إنشات عن الأرض. عندما كنت هناك، كانت السماء كئيبة وحلق خفاش فوق رأسي. تركت باقة زهور صغيرة من رحلة الحج. لم أسمع أية موسيقى ماريمبا، أو حتى مزمار كئيب. بدلاً من ذلك، شعرت بالقلق، وقرأت قصيدة تدعى ” امتلاك” : ” أرى السواد، الفراغ، والخواء!”

تذكرت قصيدة بيشوب الماورائية ” رصيف أورليانز”” وأنا أمشي في جزيرة سان لويس، القصيدة المنقوشة على نهر السين وواحدة من عدة قصائد عن باريس التي تجد فيها الشعور العاطفي المكثف محفوظاً عند الخليج. وصفت الافتتاحية المشهد:

كل مركبٍ في النهر يتركُ بسهولة

أثراً هائلاً،

ورقة بلوط عملاقة من الأضواء الكئيبة

على الرمادي الفاتر،

وخلفها تعومُ أوراق حقيقية،

منحدرة نحو البحر.

ثم ينادي المتكلم صديقاً:

” إذا كان ما نراه يمكنه أن ينسانا إلى حد ما بسهولة،”

أود إخبارك،

“كما هو الحال نفسه- لكن مدى الحياة لن نتحرر

من متحجرات الأوراق.”

***

يوجد خلف هذه السطور فصلٌ رهيب، حادث سيارة أجبرت فيه بيشوب وصديقتيها على الخروج عن الطريق بينما كن يقدن في بورجندي لرؤية الكنائس. رميت النساء الثلاثة من سيارتهن التي انقلبت، وفقدت صديقتها مارجريت ميللر بنتيجة الحادث يدها وساعدها الأيمن. قضت الأشهر التالية في شقة في باريس في ” رصيف أورليانز”، بانتظار خروج مارجريت من المستشفى. تتأمل بيشوب في مفكرتها بعمق اليد المقطوعة:

طُرحت اليد الممدودة على جانب الطريق في العشب البني الناعم وتكلمت بهدوء إلى نفسها. كان كل ما يمكن أن تفكر فيه أولا هو إمكانية التئامها بسرعة مع جسدها، بدون إضاعة الوقت أكثر مما ينبغي، مطلقاً.

” أوه، يا جسدي المسكين! أوه يا جسدي المسكين! لا يمكنني تحمل خسرانك. بسرعة! بسرعة!”

***

كتب الناقد دافيد كالستون في كتابه العاطفي ” جاذبية شاعر” : ” تلون ( رصيف أورليانز) بكل الخسارات التي نتجت واستدعاها الحادث، بالرغم من أن أياً منها ليست موضوعه على وجه الخصوص: تشوه صديقتها، خسارات طفولتها، فقدان القدرة على ضبط النفس و تدفق الهشاشة…”

أهدت بيشوب القصيدة إلى مارجريت، التي كانت رفيقه صفها من فاسار وكانت رسامة واعدة. وفي القصيدة : “النظر أمرٌ لا بدَّ منه لالتئام الجراح،” يروي لنا كالستون أن الكثير من الجراح التي تحتاج إلى الشفاء سوف تمنع بيشوب من العودة مرة أخرى إلى باريس.

المؤلف هنري كول، كاتب أميركي، صدر أحدث كتبه في عام 2011 بعنوان (لمس)، فاز بجائزة جاكسون للشعر، يدرِّس في جامعة ولاية أوهايو.


[1] pot  قِدْر بالفرنسية، يضيف إليها الكاتب هنا حرف e لتصبح poet شاعر بالإنجليزية.

[2] اليزابيت بيشوب(1911-1979) شاعرة أميركية.

[3] روبرت لويل: (1917-1977) شاعر أميركي.

[4] الماريمبا : آلة موسيقية تشبه الاكسيليفون تعود أصولها إلى العبيد الأفارقة الذين قدموا إلى أميركا اللاتينية.

 

Read Full Post »

أفكار حول الأبله لدوستوفسكي*

هرمان هيسه

1919

ترجمة: أماني لازار

كثيراً ما تمت مقارنة” أبله” دوستوفسكي، الأمير ليو ميشيكين، بيسوع. حيث تسهل المقارنة. تستطيع مقارنة أي شخص ممن مسَّتهم واحدة من الحقائق السحرية بيسوع، الذي سرعان ما ينفصل عما هو حياتي متأملاً وبالتالي عازلاً نفسه في خضم محيطه ويصبح مناوئاً للجميع. أبعد من ذلك، لا تبدو لي المقارنة بين ميشكين ويسوع ملائمة تماماً. فقط تبدو لي واحدة من خصال ميشكين، واحدة من  أهم الخصال كي أكون واثقاً، مثل يسوع- عفته الخجولة .الخوف الخفي من الجنس والإنجاب صفة شخصية لا يمكن أن تكون مفقودة في يسوع ” التاريخي”، يسوع الأناجيل، الميزة التي من الواضح أنها تشكل جزءاً من عالمه، بل ويعتبرها عالم اللغة إرنست رينان الأكثر سطحية له.

لكن من الغريب- قليلاً مع ذلك أن أميل للمقارنة المستمرة بين ميشكين والمسيح- ذلك أني أرى أيضاً الصورتين عن غير قصد متعلقتين ببعضهما. هذا لم يحصل لي إلا مؤخراً و بسبب مسألة ليست ذات شأن. أدركت في أحد الأيام بينما كنت أفكر” بالأبله” بأن فكرتي الأولى عنه بدت ضئيلة بشكل جلي دوماً. أراه في الومضة الأولى لخيالي دائماً في مشهد ثانوي محدد ليس مهماً في حد ذاته. لدي التجربة ذاتها مع المخلص. كلما استدعت الخواطر صورة يسوع أو سمعتُ أو رأيتُ كلمة ” يسوع”، فما يثب إلى ذهني أولاً ليس يسوع على الصليب، أو في البرية، أو صانع المعجزات، أو المنبعث من الموت، لكن يسوع في كرم الزيتون، متجرعاً كأس الوحدة الأخيرة ، تمزق روحه ويلات الموت الوشيك والقيامة الأسمى. وعندما يفتش حوله عن تلامذته، في بحثه الطفولي الأخير المؤثِّر عن المواساة، طالباً القليل من الحنو والحميمية البشرية، وهم الراحة الزائلة وسط عزلته اليائسة- كانوا نائمين هناك! كلهم، بطرس الطيب، يوحنا الوسيم- كل هؤلاء الناس الطيبين الذين طالما خدع يسوع  نفسه مراراً وتكراراً بهم ، قصداً وبحب، من شاركهم أفكاره، على الأقل جزءاً منها – كلما استطاعوا فهمه، كلما كان ممكناً في واقع الحال أن يوصل أفكاره إلى هؤلاء الناس، ليوقظ بعض المشاعر الكامنة فيهم، شيئاً ما مثل التفاهم، ما يشبه علاقة حميمة. والآن في لحظة الألم الذي لا يطاق يلتفت نحو هذه الرفقة،  من ليس له سواهم، وهو الآن صريح جداً وكله ذو طبيعة انسانية، المتألم كثيراً قد يكون أقرب إليهم من أي وقت مضى، علَّه يجد الراحة والدعم في أي كلمة تافهة أو نظرة ودودة من جانبهم- لكن لا، هم ليسوا هناك، هم نيام، يشخرون. هذه اللحظة الرهيبة، لا أعلم كيف، أثَّرت بعقلي في الشباب الباكر، وكما قلت، إذا ما فكرت بيسوع، دائماً وبشكل متصل تنبثق ذكرى هذه اللحظة في ذهني.

هناك حالة موازية عند ميشكين. إذا ما فكرت به، “الأبله”، لحظة تبدو كذلك أيضاً للوهلة الأولى أقل أهمية، حين حصلت معي للمرة الأولى، وبشكل مشابه، وهي لحظة الوحدة المأساوية، العزلة الكاملة، التي لا تصدق. هو المشهد في ذلك المساء في بافلوفسك، في منزل ليبديف، عندما كان الأمير لا يزال يتعافى بعد عدة أيام من نوبة الصرع، وقد زارته عائلة يبانشين كاملةً، عندما يبرز الثوريون والعدميون من الشباب العصريين فجأة من قلب هذه البهجة والرضى بالرغم من حلقة التوتر الداخلي. أثناء الثرثرة غير المهذبة مع أوستنسيبل “ابن بافليشيف”، عندما انطلق “الملاكم” والآخرين بهذه الفظاعة، مشهد مقلق ومنفر دوماً حيث كشف هؤلاء الشبان المحدودين وغير الموجهين والخشنين وبشكل سافر عن شيطنتهم البائسة بينما يقفون على منصة مضاءة، حيث كل كلمة من كلماتهم تثير ألماً مضاعفاً لدى القارئ، أولاً بسبب تأثيرهم على ميشكين الطيب ومن ثم بسبب القسوة التي ينكشف المتكلم معها ويتعرى – هذا غريب، لا ينسى، رغم أن المقطع الذي أعنيه في الرواية ليس مهماً بشكل خاص أو يتم التركيز عليه. من جانب هناك المجتمع، الناس الدنيويون المتأنقون، الأغنياء، الاستثنائيون، والمحافظون، ومن جانب آخر هناك الشباب المتوحش، العنيد، من لا يعرفون شيئا سوى الثورة على التقاليد وكراهيتها، قساة، فاسقين، جامحين، حمقى بشكل لا يصدق في كل أفكارهم النظرية، والأمير واقفا بين هاتين المجموعتين، وحيداً، مكشوفاً، مراقباً من قبل كلا الجانبين بشكل انتقادي وبانتباه مركز. وكيف تنتهي الحالة؟ إنها تنتهي بميشيكين بالرغم من الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها بسبب الانفعال، يتصرف تماماً وفقاً للطفه، دمثاً، بطبيعة طفولية، متقبلاً بابتسام ما لا يحتمل، مجيباً دونما أنانية على أكثر المخاطبات بذاءة، راغباً أن يتحمل كل خطأ ويبحث عن كل خطأ في نفسه- وخيبته الكليةة نتيجة لهذا هي في كونه مهاناً، ليس من هذا الجانب أو الآخر، ليس من قبل الشباب مقابل الكبار أو العكس، لكن من كليهما، كليهما !كلهم ينقلبون عليه، لقد خطا خطوات حاسمة، وتمت إبادة المعارضين الاجتماعيين الأكثر تطرفاً في العمر وفي وجهات النظر بالكامل على عجل، كلهم متحدين، وبالتفاتة واحدة أداروا ظهورهم بنقمة وغضب على الوحيد النقي من بينهم!

ما الذي يجعل هذا ” الأبله”لا يطاق في عالم الآخرين؟ لماذا لا يفهمه أحد؟ بالرغم من أن الكل تقريباً يحبه بطريقة ما، تقريباً كل شخص يلمس عذوبة روحه الدمثة، المثالية بالفعل غالباً؟ ما الذي يميزه، رجل السحر، عن الآخرين، الناس العاديين؟ لماذا هم حقاً يرفضونه؟ لماذا عليهم فعل ذلك؟ بشكل محتوم؟ لماذا على الأشياء أن تجري معه كما جرت مع يسوع، الذي لم يفتقده في النهاية العالم فقط لكن كل تلامذته أيضاً؟

هذا لأن طريقة” الأبله” في التفكير مختلفة عن طرق الآخرين. ليس كونه يفكر بمنطقية أقل أو طفولية أكثر وبأسلوب مترابط أكثر من أسلوبهم-ليس هذا. أسلوبه في التفكير هو ما أدعوه “سحرياً”. هذا ” الأبله” الدمث يرفض الحياة كلية، طريقة التفكير والشعور، العالم وواقع الآخرين. واقعه شيء مختلف تماماً عن واقعهم. واقعهم في عيونه ليس أكثر من ظلال، ويصبح عدواً لهم بالرؤية والالحاح على واقع جديد كلياً.

لا يكمن الاختلاف في أنهم قد مُنحوا السلطة ، المال، العائلة، العظمة، وقيم مشابهة وهو لا. وليس أنه يمثل الروحانيات و هم الماديات، أو أي شيء قد يرغب المرء في استنباطه. ليس هنا بيت القصيد. العالم المادي بالنسبة “للأبله” موجود أيضاً، هو يعرف أصلاً أهمية هذه الأشياء حتى لو أنه يحملها على محمل أقل جدية. ولا مبتغاه أيضاً، مثاله، تلك الفكرة الهندو أسيوية، عن الفناء لهذا العالم من الحقائق الظاهرية لصالح محتوى روحي بذاته والثقة بأنه وحده هو الواقع.

لا، نحو تبادلية الطبيعة والروح، نحو تفاعلهما الضروري، سوف يكون ميشيكين قادراً تماماً للتوصل للتفاهم مع الآخرين. لكن بالنسبة لهم التعايش، الكلمتين المتساويتين في صحتهما هو مبدأ وفكرة، بالنسبة له حياة وواقع! لنوضح ذلك أكثر، لنحاول شرحه بطريقة مختلفة. هو مختلف عن الآخرين لأنه أبله ومصاب بالصرع، وفي الوقت نفسه ذكي جداً، وتربطه صلات وثيقة ومباشرة مع اللاوعي أكثر مما يفعلون. أكبر خبرة بالنسبة له هي تلك النصف من الثانية من قابلية التأثر السامية والتبصر الذي خبره عدة مرات، تلك القدرة السحرية للحظة، لومضة اللحظة، لتكون قادراً أن تكون كل شيء، لتقمص أي شيء، للانسجام مع أي شيء، لتفهم وقبول أي شيء في العالم. هناك تكمن ماهية وجوده، لم يدرس ويتلقى السحر والحكمة الصوفية، لم يقرأهما ولا أعجب بهما ( إلا في لحظات نادرة فقط) ولكنه اختبرهما واقعياً. لم يكن وحده من لديه أفكار مميزة وغريبة وملهمة، ولكن وقف أكثر من مرة على عتبة السحر حيث كل شيء مؤكد، حيث ليس فقط أكثر الأفكار الغير مقنعة حقيقة لكن أيضاً الفكرة المناقضة لكل فكرة من هذا القبيل.

ربما أخافَ هذا الأمر الرهيب عن هذا الرجل الآخرين، هو لا يقف وحيداً تماماً، ولا كل العالم ضده. يبقى هناك بعض الناس، مريبين جداً، أناس مهدَّدين ومهدِّدِين جداً، الذين في أحيان يفهمونه عاطفياً: روجوزين، ناستازيا. هو مفهوم  من قبل المجرمين والهستيريين، هو البريء، الطفل الدمث! لكن هذا الطفل، بمشيئة الله، لطفه ليس بادياً عليه. براءته ليست مؤذية على الإطلاق، والناس يخشونه حق الخشية.

علي أن أقول بأن “الأبله”، تقترب أحياناً من ذلك الخط الحدودي حيث كل فكرة وعكسها معترف بها على أنها حقيقة. هذا هو، لديه الحدس بأنه ما من فكرة، ولا قانون، شخصية أو أمر موجود يكون حقيقة وصحيحاً إلا عندما يُرى من قطب واحد- و لكل قطب هناك قطب مقابل. الاستقرار على قطب، تبني الموقف الذي منه تمت مشاهدة وترتيب العالم ، هذا أول مبدأ لكل نظام، لكل ثقافة، كل مجتمع وأخلاق. أيا منا يشعر، ولو للحظة، بأن العدو الأكثر  تهديدا لكل صيغ النظام هي قابلية كل من الروح والطبيعة، الخير والشر للتبادل. لذلك حيث يكون النظام النقيض، وهناك تبدأ الفوضى.

طريق الأفكار الذي يعود نحو اللاوعي، نحو الفوضى، يدمر كل أشكال التنظيم البشري. يقول شخص ما “للأبله” في محادثة بأنه هو فقط ينطق بالحقيقة، ليس أكثر، وهذا ما يبعث على الأسى. وهو كذلك، كل شيء حقيقي، “نعم” يمكن أن تقال لأي شيء، لتنظيم العالم، لتحقيق الأهداف، لوضع قانون ممكن، مجتمع، منظمات، ثقافة، أخلاق، “لا” يجب أن تضاف إلى الـ” نعم”، العالم يجب أن يفصل إلى متناقضات، خير وشر. على أية حال فإنّ اعتباطية التأسيس الأول لكل “لا”، كل حظر، ربما، يصبح مقدساً وما هو آني يصبح قانوناً، ينتج ثماراً، يصبح قاعدة لوجهة نظر ومنظومة أوامر.

تكمن أعلى درجات الواقعية في عيون الثقافة الإنسانية في هذا التقسيم للعالم إلى مظلم ومضيء، خيِّر وشرير، مسموح وممنوع. أعلى درجات الواقعية بالنسبة لميشيكين، بأية حال، هي التجربة السحرية في قلب كل القواعد المثبتة، المبرر المتساوي لوجود كلا القطبين. بالرغم من أن التفكير في نهايتها المنطقية إلى النظام الأمومي للثقافة المبطلة واللاواعية، فإن “الأبله”، لا تكسر ألواح القوانين، بل تقلبها وتظهر معارضاتها المكتوبة على الخلفية.

واقعة أن خصم النظام هذا، المدمِّر المرعب، لا يظهر على أنه مجرم لكن كخجول، شخص محبب ممتلئ بما هو طفولي وساحر، رجل طيب القلب، غيري، خيِّر، هذا سر هذا الكتاب الرهيب. ناجماً عن تبصر عميق، صنع دوستوفسكي شخصية الرجل المريض هذه، المصاب بالصرع. كل تمثيل للجديد، للرهبة، للمستقبل المجهول، كل رواد الفوضى المحسوسة، هي في دوستوفسكي المثقل، الملتبس، المريض. روجوزين، ناستازيا، لاحقاً كارامازوف الأربعة كلهم. كلهم مقدمين على أنهم منحرفين، شخصيات غريبة بطريقة استثنائية، كلهم في هذه الطريقة التي نشعر بها نحو هذا المريض العقلي والمنحرف شيء ما من تلك الرهبة المقدسة التي يؤمن الآسيويين بأنهم يدينون بها للمجانين.

ليس الأمر الملحوظ والغريب، الهامّ والمصيري، أن ثمة مصاباً بالصرع في مكان من روسيا في خمسينات وستينات القرن التاسع عشر، وهو من العبقرية بمكان بحيث امتلك هذه التصورات وخلَق هذه الشخصيات. الأمر الهام أن هذه الكتب تزايدت أهميتها بشكل متصاعد لمدة ثلاثة عقود وأصبحت تشكل أعمالاً نبوئية بالنسبة للشباب الأوروبي. اللافت و الغريب هو أننا ننظر إلى وجوه هؤلاء المجرمين الهستيريين وبلهاء دوستوفسكي بشكل مختلف تماماً خلافاً لما نفعله مع وجوه مجرمين آخرين أو حمقى في روايات شهيرة أخرى، نفهمهم ونحبهم بشكل خارق للطبيعة ذلك أنه لا بد أننا نشعر في أنفسنا بشيء ما متصل وقريب من هؤلاء الناس.

هذا ليس ناجماً عن المصادفة، ولا نجم –ولو بدرجة أقل- حتى عن عناصر أدبية وخارجية في عمل دوستوفسكي. مهما  كان أي من آثاره مربكاً ربما -عليك فقط التفكير كيف يحيط بدرجة عالية من علم النفس اللاوعي المتطور-  نحن لا نعجب بعمله كتعبير عن تبصر عميق ومهارة أو على أنه تقديم فني لعالم معروف بشكل أساسي ومألوف لدينا، لا بل أننا نختبر ذلك كنبوءة، كانعكاس مسبق للانحلال والفوضى التي رأيناها تحل على نطاق واسع في أوروبا في السنوات الأخيرة. لا يقدم هذا العالم من الشخصيات الخيالية صورة لمستقبل مثالي- ما من أحد سيفكر في ذلك. لا، نحن لا نرى في ميشكين وكل الشخصيات الأخرى أمثلة لاستنساخها، لكن  ندرك الحتمية التي تقول، ” لابد أن نمر من خلال ذلك ، هذا قدرنا!”

المستقبل غامض، لكن الطريق الذي يعرض هنا غير ملتبس. إنه يرمي إلى إعادة تقييم روحية، يرشد من خلال ميشيكين ويدعو إلى تفكير “سحري”، قبول الفوضى. العودة إلى التنافر، إلى اللاوعي، إلى انعدام الشكل، إلى الحيوان وما هو أبعد من الحيوان، نحو بداية كل الأشياء. ليس رغبه بالبقاء هناك، ليس ليصبح حيواناً أو طيناً بدائياً لكن بدلاً من ذلك فنحن نستطيع إعادة توجيه أنفسنا، باحثين، عند جذور كينونتنا، عن مواهب منسية وإمكانيات التطور، لنكون قادرين على الشروع في خلق عالم جديد، مقدَّر، ومشاركته. لا يوجد برنامج يستطيع تعليمنا ايجاد هذا الطريق، ولا هناك ثورة بإمكانها أن تقتحم فاتحةً البوابات إليه. كل يمشي هذا الطريق بمفرده، كل واحد بنفسه. كل واحد منا سيكون عليه لساعة في حياته أن يقف على تخوم ميشيكين حيث الحقائق تستطيع أن تتوقف وتبدأ من جديد. كل واحد منا عليه أن يختبر لمرة وبشكل مباشر في حياته عبر نفسه النوع ذاته مما اختبره ميشيكين في لحظات الاستبصار، مثل ما اختبره دوستوفسكي نفسه في تلك اللحظات عندما وقف وجهاً لوجه مع تنفيذ حكم الإعدام الذي نجا منه بتحديقة النبي.

هوامش:

*من كتاب هيسه، ” عقيدتي: مقالات في الحياة والفن”،  قدم لها وحررها تيودور زيولكوفسكي، ترجمها دينفر ليندلي.

** إرنست رينان(1823-1892) : عالم لغوي فرنسي ومؤرخ للدين .(المترجمة)

ترجمة: أماني لازار

Read Full Post »

Older Posts »

royareload

Roya reload

Asylum

John Self's Shelves

هنا تحكي

مُش عارفة ش قاعدة تحكي ولا ليه ولمين تحكي، بس تعرف إنّ فيه أحد- هي، على الأقل- مهتم بالّي تحكيه.

Mystery of the Iniquity

Truth is inspiring, it is guarded by GOD, and will triumph over all opposition!

راضي الشمري

عن الكتب .. وأشياء أخرى.

قراءات

قراءات نقدية معاصرة.. المعرفة والأفكار للجميع

Books, Bikes, and Food

Reviews, Recipes, Rides... and some other things, too.

TIME

Breaking News, Analysis, Politics, Blogs, News Photos, Video, Tech Reviews

Writer on Writer

Book reviews and analysis

Younes Ben Amara

مدونة يونس بن عمارة

Travalanche

Being a web log for the observations of actor, author, cartoonist, comedian, critic, director, humorist, journalist, master of ceremonies, performance artist, playwright, producer, publicist, public speaker, songwriter, and variety booker Trav S.D.

ك ت ب - «ثقافة وفن»| kataba

صحيفة إلكترونية تعنى بالثقافة والفن.. تتطلع لمزيد من التفاعل مع مبدعى ومثقفى العالم

LIFE

Classic Pictures From LIFE Magazine's Archives

I Just Read About That...

Full moon, at our house, Jan 30, 2010

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 248 other followers